توفي سنه ٩٩٤ هـ.
* * *
٣٨٠٤ - الشيخ الفاضل عوض بن نصر بن عبد الرحمن بن شيركوه المصري ، (شرف الدين، أبو خلف) *
محدّث.
من آثاره: "شفاء المرض فيمن تسمّى بعوض".
٣٨٠٥ - الشيخ الفاضل عوض واصف * *
قصصى، صحافي.
انشأ مجلة المحيط بـ "مصر".
من أثاره: "رواية عذراء اليابان"، طبعت بـ "القاهرة" سنة ١٣٢٣ هـ، و"سياحة في القطر المصري"، و"رواية" إسكندر" و"دراجا".
كان حيا قبل ١٣٢٤ هـ.
* * *
стр. 5147
٣٨٠٦ - الشيخ العالم المولى عوض وجيه السمرقندي ، أحد العلماء المشهورين *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد، ونشأ في قرية "أخسيك" من أعمال "سمرقند"، وقرأ العلم على المير عوض التاشكندى، وتفقَّه عليه، ولازمه زمانا.
وكان صافي القريحة، سريع الخاطر، قويّ الحفظ، فاق أقرانه في المعقول والمنقول، فدرّس، وأفاد مدّة طويلة في "بلخ"، ولما فتحها شاهجهان بن جهانغير التيمورى سلطان "الهند". دخل "الهند"، وولي الإفتاء في معسكره، واستقلّ به مدّة.
ثم جعله عالمغير بن شاهجهان المذكور محتسبا سنة تسع وستين وألف، وأعطاه المنصب ألفا لنفسه، ومائة للخيل عوض خمسة عشر ألفا في كلّ سنة.
وهو أول من ولي الاحتساب في الدولة التيمورية، فاستمرّ على تلك الخدمة إلى سنة خس وسبعين، ثم عزل عنها لخطاء صدر منه، وولي مكانه خواجه قادر، وسلب منصبه، فاعتزل في بيته عكفا على الدرس والإفادة، ثم رضي عنه عالمغير سنة ستّ وسبعين، وعفا عنه، ومنحه المنصب، وجعله معلّما لولده محمد أعظم، فانتفع بذلك مدّة حياته.
توفي سنة سبع وثمانين وألف، كما فى "عالمغير نامه"، و"مآثر عالمغيرى"، و"عمل صالح"، و"مرأة العالم".
* * *
стр. 5148
باب من اسمه عيسى
٣٨٠٧ - الشيخ الفاضل عيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى الإمام الكبير *
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: تفقّه على محمد بن الحسن.
قيل: إنه لزمه ستة أشهر.
قال ابن سماعة (١): كان عيسى حسن الوجه، وحسن الحفظ للحديث، كنت أدعوه لمجلس محمد بن الحسن، فيأبى إلى أن لازمه.
وقال: كان بيني وبين النور ستر، فارتفع عنى، ما ظننت في ملك الله مثل هذا الرجل.
стр. 5149
قال أبو خازم: كان عيسى (١) سخيا جدا، كان يقول: والله لو أتيت برجل يفعل فى ماله كفعلي في مالي لحجزت عليه.
قال الطحاوى: سمعت بكّار بن قتيبة يقول: سمعت هلال بن يحيى يقول: ما في الإسلام قاض أفقه منه، يعنى عيسى بن أبان في وقته.
قال الطحاوي: وسمعت بكّار بن قتيبة يقول: كان لنا قاضيان، لا مثيل لهما، إسماعيل بن حماد، وعيسى بن أبان.
وله "كتاب الحج" (٢)، ورأيت المجلّد الأول منه، وسبب تصنيفه له مشهور.
قال الطحاوى: سمعت أبا خازم القاضي يقول: ما رأيت أحدا، فتمنيت أن أكون مثله، إلا محمد بن سماعة، وما رأيت قط فقيهين متواخيين، كلّ واحد منهما يوجب لصاحبه، كإيجابه لنفسه غير محمد بن سماعة، وعيسى بن أبان بن صدقة.
قال الطحاوي: وحدثنا أبو بكر بكّار بن قتيبة القاضي، قال: سمعت هلال بن يحيى يقول: ما ولي "البصرة" منذ كان الإسلام إلى وقتنا هذا قاض أفقه من عيسى بن أبان.
قال: وسمعت محمد بن يونس البصرى، قال: سمعت عيسى بن أبان، وهو على باب مسجده يريد دخوله، فقالت له امرأة: أيها القاضي الله في أمرى، سل عن قضيتي الفقهاء قبل أن تقضي عليَّ، سل عن ذلك هلالا، فسمعته يقول: أيتها المرأة ما بنا إلى هلال من فاقة (٣).
стр. 5150
قال الإمام اللكنوي في "الفوائد البهية": ذكره السمعاني عند ذكر القاضي، وقال: استخلفه القاضى يحيى بن أكثم على قضاء العسكر وقت خروجه مع المأمون إلى "قم"، فلم يزل على عمله إلى أن رجع يحيى، ثم تولى القضاء بـ"البصرة"، فلم يزل عليه، حتى مات، وأسند الحديث عن إسماعيل بن جعفر، وهاشم بن بشر، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ومحمد بن الحسن، وغيرهم.
وقال محمد بن سماعة: كان عيسى ابن أبان حسن الوجه، وكان يصلّي معنا، وكنت أدعوه إلى محمد بن الحسن، فيقول: هؤلاء قوم يخالفون الحديث، وكان عيسى حسن الحفظ للحديث، فصلّى معنا يوما الصبح، وكان يوم مجلس محمد، فلم أفارقه، حتى جلس في المجلس، فلمّا فرغ محمد، قلت: هذا ابن أخيك أبان بن صدقة، ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك، فيأبى، ويقول: إنا نخالف الحديث، فأقبل عليه، وقال يا بنيّ! ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث، فسأله عن خمسة وعشرين بابا من الحديث، فجلس محمد يجيبه عنه بما فيها من المنسوخ، ويأتي بالشواهد والدلائل، فلزم عيسى محمد بن الحسن لزوما شديدا.
وقال أبو خازم القاضي: ما رأيت لأهل "بغداد" أكثر حديثا من عيسى، وبشر بن الوليد، ومات بـ"البصرة" في المحرّم سنة ٢٢١ هـ.
