← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

الفقه، فقال: ما أنشط له، فقلت: أما أقرءه عليك، فقال لي: أيهما أخفّ عندك فعليَّ: قراءتي عليك، أو قراءتك علي؟ قلت: قراءتي عليك، قال: لا بل قراءتي أخفّ، لأني إنما أستعمل فيها بصري ولساني، وقراءتك أستعمل فيها بصري وذهني وسمعي (١). روي أن الشافعي رحمه الله تعالى بات عند محمد، وقام إلى الصباح، واضطجع محمد، فاستكره الشافعي ذلك، فلما طلع الفجر قام، وصلى بلا تجديد وضوء، فقال الشافعى لمحمد، فقال: إنك عملت لنفسك حتى الصباح، وأنا عملت للأمة، استخرجت من كتاب الله نيفا وألف مسئلة (٢). عدة من مناظراته العلمية: ١ - عن محمد بن سماعة، قال كان عيسى بن أبان بن صدقة الكاتب يصلي معنا، وكنت أدعوه كثيرا إلى محمد، وكان يقول: هؤلاء يخالفوننا في الحديث، فصلى معنا يوما الصبح، وكان يوم مجلس محمد، ولم أفارقه، حتى جلس في المجلس، فلما فرغ قلت: هذا ابن أخيك أبان بن صدقة الكاتب، وأنا أدعوه إليك، فيأبى، ويقول: هؤلاء يخالفوننا في الحديث، فقال: لا تشهد علينا حتى تسمع أيّ حديث خالفناه، فسأله عيسى عن خمسة وعشرين حديثا، فأجابه، وأخبره بما فيه من الناسخ والمنسوخ، وأتى بالشواهد والدلائل، فلما قمنا التفت إليَّ، وقال: كان بيني وبين النور ستر، فارتفع، ثم لزمه، حتى تخرج. ٢ - وذكر قوام الإسلام حماد بن إبراهيم الصفّار البخارى عن محمد بن عبد السّلام عن أبيه، قال: سألت أبا يوسف عن مسئلة، فأجاب، ثم سألت محمدا، فخالفه، واحتج بدلائل، ثم قلت له: إن أبا يوسف يخالفك، فهل لك

стр. 5847

أن تجتمع معه، فاجتمعا في المسجد، فتناظرا، ففهمت إلى قليل، ثم دق الكلام، فلم أفهم (١). ٣ - وذكر الهمداني عن مجاشع بن يوسف، قال: دخل علي مالك، وهو حدث، فقال: ما تقول في جنب لا يجد الماء إلا في المسجد؟ قال: لا يدخل الجنب المسجد، قال، كيف يفعل؟ وقد حضرت الصلاة، وهو يرى الماء، فجعل مالك يكرر، ويقول: لا يدخل الجنب المسجد، فلمّا أكثر عليه محمد، قال مالك: ما تقول أنت؟ فقال: يتيمم، ويدخل، ويأخذ الماء، ويغتسل. فقال من أين أنت؟ فقال: من أهل هذه، وأشار إلى الأرض، فقال: ما من أهل "المدينة" أحد إلا أعرفه، فقال: ما أكثر ما لا تعرفه، فلما نهض قيل: هذا محمد، قيل: كيف يكذب محمد، وقد قال: أنا من أهل "المدينة"، قالوا: إنما أشار إلى الأرض، قال: هذا أشرّ من الأول. ٤ - عن إبراهيم، قال: عرض على الفضيل أن ضفدعا وقع في الخل، ومات أيؤكل الخل؟ قال: لا أدرى، سلوا من يحيى بن سلام، فسأله، فقال: لا أدرى، سله سفيان بن عيينة، فسأله، فقال: لا أدري، فعرفه، فقال: سله عن محمد، فقال: لا يفسد. لأنه موضعه، قلت: كيف؟ قال: أرأيت لو وقع في الماء، ثم صب الماء في الخل، قلت: لا ينجس، قال: كذا هذا. فأخبرت الفضيل، فتعجّب، وحرّك رأسه. ويروى أن الفضيل أرسل إلى أبي يوسف، وهو يخرج من دار الإمارة: فأجاب بما ذكرناه. ٥ - ويروى عنه أنه كان نائما، إذ دقّ عليه رجل الباب بالليل. قال: أجب أمير المؤمنين. قال: فخفت على روحي، وقمت، وتطهرت، ومضيت، فلما دخلت، قال: دعوتك لمسئلة: أن زبيدة لما قلت له: إني إمام العدل، وإمام العدل في الجنة، قالت لي: إنك ظالم فاجر، كفرت بدعواك أنك من

стр. 5848

أهل الجنة. وحرمت عليك. قال: إذا وقعت في معصية هل تخاف الله تعالى في تلك الحالة أو بعدها؟ قال: والله أخافه خوفا شديدا، قال: إنك إذا من أهل الجنتين، لا جنة واحدة. قال الله تعالى: و ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فأمرني بالانصراف، فجئت إلى المنزل، فإذا البدر من الدراهم سبقتني (١). ٦ - ذكر السمعاني عن عيسى بن أبان، قال: قدمنا الرشيد، وغضب على تغلبى، فجرّده، وضربه، ثم قال: انبذ إليهم عهودهم. قال محمد بن الحسن: ليس إلى ذلك سبيل. لأن عمر ﵁ صالحهم. قال: وكان ذلك عن ضرورة. قال: كان أولا كذلك، لكن لم يمت الفاروق حتى قوي، ثم ذو النورين، والمرتضى من بعده، ومن بعده من الأئمة كانوا على قوة وعزة وتمكن، ولم ينقض أحد منهم العهد، فليس لك إليه سبيل، فسكت الرشيد، وتركهم (٢). ثناء العلماء الفحول على الإمام الشيباني: انتهت إليه رياسة الفقه بـ"العراق" بعد أبي يوسف، وتفقه به أئمة، وصنف التصانيف، وكان من أذكياء العالم. وقد أثنى عليه في علمه وفهمه وعلوّ كعبه وطول باعه، فى علوم الكتاب والسنّة والقياس واللغة جم غفير من الأئمة، من شيوخه وأقرانه وتلامذته، ممن جاؤوا بعده وأذعنوا بالإمامة والرفعة. وأقدم ههنا كلمات لبعض هؤلاء الأجلة، مما نقله الثقات فى كتبهم. ثناء قاضي القضاة أبي يوسف: قال قاضي القضاة أبو يوسف رحمه الله تعالى: إنه أعلم الناس، وقال مرة: إنه من أعلم الناس (٣).

стр. 5849

ثناء الإمام محمد بن إدريس الشافعي: لم يرو عن الشافعى رحمه الله تعالى ثناء في حق أحد من الأئمة قدر ما روى عنه من الثناء على محمد بن الحسن، ونذكر في هذا المقام كلمات منه. ذكر السمعاني عن البويطي عن الشافعي أنه قال: أعانني الله برجلين: بابن عيينة في الحديث، وبمحمد في الفقه. وروى الذهبي في "جزءه" عن إدريس بن يوسف القراطيسى، أنه سمع الشافعي يقول: ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن، كأنه عليه نزل. وذلك يدلّ على أن الشافعي كان عظيم الإجلال لمحمد بن الحسن، كبير الأدب معه. خلاف مناظرات خيالية ملفقة مستولدة، لا ترد إلا مجرّدة عن الأسانيد بالمرة، أو بأسانيد مركّبة، يذكره الخطيب في "تاريخه" بغير طريقة سؤال التلميذ من أستاذه فيما يستشكله، كيف وقد روى ابن أبي حاتم عن محمد بن الحسن، فلزمته، كتبت عنه، وعرفت أقاويله، وكان إذا قام ناظرت أصحابه، فقال لي: بلغني أنك تناظر أصحابي، فناظرني في الشاهد واليمين، فامتنعت، فألح على، فتكلمت معه، فرفع هو ذلك إلى الرشيد، فأعجبه، ووصلني. وبهذا يظهر كيف كان محمد بن الحسن يدربه على المناظرة، كيف كان يلفت نظر أمير المؤمنين إليه، كما يظهر بذلك أيضا مبلغ أدب الشافعى مع محمد بن الحسن، يأبى الكلام معه كمناظر، خلاف ما في تلك المناظرات المختلفة، التي لا تجري بين الأستاذ وتلميذه. فملفق هذه المناظرات أساء إلى الشافعي، وهو يريد الإحسان إليه، وهكذا يكون صداقة الجاهل (١).

стр. 5850

وقال الشافعي أيضا: ما رأيت رجلا أعلم بالحرام والحلال والعلل والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن. إنما ورد الشافعي بـ"بغداد" في أول قدمةٍ قدمها في سنة أربع وثمانين. وإنما اجتمع الشافعي بمحمد بن الحسن الشيباني، فأحسن إليه، وأقبل عليه، ولم يكن بينهما شنآن، كما يذكره بعض من لا خبرة له في هذا الشأن، والله أعلم (١). وقال الشافعي: لو أنصف الناس لعلموا أنهم لم يروا مثل محمد بن الحسن، ما جالست فقيها قط أفقه، ولا أفتق لسانه بالفقه منه، إنه كان يحسن من الفقه وأسبابه أشياء تعجزه عنها الأكابر (٢). وقال الشافعي: أنفقت على كتب محمد بن الحسن ستين دينارا، ثم تدبرتها، فوضعت إلى جنب كل مسئلة حديثا (٣). عن الربيع بن سليمان عن الشافعي أنه قال: ليس لأحد عليّ منة في العلم وأسباب الدنيا ما لمحمد عليّ، وكان يترحم عليه في عامة الأوقات. وقال الشافعي حبست بـ"العراق" لدين، فسمع محمد بن الحسن، فخلصني، فأنا له شاكر من بين الجميع (٤). وقال الشافعي: ما رأيت أحدا أعلم بالفتيا من محمد، كأنه كان يوفق. وعن يحيى بن عياش: رأيت الإمام الشافعي يتملق لمحمد، حتى يشرح له مسئلة. وعن محمد بن شجاع، قال: تكلم الشافعي يوما في مسئلة، فأعجبه، ثم قال: هذا طراز شيخنا محمد (٥).

