ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد الأساتذة المشهورين.
لم يكن له نظير في زمانه في الفنون الحكمية والعلوم العربية.
ولد سنة اثنتي عشرة ومائتين وألف، وانتفع بوالده، وتفنّن في الفضائل عليه.
وأخذ الحديث عن الشيخ عبد القادر ابن ولي الله العمري الدهلوي.
وحفظ القرآن في أربعة أشهر، وقرأ فاتحة الفراغ، وله ثلاث عشرة سنة، وفاق أهل زمانه في الخلاف والجدل والميزان والحكمة واللغة.
وقرض الشعر وغيرها، ونظمه يزيد على أربعة آلاف شعر، وغالب قصائده في مدح النبي ﷺ ويضعها في هجو الكفّار.
أتته الطلبة للاشتغال عليه من بلاد بعيدة، فدرّس، وأفاد، وألّف، أجاد.
وكان زيّه زيّ الأمراء دون العلماء، يلعب بالشطرنج، ولا يحتشم عن استماع المزامير والحضور في مجالس الرقص وغير ذلك من المنكرات.
وكان مأمورا بديوان الإنشاء بـ "دهلي".
ثم اتّهم بالخروج على الحكومة الإنكليزية سنة ثلاث وسبعين، فحبس، ونفي إلى جزيرة من جزائر السيلان.
قال القنوجي في "أبجد العلوم": إنه كان إمام وقته في العلوم الحكمية والفلسفية بلا مدافع، غير أنه وقع في أهل الحقّ، ونال منه على تعصّب منه، وكان السبب في ذلك قلةّ الخبرة منه بعلوم السلف وطريقتهم في الدين واتباعهم للأدلّة الواردة من سيّد المرسلين، مع ميل إلى البدع التي يستحسنها المقلّدة، ولذا انتقد عليه عصابة من علماء الحقّ، لهم تواليف في ذلك.
стр. 5287
قال: وقد رأيت الشيخ فضل حق بـ "دهلي" في زمان الطلب، وهو كهل في المسجد الجامع، وقد أتى هناك لصلاة الجمعة، وزيّه زيّ الأمراء دون العلماء.
وكان بينه وبين أستاذي العلامة محمد صدر الدين خان الدهلوي صدر الصدور بها مودّة أكيدة ومحبّة شديدة، لأنهما كانا شريكين في الاشتغال على أستاذ واحد، وعلى أبيه الفاضل فضل إمام، ومع ذلك يسخط أستاذي عليه في بعض أموره. منها: ردّه على الشيخ الحافظ الواعظ المحدّث الأصولي الحاج الغازي الشهيد محمد إسماعيل الدهلوي، ويقول: لا أرضى منك ذلك، وليس هذا بعشك. انتهى.
ومن مصنّفات الشيخ فضل حق: "الجنس الغالي في شرح الجوهر العالي"، كتاب في الحكمة الإلهية، و "الهدية السعيدية في الحكمة الطبيعية"، و "الروض المجود في حقيقة الوجود"، وحاشية على "تلخيص الشفاء" لوالده، وحاشية على "الأفق المبين" للسيّد باقر داماد، وحاشية على شرح "السلّم" للقاضي، ورسالة في تحقيق العلم والمعلوم، ورسالة في تحقيق الأجسام، ورسالة في تحقيق الكلّي الطبعي، ورسالة في التشكيك وفي الماهيات، و "تاريخ فتنة الهند"، ورسائل في الردّ على الشيخ إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي في إثبات امتناع نظير النبي ﵌.
وله شعر فائق لولا أنه أكثر فيه من التجنيس الذي ينبو عنه السماع، وتأباه الطباع، قد جمعه الشيخ جميل أحمد البلكرامي، والمفتى سلطان حسن البريلوي، وإني أمرت ولدي وفلذة كبدي عبد العلي سلّمه الله تعالي، فجمع جملة صالحة مما كان متفرّقا، ومن شعره قوله:
إن لم تصب نظرة من أعين نعس … فمن نفي النوم من عينيك في الغلس.
من استنام إليها سهدته وكم … ممن أنامته من يقظان محترس.
стр. 5288
سلبن وسنته فازددن في سنة … وغصنه فترا فازداد في الهوس.
بل لا يذرن بمن يرمقن من رمق … ولا يدعن بذي نفس سوى نفس.
ولا شفاء له إلا الشفاه إذا … سقينه عسلا يشتار من لعس.
قد بغض الصيد ما يخفون من صلف … وحبب الغيد ما يبدين من شوس.
قد حسن الحسن منها كل سيئة … حتى الجفاء وسوء الخلق والشرس.
وله:
لا تنضبغ بهوى بيض الأماليد … فأحمر الموت في أجفانها السود.
في غمز ألحاظها فتك الأسود وإن … حاكين ريم الفلا بالطرف والجيد.
قد خاب من غازل الغزلان يأملها … وباد من رام أنس الريم في البيد.
ذر المراشف واستعذابهن ففي … تلك العذاب عذاب غير مردود.
فلا يروقنك لين في معاطفها … إن القلوب لمن أقسى الجلاميد.
يبكي المشوق بعبرات موردة … ما في مباسمها من حسن توريد.
وله:
فؤادى هائم والدمع هامي … وسهدى دائم والجفن دامي.
وقلب ما فتى بجوى ولوع … ولوع في اضطراب واضطرام.
ودمع بل دم صرف جرى من … يناطى ساجما أي انسجام.
وطرف أرمد يؤذيه غمض … وليل سرمد ساجي الظلام.
طويل لا يقاس به ظلام … فساعته كشهر بل كعام.
حمامي حاضر والوجد باد … وجسمي ذابل والشوق نام.
مات لاثنتي عشرة خلون من صفر سنة ثمان وسبعين ومائتين وألف بجزيرة من جزائر السيلان، فدفن بها.
* * *
стр. 5289
٣٩٢٦ - الشيخ الفاضل مولانا فضل حق بن مولانا محمد كامل السلهتي *
ولد سنة ١٣٤٠ هـ في "نَرَايَنْبُور" من أعمال "سِلْهِت".
قرأ مبادئ العلم وكتب الدرجة المتوسطة في مدرسة غاسْباري من "سِلْهِت".
ثم سافر إلى "الهند"، والتحق بدار العلوم ديوبند، وقرأ فيها كتب الفنون العالية، وكتب الصحاح الستة، وغيرها، من الكتب الحديثية، وحصَّل "سند مولوى فاضل" من جامعة بنجاب.
من شيوخه: شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، والعلامة إبراهيم البلياوي، والسيّد أصغر حسين الديوبندي، والعلامة إعزاز علي الأمروهوي، وغيرهم، من المحدّثين الكبار.
بعد إتمام الدارسة رجع إلى وطنه الأليف، ودرس مدّة بمدرسة غاسْباري، ثم التحق سنة ١٣٧٣ هـ مديرا بالمدرسة العالية سِلْهِت، وبايع في السلوك على يد السيّد حسين أحمد المدني، رحمه الله تعالى.
* * *
٣٩٢٧ - الشيخ الفاضل العلامة مولانا المفتي فضل الحق بن الشيخ واجد الدين الأميني الكُمِلائي * *
стр. 5290
ولد سنة ١٣٦٣ هـ في قرية "أمين بور" من مضافات "برهمنباريه" من أعمال "كُمِلا".
قرأ مبادئ العلم في الجامعة اليونسية بـ "برهمنباريه"، والمدرسة الإسلامية بـ "مصطفى غنج"، ثم التحق سنة ١٣٨٠ هـ، بالجامعة القرآنية العربية لالْباغ بـ "داكا"، وقرأ فيها كتب الصحاح الستة، وغيرها، من الكتب الحديثية.
ثم سافر إلى "باكستان"، والتحق بجامعة العلوم الإسلامية العلامة بنوري تاون، وقرأ فيها كتب الدرجة العليا وكان عالما جليلا، محدثا كبيرا، فقيها بارعا، محقّقا مدقّقا، فطنا، وكانت له مهارة تامة في علم الكلام والتاريخ، والقرآن والسنة.
