٤٧٠٦ - الشيخ الإمام العالم الكبير العلامة محمد بن فضل الله بن صدر الدين، الجونبوري، ثم البرهانبوري *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: كان من ذرية سيّدنا أبي بكر الصدّيق ﵁.
ولد، ونشأ بـ "كجرات".
وتوفي والده في صغر سنّه، فلبس الخرقة من الشيخ صفي الكجراتي.
ثم سافر إلى الحرمين الشريفين، وأقام بها اثنتي عشرة سنة، وصحب الشيخ علي بن حسام الدين المتقي المكّي، واستفاض منه فيوضا كثيرة.
ثم عاد إلى "أحمد آباد"، وتزوّج بها، وأخذ العلم عن الشيخ وجيه الدين بن نصر الله العلوي، ولازمه اثنتي عشرة سنة.
ثم أخذ الطريقة عن الشيخ محمد ماه البيربوري، ثم عن الشيخ أبي محمد بن خضر التميمي، وكان التميمي ممن أخذوا عن والده.
ثم سكن بمدينة "برهانبور"، وعكف على الدرس والإفادة.
وكان كثير التعبّد والتألّه والمراقبة والخوف لله سبحانه، لم يزل مشغولا بالعبادة، والإفادة، كما في "بحر زخّار".
وقال محمد بن فضل الله المحبي في "خلاصة الأثر": إنه كان إماما عالما، زاهدا، عابدا، ورعا.
стр. 6302
اشتهر في "الهند" الشهرة العظيمة، وبلغ في ذلك مبلغا لم يبلغه أحد، وذلك أنه كان يحاسب نفسه كلّ يوم في آخر نهاره، وكان من طريقته أن يكتب جميع ما وقع منه وتصرّف فيه، وكان عظيم الخوف لله تعالى، يتوقّع الموت في كلّ وقت.
وبالجملة: فإنه كان من أسياد الصوفية، وحجتهم وبطانة خالصة العلماء بالقول والفعل، سالكا محجتهم، وكان من أكابر القائلين بالوحدة الوجودية، وألّف فيها رسالة، سمّاها "التحفة المرسلة إلى النبي ﷺ "، وكان فراغه منها في سنة تسع وتسعين وتسعمائة، وشرحها شرحا لطيفا، أتى فيه بالعجب العجاب، واعتذر فيه عما يقع من محقّقي الصوفية من الشطع الموهم خلاف الصواب، اعتذارا يقبله من أراد الله تعالى له الزلفى وحسن مآب، واسم ذلك الشرح "الحقيقة الموافقة للشريعة".
قال المحبي: وممن تولّى شرحها أيضا الأستاذ رأس المحقّقين إبراهيم بن حسن الكوراني، نزيل "المدينة المنوّرة" على ساكنها أفضل الصلاة وأتمّ السلام. انتهى.
ومن مصنّفاته: "الهدية المرسلة إلى النبي ﷺ " في شرح الدعاء السيفي، ومنها: "الوسيلة إلى شفاعة النبي ﷺ "، لخّص فيه "الشفاء" للعياض، و"الشمائل" للترمذي، مشتمل على خمسة أبواب وخاتمة، ومنها: "شرح اللوائح" للجامي، ومنها رسالة في كراهة إمامة الأمرد في الصلاة، ومنها: رسالة في المعراج.
وكانت وفاته يوم الاثنين، ثاني رمضان سنة تسع وعشرين وألف، وقد وجد الشيخ هاشم تاريخا لوفاته من "ابن فضل الله"، وقبره بمدينة "برهانبور".
* * *
стр. 6303
٤٧٠٧ - الشيخ الفاضل العلامة محمد بن فضل الله بن محب الله بن محمد محب الدين بن أبي بكر تقي الدين بن داود المحبي الحموي الأصل، الدمشقي المولد والدار، العلامة، الأديب *
في "خلاصة الأثر"، وقال: هو فريد العصر، ويتيمة الدهر، المفنن، المؤرخ، الذى بهر العقول بإنشائه البديع، الذى ذل له البديع الفاضل الذكي اللوذعي الألمعي الشاعر الماهر الفائق الحاذق النبيه، أعجوبة الزمان، مع لطافة عجيبة، وطلاقة غريبة، ونكات ظريفة، وشواهد لطيفة.
ولد بـ "دمشق" في سنة إحدى وستين وألف، ونشأ بها في كنف والده، واشتغل بطلب العلم، فقرأ على العلامة الشيخ إبراهيم الفتّال، والشيخ رمضان العطيفي، والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي، والشيخ علاء الدين الحصكفي مفتي "دمشق"، والشيخ عبد القادر العمري ابن عبد الهادي، والشيخ نجم الدين الفرضي.
стр. 6304
وأخذ طريق الخلوتية عن الشيخ محمد العبّاسي الخلوتي، وأخذ بعض العلوم عن الشيخ محمود البصير الصالحي الدمشقي، وأخذ عن الشيخ عبد الحي العسكري الدمشقي، وأجاز له الشيخ يحيى الشاوي، والشيخ محمد بن سليمان المغربي، وأخذ بالحرمين الشريفين عن جماعة من علمائهما، منهم: الشيخ حسن العجيمي المكي، والشيخ أحمد النخلي المكي، والشيخ إبراهيم الخياري المدني حين ورد من "الشام" وغيرهم، ومهر، وبرع، وتفوق في فنون العلم، وفاق في صناعة الإنشاء البليغ ونظم الشعر، وظهر فضله.
وكان يكتب الخط الحسن العجيب، وألف مؤلفات حسنة بعد أن جاوز العشرين، منها: "الذيل على ريحانة الشيخ الخفاجي"، سماه "نفحة الريحانة"، و"رشحة طلاء الحانة"، و"التاريخ" لأهل القرن الحادي عشر، سماه "خلاصة الأثر في تراجم أهل القرن الحادي عشر"، ترجم فيه زهاء ستة آلاف، وهو مشهور، و"المعوّل عليه في المضاف والمضاف إليه والمثنى، الذي لا يكاد يتثنى"، و"قصد السبيل فيما في لغة العرب من الدخيل"، و"الدر المرصوف في الصفة والموصوف"، وكتب حصة على "ديوان المتنبي"، و"حاشية على القاموس"، سماها بـ "الناموس"، صادفته المنية قبل أن تكمل، و"كتاب أمالي"، و"ديوان شعر"، وغيرها من درر غرره، وتحائف فكره، ورحل لـ "الروم" ولـ "الديار الحجازية"، وناب في القضاء بـ "مكة"، ورحل لـ "الديار المصرية"، وناب في القضاء بـ "مصر"، وحج بيت الله الحرام، وولي تدريس المدرسة الأمينية بـ "دمشق"، وبقيت عليه إلى وفاته.
قال الشمس الغزي في كتابه "لطائف المنة": اجتمعت به مرتين في خدمة والدي، فإنه كان بينه وبين المترجم مودة أكيدة، وسمعت من فوائده وشعره، وكان قد أدركه الهرم بسبب استيلاء الأمراض عليه. انتهى.
