المنام أن ميزانا صغيرا، -وهو الذي يلعب به الصبيان-، قد نزل من السماء معلّقة، به طيور أبابيل سود، لا تفارقه رغم محاولات مكثفة، قال: فأوّل بجدب يضرب البلاد، فصدق تأويله، وقحط العام قحوطا بلغ من وطأته أن بيعت الإماء، ولعلّه أطلق عليه، "القحط الخماسي" (بانجاكال) - أي القحط الذي امتدّ على خمس سنوات.
نسبه:
وأشاركه نسبا في جدّ والد الشيخ غلام شاه، فهو محمَّد قاسم بن أسد علي بن غلام شاه بن محمد بخش بن علاء الدين بن محمد فتح بن محمد المفتي بن عبد السميع بن الشيخ محمد هاشم، وأنا محمد يعقوب بن مملوك العلي بن أحمد علي بن غلام شرف بن عبد الله بن محمد فتح بن محمد مفتى بن عبد السميع بن الشيخ محمد هاشم، فالشيخ خواجه بخش أخو الشيخ محمد بخش جدّ لأم لكلّ من والديَّ، والشيخ كرامت حسين الديوبندي سافر إلى "دكن"، وهو شاب، فتزوّج بها وولد له أولاده، ذكور، منهم: محمد هاشم، ومن هنا كان جدّ والدي عمّا له، يربطهما قرابات عدّة، تربط العائلة الواحدة بعضها ببعض، وكان الشيخ وجيه الدين -جدّ لأم للنانوتوي- يجيد الفارسية، يقرض بالأردية، يلم إلماما بسيطا باللغة العربية، ورجلا حنكته التجارب، وحلب الدهر أشطره من رجال الطراز الأول، له دخل واسع، عمل محاميا في "سهارنفور" خلال السلطة الإنكليزية، ولقى إكراما كبيرا واحتراما بالغا من الناس، وعاش حياته متقلّبا في أحضان النعيم، ذكي مفرط الذكاء جيّد الفهم، ويشاركنا نسبا فوق أجيال -في الشيخ محمد هاشم-، وينتهي نسبه إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق رضى الله عنه، والشيخ محمد هاشم هذا قربته العائلة الملكية إليها في عهد شاه جهان، فاستوطن بلدة "نانوته"،
стр. 5357
وأقطعت له فيها عدة قرى، انتزعتها من أيدى أولاده الحكومات المتعاقبة، وحضرة الشيخ النانوتوي لم يكن له أخ، وله أخت في "ديوبند" لا زالت على قيد الحياة، كما لم يكن والده أو جدّ أخ، وقد ولد لحضرة الشيخ أخ مات صبيا، وعمّه مات شابا، ولجدّه أخ استشهد شابا في بعض الحروب، وأخوته من فوقه لم يخلفوا ذكورا، وإن كان لهم ذرية في "دكن"، فكان حضرة الشيخ وحيدا فريدا طوال أربعة أجيال.
خصاله وصفاته:
وحضرة الشيخ منذ نعومة أظفاره ذكيّ، مفرط الذكاء، عالي الهمّة، ماضي العزيمة، وصارمها جلد صبور مقدام نشيط داه، يفوق زملاءه في الكتاب، وأولهم جمعا للقرآن، وأجودهم خطّا، مائل إلى الإنشاد، ميلا عظيما، قرض بعض ألعابه وقصصه ونسخ عدّة كتيبات.
اجتماعه بالحاج الشيخ إمداد الله:
وبحكم العلاقة التي تربطه بالشيخ إمداد الله نسبا فقد كان له خؤولة في أسرتنا وأخته متزوّجة فيها كان يختلف كثيرا إلى "نانوته"، فيدخل عليه، فيبدى له حبّه البالغ، وإخلاصه تجاهه، وتلقّينا جميعا تجليد الكتب من الشيخ إمداد الله، وجلدنا ما نسخناه من الكتب بأيدينا.
وشهد وطننا كارثة، حيث تبني الشيخ تفضل حسين التشيّع، وهو يشاركنا في العقارات، فاختلف مع الشيخ غلام شاه جدّ حضرة الشيخ، فأصاب الشيخ فصيح الدين خال حضرة الشيخ تفضّل حسين بجراحات، قضت على حياته، ورغم أن القضية مرّت بسلام، ولم يصدر الحاكم عقوبة على أحد، إلا أن الخصومة اشتدّت وطأتها من ذى قبل، وخيف على حضرة الشيخ الشرّ من أعدائه، فوجه إلى "ديوبند" حيث كان الشيخ مهتاب علي اتخذ من بيته كتابا، يقرأ فيه نهال أحمد على الشيخ كرامت حسين، فبدأ
стр. 5358
حضرة الشيخ دراسته عليه في نفس الكتاب، ثم تحوّل إلى جدّه لأم في "سهارنفور"، ومكث بها يقرأ على الشيخ محمد نواز السهارنفوري الكتب الفارسية والعربية للمرحلة الابتدائية، وفي تلك الأيام قصد والدي ﵀ "مكة المكرّمة" حاجا، فقضيت مدّة سنة في الوطن، وقد كنت حفظت القرآن آنذاك غير ضابط، فلبثت أضبطه، وأتثبّت منه، ورجع حضرة الشيخ إلى الوطن، وقد مات جدّه لأمه حينئذ ضحية للحمى المعدية، التى أكلت نفوسا كثيرة، فرافقت حضرة الشيخ في تلك الأيام، فوجدته مرسا فائقا في الألعاب كذلك سواء ما يتطلب منها الدهاء أو الجهد، يفوق أصحابه، ويغلبهم ولن أنسى تلك اللعبة التي عرفت بلعبة الدهاء لا يجيدها إلا المرس الدرب، أما نحن الحديثوا العهد بها، فلم يكن حظّنا منها، إلا الخيبة، وتقليب الأكفّ، وأخذ حضرة الشيخ يتصرّف في أصولها، ويضبط ضوابطها، حتى أتقنها، فلم يهزمه أحد فيما أذكره، وأقصى ما يكون التعادل بينه وبين خصمه، فلم يدع لعبا من الألعاب إلا بلغ به ذروة الكمال، وباب بيته يفتح في سكة موحشة عرفت بتغلب الشياطين عليها، وحضرة الشيخ لا يرجع إلى بيته إلا مؤخرا في الليل، غير خائف ولا وجل.
قدومه دهلي وبدؤه دراسة كتاب الكافية في النحو:
عاد والدي من الحج، فأبدى له رغبته في استصحابه إلى "دهلي"، فرضيت أم حضرة الشيخ بذلك فما كان من الوالد، إلا أن خرج به من الوطن في آخر أيام من ذي الحجّة عام ١٢٥٩ هـ.
ووصل حضرة الشيخ "دهلي" في الثاني من محرم عام ١٢٦٠ هـ، وفي الرابع منه بدأ دراسته بـ "كتاب الكافية" في النحو، وبدأت أنا دراستي بـ "الميزان" في الصرف، وبـ "كلستان" في الفارسية، وكان الوالد أمر حضرة
стр. 5359
الشيخ أن يستمع لما كنت أدرسه من الأبواب الصرفية في "الميزان" وتعليلاتها، وقد تعودنا المناقشة في الأبواب الصرفية والأعاريب في كلّ ليلة من ليالي الجمعة، حيث تكون عطلة أسبوعية.
تفوقه على الطلاب:
وظلّ حضرة الشيخ طالبا فائقا في زملائه، وكانوا يجتمعون في تلك الأيام في مسجد الشيخ نوازش علي بحوار بيتنا، فيتباحثون، ويتذاكرون، ويتناقشون، ولما جاء الدور على حضرة الشيخ بزّهم وعزّهم في الخطاب، وظلّ يغلبهم في كل ما يجرى من مباحثات ومحادثات علمية. من الطريف أن أحدنا إذا رآى نفسه ينهزم استنصره أو تقدم هو إليه يشدّ أزره، ثم مضى في دراسته لا يلوي على شيء، ولا يشقّ غباره أحد، درس أصعب الكتب في العلوم العقلية أمثال: "مير زاهد"، و"قاضي مبارك"، و"شمس بازغة"، وضبطها ضبط جامع القرآن منازله، وأحيانا يقرأ عباراتها، ويمرّ عليها مرّ الكرام دون حاجة إلى ترجمته، وقد عاب ذلك عليه بعض تلاميذ والدي، وقالوا له: يا شيخنا يبدو أنه لا يدرك ما يقرأ، فيجيب الوالد قائلا: لا يسع الطالب أن يستمرّ في قراءته، وأنا أستمع له، دون أن يفهمه، ويدركه إدراكا. أجل! إن المضي في القراءة والوالد يسمتع من الصعوبة بمكان إذ كان يفطن لمدى فهم الطالب الكتاب بمجرّد استماعه لقراءته، ومثله الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، فقد كان هو وحضرة الشيخ زميلين في الدراسة، يتبادلان الحبّ، حتى حدّثا عن الشيخ عبد الغني كما بايعا جميعا الشيخ إمداد الله حينئذ، وسلكا مسلكه في الإرشاد.
وألحق والدي حضرة الشيخ بالمدرسة العربية الرسمية، وقال لمدرس العلم الرياضي: لا يهمّك من شأن الطالب، فإليّ تعليمه وإعداده، وقال لحضرة الشيخ: عليك بـ "الأقليدس"، وقواعد الحساب، تمرّن عليها أياما، حتى
стр. 5360
تضبطها، فلم تمض أيام حتى ذاع أن حضرة الشيخ قد أنهى مقالات يسيرة، وانتهى من الحساب، وذلك مما بعث الناس على العجب البالغ، فسأله الطلاب، ولم يكن حضرة الشيخ خالي الوطاب صفر اليدين، فردّ عليهم ردّا بليغا، نمَّ عن مقدرته في الفن.
حله لبعض عويصات الحساب:
وقدم إليه الشيخ الكاتب ذكاء الله بأسئلة بلغت من الصعوبة بمكان أصدرها بعض الأساتذة الجدد، فردّ عليها حضرة الشيخ ردا كافيا، زاد من صيته، وهذا شأنه في الحساب، وأظلت أيام الامتحان في المدرسة، فغاب عنها، ولم يحضر الامتحان، وانفصل عن المدرسة نهائيا، فأسف على ذلك المسؤولون عن المدرسة بمن فيهم رئيس هيئة التدريس، فقد كان يتولى منصب مدرّس المرتبة الأولى أحد الإنكليز آنذاك.