بعد إتمام الدراسة التحق سنة ١٣٨٩ هـ بالجامعة النورية بـ "أشرف آباد" من "داكا"، وعين خطيبا بالمسجد بـ "داكا" القديم، ثم التحق سنة ١٣٩٤ هـ مفتيا، بالجامعة القرآنية العربية لالْباغ، وبعد مدة عين نائب الرئيس ورئيس دار الإفتاء، وبعد وفاة أمير الشريعة العلامة محمد الله الحافظي عين رئيسا، وشيخ الحديث لها، التحق سنة ١٤٠١ هـ بتحريك الخلافة (الحزب السياسي)، ثم عين ناظما لها.
صنّف عدّة كتب، منها: "درس البخارى لسلفنا الأكابر"، و "سلف وأكابر كا طريقه مطالعه"، و "أحكام إسلام"، و "فتوى الجامعة" ستة مجلدات.
توفي سنة ٢٠١٢، وصلّي على جنازته مائة ألوف من العلماء والفضلاء وعامة المسلمين، ودفن في جوار الجامعة القرآنية العربية لالْباغ.
* * *
стр. 5291
٣٩٢٨ - الشيخ الفاضل مولانا فضل الحق الفِيْنَوي *
ولد سنة ١٣٣٠ هـ.
وقرأ مبادئ العلم في قريته.
ثم سافر إلى "كلكته" (١)، والتحق بالمدرسة العالية فيها.
وأكمل الدراسة العليا فيها سنة ١٣٥٧ هـ.
ثم رجع إلى وطنه، والتحق بالمدرسة الحسينية، بـ "علماء بازار" من "فِيْنِي".
ثم بعد مدة عين مديرا لها.
* * *
٣٩٢٩ - الشيخ الفاضل مولانا الحكيم فضل الرحمن بن المنشي إبراهيم الكُمِلائي * *
стр. 5292
ولد سنة ١٣٢٣ هـ في قرية "دَرْمُوفُور" من مضافات "لَالْمَائِي" من أعمال "كُمِلَّا".
مات أبوه وهو ابن ثلاث سنين، وتربى في بيت خاله، وقرأ مبادئ العلم ههنا.
ثم التحق بمدرسة في "بَشُورْهات" من أكناف "نواخالي"، قرأ فيها إلى "شرح الوقاية"، وقرأ "مشكاة المصابيح" سنة ١٣٥١ هـ، وقرأ الصحاح الستة في مدرسة قومية من المدارس القومية، ثم التحق بالجامعة الطبّية، وحصَّل السند العالي منها سنة ١٣٥٧ هـ.
وبعد إتمام الدراسة التحق مدرّسا بطبّيه كالج بـ "دهلي"، وبعد تقسيم "الهند" رجع إلى وطنه المألوف، والتحق مدرّسا بالمدرسة الواقعة في "رَتَنْفُور" قريبا من داره، واشتغل بالطبابة، واتصل بالحزب السياسي الإسلامي "نظام إسلام بارتي"، وسافر إلى "باكستان"، و "إيران"، و "عراق"، و "ترك"، و "جردان"، و "أفغانستان"، وغيرها، من الممالك الإسلامية.
توفي سنة ١٤٠٩ هـ، ودفن بعد أن صلي على جنازته في مقبرة آبائه.
* * *
٣٩٣٠ - الشيخ الفاضل مولانا فضل الرحمن بن مولانا عبد القادر الباسْخَالوي الجاتجامي *
قرأ مبادئ العلم على عمّه الشيخ خادم أحمد، والتحق سنة ١٣٢١ هـ، بالمدرسة المحسنية في مدينة "جاتجام".
стр. 5293
وبعد إتمام الدراسة الابتدائية التحق بالدراسة المتوسّطة، وقرأ سنة ١٣٣٢ هـ "مشكاة المصابيح"، وغيرها، من الكتب الدراسية، ثم التحق مدرّسا بدار العلوم العالية بمدينة "جاتجام"، ودرس فيها سنة واحدة، ثم سافر سنة ١٣٣٣ هـ إلى دار العلوم ديوبند، وقرأ كتب الصحاح الستة، وغيرها، من الكتب الحديثية.
ومن شيوخه فيها: العلامة أنور شاه الكشميري، والعلامة شبير أحمد العثماني، رحمهما الله تعالى.
وبعد إتمام الدراسة رجع إلى وطنه، والتحق مرة ثانية بدار العلوم العالية بمدينة "جاتجام"، ودرّس فيها ستا وأربعين سنة متوالية.
وفي آخر حياته عيّن رئيسا لها، درّس في هذه المدة "صحيح البخاري"، و "مشكاة المصابيح"، و "تفسير الجلالين"، و "المثنوي المعنوي".
من تلاميذه: العلامة مولانا عبيد الحق الساتْكَانوي، والعلامة نور محمد الأعظمي، وغيرهما.
ثم التحق بالجامعة الإسلامية فتيه سنة ١٣٧٨ هـ، وأقام فيها إلى آخر عمره، درس فيها "صحيح البخاري"، و "تفسير الجلالين"، و "الهداية"، وغيرها، وفي هذه المدة قرأ عليه جم غفير من العلماء والفضلاء.
صنّف تعليقات على "صحيح البخاري"، و "صحيح مسلم"، و "جامع الترمذي"، لم تطبع إلى الآن.
بايع في الطريقة على يد العلامة أشرف على التهانوي، وبعد وفاته بايع مرة ثانية على يد العلامة ظفر أحمد العثماني، وحصلت له الإجازة منه.
توفي ٢٦ جمادى الأخرى ١٣٨٤ هـ، ودفن في مقبرة آبائه.
* * *
стр. 5294
٣٩٣١ - الشيخ العالم الفقيه القاضي فضل الرحمن القرشي، البُرْدُوَاني *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد العلماء المشهورين.
ولد، ونشأ بـ "بردوان".
-بفتح الموحدة- بلدة من أعمال "بنغاله".
وقرأ العلم على مولانا أمير الله بن سليم الله العظيم آبادي، وعلى صنوه الكبير القاضي غلام سبحان القرشي البردواني، وعلى غيره من العلماء.
ثم ولي القضاء بأرض "بنغاله"، وصار أكبر قضاة "الهند" من تلقاء الدولة الإنكليزية، فاستقلّ بها إلى أن أحيل على المعاش.
له "كتاب التشييد" بالأدلّة المعقولة والمنقولة بما لا مزيدَ عليه في إبطال كلمة الحقّ للشيخ عبد الرحمن الصوفي اللكنوي.
* * *
٣٩٣٢ - الشيخ العالم الفقيه فضل رسول بن عبد المجيد بن عبد الحميد العثماني، الأموي، البدايوني * *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد الفقهاء الحنفية.
стр. 5295
ولد في صفر سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف.
وقرأ بعض الكتب الدراسيّة على جدّه عبد الحميد.
ثم سافر إلى "لكنو"، وتخرّج على مولانا نور بن أنوار الأنصاري اللكنوي.
ثم تطبّب على الحكيم بير علي الموهاني ببلد ة"دهولبور"، وأقام بها زمانا للاسترزاق.
ثم طلبه والده إلى "بدايون"، وأقام بها برهة من الزمان.
ثم سافر إلى "بنارس"، واشتغل بمداواة الناس مدّة مديدة.
ثم جاء إلى بلدته، وأخذ الطريقة عن أبيه، وسافر إلى "الحجاز"، فحجّ، وزارَ.
وأسند الحديث عن الشيخ عبد الله سراج المكّي، والشيخ عابد السندي المدني.
ورجع إلى "الهند"، وأقام بها زمانا، ثم سافر إلى "الحجاز"، فحجّ، وزار، ورحل إلى "بغداد".
وأخذ الطريقة عن السيّد علي نقيب الأشراف بها.
ثم عاد إلى "الهند"، وحصل له القبول بـ "حيدر آباد"، كان يتردّد إليها، ويجالس الأمراء.
وينال من محي الدولة أحسن منال.