قلت: وله شعر لطيف، وهو مشهور، أودع غالبه في "نفحته" و"تاريخه"، فلنذكر نبذة منه، فمن ذلك قوله:
стр. 6305
ألا في سبيل الله نفس وقفتها … على محن الأشجان في طاعة الحب
أعاني جوى من ذي ولوع بكيده … إذا لم يمت بالصدّ يقتل بالعجب
تخيرته من ألطف الغيد خلقة … تكوّن بين الراح والمبسم العذب
أبى القلب إلا أن يكون بحبه … وحيدًا على رغم النصيحة والعتب
فلو فوّقت سهم المنون جفونه … لقلب سوى قلبي تمنيته قلبي
وكان له تِرَب بـ "دمشق"، ألف بينهما المكتب، وحبيب كان يرتع معه أيام الصبا ويلعب، فكان فراقه عنده من أعظم ذنوب البين، وفي المثل أقبح ذنوب الدهر تفريق المحبين، فكتب هذه الأبيات، وهي أول ما سمح به فكره من النظم:
لا كانت الدنيا وأنت بعيد … يا واحدًا أنا في هواه وحيد
يا من لبست لهجره ثوب الضنى … وخلعت برد اللهو وهو جديد
وتركت لذات الوجود بأسرها … حتى استوى المعدوم والموجود
قسمًا بما ألقى عليك من العدا … ومحب وجهك في الوري محسود
إن المحب كما علمت صبابة … فالصبر ينقص والغرام يزيد
ولقد ملأت القلب منك مهابة … فعليّ منك إذا خلوت شهيد
والحرص مذموم باجماع الورى … إلا عليك فإنه محمود
وقوله:
وأغيد يسكر عقل الغيد … يصيد بالحسن قلوب الصيد
فؤاده صوّر من حديد … وقلبه أقسى من الجلمود
مولى عظيم الفتك بالعبيد … يغنيه حسنه عن الجنود
سكر لحاظه بلا حدود … يصدّ والهلاك في الصدود
قد عاقه الثلج عن الورود … ما الثلج إلا برص الوجود
وقوله في بعض الأمراء:
بأبي وإن كان أبي سميذعًا … خلقت يداه للشجاعة والندى
стр. 6306
راجعته في أزمة فكأنما … جردت منه على الزمان مهندا
ملك كريم كالنسيم لطافة … فإذا دجا خطب قسا وتمرّدا
أمواج إحسان أسرّة وجهه … لصديقه وسيوف بأس للعدا
كالبحر ينعم بالجواهر ساكنًا … كرمًا ويأتي بالعجائب مزبدا
يغنى من الأعمار إن غشي الوغى … ما لو حوى أفنى الزمان وخلدا
والهام تسجد خشية من سيفه … لما أبت أربابها أن تسجدا
لا تعجبوا إن لم يسل منهم دم … فالخوف قد أفنى النفوس وجمدا
وقوله في مدح "القسطنطينية" معارضًا أبيات الحريري في مدح "البصرة":
بلاد قد حوت كل الأماني … نبيت بها ونصبح في أمان
هي البلد الأمين فليس نخشى … بها ظلمًا سوى جور الغواني
حدائقها من الروضات حسنًا … هي الفردوس من بين الجنان
وبقعتها من الدنيا جميعًا … بمنزلة الربيع من الزمان
وكوثرها على الحصباء يجري … كذوب التبر سال على الجمان
إذا صدحت بلابلها أجابت … كواكبها بأنوار الحسان
ومن مقاطيعه قوله: وقد تعجّب منه بعض الأكابر في محفل، فقال بديها:
لئن أصبحت أدنى القوم سنا … فعدّ فضائلي لا يستطاع
كشطرنج ترى الألباب فيه … حيارى وهو رقعته ذراع
وقوله:
كلنا جرحى خطوب … ما لنا الدهر مريح
فلهذا لم يكن يو … جد شاميّ صحيح
ومن نفثاته البديعة قوله:
للقلب ما شاء الغرام … والجسم حصته السقام
стр. 6307
وإذا اختبرت وجدت مح … نة من يحب هي الحمام
عجبًا لقلبي لا يمل … ل جوى ويؤلمه الملام
وأبيك هذي شيمتي … من منذ أدركني الفطام
إني أغار على الهوى … من أن تؤمّله الأنام
وأروم من حِدَق الظبا … نظرًا به حتفي يرام
أفدي الذي منه يغا … ر إذا بدا البدر التمام
فعلت بنا أحداقه … ما ليس تفعله المدام
إن شط عنك خياله … فعلى حشاشتك السلام
أأخيّ من يك عاشقًا … فعلام يجفوه المرام
إني بليت بمحنة … هانت بها النوب العظام
حتى لقد عميت عليْ … ي مسالكي ودجا القتام
صاحبت ذلي بعد أن … قد كان تفخر بي الكرام
والمرء يصعب جهده … ويلين صعدته الصدام
لا تتهمنّ تذللي … فالتبر معدنه الرغام
وإذا جفاني من أحبْ … ب صبرت حتى لا أضام
فعبوس أردية الحيا … عقباه للروض ابتسام
ولئن وهت لي عزمة … فلربما صدئ الحسام
فعسى الذي أبلى يعي … ن وينقضي هذا الخصام
وقوله:
مذ قعقعت عمد للحيّ وانتجعت … كرام قُطانه لم ألق من سند
مضى الألى كنت أخشى أن يلمّ بهم … ريب الزمان ولا أخشى على أحد
فأفرخ الروعَ أن شالت نعامتهم … فأفسد الدهر منهم بيضة البلد
وقوله:
وشادنٍ قيد العقول وجهه … وصدغه سلسلة الآراء
стр. 6308
شامته حبة قلب مذ بدت … جنت بها الأحشاء بالسوداء
وقوله:
لا بدع أن شاع في البرايا … تهتكي في الرشا الربيب
عشقي عجيب فكيف يخفى … وحسنه أعجب العجيب
وقوله:
بي من أن عاينته مقلتي … ينمحي جسمي ويفنى طربا
أيّ شيء راعه حتى انثنى … هاربًا مني و ولي مغضبا
وقد اتفق في مجلس بعض الأعيان أن دعى إليه صاحب الترجمة، وكان به المولى علي بن إبراهيم العمادي، والسيد الشريف عبد الكريم الشهير بابن حمزة، وغيرهما، فسقطت ثريا القناديل في ذلك المجلس، فقال المترجم مرتجلًا:
لله مجتمع كواكبه … تلك الوجوه وضيئة الحلك
حتى النجوم هوت له كلفًا … بنظامها من قبة الفلك
وقال:
وليس سقوط الثريا لدى … نديّ الموالي من المنكرات
فإن الشموس إذا أسفرت … فلاحظ للأنجم النيرات
وقال السيّد عبد الكريم المذكور في ذلك:
مجلس ضم شملنا بانسجام … كالثريا وحبذا الانسجام
نظمتنا يد العناية عِقْدًا … سلكه الودّ لأعراه انفصام
والعماديّ منه وسطاه والوس … طى لها الصدر منزل ومقام
فأدرنا من الحديث كؤسًا … سكرت من مدامها الأفهام
ونعمتا بالًا وروحًا وسمعًا … ولدينا للنيرات ازدحام
بينما نحن من ثرياه عجب … وبها الزهر زانه الانتظام
إذ تداعت من أفقه وهي خجلى … إذ حكتنا وفاتها ما يرام
стр. 6309
ولصاحب الترجمة يرثى بعض الأعيان، وقد حبس، ثم قتل،
أسفي على بحر النوال ومن له … بأس الملوك وعفة الزهاد
لو أن بعض صفاته اقتسم الورى … لرأيت أدناهم كذي الأعواد
لم يجن ذنبًا غير أن زمانه … قد فوّض الأحكام للحسّاد
هابوه وهو مقيد في سجنه … وكذا السيوف تهاب في الأغماد
ذهب السرور بفقده فكأنما … أرواحنا غضبى على الأجساد
يا ثالث الحسنين عاجلك الردى … والحتف قد يسري إلى الأطواد
لك بالكواكب والسحائب أسوة … فاذهب كما ذهب السحاب الغادي
وذيل على البيتين الأولين، وأرسل ذلك إلى بعض المعزولين عن مناصبهم، فقال:
إن الأمير هو الذي … أضحى أميرًا يوم عزله
إن زال سلطان الولا … ية لم يزل سلطان عدله
والسيف عند الاحتيا … ج إليه يعرف فضل نصله
والحق ينفر تارة … ويعود معتذرا لأهله
والبدر يرجع ثانيًا … بعد الغروب إلى محله
والعقد ينثر كى ين … ظم ثانيًا جمعًا لشمله
والخلد موعد آدم … سيعودها أيضًا بأهله
لكن يكون مخلدًا … والشيء مرجعه لأصله
لا تأس من كرم الكري … م فثق برحمته وفضله
وله أيضًا:
ومقرطق لولا جفون جفونه … خلنا دم الوجنات من ألحاظه
وتكاد تقرأ من صفاء خدوده … ما مرّ تحت الخد من ألفاظه
وله غير ذلك من النظام والنثار، يمزري بكاسات العقار، وكانت وفاته في ثامن عشر جمادى الأولى، سنة إحدى عشرة ومائة وألف، ودفن بتربة
стр. 6310
الذهبية من مرج الدحداح قبالة قبر العارف أبي شامة، وكثر الأسف عليه، وقامت عند الأدباء مآتمه، فرثى بالقصائد العديدة، منها: ما قاله الشيخ صادق أفندي الخراط من قصيدة، مطلعها:
هذا المصاب الذي كنا نحاذره … القلب من هوله شقت مرائره
بئس الصباح صباح البين لا طلعت … شموسه بل ولا لاحت بشائره
أهدى لنا جمل الأكدار مطلعه … فلا رعى الله ما أهدت بوادره
وهي طويلة جدًا، وترجمه الأمين حقيقة بالتدوين، وفي هذا القدر كفاية لأهل الدراية.
* * *
٤٧٠٨ - الشيخ الفاضل محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي *
стр. 6311
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: سمع الأعمش.
وروى عنه أحمد، والثوري.
قال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم، وروى له الجماعة.
قال ابن سعد: توفي سنة [تسع وخمسين] (١) ومائة.
وقال البخاري: سنة خمس وتسعين ومائة، ﵀.
* * *
٤٧٠٩ - الشيخ الفاضل محمد بن أبي الفهم (٢)، تقدّم ابنه علي (٣)، وابن ابنه محسِّن (٤)، وابن ابن ابنه علي (٥) *
* * *
стр. 6312
٤٧١٠ - الشيخ الفاضل محمد بن أبي القاسم بن أبي شجاع، الراشدي، الهمذاني، الفقيه، أبو المظفّر *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو فقيه أصولي، قتل سنة إحدى عشرة وستمائة.
ومولده بـ "المراغة" (١)، وأبوه فاضل كبير.
له مصنّفات في علم الأوائل.
