النظارة، وأظهر صورة التوجيه، فرفع يده عنها، وبقيت في يده الخطابة الأصلية، التي فرغ له عنها البهنسي.
ولما توفي الشيخ سعودى الغزي وجه إليه درس الحديث تحت قبة النسر من جامع "دمشق" كما أسلفته في ترجمة محمد بن أحمد الإسطواني قريبًا، وهذا الدرس وظيفة حادثة بعد الخمسين وألف، رتبها بهرام آغاكتخدا والدة السلطان إبراهيم، وبني السوق الجديد والخان قرب باب الجابية لأجلها، وعين للمدرس ستين قرشًا، وللمعيد ثلاثين، ولقارئ العشر عشرة قروش، ودرس المحاسني، وكان فصيح العبارة، وانتفع به خلق من علماء "دمشق"، منهم: شيخنا العلا محمد بن علي الحصكفي مفتي "الشام"، وشيخنا المحقق إبراهيم بن منصور الفتال وغيرهما، وله تحريرات تدلّ على علمه، وله شعر حسن مطبوع، فمنه قوله من قصيدة:
يا سقاها مرابعا للتلاقي … كل سار من الحيا غيداق
حيث تبدو بقامة تخجل الغصن … ووجه يزيد في الإشراق
ورعى الله عهدنا بالمصلى … حيث ذات اللمى على الميثاق
حيث أشكو لها الغرام ووجدا … قد أسال الدموع من آماقي
يا حداة المطي رفقا بقلبي … إن طعم الفراق مر المذاق
جبلت طينتي على محنة الحب … فحسبي من الهوى ما ألاقي
كل يوم قطيعة وبعاد … واكتئاب وفيض دمع مآقي
شاب فودي يتلو مشيب فؤادي … فأمانا من هول يوم الفراق
ليت شعري متى تعيد الليالي … ما أتاحت من صفو عيش التلاقي
ما أظن الأيام تحكم إلا … بامتناع الإرفاق للإرفاق
ومن جيد شعره قوله:
وتنفسي الصعداء ليس شكاية … مما قضته سوابق الأقدار
لكن بقلبي جملة تفصيلها … صعب لدى العقلاء والأحرار
стр. 5777
فجعلت موضع كل ذلك أنة … ضمنت مرادي من عطاء الباري
وكتب إلى بعض أصحابه بـ"دمشق"، وهو بـ"مصر":
لوكنت بمرأى من خليط نزحا … ما كان دخيل الوجد مني وضحا
لكن بعدوا فصار سرى علنا … من بعدهم وصار كأسي قدحا
ومن ملحه هذا الموشح نظمه على أسلوب موشح لبنت العرندس الشيعي، ومطلع موشحه:
أهواه مهفهفا من الولدان … ساجي الحدق
قد فر من الجنات من رضوان … تحت الغسق
من ريقته سكرت لا من راحي … كم جدد لي رحيقها أفراحي
كم أسكرني بخمرها يا صاح … كم أرقني بطرفه الوسنان حتى الفلق
لو عامله بعدله ذا الجاني … أطفأ حرقي
من باهر حسنه يغار القمر … في روض جماله يحار النظر
قد عز لدى أن بدا المصطبر … ما اهتز يميل ميلة الأغصان للمعتنق
إلا وأتاح للمحب العاني … كل القلق
يا ويح محبه إذا ما خطرا … كالبدر يلوح في الدياجي قمرا
إن أقض ولم يقض لقلبى وطرا … فالويل إذا المغرم ولهان في الحب شقي
قد حمل في العشق من الهجران … ما لم يطق
القدر شيق مثل خوط البان … واللحظ كيف الهند في الأجفان
والخال شقيق المسك في الألوان … والخد مورد أسيل قاني شبه الشفق
والعارض قد سلسل كالريحان … للورد يقي
يا عاذل لو أبصرت من أهواه … ناديت تبارك الذي سواه
قد أحسن خلقه وقد نماه … إذ كمله وخص بالنقصان بدر الأفق
قد أفرغه في قالب الإحسان … زاكي الخلق
الصبر على هواه مثل الصبر … والقلب غدا من هجره في جمر
стр. 5778
ما ألطفه في وصله والهجر … لم ألق له في وصله من ثاني حلو الملق
ما واصل بعد بعده أجفاني … غير الأرق
ومطلع موشح بنت العرندس هو هذا:
ما رنحت الصبا غصون البان … بين الورق
إلا وشجي الهوى لقلبى العاني … نار الحرق
ما رنحت الصبا غصون البان … بين الورق
إلا وشجي الهوى لقلبي العاني … نار الحرق
ما هب صبا لنحوك القلب صبا لاقى وصبا … يا بدر سما سما على بدر سما للناس صبا
صلني فعسى تنال مني ذهبا عقل ذهبا
والقلب مني مواقد النيران نامي القلق … والناظر قد أسال من أجفاني ماء الغدق
ومن شعر المحاسني قوله:
أودعكم وأودعكم جناني … وأنثر أدمعي مثل الجمان
ولو نعطي الخيار لما افترقنا … ولكن لا خيار مع الزمان
وله غير ذلك، وكانت ولادته في سنة اثنتي عشرة وألف، وتوفي عشية الأربعاء غرة شعبان سنة اثنتين وسبعين وألف، ودفن بمقبرة الفراديس بالقرب من جدّه لأمّه الحسن البوريني، ورثاه شيخنا عبد الغنى بن إسماعيل النابلسي بقصيدة، مطلعها:
لتهن رعاع الناس وليفرح الجهل … فبعدك لا يرجو البقا من له عقل
أيا جنة قرت عيون أولى النهى … بها زمنا حتى تداركها المحل
وهي قصيدة جيّدة غاية، ولولا طولها لذكرتها برمّتها.
* * *
стр. 5779
٤٣٤٨ - الشيخ الفاضل محمد بن تاج الدين بن محمد المقدسي الأصل ، الرملي المولد والمنشأ، مفتي "الرملة" *
الإمام، العالم الصالح، التقي، الخير، نادرة الزمان.
ذكره المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: هو ابن أخت شيخ الإسلام خير الدين الرملي، أخذ ببلده عن خال أبيه، وابنه الشيخ محي الدين، ثم رحل إلى "مصر" في حدود سنة ست وستين وألف، وأقام بها إلى سنة سبعين، وقرأ بالروايات على الشيخ سلطان المزاحي جميع القرآن للسبعة، ثم ختمة أخرى للعشرة من طريق الدرة، وأخذ عنه الحديث، وقرأ عليه "شرح ألفية" ابن الهائم للشيخ زكريا في الفرائض، وأجازه بمروياته، وأخذ الحديث أيضا عن الشمس البابلي، قرأ عليه "شرح ألفية العراقي" للشيخ زكريا، وسمع عليه بعض "البخاري"، وبعض "سيرة ابن سيد الناس"، و"شرح عقيدة" شيخه اللقاني في العقائد، وأخذ أيضًا الحديث عن المحدث عبد السلام اللقاني، ولازم النور الشبراملسي في "شرح ألفية العراقي" للشيخ زكريا، وفي "المختصر" للسعد مع حاشيتيه للحفيد، وابن قاسم، وقرأ عليه بالروايات من طريق السبعة، وأجازه بمروياته.