وكان فقيها، جدليا، مناظرا، شديد التعصّب في المذهب، دائم المخاصمة بالعلماء، أبعد خلق الله عن السنّة، منتصرا للبدعة، رادا على أهل الحقّ بخرافاته، محبّا للدنيا.
وكان يكفّر الشيخ إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي، ويرمي بالنصب والخروج الشيخ ولي الله المحدّث، ويطعن في الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي، إمام الطريقة المجدّدية، ويقول: إنهم ضلّوا فأضلّوا.
стр. 5296
ومن مصنّفاته "المعتقد المنتقد"، و "البوارق المحمدية"، و "تصحيح المسائل"، و "سيف الجبار"، و "فوز المؤمنين"، و "تلخيص الحق"، و "إحقاق الحق".
وقيل: إن له شرحا على "فصوص الحكم"، وله "كتاب الصلاة"، وتلخيص شرح الإمام النواوي، وله حاشية على "مير زاهد رسالة"، وحاشية على "مير زاهد ملا جلال"، وله غير ذلك من المصنّفات.
توفي لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين ومائتين وألف، وله سبع وسبعون سنة، كما في "تذكرة علماء الهند".
* * *
٣٩٣٣ - الشيخ الفاضل مولانا فضل علي بن فرزند علي القريشي *
ولد سنة ١٢٧٠ هـ في موضع "داود خِيْل".
قرأ مبادئ العلم على مولانا قمر الدين، وقرأ كتب الحديث على مولانا أحمد علي المحدث السهارنبُوري، ترك وطنه القديم، وأقام مع أسرته بـ "مظفركر".
بايع أولا على يد السيّد لعل شاه، وبعد وفاته ذهب إلى "موسى زَيْ"، وبايع على خواجه سراج الدين، وكان خطّه حسن جيدا، ارتحل إلى دار العلوم ديوبند، ولقى فيها شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، والعلامة شبير أحمد العثماني، والعلامة القاري محمد طيّب، وكان سعيه مشكورا في ردّ الفرق الباطلة، لا سيّما الفرقة القاديانية الضالة المضلّة.
стр. 5297
توفي ١ رمضان المبارك سنة ١٣٥٤ هـ، ودفن في مقبرة "مظفركر".
ومن خلفائه: مولانا عبد الغفور المدني، ومولانا عبد المالك الصديقي، ومولانا عبد الله البهلوي، ومولانا حسن علي القريشي، وخواجه محمد القريشي، كذا في "تجليات فضل علي".
* * *
٣٩٣٤ - الشيخ الفاضل العالم الرباني السيّد فضل الكريم بن السيّد محمد إسحاق بن السيّد أمجد علي البريسالي *
يقال: إن أسرته جاءت من "بغداد"، وكان والده منسلكا بجمعية علماء إسلام (الحزب السياسي).
ولد سنة ١٣٥٣ هـ في قرية "جرمُنائي" من أعمال "بريسال" من أرض "بنغلاديش".
قرأ مبادئ العلم على أبيه الماجد، ثم التحق بالجامعة الرشيدية بـ "أحسن آباد"، جرمُنَائي.
بعد سنين ارتحل إلى "داكا"، والتحق بالجامعة القرآنية العربية لالْباغ، وأتم فيها الدراسة العليا، وقرأ فيها كتب الصحاح الستّة وغيرها من الكتب الحديثية.
ومن شيوخه فيها: أمير الشريعة العلامة محمد الله الحافظجي، وشيخ الحديث العلامة عزيز الحق، ومولانا عبد المجيد الداكوي، ومولانا هداية الله الجاندبوري، وغيرهم، رحمهم الله تعالى.
стр. 5298
بعد إتمام الدراسة التحق مدرّسا سنة ١٣٧٧ هـ بالجامعة الرشيدية، وبعد أن توفي أبوه سنة ١٣٩٢ هـ عين أميرا لمجاهد كميتي، وأسّس تحريك الحكومة الإسلامية ١٤٠٧ هـ، وكان نائب الأمير لتحريك الخلافة، التي أسّسها أمير الشريعة العلامة محمد الله الحافظجي، وكان خطيبا مصقعا، عالما جليلا، واعظا بليغا، تقيا ورعا، خاشعا ومتخشّعا، عارفا بالله تعالى.
سافر كثيرا من البلاد، منها: "الهند"، و "باكستان"، ونيبال، وسريلنكا، و "بورما"، و "أفغانستان"، و "مالديف"، و "يوربا"، و "أميريكا"، و "إفريقيه"، وغيرها من البلاد الأجنبية.
درس كتب الحديث مدّة.
توفي يوم السبت سنة ١٤٢٧ هـ، وهو ابن إحدى وسبعين سنة، ودفن بعد أن صلي على جنازته في مقبرة آبائه، وكانت جنازته حافلة، حضرها ألوف من الناس وجم غفير من العلماء والفضلاء.
* * *
٣٩٣٥ - الشيخ الفاضل مولانا فضل الكريم بن الحاج عبد القادر النواخالوي *
ولد سنة ١٣٥١ هـ في قرية "مُهَادِبْبُور" من أعمال "نواخالي".
قرأ مبادئ العلم في قريته، ثم التحق بالمدرسة الإسلامية تُوْمجَر، وقرأ فيها سنين عديدة، ثم سافر إلى "الهند"، والتحق بالمدرسة العالية رامبور، وقرأ فيها كتب الفنون العالية، ثم التحق بالمدرسة العالية بـ "رامبور"، ومطلع العلوم، وقرأ فيهما كتب الحديث.
стр. 5299
ومن شيوخه: العلامة أبو البركات السيّد أحمد اللاهوري، وسيد أحمد البِشَاوري، وغيرهما، من المحدثين الكبار.
وبعد إتمام الدراسة التحق بالمدرسة العالية فَنْغَاشِيه، والمدرسة العالية فريدغنج، ثم عين شيخ الحديث للمدرسة العالية الكوامتية بـ "نواخالي".
من تصانيفه: "تقارير صحيح بخاري"، و "الوقَّاف على الكشَّاف"، و "سوانح إمام أعظم"، و "راه نماء أردو".
* * *
٣٩٣٦ - الشيخ الفاضل مولانا فضل الكريم *
ولد في قرية "راجا رامبُور"، من مضافات "نواخالي".
قرأ مبادئ العلم في قريته، ثم التحق بالمدرسة الإسلامية نواخالي.
ثم سافو إلى دار العلوم ديوبند، والتحق بها.
ومن شيوخه فيها: الإمام أنور شاه الكشميري، وغيره، من معاصريه.
بعد إتمام الدراسة التحق بالمدرسة الإسلامية نواخالي.
وكان يدرّس فيها كتب الفنون العالية، وكتب الحديث الشريف.
توفي سنة ١٣٧٨ هـ.
* * *
стр. 5300
٣٩٣٧ - الشيخ الفاضل فضيل بن على بن أحمد بن محمد الأقصرائي *
فقيه، فرضي، من القضاة.
له من الآثار: "إعانة الفارض في تصحيح واقعات الفرائض".
توفي سنة ٩٣٧ هـ تقريبا.
* * *
٣٩٣٨ - الشيخ الفاضل فضيل بن علي بن أحمد بن محمد الجمالي، البكري، الرومي * *
ولد سنة ٩٢٠ هـ.
فقيه، أصولي، محدّث، فرضي، نحوي.
ولي قضاء "بغداد"، ثم "حلب"، وتوفي بـ "القسطنطينية" سنة ٩٩١ هـ. ﵁
من تصانيفه: "الوافية في مختصر الكافية" في النحو، و "تعليقة على شرح صحيح البخاري"، و "حاشية على شرح الجرجاني" للسراجية في
* * *
стр. 5301
الفرائض، و "الضمانات" في فروع الحنفية في أربع مجلدات، و "تنويع الأصول".
* * *
٣٩٣٩ - الشيخ الفاضل الفضيل بن الفاطمي بن محمد بن سميه بن عبد القادر بن محمد بن عبد القادر النقيب *
فقيه، أصولي، محدّث، حافظ.