كان اتصل بملك "الروم"، وتقدّم عنده، وولاه القضاء، فحسده وزيره، فسعى عليه، فهرب من يد الملك، فأخذ، وقتل.
له ذكر في "تاريخ إربل"، وذكره الحافظ عبد العظيم في "التكملة".
* * *
٤٧١١ - الشيخ الفاضل محمد بن أبي القاسم الخوارزمي النحوي، المعروف بالبقالي * *
وهو البقال الذي يبيع الأشياء اليابسة، والعجم يزيدون الياء، وهي زيادة العجم لا نسبة.
стр. 6313
كان إماما، فاضلا، فقيها، مناظرا، خبيرا بالمعاني، والبيان.
أخذ عن جار الله محمود الزمخشري.
وله مصنفات، منها "الفتاوى"، و"جمع التفاريق"، و"كتاب التفسير"، و"كتاب التراجم بلسان الأعاجم"، و"شرح الأسماء الحسنى"، و"مفتاح التنزيل"، و"كتاب الترغيب" في العلم، و"كتاب أذكار الصلاة"، و"كتاب آفات الكذب"، و"الهداية" في المعاني والبيان، و"التنبيه على إعجاز القرآن"، وغير ذلك.
مات بـ "جرجانية خوارزم" سنة ست وسبعين وخمسمائة.
وقد نيف على التسعين.
قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد" (ص ١٦٢): ذكره السيوطي في "البغية"، وقال محمد بن أبي القاسم البقالي الخوارزمي النحوي أبو الفضل الملقَّب بزين المشايخ، قال ياقوت: كان إماما في الأدب، وحجة في لسان العرب، أخذ عن العلامة جار الله الزمخشري، وجلس بعده مكانه، وسمع الحديث منه ومن غيره، وكان جم الفوائد، حسن الاعتقاد، كريم النفس، له يد في الترسل، ونقد الشعر، وله من التصانيف "مفتاح التنزيل"، و"تقويم اللسان" في النحو، و"الإعجاب في الإعراب"، و"الهداية" في المعاني البيان، وغير ذلك، مات سنة اثنتين وستين وخمسمائة عن نيف وسبعين سنة. انتهى.
* * *
٤٧١٢ - الشيخ الفاضل العلامة محمد بن القاسم، الملقب شمس الدين بن المنقار الحلبي، ثم الدمشقي، العالم البارع ،
стр. 6314
المناظر القوي، الساعد في الفنون *
كان من أعيان العلماء الكبار، ذكره الخفاجي، فقال في حقه: صدر من صدور دهره، مخلط مزيل سابق في حلبة عصره، روض تجاذبت الأخبار أذيال فضائله، واهتزت أغصان الربى إذا حدث النسيم عن شمايله، تزينت بتاج ذكره هام الأيام، وتاهت به على سائر البلدان بقاع الشام، صدحت ورق فصاحته في ناديها، وسارت محاسنه رائحها وغاديها، وأثمرت أقلام الفتوى بشمس آفاق له ارتفعت، فيا لها من أغصان أثمرت من بعد ما قطعت، ونور فضله بادي لكل حاضر وبادي:
كالشمس في كبد السماء وضوءها … يغشي البلاد مشارقًا ومغاربا
قوله: مخلط مزيل يضرب للذي يخالط الأمور، ويزايلها، ثقة بعلمه واهتدائه إليها. انتهى.
قاله النجم في ترجمته: ولد بـ "حلب"، ونشأ بها، ولازم الرضى بن الحنبلي وغيره، ثم وصل إلى "دمشق" في سنة إحدى وستين وتسعمائة وتديرها، ورافق الشيخ إسماعيل النابلسي، والعماد الحنفي، والمنلا أسد، وطبقتهم في الاشتغال على العلاء بن العماد، والشيخ أبي الفتح الشبشيري، وغيرهما، وحضر دروس شيخ الإسلام الوالد، ورأيت في بعض مجاميع الطاراني أنه درس بعدة مدارس، ومات عن تدريس القصاعية والوعظ بالعمارتين: السليمانية، والسليمية، والبقعة بالجامع الأموي، وغير ذلك من الجهات والحوالي، وأفتى على مذهب الإمام أبي حنيفة.
وكان يدرس في "البيضاوي"، وأخذ عنه جمع كثير، منهم: التاج القطَّان، والحسن البوريني، والشمس الميداني، والشيخ عبد الرحمن العمادي، والشمس محمد الحادي، وغيرهم.
стр. 6315
وكان عالمًا متضلعًا من علوم شتى، إلا أن دعواه كانت أكبر من علمه، وكان يزعم أن من لم يقرأ عليه ويحضر درسه فليس بعالم، وكان كثير اللهج بذكر شيخه ابن الحنبلي المذكور، والإطراء في الثناء عليه، وإنما يقصد بذلك التميز على أقرانه والانفراد عنهم به.
وكانت بينه وبين رفيقه النابلسي والمنلا أسد مهاجرات بسبب المناظرة والمباحثة، حتى يؤدي ذلك إلى المنافرة، وكان النابلسي يلائمه، ويأخذ بخاطره، لأنه كان أنبل منه وأوسع جاها، وأطلق لسانًا، وكان كثير المخاصمة والجدال، يحبّ التصدّر على أعلام الشيوخ في المجالس الحافلة، ويتمثل بأشعار الجاهلية وغيرهم، كقول سحيم:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا … متى أضع العمامة تعرفوني
وقول أبي الطيب:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت … وإذا نطقت فإننى الجوزاء
وكان كثيرًا ما يلهج بأبيات أبى العلاء المعري من قصيدته اللامية المشهورة:
إذا وصف الطائي بالشح مادر … وعير قسا بالفهامة باقل
وطاولت الأرض السماء سفاهة … وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
وقال السهي للشمس أنت خفية … وقال الدجى للصبح لونك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة … ويا نفس جدي إن دهرك هازل
وكان إذا وصل إلى قوله: وقال السهي للشمس يضع يده على صدره، مشيرًا إلى نفسه، إلى غير ذلك، وكان مع ما اتصف به من التفاخر مبغضا لمن يتصف بفضيلة، وجرى له في أيام سليمان باشا ابن قباد بن رمضان لما كان نائبًا بـ "دمشق" في سنة تسع وثمانين وتسعمائة أنه تعصب على الشمس محمد بن محمد بن داود المقدسي الآتي ذكره بسبب قراءة الحديث بالجامع الأموي بين العشاءين على أسلوب الأستاذ الكبير محمد بن أبي الحسن
стр. 6316
البكري بالديار المصرية ومنعه من ذلك، وشقّ على أهل العلم ما فعله، فقال السيد محمد بن محمد بن علي بن خصيب القدسي نزيل "دمشق" الآتي ذكره هذه الأبيات يخاطب ابن المنقار بها:
منعت ابن داود الحديث بجلق … وما مثله في الشام والله من فار
وتزعم حصر العلم فيك بجلق … فتنقر أهل العلم فيها بمنقار
سيأتيك من ربي بلاء وفي غد … ستلقى بوجه يا ابن منقار من قار
ثم عظم الأمر بين ابن المنفار والداودي، ولا زال يبلغه غليظ ما يكره، حتى قال فيه الداودي قصيدة رائية، أولها:
يا سخطة من عظيم القهر جبار … حلى بساحة من يدعي ابن منقار
منها:
يصفر من حسد حتى كأن به … ربعًا قديمة عهد ذات أدوار
ويعتريه اضطراب في مفاصله … كأن أفكل في أعضائه سار
ورأيت بخط الطاراني، قال: ومن أعجب ما وقع لي معه أنني مدحته بقصيدة ميمية بديعة، أولها:
سقى مربع الأحباب ودق الغمائم … وجادت عليه هاطلات السواجم
وبيت المخلص:
سفرن بدورًا عن محيا كأنه … سنا نور شمس الدين عين الأكارم
فما كانت جائزتي منه غير الذم والمقابلة بما لا يليق، وقصة حطه على النجم الغزي مشهورة، وملخصها كما قال النجم في ترجمته: إن النجم كان يعظ، ويقرأ الحديث في الجامع الأموي، وهو دون العشرين، فأنكر ذلك الشمس، واتفق أنه حضر يومًا إلى الجامع، وكانت الشمس كسفت، وصلى الشهاب العيثاوي إمامًا بالناس صلاة الكسوف بمحراب الشافعية، ثم حضر الشرف الحكيم الخطيب بالجامع، وصلى، وحضر ابن المنقار، ولما فرغ الناس من الصلاة أخذ في الإنكار على العيثاوي، والنجم في الصلاة، وعطف عليه
стр. 6317
أنه علم النجم، وقواه على النظم والتدريس، فاجتمع به العيثاوي والنجم، فلما تكالموا ثارت العوام عليه، وألجأوه، حتى خرج من باب البريد حافيًا، وهو بعمامة صغيرة غير عمامته المعتادة، وهم يصيحون به.
