← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

قال: وحدثني أحمد ابن علي (١) بن مصعب، قال: لما مات محمد بن سماعة، قال يحيى بن معين: اليوم مات ريحانة (٢) أهل الرأي. قال الصَّيْمري: سمعت الشيخ أبا بكر محمد بن موسى الخوارزمي إمامنا وأستاذنا، يقول: كان سبب كتب ابن سماعة "النوادر" عن محمد أنه رآه في النوم كأنه يثقب (٣) الإبر، فاستعبر ذلك، فقيل: هذا رجل ينطق بالحكمة، فاجهد أن لا يفوتك منه لفظة، فبدأ حنيئذ، فكتب عنه "النوادر". قال ابن سماعة: أقمت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يوما واحدا، ماتت فيه أمّي، ففاتتني صلاة واحدة في جماعة، فقمت، فصلّيت خمسا وعشرين صلاة، أريد بذلك التضعيف، فغلبتني عيني، فأتاني (٤) آت، فقال: يا محمد! قد صلّيت خمسا وعشرين صلاة، ولكن كيف لك بتأمين الملائكة، وتقدّم ولده أحمد (٥). قال أبو الفرج محمد بن إسحاق في "فهرست العلماء": وله كتب مصنّفة وأصول في الفقه، وله من الكتب: كتاب "أدب القاضي"، كتاب "المحاضر والسجلّات" (٦). قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد" (ص ١٧٠): ذكر القارئ أنه من الحفَّاظ الثقات، وحكى عنه أنه قال: أقمت أربعين سنة، لم تفتني التكبيرة

стр. 5987

الأولى إلا يوما واحدا، ماتت فيه أمي، وقد فاتتني صلاة واحدة، مع جماعة، فقمت فصليت خمسا وعشرين مرة، أريد بذلك التضعيف، فغلبتنى عيني، فأتاني آت، وقال: يا محمد صليت خمسا وعشرين مرة، ولكن كيف لك بتأمين الملائكة. انتهى. قلت: هذه حكاية مطربة تدلّ على أن ما ورد في الحديث من أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ خمسا وعشرين درجة أو سبعا وعشرين درجة، منشأها المجموع من حيث المجموع بالهيئة المخصوصة، فلا يحصل ذلك الفضل لمن صلى صلاة بمرات، ولو ألف سرة، وفي ذلك شهادة عظيمة على فضل الجماعة. * * * ٤٤٦٤ - الشيخ الفاضل المولى مُحَمَّد بن الْمولى سِنَان * ذكره صاحب "العقد المنظوم" في كتابه، وقال: ولد ﵀ وآثار النجابة فِي مطالع شمائله ظَاهِرَة، وأنوار المجد والشرف فِي طوالع مخايله باهرة، وَنَشَأ، فِي رَوْضَة المعارف، مقتطفا من أزهارها، ودوحة الْعُلُوم واللطائف، مجتنيا من ثمارها، حَتَّى استأهل الْحُضُور فِي مجَالِس الفحول والصدور. فقرأ مُدَّة على أبيه، وَحصل عِنْده مَا يعنيه، ثمَّ عكف على التَّحْصِيل والاستفادة من الْمولى أحْمَد الْمَعْرُوف بقاري زَاده، وبعد برهة من الزَّمَان صَار ملازما من الْمولى مصلح الدّين الشهير ببستان، ثمَّ درس بمدرسة دَاوُد باشا بِأَرْبَعِينَ، ثمَّ صَار وظيفته فِيهَا خمسين.

стр. 5988

ثمَّ نقل إلى الْمدرسَة الْمَعْرُرفَة بخانقاه، ثمَّ إلى الْمدرسَة الخاصكية، ثمَّ إلى إحدى الْمدَارِس الثمان، ثمَّ إلى مدرسة السُّلْطَان مُحَمَّد بن السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان، ثمَّ إلى إحدى الْمدَارِس السليمانية، وَمَات فِيهَا فِي آخر الربيعين سنة سبع وَثمَانِينَ وَتِسْعمِائَة. كَانَ ﵀ مخدوما عَظِيم الشان، باهر الْبُرْهَان، من حِدة ذهنه، وصفاء فطنته، وفرط ذكائه، ونقاء قريحته، وَقُوَّة بَحثه، وَحسن تَقْرِيره، وتحرير المعضل وتصويره، مَعَ الاتساع وَطول الباع فِي الْعُلُوم المتداولة. كنب ﵀ حَوَاشِي على "الشَّرْح الشريفى" للمفتاح، وعَلى بعض الْمَوَاضِع من "الْهِدَايَة"، وَله لطائف أخر. وَبِالْجُمْلَةِ: كَانَ ﵀ من بَدَائِع الزَّمَان، ونوادر الْعَصْر والآوان، وَلَو عَاشَ مُدَّة لَكَانَ لَهُ شان، عَلَيْهِ الرَّحْمَة والغفران. * * * ٤٤٦٥ - الشيخ الفاضل محمد بن سهل بن إبراهيم بن سهل، أبو عبد الله، المعروف بالتاجر والد قاضي القضاة أبي نصر محمد بن محمد بن سهل، يأتي (١) * ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: سمع أبا بكر محمد بن إسحاق بن خريمة، وغيره.

стр. 5989

قال الحكم في "تاريخ نيسابور": من أمناء المسلمين (١)، من أصحاب أبي حنيفة والملازمين لمجالس أبي العبَّاس أحمد بن هارون الفقيه، الحنفي، [الحكم، المزني، المعروف بالتبَّان] (٢). ومات سنة ستين وثلاثمائة. سمع منه الحكم. * * * باب من اسمه محمد بن شاذان ٤٤٦٦ - الشيخ الفاضل محمد بن شاذان، وقيل: ابن شدّاد القاضي، أبو بكر، البصري * ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو أحد الفقهاء على مذهب أبي حنيفة. وكان نائب القاضى بكّار وخليفته على "الديار المصرية" حين سار إلى "الشام". ومات في سنة أربع وسبعين ومائتين. * * *

стр. 5990

٤٤٦٧ - الإمام الهمام المجتهد أبو عبد الله محمد بن شُجاع الثلجي البغدادي * وهو منحدر النسب من ثلج بن عمرو بن مالك. كما ذكره البدر العيني في "البناية"، فيكون قضاعيا. ومن يقول عنه: ابن الثلجي يريد به انتقاصه، بأن أباه كان بائع ثلج، فنسب إليه. ومنهم من يزيد في الطنبور نغمة أخرى، فيقول عنه: ابن الثلاج لحطّ منزلته، بأن والده كان ثلاجا، فماذا عليه؟ لو صحَّ أن أباه كان ثلاجا بعد أن نبغ هو، وصار إماما رغم حسَّاده.

стр. 5991

ونسبته إلى "بلخ" تصحيف بَحْتٌ، وإن ذكره القرشي على الاحتمال. وللإمام زاهد بن الحسن الكوثري رحمه الله تعالى رسالة مختصرة حول حياته، ونصّها ما يلي: ولد (الإمام محمد بن شجاع) ﵀ في "بغداد" في ٢٣ من رمضان من سنة ١٨١ هـ، ونشأ بها، وأقبل على العلم إقبالا عظيما، إلى أن أصبح إماما، قويّ الحجّة في العلوم، واسع الأفق في الفقه والحديث، وانتشر صيتُه في الآفاق، ولم تنحصر شهرته بـ"العراق". وغاية ما يعاب به أنه لم يكن يعامل العامة، وحشوية زمنه بالسياسة، مترفّعا عن المداهنة، مفضّلا الصراحة في كلّ شيء، فطالت ألسنة كثير من مخالفيه بأنه يمالئ المعتزلة، ويخالف السلف، ولم يكن له أيّ مخالفة للسلف الصالح. وإنما كانت مخالفته لنابتة عصره، الذين لا يميزون بين السنة المسلوكة، والبدعة المهتوكة، ولا بين الحق والباطل، ممن حرَّمهم الله العلم والفهم والعقل الوارع عن التوغّل في إثارة الفتن، كما لا يخفى على من درس تاريخ عهده بإمعان. تخرّج في الفقه والحديث على الحسن بن زياد، وأخذ عن الحسن بن أبي مالك، وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وعبد الله بن داود الخريبي، والمعلّى بن منصور، وحيّان صاحب أبي حنيفة، وأبي عاصم النبيل، وأبي أسامة، وأبي معشر، وأبي نصر التمّار، وموسى بن سليمان الجوزجاني، وإبراهيم بن إسحاق الطالقاني، وإسحاق بن سليمان الرازي، وإسماعيل بن علية، وكيع، والواقدى، وبشر بن غياث، ويحيى بن آدم، وأبي محمد اليزيدي، وعبيد الله بن موسى، ومحمد بن عبيد الله الطنافسي، وإسماعيل

