وأخذ عن الشيخ إبراهيم بن المعين الحسيني الإيرجي، ولازمه مدّة.
ثم سافر إلى الحرمين الشريفين، فحجّ وزار.
وأخذ الطريقة الجيلية عن أحد مشايخ "اليمن"، وسكن بـ"طابة الطيّبة"، ولما وفد عليه الشيخ عبد الوهّاب الحسيني البخاري حرضه على رجوعه إلى "الهند"، فجاء معه، وسكن بـ"دهلي".
وكان شيخا جليلا، كبير الشأن، رفيع القدر، شديد التعبّد والتألّه، كثير الدرس والإفادة.
أخذ عنه الشيخ عبد الرزاق الجهنجهانوي، والشيخ عبد الملك بن عبد الغفور الباني بتي، وخلق كثير من العلماء والمشايخ، له "ديوان شعر".
توفي لثلاث بقين من رجب سنة أربع وتسعمائة.
* * *
٤٣٧٦ - الشيخ الفاضل محمد بن حسن بن عبد العال الديري ثم القاهري *
فقيه.
أفتى بـ"القاهرة".
من آثاره: "الاتضاع في حسن العشرة والطباع".
مات سنة ٩١٤ هـ.
* * *
стр. 5812
٤٣٧٧ - نادرة الزمان، نابغة العصر، بحر العلوم، حافظ الحديث، فقيه العالم، ذكي من الأذكياء، الإمام المجتهد، أبو عبد الله، محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني *
стр. 5813
أصله من "الشام"، وقدم أبوه إلى "العراق"، فولد بـ"واسط"، ونشأ بـ"الكوفة".
قلت: قد ألفتُ قبل سنين رسالة وجيزة حول حياته المباركة ومآثره الخالده، وأذكرها في هذا الموضع بحروفها، ونصها فيما يتلو:
هو (محمد بن الحسن الشيباني) ابن خالة الفراء النحوي اللغوى. وأصله من قرية على باب "دمشق" في وسط "الغوطة"، اسمها "حرستى". وفي "المعجم": هى قرية كبيرة عامرة في وسط بساتين "دمشق"، على طريق "حمص"، بينها وبين "دمشق" أكثر من فرسخ، قدم أبوه من "الشام" إلى "العراق"، وأقام بـ"واسط"، فولد له بها محمد، ونشأ هو بـ"الكوفة" (١).
وقال في "التعليق الممجد على موطأ محمد": أما محمد فهو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني نسبة ولاء إلى شيبان، بفتح الشين قبيلة معروفة، الكوفي، صاحب الإمام أبي حنيفة. أصله من "دمشق" من أهل قرية، يقال لها "حرستى".
وفي "وفيات الأعيان" لابن خلكان "حرستى" بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء المهملة، وفتح السين المهملة، فبفتح التاء المثناة من فوقها، وبعدها ألف مقصورة، قرية على باب "دمشق" في وسط "الغوطة". قدم أبوه "العراق"، فولد له محمد بواسط، ونشأ بـ"الكوفة". وطلب الحديث، وحضر مجلس أبي حنيفة (٢).
قلت: إنه شيباني نسبا، لا ولاء. هكذا ذكره الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمى البغدادي الشافعي رحمه الله تعالى في "كتاب
стр. 5814
التحصيل" في أصول الفقه، وأقرّه الإمام السيوطي في "جزيل المواهب في اختلاف المذاهب". وأكثر العلماء على أنه شيباني ولاء لا نسبا، والله أعلم (١).
كنيته: أبو عبد الله. ذكرها غير واحد من الذين عرفوا للإمام محمد رحمه الله تعالى، وأقدم كتاب رأيتها فيه "كتاب الحجج على أهل المدينة" للإمام محمد بن الحسن نفسه. فقد جاءت فيه ص ٣١١ من باب الحرة والأمة، وجاء في "فتح القدير على الهداية" للكمال ابن الهمام فى كتاب الشهادات ٦: ١٧ التصريح بأن للإمام محمد ابنا، وأنه من المشتغلين بالفقه. وكذلك جاء في "كشف الظنون" لحاجي خليفة عند الكلام على "كتاب الزيادات" ذكر ابن للإمام محمد، وإنه كتب عن أبي يوسف بعض أماليه. فلعل هذا الابن كان يسمى عبد الله، فكني به أبوه الإمام محمد بن الحسن رضي الله تعالى عنه. ولكنى لم أر نصا في ذلك، فالله أعلم بالصواب.
مولده وسنة ولادته:
وقال محمد بن سعد كاتب الواقدى: كان أصل محمد من "الجزيرة"، وكان أبوه من جند "الشام"، فقدم "واسطا"، فولد بها محمد سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ونشأ بـ"الكوفة"، وطلب الحديث (٢).
وقال الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى في مقدمته على "الهداية": مولده سنة خمس وثلاثين. وقيل: إحدى وثلاثين. وقيل: اثنتين وثلاثين ومائة.
قلت: الصحيح في ميلاده سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وعليه أطبقت كلمات من أرخه من المتقدمين (٣).
стр. 5815
كان من أحسن الناس:
كان محمد بن الحسن رحمه الله تعالى جميل الخلق، والخلق للغاية، سمينا، خفيف الروح، ممتلئا صحة وقوة.
قال وكيع: كنا نكره أن نمشي معه في طلب الحديث، لأنه كان غلاما جميلا.
وعن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: لقيته أول ما لقيته، وهو قاعد في الحجرة، وقد اجتمع عليه الناس، فنظرت إلى وجهه، وكان من أحسن الناس وجها، فإذا جبينه كأنه عاج، ثم نظرت إلى لباسه، وكان من أحسن الناس لباسا، وسألته عن مسئلة فيها خلاف، وإني أطمع أن يلحقه ضعف، أو يلحن في كلامه، فمر كالسهم، فقوى مذهبه، ولم يلحن في كلامه (١).
وذكر شمس الأئمة المكي عن الربيع عن الإمام الشافعى رحمه الله تعالى أنه قال: ما رأت عيناي مثل محمد بن الحسن، ولم تلد النساء في زمانه مثله (٢).
وذكر السمعاني أن أباه قدم به إلى الإمام، فقال الإمام لوالده احلق رأسه، وألبسه الخلقان، ففعل أبوه امتثالا، فزاد عند الحلق حسنا وجمالا. وفيه يقول أبو نواس:
حلقوا رأسه ليكسوه قبحا … غيرة منهم عليه وشحا
كان فى وجهه صباح وليل … نزعوا ليله وابقوه صبحا
مبدأ أمره واتصاله بأبى حنيفة:
ولما بلغت سنّ محمد بن الحسن الشيباني أربع عشرة سنة حضر مجلس أبي حنيفة، ليسأله عن مسئلة نزلت به، فسأله قائلا: ما تقول فى غلام احتلم
стр. 5816
بالليل بعد ما صلى العشاء: أيعيد الصلاة؟ قال: نعم. فقام، وأخذ نعله، وأعاد العشاء فى زاوية المسجد، وهو أول ما تعلم من أبي حنيفة. فلما رآه يعيد الصلاة، أعجبه ذلك.
وقال: إن هذا الصبى يفلح إن شاء الله تعالى، وكان كما قال، ثم ألقى الله سبحانه فى قلبه حبّ التفقّه في دين الله بعد أن رأى جلال مجلس الفقه، فعاد إلى المجلس يريد التفقه. فقال له أبو حنيفة: استظهر القرآن أولا، لأن المتفقه على طريقة أبي حنيفة في حاجة شديدة إلى ذلك، لأنه ما دام الاحتجاج بالقرآن ميسورا، لا يعدل عنه إلى حجة سواه، وله المنزلة الأولى في الحجّة عنده، حتى إن عموماته قطيعة، فيما لم يلحقه تخصيص. فغاب سبعة أيام، ثم جاء مع والده، وقال حفظته. وسأل أبا حنيفة عن مسئلة، فقال له أبو حنيفة: أخذت هذه المسئلة من غيرك، أم أنشأتها من نفسك؟ فقال: من عندى. فقال أبو حنيفة: سألت سوال الرجال، أدم الاختلاف إلينا وإلى الحلقة.
ومن ذلك الحين أقبل محمد بن الحسن إلى العلم بكليته، يلازم حلقة أبي حنيفة، ويكتب أجوبة المسائل في مجلسه، ويدوّنها بعد أن لازمه أربع سنين، على هذا الوجه مات أبو حنيفة ﵁. ثم أتم الفقه على طريقة أبي حنيفة عند أبي يوسف. هذا ما يتعلق بفقه أبي حنيفة.
إمامته في اللغة وبراعته فيها:
وفي "الأنساب" للسمعاني: وروي عن أحمد بن حنبل، قال: إذا كان في المسئلة قول ثلاثة لم تسع مخالفتهم، فقلت: من هم؟ قال: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، فأبو حنيفة أبصر الناس بالقياس، وأبو يوسف أبصر الناس بالآثار، ومحمد أبصر الناس بالعربية.
وقال القاضى أبو القاسم بن أبى العوام: سمعت أحمد بن محمد بن سلمة، وهو الطحاوي، يقول: سمعت محمد بن شاذان، يقول سمعت
стр. 5817
الأخفش النحوي، يقول: ما وضع شيء بشيء قط، فوافق ذلك الشئ، إلا كتاب محمد بن الحسن، فإنه وافق كلام الناس. انتهى. يريد أنه موافق للعربية تمام الموافقة.