وأخذ الفقه عن فقيه الحنفية بـ"مصر" حسن الشرنبلالي، قرأ عليه "الدرر" بحاشيته عليه، وكان معيد درسه، وعن الشهاب الشوبري، قرأ عليه من أول "الهداية" إلى باب العتق، فقرأ الشيخ حينئذ الفاتحة ثلاثا قائلا بعدها: اللهم اعتق رقابنا من النار، وكان ذلك آخر قراءته، ومكث أياما قليلة، ومات، وقرأ على الشيخ عبد الباقي حفيد شيخ الإسلام بن غانم "شرح الكنز
стр. 5780
المنظوم" لابن الفصيح، وأجازه جل شيوخه، ورجع إلى بلده، ولازم خال والده زيادة على عشر سنين، ولحظه بنظره، وأجازه بمروياته.
ثم نزل له عن إفتاء "الرملة"، وكتب إلى شيخ الإسلام يحيى المنقاري مفتي "الروم" يطلب منه الإجازة له بالفتوى، وأن يكون بدله فيها لأهليته لذلك، فأجابه إلى طلبته، وصار هو المفتي في زمان أستاذه المذكور، ولم يزل ملازمًا له إلى أن مات، فانفرد بعده بالرياسة، وصار هو العمدة في تلك الخطة، وأخذ عن الشيخ محمد بن سليمان المغربي نزيل "مكة" لما مر على "الرملة"، وأجازه بمروياته، ولما مر شيخنا الشيخ يحيى المغربي أيضًا على "الرملة" سمع منه الحديث المسلسل بالأولية، وقرأ عليه طرفا من "الكشاف" وغيره، وأجازه بمروياته، ومن إجازته له ولولده.
أجزت أخانا الفاضل العلم الذي … تسمى بمن في الناس في الحشر يشفع
ونجلا له والله ينجح قصده … أبا للهدى والشخص بالاسم يرفع
وقال بذا يحيى ونجل محمد … ومن مغرب الأوطان والله ينفع
وكانت وفاته عقب الحج، وهو راجع إلى بلده صحبة الركب المصري عاشر المحرم افتتاح سنة سبع وتسعين وألف بـ"الينبع"، ودفن بها.
* * *
٤٣٤٩ - الشيخ الفاضل العلامة محمد بن تاج الدين، العمري، الكجراتي *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد العلماء المتبحّرين والأئمة المحقّقين.
стр. 5781
كان من نسل الشيخ فريد الدين مسعود الأجودهني، لقّبه مظفّر شاه الحليم الكجراتي بتاج العلماء.
وكان كثير الدرس والإفادة.
أخذ عنه خلق كثير من العلماء.
مات في سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة بمدينة "أحمد آباد"، فدفن بها، ذكره محمد بن الحسن.
* * *
٤٣٥٠ - الشيخ الفاضل محمد بن بير على البركوي الرومي (تقي الدين) *
صوفي، واعظ، نحوي، فقيه، مفسر، محدث، فرضي مشارك في غير ذلك.
ولد بـ"باليكسر" سنة ٩٢٩ هـ، وتوفي سنة ٩٨١ هـ.
من تصانيفه الكثيرة: "الطريقة المحمدية".
في الوعظ، شرح لب الألباب في علم الإعراب للبيضاوي، دافعة المبتدعين وكاشفة بطلان الملحدين، انقاذ الهالكين في الفقه، والأربعون في الحديث.
* * *
стр. 5782
٤٣٥١ - أبو مجاهد فخر الدين محمد بن تغلق شاه، التركي، الدهلوي ، السلطان الجائر، المشهور بالعادل *
ولد، ونشأ بأرض "الهند"، وكان أبوه تركيا من مماليك صاحب "الهند"، فتنقَّل إلى أن ولي السلطنة، واتَّسعت مملكته جدا، وكان هذا الملك من عجائب الزمن وسوانح الدهر، لم ير مثله في الملوك والسلاطين في بذل الأموال الطائلة، وسفك الدماء المعصومة، وفتح الفتوحات الكثيرة، وتوسيع المملكة العظيمة.
وسنذكر من أخباره عجائب، لم يسمع بمثلها عمن تقدّمه، مما رأى الشيخ محمد بن بطوطة المغريى بعينه، وكان ساح بلاد "الهند"، ودخل "دهلي" في عهده، وولي القضاء.
قال ابن بطوطة في "كتاب الرحلة": إنما أذكر منها ما حضرته وشاهدته وعاينته، ولا سيّما جوده على الغرباء، فإنه يفضّلهم على أهل "الهند"، ويؤثّرهم، ويجزل لهم الإحسان، ويسبغ عليهم.
ومن إحسانه إليهم: أن سماهم الأعزّة، ومنع أن يدعوا الغرباء. وقال: إن الإنسان إذا دعي غريبا انكسر خاطره، وتغير حاله.
فمن ذلك: أنه قدم عليه ناصر الدين الترمذي الواعظ، وأقام تحت إحسانه مدّة عام، ثم أحبّ الرجوع إلى وطنه، فأذن له في ذلك، ولم يكن يسمع وعظه، فأمر أن يهيأ له منبر من الصندل الأبيض المقاصري، وجعلت مسامره وصفائحه من الذهب، وألصق بأعلاه حجر ياقوت عظيم، وخلع على ناصر الدين خلعة مرصّعة بالجوهر، ونصب له المنبر، فوعظ، وذكَّر، فلمّا نزل عن المنبر، قام السلطان إليه، وعانقه، وأركبه على فيل، وضربت له سراجة
стр. 5783
من الحرير الملون، وصيوانها من الحرير، وخباؤها أيضا كذلك فجلس الواعظ فيها، وكان بجانبها أواني الذهب، أعطاه السلطان إياها، وذلك تنور كبير بحيث يسمع في جوفه الرجل القاعد، وقدران وصحاف، كلّ ذلك من الذهب، وقد كان أعطاه عند قدومه مائة ألف دينار.
ومن ذلك: أنه وفد عليه غياث الدين محمد بن عبد القاهر بن يوسف بن عبد العزيز بن الخليفة المستنصر بالله العبّاسي، فلمَّا وصل إلى "بلاد السند" (١) بعث السلطان من يستقبله، ولما وصل إلى "سرستي": بعث لاستقباله القاضي كمال الدين الهانسوي، وجماعة من الفقهاء، ثم بعث الأمراء لاستقباله، فلمَّا وصل إلى خارج الحضرة خرج بنفسه، واستقبله، ولما دخل فى دار الملك أنزله بدار الخلافة، سيرى في القصر الذى بناه السلطان علاء الدين الخلجي، وأعدّ له فيه جميع ما يحتاج إليه من أواني الذهب والفضة، حتى من جملتها: مغتسل يغتسل فيه من ذهب، وبعث له أربعمائة ألف دينار لغسل رأسه على العادة، وبعث له جملة من الفتيان والخدم والجواري، وعين لنفقته كلّ يوم ثلاثمائة دينار، وبعث له زيادة إليها عددا من الموائد بالطعام الخاص، وأعطاء جميع مدينة "سيرى" أقطاعا، وجميع ما احتوتْ عليه من
стр. 5784
الدور، وما يتصل بها من بساتين المخزن، وأرضه، وأعطاه مائة قرية، وأعطاه حكم بلاد الشرقية المضافة لـ"دهلي"، وأعطاه ثلاثين بغلة بالسروج المذهبة، ويكون علفها من المخزن.
