البربرى (١) في رسائل إلى "ما وراء النهر"، ونفذ معه مالا عظيما ليبنى له مدارس ومساجد وقناطر، ويصل أهلا له هناك، لأنه خرج من عندهم مملوكا فقيرا، فأراد أن يريهم ملكه ونعمته، وأنه ملك "الشام" بأسره.
فوصل البخارى إليهم، فحبسوه، وقالوا: جئتنا في رسائل الإسماعيلية، وبقى في حبسهم سنين، حتى أطلق بسبب ظريف، وذلك أن الخان كتب إلى السلطان ألب أرسلان يُعَنِّفه على نَهْب العساكر ببلاد "خراسان"، وعبثهم بها، فأجابه بالاعتذار والتبرّي من هذه الأفعال، وأنه ودّ أنه (٢) لو مات، ولم يكن ذاك (٣)، وعادة العساكر إذا طرقوا البلاد أن يفعلوا الأفاعيل، حتى تستقيم الأمور، ولكن ما عذركم في رجل فقيه أتاكم من بلاد بعيدة برسالة رجل منكم، قال لكم: إني حصَّلت الأموال، وأريد أن أصرفها فى الطاعات، وأن أعمِّر جوامعكم ومدارسكم، وأصَّدَّق على فقراء عرفتهم عندكم، فأخذتم المال، فحبستموه.
فلما وقف الخان على كتابه، وكان أبوه الذي حبسه أطلقه، وأحسن إليه، وأذن له في الخروج عن بلاده.
ومضى أبو جعفر البخارى إلى "مصر"، فأقام بها سنين كثيرة، ورجع إلى "العراق" بكتب نفيسة حسنة، ومن جملتها: كتاب "الأنساب" للبلاذُري
стр. 5637
في عشرين مجلّدا، ما كان بـ"العراق" منه نسخة، وغير ذلك من الأواني البلُّور الفاخرة.
وقصد نظام الملك، فأكرمه، وأجرى عليه، وعلى ابنه أبي اليمن مسعود جرَاية (١) سنية، ووردا "بغداد"، فأقاما بها.
وكانا يعرفان الكلام على مذهب المعتزلة، ولهما مجلس نظر يحضره (٢) الفقهاء بدارهما (٣) بباب الأزج.
وتوفي أبو جعفر في رابع المحرّم سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وجاوز تسعين من العمر.
وتقدّم ابنه أبو اليمن عند الوزير ابن عميد الدولة أبي منصور بن جَهِير (٤)، ورفع إلى الخليفة المستظهر بالله (٥) عنه، أسباب تقدّم بإخراجه عن "بغداد" لأجلها، فخرج إلى سيف الدولة أبي الحسن صدقة بن مَزْيَد، ومات عنده بالنيل (٦) في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
* * *
стр. 5638
٤٢٢١ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن عبيد الله *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: والد صاعد أبي العلاء عماد الإسلام (١).
* * *
٤٢٢٢ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن عثمان جلال الدين ابن أبي العبّاس ابن التركماني *
تقدّم والده وجدّه وعمّه وابن عمّه عبد العزيز بن علي أهل بيت علماء فضلاء.
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: درّس وأعاد.
стр. 5639
ومات شابا سنة تسع وأربعين وسبعمائة (١)، ومولده سنة أربع عشرة وسبعمائة.
* * *
٤٢٢٣ - الشيخ الفقيه محمد بن أحمد بن عزّة الحيدر آبادي ، نواب محي الدولة محمد ديار خان بهادر *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: كان صدر صدور الدكن، ومحتسب الدولة الآصفية بـ"حيدرآباد".
ولد، ونشأ بها، وتقرّب إلى الملوك، فصار الأمراء ومن دونهم من الناس يكرمونه غاية الإكرام، ويتلقّون إشاراته بالقبول، واجتمع لديه جمع كثير من العلماء والمشايخ، وكان يمنحهم الجوائز الثمينة والصلات الجزيلة، وكانت له إقطاعات عظيمة من الأرض الخراجية، وبقيت في أعقابه، وهم أغنياء ليس لهم في العلم والعمل شأن يذكر.
مات لثلاث بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وثمانين ومائتين وألف بـ"حيدرآباد"، كما في "مهر جهانتاب".
* * *
стр. 5640
باب من اسمه محمد بن أحمد بن علي
٤٢٢٤ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن على بن خالد، أبو عبد الله، الأُوْشِي *
بضم الألف، والشين المعجمة المكسورة، نسبة إلى "أوش" من بلاد "فرغانة".
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: سكن "بخارى"، وكان يدرّس بها الفقه علي مذهب أبى حنيفة رضى الله عنه.
قال ابن النجَّار: قدم "بغداد" حاجا في سنة إحدى عشرة وستمائة، وحدّث بها عن القاضى أبي حفص عمر بن محمد بن علي الزرنجري، وذكر لي أبو عبد الله بن سعيد الحافظ الواسطى أنه سمع منه، وكنت إذ ذاك بـ"خراسان" في رحلتي إليها، وبلغنا (١) أنه توفي بـ"بخارى" أواخر المحرّم أو أوائل صفر سنة عشرة وستّمائة، ودفن بـ"كَلَاباذ".
وقال الذهبي: درّس المذهب بـ"بخارى"، وحجّ، فأخذ عنه ابن الدُّبَيْثى (٢).
стр. 5641
وقال (١): سكن "بخارى"، وكان فقيها، حنفيا، مدرّسا بها.
قلت: ذكر المنذرى في (وفيات (٢) النقلة) أنه توفي في أوائل صفر سنة ثلاث عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٤٢٢٥ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن على بن شاهويه ، أبو بكر القاضي الشاهوي الفارسي *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: سمع أبا خليفة الجُمَحي، [وزكريا بن يحيى] (٣) الساجي.
روى عنه الحاكم أبو عبد الله.
стр. 5642
ومات بـ"نيسابور" سنة إحدى (١) وستين وثلاثمائة، وردها رسولا، جمع بين الفقه وعلم الحساب.
قال الحاكم: كان أقام بـ"نيسابور" زمانا، ثم رجع إلى "بخارى"، وكان يدرّس في مدرسة أبي حفص الفقيه، ثم انصرف، ورجع إلى بلاد "فارس"، فتولى القضاء بها.
قال الصيمرى: ومن طبقة الشيخ أبى عبد الله الحسين المتكلّم أبو بكر ابن شاهويه، وإليه انتهى علم الحساب، وكان عضد الدولة أخرجه مع جماعة من الفقهاء إلى "بخارى" في رسالة، فزُيّنت له بلاد "خراسان"، ثم قال: حدثنى إسماعيل الزاهد، قال: رأيت أبا بكر [محمد] بن الفضل، وقد حمل إليه جزءا (٢) فيه مشكلات من الكتب، فأملى أبو بكر بن شاهويه جوابها من ساعته، فقبَّل ابن (٣) الفضل رأسه، وقال: ما ظننت أن على وجه الأرض مثلك.