стр. 5851

وقد تواتر عن الشافعي رحمه الله تعالى بألفاظ مختلفة أنه قال: ما رأيت أحدا سئل عن مسئلة فيها نظر إلا رأيت الكراهية في وجهه، إلا محمد بن الحسن، كما ينقله الشيخ عبد الحي بن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" (١). وقال الربيع بن سليمان، سمعت الشافعي يقول: لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلته لفصاحته. قال الإمام الشافعي: ما رأيت سمينا أخفّ روحا من محمد بن الحسن، وما رأيت أفصح منه، كنت أظنّ إذا رأيته يقرأ القرآن كأن القرآن نزل بلغته. وقال أيضا: ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن. وروى عنه، أن رجلا سأله عن مسئلة فأجابه، فقال له الرجل: خالفك الفقهاء، فقال له الشافعي: وهل رأيت فقيها قط، اللهم إلا أن يكون رأيت محمد بن الحسن. وروى عن الشافعي أنه قال: ما ناظرت أحدا إلا تغير وجهه ما خلا محمد بن الحسن. ولو لم يعرف لسانهم لحكمنا أنهم من الملائكة. محمد في فقهه، والكسائى في نحوه. والأصمعي في شعره. وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: حملت عن محمد وقر بعير كتابا. روى ربيع بن سليمان قال: كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن، وقد طلب منه كتبا، فأخرها، وكتب إليه، شعر: قل لمن لم تر عين من رآه مثله … ومن كأن رآه قد رآى من قبله العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله … لعله يبذله لأهله لعله

стр. 5852

فأنفذ إليه الكتب من وقته وذكر في "كتاب التعليم" أن من جملة الكتب التي طلبها الشافعي: "السير الكبير" لمحمد بن الحسن (١). قلت: قد أثنى الإمام الشافعي في هذا النظم على الإمام الشيباني ثناء بليغا، كما لا يخفى. وعن الديلمى، أن الشافعي قال: جالسته عشر سنين، وحملت من كلامه حملى جمل، لو كان يكلمنا على قدر. يقولون أجسام المحبين نضوة … وأنت سمين لست غير مراء فقلت لأن الحب خالف طبعهم … ووافقه طبعي فصار غذائي قال الإمام الكشميري رحمه الله تعالى في "فيض الباري على صحيح البخاري" ١: ١٥٢ وهذا الشافعي لما كان فقيه النفس أثنى على محمد بن الحسن رحمه الله تعالى بما هو أهله، فتارة قال: إنه كان يملأ العين والقلب (لأنه كان جميلا، ويملأ القلب من العلم). وقال أخرى: إذا تكلم محمد رحمه الله تعالى، فكأنما ينزل الوحي. ومرة قال: إني حملت عنه وقر بعير من العلم. وأما المحدثون فمن لم يكن منهم فقيها لم يعرف قدره ورتبته، ولم تنقل عنهم كلمات التبجيل في شأنه رحمه الله تعالى. ووجه نكارتهم أنه أول من جرد الفقه من الحديث، وكانت شاكلة التصنيف قبل ذلك ذكر الآثار والفقه مختلطا، فلما خالف رأيهم طعنوا عليه في ذلك، مع أنه لم يبق الآن أحد عن المذاهب الأربعة إلا وقد فعل فعله، وسار سيرته، فرحمه الله من أنصف، ولم يتعسف (٢). ثناء الإمام أحمد بن حنبل: قال الإمام القدوة شيخ الإسلام ناصر السنّة أحد الأئمة "الأربعة أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى: إذا كان في المسئلة قول ثلاثة لم يسمع

стр. 5853

مخالفتهم، فقيل له: من هم؟ قال: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، فأبو حنيفة أبصرهم بالقياس، وأبو يوسف أبصر الناس بالآثار، ومحمد أبصر الناس بالعربية. وهذا كله أورده السمعاني في "كتاب الأنساب" (١). وعن إبراهيم الحربى: قلت لأحمد بن حنبل: من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟ قال من كتب محمد بن الحسن. وبه تبين أن لأبي حنيفة منة على المذاهب كلها. فالشافعى رحمه الله تعالى أخذ الفقه عن صاحبه محمد بن الحسن، وحمل عنه وقر بعير كتبا، وروى عنه الحديث أيضا، واستفاد أحمد الدقاق من كتبه، وطلب الحديث أولا عند أبي يوسف، وتلمذ له (٢). ثناء الإمام داود الطائي: وعن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، قال: قال محمد بن الحسن: بلغني أنه (الإمام داود الطائى) كان يسأل عني وعن خلى، فإذ أخبر قال: إن عاش، فسيكون له شأن. ثناء إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: وفي "تاريخ الخطيب" بسنده إلى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة أنه قال: كان محمد بن الحسن له ذكاء مفرط، وعقل تام، وسؤدد، وكثرة تلاوة (٣). وذكر الحلبي عن إسماعيل بن حماد بن الإمام الأعظم أنه كان لمحمد مجلس بـ"الكوفة"، وهو ابن عشرين سنة (٤).

стр. 5854

ثناء الإمام المزني ووقف رجل على المزني، فسأله عن أهل "العراق"، فقال: ما تقول في أبي حنيفة؟ فقال: سيّدهم. قال: أبو يوسف؟ قال: أتبعهم للحديث. قال: فمحمد بن الحسن؟ قال: أكثرهم تفريعا. قال: فزفر؟ قال أحدّهم قياسا. ثناء أبي داود والدارقطنى: وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في "لسان الميزان": قال أبو داود: لا يستحق الترك. وقال الدارقطني في "غرائب مالك": إن مالكا لم يذكر الرفع عند الركوع فى "الموطأ"، وذكره في غير "الموطأ"، حدث به عشرون نفرا من الثقات الحفاظ. منهم: محمد بن الحسن الشيباني، ويحيى بن سعيد القطان. اهـ. يعدّه الدارقطنى من الثقات الحفاظ، كما ترى. ثناء شيخ الإسلام ابن تيمية: قال الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد الفقيه المفسّر شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحرّاني البارع في الرجال وعلل الحديث في كتابه "منهاج السنة النبوية في نقض قول الشيعة والقدرية" ما نصه: وهؤلاء أهل العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم، وليس لهم غرض مع أحد، بل يرجّحون قول هذا الصحابي تارة، وقول هذا الصحابي تارة، بحسب ما يرونه من أدلة الشرع، كسعيد بن المسيّب، وفقهاء "المدينة"، مثل عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وعلي بن الحسين، وأبى بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وغير هؤلاء، ومن بعدهم، كابن الشهاب الزهري، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد، وربيعة، ومالك بن أنس، وابن أبي زيد، وعبد العزيز الماجشون، وغيرهم.

стр. 5855

ومثل طاؤس اليماني، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن زبير، وعبيد بن عمير، وعكرمة مولى ابن عباس، ومن بعدهم، مثل عمرو بن دينار، وابن جريج، وابن عيينة، وغيرهم من أهل "مكة". ومثل الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وجابر بن زيد أبي الشعثاء، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، ثم أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وسليمان التيمى، وقتادة، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد. وأمثالهم مثل علقمة، والأسود، وشريح القاضي، وأمثالهم. ثم إبراهيم النخعى، وعامر الشعبي، والحكم بن عتيبة، ومنصور بن المعتمر، إلى سفيان الثوري، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وشريك، إلى وكيع بن الجراح، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأمثالهم. ثم الشافعى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، والحميدي عبد الله بن الزبير، وأبو ثور، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن جرير الطبري، وأبو بكر بن المنذر (١). قال شيخنا المحدث الجليل والفقيه النبيل العلامة عبد الرشيد النعماني بعد ذكر هذه العبارات: فقد عدّ الحافظ ابن تيمية أبا حنيفة وصاحبيه: أبا يوسف ومحمد بن الحسن من أهل العلم، الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم، وليس لهم غرض مع أحد، بل يرجّحون قول هذا الصحابي تارة، وقول هذا الصحابي تارة، بحسب ما يرونه من أدلة الشرع، وسرد أسماء قرنائهم. ثناء الإمام شمس الأئمة السرخسي: وذكر الإمام الكبير أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي في مبدأ كتابه "المبسوط" مزايا الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان

стр. 5856

وأصحابه إجمالا فقال: أول من فرّع فيه وألَّف وصنَّف سراج الأئمة أبو حنيفة رحمة الله عليه بتوفيق من الله ، حضّه به واتفاق من أصحاب اجتمعوا له، كأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن خنيس الأنصاري رحمه الله تعالى المقدم في علم الأخبار، والحسن بن زياد اللؤلؤي المقدم في السوال والتفريع، وزفر بن الهذيل بن قيس بن سليم بن قيس بن مكمل بن ذهل بن ذؤيب بن جذيمة بن عمرو المقدم في القياس، ومحمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى المقدم في الفطنة، وعلم الإعراب، والنحو، والحساب (١). ثناء الإمام محمد بن مسلمة: وفي "مناقب الكردرى" عن محمد بن سلمة أن محمد بن الحسن جزأ الليل ثلاثة أجزاء، جزءا للنوم، وجزءا للصلاة، وجزءا للدرس. وكان كثير السهر، فقيل له: لم لا تنام؟ وقد نامت عيون المسلمين تعويلا علينا، ويقولون: إذا وقع لنا أمر رفعناه إليه، فيكتفيه لنا، فإذا أنمنا ففيه تضييع للدين، هذا هو والله خدمة الدين، والإسلام، والمسلمين. فهكذا يكون العلماء والفقهاء، ولا كأمثالنا عبيد الدراهم والدنانير، أرقاء الهوى وأحباء الدنيا. اللهم انصر دين حبيبك محمد ﷺ بأمثال محمد بن الحسن الإمام في كل زمان. آمين. ثناء عتيق بن داود اليماني: قال القاضى الإمام أبو بكر عتيق بن داود اليماني رحمه الله تعالى في رسالته، التي صنفها في فضل أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إنه الإمام المقدم والحبر المفخم، رباني العلم، ومعدن الفهم، دوحة العلم وجرثومته، وعنصر الفقه، أرومته، إمام الأئمة، وسراج الأمة، ضخم الدسيعة، السابق إلى تدوين علم الشريعة، فكان أول من دوَّنه، وحفظه، وأتقنه. ثم أيَّده الله بالتوفيق