* * *
٣٨٠٨ - الشيخ الفاضل عيسى الملك المعظم ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب *
стр. 5151
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: تفقّه على الحصيرى (١)، وسمع من حنبل الرصافي، وابن طبرزد، واعتنى، وصنّف "السهم المصيب في الرد على الخطيب"، وغيره.
وحدث، وحجّ.
توفي في سلخ ذى القعدة في الساعة الثالثة من يوم الجمعة، سنة أربع وعشمرين وستمائة بـ"دمشق"، ودفن بالقلعة، ونقل بعد ذلك إلى "جبل قاسيون"، ودفن بمدرسته.
وولد في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، ولم يكن في بنى أيوب حنفي سواه، وتبعه أولاده.
ومن مناقبه: أنه كان شرط لكلّ من يحفظ "المفصّل" للزمخشرى مائة دينار، وخلعة، فحفظه لهذا السبب جماعة.
стр. 5152
قال ابن خلكان: ورأيت بعضهم بـ"دمشق" والناس يقولون: إن سبب حفظهم له كان هذا، وكان له رغبة فى الأدب.
وقيل: إن له شعرا (١)، ومرض ابن عُنَين الشاعر (٢)، فكتب له (٣):
أنظر إليَّ بعين مولى لم يزل … يولي الندا وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي احتاج ما تحتاجه … فاغنم ثوابي والثناء الوافي (٤)
فجاء إليه بنفسه يعوده، ومعه صرة، فيها ثلاثمائة دينار، فقال (٥): هذه الصلة، وأنا العائد.
قلت: من تصانيفه: "كتاب في العروض"، و"ديوان شعر"، و"شرح الجامع الكبير" (٦) للشيباني في فرع الحنفية، وخلف آثارا، منها: المدرسة
стр. 5153
........................................
стр. 5154
........................................
стр. 5155
........................................
стр. 5156
المعظمية في "صالحية دمشق"، وكان وافر الحرمة، فارسا، شجاعا، كثيرا ما كان يركب وحده لقتال الفرنج، ثم تتلاحق به المماليك والجنود، وكان يجامل أخاه الكامل صاحب "مصر"، فيخطب له في "بلاد الشام"، ولا يذكر اسمه معه، ولم يكن يركب بالمواكب السلطانية ازدراء لها، وكان عالما بفقه الحنفية، والعربية.
قال الإمام اللكنوي في "الفوائد البهية": قد ذكر ابن الأثير الجزرى وفاته في "الكامل" في حوادث سنة ٦٢٤ هـ، وقال: كان عالما بعدّة علوم، فاضلا، فيها، منها: الفقه على مذهب أبي حنيفة، فإنه كان قد اشتغل به كثيرا، وصار من المتميّزين فيه، ومنها: علم النحو، فإنه اشتغل به أيضا اشتغالا زائدا، وصار فيه فاضلا، وكذلك اللغة وغيره، وكان قد أمر أن يجمع له كتاب في اللغة، جامع كبير، فيه كتاب الصحاح، ويضاف إليه ما فات الصحاح من "التهذيب" للأزهرى، و"الجمهرة" لابن دريد، وغيرهما، وكذلك أمر بأن يرتّب "مسند الإمام أحمد" على الأبواب، ويردّ كلّ حديث إلى الباب الذي يقتضيه معناه، وقصده العلماء من الآفاق فأكرمهم، وأجرى عليهم الجرايات الوافرة، وكان يجالسهم، ويستفيد منهم، ويفيدهم. انتهى ملخّصا.
وفي "تاريخ ابن خلكان" الملك المعظّم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب صاحب "دمشق"، كان عالى الهمّة، حازما، شجاعا، مهيبا، فاضلا، جامعا، شمل أرباب الفضائل، محبّا لهم، وكان حنفي المذهب، متعصّبا لمذهبه، وله فيه مشاركة حسنة، ولم يكن في بني أيوب حنفي سواه، وتبعه أولاده، وكان قد حجّ في سنة إحدى عشرة وستمائة، وكان يحبّ الأدب كثيرا، ومدحه جماعة من الشعراء المجتهدين، فأحسنوا في مدحه، وكانت له رغبة في الأدب، وسمعت أشعارا منسوبة إليه، ولم أستثبتها. وقيل: إنه شرط لكل من يحفظ
стр. 5157
"المفصَّل" للزمخشري مائة دينار وخلعة، فحفظه لهذا السبب جماعة، وكانت مملكته متسعة من حدود بلاد "حمس" إلى "العريش"، يدخل في ذلك بلاد الساحل الإسلامية و"بلاد الغور" و"فلسطين" و"القدس" و"الكرك" و"الشوبك" و"صرخد"، وغير ذلك.
وكانت ولادته في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، ودكر أبو المظفّر سبط ابن الجوزى في تاريخه "مرآة الزمان" أنه ولد في سنة ٥٧٦ هـ، وتوفي ليلة مستهلّ ذى الحجّة سنة أربع وعشرين وستّمائة. وقال غيره: بل توفي يوم الجمعة ثامن ساعة من نهار سلخ ذى القعدة سنة ٦٢٤ هـ بـ"دمشق"، ودفن بقلعتها، ثم نقل إلى "جبل الصالحية"، ودفن في مدرسة هناك، بها قبور جماعة من أخوته، وأهل بيته، تعرف بـ"المعظّمية"، وتولى موضعه ولده الناصر صلاح الدين داود، وتوفي في السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ستّ وخمسين وستمائة في قرية، يقال لها "البويضا" على باب "دمشق"، ودفن عند والده، وكانت ولادته يوم السبت سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وستمائة بـ"دمشق". انتهى ملخّصا.
وقد ذكر اليافعي في "مرآة الجنان"، والسيوطي في "حسن المحاضرة" ترجمته مختصرة مما قال ابن خلكان. وفي "طبقات القارئ" عيسى بن أبي بكر بن أيوب الملك المعظّم شرف الدين الفقيه الفاضل البارع النحوي اللغوى المجاهد في سبيل الله، والدين "القاهرة"، ونشأ بـ "الشام"، وقرأ القرآن، وتفقّه على مذهب أبي حنيفة، فبرع فيه، وحفظ المسعودي، واعتنى بـ"الجامع الكبير"، وشرحه في عدّة مجلّدات، وصنّف كتابا، حماه "السهم المصيب في الردّ على الخطيب"، وهو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادى فيما تكلّم به في حقّ أبي حنيفة في "تاريخ بغداد"، وحدّث، ورجّج، وكان متغاليا في التعصيب لمذهب أبي حنيفة، قال له والده يوما كيف اخترت مذهب أبي حنيفة، وأهلك كلّهم شافعية، فقال:
стр. 5158
أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم، وصنّف كتابا في العروض، وسمع "مسند الإمام أحمد" بكماله، وقد كان أمر الفقهاء أن يجرّدوا له مذهب أبى حنيفة دون صاحبيه، فجرّدوه، فحفظه.