والشاهُوي بفتح الشين المعجمة، وضم الهاء، وفي آخرها الياء من تحتها باثنتين، هذه النسبة إلى شاهويه اسم للجدّ شاهويه.
* * *
٤٢٢٦ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن على بن محمد بن على بن محمد ابن عبد الملك الدامغاني، أبو منصور ابن أبي الحسين ابن
стр. 5643
قاضى القضاة أبو الحسن ابن قاضى القضاة أبي عبد الله [وهو أخو قاضى القضاة أبي الحسن علي] (١) *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: قال ابن النجار: شهد عند أخيه في ذي الحجّة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، فقبل شهادته، واستنابه على الحكم والقضاء.
كان فقيها فاضلا، له معرفة بالأحكام، وصنعة القضاء.
وسمع الحديث من أبوي القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين (٢)، وهبة الله ابن أحمد بن عمر الحريري، وعبد الوهّاب بن المبارك الأنماطي، وغيرهم.
مات شابا قبل أوان (٣) الرواية، قرأت في "كتاب التاريخ" لصدقة بن الحسين بن الحدّاد الفقيه، قال: سنة ست وأربعين وخمسمائة في يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول.
توفي شرف الدين أخو قاضى القضاة ابن الدامغاني، وصلّى عليه بجامع القصر، ودفن عند أبيه [بنهر القلّايين] (٤).
قال: وكان فقيها حسنا، متميّزا، مناظرا، مشتغلا بالعلم، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 5644
٤٢٢٧ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن على الإستراباذي والد الحسن ، تقدّم (١) *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: تفقَّه عليه ابنه الحسن، وسمع منه.
* * *
٤٢٢٨ - الشيخ الإمام العالم الكبير العلامة صاحب المقامات العليّة والكرامات المشرقة الجليّة نظام الدين محمد بن أحمد بن علي البخاري البدايوني * *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد الأولياء المشهورين بأرض "لهند".
انتهت إليه الرياسة في دعاء الخلق إلى الله تعالى، والتسليك في طريق العبادة، والانقطاع عن الدنيا، مع التضلّع من العلوم الظاهرة، والتبحّر فى الفضائل الفاخرة.
ولد بمدينة "بدايون" في سنة ستّ وثلاثين وستمائة.
стр. 5645
وتوفي والده في صغر سنه، فتربّي فى حجر أمّه، واشتغل بالعلم، وقرأ الفقه والأصول العربية على الشيخ علاء الدين الأصولي.
ثم سافر إلى "دهلي"، وكان في الخامسة عشرة من سنّه، فقرأ الكتب الدرسية على أساتذتها، منهم: الشيخ شمس الدين الخوارزمي، وحفظ عنه أربعين مقامة من "المقامات" للحريرى.
ثم قرأ "المشارق" للصغاني على الشيخ كمال الدين محمد الزاهد الماريكلى، وحفظه كفارة عن "المقامات".
ثم سافر إلى "أجودهن"، وأخذ عن الشيخ الكبير فريد الدين مسعود الأجودهني القرآن الكريم، و"عوارف المعارف"، و"كتاب التمهيد" للشيخ أبى شكور السالمي، ولبس منه الخرقة، وصحبه مدّة، وأجازه الشيخ في سنة تسع وستين وستمائة، وأذن له إلى "دهلى"، وأمره أن يقيم بها، فرجع، وأقام بـ"دهلى" في أمكنة عديدة، يدور في محلّاتها طالبا العزلة، حتى أقام بـ"غياثبور".
واشتغل بها بالمجاهدة من الصيام والقيام والذكر والفكر في الأربعينات على طريق السادة المشايخ الجشتية (١)، وكان شيخه فريد الدين أوصاه عند توديعه أن يحفظ القرآن الكريم، وأن يصوم دائما، وقال: إن الصوم نصف الطريق، فلازمه، وحفظ القرآن، وانقطع إلى الله سبحانه بقلبه وقالبه، مع
стр. 5646
الزهد والعبادة والعفاف والقنوع والتوكّل والإيثار وسائر الأخلاقِ المرضيّة، ولقد أحلّه الله تعالى من الولاية محلا لا يرام ما فوقه، وهدى به في عهده، ثم بأصحابه من بعده خلقا لا يحصيهم إلا من أحصى رمل عالج، فلا ترى ناحية من نواحي المسلمين من بلاد "الهند"، إلا وقد نمت فيها طريقته، وجرى على ألسنة أهلها ذكره، إليه ينتمون، وبه يتبرّكون.
وكان إماما مجاهدا زاهدا صاحب الترك والتجريد، يقوم الليل، ويصوم النهار، لم ينكح امرأة، ولم يبن دارا، ولم يدّخر شيئا، ولم يرض بلقاء الملوك والسلاطين، مع إلحاحهم على ذلك، وشدّة توقهم إليه.
قال الكرماني في "سر الأولياء": إن جلال الدين فيروز الخلجي كان يريد أن يلاقيه، وهو يمنعه من ذلك، فأراد أنه يدخل عليه بغتة بغير إذن، فلمّا اطلع الشيخ على ذلك خرج من "دهلى"، وذهب إلى "أجودهن" قبل أن يحضر الملك عنده.
وكذلك أرسل إليه علاء الدين محمد شاه الخلجى كتابا يشتمل على بعض مهمّات الأمور، ودعاه يستشيره في بعض المصالح، فأبى، وقال: إن كان السلطان لا يحبّ أن أقيم في ملكه، فيظهر ذلك من غير تورية، فإن أرض الله واسعة، فأرسل إليه السلطان ابنه، واعتذر من مخاطبته إياه في تلك الأمور، واستأذن في حضوره لديه، فأبى الشيخ، ولما أصرّ السلطان على ذلك، قال: إن في دارى بابين، يدخل السلطان من باب، وأخرج من الباب الآخر.
ومن ذلك ما روي أن قطب الدين بن علاء الدين الخلجي كان معتادا أن يحضر العلماء والمشايخ في غرّة كلّ شهر للتهنئة، وكان الشيخ لا يذهب بنفسه النفيسة، بل يذهب خادمه إقبال نيابة عنه، فاغتاظ السلطان منه، وقال: إن لم يحضر الشيخ بنفسه في الشهر القابل نفعل به ما نشاء، فاغتمّ
стр. 5647
الناس، وكانوا يتناجون بينهم، والشيخ كان جذلا، رخي البال، فارغ الخاطر، لا يرى عليه أثر الحزن، حتى استهلّ الشهر، وقتل السلطان المذكور في تلك الليلة.