стр. 5857

والعصمة، منا منه سبحانه على هذه الأمة، ورحمة. فجمع له ما لم يجمع لإمام بعده ولا قبله، من الأصحاب الذين هم في العلم والفهم لب اللباب. ثم أثنى على قاضي القضاة ثناء بليغا، ثم أثنى على الإمام محمد بن الحسن الشيباني ما نصّه: ومنهم: ذو الفهم والبيان، الماهر في الفقه وعلم اللسان، محمد بن الحسن الشيباني (١). ثناء الإمام بكر بن محمد العمي: وقال أبو حازم: سمعت بكر بن محمد العمي يقول: إنما أخذ ابن سماعة عيسى بن أبان حسن الصلاة من محمد بن الحسن (٢). ثناء شيخ الإسلام الذهبي: قال مؤرخ الإسلام، الحافظ الناقد البصير، شمس الدين الذهبي، الذى هو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال في حق الإمام محمد بن الحسن الشيبانى: كان محمد بن الحسن الشيبانى من بحور العلم والفقه، قويا في مال. انتهى (٣). ثناء الإمام ابن سعد الكاتب: وقال ابن سعد الكاتب: كان أصل محمد من "الجزيرة"، ونشأ بـ"الكوفة"، وطلب الحديث، وسمع سماعا كثيرا، وقدم "بغداد"، فنزل بها، واختلف إليه الناس، وسمعوا منه الحديث والرأى (٤).

стр. 5858

ثناء أبي عبيد قاسم بن سلام: وروى عنه أي الإمام الشيباني أبو عبيد قاسم بن سلام، وقال: وما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن (١). ثناء الإمام يحيى بن معين: وعن يحيى بن معين، قال: كتبت "الجامع الصغير" عن محمد بن الحسن. ثناء الإمام محمويه: عن أبي رجاء عن محمويه، قال: كنا نعدّه من الأبدال. قال: رأيت محمد بن الحسن في منام، فقلت: يا أبا عبد الله إلى ما صرت؟ قال: قال لي ربى: إني لم أجعلك وعاء العلم، وأنا أريد أن أعذبك، قلت: ما فعل أبو يوسف، قال: فوقي. قلت: فأبو حنيفة؟ قال: فوقه بطبقات كثيرة. ثناء الإمام أبي حفص الكبير قال مسند "بخارى" وفقيه المشرق، إمام الحنفية في "ما وراء النهر"، الإمام أبو حفص الكبير البخارى رحمه الله تعالى: من نظر إلى محمد عرف أنه خلق للعلم، ومع ذلك صلاح غالب، وحفظ اللسان، والسمت الحسن، والتودد، والخلق الجميل، وأدب النفس، والعقل الكامل. قال محمد بن سلام: أنفقت على كتبه عشرة آلاف درهم، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت إلا بكتب الرجل الصالح محمد بن الحسن. ثناء الإمام أحمد بن كامل القاضي: عن أحمد بن كامل القاضي: كان محمد موصوفا بالرواية، والكمال في الرأي والتصنيف، وله المنزلة الرفيعة، وكان أصحابه يعظمونه جدا (٢).

стр. 5859

ثناء العلامة الشيخ عبد الحي اللكنوي: قال الفاضل العلامة الشيخ عبد الحي بن الشيخ عبد الحليم اللكنوي رحمه الله تعالى بعد أن سرد هذه النصوص من العلماء: قلت: بهذه العبارات الواقعة من الأثبات وغيرها من كلمات الثقات، التي تركنا ذكرها خوفا من التطويل، يظهر جلالة قدره وفضله الجميل، فمن طعن عليه كأنه لم تفرع هذه الكلمات، ولم يصل بصره إلى كتب النقاد الأثبات، وكفاك مدح الشافعي له بعبارات رشيقة وكلمات لطيفة ورواية عنه. ثناء الإمام زاهد الكوثري: وقد أثني عليه الإمام الكوثري ثناء بليغا بما نصّه: وهذا أيضا مجتهد مطلق وإمام مطلق وإمام عظيم، تخرج به عظماء، على كتبه مدار الكتب المدونة في المذاهب، ولما سئل أحمد بن حنبل عن أجوبته الدقيقة من أين لك هذه؟ قال: من كتب محمد بن الحسن، وبه تفقه إمام الخطيب الإمام الشافعي، والإمام أبو عبيد قاسم بن سلام، والإمام أسد بن الفرات -مدوّن مذهب مالك- وغيرهم من أساطين العلم (١). ثناء العلامة ظفر أحمد العثماني قال المحدّث الفاضل الشيخ ظفر أحمد العثماني رحمه الله تعالى في "قواعد في علوم الحديث" في ترجمة الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى: هو نادرة الزمان، بحر العلوم، حافظ الحديث، فقيه العلم، الإمام، محمد ابن الحسن الشيباني (٢).

стр. 5860

ثناء الشيخ زكريا الكاندهلوي: قال الشيخ المحدّث النبيل محمد زكريا الكاندهلوي رحمه الله تعالى في "مقدمة أوجز المسالك" عند ذكر الإمام مالك ما نصّه: الخامسة عشر نسخة سراج مذهب الحنفية محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، اسمه مغن عن ذكر مفاخره (١). فضل محمد على بعض مشايخه: وكثير من أهل العلم يفضل محمد بن الحسن على بعض مشايخه في الفقه، فضلًا عن مشايخه في الحديث. قال الحافظ ابن أبي العوام السعدي: سمعت الطحاوى قال: سمعت محمد ابن سنان يقول: سمعت عيسى بن سليمان يقول: لما قدم يحيى بن أكثم مع المأمون يريد "مصر"، لقي يحيى بن صالح الوحاظي (من مشايخ البخاري بالشام) فقال له: يا أبا زكريا! أيما كان أكثر تيقّظا؟ مالك بن أنس أو محمد بن الحسن؟ فقال له يحيى بن صالح: كان محمد بن الحسن نائما مستثقلا أيقظ من مالك جالسا مجتمعا. فضل محمد كثير على العلماء: عن أبي عبيد قال: كنا عند محمد إذا أقبل الرشيد، فقام الناس كلهم إلا محمد، وكان الحسن ثقيل القلب عليه. فقام، ودخل الناس، فبعد يسير أذن لمحمد، فدخل، ثم خرج مسرور النفس، فقال: قال لي: ما لَكَ لم تقم مع الناس؟ قلت: كرهت أن أخرج إلى طبقة الخدمة من الطبقة التي جعلتني فيها، وقد حدّثت عن ابن عمّك: من أحبّ أن يتمثل له الرجال قياما فليتبؤ مقعده من النار، وإنما أراد به العلماء، فمن قام لحق الخدمة فهو إعزاز

стр. 5861

للملك، وهيبة للعدو، ومن لم يقم اتبع السنّة، التي أخذت عنكم، قال: صدقت (١). عن محمد بن كامل المروزي، قال: ما رأيتُ فتى أجل منه، ولا مجلسا أنبل منه، ولا إملاء أحسن من إملاءه، وكان من أحج الناس، وأورع الناس، وكان أهل "بغداد" إليه أميل، وبقوله آخذ من قول أبي يوسف (٢). كان الإمام الأعظم وصاحبيه أول المتكلمين: قال الحافظ الحارثي: حدّثنا على بن موسى سمعتُ يعقوب بن شيبة، سمعتُ قبيصة يقول: كان أبو حنيفة في أول أمره يجادل أهل الأهواء، حتى صار رأسا في ذلك، منظورا إليه، ثم ترك الجدال، ورجع إلى الفقه والسنّة، وصار إماما فيه. كذا ذكره صدر الأئمة في "المناقب" بإسناده إلى الحارثي. وقال العلامة كمال الدين أحمد بن حسن بن سنان الدين القاضي الرومي الحنفي قاضي العسكر في مبدأ كتابه "إشارات المرام من عبارات الإمام" وهو أول من دون الأصول الدينية، وأتقنها بقواطع البراهين اليقينية، في مبادي أمره بعيد رأس المائة الأولى. وفي "التبصرة البغدادية" إن أول متكلمى أهل السنّة من الفقهاء أبو حنيفة، ألف فيه "الفقه الأكبر"، و"الرسالة" في نصرة أهل السنّة، وقد ناظر فرق الخوارج، والشيعة، والقدرية، والدهرية. وكان دعاتهم بـ"البصرة"، فسافر إليها نيفا وعشرين مرة، وقصمهم بالأدلة الباهرة، وبلغ في الكلام إلى أن كان المشار إليه بين الأنام. واقتفى به تلامذته الأعلام، ففى "المناقب الكردرية" وغيرها عن الإمام خالد بن زيد العمري أنه: كان الإمام أبو حنيفة، وأبو

