← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

وقد حرّر الشيخ الإمام محمد زاهد بن الحسن الكوثري رحمه الله تعالى مقالةً وجيزةً حول حياته المباركة، فقال ما نصّه: هو إمام عصره في المنقول والمعقول، ووحيد دهره في الفروع والأصول، امتاز بين أكابر العُلماء، الذين وفقوا لكثرة التأليف بسعة العلم وجودة البحث وحسن الترصيف، حتى ملأ خزائن العلم في العالم بمصنّفاته الجليلة، في الحديث والفقه والتاريخ والعربية وغيرها، تتناقلها العُلماء عصرا بعد عصر، وتشهد لمؤلّفها الجليل بالبراعة والفخر، ولا تزال آثاره الكبيرة، ومؤلّفاته المبسوطة ذخرا خالدا، وتراثا فيّاضا، تتداولها أيدي رواة التحقيق من العُلماء، ليستجلوا بأنوارها عن وجوه أبحاثهم الظلماء ولا غرور، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

стр. 6792

أوليته ومبدأ أمره: كان والده القاضي شهاب الدين أحمد بن القاضي شرف الدين موسى المارّ ذكر نسبه من أهل "حلب"، وبها ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة، ثم انتقل إلى "عينتاب"، هى على ثلاثة مراحل من "حلب"، وولي قضاءها، وبها ولد ولده البدر في السابع عشر من رمضان، سنة اثنتين وستين وسبعمائة، قاله ابن حجر، والسخاوي، أو في السادس والعشرين من رمضان، قاله أبو المحاسن. وبها نشأ البدر العيني، وترعرع، واشتغل بالعلوم، وبرع. وتفقّه على والده، وغيره، من شيوخ العلم في ولده، حتى ناب عن والده في القضاء مدّة، وباشره مباشرة جيّدة. وارتحل إلى شواسع البلاد قبل وفاة والده وبعدها لطلب العلوم، وتنقّل في البلاد الحلبية، والشامية، والقدسية، وغيرها. وحضر عند أكابر العُلماء بها، وتلقى منهم العلوم، وارتحل إلى "حلب" سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، وأخذ من أجلة شيوخها، ثم عاد إلى بلده، ولما توفي والده بـ"عين تاب" سنة أربع وثمانين وسبعمائة ارتحل البدر أيضًا إلى "بهنا"، ثم إلى "كختا"، و"ملطية"، وتلقى العلم عن شيوخها. وسنذكر أسماء شيوخه، الذين أخذ عنهم العلوم، وما تلقّى منهم من الفنون، عند ذكر مشايخه، ثم حجّ البدر العيني سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، ودخل البلاد الحجازية، وزار "بيت المقدس"، فلقى علامة الشرق علاء الدين على بن أحمد بن محمد السيرامي قادما للحجّ، واتصل به، فأخذ يصحبه، ويتلقى منه العلم، وصادف ذلك أوان طلب الملك الظاهر برقوق قدوم العُلماء إلى "مصر"، ليوليه تدريس المدرسة البرقوقية الكبري، التي كان أتم بناءها في هذا العام لما بلغه من علمه ودينه، فقدم البدر العيني بمعية شيخه العلاء المذكور في خدمته إلى "القاهرة"، وحضرا في حفلة افتتاح المدرسة