ومما يحكى من تواضع السلطان وإنصافه: أنه ادّعى عليه رجل من كبار الوثنيين أنه قتل أخاه من غير موجب، ودعاه إلى القاضي، فمضى على قدميه، ولا سلاح معه إلى مجلس القاضي، فسلّم، وخدم، وكان قد أمر القاضي قبل أنه إذا جاءه إلى مجلسه، فلا يقوم له، ولا يتحرّك، فصعد إلى المجلس، ووقف بين يدى القاضي، فحكم عليه أن يرضي خصمه من دم أخيه، فأرضاه.
ومن ذلك: أنه ادّعى صبي من أبناء الملوك عليه أنه ضربه من غير موجب، ورفعه إلى القاضي، فتوجَّه الحكم عليه بأن يرضيه بالمال إن قبل ذلك، وإلا أمكنه القصاص، فعاد لمجلسه، واستحضر الصبي، وأعطاه عصا، وقال: وحقّ رأسي أن تضربني، فأخذ الصبي العصا، وضربه بها إحدى وعشرين ضربة، وذلك مما شاهده ابن بطوطة، وإني رأيت الكلاه قد طارت عن رأسه.
ومما يحكى في اشتداده في إقامة الشرع ورفع المغارم والمظالم: أنه كان شديدا في إقامة الصلاة، آمرا بملازمتها في الجماعات، يعاقب على تركها أشدّ العقاب، ولقد قتل في يوم واحد تسعة رجال على تركها، كان أحدهم مغنّيا، وكان يبعث الرجال الموكّلين بذلك إلى الأسواق، فمن وجد بها عند إقامة الصلاة عوقب، حتى انتهى إلى عقاب الستائرين، الذين يمسكون دوابّ الخدام إذا ضيَّعوا الصلاة، وأمر أن يطالب الناس بعلم فرائض: الوضوء، والصلاة، وشروط الإسلام، فكانوا يسألون عن ذلك، فمن لم يحسنه عوقب، وصار الناس يتدارسون ذلك، ويكتبونه.
стр. 5785
ومما قيل في ذلك: إنه أمر أخاه أن يكون قعوده مع قاضي القضاة في قبَّة مرتفعة مفروشة بالبسط، فمن كان له حقّ على أحد من كبار الأمراء، وامتنع من أدائه لصاحبه، يحضره رجال أخيه عند القاضي لينصفه.
ومما فعل ذلك: أنه أمر برفع المكوس عن بلاده، وأن لا يؤخذ من الناس إلا الزكاة، والعشر خاصة، وصار يجلس بنفسه للنظر في المظالم في كل يوم اثنين وخميس، ولا يقوم بين يديه في ذلك اليوم إلا أمير حاجب، وخاص حاجب، وسيّد الحجّاب، وشرف الحجّاب، لا غير، ولا يمنع أحد ممن أراد الشكوى من المثول بين يديه، وعيَّن أربعة من الأمراء الكبار، يجلسون في الأبواب الأربعة لأخذ القصص من المشتكين، فإن أخذ الأول فحسن، وإلا أخذه الثاني، أو الثالث، أو الرابع، وإن لم يأخذوه مضى إلى قاضي المماليك، فإن أخذه منه، وإلا شكا إلى السلطان، فإن صحَّ عنده أنه مضى إلى أحد منهم، فلم يأخذه منه أدّبه، وكل ما يجتمع من القصص في سائر الأيام يطالعه بعد العشاء الآخرة.
وأما فتكات هذا السلطان، وما نقم من أفعاله، فلا تسأل عن ذلك، فإنه كان مع تواضعه، وإنصافه، ورفقه بالمساكين، وكرمه الخارق للعادة، كثير التجاسر على إراقة الدماء، لا يخلو بابه عن مقتول إلا في النادر.
كان يعاقب على الصغيرة والكبيرة، ولا يحترم أحدا من أهل العلم والصلاح والشرف، وفي كل يوم يرد عليه من المسلمين والمغلولين والمقيّدين مئون، فمن كان للقتل قتل، أو للعذاب عذّب، أو للضرب ضرب.
فمن ذلك: قتله لأخيه مسعود خان أمه كانت بنت السلطان علاء الدين الخلجي، وكان من أجل الناس، فاتّهمه بالقيام عليه، وسأله عن ذلك، فأقرّ خوفا من العذاب، فأنه من أنكر ما يدّعيه عليه يعذّب، فيرى الناس أن القتل أهون من العذاب، فضرب عنقه في وسط السوق، وبقي مطروحا
стр. 5786
هنالك ثلاثة أيام، وكانت أم هذا المقتول قد رجمت في ذلك الموضع قبل ذلك بسنتين لاعترافها بالزنا.
ومن ذلك: أنه عين فرقة من العسكر تتوجّه لقتال الكفّار ببعض الجبال المتصلة بحوز "دهلي"، فخرج معظم العسكر بقائده، وتخلّف قوم منهم، فكتب القائد إليه يعلمه بذلك، فأمر أن يطاف بالمدينة، ويقبض على من وجد من أولئك المتخلّفين، ففعل ذلك، وقبض على ثلاثمائة وخمسين منهم، فأمر بقتلهم جميعا، فقتلوا.
ومن ذلك: أنه أراد أن يستخدم الشيخ شهاب الدين الجامي، الذى كان من كبار المشايخ، فشافهه بذلك في مجلسه العام، فامتنع الشيخ من الخدمة، فغضب عليه، وأمر بنتف لحيته، ونفاه إلى "دولت آباد"، فأقام بها سبعة أعوام، ثم بعث إليه، وأكرمه، وأذن له بالإقامة في الحضرة، ثم بعث إليه بعد مدة من الزمان، فامتنع من إتيانه، وقال: لا أخدم ظالما، فقيّده بأربعة قيود، وغلّ يديه، وأقام كذاك أربعة عشر يوما، لا يأكل ولا يشرب، ثم أمر أن يطعم الشيخ خمسة أسيار من العذرة، فمدّوه على ظهره، وفتحوا فمه بالكلبتين، وحلّوا العذرة بالماء، وسقواه ذلك، ثم ضرب عنقه.
ومن ذلك: أنه أمر فقيهين من أهل "السند" أن يمضيا مع أمير عينه إلى بعض البلاد، وقال لهما: سلمت أحوال البلاد والرعية لكما، ويكون هذا الأمير معكما، يتصرّف بما تأمرانه به، فقالا له: إنما نكون كالشاهدين عليه، ونبين له وجه الحقّ ليتبعه، فقال لهما: إنما قصدتما أن تأكلا أموالي، وتضيعاها، وتنسبا ذلك إلى هذا التركي الذي لا معرفة له، فقال: حاشا لله ما قصدنا هذا، فقال: إذهبوا بهما إلى النهاوندي، وكان الموكّل بالعذاب، وقال لزبانيته: أذيقوهما بعض شئ، فألقيا على أقفائهما، وجعل على صدر كلّ واحد منهما صفيحة حديد محماة، ثم قلعت بعد هنيهة، فذهب بلحم
стр. 5787
صدورهما، ثم أخذ البول والرماد، فجعل على تلك الجراحات فأقرّا على أنفسهما أنهما لم يقصدا إلا ما قاله السلطان، واعترفا عند القاضي، فسجّل على العقد، وكتب فيه أن اعترافهما كان من غير إكراه وإجبار، فقتلا.