стр. 5862

يوسف، ومحمد، وزفر، وحمّاد بن أبي حنيفة، قد خصموا بالكلام الناس، أي ألزموا المخالفين، وهم أئمة العلم (١). شأن محمد في قلوب الفقهاء من المحدّثين: وروى ابن أبي العوام عن الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود أنه قال: سمعتُ يحيى ابن صالح الوحاظي يقول: حججت مع محمد بن الحسن، فلما كنا بمنى رأيتُ خالد بن عبد الله "وهو أبو الهيثم الواسطي"، وصرت إلى مجلسه، فازدحم عليه أصحاب الحديث حتى آذوه، فقال: عيسى: لو سئل هؤلاء عن مسئلة من الفقه ما عرفوا الجواب فيها. فاستحسن جوابي، وقال لي: ممن علمت هذا؟ فقلت: عن محمد بن الحسن، وهو حاج معك، فقال لي: إذا فرغنا فامض بي إلى مضربه، حتى أسلم عليه. فلما فرغنا مضيت معه إلى محمد بن الحسن، فلما رآه قام. هذا يدلك على عظم شأن محمد في قلوب الفقهاء من المحدّثين، وأما من لا يعرف إلا سرد الروايات من غير تفقه فليقل ما شاء. قلت: فيه دلالة واضحة على أن السلف كانوا ينكرون على من طلب الحديث، وأعرض عن الفقه (٢). بلاغات الإمام محمد الشيباني عند الفقهاء حكم تعاليق البخاري عند المحدّثين: قال محمد رحمه الله تعالى في "الأصل": بلغنا عن علي كرم الله تعالى وجهه: أن رجلًا أقام عنده بينة على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فقضى له بالمرأة، فقالت: إنه لم يتزوجني، فأما إذا قضيت عليّ فجدّد نكاحي. فقال: لا أجدّد نكاحك، الشاهدان زوّجاك. قال: وبهذا نأخذ، فلو لم ينعقد النكاح

стр. 5863

بينهما باطنا بالقضاء لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها، ورغبة الزوج فيها، وقد كان في ذلك تحصينا من الزنا، وصيانة مائه. ا هـ. من رسالة العلامة قاسم المؤلفة في هذه المسئلة. وقوله: "وبهذا نأخذ" دليل لما حكاه الطحاوي من أن قول محمد كقول أبي حنيفة، كذا في "رد المحتار" للعلامة الشامي، رحمه الله تعالى. ولا يخفى أن حكم بلاغات الإمام محمد عند الفقهاء حكم تعاليق البخاري عند المحدّثين، كما هو مصرّح في كتب الأصول (١). إن لمحمد بن الحسن منة عظيمة على المذاهب كلها: إن لمحمد بن الحسن منة عظيمة على المذاهب كلها، أما مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان فمحمد محرّره وناشره، وكتبه المشهورة بظاهر الرِّواية أصله وأساسه. و"الأسدية" التي هى أصل "المدونة" في مذهب مالك إنما ألفت في ضوء كتب محمد كما سبق، والشافعي رحمه الله تعالى إنما ألفت قديمه وجديده بعد أن تفقه على محمد، وكتب كتبه، وحفظ منها ما حفظ. وابن حنبل كان يجاوب في المسائل من كتب محمد، هكذا من بعدهم من الفقهاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٢). حسن أدب الإمام محمد مع أساتيذه: وفي "غاية البيان" شرح "الهداية" لأمير كاتب الإتقان في باب الأذان: ذكر محمد في "الجامع الصغير" أبا يوسف باسمه دون كنيته، حتى لا يكون وهم التسوية في التعظيم بين شيخين، لأن الكنية للتعظيم، وكان محمد مأمورا من جهة أبي يوسف بأن يذكر باسمه، حيث يذكر أبا حنيفة. فعن هذا قال مشايخنا بـ"بخارى": من الأدب أن لا يدعو بعض الطلبة

стр. 5864

بعضهم بلفظ مولانا عند أستاذهم، احترازا عن التسوية في التعظيم بين الأستاذ والتلميذ. انتهى (١). تصانيفه الفائقة الممتعة: والإمام الهمام محمد بن الحسن الشيباني -أغدق الله على قبره شآبيب رضوانه- قد صنّف كتبا كثيرة، حتى قيل: إنه صنف في العلوم الدينية تسعمائة وتسعا وتسعين كتابا. وكان هو رحمه الله تعالى فصيحا لغويا أديبا، استند بقوله أبو عبد الله في "غريب الحديث" (٢). وذكر الحلبي عن الحسن بن داود، قال: افتخر أهل "البصرة" بأربعة كتب "كتاب البيان والتبيين"، و"طبائع الحيوان" للجاحظ، و"كتاب سيبويه"، و"كتاب الخليل" في العين. ونحن نفتخر بسبعة وعشرين ألف مسئلة، عملها رجل في الحلال والحرام قياسية عقلية، يقال له محمد بن الحسن، لا يسع الناس جهله، و"كتاب القراء"، في المعاني، و"كتاب المصادر"، و"كتاب الوقف والابتداء"، و"كتاب الواحد والجمع"، وكتاب واحد على من الأخبار مثل كل كتاب ألفه البصريون، وهو كتاب ابن الأعرابي، كان أوحد الناس في اللغة (٣). وذكر العلامة أبو الوفاء الأفغاني رحمه الله تعالى في مقدمة تحقيقه على "كتاب الآثار": لم يصل إلينا من أي عالم في طبقة كتب في الفقه، قدر ما وصل إلينا من محمد بن الحسن، بل كتبه هي العماد للكتب المدوّنة في فقه المذاهب، فكم رأينا بين المحامين الباحثين، فضلًا عن قضاة الشرع الفقهاء من يرغب رغبة صادقة في نشر كتب محمد بن الحسن، اعترافا منهم بأن كتبه هي

стр. 5865

أسس الكتب المدوّنة في فقه المذاهب، ولا يخفى مبلغ استمداد الكتب المدوّنة في المذاهب من كتب محمد بن الحسن. فـ"الأسدية" التي هي أصل "المدونة" في مذهب مالك إنما ألفت تحت ضوء كتب محمد. والشافعي وإنما ألف قديمه وجديده بعد أن تفقه على محمد، وكتب كتبه، وحفظ منها ما حفظ وابن حنبل كان يجاوب في المسائل من كتب محمد نذكر هنا جملة من تصانيفه المشهورة. كتاب الأصل المعروف بالمبسوط: فمنها: "كتاب الأصل" المعروف بـ"المبسوط"، وهو أكبر ما وصل إلينا من كتبه، وهو في ستة مجلدات، كل مجلد منها نحو خمسمائة ورقة، وهو الذي يقال عنه: إن الشافعي كان حفظه، وألف "الأم" على محاكاة "الأصل"، وأسلم حكيم من أهل الكتاب بسبب مطالعة "المبسوط" هذا، قائلا: هذا كتاب محمدكم الأصغر فكيف كتاب محمدكم الأكبر؟ يرويها جماعة من أصحابه، وقد قدر الله ذيوعا عظيما لهذا الكتاب، يحتوي على فروع تبلغ عشرات الألوف من المسائل في الحلال والحرام، لا يسع الناس جهلها. وهو الكتاب الذي كان أبو الحسن بن داود يفاخر به أهل "البصرة"، وطريقته في الكتاب سرد الفروع على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف، مع بيان رأيه في المسائل، ولا يسرد الأدلة حيث تكون الأحاديث الدالة على المسائل بمتناول جمهور الفقهاء من أهل طبقته. وإنما يسردها في مسائل ربما تعزب أدلتها عن علمهم، فلو جرّدت الآثار من هذا الكتاب الضخم تكون في مجلد لطيف، وتوجد عدّة نسخ كاملة منه في خزانات "إستانبول"، منها: ما هو في ستة مجلدات، وهي نسخة مكتبة فيض الله، ومنها: ما هو في أربعة مجلدات، وهي نسخ مكتبات جار الله ولي الدين، وقره مصطفى باشا، ومراد ملا. وأقدمها نسخة مراد ملا، وكلها من رواية الجوزجاني. وعدد المجلدات مما يختلف باختلاف الخط، ويوجد في

стр. 5866

مكتبة الأزهر مجلد من أوله، وفي دار الكتب المصرية عدة مجلدات باسم "الأصل"، وباسم كتاب في الفروع من غير أن تتم بها نسخة واحدة. وتشرفت إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي بطبع حصة منه إلى كتاب البيوع والسلم في خمس مجلدات. قلت: إن نسخ "المبسوط" المروية عن محمد متعددة، وأظهرها "مبسوط أبي سليمان الجوزجاني". وشرح "المبسوط" جماعة من المتأخِّرين، مثل شيخ الإسلام بكر المعروف بخواهر زاده، ويسمى "الكبير"، وشمس الأئمة الحلواني، وغيرهما. ومبسوطاتهم شروح في الحقيقة، ذكروها مختلطة بـ"مبسوط محمد"، كما فعل شراح "الجامع الصغير". مثل فخر الإسلام، وقاضي خان، وغيرهم. فيقال: ذكره قاضي خان في "الجامع الصغير" والمراد شرحه، كذا في غيره. ملخّصا من "شرح البيري" على "الأشباه"، وشرح الشيخ إسماعيل النابلسى على "شرح الدرر" (١). الجامع الصغير: ومنها: "الجامع الصغير"، وسيأتي ذكره في آخر الكتاب، إن شاء الله تعالى. السير الصغير: ومنها: "السير الصغير" يرويه عن أبي حنيفة ﵀ تعالي، وحاول الأوزاعي الرد على سير أبي حنيفة، فجاوبه أبو يوسف. الجامع الكبير: ومنها: "الجامع الكبير"، وهو كتاب جامع لجلائل المسائل، مشتمل على عيون الروايات ومتون الدرايات، بحيث كاد أن يكون معجزا. كما يقول