* * *
٣٨٠٩ - الشيخ الفاضل عيسى بن عيسى الصفتي، البحيري، الفحيلي *
فاضل.
من تصانيفه: "القول السديد في وصول ثواب فعل الخيرات للأحياء والأموات بلا شكّ ولا ترديد"، فرغ من تأليفه في غاية جمادى الأولى سنة ١١٣١ هـ، "عطية؟ في ارضاء الجوامك والاطيان"، و"قرّة العين في انتقال الحرام إلى ذمتين"، و"الجواهر الحسان في حل شرب الدخان".
كان حيا ١١٣١ هـ.
* * *
٣٨١٠ - الشيخ العالم الكبير العلامة المحدّث أبو البركة عيسى بن
стр. 5159
قاسم بن يوسف بن ركن الدين بن المعروف بن الشهاب، المعروفي، الشهابي، الشطاري، السندي *
أحد العلماء الربّاينيين.
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد بـ"إيرجبور". من أرض "برار" سنة اثنتين وستين وتسعمائة، وكان والده إذ ذاك في السفر، فسمّاه عمّه الشيخ طاهر بن يوسف السندى باسمه المذكور، فلمّا جاء والده استبشر بمولده، وأراد أن يبدل اسمه سليمان، لأن أمّ ولده لما كانت حاملة به رأى بعض الصلحاء في المنام أن سليمان بن داود ﵇ جاء في بيتها، ولذلك كان والده يريد أن يسمّيه سليمان، ولكنّه لم يبدله تأدّبا لأخيه.
ومات والده سنة ثمانين وتسعمائة، فرحل مع عمّه إلى "برهانبور"، وقرأ عليه العلم وعلى غيره من العلماء.
ثم أخذ الطريقة عن الشيخ لشكر محمد العارف الشطارى البرهانبُوري، وتصدّر للإرشاد بعده، وكان يدرّس ويفيد، أخذ عنه أبناؤه: عبد الستّار، وفتح محمد، وبرهان الدين البرهانبوري، وإسماعيل بن محمود الشطاري السندى، وخلق كثير.
وله مصفنّات كثيرة ممتعة، منها: "الروضة الحسنى في شرح أسماء الله الحسني"، وله "عين المعاني" رسالة أخرى في شرح الأسماء الحسنى، وله "الحواسّ الخمسة" رسالة فى تطبيق الحواس الخمسة على الحضرات الخمس، وله حاشية على إشارة غريبة من الإنسان الكامل للشيخ عبد الكريم الجيلي، وله شرح بالفارسي على "قصيدة البردة"، وله "قبلة المذاهب الأربعة" مع الإشارات من أهل التصوّف، وله حاشية على "الفوائد الضيائية" للشيخ عبد الرحمن الجامي،
стр. 5160
صنّفه لولده عبد الستّار، وله "الفتح المحمدي" كتاب في ما يتعلّق بالتفسير، صنّفه لولده فتح محمد، وله "التتميم" "شرح المائة العاملة"، صنّفه بطلب السيّد علي بن عمّ القاضي نور الله، وله رسالة في عقد الأنامل، وله شرح على الرباعيتين، وله ترجمة "أسرار الوحي".
ومن مصنّفاته الشهيرة "أنوار الأسرار" في حقائق القرآن ومعارفها، كتاب مبسوط، أوله: لك الحمد يا من دعوته لطالبيه إلى جمال غرّته فاتحة الأبواب، إلخ.
قال في مفتتح ذلك الكلناب: هذه مشاعل أنوار الأسرار في المشاهيد الأبكار، لتنوير عيون الفحول الأحرار، عن رقبة التقليد والأكدار، قد لاحت من حضرة القدير على مذهب الفقير، من غير تأمّل وكسب، بل ألهمه الله بعين عنايته عند الكتابة.
ومرارا يقول لنفسه: أيها الفضول! إلى أين تذهب! أتدرى ما الكتاب وما الإيمان بظاهره وباطنه، فتقف عنده، وتقول: "ما أدري ما يفعل بي"، فألهمني الله تعالى، فنوديت من سرى ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ إلخ.
ومن فوائده: ما قال في تفسير ﴿أعوذ بالله من الشيطان الرجيم﴾. الشيطان البعد، وهو البعد الذى بين العبد وربه وهما، وليس في الحقيقة، أو البعد الموهوم والخلاء المتوهم في محل وجود العالم، يعني العالم ظاهر خارج عن حضرة الغيب المتجلّي في الخلاء المتوهّم.
وقال في تفسير ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾:
متلبّسا باسم الله الذي تجلّى بالأسماء والصفات المقتضية لحقائق الأسماء الكونية بعلم اليقين، يعني شرعت في حال التحاق علمي بأسماء الله
стр. 5161
بالذوق والوجدان، أو قل متحقّقا باسم الله الذي تجلّى بالأسما الألوهية والصفات الربّاينة بعين اليقين، يعني شرعت في حال تحقّقى بالأسماء والصفات بعيني معها، أو قل متلبسا باسم الله الذى تجلّي بالنسب الوجوبية والأوصاف الفعلية لحقّ اليقين، يعني شرعت بحال إظهاري وتحقّقي الأسماء الإلهية الفعلية على الحقائق الكونية الانفعالية بالخلافة لا بالأصالة، فإنه لا قدم للممكن كائنا ما كان في الوجوب الذاتي، ولا يكون هذه إلا للكمل، والتى فوقها للكامل، والتي فوقها للواصل المبتدئ في العرفان بالأحدية الذاتية.
وقال في تفسير ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عند أهل الظواهر تعريفه هو الثناء باللسان على قصد التعظيم، وله مراتب أربع عندهم: إما أن يكون ثناءه لعبده على حسن أقواله وأفعاله، أو يكون ثناء العبد له سبحانه على كمالاته الواصلة إليه من الوجود والبقاء، أو يكون نثاءه كقوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أو يكون ثناء العبد للعبد على كمالاته الظاهرة فيه بإذن الله سبحانه، فكلّ المحامد راجعة إليه.