ومن أعظم ما نقم عليه: إجلاءه لأهل "دهلي" عنها، وسبب ذلك: أنهم كانوا يكتبون بطائق فيها شتمه وسبّه، ويكتبون عليها وحقّ رأس السلطان ما يقرؤها غيره، ويرمون بها في القصر ليلا، فإذا فضّها وجد فيها شتمه وسبّه، فعزم على تخريب "دهلي"، واشترى من أهلها جميعا دورهم ومنازلهم، ودفع لهم ثمنها، وأمرهم بالانتقال إلى "دولت آباد"، فأبوا ذلك، فنادى مناديه أن لا يبقى بها أحد بعد ثلاث، فانتقل معظمهم، واختفى بعضهم في الدور، فأمر بالبحث عمن بقي بها، فوجد عبيده بأزقّتها رجلين: أحدهما مقعد، والآخر أعمى، فأمر بالمقعد، فرمي بالمنجنيق، وأمر أن يجرّ الأعمى من "دهلي". إلى "دولت آباد" مسيرة أربعين يوما، فتمزّق في الطريق، وقضى نحبه، ولما فعل ذلك خرج أهلها جميعا، وتركوا أثقالهم وأمتعتهم، وبقيت المدينة خاوية على عروشها، ثم كتب إلى أهل البلاد أن ينتقلوا إلى "دهلي" ليعمروها، فخربت بلادهم، ولم تعمر "دهلي" لاتّساعها وضخامتها.
وذلك قليل من كثير من فتكاته، نقلتها من "كتاب الرحلة" للشيخ محمد بن بطوطة المغربي الرحَّالة، وهو قد دخل "الهند" في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، فأكرمه محمد شاه، وولاه القضاء بمدينة "دهلي".
ولابن بطوطة قصيدة في مدح السلطان، منها: قوله:
إليك أمير المؤمنين المبجّلا .... أتينا نجد السير نحوك في الفلا
فجئت محلا من علائك زائرا .... ومغناك كهف للزيارة آهلا
فلو أن فوق الشمس للمجد رتبة .... لكنت لأعلاها إماما مؤهّلا
فأنت الإمام الماجد الأوحد … الذي سجاياه حتما أن يقول ويفعلا
ولي حاجة من فيض جودك أرتجي .... قضاها وقصدي عند مجدك سهلا
стр. 5788
أأذكرها أم قد كفاني حياءكم … فإن حياكم ذكره كان أجملا
فعجل لمن وافى محلك زائرا … قضا دينه إن الغريم تعجّلا
قال القاضى محمد بن على الشوكاني في "البدر الطالع": أنه كان جوادا، متواضعا، عالما بفقه الحنفية، مشاركا في الحكمة، ومن محبته للعلماء أنه أهدى له شخص أعجمي "الشفاء" لابن سينا بخطّ ياقوت الحموي في مجلّد واحد، فأجازه بمال عظيم، يقال: إن قدره مائتا ألف مثقال أو أكثر، وورد كتابه على الناصر صاحب "مصر" في مقلمة ذهب، زنتها ألفا مثقال مرصّعة بجوهر قوم بثلاثة آلاف دينار، وجهَّز إليه مرة مركبا، قد ملئ من التفاصيل الهندية الفاخرة الفائقة وأربعة عشر حقا، قد ملئت من فصوص ألماس وغير ذلك، فاتفق أن رسله اختلفوا، فقتل بعضهم بعضا، فنمى ذلك إلى صاحب "اليمن"، فقتل الباقين بمن قتلوا، واستولى على الهدية، فبلغ الناصر، فغضب، وكاتب صاحب "اليمن" في معنى ذلك، وجرت أمور يطول شرحها، وكان مع سعة مملكته عنّينا كوي على صلبه، وهو حدث لعلّة حصلت له، ويقال: إن عساكره بلغت ستّمائة ألف، وإنه كان له ألف وسبعمائة فيل.
وفي خدمته من الأطبّاء والحكماء والعلماء والندماء عدد كثير، لم يجتمع لغيره، وكان يخطب له على منابر بلاده سلطان العالم، إسكندر الزمان، خليفة الله فى أرضه. انتهى.
وله أبيات رقيقة رائقة بالفارسية: منها ما أنشأه في مرض موته:
بسيار درين جهان جميديم ..... بسيار نعيم وناز ديديم
أسبان بلند تر نشستيم .... تركان كران بها خريديم
كرديم بسي نشاط آخر .... جون قامت ماه نو خميديم
مات في الاثنتين وخمسين وسبعمائة.
* * *
стр. 5789
باب من اسمه محمد بن جعفر
٤٣٥٢ - الشيخ الفاضل محمد بن جعفر بن إسحاق بن عمر بن حماد بن أبي حنيفة *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: حكى عنه النووي (١)، قال: كان أبو حنيفة طوالا، تعلوه سمرة، وكان لبّاسا، حسن الهيئة، كثير التعطر (٢)، يعرف بريح الطيب إذا أقبل، وإذا خرج من منزله.
وقد تقدّم جدّ والده عمر بن حماد في بابه (٣).
* * *
٤٣٥٣ - الشيخ الفاضل محمد بن جعفر بن طرخان الإستراباذي، أبو عبيد الله * *
стр. 5790
جدّ محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن طرخان المذكور فيما تقدّم.
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: ذكره أبو سعد الإدريسي في "تاريخه"، وقال: حدثنا عنه جماعة، وكان من فقهاء أهل الرأي، ثقة في الرواية.
حكي عنه أنه كان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، رحمه الله تعالى.
* * *
٤٣٥٤ - الشيخ الفاضل محمد بن جعفر بن طريف بن عامر ابن حنظلة البجلي ، أبو غالب، الكوفي *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: قال ابن ناصر (١): كان زيديا صالحا، لا بأس به، وسماعه صحيح.
قدم "بغداد" غير مرة، وحدّث بها.
وكان فقيها، حنفى المذهب.
стр. 5791
روى عنه أبو القاسم السمرقندي، وعبد الوهَّاب الأنماطي.
مات بـ"بغداد" في يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، ودفن بـ"مقبرة الشُّونِيزيَّة".
قال أبو سعد السمعاني: سألت عبد الوهّاب الأنماطي، عن أبي غالب، فقال: رجل فيه خير، وأثنى عليه.
ومولده سنة أربع عشرة أو خمس عشرة وأربعمائة (١)، رحمه الله تعالى.
* * *
٤٣٥٥ - الشيخ الفاضل محمد بن جعفر أبو حاتم، الزاهد، الواعظ، النيسابوري *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: من مشاهير أصحاب أبى حنيفة.
كان يعقد مجلس الوعظ برأس سكة حرب.
حدّث عن أبي أحمد ابن عدي وطبقته.
وتوفي قديما.
ذكره عبد الغافر (٢)، وقال: من مشايخ أصحاب أبى حنيفة، رحمهم الله تعالى.