قال الكرماني: إن غياث الدين تغلق شاه لما استقلّ بالملك حرّضه بعض العلماء على أن ينكر على الشيخ استماع الغناء، والسلطان يتأخّر عنه، ويقول: كيف أجترئ على ذلك؟ فإنه مع جلالته في العلم والعمل والتقوى والعزيمة كيف يرتكب الحرام، فعرضوا عليه الفتوى التى رتّبها الفقهاء على القاضي حميد الدين الناكوري في استماع الغناء، فأمر السلطان بإحضار الشيخ للمناظرة بمحضر من الناس، فقبله الشيخ، وحضر ذلك المجلس المحفوف بالعلماء والمشايخ والصدور والقضاة، فأقبل عليه القاضي جلال الدين الولوالجي، وطفق يطعن عليه، ويشنّع عليه استماع الغناء، وكان الشيخ يسمعه بالتحمّل والسكينة، حتى أخذ القاضى في الزجر والتوسّع إلى الغاية، فقال الشيخ: لعلك تقول ذلك بلسان الحكومة، وإنك معزول عنها، فسكت القاضي.
وقيل: إنه عزل عن خدمته بعد اثنى عشر يوما، ثم أقبل عليه حسام الدين شيخ زاده، ونحا نحو القاضي المذكور، فقال الشيخ: إن ذلك الكلام بمعزل عن دأب المناظرة، فليكن عمود البحث متعيّنا أولا، ثم سأله عن معنى الغناء، فقال: لا أدري ما هو، ولكنّي أعلم أنه حرام عند العلماء، فقال الشيخ: إن كنت لا تعلم ما هو فلست لي بالمخاطب في البحث والمناظرة، ثم كثر اللغط.
وقال القاضى كمال الدين: إنه صحّ عن الإمام الأعظم أنه قال: السماع حرام، والرقص فسق، فقال الشيخ: كلا! لم يصحّ ذلك عن الإمام.
ثم جاء الشيخ علم الدين سليمان الملتاني، فرفع السلطان تلك القصّة إليه، وحكمه في ذلك، فقال: إني صنّفت في ذلك رسالة، وبيّنت
стр. 5648
فيها دلائل الحلّ والحرمة، وقضيت فيه بأنه حلال لمن يسمع بالقلب، وحرام لمن يسمع بالنفس.
فقال السلطان: إنكم سرتم إلى بلاد "الروم" و"الشام" و"بغداد"، هل يمتنع المشايخ عن استماع الغناء في تلك البلاد أم لا؟
فقال: لا، فإن المشايخ يستمعون الغناء بالدفّ من غير نكير عليه.
فقال القاضي جلال الدين المذكور: ينبغي للسلطان أن ينصر مذهب الإمام الأعظم ﵀، ويحكم بالمنع عنه.
فقال الشيخ نظام الدين: لا ينبغى له أن يحكم بشئ قبل أن تفصل القضية.
ثم لما كانت أدلة التضليل لمن يقول بالتحليل ظاهرة البطلان رجع البحث إلى الحلّ والحرمة.
ثم آل إلى أولوية الترك أو الفعل، وكان من أول الضحى إلى الزوال، ثم انفضّ المجلس، وأذن له تغلق شاه بالرجوع مراعيا للأدب والاحترام.
فلما رجع الشيخ إلى داره، وفرغ من صلاة الظهر أمر بإحضار القاضي محي الدين الكاشاني، والقاضى ضياء الدين البرني، وخسرو بن سيف الدين الدهلوي.
وقال: إني عجبت اليوم من جرأة الفقهاء، كيف أنكروا الأحاديث؟ وقالوا: إن الرواية الفقهية مقدّمة عليها، وبعضهم قالوا: إن ذلك الحديث متمسّك للشافعى، وهو عدوّ لعلمائنا، فلا نستمعه، ولا نعتقده.
وقالوا ذلك بمحضر الصدور والقضاة، فكيف يصحّ اعتقادهم في الأحاديث! فإن رضي السلطان بها ومنع عن رواية الحديث أخاف أن يحلّ عليهم غضب الله سبحانه، ويهلك الحرث والنسل بسوء اعتقاد العلماء بالحديث.
стр. 5649
قال الكرماني: وقد وقع ما قال الشيخ بعد بضع سنين من يد محمد شاه تغلق، فإنه قتل من السادة والأشراف مالا يحصر بحدّ وعدّ، ثم أخرج الناس من "دهلي" إلى "دولت آباد"، فلم بيق في "دهلى" أحد، ومضت على ذلك شهور وأعوام، وكان ذلك بعد وفاة الشيخ.
قال الكرماني في "سير الأولياء": إنه كان حنفيا، ولكنّه كان يجوّز القراءةَ بالفاتحة خلف الإمام في الصلاة، وكان يقرؤها في نفسه، فعرض عليه بعض أصحابه ما روى: إني وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة، فقال: وقد صحّ عنه ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فالحديث الأول مشعر بالوعيد، والثاني ببطلان الصلاة لمن لم يقرأ بالفاتحة، وإني أحبّ أن أتحمّل الوعيد، ولا أستطيع أن تبطل صلواتي، على أنه قد صحّ في الأصول أن الأخذ بالأحوط والخروج من الخلاف أولى.
وكان ﵀ يجوّز صلاة الجنازة على الغائب، ويستدلّ عليه بالحديث المشهور، وكان يقول: إذا سمعتم بالحديث، ولم تجدوه في الصحاح، فلا تقولوا: إنه مردود، بل قولوا: إنا ما وجدناه في الكتب المتلقّاة بالقبول.
وكان يستمع الغناء بالدفّ، وإذا أراد أن يستمع يقلّ في طعام الإفطار قبل ذلك بيومين، وكان إفطاره بمقدار قليل لا يستطيع الرجل أن يعتاده، وكان مغنّيه ذا دين، وكان تواجده أن يقوم على سجادته، ويبكى بكاء شديدا، تبلّ دموعه المناديل، وكان يحبّ أن يخفى على الناس بكاءه، وقلّما رآه الناس باكيا، وانما يعرفون ذلك ببل المناديل، فكان يمسحها بيده ومنديله، ولم يسمع منه في ذلك الحال صوت التأوّه قطّ.
وكان يحترز عن المزامير، ويمنع أصحابه عن ذلك، ويقول: إنها حرام في الشريعة المطهّرة.
وكان يقول: إن السماع على أربعة أقسام: حلال وحرام ومكروه ومباح، فإن كان المستمع له ميلان إلى الحقيقة فله مباح، وإن كان له ميلان
стр. 5650
إلى المجاز فله مكروه، وإن كان قلبه متعلّقا بالمجاز بأسره فعليه حرام، وإن كان قلبه متعلقا بالحقيقة بأسرها فله حلال، وكان يقول: إن للسماع آدابا من حيث المستمع والمسمع والمسموع وآلة السماع، فلا بدّ أن يكون المستمع مائلا إلى الحقّ، والمسمع رجلا صالحا، لا امرأة ولا أمرد، والمسموع خاليا عن الهزل، وآلة السمع لا تكون محركة كالسنك والرباب وغيرهما من المعازف والمزامير.