توفي في ١٠ شعبان سنة ١٣١٨ هـ.
من مؤلفاته: "تعليقة على الصحيح الجامع" المعنون عنه بالفجر الساطع في أربع مجلّدات ضخام.
* * *
٣٩٤٠ - الإمام، القدوة، الثبت، شيخ الإسلام، الفضيل بن عياض ابن مسعود بن بشر، أبو علي، التميمي، اليربوعي، الخراساني، المجاور بحرم الله * *
стр. 5302
ولد بـ "سمرقند"، ونشأ بـ "أبيورد"، وارتحل في طلب العلم.
فكتب بـ "الكوفة" عن: منصور، والأعمش، وبيان بن بشر، وحصين بن عبد الرحمن، وليث، وعطاء بن السائب، وصفوان بن سليم، وعبد العزيز بن رفيع، وأبي إسحاق الشيباني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن حسان، وابن أبي ليلي، ومجالد، وأشعث بن سوار، وجعفر الصادق، وحميد الطويل، وخلق سواهم من الكوفيين، والحجازيين.
حدّث عنه: ابن المبارك، ويحيى القطَّان، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن عيينة، والأصمعي، وعبد الرزاق، وعبد الرحمن بن مهدي بن هلال -شيخ واسطي- وحسين الجعفي، وأسد السنة، والشافعي، وأحمد بن يونس، ويحيى بن يحيى التميمي، وابن وهب، ومسدد، وقتيبة، وبشر الحافي، والسري بن مغلس السقطي، وأحمد بن المقدام، وعبيد الله القواريري، ومحمد بن زنبور المكي، ولوين، ومحمد بن يحيى العدني، والحميدي، وعبد الصمد بن يزيد
стр. 5303
مروديه، وعبدة بن عبد الرحيم المروزي، ومحمد بن أبي السري العسقلاني، ومحمد بن قدامة المصيصي، ويحيى بن أيوب المقابري، وخلق كثير. آخرهم موتا، الحسين بن داود البلخي.
وروى عنه: سفيان الثوري أجلّ شيوخه، وبينهما في الموت مائة وأربعون عاما.
قال أبو عمّار الحسين بن حريث، عن الفضل بن موسي، قال: كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليا يتلو ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، فسمعها قال: بلى يا رب، قد آن فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل. وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا.
قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ههنا يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.
وقال إبراهيم بن محمد الشافعي: سمعت سفيان بن عيينة يقول: فضيل ثقة.
وقال أبو عبيد: قال ابن مهدي: فضيل: رجل صالح، ولم يكن بحافظ.
وقال العجلي: كوفي، ثقة، متعبد، رجل صالح، سكن "مكة".
وقال محمد بن عبد الله بن عمّار: ليت فضيلا كان يحدثك بما يعرف، قيل لابن عمّار: ترى حديثه حجة؟ قال: سبحان الله!
وقال أبو حاتم: صدوق.
وقال النسائي: ثقة مأمون، رجل صالح. وقال الدارقطني: ثقة.
стр. 5304
قال محمد بن سعد: ولد بـ "خراسان"، بكورة "أبيورد"، وقدم "الكوفة" وهو كبير، فسمع من منصور وغيره، ثم تعبد، وانتقل إلى "مكة"، ونزلها، إلى أن مات بها في أول سنة سبع وثمانين ومائة، في خلافة هارون، وكان ثقة، نبيلا، فاضلا، عابدا، ورعا، كثير الحديث.
وقال أبو وهب محمد بن مزاحم: سمعت ابن المبارك يقول: رأيت أعبد الناس عبد العزيز بن أبي رواد، وأورع الناس الفضيل بن عياض، وأعلم الناس سفيان الثوري، وأفقه الناس أبا حنيفة، ما رأيت في الفقه مثله.
وروى إبراهيم بن شماس، عن ابن المبارك قال: ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضل من الفضيل بن عياض.
قال نصر بن المغيرة البخاري: سمعت إبراهيم بن شماس يقول: رأيت أفقه الناس، وأورع الناس، وأحفظ الناس، وكيعا، والفضيل، وابن المبارك.
وقال عبيد الله القواريري: أفضل من رأيت من المشايخ: بشر بن منصور، وفضيل بن عياض، وعون بن معمر، وحمزة بن نجيح.
قلت: عون وحمزة لا يكادان يعرفان، وكانا عابدين. قال النصر بن شميل: سمعت الرشيد يقول: ما رأيت في العلماء أهيب من مالك، ولا أورع من الفضيل.
وروى أحمد بن أبي الحواري، عن الهيثم بن جميل، سمعت شريكا يقول: لم يزل لكل قوم حجة في أهل زمانهم، وإن فضيل بن عياض حجة لأهل زمانه. فقام فتى من مجلس الهيثم، فلما تواري، قال الهيثم: إن عاش هذا الفتي، يكون حجة لأهل زمانه. قيل: من كان الفتى؟ قال: أحمد ابن حنبل.
قال عبد الصمد مردويه الصائغ: قال لي ابن المبارك: إن الفضيل بن عياض صدق الله، فأجرى الحكمة على لسانه، فالفضيل ممن نفعه علمه.
стр. 5305
وقال أبو بكر عبد الرحمن بن عفان: سمعت ابن المبارك يقول لأبي مريم القاضي: ما بقى في الحجاز أحد من الأبدال إلا فضيل بن عياض، وابنه علي، وعلي مقدم في الخوف، وما بقى أحد في "بلاد الشام" إلا يوسف ابن أسباط، وأبو معاوية الأسود، وما بقى أحد بـ "خراسان" إلا شيخ حائك، يقال له: معدان.
قال أبو بكر المقاريضي المذكر: سمعت بشر بن الحارث يقول: عشرة ممن كانوا يأكلون الحلال، لا يدخلون بطونهم إلا حلالا، ولو استفوا التراب والرماد. قلت: من هم يا أبا نصر؟ قال: سفيان، وإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وابنه، وسليمان الخواص، ويوسف بن أسباط، وأبو معاوية نجيح الخادم، وحذيفة المرعشي، وداود الطائي، ووهيب بن الورد.
وقال إبراهيم بن الأشعث: ما رأيت أحدا كان الله في صدره أعظم من الفضيل، كان إذا ذكر الله، أو ذكر عنده أو سمع القرآن، ظهر به من الخوف والحزن، وفاضت عيناه، وبكي، حتى يرحمه من يحضره، وكان دائم الحزن، شديد الفكرة، ما رأيت رجلا يريد الله بعلمه وعمله، وأخذه وعطائه، ومنعه وبذله، وبغضه وحبه، وخصاله كلها غيره، كنا إذا خرجنا معه في جنازة لا يزال يعظ ويذكر ويبكي، كأنه مودع أصحابه، ذاهب إلى الآخرة، حتى يبلغ المقابر، فيجلس مكانه بين الموتى من الحزن والبكاء، حتى يقوم وكأنه رجع من الآخرة، يخبر عنها.
وقال عبد الصمد بن يزيد مردويه: سمعت الفضيل يقول: لم يتزين الناس بشيء أفضل من الصدق، وطلب الحلال. فقال ابنه علي: يا أبة! إن الحلال عزيز. قال: يا بني، وإن قليله عند الله كثير. قال سري بن المغلس: سمعت الفضيل يقول: من خاف الله، لم يضره أحد، ومن خاف غير الله، لم ينفعه أحد.
стр. 5306
وقال فيض بن إسحاق: سمعت الفضيل بن عياض وسأله عبد الله ابن مالك: يا أبا علي! ما الخلاص مما نحن فيه؟ قال: أخبرني، من أطاع الله هل تضره معصية أحد؟ قال: لا. قال: فمن يعصي الله هل تنفعه طاعة أحد؟ قال: لا. قال: هو الخلاص، إن أردت الخلاص.