* * *
стр. 5792
٤٣٥٦ - الشيخ الفاضل محمد بن جعفر الأماسي، الرومي *
بياني، صرفي.
من آثاره: "أنبوب البلاغة"، و"شرح المقصود" في التصريف فرغ منه سنة ١٠٥١ هـ.
كان حيا ١٠٥١ هـ.
* * *
٤٣٥٧ - الشيخ الفاضل محمد بن جمال الدين بن أحمد الملقّب حافظ الدين العجمي، القدسي ، القاضي، الأجلّ الفاضل الأديب * *
ذكره المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: كان من أفراد الزمان في الفضل، وكثرة الإحاطة باللغة والآداب.
قرأ ببلده، وحصل، وتفوّق، وسافر مرارًا إلى "الروم"، ولازم من شيخ الإسلام محمد بن سعد الدين، وولي القضاء في إقليم "مصر"، وتصرف بعدة مناصب إلى أن انفصل عن قضاء "المنصورة"، ثم صار مفتيًا بـ"القدس"، ومدرسًا بالمدرسة العثمانية بها، وقدم إليها، فلم يمتزج
стр. 5793
مع أهلها لطول غيبته عنهم، فترك المنصب، وورد إلى "الشام"، وأقام بها مدة في محلة القنوات، ثم بمحلة بني كريم الدين، وتزوج بابنة القاضي برهان الدين البهنسي المقدّم ذكره، وبعد مدة قليلة طلقها، وتنازع هو وأبوها، وطال بينهما النزاع، وكان عنده غلام جميل يدعى بخندان، لم ير نظيره في الخلق والخلق، وكان مملوكا مالكا، فوقع بينه وبينه منافرة، فهرب الغلام، وأعياه تطلبه، فتوجه إلى القاضي، وشكا إليه حاله، وكان له به علاقة قلبية، وأظهر ما كان يضمره من شغفه، فكثر عليه الاعتراض، وبعد أيام ظهر الغلام، وجاء إليه، فعطف عليه، وتغاضى عما أسلفه، ثم لم يقر له بـ"دمشق" قرار، فسافر إلى "الروم"، وأقام بها، ثم أعطي قضاء "طرابلس الشام"، وبعد ما عزل عنها ورد إلى "دمشق"، وأقام بها مدة، وكان ذلك في سنة أربع وأربعين وألف.
ثم سار إلى دار الخلافة، وولي القضاء بـ"بوسنه" و"صوفية"، وكان كثير الآثار، ورأيت له أشعارًا كثيرة، فمنها هذه القصيدة، مدح بها شيخ الإسلام يحيى ابن زكريا، ومطلعها:
كل له في طريق المجد أسباب … وكل حكم له أهل وأرباب
وأنت لي سبب ما فوقه سبب … إن عددت في طريق السعي أسباب
وأنت لي سند ما مثله سند … وأنت قطبي الذى والته أقطاب
لولاك ضاعت حقوق الناس قاطبة … وكان يغلب رب العلم حطاب
لولاك ما قفل البواب منهزما … كلا ولا فتحت للفضل أبواب
كسرت بالجبر أنياب النوائب إذ … أدمت فؤادي فلم ينبت لها ناب
لبيك لبيك يا لب اللباب ومن … منه استضاءت لحسن الرأى ألباب
سرادق الشعر في أبواب عزتها … لها على حيك المرفوع أطناب
جلبت من بحر فكري كل لؤلوة … ماكان من جلب المنظوم جلاب
هذا وكم جوهر لي فيك منتظم … في اللون والشكل للرائين غلاب
стр. 5794
كل غدا موجزا في شكر سيده … إن المحب له في الشكر إطناب
ما كل من كان فوق النجم مسكنه … كمن له تحت وجه الأرض سرداب
جزاك مولاك خيرًا عن فقيرك إذ … في عالم الغيب ردت عنه أحزاب
هابوك لما رأوا بالقلب ميلك لي … والعبد عبد وكم للعبد أحباب
ما ثم يرفع شان العلم غيرك يا رفيع … مجد له في المجد أنساب
أيدعي العلم من في الباب يعرفه … طفل وكهل وجمال وتراب
فى ذلك البيت كل الكتب تعرفني … وخدمتى فيه تحرير ومحراب
من قاس بالشمس في أوج العلى رجلا … فذاك من فقه نور العين مرتاب
لو لم يكن يوم حشر الناس مقتربا … ما عارض الحافظ القدسي بواب
لوكان يعلم علما كان أظهره … حتى يقال له علم وآداب
المدعى لا ببرهان تكذبه … شواهد الحس والكذب كذاب
من نازل الحرب لا ينفك في يده … لأجل طاعته قوس ونشاب
والقوس عبدكم علم يحرره … وقوس ذي الجهد والنشاب وأخشاب
ما كل من نقل الأقوال يعرفها … كم معرب ماله في البحث إعراب
ما كل عين لها نور تنير ولا … كل الجفون لها كحل أهداب
الفضل كالشمس لا يخفى وصاحبه … كالبدر ليس له ستر وجلباب
إلى متى الدهر يبدى من متاعبه … ما آن أن ينقضي للدهر أتعاب
أما درى أن مولانا وسيدنا … لي فى مدائحه العلياء إسهاب
أنا الذي نلت آمالي بدولته … كم توالت على داعيه آراب
كل له سيدى عمر يؤب له … والعبد ما عاش للأبواب أواب
قد تبت عن غير باب الجواد أقصده … والحق من بعد كسب الذنب تواب
وله غير ذلك، وفِى هذا القدر من شعره غنى، وكانت وفاته في سنة خمس وخمسين وألف.
стр. 5795
٤٣٥٨ - الشيخ الفاضل محمد بن جمعة المقار، القادري الشاذلي، الأشعري، الدمشقي *
فاضل من آثاره: "الباشات والقضاة بدمشق زمن السلطان سليم خان".
* * *
باب من اسمه محمد بن الحارث
٤٣٥٩ - الشيخ الفاضل محمد بن الحارث بن شدّاد أبو بكر بن أبي الليث قاضي "مصر " * *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: ذكره ابن يونس في "الغرباء"، وقال الكندي: ولي القضاء بها من قبل أبي إسحاق المعتصم سنة ستّ وعشرين ومائتين، فجلس في المسجد الجامع.
стр. 5796
وكان فقيها بمذهب الكوفيين، وقصته معروفة، ومحنته وحبسه بـ"مصر".
ثم أخرج إلى "العراق" سنة إحدى وأربعين ومائتين.
قال على بن عمر بن خالد: لما (١) استخلف الواثق وردكتابه على محمد بن أبي الليث القاضي بامتحان الناس، وأمر بالكتابة على أبواب المساجد لا إله إلا الله ربّ القرآن، وخالقه، فامتحن الناس، وملئت السجون من الناس.
ثم بعد ذلك سجن القاضي، ثم قدم يزيد التركي باستخلاص الأموال، فأخرج القاضي من السجن، وأمره بالحكومة على بني عبد الحكم، فحكم عليهم، ثم حبس ابن أبي الليث وأولاده وأعوانه، وأخذ أموالهم، وذلك في سنة خمس وثلاثين ومائتين.
[ثم ورد كتاب المتوكّل بلعنه على المنبر، فلعنه على المنبر] (٢).