стр. 5992

ابن الفضل، وأبي علي الرازي، ويحيى بن أيوب البلخي، وغيرهم من أئمة الفقه والحديث. وممن تفقّه عليه وحدّث عنه ابنه أحمد بن محمد بن شجاع، والقاسم بن غسَّان القاضي، وأبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي الحافظ، وأحمد بن أبي عمران شيخ الطحاوي، ويعقوب بن شيبة السدوسي الحافظ، وحفيده محمد بن أحمد بن يعقوب، وهو آخر من روى عنه، وأحمد بن الحسن بن صالح البغدادى، وأحمد بن القاسم البرتي، وعبد الوهَّاب بن عيسى بن جنبة (١)، وعبد الله بن أحمد بن ثابت البزَّار، وأحمد بن موسى القمّي، وعباد بن صهيب، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الهروي، وزكريا بن يحيى النيسابوري، وعبد الملك بن حمدان، وأبو جعفر محمد بن اليمان، وأبو الحسن محمد بن إبراهيم بن حبيش البغوي، مدوّن "مسند الإمام الحسن بن زياد"، تجريد الأحاديث كتابه "المجرّد" بحق سماعه من ابن شُجَاع بروايته عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، كما فعل ابن مطر النيسابوري في "مسند الشافعي" بحق سماعه لكتاب "الأم" من أبي العبّاس الأصمّ عن الربيع المرادي عن الشافعي، ﵃ أجمعين. وحيث أن محمد بن شُجَاع مكثر للغاية من الحديث، كما سبق يحتاج استيفاء ذكر شيوخه إلى تأليف خاص وتفرغ خاص، وكذلك ذكر أصحابه وتلاميذه لما نشر الله سبحانه له في بلاد كثيرة شرقا وغربا من علومه ومؤلّفاته بواسطة هؤلاء الأصحاب والتلاميذ، الذين انتشروا في الآفاق، وكان ذلك لبالغ إخلاصه في خدمة الفقه والحديث، رغم كثرة خصومه من الحشوية.

стр. 5993

ثناء أهل العلم على محمد بن شجاع: بالعلم والورع والتعبّد: قال أبو عبد الله الصيمرى: ومن أصحاب الحسن بن زياد محمد بن شجاع الثلجي، وهو المقدّم في الفقه، والحديث، وقراءة. القرآن، مع ورع، وعبادة. قال الذهبي في "سير النبلاء": أحد الأعلام، سمع من ابن علية، وكيع، وأبي أسامة، وطبقتهم. وأخذ الحروف عن يحيى بن آدم، والفقه عن الحسن بن زياد، وكان من بحور العلم، وكان صاحب تعبّد وتهجّد وتلاوة، وله "كتاب المناسك" في نيف وستين جزءا، وعاش خمسا وثمانين سنة، ومات سنة ٢٦٦ هـ. وقال محمد بن إسحاق النديم في "الفهرست": أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي مبرّز على نظرائه من أهل زمانه. وكان فقيها، ورعا، ثباتا على آرائه. وهو الذي فتق فقه أبي حنيفة، واحتجّ له، وأظهر علله، وقوّاه بالحديث، وحلاه في الصدور. وكان من الواقفة، إلا أنه يرى رأي أهل العدل والتوحيد. ثم قال: قرأت بخطّ ابن الحجازي أنه قال محمد بن شجاع، قال لي إسحاق بن إبراهيم المصعبي: (وكان لي صديقا) دعاني أمير المؤمنين، فقال لي: اختر لي من الفقهاء رجلا، قد كتب الحديث، وتفقّه به مع الرأي، وليكن مديد القامة، جميل الخلقة، خراساني الأصل، من نشأة دولتنا، ليحامي على ملكنا، حتى أقلّده القضاء. قال: فقلت: لا أعرف رجلا هذه صفته غير محمد بن شُجَاع، وأنا أفاوضه في ذلك. قال: فافعل. فإذا أجابك فصر به إليَّ. فقال: فدونك يا أبا عبد الله! فقلت: أيها الأمير لست إلي ذلك بمحتاج، وإنما يصلح القضاء لأجل

стр. 5994

ثلاثة (١)، لمن يكتسب مالا أو جاها أو دكرا. فأما أنا فمالي وافر، وأنا غني. وإن الأمير ليوجّه إليَّ بالمال لأفرقه، ولو احتجت إلي شيء منه لأخذته. وأما الذكر فقد سبق لي عند من لقصدنا هن أهل العلم والفقه ما فيه كفاية، وقال الموفّق المكّي في "المناقب" (١ - ٩٥): وذكر محمد بن شجاع في تصانيفه نيفا وسبعين ألف حديث عن النبي صلي الله عليه وسلَّم، مما فيها نظيرها من الصحابة. وهذا توسّع بالغ في الحديث، والأثر مرفوع، وموقوف، فمثله يكون خبيرا بوجوه اختلاف الروايات في الحديث وآراء الصحابة، فيكون عالي المنزلة في الاجتهاد جدا، (لو لم يكن كافرا وكذّابا في نظر بعض النقلة). وقال الحافظ عبد القادر القرشي: محمد بن شجاع الثلجي من أصحاب الحسن بن زياد، وكان فقيه أهل "العراق" في وقته، والمقدّم في الفقه والحديث وقراءة القرآن، مع ورع وعبادة، مات فجاة في سنة ست وستين ومائتين، ساجدا في صلاة العصر. روي عن يحيى بن أكثم، وكيع، حكاه الصيمري، قال الذهبي: تفقّه على الحسن بن زياد، وآخر من حدّث عنه محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة. وأرى ما في نسخة القرشي من ذكر يحيى بن أكثم تحريفا من يحيى بن آدم، وهو المذكور في الكتب في عداد شيوخه، وإن كان من الممكن أخذه عنه لمعاصرته له. وقال البدر العيني في "البناية" (٢): له تصانيف كثيرة.

стр. 5995

فإن قلت: أهل الحديث يشنّعون عليه تشنيعا بليغا، ونقل ابن الجوزي عن ابن عدي أنه كان يضع الحديث في التشبيه، وينسبها إلي أهل الحديث. قلت: من جملة تصانيفه: "كتاب الرد على المشبهة"، فكيف يصحّ عنه ذلك، وكان ديّنا، صالحا، عابدا، فقيه أهل الرأي في وقته. وقال علي القاري في "طبقات الحنفية": هو فقيه أهل "العراق" في وقته، والمقدّم في الفقه، والحديث، وقراءة القرآن، مع ورع وعبادة. قال الحاكم: روى محمد بن أحمد بن موسى القمّي عن أبيه عنه "كتاب المناسك" له في نيف وستين جزءا كبارا دقاقا. وله "تصحيح الآثار" -وهو كتاب كبير. و"كتاب النوادر"، و"كتاب المضاربة"، و"كتاب الرد على المشبّهة"-. وله ميل إلى المعتزلة. وقال أبو الحسن على بن صالح: حكى لي جدّي أنه سمع الثلجي يقول: ادفنوني في هذا البيت، فإنه لم يبق فيه طابق إلا ختمت فيه القرآن. وسأتحدّث إن شاء الله تعالى عما كان النقلة يَنْقِمُون عليه مع الردّ عليهم بقرع الحجّة بالحجة لا بالتهوّر والإقذاع، كما هو ديدنهم منذ ثوران فتنة القول بخلق القرآن. قال ابن كامل: كان فقيه "العراق" في وقته. ولفظ الحكم في "معرفة علوم الحديث" (٢٢٤): وأما أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي فإنه كثير الحديث، كثير التصنيف، رأيت عند أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القمّي خازن السلطان عن أبيه عن محمد بن شجاع "كتاب المناسك" في