ثم آل الأمر أن عقد له مجلس عند قاضي القضاة مصطفى بن بستان، وحضر جماعة من أعيان العلماء، منهم: الجد القاضي محب الدين، والشهاب العيثاوي، فأصلحوا بينهما، ثم طلبوا المناظرة بينهما، فتناظرا في عبارة من "تفسير البيضاوي"، وكانت الغلبة للنجم، وألف العيثاوي رسالة حافلة فيما وقع بينهما، وكان ذلك اليوم قد ظهرت نجوم السماء نهارًا لقوة السكوف، فقال بعض الأدباء مصراعًا، أجاد فيه، وهو قوله:
وعند كسوف الشمس قد ظهر النجم
فسبكه النجم في أبيات هي قوله:
بعام ثمان بعد تسعين حجة … وتسعمئ مرت جرى الأمر والحكم
بأن حضر الشممس ابن منقار الذي … تحرّى جدالًا حين زايله الحزم
وناظرنا يوم الكسوف فلم يطق … لنا جدلا بل خانه الفكر والفهم
فقيل وبعض القول لا شك حكمة … وعند كسوف الشمس قد ظهر النجم
ولولا تلافى الله ﷻ … أصاب تلافًا حين تابعه الرجم
والحاصل: أنه كان ضيق الخلق، وأما علمه فمسلم عند من يعرفه، وإن طعن فيه طاعن، فعن عداوة وحسد، وله أشعار كثيرة، وقفت في بعض المجاميع على أبيات له، كتبها إلى قاضى القضاة بـ "الشام" العلامة المولى على بن إسرائيل، المعروف بابن الحنائي، وكان وقع له وهو قاضي بـ "دمشق" أنه أخرج عن رجل بعض الوظائف، فكتب الرجل محضرًا في شأن نفسه، واستكتب الأعيان، فكتب له بعض من له يظهر الصداقة والمودة للقاضي المذكور، فبلغه ذلك، فقال مضمنًا:
стр. 6318
لنا في الشام إخوان … بظهر الغيب خوان
فأبدوا في الجفا شانا … به وجه الصفا شانوا
وظنوا أنهم ذهلوا … وما غدروا وما خانوا
ولما إن رأينا الذ … هل طبع الناس مذ كانوا
صفحنا عن بني ذهل … وقلنا القوم إخوان
وأبيات الشمس هى هذه:
لسان العدا إن ساء فهو كليل … قصير ولكن يوم ذاك طويل
وأقلام من ناواك ضلت وأخطأت … وليس لهم في ذا السبيل دليل
لقا إليك شان شأنه سوء فعله … وفعل الذي والى علاك جميل
فلا تحتفل مولاي إن قال قائل … ستنشدهم عند اللقا وتقول
وننكر إن شئنا على الناس قولهم … ولا ينكرون القول حين نقول
إذا طلعت شمس النهار تساقطت … كواكب ليل للأفول تميل
وهل يغلب البحر المعظم جدول … وهل يدعي قهر العزيز ذليل
وهل لجهول أن يقاوم عالمًا … وليس سواء عالم وجهول
فلا عجب إن خان خل وصاحب … لأن وجود الصادقين قليل
على أنني أصبحت للعهد حافظًا … وحاشا لدينا أن يضيع جميل
صفونا ولم نكدر وأخلص ودّنا … وفاء عهود قد مضت وأصول
وإنا لقوم لا نرى الغدر سنة … إذا ما رآه صاحب وخليل
نعم قد كبا عند الطراد جوادهم … وأنت كريم لا برحت تقيل
وكان بينه وبين جدّي القاضي محب الدين مراجعات ومطارحات كثيرة، لما كان بينهما من سالف مودّة وإخاء، ثم تغيرا وانحرفا، كما سأذكره، ولقد ذكر الجدّ في "رحلته" قطعًا من تلك المراجعات، ورأيت الفقير بخطّ الجدّ في بعض مجاميعه أبياتًا، كتبها إليه الشمس مسائلًا، فأجابه عنها الجدّ بأبيات
стр. 6319
من نظمه، فأما أبيات الشمس فهي هذه، وتاريخ كتابتها سنة ست وسبعين وتسعمائة، وهي قوله:
أيا فاضلًا أثنت عليه الأفاضل … وشاعت وذاعت عن علاه الفواضل
جمعت علومًا ثم رحت تفيدها … فأصبحت فردًا في الورى لا تماثل
وكم غصت في القاموس نحو صحاحه … فأخرجت درا ليس يحويه فاضل
ففي نظمك الدر النضيد منظم … وفي النثر منثور الجواهر حاصل
حللت محب الدين في الشام فانثنت … تتيه بكم إذ زينتها الفضائل
ولا بدع أنت البحر في العلم والندى … وكم عم طلاب القرى منك نائل
رقيت مقامًا في الفصاحة ساميًا … يقصر عن غاياته المتطاول
لبيد بليد وامرؤا القيس مطرق … لديه وسحبان الفصاحة باقل
وقد أرسل المملوك نحوك سائلا … سؤال محب للحبيب يسائل
لأنك في الفقه الإمام محمد … لذلك قد قامت عليه الدلائل
فأي وكيل لا مجال لعزله … وإن مات ذو التوكيل فهو يزاول
بعثت سؤالًا عاطلًا نحو ربعكم … ولكنه يرجو الحلى ويحاول
وقد جاءكم عبد يروم كتابة … ويكفيه فخرًا أنه بك نازل
تأخرت في عصر وأنت مقدم … وفزت بما لم تستطعه الأوائل
فجد بجواب لا برحت تفيدنا … لأنك شيخ في الحقيقة كامل
وأما أبيات الجد فهذه، وهي قوله:
أهذي سطور أم قدود عوامل … وتلك شموس أم بدور كوامل
وهل هذه الألفاظ أزهار روضة … سقاها من المزن الغدير هواطل
وتلك المعاني أنجم مستنيرة … أم القاصرات الطرف فيها تغازل
وبعد فيا رب الفضائل والندى … ويا بحر علم ما لفضلك ساحل
لئن كان ما أظهرت في الطرس أنجما … فإنك شمس في سما الفضل رافل
وإن كان ما رصعت درا منظمًا … فإنك بحر في الحقيقة كامل
стр. 6320
لقد أفحم النظام ما أنت ناظم … وأعجز أهل الفضل ما أنت قائل
أشرت بألغاز وحسن تلطف … إلى لغز فيه العيون تغازل
وصورته مولاي توكيل راهن … لمرتهن في بيع رهن يزاول
وقد شرط التوكيل في عقد رهنه … فإن مات قبل البيع لا عزل حاصل
فجد وتفضل بالقبول فإنني … لعبد فقير خامد الفكر خامل
وسامح لهذا العبد إن بضاعتي … لفي الشعر مزجاة وحظي سافل
فوابل نظمي عندك الطل قد غدا … كما أن يا مولاي طلك وابل
فلا زلت في أوج الفضائل ساميا … وفي ذروة المجد الرفيع تحاول
ولا زلت صدرا للعلوم وموردًا … فلا غروان طابت لديك المناهل
ومن ألطف شعره أيضًا قوله من قصيدة، كتب بها إلى الأديب محمد بن نجم الدين الهلالي الصالحي الآتي ذكره، إن شاء الله تعالى، ومطلعها:
وقفت على ربع الحبيب أسائله … ودمعي بالمكتوم قد باح سائله
وقلت له منى إليك تحية … أما هذه أوطانه ومنازله
أما ماس في روضاتها بان قده … ومالت لدى مر النسيم شمايله
فما لك قد أصبحت قفرا وطوفت … طوائح دهري فيك ثم زلازله
فقال سرى عني الحبيب وفاتني … سنا برق شمس الدين ثم هواطله
وله غير ذلك، وكانت ولادته في سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة، وتوفي عند غروب الشمس من يوم الثلاثاء، رابع عشري شوال سنة خمس بعد الألف، ودفن بمكان صغير به محراب قديم على الطريق الآخذ إلى السويقة المحروقة غربي تربة باب الصغير.
قال النجم: وكان سبب مرضه أن شيخنا القاضي محب الدين كان يتأدب معه، ويعظمه لسنه، وجريًا على عادته في التأدب مع أهل "دمشق"، وإكرام كل منهم على حسب ما يليق به، فكان شيخنا إذا اجتمع هو والشمس يقدمه في المجلس، فلما انتصر لنا شيخنا بسبب تعنت الشمس وقع
стр. 6321
بينهما، وكان كلما تعرض الشمس لنا بادر شيخنا إلى الانتصار، حتى بلغه أذية الشمس له.
قلت: وقد أسلفت في ترجمة الشيخ عبد القادر ابن أحمد بن سليمان أن الشحناء تأكدت بينهما بسبب قيام الجد بنصرته، فاجتمعا آخرا عند قاضي القضاة الكمال ابن طاشكبري قاضى "دمشق"، فتقدم عليه شيخنا في المجلس، فغضب ابن المنقار، وقال: أنت كنت سابقًا تقدمني، فلم تقدمت علي، قال: تقدمت إلى مجلسي، وكنت أوثرك سابقًا بمقامي، وكان الشيخ محمد بن سعد الدين في المجلس، فأخذ بيد الشمس، وأجلسه بينه وبين القاضي، ثم بقى الشمس على غيظه، حتى مرض منه، وجعل تتزايد به الأمراض، حتى توفي في اليوم الذي ذكرناه. انتهى.