ويقول: لا بدّ أن يكون المجلس خاليا من غير الصلحاء. انتهى.
وقد ذكره علي بن سلطان القارئ المكي في كتابه "الأثمار الجنيّة في أسماء الحنفية"، وقال: إنه شيخ فقيه علما وحالا، وإليه المنتهى في دعاء الخلق إلى الله تعالى وتسليك طريق العبادة والانقطاع عن علائق الدنيا، هذا مع التضلّع من العلوم الظاهرة والتبحّر في الفضائل الفاخرة، ومكاشفاته والخوارق التي ظهرت على يده، ولسانه أكثر من أن يطمع في إحصائها بقلم ولسان، وقبره اليوم مقصد جميع أهل تلك البلاد من الحاضر والباد، وقلّد المسلمون في تعظيمه الكفار، فيقصدونه للتكريم والزيارة. انتهى.
وقد ذكره مجد الدين الفيروز آبادي صاحب "القاموس" في كتابه "الألطاف الخفيّة في أشراف الحنفية"، وذكره عبد الرحمن الجامي في كتابه "نفحات الأنس وحضرات القدس".
وصنّف كثير من العلماء في أخباره كتبا مستقلّة، أحسنها: "سير الأولياء" مع أكثر أصحابه ملفوظاته، أشهرها: "فوائد الفؤاد".
مات رحمه الله تعالى في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وله تسع وثمانون، ودفن بمدينة "دهلي" في قاع خارج المدينة، بنى فيه محمد شاه تغلق ومن الملوك الأبنية الرفيعة، وقبره مشهور ظاهر يزار، ويتبّرك به.
* * *
стр. 5651
٤٢٢٩ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن على أبو بكر القزَّاز *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو أستاذ جماعة من الأئمة الفقهاء (١).
* * *
باب من اسمه محمد بن أحمد بن عمر
٤٢٣٠ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن أبى شاكر بن عبد الله الأربلي ، ذو الفضائل، الملقّب بالمجد، العلامة، الزاهد ابن الظهير، المعروف بابن الإربلى* *
стр. 5652
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: سمع الكثير من أصحاب أبى الوقت وغيره.
درّس للطائفة الحنفية بـ"دمشق"، وقدم "القاهرة"، فسمع بها.
وحدّث، وله شعر، أنشدني شيخنا أبو محمد الحلبي الحنفي، أخبرنا الأديب أبو عبد الله محمد بن عمر المنبجي (١)، أنشدنا محمد بن أحمد بن عمر لنفسه (٢) رحمه الله تعالى:
طرفي وقلبي ذا يسيل دما وذا … دون الوري أنت العليم بقرحه (٣)
وهما بحبّك شاهدان وإنما … تعديل كل منهما في جرحه
مولده بـ"إربل" (٤) في صفر سنة اثنتين وستمائة، ومات بـ"دمشق" سنة سبع وسبعين وستمائة ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر.
تفقّه على مذهب أبي حنيفة على عبد الرحمن بن محمد الفقيه البغدادي، وبرع فيه، وسمع بـ"بغداد" و"دمشق".
стр. 5653
روى عنه الدِّمياطي، وكان خبيرا بعلم العربية، مشهورا عالما باللغة، ويأتي في آخر الكتاب في باب ابن فلان (١)، رحمه الله تعالى.
* * *
٤٢٣١ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن عمر القاضى، أبو بكر، البخاري ، ظهير الدين *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: له "فوائد على الجامع الصغير" للحُسام [الشهيد، تسمّى "الفوائد الظهيرية"] (٢).
مات سنة تسع عشرة وستمائة، رحمه الله تعالى.
قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفواثد": نسبة "الفتاوى الظهيرية" و"الفوائد الظهيرية" إليه، يرد على علي القارى، حيث نسب "الفتاوى الظهيرية" إلى ظهير الدين الكبير على بن عبد العزيز المرغيناني، والد الحسن بن على، وعلى من نسبها إلى الحسن بن على المرغيناني.
وقد مرَّ ما له وما عليه في ترجمة على، فانظره هناك، وقد طالعت من تصانيفه "الفتاوى الظهيرية"، فوجدته كتابا معتبرا متضمنا للفوائد الكثيرة.
* * *
стр. 5654
٤٢٣٢ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن عمر العيدي، البخاري، جلال الدين *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: كان في آبائه من ولد يوم العيد نسب إليه.
تفقّه على الإمام حسام الدين محمد بن محمد بن عمر الأخسِبكثي، ثم على حميد الدين علي بن محمد بن علي الرامُشي الضرير (١)، وحافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري.
وله معرفة تامة بالفقه، وأصول الخلاف، وأصول الدين، واشتغل بالتفسير والحديث.
توفي في رمضان سنة ثمان وستين وستمائة، ودفن بـ"مقبرة القضاة السبعة" بباب "كَلَاباذ" ظاهر البلد.
قال الذهبي: بارع في الفقه والأصلين.
أخذ عنه الفرَضي.
* * *
٤٢٣٣ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن عمر السعودى ،
стр. 5655
القاهري، شهاب الدين، أبو العباس*
فقيه، محدث، واعظ. ناب في الحكم من آثاره: "تهذيب النفوس" في الوعظ، و"الدر الرصين المستخرج من بحر الأربعين" في شرح الأربعين النووية.
توفي سنة ٨٠٣ هـ.
* * *
٤٢٣٤ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن عمر النُّهَاوندى، أبو عمر من أهل "البصرة" * *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: ولي القضاء، وكان فقيها فَهِيما (١)، ذا هيئة ونباهة، يفصّل بين الخصوم كأحسن ما يكون.
ومولده سنة سبع، وقيل: عشر وأربعمائة (٢).
مات بـ"البصرة" سنة خمس وتسعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والنُّهاوندي بضم النون.
* * *
стр. 5656
٤٢٣٥ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن مالك السِّنْجي والد بكر المذكور في حرف الباء (١)، وجدّ محمد المذكور بعد (٢) *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: روى عنه ابنه بكر، وتفقَّه عليه، رحمه الله تعالى.
* * *
باب من اسمه محمد بن أحمد بن محمد
٤٢٣٦ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن علي * *
стр. 5657
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: روى عن أبيه أحمد. وتفقّه عليه، وتقدّم والده أحمد، رحمه الله تعالى.
* * *
٤٢٣٧ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن بيري ، المكي، العلواني، الفرضي *
فال.