وقد قال الإمام المجتهد أبو بكر الرازي في شرحه على "الجامع الصغير" للإمام محمد: كنت أقرأ بعض مسائل من "الجامع الكبير" -تصنيف الإمام محمد- على بعض المبرزين فى النحو، (يعنى أبا علي الفارسى)، فكان يتعجب من تغلغل واضع هذا الكتاب فى النحو.
وذكر الكردري فى "مناقب أبى حنيفة"، وابن العماد فى "شذرات الذهب" -واللفظ للكردري- عن الإمام الشافعي ﵁، قال: لقيته أول ما لقيته، وهو قاعد في الحجرة، وقد اجتمع عليه الناس، فنظرت إلى وجهه، وكان من أحسن الناس وجها، فإذا جبينه كأنه عاج، ثم نظرت إلى لباسه، وكان من أحسن الناس لباسا، وسألته عن مسئلة فيها خلاف، وإنى أطمع أن يلحقه ضَعْفٌ، أو يلحن فى كلامه، فمر كالسهم، فقوى مذهبه، ولم يلحن فى كلامه.
وقال الإمام الشافعى: لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلته لفصاحته. وقد جاء في "توالي التأنيس بمعالي بن إدريس"، قال الآبرى: أخبرنا أبو نعيم الإسترآبادي، سمعت ربيع بن سليمان مرارا يقول: لو رأيت الشافعى وحسن بيانه وفصاحته لعجبت منه، ولو أنه ألف هذه الكتب على عربيته التى كان يتكلم بها معنا فى المناظرة -يعني في تقرير المسائل الفقهية ومناقشتها- لم يقدر على قراءة كتبه، لفصاحته وغرائب ألفاظه، غير أنه كان في تأليفٍ يجتهد في أن يوضح للعوام. انتهى.
فإذا كان هذا الإمام العربي القرشي المبين هذا موقعه من الفصاحة والبيان عند تلامذته، فكيف تكون شهادته لشيخه الإمام محمد بن الحسن،
стр. 5818
الذي قال فيه: لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلته لفصاحته، فهو إذا أفصح من الشافعي، حتى بهر الشافعى بفصاحته وبيانه ﵃ جميعا، ومن هذا تدرك كيف قَرَّرَ العلماءُ أن كلام الإمام محمد بن الحسن وكلام الإمام الشافعي يحتج بهما في اللغة، وذلك لارتقائهما ذروةَ الفصاحة والبلاغة.
فقد ذكر غير واحدٍ من العلماء أن كلام الإمام محمد حجةً في اللغة.
ومن هؤلاء قاضي خان في "شرح زيادات الجامع الصغير" المخطوط المحفوظ في مكتبة الأحمدية بـ"حلب". في أول (باب الوصية لذوي الأرحام وأهل البيت والأمهات والأختان والجيران)، حيث قال: بني الباب على أصول. أحدها: أن حقائق الأسماء تعرف من أهل اللغة، وقول محمد فيه حجة، لأنه كان إماما في اللغة، أخذ الأصمعي بقوله في أبيات اللغة، -كذا في المخطوطة- في كثير من المواضع.
ثم قال قاضي خان في أول الفصل الرابع من الباب المذكور: … هكذا قال محمد رحمه الله تعالى، وقوله حجة في اللغة. انتهى.
وقال العلامة أمير كاتب الإتقاني: وقول محمد حجة في اللغة، استشهد بقوله أبو عبيد في "غريب الحديث". انتهى. نقله في "رد المحتار" باب الوصية للأقارب وغيرهم.
وقال ملك العلماء علاء الدين الكاساني في "بدائع الصنائع": محمد إمام في اللغة أيضا، واجب التقليد فيها، كأبي عبيد، والأصمعي، والخليل، والكسائى، والفراء، وغيرهم. وقد قلّده أبو عبيد مع جلالة قدره، واحتج بقوله، وكذا أبو العباس المبرد. وكان ثعلب يقول: محمد عندنا من أقران سيبويه، وكان قوله حجة في اللغة. انتهى. نقله في "رد المحتار" أيضا في كتاب الزكاة قبل باب زكاة الأموال بصفحات.
стр. 5819
وقد صرّح الشيخ الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضا في مواضع من تآليفه، بكون الإمام محمد حجة في اللغة، كما ذكره الشيخ الكوثري في "بلوغ الأماني".
أثره في الفقه الإسلامي:
وإلى جانب ما تقدم من إمامة محمد بن الحسن رحمه الله تعالى، وجلالة قدره في العلوم الدينية، فقد خصه الله تعالى من بين علماء عصره بميزة كبرى وموهبة فائقة، وهي أن وفقه الله تعالى لتدوين الفقه الإسلامي، وتبويبه على منهج فريد، مبتكر، اختطه شيخه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فدوّن دواوين في الفقه، وألّف مؤلّفاته المعروفة، التي سارت بها الركبان. وقد امتازت -على سبقتها- برصانة في التعبير، ووضوح في البيان، وإحكام في التأصيل، ودقة في التفريع، مع التدليل على مسائل، ربما تعزب أدلتها عن علم كثير من الفقهاء، من أهل طبقته، فضلا عن من بعدهم، على توسعها في توليد المسائل في الأبواب، بحيث ينبئ عن تغلغل مؤلفها في أسرار العربية، ويدها البيضاء في اكتشاف أسرار التشريع، مع إجادة بيان الفروق في المسائل المتشابهة، ظاهرا والمختلفة باطنا، وحسن مقارنة بين آراء الأئمة الفقهية، على ذوي الأدلة الشرعية، في كتبه الثلاثة: "الآثار"، و"الموطأ": و"الحجة".
فصارت تآليف الإمام محمد بهذه المزايا الرفيعة خير وسيلة لتوسيع دائرة الفقه التقديرى، وتنمية أصول الفقه وقواعده وإنتاج علم الفروق الفقهية، الذي له مقام أسنى في علوم الفقه، وتمهيدا جيّدا للفقه المقارن.
والإمام محمد من الطبقة الأولى من طبقات أصحابنا الحنفية:
وهذا أمر لا بد للعالم المفتي من الاطلاع عليه، لينزل الناس منازلهم، ولا يقدم أدناهم على أعلاهم. قال الإمام اللكنوي: قد بسطت الكلام فيه في
стр. 5820
رسالتنا "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير"، وفي "الفوائد البهية"، و"تعليقاتها السنية". ونذكر ههنا قدرا ضروريا مع زيادات مفيدة، فاعلم أنه ذكر الكفوي في "طبقات الحنفية" أن الفقهاء يعني من المشايخ المقلدين على خمس طبقات.
الأولى: طبقة المتقدمين من أصحابنا، كتلاميذ أبي حنيفة، نحو أبي يوسف، ومحمد، وزفر، وغيرهم. فإنهم مجتهدون في المذهب، ويستخرجون الأحكام عن الأدلة الأربعة على حسب القواعد، التى قررها أستاذهم أبو حنيفة، فإنهم وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول، بخلاف مالك والشافعي وابن حنبل، فإنهم يخالفونه في أحكام الفروع، غير مقلدين له في الأصول، وهذه الطبقة هي الطبقة الثانية من الاجتهاد (١).
منزلته في الحديث الشريف:
أما السنة والحديث فقد كان فيهما إماما أيضا. وتآليفه الحديثية: "الموطأ"، و"كتاب الآثار"، و"الحجة على أهل المدينة"، ونسخته في الأحاديث المرفوعة.
وكذا تآليفه الفقهية الممزوجة بالحديث والآثار، كـ"كتاب الآثار"، و"السير الكبير"، و"السير الصغير" شهادة صدق على هذا. فهي الدالة الواضحة الناطقة على كثرة مروياته رحمه الله تعالى، وعلى كثرة شيوخه، ومعرفته برواته، ومراتبه.
وقد ذكر الأستاذ الدكتور محمد الدسوقي في كتابه "الإمام محمد بن الحسن الشيباني وأثره في الفقه الإسلامي" بعد أن درس كتب الإمام محمد بن الحسن دراسة فاحصة، ما نصّه: ويتبين من كل ما سلف أن جملة ما جاء من
стр. 5821
كتب محمد -سواء ما عدّ منها من كتب الحديث أو ما كان طابع الفقه عليها أغلب- يبلغ نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة أثر، وإن كان بعض هذه الآثار قد تكرر وروده في هذه الكتب. منها نحو ألف حديث -مرفوع- متصل السند وغير متصل، وأن ما رواه محمد من الأحاديث مردد في كتب الصحاح بلفظه أو بمثله أو بمعناه.
لكن الظاهرة البارزة في كل ما رواه محمد -ودوّنه- هي كثرة الشيوخ الذين روى عنهم، وأيضا كثرة الشيوخ الذين روى عنهم الإمامان أبو حنيفة ومالك. وقد روى عنهما محمد جلّ ما ورد في "الآثار" و"الموطأ" من الأحاديث، وهذا يدل على معرفة الإمام محمد الواسعة برواة السنة في القرنين: الأول والثاني، وأنه حدث عن عدد غفير من العلماء، كانوا في عصره، من حفاظ السنة ومدونيها (١).