* * *
٤٧١٣ - الشيخ الفاضل محمد بن قبّاد، المعروف بالسكوتي، البدوني، ثم الدمشقي، مفتي "الشام"، وأجلّ فضلاء الزمان *
ذكره الإمام محمد أمين المحبي الحنفي في كتابه القيم "خلاصة الأثر"، وقال: كان فقيهًا بارعًا حافظًا للمسائل، كثير الإطلاع عليها، عفيفًا، خيرا، دينًا. وكان حسن الخط والإنشاء، حسن المعرفة، كثير الصمت، مثابرًا على العبادات والمطالعة.
ويروى عنه أنه كان لا يفتر عن المطالعة، ولو كان ماشيًا في طريق، وجمع كتبًا كثيرة، وأكثره عليها تعليقاته وتحريراته، وكان وروده إلى "دمشق"
стр. 6322
صحبة قاضي القضاة المولى محمد بن يوسف المعروف بنهالي في سنة أربع عشرة وألف، ولما عزل القاضي المذكور عن قضاء "دمشق" أقام بها، وتأهل، وولي النظر على أوقاف الدرويشية، ودرس في المدرسة الجوزية، وأعطى نظارة النظار وتولية البيمارستان القيمري، وولي النيابة الكبرى، وقسمة المواريث مرات، وانحط مدة، فاستولى عليه الإقلال.
وحكي أنه في تلك المدة دعاه الرئيس الجليل محمد بن الطباخ أحد الكتاب، وكان مصاهره إلى بستان في يوم نوروز، وكان ممن حضر في الدعوة الإمام الهمام يوسف بن أبى الفتح، ووالده أبو الفتح المذكور، وكان أبو الفتح يعرف علم الزايرجا حق المعرفة، فأبرم عليه ولده في استخراج طالع صاحب الترجمة، فجمع أعدادًا، ثم ركبها.
وقال: قد طلع في طالعه منصب قريب جدًا، وقد وصل خبره إلى "دمشق"، فلم يمض إلا هنيئة، وإذا بشخص من جيران السكوتي دخل عليهم، وذكر أنه جاءه ساعي من "الروم"، فقام من وقته، وتوجه إلى بيته، فرأى الساعي ينتظره، وقد جاءه بأمر النيابة، ولما صار الفتحي المذكور أمام السلطان مراد نبّه حظّه من رقدته، فكان لا ينفك عن النيابة، ورأس بـ "دمشق"، وعظم شأنه، ومات العلامة عبد الرحمن العمادي، فوجهت الفتيا إليه، ودرس بالسليمانية، وإلى ذلك يشير أحمد بن شاهين في قصيدته، التي رثا بها العمادي، فقال:
يا مفتيًا طال السؤال لقبره … وجوابه متعذر الإمكان
وحكى والدي بل الله ثراه بوابل عفرانه أنه وقف على رسالة كتبها أولاد العمادي إلى مفتي "الروم"، يطلبون منه الفتيا، ويذكرون ما دهمهم من صاحب الترجمة، واستشهدوا ببيت المتنبي المشهور:
وفي النفس حاجات وفيك فطانة … سكوتي بيان عندها وكلام
стр. 6323
واستمر مفتيا إلى أن مات، وكانت وفاته في ثاني شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وخمسين وألف، ودفن بمقبرة باب الصغير، والبدوني بضم الباء الموحدة ثم دال مهملة ثم واو ونون، نسبة إلى قاعدة بلاد البشانقة، وأعظمها، وهي الحد الفاصل بين بلاد العثامنة سلاطين بلادنا، أعزهم الله وبلاد النصارى الأنكروس، وتعرف هذه البلدة بمفتاح بلاد الإسلام، وقد استولت عليها النصارى الآن بعد حروب تقذت بها عين الإسلام، والمأمول من الله تعالى أن يعيد بإعادتها رونق الدين، كما كان بمنه وكرمه.
* * *
٤٧١٤ - الشيخ الصالح الكبير محمد بن قطب الدين بن عثمان الصدّيقي، اللكنوي، المشهور بالشيخ مينا *
ذكره العلامة عبد الحى الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: ولد، ونشأ بمدينة "لكنو" في مهد الشيخ قوام الدين العباسي.
وقرأ "شرح الوقاية"، و"الهداية" في الفقه الحنفي على القاضي فريد، ولما كان الشيخ قوام الدين المذكور، مات قبل أن يترعرع محمد، لبس الخرقة من الشيخ سارينك، أحد أصحاب الشيخ قوام الدين.
وقرأ "عوارف المعارف" على الشيخ محمد بن أبي البقاء اللكنوي، كما في "أخبار الأخيار" في ترجمة صاحبه الشيخ سعد الدين الخير آبادي، وحيث كان جبله الله سبحانه على الخير، وجمع فيه من الزهد والقناعة والاستغناء،
стр. 6324
انقطع إلى الزهد والعبادة، ووصل درجة لم يصل إليها أحد من المشايخ في عصره ومصره.
قال الكوباموي في "الفوائد السعدية": إنه اشتغل برياضات شاقة، قلّما يحتملها الإنسان، كأنه أفنى قواه في ذلك.
كان ﵀ يصوم صوم الطيّ، ويقوم الليل كلّه، لا يغمض عينه، ولا يتوسّد، ولا يتوكّأ، ولا يستريح على الفرش، والبسائط، لئلا يطرقه النوم، وكان يبلّ المنديل والقلنسوة في الماء البارد، فيضعها على رأسه في الشتاء، وإذا ارتاح بالماء المسحّن في ليلة شاتية قام، واغتسل بالماء البارد هضما لنفسه.
وكان يحيى ليله بالذكر والمراقبة، ويداوم على الوضوء وكان يجلس في الأربعين، فإذا شارف الإتمام أفطر بصديق أو ضيف، ثم استأنف الأربعين، وهكذا يفعل مرة بعد مرة، ولا يظهر ذلك لأحد، ولا يذكر لهم أنه صائم، وكان إذا آذاه أحد يقبل إليه بشوشا، طيب النفس، لا يطعن عليه، ولا يلعنه، ولا يذكره إلا بالخير، وربما كان ينشد هذين البيتين:
هر كه ما را يار نبود ايزد أو را يار باد … هر كه ما را رنج داده راحتش بسيار باد
هر كه اندر راه ما را خارى نهد از دشمني … هر كلى كز باغ عمرش بشكفد بى خار باد
قال الشيخ سعد الدين الخير آبادي في بعض رسائله: إني صحبته عشرين سنة، فلم أره إلا مستقبل القبلة، كأنه قاعد في الصلاة، ما رأيت قدميه ممتدّتين أو منتصبتين أبدا في هذه المدة الطويلة، وما رأيته واضعا نعليه قبل القبلة أبدا، ولا خالعا قدميه من نعليه مستقبلا للقبلة، ما رأيته مستدعيا شيئا للأكل، ولا لابسا ثوبا من رغبته. انتهى.
стр. 6325
ومن أقواله:
دم توحيد كسى را زبيد كه از زبان وى تلخ وشيرين نخيزد.
ومنها: از مرد هوا برست خدا برستي نشود، وخود برستي در كوجه خدا برستي نرود.
ومنها: مرد بايد كه يك جهت ويك همت ويك قبله شود، هرجه از دوست باز دارد خواه نيك خواه بد ازان اجتناب نمايد.
ومنها: دوريش جو مقبول حق ميكردد زبانش ناودان حكمت ميشود. انتهى.
توفي لسبع بقين من ذي القعدة، سنة أربع وسبعين، -وقيل: أربع وثمانين، وقيل: ثمان وثمانين- وثمانمائة، قبره مشهور ظاهر بمدينة "لكنو" يزار، ويتبرّك به.
* * *
٤٧١٥ - الشيخ الفاضل محمد بن قطب الدين بن علاء الدين، النهرواني، القادري، الخرقاني. مؤرخ *
من آثاره: "ابتهاج الإنسان والزمن في الإحسان الواصل للحرمين في اليمن" بمولانا الوزير الباشا حسن، فرغ من تأليفه غرة ربيع الأول ١٠٠٥ هـ.
كان حيا ١٠٠٥ هـ.
* * *
стр. 6326
٤٧١٦ - الشيخ الفاضل المولى مُحَمَّد بن قطب الدّين الأزنيقي، قدّس الله تَعَالَى سرّه الْعَزِيز *
ذكره صاحب "الشقائق" في كتابه، وقال: قَرَأَ على الْمولى الفناري الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والعقلية، وتمهر فِيهَا، وفَاق أقرانه.