стр. 5867

الأكمل في "شرحه" على "تلخيص الخلاطي" لـ"الجامع الكبير"، وقال محمد بن شجاع الثلجى فيه: إنه لم يؤلف في الإسلام مثله في الفقه. وقال الإمام المجتهد أبو بكر الرازي في شرحه على "الجامع الكبير": كنت أقرأ بعض مسائل من "الجامع الكبير" على بعض المبرزين في النحو (يعني أبا علي الفارسي)، فكان يتعجب من تغلغل واضع هذا الكتاب في النحو. وروى ابن أبي العوام بسنده عن الأخفش ثناء بالغا في حق هذا الكتاب من جهة موافقته للعربية تمام الموافقة. وكتب العلامة الشريف النقيب جمال الدين بن عبيد الله من "الموصل" في المحرم سنة خمس عشرة وستمائة إلى القاضي شرف الدين بن عنين، يقول فيه: كنت مذ زمن طويل تأملت كتاب "الجامع الكبير" لمحمد بن الحسن ﵀، وارتقم على خاطري منه شئ، والكتاب في فنه كتاب عجيب، لم يصنّف مثله، إلى أن سأل فيه من مسائل استشكلها، وأجاب عنها الملك المعظم عيسي، وأوردها فيما رد به على الخطيب، وذكر نصوصا من الكتاب المذكور مما يدلّ على تغلغل محمد وشيخه في أسرار العربية، وهذا الكتاب يعدّ ألقية الفقهاء، يختبر به تفاوت مداركهم، ومبلغ يقظتهم في الفقه. وقد أقر جماهير أهل العلم باستبحار واضعه في العربية، وبأنه حجة في اللغة، كما أنه حجة في الفقه، وقد أقرّ بذلك ابن تيمية في مواضع على انحرافه من أهل الرأي، مع أنك ترى الشافعية أنفسهم يختلفون في كون الشافعي حجة في اللغة، كما يستفاد من بحث مفهوم الصفة في "البرهان" لابن الجوزي. وقد شرح هذا الكتاب عشرات من الأئمة، ولم تزل تلك الشروح الخالدة محفوظة في خزانات العالم، وتوجد نسخ عديدة من "الجامع الكبير" في مكتبات "إستانبول"، وأقدمها نسخة مكتبة الفاتح بها، وتوجد أيضًا نسخة في مكتبة ولي الدين شيخ الإسلام، وفي مكتبة بني جامع بها أيضًا. وقد روى

стр. 5868

"الجامع الكبير" عن محمد جماعة كثيرة من أصحابه، وفي جملة هؤلاء على بن معبد بن شداد. شراح الجامع الكبير: ولدقة مسائل الكتاب وصعوبة تخريجها شرحه كثير من أئمة الفقهاء، كالإمام القاضي أبي خازم، والإمام على بن موسى القمي، والإمام أحمد بن محمد الطحاوي، والإمام أبو بكر محمد بن حسين خواهر زاده، والشيخ أبو بكر الرازى الجصاص، وأبو عبد الله الجرجاني، وأبو الليث السمرقندي، والإمام أبو الفضل الكرماني، والإمام القاضي أبو زيد الدبوسي، والإمام برهان الدين صاحب "المحيط"، والإمام شمس الأئمة الحلواني، والصدر الشهيد حسام الدين، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام علي البزدوي، وصدر الإسلام البزدوي، والقاضى الأرسابندي، والإمام العتابي، وشيخ الإسلام علاء الدين السمرقندي، وفخر الدين قاضى خان، والإمام ظهير الدين، وصدر الإسلام مجد الدين، وجمال الدين الحصيري، والإمام الإسبيجابي، وغيرهم. ﵏ أجمعين (١). والزيادات وزيادات الزيادات: منها: "الزيادات"، و"زيادات الزيادات". ألفهما بعد "الجامع الكبير"، استدراكا لما فاته فيه من المسائل. تعدان من أبدع كتبه، وقد عنى أهل العلم بشرحهما عناية كاملة، وتوجد نسخ منهما في خزانات "إستانبول". وهما من الكتب المروية عنه بطريق الشهرة. وغلط من ذكرهما في عداد النوادر. ويقال في سبب تأليفه لـ"الزيادات": إن أبا يوسف فرّع فروعا دقيقة في أحد مجالس إملاءه، ثم قال: يشقّ تفريع هذه الفروع على محمد بن الحسن، ولما بلغه ذلك

стр. 5869

ألف "الزيادات" لتكون حجة، على أن أمثال تلك الفروع وما هو أدقّ منها لا يشقّ عليه تفريعها، والله تعالى أعلم. قلت: "زيادات الزيادات" ألفه بعد إملائه "الزيادات" على "الجامع الكبير" استدراكا بما فاته، من المسائل، وهو كتاب وجيز، يحتوي على سبعة أبواب. (١) باب طلاق السنّة يقع بالوكالة وبالجعل وغيره. (٢) باب من الطلاق والعتاق في الصحة والمرض. (٣) باب قسمة الكيلي من الصنفين بعضه شراء ببعض. (٤) باب من المواريث التى تكون فيها وصية فتبطل الميراث. (٥) باب شراء الرجل ابنه بابنه وهما عبدان وغير ذلك. (٦) باب الولد يكون بين الرجلين الكافرين أحدهما تغلبي والآخر ليس بتغلبي. (٧) باب من صلاة التطوع التي تستقيم أن تكون بإمام أو لا تستقيم. وقد شرحه شمس الأئمة السرخسي، وسماه "النكت" كما شرحه الإمام العتابي، وقد طبع الكتاب ممزوجا مع هذين الشرحين باهتمام الأستاذ الشيخ أبي الوفاء الأفغاني في "حيدرآباد"، سنة ١٣٧٨ هـ. السير الكبير: ومنها: "السير الكبير"، وهو من أواخر مؤلفاته. ألفه محمد بعد أن انصرف أبو حفص الكبير إلى "بخارى"، فانحصرت روايتُه في البغداديين، مثل الجوزجاني، وإسماعيل بن توبة القزويني. وقد احتفى الرشيد بهذا الكتاب جدا، وأسمعه ابنيه: الأمين والمأمون، وعظم قدر هذا الكتاب معروف، وقد شرحه جماعة من الأئمة، وقد طبع شرح السرخسي عليه في "الهند" في أربعة

стр. 5870

مجلدات، ولشيخ المشايخ العلامة محمد منير العينتابي تعليق نفيس عليه، سماه "التيسير على السير الكبير"، وهو موجود بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بـ"المدينة المنورة"، وتوجد نسخ خطية من "السير الكبير" بمكتبات "إستانبول"، وترجم كتاب "السير الكبير" إلى اللغة التركية بقلم شيخ المشايخ العينتابي المذكور في عهد سلطان محمود خان العثماني، تسهيلا لاطلاع المجاهدين من قواد الجيوش في الدولة على أحكام الجهاد، ثم طبعت الترجمة المذكورة في "إستانبول". قلت: تلك الكتب الستة: أعنى "المبسوط"، و"الصغيرين"، و"الكبيرين"، و"الزيادات" تعد -لما حوته من الروايات- ظاهر الرواية في الذهب، من حيث أنها مروية بطريق الشهرة أو التواتر، ويعد باقي كتب محمد في الفقه غير ظاهر الرِّواية، لورودها بطرق الآحاد دون الشهرة والتواتر. قلت: وفي كتاب الحج من "البحر" أن "كافي الحاكم" هو جمع كلام محمد في كتبه الستة، التى هي ظاهر الرِّواية. وفسر في "معراج الدراية" قبيل باب الإحصار "الأصل" بـ"المبسوط". وفي باب العيدين من "البحر" و"النهر" أن "الجامع الصغير" صنفه محمد بعد "الأصل"، فما فيه هو المعوَّل عليه. ثم قال في "النهر": سمي "الأصل" أصلا لأنه صنف أولا، ثم "الجامع الصغير"، ثم "الكبير"، ثم "الزيادات". كذا في "غاية البيان" ا هـ. وذكر الإمام شمس الأئمة السرخسي في أول شرحه على "السير الكبير" أن "السير الكبير" هو آخر تصنيف، صنفه محمد في الفقه (١). وكان دأبه فيه أنه يبدأ كل كتاب بما ورد فيه من الآثار، التى صحت عندهم، ثم بعد ذلك يذكر المسائل وأبوابها (٢).

стр. 5871

ومنها: "الرقيات"، وهي المسائل التي فرعها محمد حينما كان قاضيا بـ"الرقة"، رواها عنه محمد بن سماعة. وكان معه طول بقاء محمد بن الحسن بها. ومنها: "الكيسانيات"، رواها عنه شعيب بن سليمان الكيساني، ويرويها الطحاوي عن سليمان بن شعيب عن أبيه عن محمد. ويقال لها: "الأمالي". وتوجد قطعة منها في المكتبة الآصفية في "حيدرآباد الدكن" بـ"الهند"، ودائرة المعارف هناك. ومنها: "الجرجانيات"، يرويها على بن صالح الجرجاني عن محمد. ومنها: "الهارونيات". وله "كتاب النوادر" رواية إبراهيم ابن رستم، وآخر من رواية ابن سماعة، وآخر من رواية هشام بن عبيد الله الرازي، وآخر من رواية أبي سليمان الجوزجاني، وآخر من رواية على بن يزيد الطبري. كتاب الكسب: وله "كتاب الكسب". وهذا العنوان يحمل معاني واسعة شاملة لكل جوانب الارتزاق في الحيوة، وهو إلى جانب هذا الشمول الشامل الكامل يدلّ على سعة فقه الإمام محمد بن الحسن، وعمق نظره، ودقة تعبيره. فهذا تعبير لا تتخلف عنه صورة جزئية أو كلية من موارد الرزق، كالتجارة، أو الصناعة، أو الإجارة، أو الهبة، أو البيع، أو الشراء، أو الاحتطاب، أو الاصطياد، أو ما أخرجته الأرض، أو أنبتته السماء. فلله درّ هذا الإمام الفقيه البليغ العبقري النبيه فقد استوفى بهذه اللفظة المفردة الصغيرة كلّ مصدر ارتزاق أو انتفاع يقع للإنسان. يقال: إنه مات قبل أن يتمه، وكانوا سألوه أن يؤلّف كتابا في الورع، فجاوبهم بأني ألفت كتابا في البيوع، يريد أن المرء إذا طاب مكسبه حسن عمله.