ثم ورد كتاب من المتوكل، يتضمّن حلق رأس القاضي ولحيته، وأن يضرب بالسياط، ويحمل على حمار، ففعل (٣) ذلك في شهور سنة سبع وثلاثين ومائتين، وأقام محبوسا إلى ذي العقدة سنة [إحدى و] (٤) أربعين ومائتين (٥)، رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة.
* * *
стр. 5797
٤٣٦٠ - الشيخ الفاضل محمد بن حافظ الدين بن محمد، المعروف بالسروري، المقدسي ، البصير من أولاد غانم الفاضل النبيه *
ذكره المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: كان محققًا بارعًا، حديد الذهن، قوى الإدراك، مشاركا في عدة فنون، وكان لطيف الطبع، حلو المكالمة، لا يمل الخاطر من تحفه ونوادره.
ولد ببيت المقدس، ونشأ في حجر والده، وأخذ عنه العلوم، وكذلك أخذ ببلده عن الشيخ منصور السطوحى المحلي المقرى حين إقامته بها، ورحل إلى "مصر" مرتين، وأخذ عن علمائها، منهم: الشيخ حسن الشرنبلالي، وأجازه بالإفتاء والتدريس، ومن مشايخه الشهاب أحمد، وأخوه الشمس محمد السوبريات، والنور الشبراملسى، والشيخ يس الحمصي.
وبرع، وتوجّه إلى "الروم" مرتين، فلقي من أعيان علمائها قبولا، وكان المفتي الأعظم يحيى بن عمر المنقاري يعظمه، ويجله.
وحكي أنه كان وهو بـ"الروم" تأتى إليه الجن وقت الاضطجاع، تأخذ عنه العلم، فأقلقوه، فذكر أمره للمولى أبي السعود الشعراني، فأمره أن يطلب منهم شيئًا من أمر الدنيا، فلما فعل ذلك انكفوا عنه، ولم يعودوا إليه، وولي بـ"القدس" مدرستين، وهما التنكزية والمأمونية، ورجع من المرة الثانية في سنة إحدى وثمانين وألف، ودخل "دمشق"، وأخذ عنه جماعة من أهلها، ثم رحل إلى "القدس"، وانقطع للتدريس، فدرس "الكنز" مرتين، و"الهداية" من أولها إلى البيوع، و"الدرر" بطرفيها، وقرأ متن "التلخيص"، وكان يقرأ في الحرم بين العشاءين "المغني"، ولم يتمه، وأقرأ متن "المنار"،
стр. 5798
وكتاب ابن الصلاح في المصطلح، و"مختصره" للنووي، وشرع في إقراء "البخاري"، فعاجلته المنية، وكان يحفظ كثيرًا من الأشعار والشواهد والأمثال، خصوصًا "ديوان المتنبي"، ويعرف ما أوخذ به المتنبي، ويجيب عن كثير.
وكان شيخ الإسلام خير الدين الرملي يعرف حقه، ويصفه بالفضل التام، ويقول ما في بيت المقدس أفضل منه، ودكر صاحبنا الفاضل إبراهيم الجينيني أنه قرأ عليه في أوائل "الهداية" مع ولد الشيخ خير الدين الشيخ محي الدين، وكان ييحث معه كثيرًا في الأبحاث الدقيقة من الفقه وغيره، وابتدأه المرض في رجب سنة تسع وثمانين وألف، فبقى مريضًا إلى ليلة الجمعة، رابع عشر شوال من السنة المذكورة، فمات إلى رحمة الله تعالى.
* * *
٤٣٦١ - الشيخ الفاضل محمد بن حامد بن إسماعيل أبو عبد الله البَيّع الفقيه *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: ذكره ابن النجّار، قال: سمع الكثير من شيوخنا، كأبي الفرج بن كليب، وذاكر بن كامل، وكتب بخطّه، وحصّل الأصول.
وكان رفيقنا، وكان يتفقّه على مذهب أبي حنيفة.
وتوفي سنة ثلاث وعشرين وستمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 5799
٤٣٦٢ - الشيخ الفاضل محمد بن حامد بن الجرّاح المقدسي ، أبو عبد الله الصغاني، عرف بالمخلِّص *
من أهل "بلخ". ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: ولد سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
وقدم "بغداد" حاجا سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
ومات سنة خمس وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٤٣٦٣ - الشيخ الفاضل محمد بن حامد بن علي أبو بكر البخاري * *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: سمع من الهيثم بن كليب الشاشي (١).
стр. 5800
قال الحاكم في "تاريخ نيسابور": [إمام أصحاب أبي حنيفة ببلدة (١) "بخارى"، وأعلمهم في النظر (٢) والجدل وأزهدهم في الدنيا، وألزمهم (٣) بشمائل (٤) أئمتهم في العزلة والورع وتجنّب (٥) السلطان.
قدم "نيسابور"] (٦) حاجا سنة ستين وثلاثمائة.
ومات سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة بـ"بخارى"، وأغلقت الحوانيت له (٧) ثلاثة أيام.
* * *
٤٣٦٤ - الشيخ الفاضل محمد بن حامد بن محمود بن معقل القطّان النيسابوري الشاماتي والد أحمد تقدّم (٨)، ووالده حامد تقدم (٩) من أقران أبي بكر محمد بن الفضل *
стр. 5801
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: كان يقول: إذا اقتدى الأميّ بالقارئ، فسمع منه آية في الصلاة فتعلم (١)، تفسد صلاته.
قال الحاكم: توفي سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
باب من اسمه محمد بن حسام الدين
٤٣٦٥ - الشيخ الفاضل محمد بن حسام الدين الخراساني، القهستاني ، (شمس الدين) *
فقيه، أفتى بـ"بخارى".
стр. 5802
من تصانيفه: "جامع الرموز" في شرح النقاية، و"جامع المباني في شرح فقه الكيداني"، و"شرح مقدمة الصلاة"، كلها في فروع الفقه الحنفي.
توفي سنة ٩٦٢ هـ.
* * *
٤٣٦٦ - الشيخ الفاضل محمد بن حسام الدين الرومي ، (حسام زاده) *
فقيه، مفسر.
توفي معزولا عن قضاء "مكة" سنة ١٠٨٠ هـ.
من آثاره: "تفسير القرآن" إلى سورة المائدة.
* * *
٤٣٦٧ - الشيخ الفاضل محمد بن حسام الدين الشهير بقره جلبي (محي الدين) * *
فقيه. من آثاره: "سفينة الدرر" في فروع الفقه الحنفي.
توفي سنة ٩٦٥ هـ.
* * *
стр. 5803
٤٣٦٨ - الشيخ الفاضل المولى محي الدّين مُحَمَّد بن حسام الدّين *
ذكره صاحب "الشقائق" في كتابه، وقال: كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى أبوه حسام الدّين من أبناء "الرّوم"، وَكَانَ من موَالِي الْوَزير.
مُحَمَّد باشا من أَبنَاء "الرّوم" أيضا، قتل السُّلْطَان محمد خان ذَلِك الْوَزير لأمر اقْتضى قَتله، وقرأ الْمولى حسام الدين على عُلَماء عصره، حَتَّى صار قَاضِيا بعدة من الْبِلَاد، وَخلف وَلَده محي الدّين الْمذْكُور، وَقَرَأَ على عُلَمَاء عصره، مِنْهُم: الْمولى الْوَالِد، وَالْمولى حسام الدّين، وَالْمولى ابْن كَمَال باشا.
ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة عِيسَى بك بِمَدِينَة "بروسه"، ثمَّ صَار مدرسا بِالْمَدْرَسَةِ الواحدية، ثمَّ صَار مدرسا ببلدة "تيره"، ثمَّ صَار مدرسا بحسينية "أماسيه"، ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة جورلي، ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة مناستر بِمَدِينَة "بروسه".
ثمَّ صَار مدرسا بسلطانية "مغنيسا"، ثمَّ صَار مدرسا بإحدى الْمدَارِس الثمان، ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة السُّلْطَان بايزيدخان بـ"أدرنه"، ثمَّ صَار قَاضِيا بِـ"دِمَشْق الشَّام"، ثمَّ صَار قَاضِيا بـ"بروسه"، ثمَّ عزل عَن ذَلِك، وَصَارَ مدرسا بمدرسة مرادخان فِيهَا، وَعين لَهُ كل يَوْم ثَمَانُون درهما، ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة أيا صوفية.
ثمَّ صَار مدرسا ثَانِيًا بإحدى الْمدَارِس الثمان، ثمَّ أعيد إلى قَضَاء "بروسه"، ثمَّ صَار قاضِيا بـ"أدرنه"، ثمَّ صَار قَاضِيا بـ"قسطنطينية".
стр. 5804
وَتُوفِّي وَهُوَ قَاض بها في سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة، كَانَ ﵀ عَالما، فَاضلا، وَكَانَ لَهُ اطلَاع على علم الْكَلَام، ومهارة في علم الْفِقْه، وَكَانَت لَهُ ممارسة فِي النّظم، واطلاع على علم التواريخ والمحاضرات. روّح الله تَعَالَى روحه، وَنوّر ضريحه.
* * *
باب من اسمه محمد بن الحسن
٤٣٦٩ - الشيخ الفاضل محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن قاضى القضاة جلال الدين ولد قاضي القضاة حسام الدين ، تقدّم (١) *
стр. 5805
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال تولّى قاضي (١) القضاة بـ"دمشق"، وأفتى، ودرّس.
ومات بـ"دمشق" سنة خمس وأربعين وسبعمائة ضريرا معزولا.
* * *
٤٣٧٠ - الشيخ الفاضل محمد بن الحسن بن أحمد بن على بن محمد الدامغاني أبو الفضل بن أبي محمد ابن أبي الحسين ابن قاضي القضاة أبى الحسن ابن قاضى القضاة أبى عبد الله *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: قال ابن النجّار: من أهل بيت القضاء، والتقدّم، والفضل، والعلم.
شهد عند قاضي القضاة أبي الحسن علي بن أحمد في ثاني عشر شوّال سنة خمس وسبعين وخمسمائة، فقبل شهادته.
وتولى النظر في ترب الخلفاء بالرصافة.
وتوفي شابا في شوال سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.
ودفن عند أبيه، رحمهما الله تعالى.
* * *
стр. 5806
٤٣٧١ - الشيخ الفاضل محمد بن حسن بن أحمد الكواكبي الحلبي *
فقيه، أصولي.
ولد بـ"حلب" سنة ١٠١٨، وأفتى بها، وتوفي بها في ٣ ذى القعدة سنة ١٠٩٦ هـ.
من تصانيفه: "حاشية على تفسير البيضاوي"، و"حاشية على شرح المواقف" للسيد، و"الفوائد السمية في شرح الفرائد السنية"، كلاهما له في فروع الفقه الحنفى، و"نظم المنار في الأصول" و"شرحه"، و"تفصيل القواعد في شرح المنظومة النسفية"، وله نظم ونثر.
* * *
٤٣٧٢ - الشيخ الفاضل محمد بن الحسن بن أحمد أبو المظفر النجاكثي ، المعروف بفقيه "العراق" من أهل "نجاكث" * *
стр. 5807
بينها وبين "بناكت" (١) فرسخان، من أعمال "الشاش".
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: سكن "بلخ" فقيه سديد (٢) السيرة.
سمع من القاضى أبي على الحسين بن على المحمودي.
قال السمعاني: [كتبت عنه وتوفي] (٣) سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، هكذا ذكره في "مشيخته".
* * *
٤٣٧٣ - الشيخ الفاضل محمد بن الحسن بن الحسين بن كردي، أبو السعادات *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: شهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني في يوم الخميس (٤) من رجب سنة
стр. 5808
اثنتين وسبعين وأربعمائة، فقبل شهادته، وهو أول شاهد شهد في الأيام المقتدية. (١)
ثم ولى القضاء بـ"بَعْقُوبَا (٢) "، وكان قد قرأ الفقه على أبي عبد الله الدامغاني، وسمع الحديث من أبي محمد عبد الله بن محمد بن عمر الصريفيني (٣). وحدّث باليسير.
روى عنه أبو المعمَّر المبارك بن أحمد الأنصاري وغيره.
وكان عفيفا، نزها، كثير الصدقة، دائم المعروف، مشهودا له بالخير.
ذكر أنه كان إذا استعدت امرأة أو ضعيف على خصم أحضره، وأعطى المحضر الأجرة من عنده وما كتب كاتب على بابه كتابا بأجرة.
قال ابن النجّار: أنبأنا أبو الحسن الحاكم عن أبي عبد الله الحسين بن محمد، ونقلته من خطّه، قال: مات القاضي أبو السعادات بن كردي في [يوم السبت] (٤) مستهلّ رمضان سنة ثمان عشرة وخمسمائة.
وكان عفيفا ثقة، وذكر أبو بكر بن كامل أنه دفن بـ"باب حرب"، ويقال: إنه بلغ ثمانين سنة، رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 5809
٤٣٧٤ - الشيخ الفاضل محمد بن الحسن بن الحسين بن محمد ابن إسحاق ابن منصور بن عبد الملك بن منصور بن نوح بن منصور أبو الحسن المنصوري من أهل "سمرقند" *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: وكان متولّي الخطابة بها.
قرأ القرآن على أبي الحسن علي بن محمد بن أحمد السمرقندي، وغيره. وتفقّه على مذهب أبي حنيفة رضى الله عنه على أبي على الحسن بن عطاء السعدي (١)، وعلى أبي حفص عمر بن محمد بن إسماعيل السَّفسقِي (٢)، وتقدّما (٣).
стр. 5810
وسمع الحديث من القاضي أبي المحامد محمود بن مسعود السُّغْدي (١)، وأبي الحسن على (٢) الخرّاط في خلق.
قدم "بغداد"، طالبا للحج، وله ثمان وتسعون سنة فى شوّال سنة ست وسبعين وخمسمائة. وأملى بها الحديث، روى عنه من أهلها أبو الحسن القطيعي في آخرين.
قال ابن النجّار: قرأت بخطّ الوزير أبي الفضل السمرقندى المنصورى أنه ولد بـ"بسمرقند" صبيحة الجمعة الثالث عشر من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، رزقنا الله ما رزقه بجاه محمد ﷺ وآله، وقضى له الحج، وهو ابن ثمان وتسعين سنة.