стр. 5996

نيف وستين جزءا كبارا دقاقا. وهذا العالم الجليل المعروف بين الحفّاظ بكثرة الحديث وكثرة التصنيف وبالغ العبادة والتلاوة المختوم له بخير يسعى كثير من حشوية الرواة في الإساءة إلى سمعته كذبا وزورا، فمن لا يصدق في مثل أبي حنيفة وأصحابه باعتباره ظنينا متَّهما كيف يصدق في باقي علماء المذهب؟ فانخداع بعض من ألّف في الرجال من علماءنا المتأخّرين بما سطره أهل العدوان من الحشوية، وتصديقهم في فريق دون فريق مما يؤسف له، وذلك من جهلهم بالدخائل في كلمات هؤلاء النقلة، وعدم دراستهم لكتب الرجال، كما يجب جريا مع التقليد الأعمى، والله ولي الهداية. وفي "تكملة الرد علي نونية ابن القيم" (٩٦) بعض بسط في ذلك. رأيه في مسائل الاعتقاد التي كان يجري النقاش فيها بين أهل عصره: وقد ذكرت (أي ذكر الشيخ زاهد) في "تأنيب الخطيب" (ص ٥٥) بسند محمد بن شجاع عن أبي حنيفة في قصة طويلة عن سوال بعض أصحاب أبي حنيفة عن مسئلة خلق القرآن وسكوتهم عن الجواب لغيبوبة شيخهم، وحكايتهم له ما جرى عند قدومه إلى أن قال: فما كان جوابكم فيها؟ قلنا: لم نتكلّم فيها بشئ، وخشينا إن نتكلّم بشئ تنكره. فسري عنه، وأسفر وجهه. وقال جزاكم الله خيرا، جزاكم الله خيرا، احفظوا وصيتي، ولا تتكلّموا فيها بكلمه واحدة أبدا. ولا تسألوا عنه أحدا أبدا. انتهوا إلى أنه كلام الله بلا زيادة حرف واحد، ما أحسب هذه المسئلة تنتهي، حتى توقع أهل الإسلام في أمر لا يقومون له، ولا يقعدون. أعاذنا الله وإياكم من الشيطان الرجيم. وقد نقلنا (أي نقل الشيخ زاهد) أيضًا بسند محمد بن شجاع عن الحسن بن زياد، والحسن بن أبي مالك وغرهما عن أبي يوسف وزفر وغيرهما

стр. 5997

مثل هذا الرأي في "حسن التقاضي"، و"لمحات النظر" و "التأنيب"، وغيرها وبهذا الرأي الذى كان يدين به محمد بن شجاع يعده النقلة من الواقفة، بل يكفرونه، فسبحان قاسم العقول. والقول بأن القرآن كلام الله، والسكوت عما زاد على ذلك، مما لم يرد في الكتاب والسنة، هو الصواب القاطع للنزاع المهديء للعقول الثائرة، كما هو ظاهر. وحاشا أن يريد هو ولا أحد من أصحاب أبي حنيفة أن القرآن باعتبار وجوده العلمي في علم الله حادث، أو أن يريد أحد منهم قدم ما بأيدى البشر من القرآن في الأذهان والألسنة والصحف، ليكونوا كفّارا في الحالتين، لأن القول بحدوث القديم أو بقدم الحادث من أشنع أنواع الكفر عند من يعقل ما يقال له. وأما القول بما قال به محمد بن شجاع نقلا عن أئمتنا من الوقوف، حيث وقف الكتاب والسنَّة من غير زيادة شيء على قولنا: (إن القرآن كلام الله)، كما توارثه أئمتنا، فهو محض الصواب، ولب الحكمة، فلو كان أهل الشأن أخذوا بذلك لفترت الفتنة، ورجع الجميع إلى رشدهم، وانصرفوا إلى ما فيه خيرهم، لكن وقع ما كان يتوقعه الإمام الأعظم، ووصل الأمر إلى حدّ إكفار من يقول بهذا الصواب، وتخليد ذلك في الكتب مدى الأحقاب. وهذا هو الذي بسببه كان يرمي محمد بن شجاع بالميل إلى الاعتزال، وحاشاه من ذلك، بل كان من أبعد خلق الله عن الانحياز لإحدى هاتين الطائفتين: المعتزلة، والحشوية، بل كان حنيفا، لا يميل إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، بل كان يقسو بعض قسوة على أهل المغالاة، فجازوه جزاء سنمار، والله سبحانه يكافئه على صدق جهاده في سبيل الدين، وقمع المبتدعين مكأفاة المتقين.

стр. 5998

وموعدنا في الكلام عن الباحث إلى تقوّلات النقلة فيه المبحث الآتي، فسندافع عنه فيما هو مظلوم فيه، إن شاء الله تعالى بما نرجو مثوبة فيه. التحدّث عما رماه به بعض الجارحين من خصوم المنزّهين: لابن عدي انحراف عجيب عن أبي حنيفة وأصحابه، فلا تجد في كتابه "الكامل" كلمة واحدة في الثناء على واحد منهم، بل كلامه كلّه تجريح وتشنيع فيهم، مع أنهم قادة الأمة في الفقه، والعقيدة من أقدم العضور إلى اليوم، وإلى ما شاء الله، بل لا يستطيع أحد ممن يعي ما يقول أو يقال له توهين مداركهم في الكتاب والسنة في الفروع والأصول والعقيدة، بل باقي أرباب المذاهب الفقهية انتهجوا مناهجهم الفقهية باستدراك طفيف، يناقشهم المتأخّرون في ذلك، وسبقهم بالفضل تحت اعتراف الجميع، إلا من طَمَسَ الله بصيرته، فأصبح يتخبّط في مكابرة الحقائق، ولذا قال ابن الأثير في "جامع الأصول" ما معناه: لولا أن الله سبحانه جعل سرا في أبي حنيفة لما اتخذه شطر الأئمة المحمدية قدوة في دين الله، يتعبّدون الله بمذهبه من أقدم العصور إلى اليوم، ثم يشكو مر الشكوى من بعض أهل مذهبه، حيث يتحاملون على هذا الإمام الفذّ، وأطال الكلام في ذلك. والواقع أن أقلّ ما يقال في أتباعه: إنهم شطر الأمة المحمدية. والصحيح أنهم ثلثا الأمة، كما حقّق على القارى في "شرح المشكاة"، والتدليل على ذلك سهل ميسور، فيكون التطاول والتحامل عليه استهانة وعداء وتحاملا على معظم الأمة المحمدية، ووزر ذلك لا شكّ عظيم. ونحن على استعداد للنظر في كل نقد يوجّه إلى واحد من أئمتنا، وقبول ما يبرهن عليه منها بكلّ

стр. 5999

إنصاف، لكن من نراه يملأ كتابه كلّه بمثالب (١) شنيعة في جميع أئمتنا من غير ذكر أيّ منقبة لواحد منهم باسم القيام بتجريح المجروحين من نقلة العلم نكشف عن اتجاهه الستار، ونبدي ما ينطوي عليه من سوء النية، وفساد الطوية بها عتبار أن عمله ذلك إهانة للأمة، وامتهان للملة، حيث عدّهم اتخذوا شرار خلق الله قدوة في دين الله، فنناقش ابن عدي المعتدي على كلماته الخارجة عن الاتّزان، ومن عيوب ابن عدى في "الكامل" أخذه الشيوخ بعيوب الرواة عنهم. وهذا إخسار في الميزان، كما يشير إلى ذلك الذهبي والسخاوى وغيرهما. وابن عدي يقول في "الكامل" في ترجمة الإمام أبي عبد الله محمد بن شجاع الثلجي ﵁: محمد بن شجاع أبو عبد الله الثلجي من أصجاب الرأي متعصّب، سمعت موسى بن القاسم بن موسي بن الحسن بن موسى بن الأشيب يقول: كان ابن الثلجي يقول: من كان الشافعي؟ إنما كان يصحب بريرا المغني، فلم يزل يقول هذا، إلى أن حضرته الوفاة، فقال: رحم الله أبا عبد الله - يعني الشافعي، وذكر علمه، وقال: قد رجعت عما كنت أقول فيه. قال الشيخ يعني ابن عدى: وكان يضع أحاديث في التشبيه، ينسبها إلى أصحاب الحديث ليثلبهم به، روي عن حبّان بن هلال، (وحبّان ثقة) عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة عن النبي ﵊ قال: إن الله خلق الفرس، فأجراها، فعرقت، ثم خلق نفسه منها. مع أحاديث كثيرة، وضعها من هذا النحو، فلا نحبّ أن نشتغل به، لأنه ليس من أهل الرواية، حمله التعصّب على أن وضع أحاديث، ليثلب أهل الأثر.