ثمَّ سلك مَسْلَك التصوّف، وَحصل طَريقَة الصُّوفِيَّة، وَجمع بَين الشَّرِيعَة والطريقة والحقيقة، ورأيت لَهُ كَلِمَات على حَوَاشِي بعض الْكتب، وتيقنت مِنْهَا أنه كَانَ على جَانب عَظِيم من الْفضل. صنّف شرحا لـ "مفتاح الْغَيْب" للشَّيْخ صدر الدّين القونوي، قدّس سرّه، وَهُوَ شرح نَفِيس، أورد فِيهِ لطائف على وَجه الِاقْتِصَار، محترزا عَن الإطناب والإخلال، نفعا للمبتدئين، وَشرح أستاذه الْمولى الفناري فِي غَايَة الإطناب، لا ينتفع بِهِ إلا المنتهي.
وصنّف أيضا شرحا لـ "النصوص" للشَّيْخ صدر الدّين القونوي أيضا.
مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة، روّح الله روحه.
قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد" (ص ١٨٥): نسبته إلى "أزنيق" مدينة قديمة رومية، بينها وبين "قسطنطينية" أربع مراحل، ذكره أحمد الدمشقي في "أخبار الدول وآثار الأول".
* * *
стр. 6327
٤٧١٧ - الشيخ الفاضل محمد بن قطب الدين الخويي *
فاضل.
صنف في النصوص في تحقيق الطور المخصوص فرغ منه سنة ٨٥٦ هـ.
كان حيا ٨٥٦ هـ.
* * *
٤٧١٨ - الشيخ الفاضل محمد بن القيصري، ويعرف بحفيد النثاري * *
من أئمة السلاطين.
له "حاشية على شرح تهذيب المنطق"، و"حاشية على الحسينية" في الآداب، و"حاشية على الخيالي"، و"شرح آداب البركوي"، و"مجموعة التفاسير".
توفي سنة ١١٨٨ هـ.
* * *
стр. 6328
٤٧١٩ - الشيخ الفاضل محمد بن كمال الدين كامل الفقيه *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: قال ابن النجَّار: ذكره لي أبو الحسن ابن (١) القطيعي، وقال: هو بغدادي.
سكن "الموصل"، وناظر، ودرّس، وأفتى.
وكان شيخا صالحا، رأيته بـ "الموصل".
ومات بها في شوال، سنة ثمانين وخمسمائة، ودفن بظاهر البلد بـ "مقبرة الميدان".
* * *
٤٧٢٠ - الشيخ الفاضل السيد محمد بن كمال الدين بن محمد بن حسين بن محمد بن حمزة * *
ذكره الإمام المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: وبقية النسب ذكرته في ترجمة أخيه السيّد حسين نقيب "الشام"، وعلامة العلماء الأعلام، الحسيني المنتمي الحنفي المذهب، رئيس وقته في العلم والجاه، ووحيد دهره في دهره في سودده وعلاه.
стр. 6329
وكان عالمًا محققًا، وحبرًا مدققًا، غوّاصًا على المسائل كثير التبحر، مملوءًا معارف وفنونًا، وقد حظي من التخصيص والتنعيم بما قصر عنه غيره، وتقدم على كل من عاصره من الكبار، وبلغت شهرته الآفاق، ورزق الأبناء، الذين هم غرر جباه المعلومات، وأكاليل تاج المكرمات والسعادات، وهم السيّد عبد الرحمن الماضي ذكره، والباقي على مدى الأزمان حمده وشكره، والسيد عبد الكريم، والسيد إبراهيم الباقيان، كالفرقدين النيرين، والساميان فِى الإنارة على نور القمرين، أحياهما الله تعالى الحياة الطيبة، وروى الآمال بسحائب مواهبهم الصيبة.
وقد ولد بـ "دمشق"، وربى في حجر والده، وقرأ القرآن العظيم على الشيخ المعمر الصالح أبي بكر السليمي الحنفي، وجوده عليه، ثم على الشيخ عبد الباقي الحنبلي، وقرأ عليه لأهل سما إفرادًا وجمعًا من طريق الشاطبية، والتيسير إلى أواسط سورة البقرة، وأحضره والده إلى الفقيه المسند المعمر الشمس محمد بن منصور بن محب الدين الحنفي، وأجازه بما يجوز له روايته، وحضر مجلس الشمس الميداني في "صحيح البخاري" تحت قبة النسر من جامع الأموي في "دمشق" في ثلاثة أشهر، رجب، وشعبان، ورمضان، فسمع عليه بعض "الصحيح"، وأجازه بسائره، وما يجوز له روايته في آخرين، وقرأ على المسند المعمر الشهاب أحمد بن محمد الفرغاني البقاعي قطعة من "صحيح البخاري"، وقطعة من "صحيح مسلم"، وقطعة من "الأربعين النووية" وأجازه بسائرهن، وبما يجوز له روايته.
وجدَّ في طلب العلوم على جماعة من العلماء، منهم: السيّد أحمد بن علي الصفوري، وسمع بقراءته بعض "صحيح البخاري" على النجم الغزي، ومنهم: الشيخ محمد بن علي الحرفوشي العاملي الحريري، والشيخ إبراهيم القبردي، وسمع عليه بعض "صحيح البخاري"، والشيخ عبد اللطيف الجالقي،
стр. 6330
والشيخ عبد اللطيف بن المنقار، وعليهما تفقه، والشيخ عمر القاري، والشيخ رمضان بن عبد اللطيف بن المنقار، وعليهما تفقّه، والشيخ عمر القاري، والشيخ رمضان بن عبد الحق العكاري، وتفقه عليه، وسمع عليه بعض "صحيح مسلم"، والشيخ يوسف ابن أبي الفتح، وتفقه عليه، والشيخ عبد الرحمن بن عماد الدين، وتفقه عليه، وسمع عليه بعض "تفسير الزمخشري"، وبعض "صحيح البخاري"، والنجم محمد الغزي، وسمع، وقرأ عليه "شرح التبصرة" للحافظ العراقي، وأجازه بها، وبشرح القاضي زكرياء، وبسائر تآليفه في آخرين، وكتب لهم في طبقة السماع خطه بذلك، ولازم مجلسه تحت قبة النسر في "صحيح البخاري" في ثلاثة أشهر، فسمع عليه كثيرًا من "الصحيح"، والمنلا عبد الكريم الكوراني، نزيل "دمشق"، وقرأ، وسمع عليه "شرح العقائد النسفية" للسعد التفتازاني، و"شرح الطوالع" للسيد الفنري، و"شرح منازل السائرين"، وأجازه بما يجوز له روايته في آخرين.