عمله كمحقق النصوص:
ثم عمل حضرة الشيخ أجيرا في المطبعة الأحمدية يحقّق النصوص، ويعدّها للطباعة بعد ما أنهى الكتاب الدراسية النظامية، وأكمل دراسة الحديث على الشاه عبد الغني، وخلال هذه المدّة ألم بوالدي مرض اليرقان، فقضى نحبه فيه في الحادى عشر من شهر ذى الحجّة عام ١٢٦٧ هـ، ولم يطل مرضه، إنما هو أحد عشر يوما، غير أن أربعة أو خمسة أيام منها اشتدّ خلالها وطأة المرض، وتناهت شدّته، وسادته الغشية، والإغماء، واحتاج إلى تحريك المروحة وإشمام لخلله، ونحن كان يغلبنا النوم، فنستريح، وحضرة الشيخ لا يزال يسهر عليه يمرضه، وبعد ما توفي الوالد تحولت إلى الدار التي نملكها، والتي تقع في حارة جيلان، وحضرة الشيخ بدوره صحبني إليها، وعلى السقف سرير مفكك، يرمى بنفسه فيه، ويأمر أحيانا، فتخبز له أخباز تكفيه عدّة وجبات، وعندي خادم يخبز الخبز، وقد أوصيته أن يقدم له إداما
стр. 5361
إذا ما وجده يرغب في الطعام، فلا يقبل منه إلا أحيانا، وبإلحاح بالغ، وكثيرا ما كان يكتفي بجلق الخبز قانعا به.
وقضيت في "دهلي" بعد ما توفي الوالد ما يقارب سنة، ثم تمّ تعييني في "أجمير" مما اضطرَّني إلى مغادرة "دهلي" ومفارقة حضرة الشيخ وهو بدوره أمضى أياما في تلك الدار وحيدا، لا يشاركه فيها أحد، ثم تحوّل إلى المطبعة، ولبث أياما في دار البقاء.
تعليقه على صحيح البخاري:
وفي هذه الأيام فوّض إليه الشيخ أحمد علي السهارنفوري تعليق وتحقيق الأجزاء المتبقية -الخمسة أو الستة- لـ "صحيح البخاري"، فقام به حضرة الشيخ خير قيام يسرّ القراء، ويبعث على الإعجاب به، والتقدير له، وأنى لأحد أن يعمل عمله، وخفي على أناس مقدرته العلمية، فأفضوا مخاوفهم إلى الشيخ أحمد علي قائلين له: ما بالك جعلت هذا العمل الجليل إلى رجل شابّ قليل المراس؟ فردّ عليهم الشيخ أحمد علي قائلا: لست بهذه المثابة من السفاهة، فآتي أمرا دون بصيرة منه، وأراهم تعليقات أعدّها حضرة الشيخ، فإن تلك المواضيع من "صحيح البخاري" تعدّ أصعبها وأدقّها، وخاصّة تأييد مذهب الأحناف. الأمر الذي تقيد به الشيخ أحمد علي حين بدأ تعليقاته هذه على "الصحيح"، وقد تعقّب الإمام البخاري مذهب الأحناف بتعقّبات يشقّ الردّ عليها، كما لا يخفى، فمن شاء فليراجع هذه التعليقات، التى قام بها حضرة الشيخ، والتزم الشيخ أحمد علي كذلك في تعليقاته ألا يأتي فيها بشيء إلا عن دليل يساعد دون إيحاء عن عقله وفهمه.
وهذا الذي يرجع إلى تلك الأيام من حياة حضرة الشيخ سمعته ولم أشهد، إذ لم يسنح لي الاجتماع به طوال خمس سنوات، وعندما توجهت
стр. 5362
إلى "أجمير" تركت حضرة الشيخ يسكن تلك الدار، يشاركه فيها آحاد من الناس، ثم تفرقوا جميعا عنه، وكان يكون الباب مسدودا، يرجع حضرة الشيخ إلى الدار ليلا، فينزع الباب ليدخلها، ثم يعيده إلى مكانه، فيبيت الليل، فإذا أصبح نزع الباب ليخرج ثم يعيده إلى مكانه، وقضى أشهرا في نفس الدار.
زهده في الاهتمام بذاته:
جبل حضرة الشيخ على حبّ العزوف والعزلة عن الناس، فعزّ على الناس مخاطبته، والحديث معه، وشبّ على ملازمة الصمت والسكوت، فيها به من رآه، ولا يفاتحه، فهو -رغم خفة روحه وسماحته- يبدو عابسا كئيبا، لا يسع أحدا أن يطلع على ما هو فيه من عسر أو يسر، وهو بدوره لا يبوح به لأحد، وربما أصيب بمرض، ولا يدري ذلك أحد، إلا أن تشتدّ وطئته، فيلمسه من يلمس، ويخفى على كثيرين، أما هو فلا يطلع عليه أحدا بلْه التداعي والعلاج.
من الطرائف ما حُدّتتُ أن حضرة الشيخ كان يعمل في مطبعة الشيخ أحمد على، فيناديه البعض بحضرة المولوي، فلا يجاوبه، فإذا نودى باسمه تهلّل، وأقبل عليه كليا، فقد كان يزعجه كثيرا أن يقابله الناس بمزيد من التعظيم والاحترام يتبسط إلى الجميع، ويعاشر أصحابه وذويه معاشرة الإخوان، ولا يخصّ نفسه بتوقير زائد، يقوم به الناس تجاهه، ولا يتقيد بزيّ العلماء الكبار من القميص والعمامة. وقال ذات يوم: لقد أفسد عليّ هذا العلم، ولقد وددت أن أفني نفسي، فلم يعرفها أحد.
أقول: رغم هذا الصيت الذائع ما عرفه من عرفه، فكم من فضل ناله، وخفى عن أعين الناس، إلا ما ندر، فصدق ما قاله، وكان يتحاشى عن الإفتاء بلْه التوقيع والختم عليه، وإنما يحيل السائل إلى غيره من العلماء، ولا
стр. 5363
يرضى بالتقدّم للصلاة بالناس، ثم أخذ يؤمّ الناس في وطنه، ويأبى أن يقوم فيهم خطيبا، وأول من حمله على إلقاء الكلمة الشيخ مظفّر حسين الكاندهلوي، وشهد خطبته، واستمع إليها، واستبشر كثيرا.
والشيخ مظفر حسين ذا ممن يمثل السلف الصالح في أيامنا الأخيرة هذه، وقد بلغ من تقوى الله تعالى وورعه مكانا، لا يدخل معدته طعام يريبه إلا قاءه، وما رأيت ألزم للسنّة منه، ولا سمعت، وهو أول من قام بتزويج النساء الأيامى في هذه المناطق، كما قام به حضرة والدي خير قيام، وتبعهما حضرة الشيخ، فوسع من نطاقه، وسيكتب هذا العمل الجليل في حسناتهم إلى يوم القيامة، وهذا جانب من جوانب أعماله البناءة الدينية، التي قام بها، ونشرها، خدمة للمجتمع الإسلامي.
وكنت أسعد بلقاء الشيخ مظفّر حسين عندما يقدم "دهلي"، وينزل على والدي، ويقيم في بيتي، والوالد يبادله الحبّ، فلا يتوجّه إلى الوطن، إلا عرج على "كاندهله"، وما قفل منه إلى "دهلي"، إلا نزل عليه، وأقام عنده، ثم يمضي في سبيله إلى "دهلي"، وكذا يقف موقفا مماثلا من الشيخ إمداد الله، يجتمع به خلال زياراته لـ "تهانه بهون"، وقد يقيم هناك، فما أعجب ذلك الاجتماج الذي كان ينعقد في مسجد "بير محمد"، وما أكثر خيره وبركته، ولم يكن يهمّهم إلا ذكر الله، وقال الله، وقال الرسول، وينتهي بهم المجلس -في الهجيع الأخير- بالجهر بذكر الله مما يوقظ الوسنان والغافل، ويوفقه لذكر الله، فهذه اللقاءات والزيارات يرجع فضلها فيما يبدو إلى هؤلاء الأعلام، وإلا فما قدر الله كان.
تبتّله:
ولم يكن حضرة الشيخ يرضى بالزواج، بينما أقلق والده أسد علي ما رآه فيه من إبائه عن تولي الوظائف، وصبابته بطريقة الإحسان والتزكية، كما
стр. 5364
كان أهمه كثيرا ما خطب له إلى بعض البنات في "ديوبند"، فلجأ إلى الشيخ إمداد الله، وجعل يشكو إليه ذلك الأمر، حتى رضى حضرة الشيخ بالزواج بأمر منه، على أن يكون هو غير مطالب بكسب العيش للإنفاق على الزوجة أو الأولاد ما دام حيا، وقبل أهلها ذلك مغلوبين على أمرهم، فعقد الزواج.
هذا في جانب، وفي جانب آخر نجده لا يتولى -إذا ما رضي بذلك- إلا وظائف قليلة الدخل، فيعمل كمصحّح في بعض المطابع يتقاضى راتبا، لا يتجاوز أربع روبيات أو ستا، وزاد الطين بلةً ما جبل عليه من المبالغة في القِرى والضيافة والسخاء، فلم تسمح نفسه بادّخار شيء يقدمه إلى أهله، ويزور والده في الوطن، فيتبعه أصحابه، وضيوفه إليه، وما أكثر ذلك، حتى شقّ على والده ذلك بحكم دخله الضئيل، فما كان من حضرة الشيخ إلا أن استاذن زوجته ببيع حليّها، وباعها، وأنفق ثمنها، وقد جبلب هذه السيّدة على الصمود والصبر، على شظف العيش، فعانت ما عانت لدى زوجها سعيا وراء إرضائه وإبقاء على إبائه وعزّة نفسه، فكان حضرة الشيخ يكنّ في صدره لها حبّا صادقا ومودّة، ويكثر من الثناء عليها، والشكر لها في أخريات أيام حياته.