له "اليواقيت المفصلات باللآلي النيرات" فى أعمال ذوات الأسماء والمنفصلات، و"اليواقيت المفصلات في شرح اللآلي النيرات".
توفي سنة ١٠٤٠ هـ.
* * *
٤٢٣٨ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن
стр. 5658
محمد بن محمود القاضى السِّمْناني، أبو جعفر من "سِمْنان العراق" *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: سكن "بغداد"، أبوه أحمد تقدّم (١)، فقيه متكلم على مذهب الأشعري.
ولي القضاء بـ"الموصل".
سمع من الدارقطني، وسمع منه الخطيب.
ولد سنة إحدى وستين وثلاثمائة.
ومات على القضاء بـ"الموصل" سنة أربع وأربعين وأربعمائة في شهر ربيع الأول.
قال الخطيب: كتبت عنه، وكان ثقة عالما، فاضلا، عراقي المذهب، أشعري الاعتقاد (٢).
وله أيضا تصانيف في الفقه، وتعليق (٣).
قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد" (ع ١٥٩): مرَّ ضبط السمناني في ترجمة علي بن محمد السمناني ونسبه السمعاني بأنه أبو جعفر
стр. 5659
محمد بن أحمد بن محمد، بن أحمد بن محمد بن محمود القاضي السمناني من "سمنان العراق"، وقال: سكن "بغداد"، وكان فقيها، متكلما، عالما، وسمع بـ"الموصل"، نصر ابن أحمد بن الخليل، وبـ"بغداد" أبا الحسن على بن عمر الدارقطنى، وأبا القاسم عبيد الله بن محمد الرازي وغيرهم، وسمع منه أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ، وذكره في التاريخ، وقال: كتبت عنه، وكان ثقةً وعاملا، فاضلا شيخا، حسن الكلام، عراقي المذهب، ويعتقد في الأصل مذهب الأشعرى، وكانت ولادته سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ومات بـ"الموصل"، وهو على القضاء بها في ربيع الأول سنة أربع وأربعين وأربعمائة. انتهى. وذكر الذهبي في الطبقة الرابعة والعشرين من "سير النبلاء" ولد أحمد، وقال القاضى العلامة أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمود بن أعين الحنفي، ولد القاضي الكبير شيخ الأشعرية أبي جعفر السمناني، ولد بـ"سمناني" سنة أربع وثمانين وثمانمائة، وكان ثقة، صدوقا، حسن الأخلاق، كبير القدر، تفقّه على أبيه لأبي حنيفة، وأخذ عنه الكلام، وكان معه لما ولي قضاء "حلب" سنة سبع وأربعمائة. قال الخطيب: كتبت عنه، وكان صدوقا، وتزوَّج بابنة القاضي أبي عبد الله الدامغاني، واستنابه في القضاء، توفي بـ"بغداد" في جمادى الأولى سنة ست وستين وأربعمائة، انتهى. وفي "كامل ابن الأثير" في حوادث سنة ٤٦٦ هـ فيها في ربيع الأول توفي القاضي أبو الحسين بن أبي جعفر السمناني حمو قاضى القضاة أبي عبد الله الدامغاني، وكان مولده سنة ٣٨٤ هـ بـ"سمنان"، وكان هو وأبوه من المغالين في مذهب الأشعري، ولأبيه فيه تصانيف كثيرة، هذا مما يستظرف أن يكون حنفيا أشعريا. انتهى.
* * *
стр. 5660
٤٢٣٩ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد ابن يوسف بن إسماعيل بن شاه *
تقدّم أبوه في حرف الألف (١)، ويأتي جدّه محمد قريبا (٢)، الخوارزمي البَرَقى. ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: كان إماما في الفقه على مذهب أبي حنيفة والحديث والأدب، ذكره السمعاني.
وقال الذهبي: روى عن غُنْجار، والخَفَّاف، وأبي القاسم على بن أحمد الخزاعي.
وعنه شمس الأئمة أبو بكر الزَّرَنْجري، وبرهان الأئمة عبد العزيز بن عمر ابن مازة (٣).
стр. 5661
وكان رئيس "بخارى"، وقاضيها، ويلقّب (١) بشَرَف الرؤساء، وأصلهم من "خُوَارزم".
* * *
٤٢٤٠ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد، المنعوت شمس الدين بن الأكرم *
ذكره المحيى الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: ويعرف بقطا البر، كما أن أباه يعرف بقطا البحر، أحد فضلاء "دمشق"، وأصلائها، وكان فاضلا مخشوشنا، متقشفا، قرأ في أول أمره، ثم وصل إلى خدمة البدر الغزى، فقرأ عليه في "الأحياء"، ولما مات أبوه في سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة سافر إلى "الروم"، وولي تدريس المدرسة المقدمية، ورجع من "الروم" في شكل عجيب على أسلوب موالى "الروم" من الأثواب الطويلة بالأكمام الواسعة، ولقب نفسه بشيخ الإسلام، وكان يجمع الفقراء على الذكر عنده بالمدرسة، ويتردّد إليه بعض المنشدين، وربما يكسوهم، ويطعم الفقراء.
وكان يتظاهر بإنكار بعض المناكر، وكان يمر على تخت القمار بمحلة تحت القلعة، فيأمر بتكسيره، وضرب المقامرين، وكان قليل الحظ من الدنيا، مع السخاء الزائد.
وكانت وفاته بداء البطن في وقت الغداء من يوم الثلاثاء، ثالث عشري ذي الحجة، سنة تسع عشرة بعد الألف عن خمس وخمسين سنة، ودفن عند
стр. 5662
أبيه بمقبرة الفراديس، وبنو الأكرم بـ"دمشق" طائفة كبيرة، منهم: محمد، وهو جدّ محمد هذا والد والده، كان في آخر دولة الجراكسة أميرًا من أمرائهم، فلما ذهبت دولة الجراكسة، وجاءت دولة آل عثمان أعطاه السلطان سليم الفاتح زعامة بأربعين ألف عثماني، فاستمرّ مباشر الزعامة إلى أن عيّنوه خادمًا للسلطنة في جمع أموال العرب، فكتب إلى الشيخ العارف بالله تعالى الشيخ علوان الحموي كتابا، ولوح فيه إلى ما هو مبتلى به من خدمة السلطنة، وأشار إلى استفهامه عن هذه الأحوال، هل تخلص صاحبها عند الله تعالى، فكتب إليه الشيخ علوان كتابًا، يقول فيه: ولا بأس بخدمة السلطان إذا كانت على طريق الاستقامة، وأيضًا فإن الرأى أن تكون حيث أنزلك، حتى يكون الله عنه نقلك، وأيضًا فإن الله لو لم يرد لك هذا الأمر الذى أنت فيه ما سهله لك، وساق من ذلك فصلًا، كتب بعده في حاشية المكتوب، ومع ذلك أقول:
سبحنوا الطيب لغاتهم … يا ليتهم كانوا صموت
موت النفوس حياتها … من رام أن يحيا بموت
فلما وقف على هذين البيتين علم الإشارة، فنزع ثيابه كلها، وعتق مماليكه، ودخل في عدل ثخين، وجلس في محلة العنابة في مسجد العين ثلاثة أيام، لا يكلم أحدًا، ولا يأكل ولا يشرب، وترك الزعامة والدولة، واستمرّ في بيته بمحلة العنابة، جالسا منفردًا عن الناس، لابسا ثياب الصوفية، إلى أن مات، فانتقل ولده أحمد إلى محلة القيمرية، وسكن في بيوت ابن الحارة، ثم أثبت المدرسة المقدمية، وإنه من ذرية واقفها، وأظهر على ما ادعاه عدة تمسّكات، وانتقل إليها، وسكنها، ثم سكنها بعده ابنه صاحب الترجمة، كما ذكرناه آنفا، واستمرّ بيده تدريسها وتوليتها.