стр. 6000

و (أحاديث) في الموضعين (أحاديثا) في عبارته، حيث لم يكن يرعى قواعد النحو، لأنه كان عاميا لحّانا، ليس عنده من العربية ما يقوم به لسانه، فضلا عن أن يكون حائزا لعلم يقوم به فكره، وقد فسد بمعاشرة ابن أبي داود المعروف، كلّ ما فيه اطلاعه على قماطر النقلة الرحل لأجل كنابة الأحاديث من الشيوخ، فنستأنس برواياته، مع النظر في أسانيده، ولا نجاريه في جهالاته تعبيرا وتفكيرا. هذا ما نذكره عرضا. أما قوله من أصحاب الرأي، فنعم، لأنه كان صاحب غوص، وفهم في الكتاب والسنَّة، ولا فقه، حيث لا رأى وفقهاء الصحابة والتابعين كلهم من أهل الرأي، والآثار في ذلك مسرودة في "جامع بيان العلم"، و "الفقيه والمتفقه"، ولذا ذكر ابن قتيبة في "المعارف" مالك بن أنس في عداد أهل الرأي، ولا أدري لماذا لم يذكر الإمام ابن عدي في أحد فريقي الرأي والحديث. وأما رميه بالتعصّب، فلم يدلّل عليه، وإنما التعصّب هو التحزّب لرأي أو طائفة بدون إقامة حجَّة، وهو الذي مضى عليه ابن عدي في "كامله"، فيكون هذا محاولة منه أن يرميه بدائه، وطريق ابن شجاع في الآراء والمسائل وإقامة الحجّة عليها، كما تجد مصداق ذلك في كتب المذهب. وأما قوله: من كان الشافعي؟ ومؤاخذته على مصاحبته لمغن، فمن قبيل ما رواه محمد بن إسحاق النديم في "الفهرست" عن أبي القاسم الحجازي عن محمد بن شجاع، قال (كان يمر بنا في زى المغنّين على حمار، وعليه رداء محشو وشعره مجعد) فلا أستسيغ أن يتكلّم أحد في إمام من أئمة المسلمين بمثل هذه اللهجة، ولا شكَّ أن هذا الزيّ الذي كان يتزيّا به الإمام هو زيّ أهل "الحجاز"، وكان ابن شجاع يرى ورود بعض المغنّين من "الحجاز" بهذا الزيّ، فظنّ أنه زىّ المغنّين، وأهل "الحجاز" كانوا يتسامحون

стр. 6001

في الغناء، ولم يكن عندهم جمود أهل "العراق" في ذلك، بل بعض شيوخهم الذين يقدّمون "العراق" كانوا يستصحبون من يغنّيهم، كما فعل إبراهيم بن سعد الزهري، وعبد الملك بن الماجشون، ثم كيف يعدّ صحبة مثل إبراهيم الموصلى المغنّي مثلا وسيلة تعيير في "العراق"، مع إتقانه كثيرا من العلوم، والغناء نفسه فن، يختلف حكمه باختلاف الغايات، ولعل لهجة ابن شجاع أتت من جهة أن الشافعي سبق أن آى شيخه الحسن بن زياد، بقوله: ليس هناك، وبتدبير أن يكلّمه بعض تلاميذه الذين انفضّوا من حوله، وانحازوا إليه كما سبق، لكن بالنظر إلى أن محمد بن شُجاع رجع عن ذلك، وأقرّ بعلم الشافعي، نقول: عفا الله عما سلف، ونسكت. على أن موسى بن الأشيب توفي سنة ٣٣٩ هـ، ولم يدرك زمن ابن شجاع، وأبو القاسم الحجازى غير موثق. وأما قوله: (وكان يضع أحاديث في التشبيه، وينسبها إلى أصحاب الحديث)، فداهية دهياء، وأشنع افتراء على مثل ذلك الإمام الجليل المشتهر بإمامته، وأمانته، وسعة روايته، ودقة درايته، وكثرة عبادته، وحسن خاتمته، حتى لم يجترئ أمثال ابن أبي حاتم والعقيلي وابن حبَّيان على أن يتكلّموا فيه ببنت شفة. وابن عدي تراه يرمي هذا الرمي الفظيع بدون أيّ دليل، وليس ابن شجاع مصدر ذيوع تلك الرواية الفاضحة بين النقلة، بل كانت متناقلة بين جهلة الرواة في عصره، وقبله، وابن قتيبه يشكو مرّ الشكوى من حملهم تلك الفاضحة، ويقول في "الاختلاف في اللفظ" (ص ٤٥) (ولما رأى قوم من الناس إفراط هؤلاء في النفي عارضوهم بالإفراط في التمثيل، فقالوا: بالتشبيه المحض وبالأقطار والحدود، وحملوا الألفاظ الجائية في الحديث على ظاهرها، وقالوا: بالكيفية فيها، وحملوا من مستشنع الحديث عرق الخيل وحديث

стр. 6002

عرفات، وأشباه هذا الموضوع، ما رأوا أن الإقرار به من. السنّة، وفي إنكاره الريبة وكلا الفريقين غالط). وقال ابن عسكر في "تبين كذب المفتري" (ص ٣٦٩) ردا على أبي علي الأهوازي:- إنه كان سالميا مشبّها مجسما حشويا، ثم ذكر كتاب الأهوازي المسمّى "البيان في شرح عقود أهل الإيمان" - المحتوي على الأحاديث الموضوعة كحديث ركوب الجمل، وعرق الخيل، فهل كان محمد بن شجاع، هو الذي أذاع بين النقلة تلك الفاضحة في عصر ابن قتيبة المعاصر له؟ أم هو الذي حمل أناس على تدوينها في كتبهم، وكتاب أبي على الأهوازي كان محفوظا في ظاهرية دمشق. فهذا دعوى أنه يضع أحاديث في التشبيه. ولم ينقل ابن عدي ذلك من أحد، ولا رفع سنده في شيء منها إلى ابن شُجَاع، بل جازف، وقال: إنه روى حديث الفرس عن حبان بن هلال. ولو انفرد مثله بالرواية عن حبّان لما ساغ رميه بوضع تلك الفاضحة مع وجود مثل حماد بن سلمة المختلط الذي شهر لإدخال ربيبه عبد الكريم بن أبي العوجاء، وربيبه الآخر زيد المعروف بابن حماد بن سلمة أحاديث موضوعات في كتبه مع صحة روايته فيما قبل، وإمامته في العربية، وفي كتب الموضوعات المبسوطة نماذج كثيرة، مما أدخل عليه راجع كتاب ابن الجوزي وغيره. وشيخه أبو المهزم بكسر الزاء المشدّدة يزيد بن سفيان، يقول عنه شعبة: (لو يعطى درهما لوضع حديثا، وكان أبو المهزم مطروحا في مسجد ثابت، لو أعطاه إنسان فلسا لحدّثه سبعين حديثا)، فخلعة الوضع لا تخلع على مثل ابن شجاع مع وجود حماد بن سلمة، وأبي المهزم في السند، ومن قلة الدين رمي مثل محمد بن شجاع بوضع أحاديث من غير ذكر دليل واحد على وضعه لحديث واحد بسند يوصل إليه.