جوده وسخاؤه:
ثم أنعم الله عليه ما أنعم، ورزقه من فضله رزقا واسعا، فكان يقدم ما يكسبه من أموال إلى هذه الزوجة الأبية الصالحة، حفظها الله التي تعوّدت الجود والسخاء، وزادت "قرى" حضرة الشيخ رونقا وبهاء، فلا أعرف ضيفا نزل عليه في أيّة ساعة من ليل أو نهار إلا نال حظّه مما لذّ وطاب، ولم يستنكف حضرة الشيخ أن يعترف، وبكل صراحة بأن قراه يرجع فضله إلى والدة أحمد نجله الأكبر، وقال: إنها تسبقني في الإضافة والقرى.
стр. 5365
وكانت "نانوته" تحتضن مزارع كثيرة جدّا، تنبت الزرع، يملكها حضرة الشيخ، فكان يقول لضيوفه: ما تكلّفنا في إعداد الرزّ لأجلكم شيئا، وإنما يغلّ لنا الأرزّ أراضينا المترامية الأطراف هذه، فأعددناه، وقدّمناه لكم، وكان يغلو في نفقات الضيافة، فذات مرة قدّم إلى المائدة شيئا وافرا من السمن، مع كهجري، وهو طبيخ معروف مزيج من الرزّ والعدس، والضيوف يبلغون عشرة أو خمسة عشر، فاستكثره الشيخ رشيد أحمد، فنصّفه نصفين، نصفا أمسكه، ونصفا أرسله إلى البيت، وذات يوم أراد أن يعلف بعض الدوابّ، التى قدم عليها الضيف، فطلب حمصا، فلم يجده، وفي البيت حمص كابلي، يعتبر من أنفس أنواع الحمص، فأمر برضّه، فرضّ، فقدّمه علفا للدابة، وهكذا بلغ حضرة الشيخ من القرى والضيافة منتهاها.
بعض ما رآه فيما يرى النائم وهو صبي:
أذكر أن حضرة الشيخ رأى وهو صبي فيما يرى النائم أنه أتاه أجله، فمات، فدفنواه في قبره، ورجعوا، فأتاه جبريل في قبره، وبيده بعض الجواهر الغالية، وقال له: هذه أعمالك، وفيها جوهرة جميلة كبيرة جدا، فقال: هذه عمل خليل الله إبراهيم، ﵇.
ورأى أيام دراسته، وهو نائم أنه وقف فوق بيت الله الحرام، وتنبع منه الآلاف من الأنهار، فذكره لوالده، فأوّل له بأن القوم سيكثرون من الانتفاع بعلمه.
إباؤه من التوظف:
عقد له والده النكاح ظنّا منه أنه كسائر أترابه، سيتولى خدمة من الخدمات، تدرّ عليه ما لا يعيش به، وينفقه عندما تحيط به الهموم، فأنقضت مدة مديدة، ولم يصدق أمله فيه، فأصابه اليأس، وأقلقه كثيرا أن يراه خامل، لا يكسب عيشا، بينما يرى أبناء إخوته قد تلقّوا الدراسات، ونالوا وظائف
стр. 5366
مرموقة، يسيل لها اللعاب، وتدرّ عليهم المئات من (الروبيات)، والخمسينات، فينعمون بعيش رغيد، ويتقلّبون في النعماء، فعيل صبره، وشكا ذلك إلى الحاج إمداد الله قائلا: إنه وحيد أولادي، لا يشاركه أخ أو أخت، وقد عقدت فيه آمالا بعيدة، ورجوت أن يكسب لنا العيش، ويدفع عنا الأذى، والضيق الذي نكابده، والله يعلم ما حلّ به، فارتسمت ابتسامة على شفاه الشيخ، وسكت، ثم أرسل إليه بعد يبشره بأنه سينال منزلة رفيعة، تسخر له ذوي المئات والخمسينات هؤلاء، يبعد صيته وصوته، ويشار إليه بالبنان، جئتني تشتكي العوز والعسر، وإن الله سيرزقه بدون وظيفة، رزقا يفضله على أصحابه، وقد وسّع الله على حضرة الشيخ، وأبوه أسد على حيّ يرزق، فقرّ عينا، وطاب نفسا، ولقي ربّه راضيا به وبولده، ورأى -بأمّ عينيه-، صدق التنبؤات، التي تنبّأ الشيخ إمداد الله، فالرجل أدرى بأصحابه، وإنما يعرف ذا الفضل ذووه.
سجّل الشيخ إمداد الله في كتابه "ضياء القلوب" كلمات تثني على الرجلين، وهى في غاية من الصواب والصحة، ولا شكّ أن الشيخ أعمل فيها تواضعه، إلا أنه قصد السموّ بمنزلتهما رفع ذكرهما.
قال الشيخ عند ما حضرت حاجّا لأول مرة: ليس بيني وبين الشيخ رشيد أحمد فرق كبير، وما الذى يحمل الناس على زيارتي؟ وقال: إن أمثال الشيخ محمد قاسم عرفناهم في غابر الزمان، أما الآن فقد مضت الدهور، وما أتت بمثله.
ورغم ما اتّصف به حضرة الشيخ من الفضل لم يتفوّه بكلمة تنمّ عن مدحه لنفسه، وتزكيتها أو كبرها وخيلائها، لا في خلواته، ولا في جلواته، ولا بين من خالطه، وأحبّه، أو جهله، وأنكره.
стр. 5367
الشيخ إمداد الله يوسينا بالاحتفاظ بما يقوله حضرة الشيخ:
ثم قال الشيخ خلال هذه الرحلة: عليكم بما يقوله أو يكتبه حضرة الشيخ فاغتنموه، واعتنوا به، غير أننا -والقلب ملؤه الأسى- لم يخطر ببالنا أن أجله قد حان، وسيُداهمنا الخطب، قد كان نَقُهَ بعد معاناته لشدّة المرض مرات، ولا نظن -آنذاك- إلا أنه سيعود إليه الصحة، فسُقِطَ في أيدينا، ولم نملك إلا قلب الأكّف على ما فاتنا، فأنى لنا من يسدّ مسدّه، ويكمل ما نقص، ويتدارك ما حصل من خلل؟
وبعد ما تزوّج حضرة الشيخ كان ينغّص عيشَ والده ما يراه منه من رغبته عن الدنيا وما فيها، وظلّت تراوده أمنية ذكر يولد لحضرة الشيخ يرثه، ويخلفه، ويعقب نسله، فقد كان رزق عدة بنات تباعا، ولا زالت اثنتان منهنّ على قيد الحياة، فقال له بعض أهل الخير والصلاح: إن أمنيتك للذكر مما يتأذّى بها حضرة الشيخ، فلا تنغّض عليه عيشَه، إذا سيرضيك الله تعالى، فأمسكْ عنه، وأصبح أكبر همّه تحقيق رغبة حضرة الشيخ، فيقري ضيفه، ويخدمهم دون أن يجد في نفسه من ذلك حرجا.
فرزق الله حضرة الشيخ غلاما، سمّاه أحمد، وقد بلغ أحمد هذا الثامن عشر من عمره شابا يافعا، جعله الله سرا لأبيه، مشابها له، آمين! ثم ولد له ابنه هاشم، وسماه بهذا الاسم جدّه، والد حضرة الشيخ، كما ولد له خلال ذلك بنون وبنات، كل مضى لسبيله، إلا بنتا بلغت من سنّها ثلاثا أو أربعا من السنوات، وهي آخر أولاده، متّعهم الله جميعا بطول عمر وسعادة وتوفيق، وأبقى الله على نسله بهم.
تواضعه:
أخونا أسد علي والد حضرة الشيخ رجل غرّ، يكثر من تدخين الشيشة، بينما حضرة الشيخ ممن يكرهها، ويبغضها، وذات مرة أمره والده
стр. 5368
بإعداد الشيشة، والرجل طوع أبيه، فأعدّها وأحضرها، ولما بلغ الناس ذلك لاموا والده على ذلك، فأجابهم لقد ندمتُ كثيرا، إذ أمرته بذلك، ثم لم يعدْ إليه.
وكان يعزّ عليه أن يرى ابنه جليس المسجد، فيه يبيت، ويطعم، ويشرب، واتخذ لنفسه زملاء: اثنين أو ثلاثة، يشاركونه في شيخه الذي بايعه، وطلب منهم أن يحضروا وجباتهم إلى المسجد، كما يحضر هو وجبته إليه، فيتشاركون في طعامهم وشرابهم.
معاناته وصبره:
وتعوّد السير على الأقدام، والصبر على المعاناة، مما يعزّ على والده، وقد بلغ من عنائه أنه كان يغتسل إذا احتاج إليه في الهجيع الأخير من الليل في بركة، في ليل قارّ شديد البرد، يصطك لها الأسنان، وتتمشّى الرعدة في سائر البدن، رغم ما كان يتوفّر من الماء الساخن في المسجد، وذلك حياء من الناس لا غير.
أذكاره وأعماله:
لقد مارس حضرة الشيخ أعمالا شاقّة، يروّض بها نفسه، ويزكّيها، تقصر دونها الهمم، واستمرّ على الأشغال الشاقّة، مثل حبس النفس بالإضافة إلى التسبيحات الاثني عشرية، مما داوم عليها، فانتابت مزاجه حرارة شديدة أطارتْ شعره، ولم تزل بصورة أو أخرى، إذ هذه الحرارة مصدرها القلب، ولا سبيل لدفعها وتسكينها، فأصيب بمرض أودي به.
توارد المعاني الأفكار:
وتتوارد إليه المعاني والأفكار، وتواتيه، ليختار منها ما يشاء، ويرجئ ما يشاء، وكان يقول: وقد تصيبني حيرة فيما أختار منها، وما أدع، كثيرا ما كان يخرج على موضوعه حين يسهب في الخطبات حيث تواتيه
стр. 5369
الأفكار، ويطاوعه اللسان، والله أعلم بما وراء ذلك، وكان يتمتّع بالكشف، ثم لم يتفوّه بكلمة تنمّ عنه، والإنسان يفعل فيه مجالسة من يحظى بنسبة صالحة، -ولو ضئيلة- فعلها، أما حضرة الشيخ فرزقه الله قوّة على الضبط والإمساك، فلم يُبد من ذلك شيئا، فما كان أضبطه، وأملك لنفسه!