ولما ورد الحافظ الأثري أبو العباس أحمد المقري إلى "دمشق" في سنة سبع وثلاثين وألف، ولازمه، وحضر درسه في "شرح الهمزية" لابن حجر، وفي "أرجوزته"، المسمّاة بإضاءة الدجنة، وسمع عليه من "صحيح البخاري" قطعة، ثم قرأ عليه قطعة منه، ومن "صحيح مسلم"، وقطعة من "الأربعين النووية"، و"أرجوزيته" المذكورة، وأجازه بسائرهن وما تصح له وعنه روايته، ولما رحل إلى دار السلطنة صحبة والده سنة أربعين وألف لازم بها دروس الشيخ حسين بن عبد النبي الشعال الدمشقي، ولما حج في سنة خمسين وألف اجتمع بمحدث "مكة المكرمة" الشيخ علي بن علان، وقرأ عليه قطعة من "الشفا" للقاضي عياض، وأجازه بما يجوز له روايته، وكتب له خطه بذلك، واجتمع بمحدث "المدينة المنورة" الشيخ عبد الرحمن الخياري، وقرأ عليه قطعة من أول "صحيح البخاري"، وأجازه بسائرهن، وما يجوز له
стр. 6331
روايته، وأنشد حين ابتهج بمشارق أنوار "طابه"، وألم بمزار من فضل الله تعالى على كافة الخليقة ترابه هذه الأبيات:
حياك يا طيبة الغراء مبتكرا … من الحياء جزيل النفع منسكب
فلى بأفقك بدر كامل أبدا … في حبه مهجتي والروح أحتسب
به اعتصامي إذا ما شفني ألم … به أغاث إذا حلت بي الكرب
به غنيت عن الدنيا وزخرفها … به توطد لي الأكناف والرتب
به فتيت جوى يا حبذا تلفي … والحب مقترب والوصل مرتقب
عليه أزكي تحيات معطرة … من نشره إذ إليه العرف ينتسب
ما اخضر عيش محبيه بروضته … وقام فيها على الأقدام منتحب
وقال أيضًا ممتدحًا باب السَّلام على داخله السلام:
حبذا باب السلام إذا … عاينته مقلة البادي
فيه لي نشأة نشأت … كأنما نوديت للنادي
ولما ورد لـ "دمشق" سنة اثنتين وخمسين وألف المولى الشمهاب أحمد الخفاجي، وقد وافق قدومه ورود الورد كتب لخدمته:
إذا حل مجد في ديار تزينت … بأحسن ما تولى الرياض وما تبدى
وحيث اغتدى المولى الشهاب بجلق … فلا غرو أن تزهو بها بهجة الورد
وتكرر سفره إلى دار السلطنة، ولازم على عادتهم، ودرس، ومدح مشايخ الإسلام وصدور الدولة بقصائد فائقة، فمن ذلك ما مدح به قاضي العساكر الرومية المولى أحمد الشهير بالمعيد:
أبي القلب أن يقوى على النار والصد … وغصن الصبا غض يميل إلى الود
وما كل تبريح يطاق احتماله … ولا كل من تهوى تجنيه لا يردى
وبي مائل في مهجتي لا اعتياض لي … بذات وشاح عن لقاه ولا برد
خميل الدمى عذب اللمى مونق الحمى … ظريف السمى غض النما مائس القد
стр. 6332
جميل المحيا يخجل الشمس إن بدا … ضحى أو مسا أزرى على الأغصن الملد
وإن قام حاكى السمهري اعتداله … ويا حبذا إن رنح العطف بالقصد
مليح وشي النمام من فوق خده … عذارا تحاشى من سطا شوكة الورد
غزانا بهتدي من اللحظ صارم … فيا حسنه من فارس فاتك نجدي
حكى شعره ليل التجافي بطوله … وأعقب خلفا بعد ما جاد بالوعد
وأنوى وما ألوى علي بزورة … فيا حسرة غاض الوفا من ذوي العهد
ولكن لي من فضل مولاي أحمد … نتائج عقد فاح منها شذا الند
وكتب في صدر كتاب لبعض أحبابه قوله:
لقد هيج القلب التنائي وزادني … ولوعًا فهل أقضي الليالي بعلّما
وإني لراج للقا بعد بعدنا … وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
وقال يشكو فراق بعض أحبابه:
كنا ازدواجا فينا … والآن صرنا فرادى
يا فرقة قطعتنا … وما نسينا الودادا
وقال أيضًا في معنى قول مهيار:
أبكى ويبكي غير أن الأسا … دموعه غير دموع الدلال
ما لفظه:
يقضي الدجى غيري بمطلوبه … وصلا وأقضيه بوعد محال
أحيي ويحيى الليل لكنما … ليل التجافي غير ليل الوصال
وكتب إلى أخيه السيد حسين من دار الخلافة قوله:
كم من بعيد والقلوب دياره … والعين من طول المدى تختاره
يا نازحين ولي بهم وجد على … وجد تشعب حيث شبت ناره
رعيًا لأيام مضين ونحن في … مرح التألف والهنا أقطاره
أيام مرجنا الرياض ومرحنا … فوق الحياض وأنسنا أقماره
وحديثنا النجوي بدار ألذ من … كأن العقار تشعشعت أنواره
стр. 6333
وخطابنا السحر الحلال أسر من .. طيف الخيال إذا بدت أسراره
لله من عصر نضى لما مضى … سيف العتو على الحشا تذكاره
عود فعود مدنفا فيكم قضى … شرخ الشباب وما انقضت أوطاره
وتعطفوا بحشاشة الصب الذي … هجر الكرى وتواصلت أخطاره
وعساه يسعده بلطف شامل … من وصلكم فعلى الكريم مداره
ثم رجع إلى "الشام"، وأقام بها، وولي النيابة الكبرى بـ "دمشق"، وقسمة العسكر، ودرس بالتقوية، ولما توفي والده ولي مكانه النقابة، وانعقدت عليه صدارة الشام، وهرعت لبابه الطلبة وأرباب الحاجات، ودام على الإفادة والتحرير، وأجاز في الاستدعاآت.
وألف التآليف الحسان المقبولة، عن ذلك: حاشية على "شرح الخلاصة" لابن الناظم، شرع في تأليفها من باب الاستثناء مع الدرس، والتحريرات على "الهداية" مع الدرس من كتاب الطهارة إلى أثناء كتاب الصلاة، وغير ذلك من الرسائل والتحريرات، وانتفع به جماعة.
ومن أجلّ من أخذ عنه الإمام الهمام محمد بن محمد بن سليمان المغربي، نزيل الحرمين الشريفين، وشيخنا الشيخ رمضان بن موسى بن عطيف، وشيخنا الشيخ أبو المواهب الحنبلي، وشيخنا الشيخ عبد الحي العكري، وغيرهم.
وكانت تصدر له مجالس، تؤثر عنه، ويحدث عن معظم وقعها في النفوس، فمن ذلك أنه خرج يومًا إلى منتزه يسفر عن محياه، وينفتق عن طيب رياه، فقرئ بين يديه ما غنته نغم الجارية بين يدي المأمون، وهو:
ولقد أخذتم من فؤادي أنسه … لا شل ربي كف ذاك الآخذ
وزعمت أني ظالم فهجرتني … ورميت في قلبي بسهم نافذ
ونعم هجرتك فاغفري وتجاوزي … هذا مقام المستجير العائذ
هذا مقام فتى أضرّ به الهوى … قرح الجفون بحسن وجهك لائذ
стр. 6334
قلت: وقصة هذه الأبيات ذكرها ابن خلكان، وقال: إنه استعادها المأمون الصوت ثلاث مرات، وكان بحضرته اليزيدى، فقال له: يا يزيدي أيكون شيء أحسن مما نحن فيه، قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: ما هو؟ فقلت: الشكر لمن خولك هذه النعم العظيمة الجليلة، فقال: أحسنت، وصدقت، ووصلني، وأمر بمائة ألف درهم يتصدق بها، فكأني أنظر إلى البدر، وقد أخرجت، والمال يفرق. انتهى. فلما قرئت أنشد النقيب صاحب الترجمة لنفسه مضمنا لمصراع هذا مقام المستجير العائذ، فقال:
نقل العذول بأنني أفنيت ما … أخفي الحفاظ من الغرام الواقذ
هبني اقترفت لما افترى فاغفره لي … هذا مقام المستجير العائذ
وأنشد أيضًا قوله:
نبذ الخليط مودتي حيث العدا … حولي يروعني بهجر النابذ
فسألته الرجعى وقلت دع القلى … هذا مقام المستجير العائذ
ثم أشار لأولاده ومن في مجلسه من أحفاده بأن يضمن كل منهم هذا المصراع، وينظم ما يناسبه على وجه الإتباع، وما قصده إلا سبر قرائحهم، واختبار سافلهم وراجحهم، فانتدب ولده الندب السيّد عبد الرحمن، فقال:
نبذ العهود مغاضبي فألم بي … في صورة الإشفاق طيف النابذ
فسألته أن لا يفوه بما جرى … فيحيله عني بقول نافذ
فمضى ونم على فيما قلته … فأتى يهددني بسيف شاحذ
رحماك قد صدق الخيال وإنما … هذا مقام المستجير العائذ
ثم تلا تلوه السيّد عبد الكريم، فقال:
هب قادني فيك الغرام فما الذي … ألجاك تعذبي بهجر واقذ
أضراعتي أم ما افترته عواذلي … عني إليك من الكلام النافذ
رحماك بي لا ترع غير مودتي … وحفاظ ودي لا تكن بالنابذ
فلديك منك بك استعذت وإنه … هذا مقام المستجير العائذ
стр. 6335
وقال أيضًا:
ريم رنا نحوي بطرف أدعج … فاستل روحي من جميع مآخذي
فطفقت أستعفي اللواحظ قائلًا … هذا مقام المستجير العائذ
ثم ثلث الثالث السيّد إبراهيم، فقال:
قد أوسعت عيناه قلبي أسهما … إن غض هذه أصمي بذي
ما فوقت إلا وقلت لسهمها … هذا مقام المستجير العائذ
ثم قال شيخنا بركة الوجود الشيخ عبد الغني النابلسي:
لاحظت خالًا فوق صفحة خدّه … متواريًا خوف اللهيب النافذ
فسأله ماذا المقام فقال لي … هذا مقام المستجير العائذ
ثم اتصل بشيخنا الشيخ عبد القادر بن عبد الهادي، فقال:
وافي الحبيب بغير وعد زائرًا … يرنو بطرف بالمجامع آخذ
أربي بسكر هوى وسكر مدامة … حتى إذا سدت علي منافذي
ناديته حسب فديتك زائرا … هذا مقام المستجير العائذ
ثم قال شيخنا الشيخ عبد الحي العكري:
أنزلت آمالي بوادي مخصب … وحمى منيع نعم كهف اللائذ
فلذاك ناداني يقينى معلنا … هذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ زين الدين البصروي:
وأغن فتاك اللواحظ أدعج … يرمي بنبل في القلوب نوافذ
نادته أفلاذي وقد فتكت بها … هذا مقام المستجير العائذ
وقال شيخنا عبد الرحمن التاجي البعلي:
ولقد وقفت على الطلول عشية التو … ديع يوم البين وقعة لائذ
فاستعبرت عيناي لما بان من … أوهى بفرقته جميع مآخذي
لام العذول وقد رآني والها … فأجبته خفض عليك منابذي
لو راعك البين المشت عذرتني … هذا مقام المستجير العائذ
стр. 6336
وقال الأمجد بن السفر جلاني:
يا آل بيت المصطفى شعري حلا … فيكم وطابت بالمديح لذائذي
وافيتكم أبغي حماكم منشدا … هذا مقام المستجير العائذ
وقال الشيخ محمد الذهبي:
يا من إذا جاريته في مسلك … ألفيته قد سد طرق منافذي
أهون بمضناك الذي حيرته … هذا مقام المستجير العائذ
ثم بعد أيام طلب تضمينه من الأير المنجكي، فقال:
بسوى حماكم لا تراني مقلة … يا من لهم ودي المؤكد لائذي
فإذا وقفت ببابكم متذللا … هذا مقام المستجر العائذ
وقال الشيخ عبد الرحمن الموصلي:
عاهدته أن لا يميل وقد رآى … نبذ العهود فديته من نابذ
رد الصباح لناظري بهجره … ليلًا وسدد بالصدود منافذي
ناديته واليأس أمسى ضاحكًا … وأنامل الآمال تحت نواجذي
رفقا بقلب لا يميل لغيركم … هذا مقام المستجير العائذ
انتهى.