قال إبراهيم بن الأشعث: سمعت الفضيل يقول: رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله، وزهادته في الدنيا على قدر رغبته في الآخرة، من عمل بما علم، استغنى عما لا يعلم، ومن عمل بما علم، وفقه الله لما لا يعلم، ومن ساء خلقه شان دينه، وحسبه، ومروءته.
وسمعته يقول: أكذب الناس العائد في ذنبه، وأجهل الناس المدل بحسناته، وأعلم الناس بالله أخوفهم منه، لن يكمل عبد حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه.
وقال محمد بن عبدويه: سمعت الفضيل يقول: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعاقبك الله عنهما.
قال سلم بن عبد الله الخراساني: سمعت الفضيل يقول: إنما أمس مثل، واليوم عمل، وغدا أمل.
وقال فيض بن إسحاق: قال الفضيل: والله ما يحل لك أن تؤذي كلبا ولا خنزيرا بغير حق، فكيف تؤذي مسلما؟!
وعن فضيل: لا يكون العبد من المتقين حتى يأمنه عدوه.
وعنه: بقدر ما يصغر الذنب عندك، يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك، يصغر عند الله.
قال مخرز بن عون: أتيت الفضيل بـ "مكة"، فقال لي: يا محرز، وأنت أيضا مع أصحاب الحديث، ما فعل القرآن؟ والله لو نزل حرف بـ "اليمن"،
стр. 5307
لقد كان ينبغى أن نذهب حتى نسمعه، والله لأن تكون راعي الحمر وأنت مقيم على ما يحب الله، خير لك من الطواف وأنت مقيم على ما يكره الله.
المفضل الجندي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري، قال: ما رأيت أحدا أخوف على نفسه، ولا أرجى للناس من الفضيل، كانت قراءته حزينة، شهية، بطيئة، مترسلة، كأنه يخاطب إنسانا، وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة، يردد فيها، وسأل، وكانت صلاته بالليل أكثر ذلك قاعدا، يلقى له الحصير في مسجده، فيصلي في أول الليل ساعة، ثم تغلبه عينيه، فيلقي نفسه على الحصير، فينام قليلا، ثم يقوم، فإذا غلبه النوم نام، ثم يقوم هكذا حتى يصبح، وكان دأبه إذا نعس أن ينام، ويقال: أشد العبادة ما كان هكذا.
وكان صحيح الحديث، صدوق اللسان، شديد الهيبة للحديث إذا حدث، وكان يثقل عليه الحديث جدا، وربما قال لي: لو أنك طلبت مني الدنانير، كان أيسر علي من أن تطلب مني الحديث. فقلت: لو حدثتني بأحاديث فوائد ليست عندي، كان أحب إلي من أن تهب لي عددها دنانير. قال: إنك مفتون، أما والله لو عملت بما سمعت، لكان لك في ذلك شغل عما لم تسمع، سمعت سليمان بن مهران يقول: إذا كان بين يديك طعام تأكله، فتأخذ اللقمة، فترمي بها خلف ظهرك، متى تشبع؟
أنبانا أحمد بن سلامة، عن أبي المكارم التيمي، أخبرنا الحداد، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا الطبراني، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا أبو عمر الجرمي النحوي، حدثنا الفضل بن الربيع، قال: حج أمير المؤمنين -يعني: هارون- فقال لي: ويحك! قد حك في نفسى شيء، فانظر لي رجلا أسأله. فقلت: ههنا سفيان بن عيينة. فقال: امض بنا إليه. فأتيناه، فقرعت بابه،
стр. 5308
فقال: من ذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعا، فقال: يا أمير المؤمنين! لو أرسلت إلي، أتيتك. فقال: خذ لما جئتك له. فحدثه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم. فقال لي: اقض دينه. فلما خرجنا، قال: ما أغنى عني صاحبك شيئا. قلت: ههنا عبد الرزاق. قال: امض بنا إليه. فأتيناه، فقرعت الباب، فخرج، وحادثه ساعة، ثم قال: عليك دين؟ قال: نعم. قال: أبا عباس! اقض دينه. فلما خرجنا، قال: ما أغنى عني صاحبك شيئا، انظر لي رجلا أسأله. قلت: ههنا الفضيل بن عياض. قال: امض بنا إليه. فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي، يتلو آية يرددها، فقال: اقرع الباب. فقرعت، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين. قال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ قلت: سبحان الله! أما عليك طاعة؟ فنزل، ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة، فأطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية، فدخلنا، فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف هارون قبلي إليه، فقال: يا لها من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله! فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي. فقال له: خذ لما جئناك له -رحمك الله- فقال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة، دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا علي. فعد الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة. فقال له سالم: إن أردت النجاة فصم الدنيا، وليكن إفطارك منها الموت. وقال له ابن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله، فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم أخا، وأصغرهم ولدا، فوقر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.
وقال له رجاء: إن أردت النجاة من عذاب الله، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، وأكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت، وإني أقول لك هذا، وإني أخاف عليك أشد الخوف يوما تزل فيه الأقدام، فهل معك
стр. 5309
-رحمك الله- من يشير عليك بمثل هذا؟ فبكى بكاء شديدا، حتى غشي عليه. فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين. فقال: يا ابن أم الربيع، تقتله أنت وأصحابك، وأرفق به أنا.
ثم أفاق فقال له: زدني -رحمك الله-. قلت: بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكي إليه، فكتب إليه: يا أخي! أذكرك طول سهر أهل النار في النار، مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله، فيكون آخر العهد، وانقطاع الرجاء. فلما قرأ الكتاب، طوى البلاد، حتى قدم عليه، فقال: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله.
فبكى هارون بكاء شديدا. فقال: يا أمير المؤمنين! إن العباس عم النبي ﷺ جاء إليه فقال: أمرني فقال له: "إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا، فافعل" (١). فبكى
стр. 5310
هارون، وقال: زدني. قال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار، فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي ﷺ قال: "من أصبح لهم غاشا، لم يرح رائحة الجنة" (١). فبكى هارون، وقال له: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربي، لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن ساءلني، والويل لي إن ناقشني،
والويل لي إن لم ألهم حجتي. قال: إنما أعني من دين العباد. قال: إن ريى لم يأمرني بهذا، أمرني أن أصدق وعده، وأطيع أمره، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، الآيات. فقال: هذه ألف دينار، خذها، فأنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادة ربك. فقال: سبحان الله! أنا أدلك على طريق النجاة، وأنت تكافئني بمثل هذا، سلمك الله، ووفقك. ثم صمت، فلم يكلمنا. فخرجنا، فقال هارون: أبا عباس! إذا دللتني، فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين. فدخلت عليه امرأة من نسائه، فقالت: قد ترى ما نحن فيه من الضيق، فلو قبلت هذا المال. قال: إنما مثلى ومثلكم، كمثل قوم لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه، فأكلوا لحمه، فلما سمع هارون هذا الكلام، قال: ندخل، فعسى أن يقبل المال. فلما علم الفضيل، خرج، فجلس في السطح على باب الغرفة، فجاء هارون، فجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه، فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك، إذ خرجت جارية سوداء، فقالت: يا هذا! قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف، فانصرفنا.
стр. 5311
حكاية عجيبة، والغلابي غير ثقة. وقد رواها: غيره.
أخبرتنا عائشة بنت عيسي، أخبرنا ابن راجح، أخبرنا السلفي، أخبرنا العلاف، أخبرنا أبو الحسن الحمامي، أخبرنا جعفر بن محمد بن الحجاج بالموصل، حدثنا محمد بن سعدان الحراني، حدثنا أبو عمر النحوي -هو الجرمي- عن الفضل بن الربيع، بها.
قال محمد بن علي بن شقيق: حدثنا أبو إسحاق: قال الفضيل: لو خيرت بين أن أعيش كلبا، وأموت كلبا ولا أرى يوم القيامة، لاخترت ذلك.
وقال فيض بن إسحاق: سمعت الفضيل يقول: والله لأن أكون ترابا، أحب إلي من أن أكون في مسلاخ أفضل أهل الأرض، وما يسرني أن أعرف الأمر حق معرفته، إذا لطاش عقلي.
وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري: سمعت الفضيل يقول: لو قلت: إنك تخاف الموت، ما قبلت منك، لو خفت الموت، ما نفعك طعام ولا شراب، ولا شيء، ما يسرني أن أعرف الأمر حق معرفته، إذا لطاش عقلي، ولم أنتفع بشيء.
عبد الصمد بن يزيد: سمعت الفضيل يقول: لا تجعل الرجال أوصياءك، كيف تلومهم أن يضيعوا وصيتك، وأنت قد ضيعتها في حياتك. وسمعته يقول: إذا أحب الله عبدا، أكثر غمه وإذا بغض عبدا، وسع عليه دنياه.
وقال إبراهيم بن الأشعث: سمعت الفضيل يقول: من أحب أن يذكر لم يذكر، ومن كره أن يذكر ذكر.
وسمعته يقول: وعزته، لو أدخلني النار ما أيست.
وسمعته -وقد أفضنا من عرفات- يقول: واسوأتاه -والله منك- وإن عفوت.
стр. 5312
وسمعته يقول: الخوف أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحا، فإذا نزل به الموت، فالرجاء أفضل.
قلت: وذلك لقوله ﷺ : "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله".
روى أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن علي بن الحسن، قال: بلغ الفضيل أن حريزا يريد أن يأتيه، فأقفل الباب من خارج، فجاء، فرأى الباب مقفلا، فرجع، فأتيته فقلت له: حريز. قال: ما يصنع بي، يظهر لي محاسن كلامه، وأظهر له محاسن كلامي، فلا يتزين لي، ولا أتزين له خير له.
ثم قال علي: ما رأيت أنصح للمسلمين، ولا أخوف منه، ولقد رأيته في المنام قائما على صندوق يعطي المصاحف، والناس حوله، فيهم سفيان بن عيينة، وهارون أمير المؤمنين، فما رأيته يودع أحدا، فيقدر أن يتم وداعه.
قال فيض بن وثيق: سمعت الفضيل يقول: إن استطعت أن لا تكون محدثا، ولا قارئا، ولا متكلما، إن كنت بليغا، قالوا: ما أبلغه، وأحسن حديثه، وأحسن صوته! فيعجبك ذلك، فتنتفخ. وإن لم تكن بليغا، ولا حسن الصوت، قالوا: ليس يحسن يحدث، وليس صوته بحسن، أحزنك ذلك، وشق عليك، فتكون مرائيا. وإذا جلست، فتكلمت، فلم تبال من ذمك، ومن مدحك فتكلم.
وقال محمد بن زنبور: قال الفضيل: لا يسلم لك قلبك حتى لا تبالي من أكل الدنيا.
وقيل له: ما الزهد؟ قال: القنوع. قيل: ما الورع؟ قال: اجتناب المحارم. قيل: ما العبادة؟ قال: أداء الفرائض. قيل: ما التواضع؟ قال: أن تخضع للحق. وقال: أشد الورع في اللسان.
стр. 5313
فيض بن إسحاق: سمعت فضيلا يقول: ليست الدنيا دار إقامة، وإنما آدم أهبط إليها عقوبة، ألا ترى كيف يزويها عنه، ويمررها عليه بالجوع، بالعري، بالحاجة، كما تصنع الوالدة الشفيقة بولدها، تسقيه مرة حضضا، ومرة صبرا، وإنما بذلك ما هو خير له.
وعن الفضيل: حرام على قلوبكم أن تصيب حلاوة الإيمان، حتى تزهدوا في الدنيا.
وعنه: إذا لم تقدر على قيام الليل، وصيام النهار، فاعلم أنك محروم، كبلتك خطيئتك.
وعن فضيل -ورأى قوما من أصحاب الحديث يمرحون ويضحكون- فناداهم: مهلا يا ورثة الأنبياء -مهلا ثلاثا- إنكم أئمة يقتدى بكم.
قال ابن عيينة: سمعت الفضيل بن عياض يقول: يغفر للجاهل سبعون ذنبا ما لا يغفر للعالم ذنب واحد.
قال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو جعفر الحذاء، سمعت الفضيل يقول: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا قال عبد الصمد مردويه: سمعت الفضيل يقول: من أحب صاحب بدعة، أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه، لا يرتفع لصاحب بدعة إلى الله عمل، نظر المؤمن إلى المؤمن يجلو القلب، ونظر الرجل إلى صاحب بدعة يورث العمي، من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة.
قال أبو العباس السراج: حدثني أبو النضر إسماعيل بن عبد الله، حدثنا يحيى بن يوسف الزمي، عن فضيل بن عياض، قال: لما دخل على هارون أمير المؤمنين، قلت: يا حسن الوجه! لقد كلفت أمرا عظيما، أما إني ما رأيت أحدا أحسن وجها منك، فإن قدرت أن لا تسود هذا الوجه بلفحة من النار،
стр. 5314
فافعل. قال: عظني قلت: بماذا أعظك؟ هذا كتاب الله بين الدفتين، انظر ماذا عمل بمن أطاعه، وماذا عمل بمن عصاه، إني رأيت الناس يغوصون على النار غوصا شديدا، ويطلبونها طلبا حثيثا، أما والله، لو طلبوا الجنة بمثلها، أو أيسر، لنالوها. وقال: عد إلى فقال: لو لم تبعث إلي. لم آتك، وإن انتفعت بما سمعت، عدت إليك.
قال إبراهيم بن الأشعث: سمعت الفضيل يقول في مرضه: ارحمني بحبي إياك، فليس شئ إلي منك.
وسمعته يقول وهو يشتكي: مسني الضر، وأنت أرحم الراحمين.
وسمعته يقول: من استوحشى من الوحدة، واستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء، لا حج ولا جهاد أشد من حبس اللسان، وليس أحد أشد غما ممن سجن لسانه.
قال الحسين بن زياد: سمعت الفضيل كثيرا يقول: أحفظ لسانك، وأقبل على شأنك، واعرف زمانك، وأخف مكانك.
وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي: حدثنا الفيض بن إسحاق، سمعت الفضيل يقول: وددت أنه طار في الناس أني مت حتى لا أذكر، إني لأسمع صوت أصحاب الحديث، فيأخذني البول فرقا منهم.
وقال الدورقي: حدثنا الحسين بن زياد، سمعت فضيلا يقول لأصحاب الحديث: لم تكرهوني على أمر تعلمون أني كاره له - يعني: الرواية؟ لو كنت عبدا لكم فكرهتكم، كان نولي أن تبيعوني، لو أعلم أني إذا دفعت ردائي هذا إليكم، ذهبتم عني، لفعلت.
الدورقي: وسمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: سمعت الفضيل يخاطب نفسه: ما أراه الوادي، فقلت: إن كنت تظن أنه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك، فبئس ما تظن.
стр. 5315
أخرجك من الحل، فدسك في الحرم إلا ليضعف عليك الذنب. أما تستحي تذكر الدينار والدرهم وأنت حول البيت، إنما كان يأتيه التائب والمستجير.
وعن الفضيل، قال: المؤمن يغبط، ولا يحسد، الغبطة من الإيمان، والحسد من النفاق.
قلت: هذا يفسر لك قوله -عليه الصلاة والتسليم-: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا ينفقه في الحق، ورجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل، وأطراف النهار" (١). فالحسد هنا، معناه: الغبطة، أن تحسد أخاك على ما آتاه الله، لا أنك تحسده بمعنى: أنك تود زوال ذلك عنه، فهذا بغي وخبث.
وعن الفضيل، قال: من أخلاق الأنبياء: الحلم، والأناة، وقيام الليل.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر، أخبرنا الحسن بن عبد الله العسكري، حدثنا ابن أخي أبي زرعة، حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، حدثنا أبو عمَّار، عن الفضل بن موسي، قال: كان الفضيل شاطرا يقطع الطريق، فذكر الحكاية، وقد مضت.