стр. 5872

فلما أصرّوا على الطلب بدأ في تأليف هذا الكتاب، لكن المنية حالت دون إتمامه، وكان شمس الأئمة السرخسي شرح "كتاب الكسب" هذا كما في "تاج التَّراجم". وفي دار الكتب المصرية كتاب محفوظ تحت رقم ١١ في فن الصناعة في نحو خمس وأربعين ورقة، يحفظ عن المكاسب، يقال: إنه تلخيص ابن سماعة لـ"كتاب الكسب" لمحمد، مكتوب على ظهره، "كتاب الاكتساب في الرزق المستطاب" بديع في بابه، ولكن في النفس شيء من نسبة الكتاب بهذا الاسم إلى ابن سماعة، والله أعلم. الكتب التى تغلب فيها رواية الحديث: وأما الكتب التي تغلب فيها رواية الحديث من كتبه، فبين أيدينا. منها: "الموطأ"، تدوين محمد من روايته عن مالك، وفيه ما يزيد على ألف حديث وأثر من مرفوع وموقوف ما رواه عن مالك. وفيه نحو مائة وخمسة وسبعين حديثا عن نحو أربعين شيخا سوى مالك. وطبع "موطأ محمد" بـ"الهند". مرات مع "التعليق الممجد" لعبد الحي اللكنوي، لكن إدخال حديث كان في هامش نسخة أبي على الصواف في الصلب خطأ، وهو حديث القراءة خلف الإمام من رواية الشيخ أبي على عن محمود المروزي إلى آخر السند، فاضطرب لذلك اللكنوي في رجال هذا السند، ظنا منه أن أبا علي هو شيخ لمحمد بن الحسن، ولا دخل لمحمد بن الحسن في هذا الحديث أصلا، فإن أبا علي هو محمد بن أحمد بن الحسن الصوّاف من رجال القرن الرابع. راجع ترجمة شيخه المروزي في "تاريخ الخطيب" (ج ١٣ ص ٩٤)، وهناك يسوق هذا الحديث، وإدخاله في الصلب عمل أحد الناسخين، والنسخة المنقولة عن نسخة الإتقاني المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (٤٣٩) على الصَّواب.

стр. 5873

موطأ محمد يعد من أجود الموطآت: و"موطأ" محمد يعدُّ من أجود الموطآت، وإن لم يكن أجودها مطلقا، لأنه سمعه من لفظه بـ"مروا" في مدّة ثلاث سنوات، ومما يدلّ على اعتناء أهل العلم بـ"موطأ محمد" اشتهاره من روايته، ولم يشتهر من رواية الإمام الشافعي وغيره، من أصحاب مالك، فلا يوجد "الموطأ" بأيدي أهل العلم إلا من طريق يحيى الليثي أو من رواية محمد بن الحسن لا غير. ولأنه يذكر بعد أحاديث الأبواب ما إذا كانت تلك الأحاديث مما أخذ به فقهاء "العراق"، أو خالفوه، مع سرد الأحاديث، التي بها خالفوا تلك الأحاديث، وهذه ميزة عظيمة يمتاز بها "موطأ محمد" عن باقي "الموطآت"، كما أن "موطأ يحيى الليثي" المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين يمتاز عن الباقي بسرده آراء مالك في مسائل بعد ذكره الأحاديث. وإنما كان مالك كتب "الموطأ" لنفسه، لئلا يغلط فيه زيادة ونقصا عند كلّ سماع. فاختلفت النسخ باختلاف سماع الرواة، فيكون كلّ راو هو المدوّن لرايته باعتبار سماعه عليه، لا بمجرد النسخ من نسخته، وهذا هو سر اختلاف نسخ "الموطأ" إلى نحو اثنتين وعشرين نسخة، فيعلم من ذلك أن عمل محمد في "الموطأ" يعد عملا جليلا جدا عند من يعني بأحاديث الأحكام، على أن أحاديث "الحجاز" كانت مشتركة بين علماء الأمصار، معلومة لهم، مروية عندهم لكثرة حجهم وزياراتهم، ولا يفوتهم شئ منها في الغالب. ومنها: "كتاب الحجة" المعروف بـ"الحجج" في الاحتجاج على أهل "المدينة". وإنما المهم معرفة ما إذا كانوا أخذو بتلك الأحاديث أم تركوها لأدلة أخرى، وقام محمد في "موطأه" بتعريف ذلك، حيث بين مواطن الأخذ، كما بين مواضع الترك بأدلته (١).

стр. 5874

ومنها: "مسند أبي حنيفة" المعروف بنسخة محمد. كتاب الآثار: ومنها: "كتاب الآثار"، يروى فيه أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة، ويكثر جدا عن إبراهيم النخعي شيخ الطريقة العراقية. ويروى فيه قليلا عن نحو عشرين شيخا سوى أبي حنيفة، وهو كتاب نافع للغاية. ولمشايخنا عناية خاصة بروايتها في أثباتهم. وهو الذى ألفه شيخه أبو حنيفة الإمام، رواه محمد عنه. وقد ألف الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى رسالة نافعة في رجاله باقتراح صاحبه قاسم بن قطلوبغا الحافظ، وسماه "الإيثار بمعرفة رواة الآثار"، ثم ألف هو أيضًا كتابا آخر في رجاله. ذكرها الحافظ في مقدمة "تعجيل المنفعة". وذكر ابن النديم في "فهرسته" من مؤلفات الإمام محمد، "كتاب اجتهاد الرأى"، و"كتاب الاستحسان"، و"كتاب الخصال"، و"كتاب أصول الفقه" (١). أسانيد كتب الإمام محمد: ومما تجدر الإشارة إليه أن كتب الإمام محمد بن الحسن تتميز بكونها مروية بأسانيدها، فتذكر في غالب الأثبات والمعاجم على اختلاف القرون أسانيد كثيرة من كتب محمد بن الحسن. منها: "الآثار"، و"المسند"، و"الموطأ"، و"الأصول الستة" له. وكان العلامة جمال الدين الحصيري تلميذ قاضي خان انفرد في عصره بروايتها سماعا بعلوّ عن الحسن بن منصور الأوزجندي، عن الظهير الحسن المرغيناني، عن عمه أبي القاسم محمد بن عبد العزيز، عن شمس الأئمة السرخسي بأسانيده المروية في الكتب الستة. وعن الحصيري يرويها الصدر

стр. 5875

سليمان الأذرعي وعنه الشمس السروجي، وعنه القطب عبد الكريم الحلبي، وعنه عبد القادر القرشي، وعنه القاضي الزين المراغي، وعنه يحيى بن محمد الآقصرائي، وعنه البرهان الكرخي، وعنه السراج الحانوتي، وعنه ابنه محمد، وعنه الخير الرملي. قال العلامة الكوثري رحمه الله تعالى بعد أن ساق هذا السند: وأسانيد مشايخنا إليه مدونة في الأثبات، لكن لا بأس في أن نشير هنا إلى أسانيدنا في كتب محمد بن الحسن المذكورة. . . ثم ذكر سنده مفصلا إليه. وذكره الحافظ القرشي في ترجمة أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني بن أبي إسحاق السروجى. ذكر توليته قضاء الرقة: "الرقة": بفتح الراء والقاف المشددة، أصله كلّ واد إلى جنب واد، ينبسط عليها الماء، وجمعها رقاق. وقيل: الرقاق الأرض اللينة التراب. وقال الأصمعي: الرقاق الأرض اللينة من غير رمل. وهى مدينة مشهورة على "الفرات"، بينها وبين "حران" ثلاثة أيام معدودة في "بلاد الجزيرة"، لأنها من جانب "الفرات الشرقي"، طول "الرقة" أربع وستون درجة، وعرضها ست وثلاثون درجة في الإقليم الرابع. ويقال لها: الرقة البيضاء. والرقة أيضًا مدينة من نواحي "كوهستان"، والرقة البستان المقابل بالتاج من دار الخلافة بـ"بغداد"، وهي بالجانب الغربي (١). عن محمد بن سماعة قال: إنما كان سبب مخالطة محمد بن الحسن السلطان أن أبا يوسف القاضي شوور في رجل يولى قضاء "الرقة". فقال: ما أعرف لكم رجلًا يصلح لها غير محمد بن الحسن، وهو بـ"الكوفة"، فإن شئتم فأشخصوه، قال: فبعثوا إليه، فأشخصوه، فلما قدم جاء إلى أبي يوسف،