стр. 6003

وغاية ما في الأمر أنه وقع في "تاريخ الحاكم": أنبأنا إسماعيل بن محمد الشعراني، أخبرت عن محمد بن شجاع الثلجي، أخبرني حبّان بن هلال عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة مرفوعًا: إن الله خلق الخيل فأجراها، فعرقت، ثم خلق نفسه منها: ولا إمكان لاهتمام مثل ابن شُجاع في دينه وورعه بوضع مثل هذا الخبر الساقط بقول إسماعيل بن محمد الشعراني: أخبرت عنه، لأن هذا نصّ على انقطاع الخبر، فمن هذا الذي أخبره عنه أسمعه منه سماعا، أم سمعه من آخر، يقول أيضًا أخبرت عنه؟ وما مبلغ هذا، وذاك وذلك؟ وبين الشعراني وأبي شجاع من المدة ما يجعل الساقط من بينهما نحو ثلاثة أشخاص، فمن هؤلاء المجاهيل؟ وما هي أحوالهم؟ ولم يرم محمد بن شُجاع أصلا خبر معين في كتاب من الكتب فيما نعلم مع طول أمد بحثنا عن ذلك، ولم يرمه أحمد مع ما بينهما من الجفاء بالكذب أصلا. بل روي عنه أنه قال عنه: مبتدع صاحب هوى، كما هو رأيه في الواقفة، فليتق الله ابن عدي أن ينسب هذه الفرية إلى فقيه مثله في علمه ودينه ووجاهته وخاتمته، وإن كان شجي في حلوق المشبّهة وجذعا في أعين الحشوية بما ألّفه في الرد على المجسّمة، كما يعلم اتجاه رده واتجاه لخصومه من "كتاب النقض" (١) لعثمان بن سعيد الدارمي المجسّم، وقد أقام النكير عليهم فيه لروايتهم أمثال هذه السخافات.

стр. 6004

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6005

وقال: إن الزنادقة يدسّون تلك الأباطيل في كتب الرواة، فيروونها بسلامة باطن، فحذرهم من مسايرتهم، وهو الواقع، والدارمي يستبعد كلّ الاستبعاد اقتراب هؤلاء من الرواة، فضلا عن تمكّنهم من الدسّ في كتبهم، وابن عدى هذا يعكس الأمر، ويجعل الداسّ في كتبهم، هو ابن شُجَاع، حيث يقول في "الكامل" في ترجمة حماد بن سلمة بعد أن قال: حدثنا ابن حماد، ثنا أبو عبد الله محمد بن شُجَاع بن الثلحي، أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث، حتى خرج خرجه إلى عباد أي فجاء، وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانا خرج إليه في البحر، فألقاها إليه. قال أبو عبد الله: فسمعت عباد بن صهيب يقول: إن حماد بن سلمة كان لا يحفظ، فكانوا يقولون: إنها دسّت في كتبه، وقد قيل: إن ابن أبي

стр. 6006

العوجاء كان ربيبه فكان يدسّ في كتبه هذه الأحاديث: و (أو عبد الله الثلجي كذّاب، وكان يضع الحديث، ويدسّه في كتب أصحاب الحديث أحاديث كفريات، فهذه الأحاديث من تدسيسه)، وهذا نصّ كلام ابن عدي في ترجمة حماد بن سلمة، وهذا من غريب التعدّي من ابن عدي، مرة يقول: يضع الحديث، وينسبه إلى أهل الحديث، ومرة يقول: يضع الحديث، ويدسّه في كتبهم، فكيف يعقل هذا، ولم يكن ابن شجاع خادما ولا ربيبا عند راو من الرواة، خاصة الحشوية منهم، حتى يتصوّر أن يدسّ بين كتب أحدهم شيئا، فكان هذا الجارح العامي اللاحن لم يكن يعرف مبلغ سعة علم ابن شجاع، وتصوّنه، وديانته، ووقاره، ووجاهته، حتي تكلّم فيه بكلام معه ما يبطله، فكفى الله المؤمنين القتال، فيا ترى هل يبقى الراوي مقبول الرواية بعد أن دسَّ في كتبه شيئا، وتلقّن ذلك، ورواه، فإذا لم يبرهن هذا الجارح الطالح على كتب من دسّ ابن شجاع؟ وماذا دسَّ؟ كيف دسّ؟ لا ينجيه من هذه الوقيعة الفاجرة المفضوحة إذا وقعت الواقعة كونه يرويها مثلا من عامي مثله، كأسراب طير يطير بعضها خلف بعض، فلعائن الله على من اجترأ على مثل هذا الافتراء على الأئمة الأبرياء، ففي "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (ص ٣٦٩)، و"الاختلاف في اللفظ" لابن قتيبة (ص ٤٥)، و"تكملة الرد على نونية ابن القيم" (ص ٩٧) من الإيضاح ما لا يدع أدنى شبهة في هذا الموضوع لمن أنصف وتدبَّر. وحماد بن سلمة كان كثير الزواج، تزوّج ما يقرب مائة من النساء. وهذا مما جعله شديد الاختلاط، وقد ذكر ابن عدي نفسه في ترجمته حديثه عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قرأ، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. الأعراف الآية ١٤٣، قال أخرج طرف خنصره، وضرب على إبهامه، فساخ الجبل، قال: فقال: حماد لثابت: تحدّث بمثل

стр. 6007

هذا؟ قال: فضرب بيده في صدره، وقال: يقوله أنس، ويقوله رسول الله ﷺ ، وأكتمه أنا؟ وقد أساء الضياء إلى نفسه بإخراج هذه الخرافة إلى مختارته، وحديثه عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن محمدا رأى ربه في صورة شاب أمرد من دونه ستر من لؤلؤ، قدميه (هكذا)، أو قال رجليه في خضرة (١)، ونحو ذلك، نسأل الله السلامة، وأما قول الخطيب رواية عن محمد بن أحمد الآدمي عن محمد بن علي بن أبي داود عن زكريا السجي (كان محمد بن شجاع الثلجي كذَّابا احتال في إبطال الحديث عن رسول الله ورده نصرة لأبي حنيفة ورأيه) فالأدمي لم يكن صدوقا، وكان يسمع لنفسه في كتب لم يسمعها، كما نصّ على ذلك الخطيب نفسه، والساجي يحاول بقوله هذا أن يرمي ابن شجاع بدائه نفسه، كما يظهر من كتابيه في الاختلاف والعلل. قال أبو الحسن بن القطَّان في الساجي: (مختلف فيه في الحديث وثّقه قوم، وضعَّفه آخرون). والذهي لم يعلم جرحا فيه أصلا، لكن علم الجرح فيه من علم، بل قتله أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن" (١: ١١٣)، وأقبره بكشفه الستار عن اتجاهه، وإليك بعض ما يقوله: (فإن احتجّ محتج بما ذكره زكريا بن يحيى الساجي عن بندار وإبراهيم بن محمد التيمي، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا مجالد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ سُئل عن الجنين يخرج ميتا، فقال إن شئتم فكلوه، فإن ذكاته ذكاة أمه. قيل له: قد روى هذا الحديث جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد، ولم يذكروا فيه: إنه خرج ميتا، ورواه جماعة عن مجالد، منهم: هشيم،