بدأ حضرة الشيخ ذات مرة تدريس "كتاب المثنوي" للعلامة الرومي، فلا يتجاوز أبياتا، اثنين أو أربعة، حيث يشبعها بحثا وشرحا، ويأتي بعجائب وغرائب من المعاني والحكم، وبلغ دروسه هذه بعض من كان يصطبغ بشيء من روح التزكية والإحسان، فاعتبره نابعا من تضلّعه من العلم، وعلوّ كعبه فيه، وأحبّ أن يفيده شيئا من العلوم الباطنة، فطلب منه أن يخلو به يوما، فردّ عليه حضرة الشيخ، قائلا: قد شغلني العمل في المطبعة، وتعليم الطلاب عمّا سواهما، فلا أستطيع تلبية دعوتك، ومن الممكن أن تدخل عليّ إذا شئت، فأتاه يوما، وقال له: انظر إليّ، وقد أغمض هو عينيه، مراقبا، بينما حضرة الشيخ يدرّس تلاميذه، فأوقف الدرس، وتوجّه إليه بعينين مفتوحتين حينا، ومغمضتين بعض الإغماض حينا، وأما ذلك القادم فيكاد يخرّ على وجهه حينا، ويستوي قاعدا حينا، وهكذا دواليك، ثم قام، ورجع مقنعا رأسه، مبالغا في الاعتذار إليه. ولا شكّ أن تواضع حضرة الشيخ مما أخفى على الناس فضله ومكانته، والذي ظهر لهم إنما كان -فيما أرى- بأمر من الله تعالى، ولم يكن يتوخّى حضرة الشيخ ذلك.
عود على بدء:
لقد خرجت عمّا كنت بصدده، فأعود، وأقول: وعدت من "بنارس" إلى الوطن، ولم يسنح لي زيارة "نانوته"، وخلفت أهلي في "ديوبند". وشددت
стр. 5370
رحلي إلى "روكي"، وولّيت بعض الخدمات هناك، وطال غيبتي عن الوطن، بينما كان حضرة الشيخ في بيته، فأرسلت إليه من يبلغ عني رغبتي في لقائه، وأنه لا يمنعني من زيارته، إلا شغلي الشاغل، فاستعدّ لزيارتي، وقطع مسافة منزلتين، راجلا على قدميه، وعرفني بقدومه الميمون، ولم تطلع نفسه لركوب المراكب ما دام قويا جلدا.
مغامراته أيام الغدر:
اندلعت في "الهند" في تلك الأيام ثورة ضدّ الحكم الاستعماري الإنكليزي في البلاد، سمّيت بأيام الغدر، ونقض العهد، فعدت إلى الوطن، وقدم حضرة الشيخ بصحبة جماعة، منهم: محافظ البلدة بلدة "نانوته" بعد رمضان إلى "سهارنفور" ليستقبلني بها، والسير في تلك الأيام غير مزود بالعدة والعتاد، أصبح من الصعوبة بمكان، فاستصحبوني إلى الوطن، إذ حدثت حوادث عدّة قام بإذكاء نارها أهل الشغب والفتنة، فأبلى فيها حضرة الشيخ بلاء حسنا.
إصابته للهدف بالبندقية:
وحينئذ طالما كان جماعة من إخواننا وأترابنا يتعلّمون الرماية وتسديد البندقية، فرجع حضرة الشيخ ذات مرة من المسجد، ووجدنا نتعلّم الرمي، ونستهدف ورقة من أوراق النيم، محاطة بخطّ مدوّر، ونحن نصوب من مكان قريب منه، واتخذنا قذائف من طين، فقال حضرة الشيخ: أروني كيف تسدّدون البندقية، فأطلق البعض إطلاقة، ووصف له على وجه، فما نشب حضرة الشيخ أن تناول البندقية، وسدّدها، وركز على الهدف، فأصابه، بينما طال عجز سائر زملائه الرماة المرسين عن إصابة الهدف، ولم يكن إصابة حضرة الشيخ لهذا الهدف المحدّد صدفة، وإنما تأتّى ذلك عن تفطّنه للتسديد، وأخذه نفسه بحالة من الوقفة، تلاشت معه وجوه الخطاء، وطالما
стр. 5371
رأيت الرماة يأخذون أنفسهم بوقفة تبدو أبدانهم، خطوطا مستقيمة من الرأس إلى أخمص القدمين.
صعوده وثباته في تلك الأيام:
وخلاصة القوم أنا وجدنا كلّ أحد في تلك الأيام فزعة مزلزلا زلزالا شديدا، قد استنفد صبرهم هذه الفتنة العمياء، بينا ألفينا حضرة الشيخ غير خائف ولا وجل، انتشرت الشائعات والأكاذيب، والغثّ والثمين من الأخبار، مما يجعل الولدان شيبا، وحضرة الشيخ مكبّ على أعماله اليومية، لم يدخلها تقديم أو تأخير.
وقوفه مصلتا سيفه ضد حملة البنادق:
واضطرّ الناس غير مرة إلى مواجهة العدوّ وأهل الفتنة، فكان حضرة الشيخ أصبر عليها، وأصعد لها، وأسبق إليها، يصلت سيفه، ويبارز حملة البنادق، وبينما كان الفريقان يتبادلان الرصاصات، جلس حضرة الشيخ آخذا رأسه بيده، فظنّ من رآه أنه أصابه رصاصة، فخفّ إليه، واستفسره، فقال: أصيب رأسي برصاصة، فحلّ عمامته عن رأسه، فلم يجد به أثرا من شجّة، فقضى عجبه مما رآه، إذ كان حضرة الشيخ مضرجا بدمائه.
إصابته بالبندقية:
وواجهه بعض الأعداء ببندقية أدّت إلى إحراق شطر من شاربه ولحيته، وإصابة عينه بجروح طفيفة، وطلبوا الرصاص، فلم يعلموا مصيره، قد تم هذا الهجوم عليه عن مكان أقرب كان كافيا لجرحه وشجّه بأنابيب البندقية، ولو لم ينفذ منها رصاص، بيد أن الله تعالى وقاه شرّ ذلك، ولم يصبه كبير شجّة تعرضه لخطر.
стр. 5372
والله يكلؤه:
واطلع بعض أعدائه على ما أصيب به من الشجّة في هذه المعركة، فأبلغوا السلطات أنه ممن شارك في الثورة المعادية للإنكليز، التى شهدتها "تهانه بهون"، رغم أنه كان بمعزل عن مثل ذلك، ولو تطلعت نفسه إلى تولي المناصب وجمع الأموال لوجد نفسه في وضع مغاير تماما، ولانقادت له النيابة لبعض المديريات أو الرياسة العامة لها، ومن هنا احتاج إلى الاختفاء عن الأنظار، حتى لا يلحقه مكروه، كما كان الشيخ الحاج -أي الحاج إمداد الله- لمثل هذا السبب أخفى نفسه عن السلطات الإنكليزية.
في زمن الاختفاء هذا قضى بعض الأيام في "ديوبند"، وخرج الرجال من البيت الذى اختفى فيه حضرة الشيخ فوق بيت الحريم، وخلا بنفسه فيه، فاغتنم الفرصة، وقرب من السلم النازل به إلى بيت الحريم، فأمر النساء بالتستّر، حتى يتيّسر له الفرار من البيت، فما ملكن منعه من الخروج، فأسرع الخطا، وخرج، فأرسلت النسوة بذلك إلى بعض أهل البيت الموجودين في السوق، فهمّوا للعودة، ليتداركوا الأمر قبل أن يتسع الخرق على الراقع، غير أن رجال الشرطة سبقوهم إلى الدار، يتنسّمون أخبار الفارّين، فدخلوها، وفتّشوها، وخرجوا خائبين، لم ينالوا شيئا، ولم يكونوا فيما يبدو يبحثون عن حضرة الشيخ عينه، إلا أن الدار أصبحت توحي بالخطر يفاجئها حينا لآخر، فلم يدخلها حضرة الشيخ، ولزم المسجد، يقضي فيه ليله ونهاره، ولم يتعرّضوا له فيما بعد، وهكذا نجاه الله تعالى من الاعتقال غير مرة.
تقلّبت عليه الأوضاع، وتطرّقت في تلك الآونة بشكل يطول ذكره، يقضي أياما هنا وهنا، يتردّد بين "ديوبند" و"إمليا"، وما إلى ذلك، يمسى في
стр. 5373
مكان، ويصبح في آخر، وطوّف في "بوريه"، و"كمتهله"، و"لادوه"، و"بنجلاسة"، عبر نهر جمنا المعروف.
رحلة حضرة الشيخ الشيخ الحاج إلى بلاد العرب:
وأخيرا سار الشيخ الحاج -يعني الحاج إمداد الله- إلى بلاد العرب، فبدا لكاتب هذه السطور أن يقوم هو بدوره بالحج إلى "الحجاز" وفي جانب آخر عقد حضرة الشيخ عزمه على الحج، وبما أن اختفاءه لم يكن عن رغبة منه فقد كان أعدّ نفسه لما يأتيه من العناء، وإنما كان نزولا عند إرادة أصحابه وأقاربه أذن له أبواه بهذه الرحلة، إذ كانوا يرون فيها. الخلاص من هذه النكبة والخوف من الاعتقال، وكنت آنذاك معْوزا أحمل معى قليلا من الزاد، إلا أن الله تعالى بفضل هذه بالرفقة الصالحة هوّن عليّ معاناة السفر، وإن كان حضرة الشيخ هو الآخر معوزا، غير أن تكلانه على الله تعالى، استناده الكلي إليه كفاه، فقطعنا الطريق بسلام آمنين، ولم نلق ما يعاني منه الكثير، وركبنا السفينة ومررنا بـ "البنجاب"، حتى وافينا "السند"، ثم ركبنا سفينة شراعية من "كراتشي"، أبحرت في جمادى الثانية عام ١٢٧٧ هـ، ودخلنا "مكة" شهر ذي الحجة، يؤذن بالرحيل، فألقينا عصا الترحال، وقضينا مناسكنا، ثم زرنا "المدينة المنورة"، ثم قفلنا، فركبنا سفينة في نفس الشهر، وبلغنا "بومبائي"، وشهر ربيع الأول على وشك الانتهاء، ووصلنا إلى الوطن في جمادى الثانية.