стр. 5876

فقال ما السبب الذي أشخصت من أجله، فقال: شاوروني في قاضي "الرقة"، فأشرت بك، وأردت بذلك أن الله قد بثّ علمنا هذا بـ"الكوفة" و"البصرة" وجميع المشرق، فأحببت أن تكون بهذه الناحية ليبث الله علمنا بك بها وبما بعدها من الشامات. فقال له محمد: سبحان الله! أما كان لي في نفسي من المنزلة ما أخبر بالمعنى الذي من أجله أشخص قبل ذلك، فقال له أبو يوسف: هم أشخصوك، ثم أمره أبو يوسف بالركوب، فركبا جميعا، حتى دخلا على يحيى بن خالد بن برمك، فرفع يحيى أبا يوسف إلى جنبه، وقعد محمد دونه، فقال أبو يوسف ليحبى: هذا محمد، فشأنكم به، فلم يزل يحيى يخوف محمدا، حتى ولي قضاء "الرقة"، وكان ذلك سبب فساد الحال بين أبي يوسف ومحمد بن الحسن. الجفوة بينهما والجواب عنها: قال العلامة الكوثري رحمه الله تعالى: هذا هو سبب الجفوة الحادثة بينهما، وليس في ذلك شئ يلام عليه أحدهما، وأما ما ذكره السرخسي في أول "شرح السير الكبير"، فأسطورة علقت بذهنه في الصغر من أحد كتب السمر، وأملاها في الجب على تلاميذه، وهو بعيد عن كتبه، وفي الأسطورة نفسها ما ينقضها من نواح، لأن محمد بن الحسن لم يكن بـ"بغداد" إلى هذا الإشخاص، فلا يمكن أن يغار على كثرة جماعة محمد في العاصمة، ولا سيما أن الأستاذ لا يغار على نجاح تلميذه، بل يفخر به، وكان تعيينه لقضاء "الرقة"، وهى العاصمة الصيفية للخلفاء، وفي ذلك غاية التقريب منهم، لا لقضاء مصر، كما هو في الأسطورة، حتى يتصور قصد إقصائه من مجالس الخلفاء، إلى غير ذلك من وجوه، تدل على بطلان الأسطورة (١).

стр. 5877

نقل شيخنا المحدّث الناقد الفقيه البارع العلامة عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى في "تعليقه" على مقدمة "كتاب التعليم" حول ما ذكره السرخسي في "كتاب المبسوط" عبارة الإمام الكوثري من "بلوغ الأماني"، لا صحة لها مطلقا، ولا يذكرها إلا بعض الأخباريين، الذين يدوّنون الأقاصيص بدون سند، لمجرد التسلية، حتى لا يوجد شيء في هذا القبيل في كتب الخصوم قبل زمن السرخسي، وهم سراع إلى إذاعة مثلها، ولو كانوا ظفروا بها لطاروا بها فرحا، وأذاعوها، فلا شك في كذبها واختلاقها، هي الكذب من أيّ النواحي أتيتها. فمثل أبي يوسف في جاهه العريض وعلمه الواسع ودينه المتين ووفرة التلاميذ وكثرة المؤلفات -و"كتاب الأمالي" له وحده في نحو ثلاثمائة جزء، كما يرويه أبو عاصم العامري-، كيف يحسد تلميذه في كثرة جماعته، بل يفتخر به. ثم إن محمد بن الحسن كان بـ"الكوفة" إلى أن أشخصوه للقضاء، كما سبق، فكيف يرى أبو يوسف في "بغداد" كثرة المترددين إلى مجلس محمد، فيغيظه ذلك، ويحسده! ثم كيف يريد إبعاده عن حاضرة الخلافة، وهو لم يكن بها، بل بـ"الكوفة"! ثم كيف يختلق عليه أبو يوسف مرضا لم يكن به! فهل بلغ بأبي يوسف الحمق إلى أن يعرض نفسه للافتضاح؟ بانتداب الرشيد طبيبا يداوي مرض محمد بن الحسن، وعدد الأطباء ببابه كثير؟ أفلم يذكر في القصة أن الرشيد كان أحبّه. ثم هو لم يشخص لقضاء مصر، بل لقضاء "الرقة"، وهي عاصمة الصيف لخلفاء بني العبَّاس، وفي ذلك غاية القرب إلى مجالس الخلفاء.

стр. 5878

على أن عادة محمد فيما يرويه عن أبي يوسف بعد هذا التجافي أن يقول حدّثني الثقة يريد أبا يوسف، فكيف يمكنه أن يصف أبا يوسف بالثقة على تقدير صدور تلك المخازى منه! هكذا تكون الأكاذيب مصحوبة في الغالب بما يظهر اختلاقها، ولعل عذر السرخسي في سرده الأقصوصة على هذا الوجه أنه كان المجلس بعيدا عن الكتب، وإنما كان يملي ما يمليه عن ظهر القلب، وكانت تلك القصة علقت بذهنه من قبل بعض كتب الأسمار، ولم يتسع وقته لتمحيصها، فوقع في أحبولة تخليدها فيما يمليه، وكنا نعهد منه جبلا من جبال العلم، لا يتزحزح في أبحاثه الفقهية، فعز علينا أن نراه يملى مثل هذه الأخلوقة المكشوفة في كتابه الخالد، لكن أبي الله أن يصح إلا كتابه، كما قال الشافعي للمزني حينما عرض الرسالة عليه مرات، وكان الشافعي يجد في كلّ مرة ما يصلحه فيها، فقال: دعها، فإن الله أبي أن يصح إلا كتابه أو ما هذا معناه (١). إيراد الجرح والجواب عنه: قال الذهبي في "الميزان": ليَّنه النسائي وغيره من قبل حفظه. يروى عن مالك بن أنس وغيره، وإنه كان من بحور العلم قويا في مالك. اهـ. قلت: تشدّده معلوم. قال المحدّث الكبير العلامة ظفر أحمد العثماني التهانوى في "قواعد في علوم الحديث": فما له لا يكون قويا في أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من مشايخ "الكوفة"، وقد صحبهم أكثر مما صحب مالكا؟ وهل هذا إلا تحامل.

стр. 5879

وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة رحمه الله تعالى في تعليقه على "قواعد في علوم الحديث": ما قصد الذهبي هذا فيما أظنّ، وإنما نصّ على قوته في مالك، لأن شهرته فيه ليست كشهرته في أبي حنيفة وأبي يوسف، ومشايخ "الكوفة" فهو فيه أقوى. وقال الدَّارقُطْنِي: لا يستحق محمد عندي الترك. قال الإمام الكوثري رحمه الله تعالى: الإمام الدارقطني على طول لسانه في أبي حنيفة وأصحابه بما يجاوز الحد جدا تحت تأثير خلافه لهم في مسائل اعتقادية خطرة خلا خلافه لهم في الفروع يقول في غرائب مالك عند الكلام في رواية الرفع عند الركوع: حدّث به عشرون نفرا من الثقات الحُفَّاظ، منهم: محمد بن الحسن الشيباني، ويحيى بن سعيد القطَّان، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب، وغيرهم، هكذا يرى الدَّارقُطْنِي يذكر محمد بن الحسن في مقدمة هؤلاء الحُفَّاظ الثقات، هذا شهادة منه بأنه حافظ ثقة، فيكون أعمى بين قول من يقول فيمن يفضل محمدا في الحُفَّاظ في نظره إنه أعور بين عميان. وقد وثّقه أيضًا ابن المديني، كما في "تعجيل المنفعة" لابن حجر وغيره. وقال الذهبي في "الميزان": كان محمد بن الحسن من بحور العلم والفقه، قويا في مالك، فإذا كان قويا فيمن سمع منه غرضا، فكيف لا يكون قويا في شيخه، الذى أفنى عمره في تمحيص علومه وروايته، والله أعلم، وله الحمد في الآخرة والأولى (١). الافترائات على الإمام الشيباني والدفاع عنه: ١ - ١. قال الذهبي: أنبأني المسلم بن محمد التيسي وغيره أن أبا اليمن الكندي أخبرهم، أنا عبد الرحمن بن محمد، أنا أحمد بن علي الحافظ،

стр. 5880

أنا ابن زرقويه، أنا ابن السماك، ثنا محمد بن إسماعيل التمار، حدّثني أحمد بن خالد، سمعتُ المقدمي بـ"البصرة"، قال الشافعي: لم يزل محمد بن الحسن عندي عظيما، أنفقت على كتبه ستين دينارا، حتى جمعني وإياه مجلس هارون، فقال يا أمير المؤمنين! إن أهل "المدينة" خالفوا كتاب الله وأحكام رسول الله ﷺ وإجماع المسلمين، فأخذني ما قدم وما حدث! فقلت: أراك قد قصدت أهل بيت النبوة، وقبر رسول الله ﷺ بين أظهرهم، وعمدت تهجوهم. قال الإمام الناقد البارع المحدّث الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبى ما نصّه: أحمد بن على في السند المذكور هو الخطيب البغدادي، تناوله المسكر في "معجم الأدباء" لياقوت من رواية الحافظ عبد العزيز النخشي وافتتانه بالولدان وتغزله فيهم وأهواؤه القاصمة، لظهره الكاشفة لستره في عدة كتب لابن الجوزي ولسبطه. وفي "السهم المصيب" للملك المعظم عيسى الأيوبى وغيرها، وقد حاسبناه على افتراءاته على الإمام الأعظم فقيه الملة أبي حنيفة النعمان في "تأنيب الخطيب" وعلى نهشه لأعراض أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهما، بأدلة ظاهرة، تراه يكثر من الرِّواية عن ابن رزقويه بالرزم والزكائب بعد أن عمي وهرم، ولا يفعل مثل ذلك، إلا من هانت عليه مخادعة المسلمين. وأبو عمرو بن السماك عثمان بن أحمد الدقاق في السند رواية الفضائح بأسانيد مظلمة، حتى عند الذهبي والتمّار مجهول الصفة، غير موثق، وإن ترجم له في "تاريخ الخطيب"، وأحمد بن خالد الكرماني مجهول. والحكاية مكذوبة على الشافعي، وهو على قوة حجاجه ليس ممن يلجأ إلى تقويل من يرد عليه ما لم يقله.