أما الحديث فقد سمعه من أبي حنيفة، وأبي يوسف وغيرهما من مشايخ كثيرة، بـ"الكوفة"، و"البصرة"، و"المدينة"، و"مكة"، و"الشام و"بلاد العراق". بل جمع إلى علم أبي حنيفة وأبي يوسف علم الأوزاعى، والثورى، ومالك رضى الله عنهم. حتى أصبح إماما لا يبلغ شأوه في الفقه، قويا في التفسير والحديث، حجة في اللغة باتفاق أهل العلم، ممن لم يصب بتعصّب. وهو القائل: ورثت ثلاثين ألفا، فصرفت نصفها في اللغة والشعر، والنصف الآخر في الفقه والحديث، كما صحَّ ذلك عنه بطرق (٢).
روى الخطيب أبو بكر البغدادى رحمه الله تعالى في (تاريخ بغداد) ١١: ١٥٨ في ترجمة عيسى بن أبان أحد رجال الحديث والفقه الحنفي عن محمد بن سماعة أنه قال: كان عيسى بن أبان يصلّى معنا أى
стр. 5822
في المسجد الذي يصلّي فيه الإمام محمد بن الحسن الشيباني، ويقعد فيه لمجلس الفقه، وكنت أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن. فيقول عيسى بن أبان: هؤلاء قوم يخالفون الحديث، وكان عيسى حسن الحفظ للحديث، فصلى معنا يوما الصبح، وكان يوم مجلس محمد، فلم أفارقه حتى جلس في المجلس، فلما فرغ محمد أتيته، وقلت: هذا ابن أخيك أبان بن صدقة الكاتب، ومعه ذكاء، ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك، فيأبى، ويقول: أنت مخالف الحديث.
فأقبل عليه -محمد- وقال له: يا بني ما الذى رأيتنا نخالفه من الحديث؟ لا تشهد علينا حتى تسمع منا، فسأله يومئذ عن خمسة وعشرين بابا من الحديث، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها. ويخبره بما فيها من المنسوخ، ويأتي بالشواهد والدلائل.
فالتفت عيسى بن أبان إليَّ بعد ما خرجنا، فقال: كان بينى وبين النور ستر. فارتفع عني ما ظننت أن في ملك الله مثل هذا الرجل يظهر للناس. ولزم محمد بن الحسن لزوما شديدا، حتى تفقه به (١).
شيوخه الأجلاء في الحديث الشريف:
اعلم أن الإمام الهمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى كما وفقه الله بالتفقه والتفقيه كذلك يسرّ الله له الأخذ والسماع من الشيوخ الكبار الثقات، وهم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله، فشيوخه في الحديث من أهل "الكوفة": أبو حنيفة، وإسماعيل بن أبي خالد الأحمسي، وسفيان بن سعيد الثوري، ومسعر بن كدام، ومالك بن مِغْول، وقيس بن الربيع، وعمر بن ذر، وبكير بن عامر، وأبو بكر النهشلي عبد الله بن قطاف، ومحل بن محرز الضبي، وأبو كدينة يحيى بن المهلَّب البجلي، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن عتبة
стр. 5823
المسعودى، وإسرائيل بن يونس، وبدر بن عثمان، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وسلام بن سليمان، أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، وزفر بن الهذيل، وأبو يوسف القاضي، وإسماعيل بن إبراهيم البجلي، وفضيل بن غزوان، والحسن بن عمارة، ويونس بن أبى إسحاق السبيعي، وعبد الجبار بن العبَّاس الهمداني، ومحمد بن أبان بن صالح القرشى، سعيد بن عبيد الطائى، وأبو فروة عروة بن الحارث الهمداني، وأبو زهير العلاء ابن زهير.
ومن أهل "المدينة": مالك بن أنس، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وعبيد الله بن عمر بن حفص العمرى، وأخوه عبد الله، وخارجة بن عبد الله ابن سليمان، ومحمد بن هلال، والضحاك بن عثمان، وإسماعيل بن رافع، وعطاف بن خالد، وإسحاق بن حازم، وهشام بن سعد، وأسامة بن زيد الليثى، وداود، بن قيس الفراء، وعيسى بن أبى عيسى الخياط، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وخثيم بن عراك.
ومن أهل "مكة": سفيان بن عيينة الكوفي، نزيل "مكة"، وزمعة بن صالح، وإسماعيل بن عبد الملك، وطلحة بن عمرو، وسيف بن سليمان، وإبراهيم بن يزيد الأموي، وزكريا بن إسحاق، وعبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الثقفى الطائفي.
ومن أهل "البصرة": أبو العوام عبد العزيز بن الربيع البصرى، وهشام ابن أبي عبد الله، والربيع بن صبيح أبو حرة، واصل بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي عروبة، وإسماعيل بن إبراهيم البصري، والمبارك بن فضالة.
ومن "واسط": عباد بن العوام، وشعبة بن الحجّاج، وأبو مالك عبد الملك النخعي.
ومن أهل "الشام": أبو عمرو عبد الرحمن الأوزاعى، ومحمد بن راشد المكحولي، وإسماعيل بن عياش الحمصى وثور بن يزيد الدمشقى.
стр. 5824
ومن "خراسان": عبد الله بن المبارك.
ومن أهل "اليمامة": أيوب بن عتبة التيمي.
وغير هؤلاء من أهل تلك البلاد، وغيرها، ولم يزهد في الرواية عن أقرانه، وعمن هو دونه، كما هو شأن الأكابر في روايتهم عن الأصاغر.
وههنا نذكر ترجمة إجمالية لعدة عديدة من شيوخه ، ﵃.
١ - الإمام أبو حنيفة المتوفى سنة ١٥٠ هـ. هو الإمام العالم فقيه الملة النعمان بن ثابت بن زوطى الكوفي مولى بني تيم بن ثعلبة، ولد في زمن جماعة كثيرة من الصحابة ﵃، ورآى أنس بن مالك غير مرة بـ"الكوفة"، إذ قدمها أنس وروى عن عطاء بن أبي رباح، وهو أكبر شيخ له وأفضلهم، وروى عن الشعبي، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعمرو بن دينار، وعطية العوفي، وابن الشهاب الزهري، وعطاء بن السائب، وشهاب بن عروة، وحماد بن أبي سليمان، وبه تفقّه، وخلق كثير.
وعني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى، والناس عليه عيال، قال الإمام الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.
قال الإمام الذهبي: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه، وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة والورع.
٢ - الإمام أبو يوسف المتوفى سنة ١٨٣ هـ. هو يعقوب بن إبراهيم الإمام المجتهد المحدث قاضى القضاة، ولد في "الكوفة" سنة ١١٣ هـ، وحدث عن هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وأبي حنيفة، ولزمه، وتفقّه به، وهو من أنبل تلامذته وأعلمهم، وعن أبي يوسف صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة،
стр. 5825
وحدث عنه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلى بن الجعد، وأسد بن الفرات، وأحمد بن منيع، وعدد كثير. قال أحمد بن حنبل: أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يوسف، وعن ابن معين أبو يوسف صاحب حديث وصاحب سنة. وقال النسائي: أبو يوسف القاضى ثقة.
٣ - الإمام مالك المتوفى سنة ١٧٩ هـ، هو شيخ الإسلام إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر. . . الأصبحي المدني كان فقيها محدثا يعدّ من التابعين، وكان أمه قد حملت به لمدة سنتين، ولد في سنة ٩٣ هـ، عام موت أنس خادم رسول الله ﷺ ، وطلب العلم وهو حدث ابن بضع عشرة سنة، فأخذ عن نافع، وسعيد المقبرى، وعامر بن عبد الله بن زبير، وابن المنكدر، والزهرى، وعبد الله بن دينار، وخلق كثر جدا، كما يظهر من "الموطأ"، وتأهل للفتيا، وجلس للإفادة، وله إحدى وعشرون سنة. وحدث عنه جماعة وهو شاب طرى، وقصده طلبة العلم من الآفاق، وحدث عنه شيوخه، توفي سنة ١٨٩ هـ، ودفن بـ"البقيع"، ﵀ رحمة واسعة.
٤ - ابن جريج المكي المتوفى سنة ١٥٠ هـ، هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الإمام الحافظ شيخ الحرم أبو خالد القرشي الأموي المكى، صاحب التصانيف. حدث عن عطاء بن أبي رباح، فأكثر، وجوّد. وعن ابن أبي مليكة، ونافع مولى ابن عمر، وميمون بن مهران، وعمرو بن دينار، وابن المنكدر. وحدث عنه الأوزاعى، والليث، والسفيانان، وابن علية، ويحيى بن سعيد القطّان، وأمم سواهم، منهم: الإمام محمد الشيباني، قال الذهبي: قدم عبد الملك بن جريج إلى "العراق" قبل موته، وحدث بـ"البصرة"، وأكثر ويبدو أن الإمام محمد رحل إلى "البصرة"، فسمع منه، توفي سنة ١٥٠ هـ.
стр. 5826
٥ - مسعر بن كدام المتوفى سنة ١٥٣ هـ، هو مسعر بن كدام بن ظهير بن عبيدة بن الحارث الإمام الثبت شيخ "العراق" أبو سلمة الهلالي الكوفي الحافظ. قال أحمد بن حنبل: الثقة كشعبة، ومسعر. وقال وكيع: شك مسعر كيقين غيره، روى عن عدى بن ثابت، وعمرو بن مرة، وقتادة بن دعامة، وسعيد بن إبراهيم، وزياد بن علاقة، وخلق كثير. وروى عنه سفيان بن عيينة، ويحيى القطَّان، وسليمان التيمي، وابن المبارك، وخلق سواهم، وسمع منه الإمام محمد أيضا.