стр. 6008

وأبو أسامة وعيسى بن يونس، ولم يذكروا فيه أنه خرج ميتا. وإنما قالوا: سئل النبي ﷺ عن الجنين، يكون في بطن الجزور أو البقرة أو الشاة، فقال: كلوه، فإن زكاته زكاة أمه، ورواه أيضًا ابن أبي ليلى عن عطيه عن أبي سعيد عن النبي ﷺ . وكذلك قال: كل من يروى ذلك عن النبي ﷺ ممن قدمنا ذكرهم، ولم يذكر واحد منهم أنه خرج ميتا، ولم تجئ هذه اللفظة، إلا في رواية الساجي، ويشبه أن تكون هذه الزيادة من عنده، فإنه غير مأمون، وقد كشف أبو بكر الرازي هكذا الستار عن وجه الساجي ببيانه النير، فتبين بذلك أن الساجي حينما قال عن ابن شجاع (إنه كذاب، احتال في إبطال الحديث ورده، نصرة لإمامه) إنما حاول رمي محمد بن شجاع بدائه نفسه من غير أيّ دليل، فيسكت الساجي هكذا من مقام التعويل، وإن تلطّف أبو بكر الرازي في التعبير جاعلا الحجّة هي التي تنطق، هكذا تكون تسوية الحديث على موافقة المذهب، نسأل الله السلامة. فإن ميل: للساجي متابع في "سنن الدارقطني" حيث يقول: (حدثنا أبو بكر الشافعي، نا ابن ياسين، نا بندار، نا يحيى القطّان، عن مجالد، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ سئل عن الجنين يخرج ميتا، قال: إن شئتم فكلوه … ). أقول: ابن ياسين هو أحمد بن محمد بن ياسين الهروي المتوفى سنة ٣٣٤ هـ، ولم يدرك بندارا، وهو محمد بن بشّار المتوفى سنة ٢٥٢ هـ، فيكون بينهما الساجي، حتى يتصل السند، أسقطه من أسقطه، ليوهم أن ابن ياسين معروف بالكذب. فيستغرب إخراج الدارقطني لهذا الحديث في "سننه" من غير تنبيه على ما فيه، ومن هذا يعلم أن داء القوم مما لا دواء له، غير مسيار يختبر به غور الجرح المهلك فيهم، والله هو الهادي.

стр. 6009

وأما ذكاة الجنين فمشروح في النكت الطريفة (ص ٦٢) فليراجع البحث هناك من شاء. وأما رواية الخطيب عن أبي الفتح الأزدي في ابن شجاع فنحيلها إلى قوله: (كذاب لا تحلّ الرواية عنه لسوء مذهبه وذيغه عن الدين). فدليل كذبه هو ذيغه في نظره، فعلى هذا يكون للرافضي حق تكذيب من شاء من غير أهل مذهبه: في نقد الخطيب ومتابعة ابن الجوزى في الروايتين. وأما من يقول: كان أحد الجهمية القائلين بالوقف في القرآن والمصنفين في ذلك، ولعثمان بن سعيد الدارمي كتاب في الرد عليه وعلى صاحبه بشر بن غياث المريسي وغيرهما من الجهمية. فقد اغترّ بخلطائه من الحشوية من غير أن يدرس كتاب الدارمي وغيره في هذا الموضوع. وقول القواريري في رواية الخطيب: أن ابن شجاع كافر. يضرّ القواريري لا ابن شجاع، لأن الوقوف بالمعنى الذي سبق ليس من الكفر في شئ، كم كان لهم إذ ذاك من إكفار وتبديع وإضلال بأتفه الأسباب، والجدير بمثل عبيد الله بن عمر القواريري أن يتذكر إجابته في المحنة مع الأولين ويستحي من الكلام في مثل ابن شُجاع، ومثله يجب أن يكون آخر من يتكلّم فيه. ومما حكى الذهبي في "تاريخه الكبير" أنه جاء من غير وجه، أن ابن الثلجي كان إذا سئل عن أحمد بن حنبل وأصحابه يقول: أيّ شيء قام به أحمد بن حنبل؟ فكأنه كان يرى أنه لم يشرف على تدوين المذهب، وإنه قطع التحدّث قبل وفاته بثلاث عشرة سنة، فبقي مسنده غير مهذّب. فتحرير المذهب، وتهذيب المسند كانا أمرين ضروريين، ولم يقم بهما، وثباته في الامتحان ما كان ابن شجاع يعدّه شيئا، لكونه على خلاف معه في المسئلة، لكن كفى للإمام أحمد فخرا ما نشر له أصحابه من علومه، التي ملأت الكون، بيد أن ابن شجاع كان غير مرضيّ عندهم، فكان ينال منهم، وينالون منه، بأبذأ

стр. 6010

الكلمات، ونماذج من ذلك تجدها في نقض عثمان بن سعيد الدارمي، فطالعها لتعرف اتجاهه واتجاه خصومه، وتصيب في الحكم. وحكى الذهبي عن هارون بن يعقوب الهاشمي أنه سئل أحمد عن ابن الثلجي وأصحابه، قال: جهمية. قيل: أكان من أصحاب المريسي؟ قال: نعم، وأنت تعرف، أن الإمام الشافعى كان نزل في بيت المريسى بـ"بغداد" في رحلته الثانية، لكن زجّ نفسه في المحنة الممقوتة، فساء كلامهم فيه، وحكى الذهبي أيضًا عن المروزي: أتيته، ولمته، (يعنى ابن شجاع)، فقال: إنما أقول كلام لله، كما أقول: سماء الله، وأرض الله، فقمت، وما كلَّمناه، حتى مات، وكان المتوكل قد همَّ بتوليته القضاء، فقيل له: هو من أصحاب بشر، فقطع الكتاب الذى كان كتب له في ذلك، وأبو بكر المروزى راوي الحكاية من أجلّة أصحاب الإمام أحمد، إلا أنه زلَّت قدمه، وزعم أن المقام المحمود هو إقعاد محمد ﷺ على العرش في جنب الله تعالي، مع استحالة ذلك عند أهل الحق، ومخالفته الصارخة للسنة المتواترة في تفسيره بالشفاعة العظمي، وهذا المروزي هو الذي يحدّث عن أبي إسحاق الهاشمي عن الزيادي: أشهدنا ابن الثلاج على وصيته، وكان فيها: ولا يعطى من ثلثي إلا من قال: القرآن مخلوق، كما في "تهذيب التهذيب"، ولعل ابن الثلاج هذا غير محمد بن شجاع الثلجي، فإن المستفيض عنه أنه كان من الواقفة، لا من القائلين بأنه مخلوق، على أن القول: بأنه مخلوق صحيح، إذا أريد به ما في المصاحف، والألسن، والأذهان، من الخطوط والأصوات والصور الذهنية، لا ما قام بالله في علم الله، ومما يقضي منه العجب تعود ابن عدي في كتابه أن يقول عند تحدّثه عن خصومه ممن لهم براعة في الحديث، (ولم يكن من أهل الصنعة وما كان يدري ما الحديث! وما كان من أهل الرِّواية) هكذا يكون تحكّم الجاهل المتعصّب، ليكشف عن دائه.

стр. 6011

وأكتفى بهذا القدر في سرد ما يروي في محمد بن شجاع، وقد بينت ما في تلك الروايات من المآخذ على مبلغ علمي وفهمي، وبعد الإلمام بما سبق فللقارئ الكريم أن يختار ما شاء تحت مسؤليته، وفي تلك البحوث عبر في مبلغ اتساع الخرق على الراقع بأتفه الأسباب، والله سبحانه هو الهادي إلى الصَّواب. وروى الخطيب عن إبراهيم بن نحلد عن أحمد بن كامل عن أبي الحسن علي بن صالح بن أحمد البغوي عن محمد بن عبد الله الهروي، سمعت أبا عبد الله محمد بن شجاع الثلجي، يقول: ولدت في اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة ١٨١ هـ، وتوفي وهو في صلاة العصر ساجدا لأربع ليالي خلون من ذي الحجّة سنة ستّ وستين ومائتين، ودفن في بيت من داره، ملاصقا للمسجد، وأخرج للبيت شباك إلى الطريق، ومدفنه في الدرب المعروف بدرب المعوج، الملاصق لداره محمد بن عبد الله بن طاهر، قال: أبو الحسن وحكى لي جدّي أنه سمع أبا عبد الله محمد بن شُجاع يقول: ادفنوني في هذا البيت، فإنه لم يبق فيه طابق إلا ختمت عليه القرآن، أغدق الله على جدثه سحب الرضوان، وتغمَّده بالرحمة والغفران. * * * ٤٤٦٨ - الشيخ الفاضل محمد بن شعبان الطرابلسي *