وهذه المدرسة منسوبة إلى من هم منتسبون إليه، وهو أمير الأمراء شمس الدين المقدم، الذي كان من كبار الأمراء في زمن الملك العادل نور الدين
стр. 5663
الشهيد، ثم صار من كبار الأمراء الصلاحية، وحج، فوقع بينه وبين أمير الحاج العراقي طاشتكين، فضرب ابن المقدم بسهم، وقع في عينه، فمات من غده، ذكر ذلك ابن خلكان في "تاريخه"، وغيره من المؤرخين.
* * *
٤٢٤١ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن طَرْخان ، أبو بكر، الأستراباذي روى (١) عن جدّه محمد بن جعفر بن طرخان، ويأتي جدّه محمد بن جعفر (٢)، وتقدّم جعفر جدّ أبيه أحمد (٣) *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: ذكره الإدريسى في "تاريخ إستراباذ"، وقال: حدثني عنه مطرِّف بن الحسين الفقيه، وكان من أجلّة فقهاء أصحاب أبي حنيفة في عصره.
ثقة في الحديث.
* * *
стр. 5664
٤٢٤٢ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن حسين بن سليمان، المعروف بالإسطواني ، الدمشقي، الفقيه، الواعظ، الأخباري، أعجوبة الزمان، ونادرة الوقت *
ذكره المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: كان من منن الله تعالى على عباده، لم يزل يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وكان ورعا، ناسكا، متقشّفا، مخشوشنا، كثير العبوس في وجه الناس لما يكرهه منهم، شديد الإنكار عليهم فيما يخالف الشرع، لا يقنع في أمر الله بغير إظهاره، وكان مطبوعًا على الالتذاذ بذلك، متحملا للأذى من الناس بسببه، وبلغ القول فيه إلى أنه حرم البقلاوة وأمثالها، لما كان يحرم الحرام.
وكان أحد أعاجيب الدنيا في حلاوة المنطق، وحسن التأدية، ومعرفة أساليب الكلام، لا يمل حديثه بحال، بل كلما طال طاب.
وبالجملة: فلم ير نظيره في هذا الدور، ولم يسمع بمثله في أوصافه، كان في الأصل على مذهب أسلافه حنبليا، ثم انتقل إلى مذهب الشافعى، وقرأ الفقه على مشايخ عصره، منهم: الشمس الميداني، والنجم الغزى، وغيرهما.
وأخذ العربية والمعقولات عن الشيخ عبد الرحمن العمادي، والشيخ عبد اللطيف الجالقى، والشيخ عمر القارى، والإمام يوسف بن أبىِ الفتح.
وأخذ الحديث عن أبى العباس المقرى في قدمته لـ"دمشق"، ودرس بالجامع الأموى، ثم رحل إلى "مصر"، وأخذ بها عن البرهان اللقاني، والنور على الحلبي، والشيخ عبد الرحمن، والشمس البابلى.
стр. 5665
وقدم إلى "دمشق" في سنة تسع وثلاثين وألف، ودرس بها، وأفاد، ووقع بينه وبين شيخه النجم الغزي في مسئلة، فسافر إلى "الروم" بحرًا، فأسرته الفرنج، ثم خلص بعد مدة قليلة، ووصل إلى دار الخلافة، فأقام بها، وحسن حاله، وحصل جهات وعلوفات، وتزوج، وجاءه أولاد.
ثم تحنّف، وصار إماما بجامع السلطان أحمد، ولازم على عادة موالي "الروم"، ثم قدم إلى "دمشق" حاجا في سنة ثلاث وستين وألف، وعاد إلى "الروم"، فصار واعظًا بجامع السلطان بن أبي الفتح محمد خان، واشتهر بحسن الوعظ ولطافة التعبير، فانكبت عليه الناس، ولزمه جماعة قاضى زاده الرومي، وعظم خطبه، فبالغ في النهي عن أشياء، كان غنيا عنها، فكاد أن يوقع فتنة، فعزل عن وظيفة الوعظ، ونفى إلى جزيرة "قبرص"، ثم أمر بالمسير إلى "دمشق"، فوردها في سنة سبع وستين، وأقام بها، ولزم الدرس تحت قبة النسر بالجامع الأموي بين العشاءين وبعد الظهر، ونشر علم القراءات والمواعظ، وأقرأ "شرح الهمزية"، ورغب الناس في حضور دروسه من علماء وعوام لحسن تقريره وعذوبة تفهيمه ولطافة مناسباته.