٦ - عمرو بن ذر الهمداني المتوفى سنة ١٥٣ هـ، هو ابن عبد الله بن زرارة، الإمام الزاهد العابد أبو ذر الهمداني.
وثقه النسائي، ويحيى بن معين، والدارقطني، واحتج به البخاري دون مسلم، وقد حدث عن أبيه، وأبي وائل، ومجاهد، وسعيد بن زبير، ومعاذة العدوية، وعطاء بن أبي رباح. روى عنه ابن المبارك، ووكيع، وإسحاق الأزرق، ويونس بن بكير، ومن جملة من تلقى عنه محمد بن الحسن الشيباني.
٧ - محل بن محرز الضبي الكوفي المتوفى سنة ١٥٣ هـ. روى عن أبي وائل، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبى، روى عنه يحيى القطَّان، وجرير، ووكيع، وعلى بن مسهر، وخلاد بن يحيى، ومنهم الإمام محمد أيضا.
٨ - الأوزاعي المتوفى سنة ١٥٧ هـ، هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد شيخ الإسلام عالم أهل "الشام" أبو عمرو الأوزاعي. وكان مولده في حياة الصحابة سنة ٨٨ هـ، في مدينة "بعلبك"، أحد الأئمة المجتهدين، حدث عن عطاء بن أبي رباح، وأبي جعفر الباقر، وعمرو بن شعيب، ومكحول، وقتادة، وخلق كثير من التابعين، وغيرهم.
стр. 5827
وروى عنه ابن شهاب الزهري، ويحيى بن أبي كثير، وهما من شيوخه، وشعبة، والثوري، ومالك، وخلق كثير. ومن تلاميذه الإمام محمد بن الحسن، أخذ عنه فقه أهل "الشام".
٩ - عبد الله بن المبارك، هو عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن المروزى، مولى بني حنظلة. ولد سنة ١١٨ هـ، وتوفي في "العراق". سنة ١٨١ هـ، طلب العلم والحديث، وطاف البلاد مشرقا ومغربا، يجمع الحديث، ويأخذ عن شيوخ الأمصار. أخذ عن هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبى خالد، وسليمان الأعمش، وسليمان التيمي، ومالك والثوري، وشعبة، والأوزاعي، ومن أشهر من أخذ عنه العلم: داود العطَّار، وسفيان بن عيينة، وأبو إسحاق الفزارى، ويحيى بن معين، والإمام محمد، وغيرهم.
١٠ - مالك بن مغول المتوفى سنة ١٥٩ هـ، هو ابن عاصم بن غزية بن خرشة، الإمام الثقة المحدث أبو عبد الله البجلى الكوفي، حدّث عن الشعبي، وعبد الله بن بريدة، ونافع العمري، وعطاء بن أبي رباح. وروى عنه شعبة، والثوري، ومسعر، وابن عيينة، وابن المبارك، ووكيع. ومن جملة تلاميذه: الإمام محمد بن الحسن.
قال أحمد ثقة ثبت في الحديث، وقال ابن معين، وأبو حاتم ثقة.
١١ - يونس بن إسحاق المتوفى سنة ١٥٩ هـ، هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، محدث "الكوفة" يعد في صغار التابعين. حدث عن أنس بن مالك، وناجية بن كعب، والشعبي، ومجاهد، وأبي بردة. وروى عنه ابنه عيسى، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطّان، ووكيع، وابن مهدي، ويحيى بن آدم، ومحمد بن يوسف الفريابي، وهو أحد مشايخ الإمام محمد.
قال عبد الرحمن بن المهدي: والنسائي ليس به بأس.
стр. 5828
١٢ - سفيان الثوري المتوفى سنة ١٦١ هـ، هو سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب شيخ الإسلام إمام الحفاظ سيد العلماء العاملين في زمانه أبو عبد الله الثوري الكوفي المجتهد مصنف "كتاب الجامع".
ومن شيوخه: أبو عبد الله إبراهيم بن ميسرة، وأيوب السختياني، وبكير بن عطاء، وجم غفير من المحدثين.
وحدث عنه من القدماء خلق، منهم: الأعمش، وابن جريج، وجعفر الصادق، وأبو حنيفة، الأوزاعي، ومسعر، وشعبة، ومن جملة الرواة عنه: الإمام محمد.
١٣ - داود الطائي المتوفى سنة ١٦٢ هـ. هو الإمام الفقيه الزاهد أبو سليمان داود بن نفير الطائي الكوفي. ولد بعد المائة بسنوات، وكان من كبار أئمة الحديث والفقه، روى عن عبد الملك بن عمير، وحميد الطويل، وهشام بن عروة، وجماعة. وحدث عنه أبو علية، وزافر بن سليمان، ومصعب بن مقدام، وإسحاق بن منصور السلولي، وآخرون.
ذكر الذهبى في "المناقب" و"التاريخ" قول الإمام محمد بلغني أن داود الطائي كان يسئل عني وعن حالي، فإذا أخبر قال: إن عاش فسيكون له شأن.
١٤ - القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ﵁، أبو عبد الله الهذلي المسعودى الكوفي الإمام الفقيه المجتهد قاضي "الكوفة" ومفتيها في زمانه، وكان ثقة نحويا أخباريا كبير شأنه، لم يأخذ على القضاء معلوما، نقله أحمد بن حنبل.
قال أبو حاتم: ثقة، كان أروى الناس للحديث والشعر، وأعلمهم في العربية والفقه، والإمام محمد يعتبر من جلة أصحابه، توفي سنة ١٧٥ هـ.
стр. 5829
رحلة محمد إلى مالك وسماعه الموطأ من لفظه:
ولما بدأ "الموطأ" يذيع في أوائل عهد المهدي رحل محمد إلى مالك، ولازمه ثلاث سنين، وجملة ما سمعه من لفظ مالك من الحديث نحو سبعمائة حديث مسند، كما صحَّ ذلك بطرق عنه، وسمع من سائر شيوخ "المدينة" فى هذه المرحلة زيادة على ما كان سمعه منهم في رحلاته السابقة، ولـ"لموطأ" نحو اثنتين وعشرين رواية تختلف زيادة ونقصا، يشير إلى بعض ذلك الدارقطني في جزء، ألفه فى اختلاف الموطآت واتفاقها.
أصحاب الإمام محمد وتلامذته:
ولما طار صيت الإمام محمد بن الحسن الشيباني في أقطار العالم، وسارت بتصنيفاته الركبان، قصده أناس من أقاصى البلدان للتفقه عنده، حيث كان بلغ أعلى مراتب الاجتهاد، وإن يحافظ على انتسابه لأبي حنيفة النعمان، عرفانا لجميل يده عليه في الفقه، ولم يضع استمراره على انتسابه هذا من مرتبته إلا عند من لا يعرف مراتب الرجال، ويصعب استقصاء من تخرج به، فنكتفي هنا بذكر جملة من أصحابه وتلاميذه، ليعلم أنه شيخ المجتهدين في عصره، فمنهم.
أبو حفص الكبير أحمد بن حفص العِجْلي، ومنه كان البخاري تلقى فقه أهل الرأى، و"جامع الثوري" قبل رحلاته، لأجل ذلك فاق البخاري سائر أصحاب الصحاح في الفقه وجودة الفهم، كما يشهد على ذلك "الجامع الصحيح" له، وأبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجانى، وبه انتشرت الكتب الستة ظاهر الرواية فى مشارق الأرض ومغاربها، وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، أحد الأئمة الأربعة أركان الإسلام، وأبو عبد الله قاسم بن سلام الهروي الإمام المجتهد الكبير، وعمرو بن أبي عمرو الحراني، ومحمد بن سماعة التميمى، وعلى بن معبد بن شداد الرقى من جملة
стр. 5830
من روى "الجامع الصغير والكبير"، ومعلى بن منصور الرازي، وأبو بكر بن أبي مقاتل، وأسد بن الفرات القيرواني، مدون مذهب مالك شيخ سحنون محمد بن مقاتل الرازي شيخ ابن جرير، ويحيى بن معين الغطفاني إمام الجرح والتعديل، وعلى بن مسلم الطوسي، وموسى بن مسلم الطوسي، وموسى بن النصر الرازي، وشداد بن حكيم البلخي، والحسن بن أيوب الرقي، وابن جبلة (١).
وأبو العباس حميد، وأبو التوبة ربيع بن نافع الحلبي، وعبيد الله بن أبي حنيفة الدبوسى، وأبو يزيد عمرو بن يزيد الجرحي، ومصعب بن عبد الله الزبيري، وأيوب بن الحسن النيسابوري، وخلف بن أيوب البلخي، وعلى بن صبيح، وعقيل بن عنبسة، وعلى بن مهران، وعمرو بن مهير، ويحيى بن أكثم القاضى، وأبو عبد الرحمن المؤدب مؤدب آل شبيب، وعلي بن الحسن الرازي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن مهران النسوي، راوي "الموطأ" عنه، وشعيب بن سليمان الكيساني، راوي "الكيسانيات" عنه، وعلي بن صالح الجرجاني، راوي "الجرجانيات" عنه، وإسماعيل بن توبة القزويني، راوي "السير الكبير" عنه، وأبو بكر إبراهيم بن رستم المروزي روي "النوادر" عنه (٢).