стр. 6793

المذكورة، فألقى العلاء أول درس بها بمحضر السلطان والأمراء والأعيان، وتكلّم على قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ بكلام، كأنه الدر المصون، فتاهت عقول الحاضرين في حسن معناه، وطيب مغناه. وكان العلاء في عصره يعدّ ملك العُلماء في المعقول، كما يقوله القاضي نور الدين ابن الخطيب الجوهري في "تاريخه"، وخلع عليه الظاهر، وولاه تدريسها، وسكن بها البدر العيني، يلازم شيخه العلاء، ويخدمه، ويتلقّى العلوم منه من أكابر مشايخ العلم بـ"القاهرة"، حتى اكتمل البدر، وأتم هلاله، وتم في العلوم كماله. أكابر شيوخ البدر العيني في العلوم: وللبدر مشايخ كثيرة في العلوم، قد قام هو باستيفاء تراجم شيوخه في مجلّد، سماه "معجم الشيوخ"، فمن أجلّهم: الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي، سمع عليه "صحيح البخاري" بقراءة الشهاب أحمد بن محمد بن منصور الأشموني بقلعة الجبل بـ"القاهرية" سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وبقراءة غيره. و"الإلمام في أحاديث الأحكام" للحافظ ابن دقيق العيد بروايته عن الشهاب أحمد بن أبي الفرج بن البابا عنه. ومنهم: الحافظ سراج الدين البلقيني، سمع عليه مصنّفه "محاسن الاصطلاح"، و"تضمين مقدمة ابن الصلاح" بقراءة السراج قاري الهداية. ومنهم: مسند الديار المصرية المحدّث الكبير تقي الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن الدجوي، سمع عليه "صحيح البخاري"، و"مسلم"، و"سنن أبي داود"، و"الترمذي"، و"ابن ماجه"، و"النسائي"، والأصول الستة بأسرها، وسمع عليه أيضًا "مسند الدارمي"، و"مسند عبد بن حميد"، والثلث الأول من "مسند أحمد". ومنهم: العلاء بن محمد بن عبد الكريم الفوي، يروي عنه "السنن الكبرى" للنسائي، وبعض "سنن الدارقطني"، و"التسهيل" لابن مالك.

стр. 6794

ومنهم: الحافظ نور الدين أبو الحسن علي الهيثمي، سمع عليه حملة كتب. ومنهم: قطب الدين عبد الكريم بن التقى بن الحافظ الحلبي، قرأ عليه "المعاجم الثلاثة" للطبراني. ومنهم: الشيخ المسند شرف الدين محمد بن محمد بن عبد اللطيف بن الكويك، المعروف بالشرف بن الكويك، سمع عليه "الشفاء" للقاضي عياض، و"مسند الإمام أبي حنيفة" لأبي محمد البخاري الحارثي، وكذا سمع على والده العز بن الكويك. ومنهم: الشيخ المحدّث زيد الدين تغري برمش بن يوسف البهماني، المعروف بالفقه، سمع عليه "شرح معاني الآثار" للإمام أبى جعفر الطحاوى بروايته، عن العلامة جلال الدين أحمد بن محمد الخجندي، عن العفيف عبد الله محمد الخزرجي العبادي عن المسند المعمّر تقى الدين عبد الرحمن بن عبد الولي الدمشقى عن الضياء المقدسي، عن أبي موسى المديني، عن إسماعيل بن الفضل السراج سماعا عليه، نا منصور بن الحسن، نا أبو بكر محمد بن إبراهيم المقري، نا أبو جعفر الطحاوي. ويروي العيني عنه أيضًا "مصابيح السنة" للبغوي. ومنهم: الشيخ المسند قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن عماد الدين إسماعيل بن شرف الدين محمد بن الكشك، المعروف بالنجم بن الكشك، سمع عليه بعضا من أول "صحيح البخاري" عن مسند الدنيا أبي العبَّاس أحمد بن أبي طالب الحجّار، عن المسند الكبير الحُسين بن المبارك الزبيدي، عن أبي الوقت. قال الحافظ السخاوي: ومن اللطائف رواية العيني عن ابن الكشك عن الحجّار عن ابن الزبيدي، فأربعتهم حنفيون. اهـ.