أما عند أهل السلوك فستة أقسام: فعلي وقولي وحالي من كلا الجانبين، فأما القولي من العبد، فبأن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ موافقا للقلب عند القول به، وأما الفعلي فهو الإتيان بالأعمال البدنية من العبادات والخيرات ابتغاء لوجه الله وتوجّها إلى جانبه الكريم، لأن الحمد كما يجب على العبد باللسان يجب بحسب كلّ عضو، وذلك لا يمكن إلا باستعمال كلّ عضو لما خلق لأجله على الوجه المشروع عبادة للحقّ سبحانه وانقيادا لأوامره، لا طلبا للحظوظ النفسانية من اللذّة العجيبة في الدنيا، ومن الجنة والنعيم في الآخرة، وأما الحالي فهو الذي يكون بحسب الروح
стр. 5162
والقلب كالاتصاف بالكمالات العلمية والتخلّق بالأخلاق الملكية والربّانية من الرضا في الطاعات والجود عند العطيّات.
أما القول منه سبحانه بأن حمد نفسه في كتبه لأنبيائه أني منزّه عن النقائص، والفعلي منه سبحانه بأن يسلم أفعاله من الشرّ المحض ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
والحالي منه سبحانه بأن يظهر في الكلّ من الممكنات بالكلّ من المحامد والخيرات.
وأما عند أهل المعرفة الذي سفره وسيره من نفسه إلى ربّه فأيضا ستة أقسام، وتعريف الحمد عندهم ظهور الكمالات لله تعالى، فهو قولي وفعلى وحالي، فأما القولي من العبد فبأن يعلم عند المنطق أي نطق كان من النفس أو من غيره أن هذه كمالات ظاهرة من الحقّ بصفة الكلام بعلم اليقين، وأما الفعلى منه فبأن يتمكّن عن نفسه بحركات كلّ عضو من أعضائه عند التصرّف والتصريف، أي فعل كان سواء من نفسه أو من غيره أن هذه كمالات ظاهرة بحواسّ السالك، وبجوارحه بحسب قرب النوافل بعين اليقين، كما ورد في الصحيح: "بي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق". الحديث.
وأما الحالي منه فبأن يتحوّل عن نفسه بالكلّية وبكلّ التصوّف إلى ربّه، بأن يتصرّف بجميع حواسّه وقواه وجوارحه بحسب قرب الفرائض بحقّ اليقين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
وأما القولي من الله سبحاني فبأن يظهر كمالاته الوجودية عن نفسه، ويقول: و ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وأما الفعلي منه فبأن ينسب إليه كلّ فعل، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ من نسبة الفعل إلى الغير.
стр. 5163
أما الحالي منه سبحانه فبأن يلتذّ بكلّ لذّة يجدها الممكن بظهوره في مرتبة التفرقة، ولعلّك تقول: إن الحقّ منزّه، واللذّة من لوازم الممكنات المحدثات، فكيف يضاف إليه؟
فجوابه الشافي أنه من المتشابهات، ستقف عليه قريبا في أول التبصرة إن شاء الله تعالى. ولعلّك لا تجد أحدا سبق لبيان هذه الأقسام الستة الأخيرة عبارة، وإن سبق وجدانا وإشارة.
وههنا سرّ آخر:
كما لا يجوز كشفه لا يجوز كتمه من أهله، وهو أنّ في الحمد القولي والفعلي والحالي معنى آخر. أما في القولي فبأن ينطق العارف الخليفة بكلّ من يتكلّم بالكلام الأزلي وغيره، وفي الفعلي بأن يفعل، ويسمع، ويبصر بكلّ من يفعل، ويسمع، ويبصر، وفي الحالي بأن يتلذّذ بكلّ من يتلذّذ من اللذّات الملائمة للطبع، ولعلّه لم يسبق ببيان هذه الأقسام الثلاثة من الحمد أيضا أحد قبلى، أو سبق، ولم يبلغ لنا، والله أعلم.
هذا قليل من كثير إفاداته التي لا يحتملها هذا المختصر.
وكانت وفاته في الرابع عشر من شوّال سنة إحدى وثلاثين وألف بمدينة "برهانبور"، وقبره ظاهر مشهور.
* * *
٣٨١١ - الشيخ الفاضل عيسى بن موسى بن أبى بكر بن الحسن الصَّقَلّي أبو الروح *
стр. 5164
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية"، وقال: هو فقيه إمام مقرئ محدّث.
سمع من العلامة أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي.
مات بـ "دمشق" سنة أربع وخمسين وستمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٨١٢ - الشيخ الفاضل عيسى بن أبي موسى الضرير والد محمد يأتي (١) *
قال الخطيب: كان أحد المتقدّمين في هذا المذهب، أعني مذهب العراقيين.
قال: وتلاه أبو عبد الله، -يعني ابنه محمدا- في التمسّك به، والذبّ عنه، [وكلام المخالفين له] (٢).
* * *
стр. 5165
٣٨١٣ - الشيخ الفاضل عيسى بن يونس بن أبي إسحاق أبو عمرو السبيعي الكوفي أخو إسرائيل، تقدم (١) *
رأى جدّه، ولم يسمع منه. وسمع الأعمش، ومالك بن أنس.
قال على ابن المديني جماعة من الأبناء أثبت عندنا من آبائهم، منهم: عيسى بن يونس.
وسمع عليه الأمين، والمأمون، وأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم، فردها، فظنّ أنه استقلَّها، فأمر له بعشرة آلاف درهم (٢) أخرى، فقال عيسى: لا ولا إهليلجة (٣)، ولا شربة ماء على حديث رسول الله ﷺ .
стр. 5166
قال أحمد بن جناب: مات سنة سبع وثمانين ومائة (١)، وقد غزا خمسا وأربعين غزوة، وحجّ خمسا وأربعين حجّة.
روى له الشيخان.
* * *
٣٨١٤ - العالم الفاضل الكامل المولوي عيسى خليفة *
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية"، فقال: كان رحمه الله تعالى من نواحي "قسطموني".
قرأ على علماء عصره، ثم وصل إلى خدمة المولى الفاضل أفضل زاده.
ثم سلك مسلك التصوّف، واختار طريقة الوعظ، وعين له كلّ يوم ثلاثون درهما، وكان يعظ الناس أيام الجمعة في جوامع "قسطنطينية".