وأبو زكريا يحيى بن أبان البصري راوي الحجج على أهل "المدينة" عنه، ومؤلف كتاب "الحجج الكبير"، و"كتاب الحجج الصغير"، و"كتاب الرد على المريسي"، والشافعى في شروط قبول الأخبار، وسفيان بن سحبان
стр. 5831
البصرى، صاحب "كتاب العلل"، وغيرهم. ومحمد بن عمر الواقدي روى عنه، كما روى هو عن الواقدي. وذلك من رواية الأقران بعضهم عن بعض. ونكتفي بذكر هذا المقدار ممن تفقه لديه، وأخذ عنه (١).
تراجم بعض تلامذته النبلاء:
ونحن نريد أن نكتب في هذا الموضع تراجم جملة من هؤلاء النبلاء، الذين تخرجوا على هذا الإمام الجليل. منهم:
١ - الإمام الشافعي: هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع أبو عبد الله القرشي، ثم المطلبي الشافعي المكى، الإمام، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة. ولد في "غزة" سنة ١٥٠ هـ، ومات أبوه إدريس شابا، فنشأ بـ"مكة". من أجل تلامذة الإمام محمد، أشار إليه الذهبى بقوله: وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشافعي. . . وأخذ العلم عن مسلم بن خالد الزنجي مفتي "مكة"، وداود بن عبد الرحمن العطار، وسفيان بن عيينة، وسعيد بن سالم، وفضيل بن عياض، وعدة.
حدث عنه الحميدي، وأبو عبيد قاسم بن سلام، وأحمد بن حنبل. . . وأبو يعقوب يوسف البويطى، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبى.
٢ - إسماعيل بن سعيد أبو إسحاق، الطبري الأصل، الجرجاني، المعروف بالشالنجى، من أصحاب محمد بن الحسن. روى عنه، وعن سفيان بن عيينة، ويحيى القطان. وروى عن إسماعيل المذكور الضحَّاك بن الحسين الإسترآبادي الفقيه الأزدى، وأبو العباس أحمد بن العباس بن محمد المسعودي. وسكن "إسترآباد"، وحدث بها، وروى عنه أهلها وأهل "جرجان". وصنف في فضائل أبي بكر، وعمر، وعثمان رضى الله عنهم.
стр. 5832
وصنف "كتاب البيان" في الفقه. قيل: إنه رد فيه على محمد بن الحسن، يحكى كل مسئلة، ثم يرد، وله تصانيف أخر في الفقه وغيره.
وكان أحمد بن حنبل يكاتبه، ويثني عليه. قال الفضل بن عبيد الحميدي: سألت أحمد بن حنبل عن رجال "خراسان"، فقال: أما إسحاق بن راهويه، فلم ير مثله. وأما إسماعيل بن سعيد الشالنجى فقيه عالم. وحكى داود بن محمد أنه رآه بـ"إسترآباد" على الأخبار، وأن من بها من أهل العلم والفقه والحديث يترددون إليه كل يوم. قال: وكان بها حينئذ نيف وأربعون من الفقهاء وأهل العلم، قال: وكان من الورع بمكان. مات سنة ثلاثين ومائتين.
وقيل: مات بـ"دهستان"، في ربيع الأول، سنة ست وأربعين ومائتين. قال السمعاني: والشالنجى بفتح الشين المعجمة واللام، بينهما ألف، وسكون النون وفي آخرها الجيم (١).
٣ - شعيب بن سليمان بن سليم ابن كيسان بن شعيب الكيساني. وهذا من أصحاب محمد بن الحسن الشيباني. قال شعيب: أملى علينا محمد بن الحسن. قال: أحد قضاتنا القاسم بن معن: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت بينهما نصفين. وروى عنه ابنه أنه قال: أملى علينا أبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا ينبغى للرجل أن يحدث من الحديث إلا بما يحفظ، من يوم سمعه إلى يوم يحدث به. ذكره ابن يونس في "الغرباء الذين قدموا مصر" فقال: كوفي، قدم "مصر". روى عنه سعيد بن عمير.
стр. 5833
مات بـ"مصر" سنة أربع ومائتين، في شوال، ﵀ تعالي (١).
٤ - سليمان بن شعيب بن سلمان الكيسانى من أصحاب محمد بن الحسن. وله "النوادر" عنه. يعد في طبقة موسى بن نصر، ومحمد بن مقاتل. روى أنه الحافظ أبو جعفر الطحاوي، وثقه السمعاني.
توفي سنة ثمان وسبعين ومائتين رحمه الله تعالى. ويأتي أبوه في محله (٢).
٥ - أحمد بن حاج، أبو عبد الله، العامرى، النيسابوري، الفقيه. صاحب محمد بن الحسن تفقه عليه. وكان جليلا، سمع ابن المبارك، وسفيان بن عيينة. وروى عنه أبو عبد الله أحمد بن حرب، وأحمد بن نصر اللباد، شيخ الحنفية بـ"نيسابور".
ذكره الحاكم في "تاريخها"، وقال: قرأت بخط أبي عمرو المستملي وفاته سنة سبع وثلاثين ومائتين (٣).
٦ - سورة بن الحسن الوزاني من أصحاب محمد بن الحسن. روى عنه، وهذه النسبة إلى "الوزان": قرية من قرى "سرخس" (٤).
٧ - خلف ابن أيوب. من أصحاب محمد بن الحسن، له مسائل، منها مسئلة الصدقة على السائل في المسجد. قال: لا أقبل شهادة من تصدق عليه.
стр. 5834
قال سلمة: لو جمع علم خلف لكان في زاوية من علم علي الرازي، إلا أن خلف بن أيوب أظهر علمه بصلاحه. يروى أن خلفا فرق بين مسئلتين، فلم يقنع السائل به فقال: الفرق بحبة لا بالجوانق. وقيل: لخلف بن أيوب: إنك مولع بالحسن بن زياد، وإنه يخفف الصلاة قال: لأنه حذفها. -يعني أتم ركوعها وسجودها- وفي الخبر: كان رسول الله ﷺ أخفهم صلاة في تمام.
وتفقه خلف على أبي يوسف أيضا، وأخذ الزهد عن إبراهيم بن أدهم وصحبه مدة وروى عن أسد بن عمرو البجلي، وسمع الحديث من إسرائيل بن يونس، وجرير بن عبد الحميد. وروى عنه أحمد، ويحيى، وأيوب بن الحسن الفقيه الزاهد الحنفي. قال الحاكم: قدم "نيسابور" في سنة ثلاث ومائتين، فكتب عنه مشايخنا.
وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وذكره المزي في "الكمال". قال: روى له أبو عيسى الترمذي حديثا عن أبي كريب محمد بن العلاء. قال في "الجواهر": ومتن الحديث: خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، وفقهه في الدين. قال في "القنية": ورد خلف بن أيوب شاهدا لاشتغاله بالنسخ حالة الأذان.
وذكر خلف بن أيوب هذا الحافظ الذهبى في "تاريخ الإسلام" وعظمه، وأثنى عليه (١).
стр. 5835
قال الحافظ في "التهذيب": روى له البخاري في "الصحيح" بواسطة، وفي غير "الجامع" بواسطة.
٨ - زيد بن نعيم من أصحاب محمد بن الحسن، حدث عنه بـ"بغداد". روى عنه أبو إسماعيل الفقيه محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن منصور. ذكره الخطيب البغدادي، ولم يؤرخ وفاته (١).
٩ - الحسن بن حرب من أصحاب محمد بن الحسن، وممن تفقه عليه.
قال الطحاوي: سمعت ابن أبي عمران يقول: كان حرب أبو الحسن بن حرب يجيئ بابنه الحسن، فيجلسه في مجلس محمد بن الحسن، فقلت لحرب: لم تفعل هذا وأنت نصراني، وهو على غير دينك؟ قال: أعلم ابني العقل، ثم أسلم، ولزم الحسن بن حرب محمد بن الحسن، وكان من جملة أصحاب محمد، وهم بـ"الرقة". آل الحسن بن حرب، كذا في "الجواهر" (٢).
١٠ - أحمد بن محمد بن عيسى بن يزيد بن السكن أبو جعفر السكوني. أخذ عن أبي يوسف ومحمد، وروى عنه الوكيع. قاله في "الجواهر". ذكره الخطيب في "تاريخه"، وقال: حدث عن أبي يوسف القاضى، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبي بكر بن عياش، وإسماعيل عليهم الرحمة. وروى عنه وكيع القاضى، وحمزة بن الحسن السمسار، وعلي بن محمد بن يحيى بن مهران السواق، ومحمد بن مخلد العطّار. وروى له الخطيب بسنده عنه، عن أبي يوسف عن أبي إسحاق الشيباني عن أبي
стр. 5836
الأحوص عن عبد الله، قال: كان النبى ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم أني أعوذ بك من الخبث والخبائث.
قال الدارقطني: ولم يؤرخ له الخطيب وفاته رحمه الله تعالى (١).
١١ - أحمد بن محمد بن مهران، أبو جعفر. راوي "الموطأ" عن محمد بن الحسن. كذا في "الجواهر" من غير زيادة (٢).
١٢ - أحمد المعروف بالقارئ، من أصحاب محمد بن الحسن روى عنه، عن أبي حنيفة: أن المعلومات العشر، وعن محمد: أنها أيام النحر، الثلاثة، الأضحى، ويومان بعده. هكذا ذكره الكرخى. وذكر الطحاوي أن قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، إن المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق. قال أبو بكر الرازي: والذي روى أبو الحسن عنهم أصح (٣).
١٣ - إسماعيل بن سالم. قال في "الجواهر": تفقه على محمد بن الحسن. ذكره أبو بكر الرازي، "في أحكام القرآن" (٤).