стр. 5316
وقال إبراهيم بن الليث: حدثنا المحدث علي بن خشرم، قال: أخبرني رجل من جيران الفضيل من أبيورد، قال: كان الفضيل يقطع الطريق وحده، فبينا هو ذات ليلة وقد انتهت إليه القافلة، فقال بعضهم: اعدلوا بنا إلى هذه القرية، فإن الفضيل يقطع الطريق. فسمع ذلك، فأرعد، فقال: يا قوم جوزوا، واللُّه لأجتهدن أن لا أعصي الله.
وروي نحوها من وجه آخر، لكنه في الإسناد ابن جهضم، وهو هالك.
وبكل حال: فالشرك أعظم من قطع الطريق، وقد تاب من الشرك خلق، صاروا أفضل الأمة، فنواصي العباد بيد الله -تعالى- وهو يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب.
قال إبراهيم بن سعيد الجوهري: قال لي المأمون: قال لي الرشيد: ما رأت عيناي مثل فضيل بن عياض، دخلت عليه. فقال لي: فرغ قلبك للحزن وللخوف حتى يسكناه، فيقطعاك عن المعاصي، ويباعداك من النار.
وعن ابن أبي عمر، قال: ما رأيت بعد الفضيل أعبد من وكيع.
قال إبراهيم بن الأشعث: رأيت سفيان بن عيينة يقبل يد الفضيل مرتين.
وعن ابن المبارك، قال: إذا نظرت إلى الفضيل جدد لي الحزن، ومقت نفسي، ثم بكى.
قال يحيى بن أيوب: دخلت مع زافر بن سليمان على الفضيل بن عياض، فإذا معه شيخ، فدخل زافر، وأقعدني على الباب. قال زافر: فجعل الفضيل ينظر إلي، ثم قال: هؤلاء المحدثون يعجبهم قرب الإسناد، ألا أخبرك بإسناد لا شك فيه: رسول الله، عن جبريل، عن الله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦]، فأنا
стр. 5317
وأنت يأ أبا سليمان من الناس، ثم غشي عليه وعلى الشيخ، وجعل زافر ينظر إليهما، ثم خرج الفضيل، وقمنا، والشيخ مغشي عليه.
قال سهل بن راهويه: قلت لابن عيينة: ألا ترى إلى الفضيل، لا تكاد تجف له دمعة؟ قال: إذا قرح القلب، نديت العينان.
قال الأصمعي: نظر الفضيل إلى رجل يشكو إلى رجل، فقال: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك.
قال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا أبو عبد الله الأنطاكي، قال: اجتمع الفضيل والثوري، فتذاكروا فرق سفيان، وبكي، ثم قال: أرجو أن يكون هذا المجلس علينا رحمة وبركة. فقال له الفضيل: لكني يا أبا عبد الله، أخاف أن لا يكون أضر علينا منه، ألست تخلصت إلى أحسن حديثك، وتلخصت أنا إلى أحسن حديثي، فتزينت لي، وتزينت لك؟ فبكى سفيان، وقال: أحييتني، أحياك الله.
وقال الفيض: قال لي الفضيل: لو قيل لك: يا مرائي، غضبت، وشق عليك، وعسى ما قيل لك حق، تزينت للدنيا، وتصنعت، وقصرت ثيابك، وحسنت سمتك، وكففت أذاك، حتى يقال: أبو فلان عابد، ما أحسن سمته، فيكرمونك، وينظرونك، ويقصدونك، ويهدون إليك، مثل الدرهم الستوق (١)، لا يعرفه كل أحد، فإذا قشر، قشر عن نحاس.
إبراهيم بن الأشعث: سمعت الفضيل يقول: بلغني أن العلماء - فيما مضى. كانوا إذا تعلموا عملوا، وإذا عملوا شغلوا، وإذا شغلوا فقدوا، وإذا فقدوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا.
وعنه قال: كفى بالله محبا، وبالقرآن مؤنسا، وبالموت واعظا، وبخشية الله علما، وبالاغترار جهلا.
стр. 5318
وعنه: خصلتان تقسيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل.
وعنه: كيف ترى حال من كثرت ذنوبه، وضعف علمه، وفني عمره، ولم يتزود لمعاده؟
وعنه: يا مسكين! أنت مسئ، وترى أنك محسن، وأنت جاهل، وترى أنك عالم، وتبخل، وترى أنك كريم، وأحمق، وترى أنك عاقل، أجلك قصير، وأملك طويل.
قلت: إي والله، صدق، وأنت ظالم وترى أنك مظلوم، وآكل للحرام وترى أنك متورع، وفاسق وتعتقد أنك عدل، وطالب العلم للدنيا وترى أنك تطلبه لله.
عباس الدوري: حدثنا محمد بن عبد الله الأنباري، قال: سمعت فضيلا يقول: لما قدم هارون الرشيد إلى مكة، قعد في الحجر هو وولده وقوم من الهاشميين، وأحضروا المشايخ، فبعثوا إلي، فأردت أن لا أذهب، فاستشرت جاري، فقال: اذهب، لعله يريد أن تعظه. فدخلت المسجد، فلما صرت إلى الحجر، قلت لأدناهم: أيكم أمير المؤمنين؟ فأشار إليه، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته. فرد علي، وقال: اقعد. ثم قال: إنما دعوناك لتحدثنا بشيء، وتعظنا. فأقبلت عليه، فقلت: يا حسن الوجه، حساب الخلق كلهم عليك. فجعل يبكي ويشهق، فرددت عليه وهو يبكي، حتى جاء الخادم، فحملوني وأخرجوني، وقال: اذهب بسلام.
وقال محرز بن عون: كنت عند الفضيل، فأتى هارون ومعه يحيى بن خالد، وولده جعفر، فقال له يحيى: يا أبا علي، هذا أمير المؤمنين يسلم عليك. قال: أيكم هو؟ قالوا: هذا فقال: يا حسن الوجه، لقد طوقت أمرا عظيما، وكررها. ثم قال: حدثني عبيد المكتب، عن مجاهد في قوله:
стр. 5319
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، قال: الأوصال التي كانت في الدنيا، وأومأ بيده إليهم.
قال عبد الله بن خبيق: قال الفضيل: تباعد من القراء، فإنهم إن أحبوك، مدحوك بما ليس فيك، وإن غضبوا، شهدوا عليك، وقبل منهم.
قال قطبة بن العلاء: سمعت الفضيل يقول: آفة القراء العجب.
وللفضيل ﵀ مواعظ، وقدم في التقوى راسخ، وله ترجمة في كتاب "الحلية"، وفي "تاريخ أبي القاسم ابن عساكر".
وكان يعيش من صلة ابن المبارك، ونحوه من أهل الخير، ويمتنع من جوائز الملوك.
قال بعضهم: كنا جلوسا عند الفضيل بن عياض، فقلنا له: كم سنك؟ فقال:
بلغت الثمانين أو جزتها … فماذا أؤمل أو أنتظر
علتني السنون فأبليتني … فدق العظام وكل البصر
قلت: هو من أقران سفيان بن عيينة في المولد، ولكنه مات قبله بسنوات.
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو أحد صلحاء الدنيا وعبادها.
ذكر الصيمري أنه أحد من أخذ الفقه عن أبي حنيفة.
وروى عنه الإمام الشافعي، فأخذ عن إمام عظيم، وأخذ عنه إمام عظيم، وهو إمام عظيم، نفعنا الله بهم آمين.
* * *
стр. 5320
٣٩٤١ - الشيخ الفاضل مولانا المفتي فقير الله الأثري بن بابا عبد الحق الجالندهري *
ولد في "نكودر" من مضفات "جالندهر" من أرض "الهند" سنة ١٣٦٠ هـ.
هاجر والده بعد تقسيم "الهند" إلى "باكستان"، وأقام في "فيصل آباد".
بعد إتمام الدراسة الابتدائية التحق بالمدرسة العربية إحياء العلوم.
من أساتذته فيها: مولانا المفتي محمد شفيع الهوشيارْبُوري، ومولانا محمد يوسف اللُّدْهيانَوي.