استظهاره للقرآن الكريم:
أقلتنا سفينة شراعية من "كراتشي" عندما توجَّهنا إلى "مكة"، واستهلّ هلال رمضان، فأخذ حضرة الشيخ يستظهر القرآن الكريم، ويقرؤه في قيام الليل في السفينة، والناس من ورائه، يستمعون، وسادته حالة عجيبة ما دام على متن السفينة، دخلنا "مكة" بعد العيد، فاشترى حضرة
стр. 5374
الشيخ حلوى مسقط، ووزّعها بين أصحابه، فرحا بخدمته القرآن الكريم في قيام الليل، ولم يكن عرف -بعد- كمستظهر للقرآن الكريم، وظلّ يقرؤه بصوت خافت، ويجمعه، ويحفظه، خلافا لما تقرّر لدى حفظة القرآن الكريم، من أن الجهر بالقراءة مدعاة لتمكّنه من القلب.
وكان يذكر -فيما بعد- أنه حفظ القرآن الكريم، وجمعه بما قرأه خلال شهر رمضان عامين متواليين، وكان من ديدنه ألا يزيد في الاستظهار خلال مجلس واحد على ربع جزء أو يزيد قليلا.
هذا، وإذا رأيته يقرأ في قيام الليل والناس وراءه قيام رأيته مَرِسا متمكنا من حفظه، لا يتلعثم، ولا يتردد في قراءته، بل يتدفق كالسيل.
ثم أصبح يكثر من قراءته، ويطيل قيامه بالليل، ولا أنسى أنه قرأ سبعة وعشرين جزءا في كعة واحدة، فإذا أحسّ بأحد يأتم به ركع، ونهاه عن ذلك، وقام الليل كله لنفسه.
عودته من مكة المكرمة:
وزار حضرة الشيخ الحرمين الشريفين، وعاد إلى البلاد خلال مدة تناهز سنة، وذلك عن طريق "بومبائي" و"ناسك"، ثم ركب قطارا، سار به إلى الوطن.
وفي غيبته عن البلاد أصدرت السلطات الإنكليزية -بعد ما أمعنت النظر، وقدرت الأمور- قرارا يقضي بالعفو العام، إلا أناسا بأعيانهم ممن تأكدت الشبهات حولهم، وقويت لدى الحكومة، فإنهم ظلّوا مطالبين، حيث ما وجدوا، وقضى حضرة الشيخ بعض الأيام في بيته، لا يفارقه، وأيام الغدر هذه جت على كافة المطابع في "دهلي" ويلات، دمرتها، وتركتها أثرا بعد عين، أما مطبعة الشيخ أحمد علي فلم تكن كبيرة، واسعة النطاق، فلم يجد حضرة الشيخ بدا من البقاء في وطنه،
стр. 5375
يعيش أياما في "ديوبند"، وأخرى في وطنه، وقرأت عليه آنذاك شيئا من "صحيح البخاري".
وأنشا المنشي ممتاز على مطبعة في مدينة "ميرته"، فاستقدم حضرة الشيخ إليه انطلاقا من العلاقة الوطيدة والحب الصميم، الذى يربطهما، فلبى دعوته، ورضي بالعمل في مطبعته، كمصحّح للنصوص، وعمله هذا يكاد يكون اسميا، وقد كان المنشي ممتاز على هذا توخّى من وراء استقدام حضرة الشيخ إليه أن يتخذه صاحبا، يشاركه في عمله، ويساعده عليه لا غير.
تأسيس مدرسة ديوبند:
وتقلبتُ في تلك الآونة موظّفا في مجال التعليم والتربية في كل من "بريلي" و"ميرته"، وانتهى بي المطاف إلى هذه المطبعة، فتوظفت فيها، ووجدت جماعة من الطلبة، يسمعون عنه "الصحيح" للإمام مسلم ﵀، فكنت أشاركهم في هذه الدروس.
وتم تأسيس مدرسة في "ديوبند" في تلك الأيام، فقد اقترح كلّ من الشيخ فضل الرحمن والشيخ ذو الفقار علي والشيخ الحاج محمد عابد إنشاء مدرسة دينية في "ديوبند"، كما وافقوا على قرار يحدّد قيمة الراتب الشهري للمدرس بخمس عشرة روبية هندية، وأخذوا يجمعون التبرعات، ويتلقّونها، فلم يمض أيام، حتى انهالت التبرّعات على هذه المدرسة، وتوسّعت هيئة تدريسها، واتخذ لها من يعلم الفارسية، ويحفّظ القرآن الكريم، وادّخرت الكتب، فتكوّنت مكتبة عامة.
ونُدِبَ حضرة الشيخ إلى المدرسة، ثم أسندت إليه أمورها، جليلها ودقيقها، وأشرف عليها، والتعرض لما مرّ بالمدرسة من أوضاع وأحوال حرجة شئ لا يجدي كثيرا، ونحبذ الإعراض عنها، إذ يتبين ذلك -بكل وضوح- من خلال التقارير الدورية.
стр. 5376
ثم بدا لحضرة الشيخ أن يحج إلى بيت الله، فقام بالحج مع رفقاء له، وعاد كما سافر المنشي ممتاز على إلى "الحجاز" ينوي الإقامة به، واستيطانه، غير أنه عاد منه بعد ذلك بعام، ثم توجّه حضرة الشيخ إلى "دهلي"، حيث أنشأ المنشي الكاتب ممتاز على مطبعة له، وسبق أن اشتغل حضرة الشيخ في المطبعة إلي أنشاها المولوي محمد هاشم في "ميرته" في المدة التي غاب فيها المنشي ممتاز علي عن البلاد.
تدريسه زمن الإقامة بميرته المتضمن لبيان النكات والنوادر:
وأكثر حضرة الشيخ حينئذ من تعليم الطلاب، ولم يدع كتابا من الكتب المتداولة إلا قام بتدريسه هادي البال مطمئن النفس متمكنا من تدريسه، الذى كان يتضمن من موادّ غزيرة ما لا أذن سمعت ولا قلب أدركه، ويأتي بما ندر عزّ من دراسات وتحقيقات علمية توفّق بين وجوه الاختلاف، وبمباحث تلمس جذور الموضوع وتشرحه شرحا وافيا، ولا يزال ثمرة تدريسه ملموسة ظاهرة، ولا شك أن الذرة دون الشمس بمراحل، إلا أنه يعكس ذلك الجمال والفضل، ويتجلى فيه ما يوجب عزمه وتصميمه، فمن شاء فلينظر، وليستمع إلى ما يكتب ويخطب.
سجل حضرة الشيخ خلال هذه الأيام أشياء، منها ما هو رد على سؤال وُجّه إليه، وما هو تحقيق لطلب صديق له، وما هو دون هذا وذاك، وهذه المواد كثيرة جدا، لأن تشردها جعل جمعها وتأليفها من الصعوبة بمكان، وأكثر ما رغب في إفادة الناس في تلك الأيام.
والأخذ عن حضرة الشيخ من الصعوبة بمكان لا يتمكن منه إلا ذو موهبة وذكاء مفرط، لديه دراسة واعية مسبقة للكتاب الذى يريد قراءته عليه، وحينئذ يتأتى له فهم ما يلقيه، وحضرة الشيخ رغم أنه كان يجعل السهل أكثر
стр. 5377
سهولة، وأقرب منالا، ويمهد له تمهيدا، غير أن الكلام الصعب، عسير المنال غير مطاوع.
واشتهر في تلك الأيام ما كان يلقيه الأساقفة من خطابات مسمومة تحاول النيل من الإسلام، ويقوم بالرد عليها بعض المسلمين القاصرين دراسة وعلما -ما وسعهم ذلك- أما أهل العلم الراسخون الذين هم أحقّ بالردّ عليها وأولى بالقيام بدحض أباطيلها وأسمارها، فكانوا ينأون بجانبهم عن ذلك، حتى أهاب حضرة الشيخ بأصحابه وتلاميذه إلى القيام في الأسواق، وكشف شبهاتهم، وبيان عوارها، والتكاتف مع أولئك القائمين ضدّ النصارى، وشدّ أزرهم، وأخيرا توصلوا إلى عقد اجتماع يتناظرون ويتباحثون فيه، واتخذ له موعد لا يخلفه أحد.
نكايته في أحد الأساقفة تارا تشند:
حضر حضرة الشيخ هذه المباحثات متنكرا في زيّ غير طائل، ولم يتخذ أناقة، وناظر أحد الأساقفة تارا تشند طويلا، حتى أفحمه، فلاذ بالفرار.
ولقي تلك الأيام الشيخ منصور علي الدهلوي، الذى عرف بنشاطاته الملموسة في مناظرة النصارى ومباحثتهم، وامتاز بها بين الناس، وكأنه يحفظ "الكتاب المقدّس"، وله نَفَس في سير المناظرات معهم، وأصبح تلاميذه -دون غيرهم- يقومون ضدّ النصارى وأساقفتها، يصدعون بالحق، ويناظرون معهم في "دهلي".
عقد احتفال للتعرّف على الله تعالى:
ومن المصادفات أن بعض الإقطاعيين في "تشاندا فور" بمديرية "شاه جهان فور" بولاية "أترابراديش" المدعو بياري لال -وهو هندوكي يتبنى آراء أحد المصلحين الهنادك كبير داس مالت نفسه إلى النصرانية، ورغب في اعتناقها- حاول عقد اجتماع يشهده كلّ من ممثلي الديانات الثلاث:
стр. 5378
الهندوسية، والإسلام، والنصرانية، فيتم خلاله مباحثات ومناظرات دينية، وسمي هذا الاجتماع الاحتفال الرامي إلى التعرّف على الله تعالى، وذلك عام ١٢٩٣ هـ، فأرسل أهل مدينة "بريلي"، ومن حولها إلى حضرة الشيخ من يبلغه هذا الاجتماع، ويطلب منه الحضور والمشاركة فيه، فأعدّ عدّته وشدّ رحاله إليه، وسبق أن استدعى الشيخ منصور علي من "دهلي" إليه، وصحب حضرة الشيخ أناس من ههنا، فساروا، حتى وصلوا إلى "شاه جهان فور"، فدخلوا القرية التى اتخذت موقعا لهذا الاجتماع، ومسرحا لهذه المناظرات، وأول ما نشب الاختلاف في تحديد الموضوع، الذي يدرسه الاجتماع بالإضافة إلى اختلاف في الموعد المحدّد، الذي يلتزمه كلّ من المشاركين، وأخيرا توصّلوا إلى الموافقة على إجراء المباحثات والبدء فيها، دون أن يحدّدوا الموضوع، وأسلموا ذلك إلى الممثلين، وليتعرض كلّ منهم لما يعتقده، ويتبناه هو إذا ما جاء الدور عليه.