١٤ - المعلى بن منصور أبو يحيى الرازي. ذكره صاحب "الهداية"، روى عن أبي يوسف ومحمد الكتب والأمالي والنوادر، وشاركه في ذلك أبو سليمان الجوزجاني، وهما من الورع والدين وحفظ الفقه والحديث بالمنزلة الرفيعة. عرض عليهما المأمون القضاء، فلم يتقلد له، ومعلى هذا سكن "بغداد". روى عن مالك، والليث، وحماد، وابن عيينة. روى عنه
стр. 5837
ابن المديني وأبو بكر بن شيبة والبخاري في غير "الجامع". قال أبو ذكريا: إذا اختلف معلى وإسحاق بن الطباع في حديث عن مالك، فالقول قول معلى، وكل حديث معلى أثبت منه وخير منه. قال أحمد بن عبد الله: ثقة. قال ابن سعد: كان صدوقا صاحب رأي، وحديث، وفقه. مات إحدى عشرة ومائتين.
قال ابن عدي: لم أجد له حديثا منكرا، وروى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١).
١٥ - محمد بن مقاتل الرازي، قاضى "الري"، من أصحاب محمد بن الحسن، من طبقة سليمان بن شعيب، وعلى بن معبد، روى عن أبي المطيع. قال الذهبي: روى، وحدث عن وكيع وطبقته. قال محمد بن مقاتل: إذا قال الرجل لذمى أسلم، فقال: أسلمت، فهو إسلام منه في قول علمائنا، سمعت من الحسن (٢).
١٦ - إبراهيم بن رستم أبو بكر المروزي. أحد الأعلام، تفقه على محمد بن الحسن، وروى عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، وأسد بن عمرو البجلي، وهما ممن تفقه على أبي حنيفة، وتفقه عليه جم غفير، وسمع من مالك والثوري، وشعبة، وحماد بن سلمة، وإسماعيل بن عياش، وبقية بن الوليد، وغيرهم. قد قدم "بغداد" غير مرة، وحدث به، فروى عنه أئمة الحديث أبو عبد الله أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وزهير بن حرب. قال الحاكم في "تاريخ نيسابور": قال الدارمي: سألت يحيى بن معين عن إبراهيم بن رستم، فقال: ثقة. مات بـ"نيسابور"، قدمها حاجا. وقد مرض بـ"سرخس"، فبقي تسعة أيام، وهو عليل، ومات في اليوم
стр. 5838
العاشر، وهو يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة ومائتين (١).
١٧ - هشام بن عبيد الله الرازى. ذكره صاحب "الهداية" في الحج، مات محمد بن الحسن في منزله بـ"الرى"، ودفن في مقبرتهم. له "نوادر"، تفقه على أبي يوسف ومحمد. روى هشام عن محمد عن أبي حاتم، وأحمد بن الفرات وجماعة. قال: لقيت ألفا وسبعمائة شخص، وأنفقت في العلم سبعمائة ألف درهم (٢).
١٨ - هشام بن معدان. قال: قال لنا محمد بن الحسن: كل نكاح بغير شهود فليس بنكاح، وكل نكاح كان بشاهدى عدل سرا أو علانية فهو نكاح جائز، وإنما نكاح السر ما كان بغير شهود (٣).
١٩ - يحيى بن صالح الوحاظي أبو زكريا. أحد كبار المحدثين والفقهاء. سمع مالكا، ومحمد بن الحسن، وكان عديله إلى "مكة". روى عنه أحمد بن أبي الجوارى، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخارى. ووثقه يحيى بن معين، مات سنة اثنين وعشرين ومائتين، ومولده سنة تسع وأربعين ومائة، وروى له أيضا مسلم، وأبو داود، والترمذى، والنسائي، ﵏ تعالي (٤).
٢٠ - يحيى البناء من أصحاب محمد بن الحسن. ذكره شمس الأئمة السرخسي في مسئلة المسبوق أن ما يصليه مع الإمام آخر صلاته حكما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، وعند محمد رحمه الله تعالى في حكم
стр. 5839
القراءة والقنوت، وهو آخر صلاته، وفي حكم القعدة هو أول صلاته وعلل لكل من القولين، ثم قال: وحكى عن يحيى البنائى، وكان من أصحاب محمد أنه سأله عن هذه المسئلة، فأجاب مما قلنا، فقال على وجه السخرية: هذه صلاة معكوسة، فقال محمد: لا أفلحت، وكان كما قال محمد، أفلح أصحابه، ولم يفلح بدعائه (١).
٢١ - علي بن معبد بن شدَّاد، من أصحاب محمد بن الحسن خاصة. وذكره الشيرازى، روى عن محمد "الجامع الكبير"، و"الجامع الصغير"، وذكره ابن يونس فى "الغرباء الذين قدموا مصر"، فقال: قدم "مصر" مع أبيه معبد، وكان يذهب في الفقه مذهب أبى حنيفة رضى الله عنه، وحدث بـ"مصر". ذكره المزي في "تهذيب الكمال"، وسرد من روى عنه، فذكر من جملتهم: أنه روى عن ابن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، وذكر له ترجمة واسعة. وذكر ابن يونس أنه توفي في سنة ثمان عشرة ومائة.
قال الطحاوى: سمعت أبى محمد بن سلامة، يقول: سمعت علي بن معبد بن شدَّاد العبدي يقول: قدمت "الرقة"، ومحمد بن الحسن قاض عليها، فأتيت بابه، فاستأذنت عليه، فحجبت عنه، فانصرفت، فأقمت بـ"الرقة" مدة، لا آتيه، فبينا أنا في يوم من الأيام في بعض طرقاتها، إذ أقبل محمد بن الحسن على هيئة القضاء، فلما رآني أقبل علي، واستبطأني، ووكل بى من يصيرني إلى منزله كلما جلس في منزله أدخلت عليه، فقال لي ما الذي خلفك عني مذ قدمت؟ قد بلغني أنك ههنا فقلت: أبيت منزلك، فحجبت عنك، وأنما أتيتك كما كنت آتيك، وأنت غير قاض، فساءه لك، وعمه، فقال لي: أي حجابي حجبك، فظننت أنه يريد عقوبته، فلم أخبره. فقال لي: فإذا لم تفعل فإني أجبهم كلهم، فقلت له: إذا تظلم من لم يحجبني. قال: فدعا
стр. 5840
لهم جميعا، وقال لهم لا يد لك على أبي محمد في حجبه عني، ثم التفت إلي، فقال: إذا جئت إلينا فلا يكن بينى وبينك إلا الستر الذي يستر الناس عني، فتنحنح حينئذ. فإن كنت على حال يتهيأ لك الدخول فيها أذنت لك بنفسى، وإن كنت على غير ذلك أمسكت، فانصرفت، فكنت آتيه بعد ذلك، والناس على بابه، فأتخطاهم، وأتخطى حجابه، حتى أصل إلى ستره، فأتنحنح، وأسلم، فيقول: أدخل يا أبا محمد، فأدخل أو يمسك، فأنصره (١).
٢٢ - عمر بن أبي عمرو. وذكره أبو إسحاق في "الطبقات" من أصحاب محمد بن الحسن، كذلك الصيمري، وقال: وهو جد أبي عروبة الحراني (٢).
٢٣ - عيسى بن أبان بن صدقة أبو موسى الإمام الكبير. تفقه على محمد بن الحسن. قيل: إنه لزمه ستة أشهر. قال ابن سماعة: كان عيسى بن أبان حسن الوجه، وحسن الحفظ للحديث. كتب أدعوه لمجلس الحسن، فيأبى إلى أن لازمه. وقال: وكان بيني وبين النور ستر، فارتفع عني ما ظننت في ملك الله مثل هذا الرجل. قال الطحاوي: سمعت بكار بن قتيبة يقول: سمع هلال بن يحيى يقول: ما في الإسلام قاض أفقه منه، يعني عيسى بن أبان في وقته. وقال الطحاوي: وسمعت بكار بن قتيبة يقول: كان لنا قاضيان، لا مثل لهما، إسماعيل بن حماد، وعيسى بن أبان (٣).
قلت: مات عيسى بن أبان بـ"البصرة" في المحرم سنة إحدى وعشرين ومائتين.
стр. 5841
٢٤ - فرات بن نصر أبو جعفر الفقيه القهندزى الهروي. تفقه على أبي يوسف. وروى عنه، عن محمد بن الحسن، ذكره في "تاريخ هراة". وكان من أصحاب الرأي، وكان عنده عامة كتب محمد بن الحسن، سمعها منه. مات فى سنة ست وثلاثين ومائتين رحمه الله تعالى.
والقهندزى بضم القاف والهاء وضم الدال المهملة، وفي آخرها الزاء. وهي بلاد شتى، "قهندز بخارى"، و"قهندز نيسابورن"، و"قهندز سمرقند"، و"قهندز هراة" (١).
٢٥ - محمد بن سماعة بن عبيد الله بن هلال بن وكيع بن بشر التيمي أبو عبد الله. ذكره صاحب "الهداية" في البيوع. الإمام، أحد الثقات الأثبات. حدث عن الليث بن سعد، وأبي يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن. وكتب "النوادر" عن أبي يوسف ومحمد وروى الكتب والأمالي، وقال الصيمرى: ومن أصحاب أبي يوسف ومحمد جميعا: أبو عبد الله محمد بن سماعة، وهو من الحفاظ الثقات، روى الخطيب عن طلحة بن محمد توفي ابن سماعة في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وله مائة سنة وثلاث سنين. قال يحيى بن معين: لو كان أهل الحديث يصدقون في الحديث، كما يصدق محمد بن سماعة في الرأى، لكانوا فيه على نهاية، وكان يصلي في كل يوم مائتي ركعة (٢).