стр. 6012

ذكره المحبى الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: من أهل "طرابلس المغرب"، ذكره ابن نوعي، ووصفه بالفصل الباهر، وقال: قدم "قسطنطينية" في سنة ست عشرة وألف، وتناظر مع علمائها، فظهرت مزيته، وروعي حقه، وأقبل عليه شيخ الإسلام صنع الله بن جعفر، وأعطاه قضَاء بلده لاعتبار المولوية، وأضاف إلى القضاء الفتوى والتدريس، فتوجّه إلى وطنه. وله تآليف باهرة، منها: "شرح مجمع البحرين"، سماه "تشنيف المسمع في شرح المجمع"، وجمع مناقب الشيخ أبي الغيث القشاش المقدم ذكره، وله غير ذلك من الآثار ما ليس له ضاية، وفتاويه كلها مسلّمة، وكانت وفاته في سنة عشرين وألف. * * * ٤٤٦٩ - الشيخ الفقيه محمد بن شمس بن صلاح بن محمد بن محمد بن أبي بكر ابن إسماعيل بن السرّي السقطي العثماني الشيخ محمد معروف الأميتهوي * ذكره العلامة عبد الحى الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: أحد الفقهاء الحنفية. انتقل والده من "العراق" إلى "الهند"، وولي القضاء بـ"ستركه" في أيام علاء الدين الخلجي، فسكن بها. وانتقل محمد معروف من "ستركه" إلى "أميتهي".

стр. 6013

وولي القضاء بها سنة خمس وأربعين وسبعمائة في أيام محمد شاه تغلق، ولما مات ولي مكانه ولده نجم الدين إسماعيل. وله ذرية كثيرة ببلدة "أميتهي"، كما في "رياض عثماني". * * * ٤٤٧٠ - الشيخ الفاضل محمد بن شهاب الدين الشرواني، (شمس الدين) * منطقي، أصولي، جدلي، بياني. من آثاره: "حاشية على شرح العضد على منتهى السول"، و "الأمل في علمى الأصول والجدل"، و "حاشية على شرح السيد" لمفتاح العلوم للسكاكي، و "حاشية على القطب" في المنطق. توفي سنة ٨٩٢ هـ. * * *

стр. 6014

باب من اسمه محمد بن صاعد ٤٤٧١ - الشيخ الفاضل محمد بن صاعد بن محمد بن أحمد، أبو سعيد، القاضي والد أحمد شيخ الإسلام، تقدم (١) * ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: نجل الأئمة صدر الرياسة، ولد سنة ثمانين وثلاثمائة. ومات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. قال [أبو الحسن عبد الغافر الفارسي] (٢) في "السياق": أخبرنا عنه ابنه قاضى القضاة أبو نصر أحمد. * * * ٤٤٧٢ - الشيخ الفاضل محمد بن صالح بن عبد القادر بن إبراهيم ابن

стр. 6015

شرف الدين، الدمشقي، الشهير بالكيلاني * فاضل. ولد سنة ١١٧٣ هـ. توفي بـ "دمشق" سنة ١٢٤٤ هـ. من مؤلفاته: "نسمات الأسحار في فضائل العشرة الأبرار". * * * ٤٤٧٣ - الشيخ الفاضل محمد بن صالح بن محمد بن عبد الله بن أحمد الغزي التمرتاشي، حفيد شيخ الإسلام الشمس محمد بن عبد الله، صاحب "التنوير"، وغيره، الآتي ذكره قريبًا، إن شاء اللّه تعالى * * ذكره المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: كان محمد هذا من فضلاء الفقهاء الحنفية، برع في شبابه، وقد أخذ ببلده عن والده، وعن ابن المحب. ثم رحل إلى "القاهرة"، وتفقه بها على الشهاب أحمد الشوبري، والحسن الشرنبلالي، والشيخ محي الدين الغزي الفاروقي، والشيخ أبي بكر الجبرتي. وأخذ الحديث عن الشيخ عامر الشبراوي، والشيخ عبد الجواد الجنبلاطي، والشيخ أبي الحسن بن عبد الرحمن بن محمد الخطيب الشربيني الشافعي، والشيخ محمد بن عبد الرحمن الحموي، والشمس محمد بن الجلال

стр. 6016

البكري، وأبي العباس أحمد المقري المغربي، والشيخ عبد الرحمن ابن يوسف البهوتي الحنبلي، ورجع إلى بلده، وقد بلغ الغاية من الفضل. وألف في حياة والده تآليف، منها: "شرح الرحيبة"، و "نظم ألفية" في النحو شرحها أبوه في حياته، وأولها: قال محمد هو ابن صالح أحمد ربي الله خير فاتح، وله منظومة في المناسخات، ورسالة في تفضيل الإنسان، وله شعر كثير. وكانت وفاته في سنة خمس وثلاثين وألف، ووالده موجود في الأحياء، رحمه الله تعالى. * * * ٤٤٧٤ - الشيخ الفاضل محمد بن الصبّاح السِّمْناني رحمه الله تعالى* * * * ٤٤٧٥ - الشيخ العالم الفقيه محمد بن ضياء الدين البردواني المفتي محمد راشد * *

стр. 6017

ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: كان من الفقهاء الحنفية. ولد، ونشأ بأرض "بنغاله". وقرأ العلم في المدرسة العالية وغيرها، ثم ولي المولوية بسوبريم كورت (المحكمة النهائية) ببلدة "كلكته"، فاستقلّ بها مدّة. ثم ولي الإفتاء بتلك البلدة، وهو الذي صحّح الترجمة الفارسية لـ "هداية الفقه" سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف في أيام سر جارج هلروبارلو الحكم العام في البلاد الهندية، في ذلك العصر بأمر جان هربرث هارنغنن الإنكليزي أقضى قضاة "الهند"، وكانت الترجمة المذكورة لقاضي القضاة غلام يحيى خان البهاري. * * * باب من اسمه محمد بن طابسي ٤٤٧٦ - الشيخ الفاضل محمد بن طابسي بن حبيب الملَطي تاج الدين * ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: ذكره البرزالي، وقال: كان رجلًا فاضلًا.

стр. 6018

له اشتغال كثير (١)، وتحصيل، ودرَّس بـ "الفرخشاهية" (٢)، وأعاد بمدارس، وكان مقيما بمسجد خاتون (٣). مات سنة تسع وسبعمائة، ودفن بـ "مقابر الصوفية"، ولم يبلغ السبعين. * * * ٤٤٧٧ - الشيخ الفاضل محمد بن طاهر بن عبد الرحمن بن الحسن بن محمد السعيدي، السمرقندي، اللبَّادي *

стр. 6019

ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: قال السمعاني: روى عن أستاذه (١) أبي اليسر محمد بن محمد بن حسين البزدوي. توفِى (٢) نصف صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة. واللبَّادي نسبة إلى "سكة اللبَّادين"، محلة بـ "سمرقند"، رحمه الله تعالى. قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد": (ص ١٧٢) أرَّخ السمعاني وفاته في النصف من صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة. * * * ٤٤٧٨ - الشيخ الإمام العالم الكبير المحدّث اللغوي العلامة مجد الدين محمد بن طاهر ابن علي، الفتني، الكجراتي * ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو صاحب "مجمع بحار الأنوار" في غريب الحديث، الذي سارت بمصنّفاته الرفاق، واعترف بفضله علماء الآفاق. ولد سنة ثلاث عشرة وتسعمائة بـ "فتن" من بلاد "كجرات" (٣)، ونشأ بها.