في هذا الوقت المحدّد ألقى حضرة الشيخ خطابا. بليغا يردّ على التثليث، والشرك، ويؤكّد على ضرورة التوحيد، فذلّ له أعناق من أحبّه، ومن أبغضه، وآمنوا بما قال، ورضوا به، وقد تم نشر وطباعة التقرير عن الاجتماع، وهو في متناول الأيدى، فلينظر من شاء تضمن التقرير ما ألقاه حضرة الشيخ من محاضرة بليغة.
ولجأ الأساقفة إلى التعرّض لقضيّة القدر، كما هو دأبهم، إذ لا يرون أنفسهم في مأزق يصعب الخروج منه، إلا لاذوا به، وانصرفوا إليه، فشرح حضرة الشيخ هذه القضيّة البالغة من الصعبة بمكان شرحا، قرّبها إلى أذهان الخاصة والعامة، وانشرحت صدورهم بها.
وفي السنة التالية ١٢٩٤ هـ بلغ حضرة الشيخ انعقاد الاحتفال، فشهده كما حضره كاهن هندوكي شهير، وهو ديانند سرستي، وديانند هذا شرَّع دينا
стр. 5379
حديدا، يؤمن بالتوحيد، وينكر عبادة الأصنام، وينحو باللائمة عليها، خلافا لما يعتقده ويتبناه عامة الهنادك، غير أن إيمانه بـ "فيدا" وتبنيه التناسخ وغيره من المعتقدات الهندوكية جعله يشارك الهنادك في معظم القضايا، وكان يكثر من استخدام الكلمات السنسكريتية في خطابه، فصعب على غير أهلها فهم خطابه، غير أن الشيخ محمد علي الشهير بالكفاح ضدّ الهندوسية والرد عليها قام بمجاوبته، ودحض أباطيله، ثم تعرض حضرة الشيخ في خطابه لقضية الوجود والتوحيد، وشرحها شرحا وافيا، ألقم الحضور حجرا، وحملهم على الإصغاء إليها، والاستماع لها.
نكايته في الأساقفة:
واستفاض حضرة الشيخ في إثبات التحريف لدى النصارى، فاعترف الأساقفة بتسرّب التحريف والتبدّل إلى كتابهم "المقدس" لديهم، ولاذوا بالفرار حين حمي وطيس المناطرة، وتشرّدوا أيادي سبا، وأعجلهم الفرار عن بعض مصادرهم ومراجعهم، التي قدموا بها، وخرج حضرة الشيخ من هذه المناظرة مرفوع الرأس، تم على يديه الانتصار للدين الإسلامي، الذي كتب الله له البقاء والانتصار، حتى تقوم الساعة، ولو كره الكافرون.
وهذان الاحتفالان في عامين متتاليين مما كشف للناس مكانته العلمية ومقدرته وموهبته، وأدركوا كيف يأتي نصر الله تعالى وعونه وفضله، وتجسّد لهم ما قيل: إنه لا يرجع إلا إلى تأييد من الله ونصرته، حتى انطلقت ألسنة الأساقفة بالاعتراف بأن هذه الكلمات بما تحمل في طياتها من بلاغة ومفعول كبير، كفيلة بحمل المرء على الإيمان بالقدر إن كان الإيمان به حقا.
هذا، الإيمان بالقدر لا يهتدي إليه، ولا يوفّق له، إلا من كتب الله له ذلك، وطريقة الحق نقية بيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك.
стр. 5380
والتقرير عن هذا الاجتماع لم يتم بعد نشره وطبعه، وإن كان قد دوّن وجمع في ذلك المكان، والآن بعد ما بلغ به المرض نهايته وحان أجله، تم الشروع في طبع هذا التقرير، والمأمول أن يرى النور حتى يشتهر، ويعم نفعه.
بلغني يومئذ أنه في حاجة إلى تقدمة كلمات عليه، فقام حضرة الشيخ بتوفية هذه الحاجة وقضائها، وسماه حجة الإسلام، وتم إصداره.
رحلته برفقة الشيخ رشيد أحمد وأنا معهما إلى الحجاز:
وعقد الشيخ رشيد أحمد عزمه على الحج لبيت الله ذلك العام، فأعددت نفسي له، ولم ندع حضرة الشيخ، حتى استصحبناه، عندما سرنا إلى "مكة"، ورافقه غير قليل من أصحابه المعجبين به، خرجنا في شوَّال عام ١٢٩٣ هـ، وقفلنا إلى الوطن في الأيام الأولي من شهر ربيع الأول، ورفقتنا هذه لم تضم إلا علماء، يتراوح عددهم ما بين ثمانية عشر وعشرين حاجا بمن فيهم حضرة الشيخ، فكانت خير رفقة.
إصابته بمرض في طريق العودة:
وسعدنا بزيارة الشيخ -أي الشيخ إمداد الله المهاجر المكي- والأمكنة المقدسة وصلنا "حدة" إذ أدرك حضرة الشيخ الحمى، فقلنا في أنفسنا: إنها ترجع إلى مفارقة هذا الشيخ الجليل والمشي المتواصل أضف إلى ذلك، أنه لم يكن يعاني من مرض قبل الحج، فما إن بلغنا "جدة"، حتى ركبنا سفينة كادت تقلع مراسيها لتبحر، بينما السفن الأخرى أخرت إبحارها لمدة عشرة أيام أو أسبوعين، وتوقّعنا أن الوصول إلى "بومبائي" يستغرق خمسة عشر يوما، فهلا نتحمّل شيئا من المتاعب، التي يسبّبها ضيق المكان في السفينة، فركبناها، وفعلًا عانينا فيها من المتاعب ما يعدل تلك الراحة الطمأنينة، التي لقيناها عندما أبحرنا إلى "مكة".
стр. 5381
فما مضى يومان على متن السفينة، حتى ألم بحضرة الشيخ نوبة عادية من الصفراء، ونزل به الحمى في مكان بعيد عن الراحة والدواء، وحيث لا ينفع حيلة أريب، وأخذت وطأة المرض تشتدّ عليه حتى بلغ به حالة دب اليأس إلى قلوبنا، وعمّ الوباء في السفينة، وانتشر انتشارا مروعا، يلتقم لكل يوم نفسا أو نفسين، ثم دخلت السفينة "عدن"، ففرض عليها كرنتينا أي ملازمة المحجر الصحى وحجر عليها صحيا لأجل الوباء، الذي أحدق بأهلها، مما منع من في السفينة من النزول إلى البلد ومن بالبلد من الصعود إلى متن السفينة، ثم رست السفينة في مكلا قليلا، تمكن الركاب من شراء الليمون من الباعة الصاعدين إلى السفينة، كما اشترينا البطيخ والورد وشيئا من الأدوية في السفينة، ووصف له الطبيب الكينين، وأمر له بمرق الديك، وأنّى لنا الديك في مكان مثله، فأحضره هو الطبيب، وكان من ديدن حضرة الشيخ أن ترغب نفسه عن تناول الغذاء خلال نوبات المرض، أيّ رغبة، فبلغ "بومبائي" منهوك القوى، لا يستطيع الجلوس إلا بشق النفس، ولبثنا بها يومين أو ثلاثة، ثم غادرناها إلى الوطن، فاستقبلنا سموم ولوافح هبت في سهول مدينة "جبل فور"، رغم أن الفصل شتاء، فسائت حاله، وكنا نحمل معنا -الحمد لله على ذلك- الليمون والبرتقال، فأطعمناه، وسقيناه ماء.
بلوغه الوطن ونقوهه:
وبلغ الوطن، فزال المرض، ونقه، وتوقف السعال، وربما يعاوده نوبات نفسية، فيصعب عليه الاستطراد في الحديث، ثم خف عنه ذلك قليلا.
اشتهار أمر ديانند:
وفي شهر شعبان من نفس العام أتاه من روكي آت يخبره بوجود ديانند في المدينة، وما ينفثه من سموم وطعون في الإسلام، وحمل أهلها حضرة
стр. 5382
الشيخ على أن يقوم بزيارة المدينة، ومقاومة ديانند الجموح، فشدَّ رحاله، رغم ما كان يعانيه من مرض وضعف، وصحبه جماعة من أصحابه والمعجبين به، وصل خلائق لا تحصى من كل صوب وحدب إلى المدينة طامعة في الاستماع لكلامه وطامحة إليه.
ديانند يلوذ بالفرار بمجرد سماعه قدومه:
غير أن هذا الرجل المسكين لم يرض بالحديث معه، وأخذ يتعلل بشروط واهية دلّت على سوء نيته وخبث إرادته، والعاقل تكفيه الإشارة، وأخيرا خرج منها خائفا يترقب، وألقى حضرة الشيخ هناك خطبة، وأطال نفسه في دحض أباطيله، وأسماره، ورد على طعونه، ثم عاد إلى "ديوبند"، وقضى شهر رمضان في وطنه، وأخذ يدوّن ما ألقاه في روركي ردا على طعونه في الإسلام، وأكبر مطاعنه في الإسلام تمثل في الاستقبال والتوجّه إلى الكعبة في الصلاة، إذ اعتبره من عبادة الأصنام، وسمى حضرة الشيخ هذه الرسالة "قبله نما" أي الهادي إلى القبلة، وهي رسالة ضخمة.
وطوف ديانند في أماكن كثيرة، وانتهى به المطاف إلى "ميرته" يوجّه إلى الإسلام المطاعن التى سبق أن وجهها في مدينة "روركي" من قبل، وأخلق بفاقد الحياء أن يفعل ما شاء له الهوى، وذلك في وقت كان في نفس حضرة الشيخ أن يزور "ميرته"، إذ قام بعض أهلها يرغب الناس في ندب حضرة الشيخ إليها، فاستعدّ له -رغم ما كان به من علة وضعف أنهك قواه- وتجلد على السير إليها، ودخل المدينة، فإذا بالكاهن الهندوكي هذا يخلق معاذير، ويدبّر الحيل فرارا من مناظرته.
قيامه بالرد عليه، وتسمية الشيخ عبد العلي له بالرد المماثل:
وقام حضرة الشيخ بها -كذلك- بالرد عليه، وأخذ يدوّن شيئا من ذلك، قرتبه الشيخ عبد العلي كإجابة عن مطاعنه واعتراضاته، وسماه
стр. 5383
"جواب تركي بتركي" أي (الرد المماثل)، وسبق أن رد بعض أصحاب هذا الكاهن الهندوكي على كلام الشيخ هذا، وتفوه بأشياء منكرة لاغية تحاول النيل من الإسلام، وليس لها أساس، فجاءت هذه الرسالة بمثابة الرد على ردّه.