وكانت له يد طولى في التفسير والوعظ والتذكير، وكانت له مشاركة مع الناس في سائر العلوم، وكان كلامه مؤثرا في النفوس تأثيرا عظيما، وربما ينشد في أثناء وعظه الأبيات الفارسية المناسبة للحال، ثم نصب خطيبا في جامع السلطان محمد خان، ثم ترك الخطابة، وصار واعظا.
وتوفي على تلك الحال، روّح الله روحه.
* * *
стр. 5167
٣٨١٥ - العالم الفاضل الحكيم عيسى الطبيب، رحمه الله تعالى *
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية"، فقال: قرأ ﵀ على علماء عصره، ثم رغب في الطبّ، وتمهّر فيه. واشتهر بالبركة في المعالجات، ثم نصب طبي با ب مارستان "أدرنه"، و "قسطنطينية". ثم صار طبيبا بدار السلطنة.
ثم توفي في سنة هنا بياض بالأصل وتسعمائة.
وكان ﵀ رجلا صالحا، صحيح العقيدة، متصفا بصلاح النفس، وكرم الأخلاق، مملوءا بالخير من فرقه إلى قدمه، محبا للفقراء والصلحاء، ومراعيا للضعفاء والمساكين، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٨١٦ - الشيخ الفاضل العلامة مولانا عين الدين بن فضل علي المومنْشَاهَوي * *
ولد سنة ١٣٣٠ هـ في "كشوركنج" من أعمال "مومنْشَاهي".
قرأ مبادئ العلم في مدرسة مُنْغَلْبَاريه، ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، وقرأ فيها الفنون العالية، ثم التحق بمدرسة دابيل في "الهند"، وقرأ فيها الحديث على شيخ الإسلام العلامة شبير أحمد العثماني، صاحب "فتح الملهم في شرح صحيح مسلم"، ثم التحق بدار العلوم ديوبند، وقرأ على أساتذتها الكبار كتب الحديث مرّة ثانية.
стр. 5168
ومن كبار أساتذته فيها: شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، رحمه الله تعالى.
وبعد إتمام الدراسة رجع إلى وطنه المألوف، ودرّس في عدّة مدارس، ثم التحق بالمدرسة العالية هَيْيَتْ نَغَر، ودرّس فيها كتب الحديث، والتفسير.
* * *
٣٨١٧ - الشيخ الفاضل عين القضاة بن محمد وزير بن محمد جعفر الحسيني، النقشبندي، الحيدر آبادي، ثم اللكنوي، أحد الأفاضل المشهورين *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: ولد بـ "حيدر آباد" عاصمة بلاد "الدكن" سنة أربع وسبعين ومائتين وألف، واشتغل بالعلم أياما في بلدته، ثم قدم "لكنو"، وقرأ بعض الكتب الدراسيّة على تلامذة العلامة عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي، ثم تتلمّذ عليه، ولازمه، وقرأ عليه سائر الكتب الدراسية، وبرز في العلوم الحكمية.
وصنّف حاشية بسيطة على "شرح هداية الحكمة" للميبذي، ودرّس زمانا قليلا بـ "لكنو"، ثم أخذته الجذبة الربانية، فسار إلى بلدة "سورت"، ولازم الشيخ موسى جي التركيسري، وأخذ عنه الطريقة النقشبندية (١)، ثم قدم
стр. 5169
"لكنو"، وأقام بدار شيخه عبد الحي المذكور على جسر "فرنغي محل"، ومعه والده، وعكف على الدرس والإفادة، لا يراه أحد إلا في بيته أو في المسجد، وبعد مدّة طويلة سافر إلى الحرمين الشريفين، وأقام بهما سنتين، ثم قدم "لكنو"، وبنى له والده دارا ببلدة "لكنو"، وهو لم يتزوّج، ولا تسرى، ووالده كان يقوم بمصالحه مدّة حياته، وهو صاحب برّ ومؤاساة لأصحابه، وسعى في مصالحهم، وملبوسه كآحاد الفقهاء، وهو ربع القامة، نقيّ اللون، محلوق الرأس، طويل اللحية، يصلّي مع الناس في المسجد، ولكنّه لا يؤمّهم.
وفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وألف سافر مع والده إلى الحرمين الشريفين مرّة ثانية، فحجّ، وزار، وجع إلى بلدة "لكنو"، وأسّس والده المدرسة الفرقانية لتدريس القرآن وتعليم القراءة والتجويد، وأوقف عليها عروضه وعقاره، ومات سنة ١٣٣١ هـ، فقام مقامه ولده السعيد الرشيد، يحمل أعباء المدرسة، وزاد فيها بمقدار كثير، وبنى العمارات العالية للمدرسة، ورتّب الأساتذة، ووظّف الطلبة، حتى بلغت مصارفه نحو ثلاثة آلاف شهرية،
стр. 5170
وهو فقير، لا مال له، ولا يأخذ عن أحد درهما ولا دينارا، والله أعلم من أين يصل إليه المال الخطير للمدرسة، وللأعطاء كلّ يوم صباحا ومساء، لكلّ من يفد عليه من العرب والعجم، فإنه في إنفاق المال كالريح المرسلة.
وقد نفع الله بهذه المدرسة نفعا كبيرا، وتخرّج منها مئات من الحفّاظ والقرّاء المجوّدين، وانتشروا في "الهند"، وما جاورها من البلاد، ونشروا علم القراءة والتجويد، وخرجوا، وكان يطعم الناس طعام الإمارة مرّتين في كلّ سنة، ويصنع وليمة عظيمة بمناسبة مولد النبي ﷺ ، يؤذن فيها لكلّ وارد وصادر من أهل البلد وغيره، ويذبح لها مائتان من النعاج والتيوس المخصيّة الفارهة.
توفي إلى رحمة الله في الثاني من رجب سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف، وقد زاره رجل من "إيران"، وأنشده أبياتا منسوبة إلى سيّدنا علي كرّم الله وجهه، فأخذته الجذبة، وخرّ ساجدا، ومات في تلك الحالة.
* * *
стр. 5171
حرف الغين المعجمة
باب من اسمه غالب وغالي وغسَّان وغنَّام
٣٨١٨ - الشيخ الفاضل غالب بن عبد الخالق بن أسد بن ثابت أبو الحسين، الإمام، شهاب الدين *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: مولده بـ "دمشق" في سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
وقتل بأرض "دارَيّا" (١) على يد أقوام، كان له عليهم ديون، خرج في طلبها، فاغتالوه في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
وقيل: سنة ثمان.