ومات سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٤٣٧٥ - الشيخ العالم الكبير محمد بن الحسن بن الطاهر، العباسي، الجونبوري، من كبار المشايخ *
ذكره العلامة عبد الحي الحسنى فى "نزهة الخواطر"، وقال: ولد، ونشأ بـ"جونبور"، واشتغل بالعلم على من بها من العلماء، ثم سافر إلى "دهلي".
стр. 5811
وأخذ عن الشيخ إبراهيم بن المعين الحسيني الإيرجي، ولازمه مدّة.
ثم سافر إلى الحرمين الشريفين، فحجّ وزار.
وأخذ الطريقة الجيلية عن أحد مشايخ "اليمن"، وسكن بـ"طابة الطيّبة"، ولما وفد عليه الشيخ عبد الوهّاب الحسيني البخاري حرضه على رجوعه إلى "الهند"، فجاء معه، وسكن بـ"دهلي".
وكان شيخا جليلا، كبير الشأن، رفيع القدر، شديد التعبّد والتألّه، كثير الدرس والإفادة.
أخذ عنه الشيخ عبد الرزاق الجهنجهانوي، والشيخ عبد الملك بن عبد الغفور الباني بتي، وخلق كثير من العلماء والمشايخ، له "ديوان شعر".
توفي لثلاث بقين من رجب سنة أربع وتسعمائة.
* * *
٤٣٧٦ - الشيخ الفاضل محمد بن حسن بن عبد العال الديري ثم القاهري *
فقيه.
أفتى بـ"القاهرة".
من آثاره: "الاتضاع في حسن العشرة والطباع".
مات سنة ٩١٤ هـ.
* * *
стр. 5812
٤٣٧٧ - نادرة الزمان، نابغة العصر، بحر العلوم، حافظ الحديث، فقيه العالم، ذكي من الأذكياء، الإمام المجتهد، أبو عبد الله، محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني *
стр. 5813
أصله من "الشام"، وقدم أبوه إلى "العراق"، فولد بـ"واسط"، ونشأ بـ"الكوفة".
قلت: قد ألفتُ قبل سنين رسالة وجيزة حول حياته المباركة ومآثره الخالده، وأذكرها في هذا الموضع بحروفها، ونصها فيما يتلو:
هو (محمد بن الحسن الشيباني) ابن خالة الفراء النحوي اللغوى. وأصله من قرية على باب "دمشق" في وسط "الغوطة"، اسمها "حرستى". وفي "المعجم": هى قرية كبيرة عامرة في وسط بساتين "دمشق"، على طريق "حمص"، بينها وبين "دمشق" أكثر من فرسخ، قدم أبوه من "الشام" إلى "العراق"، وأقام بـ"واسط"، فولد له بها محمد، ونشأ هو بـ"الكوفة" (١).
وقال في "التعليق الممجد على موطأ محمد": أما محمد فهو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني نسبة ولاء إلى شيبان، بفتح الشين قبيلة معروفة، الكوفي، صاحب الإمام أبي حنيفة. أصله من "دمشق" من أهل قرية، يقال لها "حرستى".
وفي "وفيات الأعيان" لابن خلكان "حرستى" بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء المهملة، وفتح السين المهملة، فبفتح التاء المثناة من فوقها، وبعدها ألف مقصورة، قرية على باب "دمشق" في وسط "الغوطة". قدم أبوه "العراق"، فولد له محمد بواسط، ونشأ بـ"الكوفة". وطلب الحديث، وحضر مجلس أبي حنيفة (٢).
قلت: إنه شيباني نسبا، لا ولاء. هكذا ذكره الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمى البغدادي الشافعي رحمه الله تعالى في "كتاب
стр. 5814
التحصيل" في أصول الفقه، وأقرّه الإمام السيوطي في "جزيل المواهب في اختلاف المذاهب". وأكثر العلماء على أنه شيباني ولاء لا نسبا، والله أعلم (١).
كنيته: أبو عبد الله. ذكرها غير واحد من الذين عرفوا للإمام محمد رحمه الله تعالى، وأقدم كتاب رأيتها فيه "كتاب الحجج على أهل المدينة" للإمام محمد بن الحسن نفسه. فقد جاءت فيه ص ٣١١ من باب الحرة والأمة، وجاء في "فتح القدير على الهداية" للكمال ابن الهمام فى كتاب الشهادات ٦: ١٧ التصريح بأن للإمام محمد ابنا، وأنه من المشتغلين بالفقه. وكذلك جاء في "كشف الظنون" لحاجي خليفة عند الكلام على "كتاب الزيادات" ذكر ابن للإمام محمد، وإنه كتب عن أبي يوسف بعض أماليه. فلعل هذا الابن كان يسمى عبد الله، فكني به أبوه الإمام محمد بن الحسن رضي الله تعالى عنه. ولكنى لم أر نصا في ذلك، فالله أعلم بالصواب.
مولده وسنة ولادته:
وقال محمد بن سعد كاتب الواقدى: كان أصل محمد من "الجزيرة"، وكان أبوه من جند "الشام"، فقدم "واسطا"، فولد بها محمد سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ونشأ بـ"الكوفة"، وطلب الحديث (٢).
وقال الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى في مقدمته على "الهداية": مولده سنة خمس وثلاثين. وقيل: إحدى وثلاثين. وقيل: اثنتين وثلاثين ومائة.
قلت: الصحيح في ميلاده سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وعليه أطبقت كلمات من أرخه من المتقدمين (٣).
стр. 5815
كان من أحسن الناس:
كان محمد بن الحسن رحمه الله تعالى جميل الخلق، والخلق للغاية، سمينا، خفيف الروح، ممتلئا صحة وقوة.
قال وكيع: كنا نكره أن نمشي معه في طلب الحديث، لأنه كان غلاما جميلا.
وعن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: لقيته أول ما لقيته، وهو قاعد في الحجرة، وقد اجتمع عليه الناس، فنظرت إلى وجهه، وكان من أحسن الناس وجها، فإذا جبينه كأنه عاج، ثم نظرت إلى لباسه، وكان من أحسن الناس لباسا، وسألته عن مسئلة فيها خلاف، وإني أطمع أن يلحقه ضعف، أو يلحن في كلامه، فمر كالسهم، فقوى مذهبه، ولم يلحن في كلامه (١).
وذكر شمس الأئمة المكي عن الربيع عن الإمام الشافعى رحمه الله تعالى أنه قال: ما رأت عيناي مثل محمد بن الحسن، ولم تلد النساء في زمانه مثله (٢).
وذكر السمعاني أن أباه قدم به إلى الإمام، فقال الإمام لوالده احلق رأسه، وألبسه الخلقان، ففعل أبوه امتثالا، فزاد عند الحلق حسنا وجمالا. وفيه يقول أبو نواس:
حلقوا رأسه ليكسوه قبحا … غيرة منهم عليه وشحا
كان فى وجهه صباح وليل … نزعوا ليله وابقوه صبحا
مبدأ أمره واتصاله بأبى حنيفة:
ولما بلغت سنّ محمد بن الحسن الشيباني أربع عشرة سنة حضر مجلس أبي حنيفة، ليسأله عن مسئلة نزلت به، فسأله قائلا: ما تقول فى غلام احتلم