ثم تتابعت عليه نوبات المرض في أوقات متقاربة، وكاد يضيق نفسه غير مرة، ثم خفّف الله تعالى عنه وطأته، فحسبناه مرضا أزمن، وليس ذلك، إلا نوبة من نوباته، مما لا يبعثنا على قلق زائد، ولم نكن فقدنا كل أمل في حياته وعودة الصحة، إذ لم ندع وجها من وجوه التداوي، إلا جرّيناه، ولم يزد ذلك إلا سوءا، وعمل له الأطباء بالطب اليوناني كلّ ما رأوه ناجعا، كما أفرغ الأطباء العصريون وسعهم في إيجاد حيلة تنجيه من براثن الموت. الفتّاك، واتخذ له الأدوية الهندية من قسطة والعصير، ولم يغن ذلك فتيلا، وما برح به المرض.
سنتان من مرض تخللهما نقه:
ومرّت سنتان، وهو مريض، ويتخللهما نقه، فيعود إليه بعض القوة، ثم يعوده نوبة من نوبات ضيق النفس، فيغلبه الضعف، والنهك، فإذا انتابه المرض، واستمرّ يوما سلب قوة جلبته أيام.
وخلال هذه الأيام أيام المرض، لم يوصف له علاج، إلا تعاطاه، ولم يحضر له دواء، إلا رضي بتناوله، ولم يتخذ له أحد حيلة إلا مارسها وجرّبها، وكل ذلك جريا على خلاف ما تعوده، إلا أنه أصبح مرهفا لطيف الحس، لا يرضى من الدواء، إلا ما وافق مزاجه وطبعه، فإذا شرح له أصحابه ومحبوه، وبينوا له ذلك لم يستنكف عن تناوله، واستسهل غير مرة، فيخف وطأة المرض لمدة غير طويلة، ولا يستأصل المرض، ولا يقضي عليه نهائيا، وأفرغ الطبيب مشتاق أحمد الديوبندي وسعه في مداواته، ولم يكن يفارقه يوما، كما
стр. 5384
أن الطبيب الحاذق الحافظ عبد الرحمن المظفر نغري هو الآخر استنفد حيلته في علاجه، لكن القدر كائن لا محالة، يستحيل الفرار مما كتب الله وقدر، وداء الموت ليس له دواء، وأجل الله تعالى إذا جاء لا يؤخَّر، ولو نفع الدواء ونجح الحيلة دون القدر لم يحل دون عودة الصحة إليه شيء، فقد توفر له من الأدوية ما يصعب على الأثرياء إحضاره وتعاطيه، وهيئ له من العلاج، قلما ينال مثله ملوك الأرض، ولكن أين الطمع، ومخافة الموت من إيمانه النابع عن قلبه المطئمن.
حضرة الشيخ يعود الشيخ أحمد علي في سهارن فور:
وفي الأيام الأخيرة من حياته نزل بالشيخ أحمد علي الفالج، فاتجه حضرة الشيخ إلى "سهارن فور" يعوده، وسبق أن استدعي الطبيب عبد الرحمن من "مظفر نغر"، وعاد إلى "ديوبند"، مساء اليوم الذي سار فيه إلى "سهارن فور" بالقطار، فمسه نصب تسبّب في معاودة مرضه، ثم تحسنت حالته بعد ذلك بأيام، وعادت إليه الصحة، فلما وجد في نفسه قوة وخفة طلب منه ابني علاء الدين أن يفيده شيئا مما علمه الله، فرضي حضرة الشيخ بذلك، وأخد يحدث حديثا وحديثين من "السنن" للإمام الترمذي عقب صلاة العصر، ويجدّ في تحديثه ما لم يأخذه سعلة، فيتوقف قليلا، حتى تهدأ ثورتها، ثم يستمرّ فيه، وإذا ما غلبه السعال أوقف التحديث.
وفي تلك الأيام قصد "سهارن فور" مرة ثانية، إذ لا زال الشيخ أحمد علي رغم ما خفّ من مرضه يعاني من الحمّى والضعف المتناهي، فطلب إليه الشيخ أحمد علي أن يقضي أياما لديه، فلم يمانعه حضرة الشيخ، ولبث أسبوعين عنده، وإن لم يكن تعود قضاء مدة طويلة مثل هذه في "سهارن فور"، فعادت إليه نوبة المرض، كما نزل به داء ذات الجنب.
стр. 5385
بلغنا مرضه هنا في "ديوبند" في اليوم التالي منه، فقصد الحافظ أنوار الحق يومه إلى "سهارن فور" ليرجع بحضرة الشيخ صباح الغد إلى "ديوبند"، فعاد إليها، وقد تبدلت حالته من سئ إلى أسوأ، واحتبس نَفَسه، فاضطرّ إلى الافتصاد، مما سكن ألمه لبرهة، ثم وَخَزَه الألم، فاتخذ له العلق لتطيب نَفَسه لمدة يومين أو ثلاثة، ويتنفس الصعداء، وطلب له خلال هذه المدة أدوية من "دهلي"، تقوى جسده، وتبعث فيه النشاط والقوة، وقد بلغ به الجهد كلّ مبلغ، لا يطاوعه لسانه، إلا بشق النفس، واشتدّت به الحرارة، وربما يسوده غفلة، فناولوه (الملين)، ثم بدأ لهم إعادته، ففعلوا فازداد غفلة وذهولا، وظلّ يجاوب الناس، حتى دخل الظهر، وقد غلبه الإغماء، ونبّهوه للصلاة، فلم يزد أن قال: نعم، لم يستطع أن يقوم إلى التيمم لا الصلاة، فأخذ شيء من اليأس يدب إلى قلوبنا.
رحلته إلى الدار الباقية:
وفي آخر يوم من حياته انعقد لسانه، وأخذت عصباته تتشنج، فعلمنا احتضاره وإشرافه على الموت، ثم مضى الليل ونهاره، والليل التالي، حتى انتصف النهار يوم الخميس، وقد حضره أصحابه جميعا من "أمروهه"، و"مراد آباد"، و"سهارن فور"، و"كنكوه"، و"نانوته"، وغيرها، لفَظَ نفسه الأخير عقب صلاة الظهر من يوم الخميس في الرابع من شهر جمادى الأولى عام ١٢٩٧ هـ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فقامت القيامة، ووقع ما تخوّفناه، وغصت الدار بمن فيها، وضاقت عنهم، فنقل جثمانه إلى المدرسة، حيث بقي، حتى تم غسله وتكفينه.
ودفن في بقعة خارج البلد، وقفها الطبيب مشتاق أحمد كمقبرة له يومئذ، فكان أول من قبر في تلك البقعة حضرة الشيخ، وصلى عليه قبيل صلاة المغرب في فناء البلد، وحضرت الصلاة عليه خلائق كثيرة، لم تشهد
стр. 5386
تلك المناطق اجتماعا يماثله، ودفن بعد صلاة المغرب، وأحيل التراب على خزينة الخير هذا.
تلقى الناس وفاته بحزن بالغ لم يسبق له مثيل، وأخذ منهم الأسى كل مأخذ إلا أنهم لم يقوموا بلطم الوجوه والولولة وشق الجيوب وضرب الخدود، إذ لم يكن لأحد منهم أن يتعدى حدود الله تعالى بما سعدوا من صحبة حضرة الشيخ، غير أنا لم نسمع حزنا عم الناس مثله، أعلى الله درجاته في الجنة وأسكنه بجوار رحمته.
كنت أرسلت إلى الشيخ رشيد أحمد يوم الثلاثاء، فقدم قبل أن ينتصف نهار يوم الأربعاء، ثم عاد إلى "سهارن فور" يوم الجمعة، وحل مأساة تفوق التصور، غير أنه جلد صبور على المصائب، فاحتسب، والتزم الصمت، وأثر من الصلاة، وقد كان يعاني في مرض من ذي قبل، فانقلب أسوأ حالا لأجل هذه المأساة.
وفاة الشيخ أحمد علي:
وبلغ "سها ر ن فور"، فإذا بالشيخ أحمد علي قد حان أجله، وجاد بنفسه يوم السبت، فحلت به مصيبة تتلوها مصيبة، وبلاء يعقبه بلاء، غير أن وفاة حضرة الشيخ خففت من وطأة هذه المأساة الأخيرة، وإلا كانت كارثة أيّ كارثة، لا يعلم مداها إلا الله تعالى.
أبناؤه وأنجاله:
وأعقب حضرة الشيخ ابنين، أحدهما أحمد البالغ من عمره ثمانية عشر عاما شاب متزوّج مكب على الدراسة، ذو ذهن متوقّد وقريحة ماضية، رزان وقور، جعله الله تعالى يقفو أباه، وحباه من السمعة الطيبة والعز الرفيع، ما أناله أباه، وأعم به الصلاح والتقوى والعلم والفضل.
стр. 5387
ونجله الأصغر محمد هاشم البالغ من عمره ثماني سنوات: رشيد، واع، قويم السيرة والسريرة، يتحفظ القرآن الكريم، رزقه الله من المواهب ما ظهر منها وما بطن.
بناته:
وله ثلاث بنات، إحداهن إكرام النساء، تكبر ابنه أحمد، وسائر أولاده، فهي بكر أولاده، زوجها حضرة الشيخ من المولوي عبد الله، وعبد الله هذا ابن أختي، ومن ذرية الشاه أبي المعالي الأنبهتوي ومن ولد المولوي أنصار علي، قرأ عليّ جلّ الكتب الدراسية، كما قرأ بعضها على حضرة الشيخ نفسه، رجل جمع خصال الخير، وله الآن ثلاث بنات، بارك الله في ذريته.
ويصغرها السيّدة رقية، زوجها حضرة الشيخ العارف بالله محمد صديق ابن أخت الشيخ أمين الدين خال حضرة الشيخ، من ولد الشيخ عبد القدوس الكنكوهي، رجل صالح، رزان وقور، ليس له ابن سواه.