стр. 5881

ومن الغريب: أنهم يروون مرة أن محمد بن الحسن كان يفضل مالكا على أبي حنيفة في العلم، وأخرى يزعمون أن محمدا كان يقول عن مالك: إنه ما كان يحل له أن يفتي، ويستاؤون من رده على مالك بأدلة ناهضة في "كتاب الحجة على أهل المدينة"، فيحاولون أن يجعلوه يرد بذلك على أهل بيت الرسول صلى الله عليه سلم وآله وسلم، ويذكرون قبر النبي ﵊ ودار الوحي تقطيعا للرد على من غلط من فقهاء "المدينة". وما دخل أهل البيت ودار الوحي والقبر المعطر في بهاب الرد على مالك وبعض شيوخه؟ فلا يكون الجواب عن ردود محمد بن الحسن هكذا، بل بقرع الحجّة بالحجّة. وقد أساء إلى الشافعي من اختلق هذه الحكاية، قد صح بطرق تفقهُ الشافعي على محمد، وحملُه عنه حمل بختي من العلم، وليست هذه المهاترة شأن التلميذ مع أستاذه، بل شأن من يبيح الغلبة بأىّ طريق كانت، وحاشا الشافعي من مثل ذلك، على أن رد الشافعي على مالك المدون في "الأم" أقسى بكثير من رد محمد بن الحسن على مالك في "الحجة"، والله سبحانه يتولى هدانا (١). ٢. قال حنبل بن إسحاق: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: كان أبو يوسف منصفا في الحديث، فأما أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، فكانا مخالفين للأثر. قال الإمام الكوثرى رحمه الله تعالى: شروط قبول الأخبار مما يختلف في نظر المجتهدين، فما يقبل هذا قد يرد ذلك لعدم استكماله لشروط قبول الخبر عنده، وما من إمام إلا وعنده أشياء من هذا القبيل، فلا يكون هذا من الجرح المؤثر في شئ (٢).

стр. 5882

٣. قد رويِ عن الشافعي أنه قال: قال الإمام محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أو صاحبكم -يعني أبا حنيفة ومالكا ﵄،- قال: قلت على الإنصاف؟ قال: نعم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن، صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت: فأنشدك الله، من أعلم بالسنة، صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل الصحابة والمتقدمين، صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء، فعلى أيّ شيء يقيس؟ قال شيخنا البحَّاثة المحدّث الناقد عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى في تعليقه على "مقدمة كتاب التعليم": هذه الحكاية تروى بألفاظ مختلفة غاية الاختلاف، وعلى معان متباعدة كلّ التباعد، وآفة هذه الروايات المضطربة كلّ الاضطراب عن قصة واحدة، هى أهواء رواتها كما صنع النقاش صاحب "شفاء الصدور" في سياق قصة أبي يوسف مع أبي حنيفة في قراءة المغازي. وأول من حكى هذه القصة فيما نعلم هو ابن أبي حاتم، فإنه قال في مبدء كتابه "تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل": قال ابن أبي حاتم بعد إيراد هذه القصة مع السند: فقد قدم محمد بن الحسن مالك بن أنس على أبي حنيفة، وأقر له بفضل العلم بالكتاب والسنة والآثار، وقد شاهدهما، وروى عنهما. قال شيخنا النعماني رحمه الله تعالى: هذه الحكايات بهذا السياق منكرة، وشواهد الحال تكذبها، كيف! ولو علم محمد هذا عن أبي حنيفة لما أفنى عمره في فقه أبي حنيفة، ولا سلك في كتابه "الحجة على أهل المدينة" هذا المسلك المشهود.

стр. 5883

وفي راوي هذه القصة عن الشافعي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم نظر. قال الذهبي في "ميزان الاعتدال": أخبرنا خديجة بنت الرضا أنا أحمد بن عبد الواحد، أنا عبد المنعم بن الفراوي، أنا عبد الغفار بن محمد، أنا أبو سعيد الصيرفي، حدّثنا أبو العبَّاس الأصم، سمعتُ محمد بن عبد الله، سمعتُ الشافعي يقول: ليس فيه عن رسول الله ﷺ في التحريم والتحليل حديث ثابت، والقياس أنه حلال. قلت: هذا منكر من القول، بل القياس التحريم -يعني الوطئ في دبر المرأة، وقد صح الحديث فيه، وقال الشافعي: إذا صحَّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط. قال ابن الصباح في "الشامل" عقيب هذه الحكاية: قال الربيع: والله لقد كذب على الشافعي، فإن الشافعي ذكر تحريم هذا في ستة كتب من كتبه. وقال الإمام مسعود بن شيبة السندي رحمه الله تعالى بعد أن سرد هذه الحكاية في تأليفه "مقدمة كتاب التعليم": قيل لهم: لقائل هذه القصة -كفى بكم جهلا أن تجعلوا محمد بن الحسن سائل الشافعي عن علم أبي حنيفة ومالك والشافعي لم يدرك أبا حنيفة، ولم يعلم من علمه، إلا ما علم محمد بن الحسن وأصحابه، وهو يومئذ غبي، لا يفهم كثيرًا ما يقال، فكيف يقول له: أيهما أعلم صاحبنا أو صاحبكم (١). ونظير هذه المحادثة في الكذب ما رواه ابن أبي حاتم في المناقب من انقطاع أزرار محمد في المناظرة، حيث قال: ثنا أبي، ثنا يونس بن عبد الأعلي، قال: سمعتُ الشافعي يقول: ناظرت محمد بن الحسن يومًا، فاشتدت مناظرتي إياه، فجعلت أوداجه وأزراره تنقطع زرا زرا (٢).

стр. 5884

قال شيخنا المحدّث الناقد الفقيه البارع العلامة عبد الرشيد النعماني رحمه الله تعالى: هذا لا يصح، إلا في عقل ابن أبي حاتم المسكين، أليس من المستحيل في مجاري العادة انقطاع أزرار الثياب زرا زرا من نفخ الأوداج في المناظرة مع التلميذ هذا! قد تواتر عن الشافعي رحمه الله تعالى بألفاظ مختلفة أنه قال: ما رأيتُ أحدا سئل عن مسئلة فيها نظر إلا رأيتُ الكراهية في وجهه، إلا محمد بن الحسن. كما ينقل الشيخ عبد الحي بن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" ١: ٣٢٤. وابن أبي حاتم له عصبية زائدة على أبي حنيفة وأصحابه، كما لا يخفى على من طالع كتابه في الجرح والتعديل، وكتاب مناقب الشافعي، وقد بلغ به الحال في التعصّب إلى حد يقضى منه العجب، حيث يتحمل مدح أبي حنيفة قدحا، فقد قال في "مناقب الشافعي": حدّثنا أبي حدّثنا ابن أبي سريج، قال: سمعتُ الشافعي يقول: سمعتُ مالكا، وقيل له: أتعرف أبا حنيفة؟ فقال: نعم، ما ظنكم برجل لو قال: هذه السارية من ذهب لقام دونها، حتى يجعلها من ذهب، وهى من خشب أو حجارة. قال أبو محمد يعني أنه كان يثبت على الخطأ، ويحتج دونه، ولا يرجع إلى الصَّواب إذا بان له. فهذا تفسير من ابن أبي حاتم بعد تفسير المتن، كلّ أحد يعلم أن هذا القول من مالك في حق أبي حنيفة أقرب إلى المدح منه إلى الذم وأظهر، وما ذا يقول المسكين ابن أبي حاتم في قول هارون بن سعيد: لو أن الشافعي ناظر على أن هذا العمود الذي من حجارة من خشب لأثبت ذلك، لقدرته على المناظرة. رواه الساجي عن عبد الرحمن بن أحمد بن الحجَّاج، عن هارون بن سعيد بن الهيثم الأيلي. هذا كما في "الانتقاء" لابن عبد البر.

стр. 5885

وديدن ابن أبي حاتم أنه يسوق في كتبه حكايات منكرة في مناقب الأئمة هي كذب، ولا يتفطن لها، كإيراده هذه الحكاية الكاذبة في مناقب مالك، كقوله في التقدمة في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل (١). ذكر رحلات الشافعي في طلب الحديث: وكان الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضى الله عنه تفقه على مسلم بن خالد الزنجي بـ"مكة"، ثم رحل إلى "المدينة المنورة"، وهو ابن أربعة عشرة عاما، فعرض "الموطأ" على مالك، وسمع من إبراهيم بن محمد الأسلمي منافس مالك بـ"المدينة"، ثم رجع إلى "مكة"، وسمع من ابن عيينة، ثم ارتحل إلى "اليمن" للعمل عند بعض الولاة لضيق ذات يده، وحمل إلى "العراق" سنة أربع وثمانين ومائة بتهمة الانحياز للعلويين ضدّ العباسية، ولما برئت ساحته من التهمة اللهم التفقه عند محمد بن الحسن، حتى اتصل به، ولازمه ملازمة كلية، واستنسخ مصنفاته إلى أن سمع منه حمل بختي من الكتب، ليس عليها إلا سماعه، وأخذ يعتلي شأنه، وأصبحت هذه المحنة منحة ونعمة كبرى في حقه، ومما كتبه إلى محمد في أول قدومه يستبطئ إعارة كتاب كان طلبه منه. قل للذي لم تر عين من رآه مثله … حتى كان من رآه قد رآه من قبله العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله … لعله يبذل لأهله لعله فوجَّه به إليه في الحال هدية لا عارية، كما نقله ابن الجوزي بهذا اللفظ في "المنتظم" عن الطحاوي، وروى ابن عبد البر هذه الحكاية مع أبيات الشافعي إلى هذه بسنده إليه في بيان "جامع بيان العلم". وقال الصيمري: حدّثنا أبو إسحاق النيسابوري المعروف بالبيع، حدّثنا محمد بن يعقوب الأصم، ثنا الربيع بن سليمان، قال: كتب الشافعي إلى
следующие страницы →