تفقّه على أبيه عبد الخالق، وقد تقدّم (٢).
وسمع، وحدّث، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 5172
٣٨١٩ - الشيخ الفاضل غالي بن إبراهيم بن إسماعيل، أبو علي، الغزنوي، البَلقي، الإمام ناصر الدين، الملقّب بتاج الشريعة *
стр. 5173
ويلقّب نظام الإسلام.
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجوهر"، وقال: هو صاحب فنون، إمام في التفسير والفقه والعربية والأصول والجدل (١).
رأيت له تفسيرا للقرآن الكريم في مجلّدين ضَخْمَين، سماه "تقشير (٢) التفسير"، أبدع فيه.
تفقّه عليه عبد الوهَّاب بن يوسف المذكور في حرف العين (٣) بـ "حَلب" (٤).
وتوفي عبد الوهَّاب سنة تسع وتسعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٨٢٠ - الشيخ الفاضل المولى غرس الدين أحْمَد *
ذكره صاحب "العقد المنظوم" في كتابه، وقال: نَشأ ﵀ فِي مَدِينَة "حلب"، وَرغب فِي الْعُلُوم، وتشبث بِكُل سَبَب، وَقَرَأَ المختصرات على الشَّيْخ حسن السيوفي، وَحصل طرفا صَالحا من فنون الأدب.
стр. 5174
ثمَّ قصد إلى التَّحْصِيل التَّام، فارتحل مَاشِيا إلى "دمشق الشَّام"، وَأخذ فِيهِ الطِّبّ من مقدم الألباء وَرَئِيس الأطبّاء الْعَالم الذكي المشتهر بِابْن الْمَكِّيّ.
ثمَّ انْتقل من تِلْكَ العامرة مَاشِيا إلى "الْقَاهِرَة"، واشتغل فِيهَا على الْعَالم الْجَلِيل الْمِقْدَار الشَّيْخ المشتهر بِابْن عبد الغفِّار، وَأخذ مِنْهُ الحكميات، وعلوم الرياضيات، وَسَائِر الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة قاطبة، بالدروس الرَّاتِبَة.
وَأخذ الحَدِيث وَسَائِر عُلُوم الدين من القَاضِي زَكَرِيَّا شيخ الْمُفَسّرين، فأصبح، وَهُوَ لناصية الْعُلُوم آخذ، وحكمه فِي ممالك الْفُنُون نَافِذ، وتنقلت بِهِ الأحوال، وتأخرت عَنهُ الأمثال، وفَاق على الأقران، وَسَار بِذكرِهِ الركْبَان.
وَلما كَانَت فضائله ظَاهِرَة عِنْد سُلْطَان "الْقَاهِرَة" أحبّ رُؤْيَته، واستدعاه، وَرفع مَنْزِلَته، وأكرم مثواه، ثمَّ جعله معلّما لِابْنِهِ، ومربّيا لغصنه، وَلما وَقع بَين مخدومه وَبَين سُلْطَان "الرّوم" من المنافسة حضر الْوَقْعَة الْمَعْرُوفَة من جَانب الجراكسة، فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ، وتراءت الفئتان، وَتقدم الأبطال، وتبعهم الرِّجَال، وهجم لُيُوث الأروام، وأسود الآجام على ذئاب الأعادي وثعالب الْبَوَادِي، وَكَتَبُوا بأقلام السمر أحاديث الْجرْح والسقام، وأوصلوا إليهم أخبار الْمَوْت برسل السِّهَام، وأرسلوا عَلَيْهِم شواظا من نَار، وأحلوا أكثرهم دَار البور.
وأخذ الصَّوَاعِق والبروق فِي اللمعان الشروق، وأمطر عَلَيْهِم السَّمَاء الْحَدِيد وَالْحِجَارَة، وضيق عَلَيْهِم هَذِه الدارة، وسالت بدمائهم الأباطح، وشبعت من لحومهم الْجَوَارِح، لم يثبت الجراكسة إلا ساعة من النَّهَار.
ثمَّ بدلُوا الْفِرَار من الْقَرار، وَجعلُوا أمام عَسْكَر "الرّوم"، يتواثبون، وهم من ورائهم بِهَذَا القَوْل يتخاطبون:
إلى حَضْرَة أحيا الأنام بعلمها … وَبَان بهَا حكم الشَّرِيعَةْ وَالشّرط
فَلَا مطلب إلا ذراها نعم وَلَا … رحال لَدَى عزم إلى غَيرهَا تخطو
لقد جد أقوام وضاهوا بِمِثْلِهَا … فدون أمانيها القتادة والخرط
فكم من كَبِير قد جبرت لحاله … وفككت مأسورا أضربه الرَّبْط
كم من أياد قد أناخت لكاهل … وَمَا كَادَت الأقدام من حملهَا تخطو
سبقت إلى الْفضل السراة فَمَا لَهُم … من الجْهد الأدون عزمك قد حطوا
عَلَوْت إلى إن جِئْت بِالشُّهُبِ منطقا … فسارت بِهِ الأمثال وَالْعرب والقبط
جمعت لأنواع الْعُلُوم فَلَا نرى … لمثلك فَردا فِي الْفُنُون لَهُ ضبط
لعمري من أَيَّام أرى فِيهِ للعدا … كمودا وَقد حاروا وَقد ساءهم سخط
جواد لَهُ جود ترَاهُ على الرِّضَا … وإلا تمنى أن فارسه سقط
فَتلك أمانيهم وأحلام كَاذِب … فَهَل ثمَّ عقبان يردعها البط
سلوا عُلَمَاء الْخَافِقين وفتية … بسمر القنا في الْجَانِبَيْنِ لَهُم شَرط
فَهَل كَانَت الأنعام تأوي لبقعة … أقام بهَا لَيْث وفيهَا لَهُ سبط
فيا حبذا يَوْم وَفِيه تظلهم … سيوف لكم بيض على روسهم رقط
ترود حِيَاض الْمَوْت فِيهِ نُفُوسهم … ونيران نقع من زفير لَهَا لغط
وتهدي المنايا للنفوس بأسهم … وأقلام سمر من أسود بهَا نشط
فديتكم روحى لقد حئت بالخطا … فحلم بدا مِنْكُم فحاشاه بِي يَسْطُو
فأين صوابي والخطا كَانَ جبلتي … وأقدام مَا أبغى عَلَيْهِ لقد حطوا
فسامح لمن أخطأ وصنه تكرما … فأبكار فكرى للخاطئين قد خطوا
جَزَاك إله الْعَرْش عني عَطِيَّة … ويأتيك أفراح ويعقبها الْغَبْطُ
وَلما وصل إليه القصيدة الميمية الَّتِي أنشأها الْمُفْتِي أبو السُّعُود، عَلَيْهِ رَحْمَة الرب الْوَدود، وَهِي الَّتِي أولها:
أبعد سليمى مطلب ومرام … وَغير هَواهَا لوعة وغرام
стр. 5177
صنع خطْبَة سنية، وصنع عدَّة أبيات سينية، وأرسلها إلى الْمولى الْمَزْبُور:
أستبدى باسم السَّلَام إلى السدة السّنيَّة، وأستهدي من سناء سيدنَا وسندنا بنسمة من نسماته السجسجية، سالكا سَبِيل التَّسْلِيم، متمسّكا بالصراط الْمُسْتَقيم، نسج السحر فِي سلك الاسْتقَامَة، فسبى النُّفُوس، وأستدعى لسليمى، فأسرعت إليه كالعروس.