وقام حضرة الشيخ بتزويج بنتيه، لم يحد في ذلك عن السنة النبوية قيد شبر، فأنكحهما دون بلاغ مسبق عقب صلاة الجمعة، غير أنه استدعي الشيخ رشيد أحمد، وأغلب الظنّ أنه بلغه مسبقا، ولم يبلغ أحدا سواه، ولم يهتم بجهاز طائل يقدمه لبناته، غير أنهما كانتا تمتلكان كجاري العادة في عشيرتنا شيئا من الحلي والثياب، ولا زالتا تقضيان حياتهما فرحتين مسرورتين بفضل من الله تعالى وكرمه.
وأصغر بناته السيدة عائشة البالغة من عمرها أربعة عوام، أحبّها حضرة الشيخ حبَّا جمّا، يقرب مجلسها -دون سائر أشقائها وشقيقاتها- إليه، ويحادثها، بارك الله تعالى في عمرها، ورزقها الله صلاحا، وهي في سنها هذا كيسة بهيجة الخاطر، اللهم زد، فزد.
стр. 5388
من أعلام تلاميذه:
وتتلمذ على حضرة الشيخ أناس كثيرون، أفضلهم الشيخ محمود حسن، أكبر أنجال الشيخ ذو الفقار علي، تلقى جلّ دراسته في "ديوبند"، وسمع الحديث عن حضرة الشيخ، وأتم عليه دراسته، وارتوى من منهله الفيّاض، وهو أول من نيطت به عمامة التخرّج في دار العلوم ديوبند.
وثانيهم: الشيخ فخر الحسن الكنكوهي أشبه الناس بحضرة الشيخ استقامة من صفوة أصحابه وحواريه، له مقدرة فائقة، كعب عال في العلوم، وهو الآخر، قد تلقى دراسته في "ديوبند"، وبدأها على الشيخ رشيد أحمد.
وثالثهم: الشيخ أحمد حسن الأمروهوي، أخلص له حضرة الشيخ المودة، وهو رجل ذو كفاءة بالغة، وأوفق الناس لحضرة الشيخ، وله تلامذة دون هؤلاء، كثيرة ما هم.
وكان حضرة الشيخ في أول أمره يستنكف أن يبايعه على يده أحد، رغم ما أذن له الشيخ الحاج -يعني به الشيخ الحاج إمداد الله المهاجر المكّي- بالبيعة، ثم أقبل عليه بعد ما أكّدوا عليه كثيرا، فبايعه أناس لم يأذن لأحد منهم بالمبايعة، وإن كان فيهم عدد غير قليل من أصحاب اجتهاد، وأحوال.
وأصبح -اليوم- يرفض المبايعة، فإن أصرّ عليه أحد أمره ببعض الأوراد والأذكار، ولقد بزّ أصحابه والمعجبون به أهل زمانهم تحقيقا لرضى شيخهم، ووفاء له، رغم أن حضرة الشيخ لم يكن يعاملهم إلا معاملة الأصدقاء والإخوان، ولشدّ ما كان يتضايق أن يكثروا من تعظيمه وتوقيره، وقد أرّخ غير واحد من العلماء لوفاته يطول استيعابه، وإنما أتعرض لاثنتين منها أعجباني، أولهما ما قمت بتاريخه وهو "كيا جراغ كل هوا؟ " (أي ما أسوا أن انطفأ السراج) ونظمته في غير وجه.
стр. 5389
وأرخ الشيخ فضل الرحمن وهو خير ما أرخ لوفاته وأروعه، "وفات سرور عالم كا يه نمونه هي" (أي هذه المساسأة تحاكي وفاة سيد الأنام) ﷺ ، وهذه الكلمة شطر من بيت جادت به قريحة الشيخ فضل الرحمن.
وأرّخ السيّد عبد الرحمن صاحب المطبعة النظامية بـ "كانفور" لوفاة هذين الشيخين ﵄ فنعم ما أرّخ، وأرّخت أنا لهما "مصيبت بر مصيبت آئي" (أي مصيبة تلتها مصيبة).
* * *
٣٩٦٦ - الشيخ الفاضل مولانا محمد قاسم بن الحاج أفسر الدين النواخالوي *
ولد سنة ١٣٢٢ هـ في قرية "حاجي بور" من مضافات "جَوْمُوهَاني" من أعمال "نواخالي".
لقّب بتاج الواعظين.
قرأ مبادئ العلم في مدرسة أشرف العلوم بـ "جَوْمُوهاني"، ثم سافر إلى "جاتجام"، والتحق بالجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري.
وقرأ فيها كتب الدرجة المتوسطة، ثم سار إلى "الهند"، والتحق بدار العلوم ديوبند، وقرأ فيها كتب الصحاح الستة، وغيرها، من الكتب الحديثية.
من شيوخه: شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، ومولانا السيّد أصغر حسين الديوبندي، وغيرهما، من المحدثين الكبار، رحمهم الله تعالى رحمة واسعة.
стр. 5390
بعد إتمام الدراسة رجع إلى وطنه الأليف، والتحق بالمدرسة الإسلامية جَوْمُوهَاني، ودرس فيها خمسة عشر سنة متوالية، ثم التحق بالمدرسة الإسلامية نواخالي، ودرس "صحيح البخاري"، وغيرها من كتب الحديث والفقه والتفسير.
وكان عالما متقنا، محدّثا، كبيرا، واعظا بليغا، خطيبا مصقعا، ورعا تقيا.
* * *
٣٩٦٧ - الشيخ العالم الصالح الفقيه أبو القاسم بن جمال الدين الكشميري، أحد العلماء المبرّزين في الفقه والأصول *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: وُلِدَ، ونشأ بـ "كشمير".
وقرأ العلم على والده، وعلى عمّه العلامة كمال الدين، ثم ولي القضاء بـ "كشمير"، أخذ عنه مولانا محمد أمين، ومولانا عبد الغني، وجمع كثير من العلماء.
مات، ودفن بـ "كشمير"، كما في "روضة الأبرار".
* * *
٣٩٦٨ - الشيخ الفاضل القاسم بن الحسين بن أحمد الخوارزمي النحوي * *
стр. 5391
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: ولد سنة خمس [وخمسين (١)] وخمسمائة.
تفقّه على أبي الفتح ناصر بن عبد السيّد المطرِّزي.
وأخذ عنه العربية.
وله تصانيف: "شرح المفصّل"، سماه "التجمير" (٢) ثلاث مجلدات، و"شرح سقط الزند" (٣)، و"التوضيح في شرح المقامات"، و"الزوايا والخبايا" في النحو، وله "بدائع الملح".
قتلته التتار سنة سبع عشرة وستمائة.
стр. 5392
قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد": ذكره السيوطي في "البغية"، وقال: قال ياقوت: صدر الأفاضل حقا، وأوحد الدهر في العربية صدقا، ذو الحظ الوافر، والطبع النقاد، برع في علم الآفاق، وفي نظم الشعر فهو عين الزمان، وغرة جبهة الأوان، ولد تاسع شوال سنة ٥٥٥ هـ، وكان حنفيا سنيا، ذو بهجة سنية وأخلاق رضية، وأشر طلق، ولسان ذلق، صنّف "التجمير" شرح "المفصّل"، و"شرح سقط الزند"، و"شرح المقامات"، و"شرح الأنموذج"، و"شرح الأبنية"، و"الزوايا في الخبايا" في النحو، و"المحصل" في البيان، وغير ذلك.
* * *
٣٩٦٩ - الشيخ الفاضل القاسم بن الحسين، أبو عبيد *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: له كتاب "النُّتَف" في الفقه في مجلد.
* * *
стр. 5393
٣٩٧٠ - الشيخ الفاضل القاسم بن الحكم العُرَني الفقيه، أبو أحمد، قاضي "همذان " *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو من أصحاب أبي حنيفة.
روى عنه، وعن زكريا ابن أبي زائدة.
روى عنه محمد بن حسَّان الأزرق في آخرين.
قال الذهبي: كان أحمد قد عزم على الرحلة إليه، وثَّقه غير واحد.
مات سنة ثمان ومائتين.
روى له الترمذي.
* * *
٣٩٧١ - الشيخ الفاضل أبو القاسم بن المفتي داود، التتوي، السندي، أحد العلماء المبرّزين في الفقه والأصول والعربية * *
стр. 5394
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: كان يدرّس، ويفيد.
أخذ عنه خلق كثير، وجعله عالمكير بن شاهجهان الدهلوي سلطان "الهند" وكيلا شرعيا له في دار القضاء.
مات سنة ثلاث عشرة ومائة وألف، فأرّخ لموته بعض أصحابه من قوله: "ذهب العلم من السند"، كما في "تحفة الكرام".
* * *
٣٩٧٢ - الشيخ الفاضل القاسم بن زُريق *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو من تلاميذ أبي مطيع.
قال: دخلت أنا وأبو مطيع "بغداد"، فاستقبلنا أبو يوسف، فقال: يا أبا مطيع! كيف قدمت؟ قال (١): ثم نزل عن دابته، فدخلا المسجد، فأخذا في المناظرة.
* * *
٣٩٧٣ - الشيخ الفاضل المولى شاه قَاسم ابْن الشَّيْخ المخدومي * *
стр. 5395
ذكره صاحب "الشقائق" في كتابه، وقال: كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى متوطنا بِمَدِينَة "تبريز"، وَلما دخل السُّلْطَان سليم خَان الْمَدِينَة المزبورة أَخذه مَعَه إلى بِلَاد "الرّوم"، وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهما.
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عَالما، كَامِلا، فَاضلا، أديبا، لبيبا، حُلْو المحاضرة، لطيف المحاورة، وَكَانَت لَهُ معرفَة بِطرف صَالح من كل الْعُلُوم.
وَكَانَ لَهُ حَظّ من علم التصوّف أيضا، وَكَانَ يكْتب الْخط الْحسن، وَكَانَت لَهُ مهارة تَامَّة فِي علم الإنشاء، وَقد افْتتح إنشاء "تواريخ آل عُثْمَان"، فاخترمته الْمنية، وَلم يكملها.
مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي سنة ثَمَان أوْ تسع وأربعين وَتِسْعمِائَة.
* * *
٣٩٧٤ - الشيخ الفاضل قاسم بن صلاح الدين الخاني، الحلبي *
صوفي، منطقي، متكلم، محدث، أصولي.
سافر إلى "العراق"، و"الحجاز"، و"تركيا"، وعاد إلى "حلب".
فولي فيها الإفتاء إلى أن توفي.