стр. 6795

وأما شيوخه في بقية العلوم، فقد سمع "الشاطبية" بقراءة الشيخ شمس الدين محمد بن علي الزراتيني على الشيخ فتح الدين أبي الفتح محمد بن أحمد العسقلاني المقرئ آخر أصحاب التقي الصائغ، وأخذ عن العلاء السيرامي أكثر "الهداية"، وقطعة من أول "الكشّاف"، و"التلويح" على "التوضيح"، و"شرح التلخيص"، وهو ممن تخرج لدى العلامة سعد الدين التفتازاني، وقوام الدين الإتقاني. وتلقى عن قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن موسى الملطي بـ"حلب" "أصول فخر الإسلام البزدوى"، و"منتخب الأصول" للحسام الأخسيكتي، وسمع عليه في "الهداية"، وهو ممن تخرج لدى الحافظ علاء الدين مُغُلْطاي، وقوام الدين الإتقاني، وقرأ على العلامة الفقيه عيسى بن الخاص بن محمود السرماري غالب "الكشَّاف" قراءة بحث وإتقان، و"مفتاح العلوم" للسكّاكي، و"التبيان" في المعاني والبيان لصاحب "الكشف" على الكشَّاف العلامة الطيبي والسرماري ممن أخذ عن الطيبي، والجاربردي. وحضر عند العلامة حسام الدين الرهاوي في تصنيفه "البحار الزاخرة في المذاهب الأربعة"، وأخذ "المفصَّل" للزمخشري، و"التوضيح" لصدر الشريعة عن العلامة أثير الدين جبريل بن صالح البغدادي، تلميذ قوام الدين الإتقاني، وسعد الدين التفتازاني. وسمع من الشيخ المحقّق شمس الدين محمد الراعي ابن الزاهد "رموز الكنور" في الحكمة للآمدي، و"شرح الشمسية"، و"المطالع" للقطب الرازي، و"الشافية"، و"مراح الأرواح" في التصريف، وهو تلميذ الإمام أكمل الدين البابرتي، والشيخ ركن الدين أحمد بن محمد بن عبد المؤمن قاضي "قرم"، الذي "شرح البخاري" على أسلوب بديع.

стр. 6796

وكان ابن حجر يقرّ بعجزه عن النسج على منواله، وتلقّى عن الشيخ ميكائيل "القدوري"، و"منظومة النسفي" في الخلاف، و"مجمع البحرين" لابن الساعاتي، وهو تلميذ الفخر إلياس والعلاء المشرقي. وأخذ عن الشيخ محمود بن محمد العينتابي "الفرائض السراجية"، و"تصريف العزي"، وغيرهما، وعن السراج عمر "صحاح الجوهرى"، وعن الشيخ ذي النون "ضوء المصباح"، وعن الشيخ خير الدين القصير "المصباح". وكذا أخذ عن شارح "السراجية" الشيخ حيدر الرومي، وعن الشيخ بدر الدين الكشّافي في "ملطية"، وعن الشيخ ولي الدين البهنسي في "بهنسا"، وعن العلامة علاء الدين الكختاوي في "كختا"، وعن الشيخ شهاب الدين أحمد بن خاص التركي. وكان البدر يطريه، وأخذ عن غيرهم من المشايخ علوما استوفى البدر بيان ذلك في "معجمه"، وفي "تواريخه" عند تراجم مشايخه، وفيما ذكرناه كفاية للإلمام بمشايخه، ومسموعاته، ومقروءاته. قال أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن تغري بردي في "المنهل الصافي المستوي للوافي" عند ترجمة البدر العيني: سمع التفسير والحديث والعربية وغيرها، فمن التفسير: "الزمخشري"، و"النسفي"، و"السمرقندي"، ومن الحديث: الأصول الستة، و"مسند أحمد"، و"سنن البيهقي"، و"الدارقطني"، و"مسند عبد بن حميد"، و"المعاجم الثلاثة" للطبراني، وغير ذلك. تلامذة البدر العيني ومن روى عنه العلوم: وفي تلامذته كثرة عظيمة لطول مدارسته العلم، ولكونه من المعمّرين، دام على إقراء الحديث في المؤيدية وحدها ما يقارب أربعين سنة، خلا ما له من الدروس في بقية مدارس "القاهرة".