ومما يحكى من مكارم أخلاقه أنه دعاه بنو الأصفر أعيان تجار "الشام"، فسقط قنديل مملوء زيتًا على عمامة صاحب الترجمة وفروته، فاستشاط غيظًا وحنقًا، فأنشد بعض الأدباء مخاطبًا أصحاب الدعوة بمسمع من صاحب الترجمة بيتي محي الدين بن عبد الظاهر في الملك الأشرف لما نازل عكا وهما:
يا بني الأصفر قد حلت بكم … نقمة الله التي لا تنفصل
نزل الأشرف في ساحلكم … فابشروا منه بصفع متصل
فسرى عنه الغضب، وتلافى المجلس بأحسن تلاف، وأنهش، قال لي بعض الإخوان، وكان حضر ذلك المجلس ما رأيته سرّ سروره في تلك الليلة،
стр. 6337
وقد وقفت على أشعار كثيرة، وقد ذكر لي ولده الصغير الكبير الشان السيّد الفاضل إبراهيم أنه جمع ديوانًا لنفسه، ومما يلطف موقعه قوله في الغزل:
أمل ليس ينقضي في تمني … نظرة تستفاد عند التفاتك
لست أرضاك مسرفًا في تجني … ك بحال والحسن بعض صفاتك
لك في كل مهجة راضها الح … ب هوى يستطاب في مرضاتك
بقوام يملي علي إذا ما … ل حديث الرماح في لفتاتك
ومحيا يرى ضئيل نحولي … لعذولي والصبح للسر هاتك
وسنا مبسم إلى الرشد يهدي … هائمًا ضل في دجى مرسلاتك
يا بديعًا تحكى الرياض سجا … ياه أقل مهجتي شبا لحظاتك
أنا من لا يحيله فرط إعرا … ضك عن مذهب الولا وحياتك
وعلى مهجتي رقيب من الوج … د أرى في لقاه بهجة ذاتك
حسب قلب وناظر يتمنا … ك بأن لا يرى سوى حسناتك
ملح تسلب النهى ومزايا … أيها يستطاع واللحظ فاتك
وله غير ذلك مما ذكرته في كتابي "النفحة"، وكانت ولادته في غرة رجب سنة أربع وعشرين وألف، وتوفي ختام صفر سنة خمس وثمانين وألف، ودفن بمقبرة الفراديس، رحمه الله تعالى.
قال عمر رضا كحالة: من آثاره: "حاشية على شرح الخلاصة" لابن الناظم في النحو، و"ديوان شعر"، و"البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث".
* * *
стр. 6338
٤٧٢١ - الشيخ الفاضل محمد بن ماتان بن أميرك الكبندوي *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: قال السمعاني: إمام فاضل، يروي عن أحمد بن جعفر النسفي، المعروف بشعبة الحافظ.
روى عنه أبو حفص عمر بن محمد النسفي.
ولد سنة ثلاثين (١) وأربعمائة.
ومات بـ "نسف" ثالث صفر، سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٤٧٢٢ - الشيخ العالم الفقيه محمد بن المبارك، الجونبوري * *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد العلماء المتبحّرين في الكلام والأصول والعربية.
стр. 6339
ذكره ركن الدين محمد الكنكوهي في "اللطائف القدّوسية"، قال: إنه كان عالما، صالحا، ديّنا، سليم الفطرة، يرجع عن قوله في أثناء البحث حين تظهر له الحقيقة، قال: جرت المباحثة بينه وبين الشيخ عبد القدّوس بن إسماعيل الحنفي الكنكوهي ببلدة "شاه آباد" في مسألة من المسائل الكلامية.
وهي أن القول لأحد بعينه: إنه من أهل الجنّة أو من أهل النار هل يجوز أم لا؟
فكان محمد بن المبارك يقول: إني لأقول لأحد بعينه: إنه من أهل الجنة أو من أهل النار فيما بيني وبين الله، ولا فيما بيني وبين الناس، وكان يستدلّ عليه بأن الطهارة عن الكفر، يعني الإيمان، شرط لدخول الجنة لأهلها، كما أن الطهارة للمصلّي شرط لصحة الصلاة، فإذا لم يوجد الإيمان في أحد يقينا أو شكّ في إيمانه هل يقال له بجواز دخول الجنة، مع أنه لا يقال بجواز صلاة أحد مع الشكّ في طهارته، وكلاهما شرطان بمشروطيهما، ولم يقل به أحد؟
فأجاب عنه الشيخ عبد القدّوس بأن القول بجواز الصلاة مبني على عدم الشكّ في الطهارة، وكذلك القول بجواز دخول الجنّة مبني عدم الشكّ في الإيمان، ولا يجوز الشكّ في إيمان أحد من أهل الإسلام يحكم بإسلامه وإيمانه عند الناس ظاهرا، فيحكم له بجواز دخول الجنّة عند الناس ظاهرا. وأما عند الله فلا يحكم به، لأنه غير معلوم لنا، ولا ضرر فيه، لأنه من أمور تتعلّق بالغيب، فلا يجوز القطع فيه لأحد غير صاحب الشرع، وهذا نظير الاستثناء في الإيمان، بأن قال: أنا مؤمن إن شاء الله، باعتبار أن الأمر مغيب بمكان الخوف بالله الجليل صاحب الكبرياء والعظمة، ولا يرى الشكّ في إيمانه، والعياذ بالله من ذلك!
وإن أبا حنفية لا يرى الاستثناء في الإيمان، فينبغي أن يقول: أنا مؤمن حقّا، باعتبار تحقّق الإيمان في الحال، وباعتبار حسن الظنّ بالكريم الغفور
стр. 6340
الرحيم في المآل ولا يقطع في عاقبة أمره، لأنها مبهمة، وأما الصلاة فليست كذلك، فافترقا.
ثم أجاب عنه ابن المبارك بأن الاعتقاد بين الخوف والرجاء شرط لصحة الإيمان والقول بالقطع في إيمان أحد في عاقبة أمره يفوت ذلك الشرط وبفوت الشرط يفوت المشروط، وهذا فاسد، لأن القطع عند الناس لا يرفع الخوف، إذ به يحصل العلم بالنجاة والفلاح، وإنما يحصل بقطع الإيمان عند الله، وذلك غير مقطوع، ولأن القطع عند الناس لازم لصحة الإيمان، فإن الاعتقاد بين الخوف والرجاء شرط لصحة الإيمان، فبالقول بعدم القطع مطلقا يفوت الرجاء، فيفوت الشرط فيفوت المشروط، وأيضا أن الصلاة مطلقا مع حصول الطهارة في الظاهر يصح بغير شك، بخلاف الإيمان، فإن له ظاهرا وباطنا، ظاهره مشروط بشرط يتعلّق بالحسنّ الظاهر، وليس لجواز دخول الجنّة من حيث الظاهر شرط غير ذلك، وباطنه متعلّق بالقلب، فالحكم بدخول الجنّة عند الله يتعلّق بذلك، فافترق الإيمان والصلاة.
قال ركن الدين محمد: إن عمّه عزيز الله بن إسماعيل الردولوي لما سمع ذلك البحث كتب أن الجنّة والنار كلتاهما ثمرة الإسلام والكفر، فلمّا شاهدنا الإسلام أو الكفر من أحد، وعلمنا بالحسّ أنه مات مسلما أو كافرا بأن مات، وهو يلفظ كلمة الإسلام أو الكفر، ولم يظهر منه ضدّ ذلك حكمنا، وشهدنا ظاهرا عند الناس أنه من أهل الجنّة أو من أهل النار، وما ذكر في الكتب أن العاقبة مبهمة، ولا نقول لأحد بعينه: "إنه من أهل الجنّة أو من أهل النار"، فمعناه أنها مبهمة باعتبار إلهام علم الله، وحكمته تعالى في الأزل بما سبق في حقّه، ولا نقول لأحد: إنه من أهل الجنّة أو أهل النار قطعا ويقينا عند الله تعالى، والله أعلم. انتهى.
* * *