ثمَّ صلا عَنْهَا بسلوان من التَّسْلِيم، وسلب أساطيرها عَن سويدائه بسر سليم، فَسَأَلت السخاء من سَحَاب سماحته، فأسعفني بهَا، واسترقني من سَاعَته، فَسمِعت مستهاما في سلسال سلسبيلها، مسارعا لسلافها، فسل سَبِيلهَا، وأنشدت:
سطور لَهَا حسن عَن الشَّمْس أسفرت … سباني سنّ باسم وَسَلام
فسهل لَهَا سفك النُّفُوس وَقد سعى … يساعد فِيهَا سائف وسهام
فسرعان مَا سلت سيوف نواعس … فسيرا فسيرا فالسيوف سطام
سليمى فَمَا أسلو فسفكا أوْ أسمحي … فأسلو وَفِي أرسم ووسام
فيا حسرتا مَا للسهاد مساعدي .... مَا سر إلا حسرة وسمام
سقاني السخا سما وَسَار سنية … سحائب تَسْلِيم سعدن سجام
سخيت بنفسي أن سمحت بِنَفسِهَا … بأنس وَتَسْلِيم عَلَيْك سَلام
وَقد أظهر البراعة فِيمَن أرسل سَاعَة، فَقَالَ:
يَا مفرد العصر قد بادرت بِالطَّاعَةِ … يَا من حوى الْجُود والأوقات فِي سَاعَة
نَوْعَانِ الْخيْر قد لاحظتموه لنا … فَكنت عبد الكم فِي الْوَقْت والساعة
ذكر تصانيفه: "التَّذْكِرَة" فِي علم الحْساب، وَمتْن، وَشرح فِي علم الْفَرَائِض، وحاشية على "فلكيات شرح المواقف"، و "حاشية على شرح الجامي" للكافية إلى آخر المرفوعات، وحاشية على "شرح النفيسي" للموجز من الطِّبّ، وَ"شرح تَفْسِّير الْبَيْضَاوِيّ"، حوى جزأين من القرآن الْكَرِيم،
стр. 5178
وَكتابِ فِي علم الزايرجه، وَقد شرح "القصيدة الميمية" للمفتي أبي السُّعُود، وأتى بِهِ إلى الْمولى الْمَزْبُور، فَاسْتَقْبلهُ، وعانقه، وأكرمه غَايَة الإكرام، فَلَمَّا نظر إلى مَا كتبه استحسنه وأعطاه بَعْضًا من الأقمشة والعمائم وَغَيرهَا. روّح الله روحه، وَنوَّر ضريحه.
* * *
٣٨٢١ - الشيخ الفاضل غسَّان بن محمد بن عُبيد الله ابن سالم النيسابوري، أبو يحيى *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو أحد الفقهاء الكبار.
تفقّه على أبي سليمان الجوزَجَاني.
وسمع "الموطأ" من عبد الله بن نافع، وسمع محمد بن عمر الواقدي.
ذكره الحاكم في "تاريخ نيسابور"، وقال: أخبرنا عنه [أبو عبد الله محمد بن] (١) عبد الله بن دينار.
قال في كتاب "الملتقَط" (٢) من كتب أصحابنا: وعن غسَّان بن محمد المروزي، قال: قدمت "الكوفة" قاضيا عليها، فوجدت فيها مائة وعشرين
стр. 5179
عدلا، فطلبت أسرارهم (١)، فرددتهم إلى ستة، ثم أسقطت أربعة، فلما رأيت ذلك استعفيت من القضاء، واعتزلت، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٨٢٢ - الشيخ الفاضل مولانا غلام الله خان بن فيروز خان الباكستاني *
ولد سنة ١٣٢٦ هـ، وقرأ في بداية أمره العلوم العصرية في إسكول، ثم التحق بمولانا سيف الرحمن البِشَاوَري، وقرأ عليه الكتب الفارسية، والصرف، والنحو.
ثم قرأ الكتب المختلفة على مولانا محمد سكندر على، وأخيه الكبير مولانا محمد إسماعيل في "هزاره"، وقرأ كتب الفنون العالية والآلية على مولانا دين محمد، ومولانا عبد الله، رحمهما الله تعالى.
ثم قرأ كتب الحكمة والفلسفة على مولانا غلام رسول، وقرأ ههنا "ترجمة القرآن الكريم"، و "تفسير الجلالين"، و "تفسير البيضاوي"، و "مشكاة المصابيح".
ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، والتحق بها، وقرأ فيها كتب الصحاح الستة.، وغيرها، من الكتب الحديثية سنة ١٣٥١ هـ، وعين معين الأستاذ بأمر العلامة أنور شاه الكشميري، ثم رجع إلى وطنه، والتحق مدرسا بمدرسة بركة الإسلام في "وزيرستان"، ودرس فيها كتب المعقولات مدة طويلة.
стр. 5180
من مصنفاته: "تفسير جواهر القرآن"، وكان صدرا لجمعية علماء إسلام بنجاب.
توفي ١١ رجب المرجّب سنة ١٤٠٠ هـ.
* * *
٣٨٢٣ - الشيخ الفاضل غلام إمام بن متهور بن مكارم بن غلام محمد الأفغاني، الحيدر آبادي *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد العلماء المبرزين في التاريخ، والشعر، والفنون الرياضية.
ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف بـ "حيدر آباد"، ونشأ بها، وتعلّم الخطّ، والفروسية، والفنون الحربية.
ثم تقرّب إلى الأمراء للاسترزاق بالفنون الحربية، فرغبوه في العلم، فشرع في "ميزان الصرف" سنة ثلات وأربعين، وقرأ العربية على أساتذة بلدته.
ثم أقبل على الفنون الرياضية، وقرأ "القوشجية"، و"شرح الجغميني"، و"مفتاح الأفلاك"، و"شمس الهندسة"، و"الستة الشمسية"، وغيرها.
وأقبل على الشعر، والتاريخ، فبرع، وفاق أقرانه.
وصنّف "رشيد الدين خاني" كتابا في التاريخ، جمع ديون الشعر له، ومدح الأمراء، ونال منهم الصلات والجوائز.
ثم أقبل على العلم.
وقرأ بعض الكتب الدراسية في المنطق والحكمة.
стр. 5181
ثم أقبل على التصوّف وقرأ "اللوائح"، و"جام جهان نما"، و"الفصوص" لابن عربى، وصحب الشيخ غلام علي، أحد المشايخ المشهورين بـ "حيدر آباد"، وأخذ الطريقة عنه.
ثم قرأ سائر الكتب الدراسية في المنطق، والفقه، والأصول، والكلام، والحكمة، والتفسير، والحديث.
وفرغ من تحصيل العلوم المتعارفة في كبر سنّه، وقصر همّته على الدرس والإفادة.
ومن مصنّفاته: غير ما ذكرناه "خورشيد جاهي"، كتاب بسيط في التاريخ، صنّفه سنة ثلاث وثمانين، وله "محى الصلاة"، و "ترجمة الكيداني" في الفقه الحنفي، و"أحسن التركيب"، و"خورشيد دانش" في الحكمة، ومائة رسائل إلى أحبابه في الإنشاء، و"كشف الغوامض" في اللغز، ورسالة في الهيئة فيما يتعلق بذوات الأذناب، و"مطالع خورشيد" في المنطق، و "تيغ هندي" في مصطلحات اللغة الهندية، و"خورشيد الحساب" في الجبر والمقابلة، وله "مزدوجة"، و"ديوان شعر".
مات لثمان عشرة خلون من شوّال، سنة خمس وثمانين مائتين وألف بـ "حيدر آباد"، كما في "ذيل تاريخ خورشيد جاهي" لولده.
* * *
٣٨٢٤ - السيّد الشريف غلام جيلاني بن محمد واضح بن محمد صابر بن آية الله بن علم الله الحسني، الحسيني، البريلوي *
стр. 5182
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد الرجال المعروفين بالفضل والصلاح.
ولد سنة خمس وسبعين ومائة وألف.
ونشأ ببلدة "رائى بريلي" في زاوية جدّه السيّد علم الله، وحفظ القرآن، وانتفع بأبيه، وسافر إلى "لكنو"، و"دهلي"، وأدرك الشيخ عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي، وغيره، من كبار العلماء، واستفاض منهم.
وكان قانعا، عفيفا، ذا عبادة ورياضة، على قدم أسلافه.
له "كشكول"، يحمل الشعر، والتاريخ، والطبّ، والفقه، والسلوك، وغيرها.
مات سنة خمس وخمسين ومائتين وألف، وله ثمانون سنة، واسمه غلام جيلاني، يشعر بتاريخ ولادته.
* * *
٣٨٢٥ - الشيخ الفاضل غلام حسين بن محمد عظيم، الديوناتهي، المتهراوي، ثم الأميتهوي *
ذكره العلامة عبد الحي الحسنى في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد العلماء الصالحين.
كان من نسل الشيخ حسن الغوري، ولد، ونشأ بـ "ديوناته".
واشتغل بالعلم على الشيخ فقير الله القادري.
ثم سافر إلى "دهلي"، وقرأ على الشيخ برخوردار اللاهوري، وعلى غيره من الأساتذة.
стр. 5183
ثم جاء إلى "بلاد أوده" (١)، وتوطَّن ببلدة "أميتهي"
وكان متفرّدا في زمانه في الفقه، والحديث، والتصوّف.
له شأن عال في بيان الحقائق والمعارف، وكان شاعرا مجيدا، له منظومة في الفقه، كما في "بحر زخّار".
* * *
٣٨٢٦ - الشيخ الفاضل غلام حسين، العمري، البهاري *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد العلماء المبرزين في العلوم الحكمية.
ولد بقرية "هروي" قريبا من "شيخبوره" من أعمال "مالده"، ونشأ بها.
وسافر للعلم، فقرأ بعض الكتب الدراسية على بحر العلوم عبد العلي، وبعضها على ملا حسن بن غلام مصطفى.
ثم لازم الشيخ شاكر الله السنديلوي، وأخذ عنه الطريقة، واستقام عليها مدة عمره، وكان صاحب وجد وحالة.
تذكر له كشوف، وكرامات. ذكره اللكنوي في "بحر زخّار".
стр. 5184
٣٨٢٧ - الشيخ العالم الفقيه غلام حضرة بن محمد غوث، الأعظمي، اللكنوي *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد العلماء الحنفية.
ولد، ونشأ ببلدة "لكنو" (١).
وقرأ العلم على من بها من العلماء، وولي الإفتاء بمدينة "لكنو"، فاستقل به مدة حياته، وكان الأمراء يحترمونه إلى الغاية.
مات سنة أربع وثلاثين ومائتين وألف.
* * *
٣٨٢٨ - الشيخ الفاضل مولانا المفتي غلام ربَّاني * *
стр. 5185
ولد سنة ١٣٥٨ هـ، وقرأ العلوم والمعارف على أكابر علماء "ديوبند"، والتحق بقاسم العلوم ملتان (١) تحت إشراف المفتي محمود الباكستاني، وأقام فيها سنين عديدة، وقرأ الكتب المختلفة على أساتذتها، ويعدّ من أخصّ تلامذة المفتي محمود، رحمه الله تعالى.
من شيوخه: المحدث الكبير العلامة يوسف البنوري، والعلامة شمس الحق الأفغاني، وغيرهما.
قرأ الصحاح الستة وغيرها على العلامة محمد يوسف البنوري وغيره من المحدثين الكبار.
وقرأ علوم التفسير على شيخ التفسير أحمد على اللاهوري، وحافظ الحديث العلامة عبد الله الدرخواستي.