وسمعت والدي رحمه الله تعالى يقول: إن درسه كان يليق أن يرحل إليه من بلد إلى بلد، وإنه قرر أشياء، لم يسمعها من أهالي "دمشق" أحد، فيه يقول الأمير المنجكي:
إن سمع العقول يصغى لقول … الإسطواني والقلوب لديه
جمع الفضل والمكارم حتى … كل حسني تعزي وتنمي إليه
رجل جاء في الزمان أخيرًا … يحسد الأول الأخير عليه
وكان بـ"دمشق" بعض مناكر، فتقيد بإزالتها أو تخفيفها، ومن جملتها: لبس السواد خلف الميت، ورفع الصوت بالولولة، وأعهد يومًا في جنازة بعض أقاربه وأقاربي أمر جماعته بحمل عصى تحت أصوافهم، فلما خرجت الجنازة من باب السلسلة، وباشر النساء الولولة، أشار إلى جماعته بضربهن،
стр. 5666
فضربوهن، ولم يدعهن يخرجن إلى المقبرة، وله غير ذلك مما يحمد، وإلى هذا أشار الأمير المنجكي أيضًا في مدحه:
جوزيت من رب الهدى عن خلقه … ماذا تشأ وكفيت شر الحسد
أبعدتهم عن كل لهو مرشدا … حتى اهتدى من لم يكن بالمهتدي
وصحت بك الدنيا فليس يرى بها … من مسكر الألحاظ الخرّد
ثم وجهت إليه المدرسة السليمية بـ"دمشق"، وكان بعضهم يزعم أنه يطعن في سلطان العلماء والأولياء الشيخ محي الدين الأكبر بن عربي، قدّس الله تعالى سره العزيز، فلما ولي المدرسة ظهرت محبته له، وأثبت نسبه إلى الشيخ حسن القيمري، وأخذ تولية البيمارستان بالصالحية، وجمع عقارات وأملاكا كثيرة، ولم أسمع أنه ألف أو قال شعرًا، غير أني ظفرت له بتحريرات على عبارات في التفسير والفقه، وكان فيما يمليه مستوفيًا أقسام المناسبة، ومن إملائه لمحمد بن الحنفية: كل عز لا يوطده علم، فإلى ذلّ مصيره، ومنه: لو كشف الغطاء لما اختير غير الواقع، من عرف الله أزال التهمه، وقال: كل فعله بالحكمه، ومنه قوام الدنيا بأربع: السلطان، وجنده، والعلماء، والصوفية، والتجّار وأرباب الصنائع وغيرهم من قبيل الإشراء والهمل. قال: وأوصى عبد المطلب قبل وفاته أبا طالب بنبينا محمد ﷺ ، وقال فيما أوصى به:
أوصى أبا طالب بعدي بذي رحم … محمد وهو في ذا الناس محمود
هذا الذى تزعم الأحبار أن له … أمرًا سيظهره نصر وتأييد
في كتب موسى وعيسى منه بينة … كما يحدثنى القوم العبابيد
فاحذر عليه شرار الناس كلهم … والحاسدين فإن الخير محسود
ومنه: اللغة أرض، وبقية العلوم غراساتها، ومن إملائه للبحترى:
الجاهلات اثنان من دون الورى … فافطن أخي وإن هما لم يفطنا
من قال ما بالناس عني من غنى … من جهله أو قال بي عنهم غنى
стр. 5667
ولما انحلت بقعة درس الحديث تحت قبة النسر بجامع بني أمية عن الشيخ سعودي الغزى مفتى الشافعية المقدم ذكره طلبها الإسطواني من قاضي القضاة، واستمع هو والشيخ محمد بن تاج الدين المحاسني في مجلس القاضى، وكان الآخر طالبا لها، فوقع بينهما مقاولة ومخاصمة، وقيل: إنهما تشاتما بألفاظ قبيحة، ثم جهت البقعة للمحاسنى، ومرض الإسطواني من يومه، وبعد أسبوعين توفي، ولم تطل مدة الآخر حتى توفي بعده، وقرأت بخط الإسطواني أن ولادته كانت ليلة الاثنين سابع عشر المحرّم سنة ست عشرة بعد الألف، وتوفي في قبيل الظهر من يوم الأربعاء سادس عشرى المحرّم سنة اثنتين وسبعين وألف بالحمى المحرقة، ودفن بمقبرة الفراديس المعروفة بالغرباء، وقال شيخنا عبد الغني النابلسى في تاريخ وفاته.
قد مات حاوى العلوم طرا … محمد كعبة الوفود
الأسطواني طود علم … ومن تسامى بفرط جود
فضر كل الأنام أرخ … ممات علامة الوجود
* * *
٤٢٤٣ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد أبو بكر بن أبي الحسين، القدوري ابن الإمام، صاحب "المختصر " *
стр. 5668
تقدّم والده وجدّه (١). ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: وهذا محمد أبو بكر سمع الحديث من أبي على الحسن بن أحمد بن شاذان، والقاضي أبي القاسم التَّنُوخي، وغيرهما.
ومات شابا قبل أوان الرواية (٢) سنة أربعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٤٢٤٤ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن خاقان، الرئيس أبو عبد الله بن أبى حفص البخاري *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: كان أبوه حفص الكبير جدّ جدّه من أصحاب محمد بن الحسن (٣).
قال الحاكم في "تاريخ نيسابور": كانت الفتوى والرياسة في بيوتهم من وقت محمد بن الحسن. وأول إملائه بـ"بخارى" في (٤) سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
стр. 5669
مات سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة.
وسمع منه الحاكم.
* * *
٤٢٤٥ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن خَمِيس الموصلي الحلبي *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: مولده سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة بـ"الموصل".
قرأ الفقه على مذهب أبي حنيفة بـ"حلب" على الإمام علاء الدين أبي بكر الكاساني.
مات بـ "حلَب". سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
* * *
٤٢٤٦ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد ابن أحمد بن عُبيد الله والد منصور يأتي في بابه * *
стр. 5670
ووالده (١) أحمد تقدّم، وجدّه محمد يأتي، وصاعد تقدّم (٢).
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: محمد هذا كنيته أبو سعيد (٣)، عرف بشيخ الإسلام.
قال السمعاني: كانت الرياسة قد انتهت إليه، والتقدّم والقضاء بـ"نيسابور"، وكانت له دنيا عريضة، وكان يليق به القضاء [لفضله وبيته] (٤) وأبُوَّته (٥).
[وعمّر العمر الطويل، حتى حدّث بالكثير، ولم يتفق أن والدي سمَّعنى عنه شيئا سنة تسع وخمسمائة، ولما رحلت (٦) إلى "نيسابور" سنة تسع وعشرين كان قد توفي، فحصل لي عنه الإجازة،] (٧) سمع أباه أبا نصر، وعمّه أبا سعد يحيى.
ولد سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
ومات سنة سبع وعشرين وخمسمائة بـ"نيسابور"، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 5671
٤٢٤٧ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن عبد المجيد القَرْنَى ، سراج الدين أحد الأئمة *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: تخرّج به علماء.
ومات في رمضان سنة ست وخمسين وستمائة (١).
والقرنبي (٢) بقاف (٣) ونون وموحدة، كذا ذكره الذهبي في "المؤتلف".
ورأيت هذه النسبة بخطّ بعضهم مضبوطة بفتح القاف.
كان محمد هذا (٤) حافظا، واعظا، مفتيا، مفسّرا، مدقّقا محقّقا.
تفقّه بـ"بخارى" على العلامة أبي الوجد محمد بن عبد الستار الكردرى. ودرّس، وتوفي بـ"بخارى" في رمضان سنة ست وخمسين وستمائة، ودفن بمقبرة أهل الجنة (٥) ظاهر باب "كَلَاباذ".
* * *
стр. 5672
٤٢٤٨ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن عقبة، القاضى ، أبو محمد، المروزي *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: قال الحكم: ولي القضاء بـ"نيسابور" سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة (١)، وصرف به يحيى بن منصور القاضي، وبقى على القضاء إلى سنة نيف وأربعين، فصرف بقاضي الحرمين.