٢٦ - محمد بن على بن عبدك، أبو أحمد. واسم عبدك عبد الكريم الجرجاني. قال الحاكم في "تاريخ نيسابور": وهو صاحب محمد بن الحسن، وتفقه عليه، حدث عن على بن موسى القمى، وأبي داود الأصبهاني (٣).
стр. 5842
٢٧ - معبد بن شداد، والد علي تقدم، كلاهما من أصحاب محمد بن الحسن. قال الطحاوي: سمعت سليمان بن شعيب يقول: سمعت على بن معبد بن شداد يقول: لما دخلت على المأمون، قال لي: قد بلغنا عنك أحوال جميلة، وقد رأيت أن أولِّئَكَ قضاء "مصر"، فقلت: يا أمير المؤمنين! إني أضعف من ذلك، فقال لي: فاستعن بأخيك، فقد قيل لي: إن من فضل وعلم كما استعنت أنا بأخي هذا، فالتفت فإذا المعتصم قائم، فأدارني فلم أجبه، فتبين الغيظ في وجهه، فقلت: إن لي يا أمير المؤمنين حرمة. فقال لي: وأيّ حرمة لك؟ قلت: لسماعي معه العلم ومجالستي مع أهله، منهم محمد بن الحسن، فقال لي: ومن أين كنت تصل إلى محمد بن الحسن؟ فقلت: بأبي معبد بن شداد، فأطرق طويلا، ثم رفع رأسه، فقال أبوك معبد بن شداد؟ قلت: نعم، قال: إنه كان من طواعيتنا على غاية، فلم لا تكون مثله، ثم خرجت من عنده (١).
٢٨ - نصر بن زياد بن نهيك بن حسك أبو محمد، قاضي القضاة بـ"نيسابور"، تفقه على محمد بن الحسن، وأخذ الأدب عن النضر بن شميل، وسمع ابن المبارك، وجرير بن عبد الحميد الضبي، وروى عنه ابناه: محمد وأحمد، وسبطه أبو محمد أحمد بن إبراهيم بن عبد الله، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وهو ابن ست وتسعين سنة (٢).
إنكار ابن تيمية تلميذ الشافعي لمحمد:
عدّ الإمام النووي الشافعىَّ من تلاميذ الإمام محمد في "تهذيب الأسماء واللغات"، نقلا عن "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادى. فهذا نص صريح على أن الشافعى من تلامذة محمد. وقد أنكر ابن تيمية الحراني الدمشقي الحنبلي
стр. 5843
ذلك، فإنه لما ذكر الحسن بن يوسف الحلي الشيعى في كتابه "منهاج الكرامة" أن الشافعي قرأ على محمد بن الحسن رد عليه ابن تيمية في "منهاج السنة" قائلا: ليس ذلك، بل جالسه، وعرف طريقته، وأول من أظهر الخلاف لمحمد والرد عليه هو الشافعى، فإن محمدا أظهر الرد على مالك، وأهل "المدينة"، فنظر الشافعى في كلامه. انتهى.
ولا يخفى ما فيه، فإنه إن أراد أنه لم يقرأ عليه كقراءة طلبة زمانه على أساتذتهم، فيمكن أن يكون مسلما، لكنه لا ينفى التتلمذ مطلقا. وإن أراد أنه لم يرو عنه شيئا، فكلام الخطيب ثم السمعاني والنووي يكذبه. وأما كون الشافعى أول من أظهر الخلاف والرد على محمد، فهو غير مناف للتتلمذ، فإن الشافعى قد صنف في الرد على مالك كتابا، مع أنه تلميذه.
وكذلك ادعى الحلي: أن أبا حنيفة قرأ على جعفر الصادق، وأنكره ابن تيمية قائلا: هذا من الكذب الذي يعرفه من له أدنى علم، فإن أبا حنيفة من أقران جعفر الصادق، وكان أبو حنيفة يفتى في حياة محمد بن علي والد الصادق. وما يعرف أن أبا حنيفة أخذ عن جعفر الصادق، ولا من أبيه مسئلة واحدة، بل أخذ عمن كان أسنّ منهما: كعطاء بن أبي رباح، وحماد، وغيرهما انتهى.
وكذلك ادعى الحلى: أن أحمد بن حنبل من تلامذة الشافعي. وأنكره ابن تيمية قائلا: أحمد لم يقرأ على الشافعي، ولكن جالسه، كما جالس الشافعي محمد بن الحسن. اهـ. وفيه أيضا ما فيه: فإنه أمر مشهور في التواريخ وكتب أسماء الرجال، قد ذكره "صاحب المشكاة" وغيره، فلا يضر إنكاره (١).
стр. 5844
الانهماك العلمي للإمام الهمام الشيباني:
قال الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى: لو كان الناس كلهم عبيدي لأعتقت وتبرأت عن ولائهم، وذلك لأن من وجد لذة العلم والعمل به قلما يرغب فيما عند الناس (١).
وقال الشيخ برهان الدين الزرنوجي تلميذ صاحب "الهداية": سمعت الشيخ الأستاذ فخر الدين الكاشاني رحمه الله تعالى يقول: كانت جارية أبي يوسف رحمه الله تعالى أمانة عند محمد رحمه الله تعالى، فقال لها محمد: هل تحفظين في هذا الوقت من أبي يوسف في الفقه شيئا؟ قالت: لا، إلا أنه كان يكرر، ويقول: سهم الدور ساقط.
قلت: هذه مسئلة علم الفرائض.
فحفظ ذلك منها، وكانت المسئلة مشكلة على محمد، فارتفع الإشكال بهذه الكلمة. فعلم أن الاستفادة ممكنة من كل أحد.
وقد كان لمحمد بن الحسن مال كثير، حتى كان له ثلاثمائة من الوكلاء على ماله، فأنفقه كله في العلم والفقه، ولم يبق له ثوب نفيس، فرآه أبو يوسف في ثوب خلق، فأرسل إليه ثيابا نفيسة، فلم يقبلها، وقال: عجّل لكم، وأجّل لنا. لعله إنما لم يقبله، وإن كان قبول الهدية سنة، لما رآى في ذلك مذلة لنفسه. قال رسول الله ﷺ : ليس للمؤمن أن يذل نفسه (٢).
وهكذا روي عنه، أنه قال: ترك لي أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشر ألفا على النحو والشعر، والباقي على الحديث والفقه (٣).
стр. 5845
قال محمد بن الحسن: إن ساعتنا هذه من المهد إلى اللحد، فمن أراد أن يترك علمنا هذا ساعة، فليتركه الساعة.
قيل: رئي محمد في المنام بعد وفاته، فقيل له كيف كنت في حال النزع؟ فقال: كنت متأملا في مسئلة من مسائل المكاتب، فلم أشعر بخروج روحي.
وقيل: إنه قال في آخر عمره: شغلتني مسائل المكاتب عن الاستعداد لهذا اليوم، وإنما قال ذلك تواضعا (١).
وعن محمد بن سلمة، قال: إنه كان جزأ الليل ثلاثة أجزاء، جزء ينام، وجزء يصلي، وجزء يدرس، وبلغ شغله بالعلم أنه كان يتوسخ لباسه ولا يتفرغ لنزعه، حتى يؤتى بثوب غيره، فيلبس، وينزع، وكان فى داره ديك يصيح بالليل، فقال: اذبحوه، فإنه يشغلني. وكان لا ينام بالليل، وكان يجلس، وقد خلع قميصه، وحوله الكراريس، وكان يرفع كراسا، ويضعه، ثم يرفع آخر، وكان بين يديه طست من ماء، وبين يديه عشر جوار روميات عالمات بالكتابة والعربية، يقرأن عليه العلم. فقيل: لم لا تنام؟ قال كيف أنام؟ وقد نامت عيون المسلمين توكلا علينا. ويقولون: إذا وقع لنا أمر رفعناه إليه، فيكشفه لنا. فإذا نمت ففيه تضييع للدين. فقيل: ما لك نزعت القميص؟ فقال النوم من الحرارة، والحرارة من الثوب، فإذا آذاني النوم صببت الماء على جسدي. وأما كثرة الكراريس، فلأن العلم ثقيل، فأنظر في هذا، فإذا ثقل أخذت بآخر (٢).
عن إبراهيم بن أبى داود البرلسي، سمعت يحيى بن صالح الوحاظي، يقول: حججت مع محمد بن الحسن، فقلت له: حدثني بكتابك في كذا من
стр. 5846
الفقه، فقال: ما أنشط له، فقلت: أما أقرءه عليك، فقال لي: أيهما أخفّ عندك فعليَّ: قراءتي عليك، أو قراءتك علي؟ قلت: قراءتي عليك، قال: لا بل قراءتي أخفّ، لأني إنما أستعمل فيها بصري ولساني، وقراءتك أستعمل فيها بصري وذهني وسمعي (١).
روي أن الشافعي رحمه الله تعالى بات عند محمد، وقام إلى الصباح، واضطجع محمد، فاستكره الشافعي ذلك، فلما طلع الفجر قام، وصلى بلا تجديد وضوء، فقال الشافعى لمحمد، فقال: إنك عملت لنفسك حتى الصباح، وأنا عملت للأمة، استخرجت من كتاب الله نيفا وألف مسئلة (٢).