стр. 6020

وحفظ القرآن وهو لم يبلغ الحنث، واشتغل بالعلم على أستاذ الزمان ملا مهته، والشيخ الناكوري، والشيخ برهان الدين السمهودي، ومولانا يد الله السوهي، وعلى غيرهم من العُلماء. ومكث كذلك نحو خمس عشرة سنة، حتى برع في فنون عديدة، وفاق أقرانه في كثير منها. ورحل إلى الحرمين الشريفين سنة أربع وأربعين وتسعمائة، فحجَّ، وزار، وأقام بها مدَّة. وأخذ عن الشيخ أبي الحسن البكري، والشهاب أحمد بن حجر المكّي، والشيخ علي بن عراق، والشيخ جار الله بن فهد، والشيخ عبيد الله السرهندي، والسيّد عبد الله العيدروس، والشيخ برخوردار السندي. ولازم الشيخ علي بن حسام الدين المتقي، وأخذ عنه، ودكره في مبدء كتابه "مجمع البحار"، ورجع إلى "الهند"، وقصر همّته عن التدريس والتصنيف، وكان طريقه الاشتغال بعمل المداد إعانة لكتبة العلم بها. قال الحضرمي في "النور السافر": إنه كان على قدم من الصلاح والورع والتبحّر في العلم، قال: وبرع في فنون عديدة، وفاق الأقران، حتى لم يعلم أن أحدا من علماء "كجرات" بلغ مبلغه في فنّ الحديث. كذا قاله بعض مشايخنا، قال: وورث عن أبيه مالا جزيلا، فأنفقه على طلبة العلم الشريف، وكان يرسل إلى معلّم الصبيان، ويقول: أى صبي حسن ذكاؤه وجيد فهمه أرسله إليّ، فيرسل إليه.

стр. 6021

فيقول له: كيف حالك؟ فإن كان غنيا يقول له: تعلّم، وإن كان فقيرا يقول له: تعلّم ولا تهتمّ من جهة معاشك، أنا أتعهّد أمرك، وجميع عيالك على قدر كفايتهم، فكن فارغ البال، واجتهد في تحصيل العلم، فكان يفعل ذلك بجميع من يأتيه من الضعفاء والفقراء، ويعطيهم قدر ما وظّفه، حتى صار منهم جماعة كثيرة علماء ذوي فتون كثيرة، فأنفق جميع ماله في ذلك. وحكى أنه في أيام تحصيله قاسى من الطلبة وغيرهم شدائد، فنذر إن رزقه الله سبحانه علما ليقومن بنشره ابتغاء لمرضاة الله سبحانه، فلمَّا، تمّ له ذلك فعل كذلك، وقام به احتسابا له، فانتفع بتدريسه عوالم لا تحصي، ﵀، وأعاد علينا من بركاته. انتهى. وكان ﵀ من البوهرة المتوطِّنين بـ"كجرات"، الذين أسلم أسلافهم على يد الشيخ على الحيدري المدفون بـ "كنباية"، ومضى لإسلامهم نحو سبعمائة سنة، وعامتهم يكسبون المعاش بالتجارة وأنواع الحرف، كما يدلّ عليه اسم البوهرة، وهي مشتقّة من بيوهار -بكسر الموحّدة وسكون التحتية بعدها هاء مفتوح، والألف والراء المهملة- في لغة أهل "الهند" معناه التجارة، وهم في العقائد على مذهب الشيعة الإسماعيلية، وبعضهم سنّيون، أرشدهم إلى طريق أهل السنة جعفر بن أبي جعفر الكجراتي، وكان إسماعيليا، هداه الله سبحانه، فقام بنصر السنة، جزاه الله عنا وعن سائر المسلمين! والشيخ محمد بن طاهر نفعنا الله ببركاته كان من أهل السنّة والجماعة. ونقل القنوجي في "إتحاف النبلاء" عن بعض العُلماء أنه كان صديقي النجار، واستدل عليه أن الشيخ عبد القادر بن أبي بكر المتوفى سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف كان مفتيا بـ "مكة المشرّفة"، وكان من أحفاد الشيخ محمد بن طاهر صاحب الترجمة، وكان حامل راية العلم.

стр. 6022

له مصنفات جليلة، منها: "فتاواه" في أربع مجلّدات، وكان الشيخ عبد الله بن طرفة الأنصاري الشافعي المكّي أستاذه، مدح تلميذه بقصيدة غراء فيها ما يدلّ أنه كان صديقيا: قد كان جد أبيك بل ضريحه … من أوحد العُلماء والفضلاء. أعني محمد طاهر من منجر الصديق حققه بغير مراء، والحق الحقيق الذي بالقبول يليق أن الشيخ محمد بن طاهر نفعنا الله ببركاته كان هندي النجار، صرّح بذلك في مبدء كتابه "تذكرة الموضوعات". وكان ﵀ عزم على دفع المهدوية، وعهد أن لا يلوث على رأسه العمامة، حتى تموت تلك البدعة، التي عمّت بلاد "كجرات"، وكادت أن تستولى على جميع جهاتها، فلمّا فتح أكبر شاه التيموري بلاد "كجرات" سنة ثمانين وتسعمائة، واجتمع بالشيخ محمد بن طاهر عمّمه بيده، وقال له: على ذمَّتي نصرة الدين، كسر الفرقة المبتدعة، وفق إرادتك، ولي على "كجرات" مرزا عزيز الدين أخاه من الرضاعة، فأعان الشيخ، وأزال رسوم البدعة ما أمكن، فلمّا عزل مرزا عزيز وولي مكانه عبد الرحيم بن بيرم خان اعتضد به المهدوية، وخرجوا من الزوايا، فنزع الشيخ عمامته، وسافر إلى "آكره"، وتبعه جمع من المهدوية سرّا، وهجموا عليه في ناحية "أجين"، فقتلوه. وله مصنّفات جليلة ممتعة، أشهرها وأحسنها: كتابه "مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار" في مجلّدين كبيرين، جمع فيه كلّ غريب الحديث، وما ألف فيه، فجاء كالشرح للصحاح الستّة، وهو كتاب متّفق على قبوله بين أهل العلم منذ ظهر في الوجود، وله منّية عظيمة بذلك العمل على أهل العلم، ومنها: "تذكرة الموضوعات" في مجلّد كبير، ومنها "المغني في أسماء الرجال".

стр. 6023

توفي سنة ستّ وثمانين وتسعمائة ببلدة "أجين"، فنقلوا جسده إلى "فتن"، ودفنوه بمقبرة أسلافه. * * * ٤٤٧٩ - الشيخ الفاضل محمد بن طاهر بن محمد الخوارزمي، أبو علي قاضي "واسط"، من أهل "باب الطاق " * ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: شهد عند قاضي القضاة علي بن الحُسين الزينبي في ذي الحجّة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. فقبل شهادته. تولي القضاء بباب الطاق في سابع المحرَّم سنة [خمس وأربعين وخمسمائة، ثم عزل، وولي القضاء بـ "واسط" في ذي الحجّة سنة ستّ وأربعين] (١)، فأقام بها حاكما إلى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. ثم عزل عن القضاء في تاسع رجب، وعاد إلى "بغداد". سمع من أبي القاسم علي بن أحمد الرزَّاز (٢)، والقاضى أبي بكر محمد ابن عبد الباقي الأنصاري.

стр. 6024

وحدَّث بـ "واسط". وتوفي ليلة الأربعاء ثاني (١) رمضان سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، ودفن بـ "مقبرة باب الطاق"، ﵀. * * * ٤٤٨٠ - الشيخ الفاضل محمد بن طاهر بن يحيى ابن قبيصة الفِلَقي * ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: سمع أباه طاهر بن يحيي، تقدَّم (٢). مات بـ "نيسابور" سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى. * * * ٤٤٨١ - الشيخ الفاضل محمد بن طراد بن محمد بن علي الزينبي * *

стр. 6025

ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال سمع من أبيه، وتفقّه عليه، وتقدَّم في حرف الطاء (١). وأخوه علي بن طراد تقدَّم أيضًا (٢)، رحمهم الله تعالى. * * * ٤٤٨٢ - الشيخ الفاضل مولانا محمد بن ظل الرحيم المنْغَلْ كُوتي، البُرْدُوَاني * قرأ مبادئ العلم في قريته، ثم قرأكتب الدرجة الأولى والمتوسطة على أبيه. وقرأ كتب الفنون العالية على العلامة سعادت حسين البِهَاري، ومولانا هداية الله الرامبُوري. وقرأ الحديث على السيِّد نذير حسين الدهلوي. كان علامة نحريرا، وفاضلا كبيرا. وكان طبيبا حاذقا، يجلس في بيته للطبابة.
следующие страницы →