وتوفي بـ"بخارى" قاضيا سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٤٢٤٩ - الشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن محمد بن موسى بن الكاتب ، أبو حكيم من أهل "خُوَارَزم" * *
стр. 5673
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: سكن "بغداد"، وتفقه بها. وسمع بها، وحدّث بها.
روى عنه الخطيب، وذكره ابن النجَّار.
* * *
٤٢٥٠ - الشيخ العالم العلامة المحدّث محمد بن أحمد بن محمد بن محمود، النهروالي ، المفتي قطب الدين بن علاء الدين المكّي، صاحب "الإعلام بأعلام بيت الله الحرام" *
ذكره العلامة عبد الحى الحسني فى "نزهة الخواطر"، وقال: كان من العلماء المبرزين في الحديث والفقه والأصلين والإنشاء والشعر.
ولد بـ"لاهور" سنة سبع عشرة وتسعمائة، واشتغل على والده بالعلم.
ورحل إلى "مكّة المشرّفة"، وأخذ عن الخطيب المعمّر أحمد محبّ الدين بن أبي القاسم محمد العقيلي النويري المكّي، وعن محدّث اليمن وجيه الدين عبد الرحمن بن علي الديبع الشيباني الزبيدي، وعن الشيخ شهاب الدين أحمد بن موسى بن عبد الغفّار المغربي الأصل، ثم المصري نزيل الحرمين عن والده، والشيخ محمد بن محمد بن سنة عبد الرحمن الخطاب المالكي، ووالده الشيخ محمد بن عبد الرحمن.
وسار إلى "مصر" سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة، واجتمع بها بأبي عبد الله محمد بن يعقوب العبّاسي المتوكّل على الله المتوفى سنة خمسين وتسعمائة،
стр. 5674
صرّح به في "تاريخ مكّة"، قال: وقد اجتمعت به، وأخذت عنه في رحلتي إلى "مصر" لطلب العلم الشريف في سنة ٩٤٣ هـ، وكانت "مصر" إذ ذاك مشحونة بالعلماء العظام، مملوءة بالفضلاء الفخام، ميمونة بين بركات المشايخ الكرام، كأنها عروس، تتهادى بين أقمار وشموس.
ثم انقضت تلك السنون وأهلها … فكأنها وكأنهم أحلام.
وذكر في "تاريخ مكّة" أنه أخذ الطريقة عن الشيخ علاء الدين الكرماني النقشبندي، المتوفى سنة تسع وثلاثين وتسعمائة، لعلّه كان قبل رحلته إلى "مصر".
وله سند عال لـ"صحيح البخاري"، لا أعلم في الدنيا سندا أعلى من ذلك السند، وذلك أنه يرويه عن أبيه الشيخ علاء الدين أحمد بن محمد النهروالي، عن الحافظ نور الدين أبي الفتوح أحمد بن عبد الله الطاوسي الشيرازي، عن الشيخ المعمّر بابا يوسف الهروي، عن محمد بن شاد بخت الفارسى الفرغاني بسماعه لجميعه على الشيخ أبي لقمان يحيى بن عمار بن مقبل بن شاهان الختلاني.
وقد سمع جميعه عن محمد ابن يوسف الفربري بسماعه عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵁. قال الفلاني في "قطف الثمر": وقد ذكر بعض أهل الفهارس أنه صحّ أن الشيخ قطب الدين محمد النهروالي روى "صحيح البخارى" عن الحافظ نور الدين أبي الفتوح الطاوسي بلا واسطة والده، فيكون بيني وبين البخاري ثمانية، فتقع لي ثلاثياته باثني عشر، فيكون شيخنا محمد كأنه سمع الحافظ ابن حجر بطريق الإجازة، لأن أعلى ما عند الحافظ ابن حجر باعتبار الإجازة أن يكون بينه وبين البخاري ستة أنفس، ولا أعلم في الدنيا سندا أعلى من هذا السند الآن.
قال: وقال شيخ مشايخنا عبد الخالق الزجاجي في "نزهة رياض الإجازة": وهذه الطريقة لم تبلغ الحافظ ابن حجر ولا السيوطى، لأنهما كانا
стр. 5675
بـ"مصر"، والحافظ أبو الفتوح كان من رجال الثمانمائة، وكان بـ"أبرقوه" مدينة بـ"خراسان العجم".
وكان موصوفا بالصلاح، سمع "صحيح البخارى" من محمد بن شاد بخت الفرغاني، وهذه الطريقة لم تصل إلى الحرمين إلا مع أشياخ مشايخنا، كالشيخ المعمّر عبد الله بن سعد اللاهورى نزيل "المدينة". انتهى.
قلت: وقد ترجم له القاضي محمد بن على الشوكاني فى "البدر الطالع" قال: وكان يكتب الإنشاء لأشراف "مكّة"، وله فصاحة عظيمة يعرف ذلك من اطلع على مؤلّفه "البرق اليماني في الفتح العثماني"، وهو مؤلّف "الإعلام في أخبار بيت الله الحرام"، وكان عظيم الجاه عند الأتراك، لا يحج من كبرائهم إلا وهو الذى يطوف به، ولا يرتضون بغيره، وكانوا يعطونه العطاء الواسع، فكان يشترى بما يحصله منهم نفائس الكتب، وييذلها لمن يحتاجها، واجتمع عنده ما لم يجتمع عند غيره، وكان كثير التنزهات في البساتين، وكثيرا ما يخرج إلى الطائف، ويصحب معه جماعة من العلماء والأدباء، ويقوم بكفاية الجميع. انتهى.
وقد ذكر المفتى قطب الدين صاحب الترجمة في "تاريخ مكّة" أن مدرسة السلطان أحمد شاه الكجراتي بـ"مكّة المباركة" عند الحرم المحترم كانت بيده، وإني أظنّ أن والده علاء الدين أحمد بن محمد النهروالي بعث إلى "الحجاز"، وولي على تلك المدرسة، وبعد وفاته عادت التولية إلى ولده قطب الدين المفتى، وهو سافر إلى "قسطنطينية" مرتين، مرة ثانية في سنة خمس وستين وتسعمائة، فخلع عليه السلطان سليمان بن سليم العثماني ملك "الروم".
ذكره في "تاريخ مكّة"، وقال: إن السلطان المذكور أسّس بـ"مكّة المشرّفة" المدارس الأربعة السليمانية، وعين وظائف المدرسين والطلبة وغير ذلك من أوقافه بـ"الشام"، عيّن لكلّ خمسين عثمانيا في كلّ يوم، وعين للمعيد أربعة عثمانية، ولكلّ مدرّس خمسة عشرة طالبا، لكلّ طالب