عدة من مناظراته العلمية:
١ - عن محمد بن سماعة، قال كان عيسى بن أبان بن صدقة الكاتب يصلي معنا، وكنت أدعوه كثيرا إلى محمد، وكان يقول: هؤلاء يخالفوننا في الحديث، فصلى معنا يوما الصبح، وكان يوم مجلس محمد، ولم أفارقه، حتى جلس في المجلس، فلما فرغ قلت: هذا ابن أخيك أبان بن صدقة الكاتب، وأنا أدعوه إليك، فيأبى، ويقول: هؤلاء يخالفوننا في الحديث، فقال: لا تشهد علينا حتى تسمع أيّ حديث خالفناه، فسأله عيسى عن خمسة وعشرين حديثا، فأجابه، وأخبره بما فيه من الناسخ والمنسوخ، وأتى بالشواهد والدلائل، فلما قمنا التفت إليَّ، وقال: كان بيني وبين النور ستر، فارتفع، ثم لزمه، حتى تخرج.
٢ - وذكر قوام الإسلام حماد بن إبراهيم الصفّار البخارى عن محمد بن عبد السّلام عن أبيه، قال: سألت أبا يوسف عن مسئلة، فأجاب، ثم سألت محمدا، فخالفه، واحتج بدلائل، ثم قلت له: إن أبا يوسف يخالفك، فهل لك
стр. 5847
أن تجتمع معه، فاجتمعا في المسجد، فتناظرا، ففهمت إلى قليل، ثم دق الكلام، فلم أفهم (١).
٣ - وذكر الهمداني عن مجاشع بن يوسف، قال: دخل علي مالك، وهو حدث، فقال: ما تقول في جنب لا يجد الماء إلا في المسجد؟ قال: لا يدخل الجنب المسجد، قال، كيف يفعل؟ وقد حضرت الصلاة، وهو يرى الماء، فجعل مالك يكرر، ويقول: لا يدخل الجنب المسجد، فلمّا أكثر عليه محمد، قال مالك: ما تقول أنت؟ فقال: يتيمم، ويدخل، ويأخذ الماء، ويغتسل. فقال من أين أنت؟ فقال: من أهل هذه، وأشار إلى الأرض، فقال: ما من أهل "المدينة" أحد إلا أعرفه، فقال: ما أكثر ما لا تعرفه، فلما نهض قيل: هذا محمد، قيل: كيف يكذب محمد، وقد قال: أنا من أهل "المدينة"، قالوا: إنما أشار إلى الأرض، قال: هذا أشرّ من الأول.
٤ - عن إبراهيم، قال: عرض على الفضيل أن ضفدعا وقع في الخل، ومات أيؤكل الخل؟ قال: لا أدرى، سلوا من يحيى بن سلام، فسأله، فقال: لا أدرى، سله سفيان بن عيينة، فسأله، فقال: لا أدري، فعرفه، فقال: سله عن محمد، فقال: لا يفسد. لأنه موضعه، قلت: كيف؟ قال: أرأيت لو وقع في الماء، ثم صب الماء في الخل، قلت: لا ينجس، قال: كذا هذا. فأخبرت الفضيل، فتعجّب، وحرّك رأسه. ويروى أن الفضيل أرسل إلى أبي يوسف، وهو يخرج من دار الإمارة: فأجاب بما ذكرناه.
٥ - ويروى عنه أنه كان نائما، إذ دقّ عليه رجل الباب بالليل. قال: أجب أمير المؤمنين. قال: فخفت على روحي، وقمت، وتطهرت، ومضيت، فلما دخلت، قال: دعوتك لمسئلة: أن زبيدة لما قلت له: إني إمام العدل، وإمام العدل في الجنة، قالت لي: إنك ظالم فاجر، كفرت بدعواك أنك من
стр. 5848
أهل الجنة. وحرمت عليك. قال: إذا وقعت في معصية هل تخاف الله تعالى في تلك الحالة أو بعدها؟ قال: والله أخافه خوفا شديدا، قال: إنك إذا من أهل الجنتين، لا جنة واحدة. قال الله تعالى: و ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فأمرني بالانصراف، فجئت إلى المنزل، فإذا البدر من الدراهم سبقتني (١).
٦ - ذكر السمعاني عن عيسى بن أبان، قال: قدمنا الرشيد، وغضب على تغلبى، فجرّده، وضربه، ثم قال: انبذ إليهم عهودهم. قال محمد بن الحسن: ليس إلى ذلك سبيل. لأن عمر ﵁ صالحهم. قال: وكان ذلك عن ضرورة. قال: كان أولا كذلك، لكن لم يمت الفاروق حتى قوي، ثم ذو النورين، والمرتضى من بعده، ومن بعده من الأئمة كانوا على قوة وعزة وتمكن، ولم ينقض أحد منهم العهد، فليس لك إليه سبيل، فسكت الرشيد، وتركهم (٢).
ثناء العلماء الفحول على الإمام الشيباني:
انتهت إليه رياسة الفقه بـ"العراق" بعد أبي يوسف، وتفقه به أئمة، وصنف التصانيف، وكان من أذكياء العالم. وقد أثنى عليه في علمه وفهمه وعلوّ كعبه وطول باعه، فى علوم الكتاب والسنّة والقياس واللغة جم غفير من الأئمة، من شيوخه وأقرانه وتلامذته، ممن جاؤوا بعده وأذعنوا بالإمامة والرفعة. وأقدم ههنا كلمات لبعض هؤلاء الأجلة، مما نقله الثقات فى كتبهم.
ثناء قاضي القضاة أبي يوسف:
قال قاضي القضاة أبو يوسف رحمه الله تعالى: إنه أعلم الناس، وقال مرة: إنه من أعلم الناس (٣).
стр. 5849
ثناء الإمام محمد بن إدريس الشافعي:
لم يرو عن الشافعى رحمه الله تعالى ثناء في حق أحد من الأئمة قدر ما روى عنه من الثناء على محمد بن الحسن، ونذكر في هذا المقام كلمات منه.
ذكر السمعاني عن البويطي عن الشافعي أنه قال: أعانني الله برجلين: بابن عيينة في الحديث، وبمحمد في الفقه.
وروى الذهبي في "جزءه" عن إدريس بن يوسف القراطيسى، أنه سمع الشافعي يقول: ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن، كأنه عليه نزل.
وذلك يدلّ على أن الشافعي كان عظيم الإجلال لمحمد بن الحسن، كبير الأدب معه. خلاف مناظرات خيالية ملفقة مستولدة، لا ترد إلا مجرّدة عن الأسانيد بالمرة، أو بأسانيد مركّبة، يذكره الخطيب في "تاريخه" بغير طريقة سؤال التلميذ من أستاذه فيما يستشكله، كيف وقد روى ابن أبي حاتم عن محمد بن الحسن، فلزمته، كتبت عنه، وعرفت أقاويله، وكان إذا قام ناظرت أصحابه، فقال لي: بلغني أنك تناظر أصحابي، فناظرني في الشاهد واليمين، فامتنعت، فألح على، فتكلمت معه، فرفع هو ذلك إلى الرشيد، فأعجبه، ووصلني.
وبهذا يظهر كيف كان محمد بن الحسن يدربه على المناظرة، كيف كان يلفت نظر أمير المؤمنين إليه، كما يظهر بذلك أيضا مبلغ أدب الشافعى مع محمد بن الحسن، يأبى الكلام معه كمناظر، خلاف ما في تلك المناظرات المختلفة، التي لا تجري بين الأستاذ وتلميذه. فملفق هذه المناظرات أساء إلى الشافعي، وهو يريد الإحسان إليه، وهكذا يكون صداقة الجاهل (١).
стр. 5850
وقال الشافعي أيضا: ما رأيت رجلا أعلم بالحرام والحلال والعلل والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن.
إنما ورد الشافعي بـ"بغداد" في أول قدمةٍ قدمها في سنة أربع وثمانين. وإنما اجتمع الشافعي بمحمد بن الحسن الشيباني، فأحسن إليه، وأقبل عليه، ولم يكن بينهما شنآن، كما يذكره بعض من لا خبرة له في هذا الشأن، والله أعلم (١). وقال الشافعي: لو أنصف الناس لعلموا أنهم لم يروا مثل محمد بن الحسن، ما جالست فقيها قط أفقه، ولا أفتق لسانه بالفقه منه، إنه كان يحسن من الفقه وأسبابه أشياء تعجزه عنها الأكابر (٢).
وقال الشافعي: أنفقت على كتب محمد بن الحسن ستين دينارا، ثم تدبرتها، فوضعت إلى جنب كل مسئلة حديثا (٣).
عن الربيع بن سليمان عن الشافعي أنه قال: ليس لأحد عليّ منة في العلم وأسباب الدنيا ما لمحمد عليّ، وكان يترحم عليه في عامة الأوقات.
وقال الشافعي حبست بـ"العراق" لدين، فسمع محمد بن الحسن، فخلصني، فأنا له شاكر من بين الجميع (٤). وقال الشافعي: ما رأيت أحدا أعلم بالفتيا من محمد، كأنه كان يوفق.
وعن يحيى بن عياش: رأيت الإمام الشافعي يتملق لمحمد، حتى يشرح له مسئلة. وعن محمد بن شجاع، قال: تكلم الشافعي يوما في مسئلة، فأعجبه، ثم قال: هذا طراز شيخنا محمد (٥).