стр. 6797

قال السخاوي: إنه حدّث، وأفتي، ودرّس مع لطف العشرة والتواضع، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وأخذ الفضلاء عنه من كلّ مذهب. وكان الحافظ ابن حجر أصغر من البدر العيني سنا باثنتي عشرة سنة، كان بينهما من المنافسة ما يكون بين المتعاصرين، مع ذلك علَّق ابن حجر من فوائد العيني، بل سمع عليه حديثين من "صحيح مسلم"، وحديثا من "مسند أحمد"، وخرّجها عنه في "البلدانيات"، وترجمه في عداد شيوخ في الطبقة الثالثة من "المجمع المؤسّس للمعجم المفهرس" باختصار. وممن أخذ عن البدر العيني الإمام المحقّق كمال الدين بن الهمام، والحافظ العلامة قاسم بن قطلوبغا، والحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، والحافظ ناصر الدين أبو البقاء محمد بن أبي بكر بن أبي عمر الصالحي، المعروف بابن زريق محدّث الديار الشامية، والعلامة أبو الفتح محمد بن محمد بن على العوفي، والشيخ محب الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن المصري، وأبو إسحاق إبراهيم بن على بن أحمد القرشي، وأبو الوفاء محمد بن خليل الصالحي الحنفي، وبدر الدين الحسن بن قلقيلة الحسيني الحنفي، والعلامة زين الدين أبو بكر الكختاوي، وقاضى القضاة عز الدين أحمد بن إيراهيم الكتاني الحنبلي، والشيخ كمال الدين المالكى الشمني، والد التقي الشمني، والبدر البغدادي الحنبلي، وقطب الدين الخيضري، والبرهان بن خضر، وشمس الدين محمد بن عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كسباي الحنفي، جدد البيت العمادي بـ"الشام"، والقاضى نور الدين علي بن داود الخطيب الجوهري الحنفي المؤرّخ، وأبو المحاسن جمال الدين يوسف بن تغرى بردي الظاهري المؤرخ، وغيرهم من العُلماء الكبار في عصره، وفي سرد أسمائهم طول وإملال. ويروي الحافظ جلال الدين السيوطي أيضًا عن البدر العيني، إلا أن روايته عنه بالإجازة العامة، ولم يقرأ عليه شيئًا لصغر سنّ السيوطي عند وفاة

стр. 6798

البدر، فأخذه عنه كأخذه عن ابن حجر سواء بسواء، وإنما روايته لمؤلفات البدر العيني ما بين قراءة وسماع وإجازة خاصة، فبواسطة العلامة قاسم بن قطلوبغا الحنفي، وقد يتساهل بعض أصحاب الأثبات في الرِّواية بالإجازة العامة، وليس بجيد. محل البدر العيني في العلم وثناء العلماء عليه: كان في الحديث والفقه والتاريخ والعربية بحرا، لا تعكره الدلاء، آية في استحضار أحاديث الأحكام، وإبداء علل أسانيدها ومتونها، بارعا في الموازنة بين أدلة المسائل الخلافية عند فقهاء الأمصار، واسع الاطلاع على مذاهب سلف الأمة وآراء الأئمة، مشاهيرها وشواذّها، بالغا في الفحص غايته، وفي التنقيب نهايته، موفيها حقّ الأبحاث من جميع مناحيها، بحيث لا يدع لباحث وراء فحصه مطمعا، ولا لقوس تطلّبه منزعا، يجري على طريقة البسط والإيضاح في مؤلّفاته، بحيث لا يحوج إلى غير كتابه فيما له مساس بالموضوع، وكتبه شهود صدق لذلك، مع ذلك كلّه كان له بعض تصلّب في مذهبه. وأثنى عليه أبو المعالي الحسيني في "غاية الأماني"، وقال: هو الإمام العالم العلامة الحافظ المتقن شيخ العصر، أستاذ الدهر، محدّث زمانه، المنفرد بالرواية والدراية، حجّة الله على المعاندين، وآيته الكبرى على المبتدعين، "شرح صحيح الإمام البخاري" بشرح، لم يسبق نظير في شروحه، مع ما كان له من المصنّفات المفيدة والآثار السديدة. وبالجملة: كان ﵀ من مشاهير عصره علما وزهدا وورعا، وممن له اليد الطولى في الفقه والحديث. اهـ. وقال أبو المحاسن في "المنهل الصافي": كان بارعا في عدة علوم، مفتيا، كثير الاطلاع، واسع الباع، في المعقول والمنقول، لا يستنقصه إلا متغرض، قلّ أن يذكر علم إلا وله فيه مشاركة