بعد مدة التحق بمدرسة خير المدارس (١) بـ "ملتان"، واستفاد كثيرا من العلامة خير محمد الجالنْدَهري، والعلامة شريف محمد الكشميري، وقرأ فيها كتب الصحاح الستة، وغيرها، من الكتب الحديثية. وبعد إتمام الدراسة التحق بالمدرسة العربية إحياء العلوم مدرّسا، ودرس فيها، وأفتي، فأجاد، وأفاد.
وكان له ذوق شراء الكتب، وله مكتبة فيها كتب نادرة ونسخ نادرة.
стр. 5321
من تصانيفه: "ترك رفع اليدين"، و"تين طلاق كا شرعي حكم"، و "خاتمة الكلام"، و "شرائط الجمعة"، و "عدالة الصحابة"، و "ناف كي نيجي هاته باندهنا سنت هي"، و "صراط مبين".
توفي في اليوم الخميس سنة ١٤٢٧ هـ.
* * *
٣٩٤٢ - الشيخ الفاضل مولانا المفتي فقير الله الجالَنْدَهري *
ولد في موضع بَهْمَانِية من أعمال "جالَنْدَهر".
قرأ مبادئ العلم على مولانا محمد صالح، مؤسّس الجامعة الرشيدية بـ "رائبُور" من "الهند".
حفظ القرآن المجيد في ستة أشهر، ثم سافر إلى "كوتْ بادلْ خان"، وقرأ على مولانا محمد ﵀، ثم سافر إلى "لُدْهيانه"، وقرأ على علمائها، ثم التحق بمدرسة دار العلوم النعمانية بـ "لاهور"، وقرأ فيها عدة سنين، وفي هذه المدة استفاد من العلماء الغزنوية.
ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، والتحق بها، وقرأ فيها سنة ١٣٢٥ هـ كتب الصحاح الستة وغيرها، من الكتب الحديثية، تخرّج على إمام الحرية شيخ الهند محمود حَسَن الديوبندي رحمه الله تعالى.
بعد إتمام الدراسة رجع إلى "رائبُور" من أعمال "جالَنْدَهر"، ودرس في الجامعة الرشيدية، وكان هذا مركزا للعلوم والمعارف في "بنجاب"، و "رائبُور" و"جالَنْدَهر"، وكان صدر المدرسين ومفتيا فيها،
стр. 5322
ودرّس فيها خمسين سنة تقريبا، ودرس هذه المدة المديدة كتب الحديث والتفسير والفقه.
وكان محدّثا كبيرا، فقيها بارعا، ورعا، تقيا، نقيا، خاشعا.
توفي ٢١ رمضان سنة ١٣٨٢ هـ، ودفن بعد صلّي على جنازته جوار الجامعة الرشيدية سَاهِيْوال، وكانت جنازته حافلة، حضرها ألوف من الناس والعلماء والفضلاء.
* * *
٣٩٤٣ - الشيخ الفاضل مولانا فقير الله الرائبوري *
ولد في موضع "باهمينان" من أعمال "جالندهر" من أرض "الهند" سنة ١٢٩٥ هـ.
وبعد تقسيم "الهند" هاجر إلى "باكستان"، وأقام في "ساهيوال"، قرأ مبادئ العلم، وكتب الدرجة المتوسطة في وطن آبائه، وحفظ القرآن الكريم على مولانا محمد صالح في عدة شهور، وقرأ الكتب العربية والفارسية على مولانا محمد في موضع "كوت بادل خان" من أعمال "جالندهر".
ثم التحق بالمدرسة النعمانية بـ "لاهور"، وقرأ فيها مدة، ثم سافر إلى مظاهر العلوم سهارنبور، وقرأ فيها مدة، ثم التحق بدار العلوم ديوبند، وتخرج شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني، قرأ عليهما كتب الحديث والتفسير، وحصل العمامة من يد شيخ الهند، وحكيم الأمة، بايع في الطريقة والسلوك على يد شيخ الهند، وحصلت له الإجازة منه.
стр. 5323
بعد إتمام الدراسة التحق بالجامعة الرشيدية بـ "رائبور"، ودرس فيها مدة، ثم رجع إلى "باكستان"، وأسّس الجامعة الرشيدية في "ساهوال".
توفي ٢١ رمضان المبارك سنة ١٣٨٢ هـ، دفن بعد أن صلّي على جنازته في "مقبرة ساهوال".
* * *
٣٩٤٤ - الشيخ الفاضل مولانا فقير محمد *
ولد سنة ١٣١٦ في موضع "بهتيان" من أعمال "نارُوْوَال".
قرأ مبادئ العلم سنة ١٣٣٣ هـ، وأكمل الدراسة العليا ١٣٤٣ هـ بـ "لاهور"، بايع في الطريقة والسلوك على يد مولانا أحمد على اللاهوري، ثم رجع إلى وطنه المألوف، واشتغل بالدعوة والتبليغ والإرشاد والتلقين مدة حياته.
توفي سنة ١٣ رجب ١٣٩٩ هـ في وطنه، ودفن بعد أن صلّي على جنازته في مقبرة آبائه.
* * *
٣٩٤٥ - الشيخ الفاضل مولانا فقير محمد بن خان محمد خان بن سائسته خان البِشَاوَري الباكستاني * *
стр. 5324
ولد سنة ١٣٢٩ هـ، في موضع "مَهْمَنْد إجِنْسِي" وكان جدّه عالما كبيرا.
قرأ الكتب الابتدائية في جرشده، ثم التحق بالمدرسة النعمانية بـ "أمرِتْسَر"، قرأ فيها من البداية إلى النهاية عشر سنين، وحصل منها سند الفراغ، وكان أستاذه المفتي محمود حسن يحبّه حبّا كثيرا، وكان لقّب ببكّاء.
بايع على يد حكيم الأمة أشرف علي التهانوي سنة ١٣٥٧ هـ، وأسّس مدرسة لتعليم القرآن الكريم.
ومن خلفائه: المحدّث الكبير العلامة سليم الله خان، صاحب "كشف البارى شرح البخاري"، والسيّد نجم الحسن التهانوي، والمفتى الكبير أحمد الرحمن، ومولانا عبد الرحمن، وغيرهم من العلماء الكبار.
وفي آخر حياته أسّس الجامعة إمداد العلوم في شارع مال بمدينة "بشاور".
توفي ٢٣ ربيع الأول سنة ١٤١٢، صلى على جنازته مولانا حسن جان المدني، ودفن في مقبرة بِشَاوَر، وحضر في جنازته ألوف من الناس، والعلماء الكبار، والشيوخ العظام.
* * *
٣٩٤٦ - الشيخ العالم الفقيه فقير محمد بن محمد سفارش، الجهيلمي *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد العلماء المشهورين.
стр. 5325
ولد بقرية "جِتَّن".
-بكسر الجيم المعقودة وتشديد التاء الفوقية-
قرية من أعمال "جهيلم" سنة ستين مائتين وألف.
واشتغل بالعلم على أساتذة بلاده مدّة من الزمان.
ثم سافر إلى "دهلي"، وقرأ أكثر الكتب الدراسية على المفتي صدر الدين الدهلوي، وعاد إلى بلاده سنة سبع وسبعين، وأقام بوطنه مدّة.
ثم دخل "لاهور"، واستفاد عن الشيخ كرم إلهي المتوفى سنة ١٢٨٢ هـ، وعن الشيخ ولي الله اللاهوري، ورغب إلى المناظرة بالنصاري، وصنّف في ذلك كتبا ورسائل، منها: "زبدة الأقاويل" في ترجيح القرآن على الأناجيل.
ومن مصنّفاته: "حدائق الحنفية في طبقات المشايخ الحنفية" بالأردو، مأخوذ من "الفوائد البهية" مع زيادات مفيدة.
مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وألف.
* * *
٣٩٤٧ - الشيخ الفاضل فقيه الله بن أصلح الله بن علاء الدين، الحسيني، السنديلوي *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد الفقهاء الحنفية.
ولد بـ "سنديله" سنة ثلاث ومائتين وألف، ونشأ بها.