стр. 6799

جيدة، ومصنفاته كثيرة الفوائد، ولكلامه طلاوة، وكان جيد الخط، سريع الكتابة. قيل: إنه كتب "كتاب القدوري" في الفقه في ليلة واحدة في مبادي أمره، وكانت مسوداته مبيضة. ا هـ. قال السخاوي في "التبر المسبوك": كان إماما عالما، علامة، حافظا للتاريخ واللغة، كثير الاستعمال لها، مشاركا في الفنون، لا يمل من المطالعة والكتابة، وصنّف الكثير، بحيث لا أعلم بعد شيخنا أكثر تصانيف منه، وقلمه أجود من تقريره، وكتابته طريفة حسنة مع السرعة، حتى استفيض عليه إنه كتب "القدورى" في ليلة واحدة، أخبرني شيخ المذهب وقاضيه العز الحنبلي أنه سمع ذلك منه. ا هـ. قال أديب عصره الشمس محمد بن الحسن النواجي الشافعي في حقّه، وأجاد: لقد حزت يا قاضي القضاة مناقبا … يقصر عنها منطقي وبياني وأثنى عليك الناس شرقا ومغربا … فلا زلت محمودا بكل لسان وكلّ من ترجمه من العُلماء المصنّفين وصفه بالإمامة، وسعة العلم، والبراعة، وفي سوق نصوصهم طول، وتكرير لما سبق، وقد ترجمه كلّ من كتب في تراجم الرجال من أهل عصره، وممن بعدهم ما بين بسط واختصار، كان البدر العيني آخر مرجع لحلّ المشكلات وكشف المعضلات، وعند فتواه تقف ملوك الإسلام في النوازل والمهمّات، كم خلص الدولة من شرور أحدقت بها بفتوى أصدرها. ومن جملة ذلك: ما وقع له في عهد الملك الأشرف برسباى حين طلب ملك الشرق شاهرخ بن تيمورلنك الطاغية من الأشرف السماح له بأن يكسو الكعبة المعظمة وفاء لنذر نذره، ولا بدَّ، وكان أمر الكسوة إلى ملوك "مصر" من قديم، ولها أوقاف خاصة بـ"مصر"، كان ملوك الإسلام

стр. 6800

يتنافسون في كسوتها وكم حصل بينهم من فتن في هذا السبيل، فهاجت القاهرة، وماجت، خوفا مما خبأه القدر وراء هذا الطلب، وتحير العُلماء في شأنه، فأصدر البدر العيني فتوي، بأن هذا النذر غير منعقد، ولا يجب الوفاء به. قال القاضي نور الدين ابن الخطيب الجوهرى في تاريخه "نزهة النفوس": فانحلّ العقد، وزال الإشكال. ا هـ. قال أبو المحاسن: وله نثر ونظم، وليسا بقددر علمه. ا هـ. وقال السخاوي: وله نظم كثير، فيه المقبول وغيره. ا هـ. وقال السيوطي: ونظمه منحط للغاية. ا هـ. بل شعره من قبيل شعر الفقهاء، فيه ما يقبل، وما لا يقبل، فكأن الله صان وجهه أن يتزلف إلى الأمراء بقصائد طنانة يأباها وقار العلم وشرفه، فلو كان في موضع الإجادة من الشعر لربما وقع فيما وقع فيه صاحبه، وكفى البدر فخرا ما يتقنه من العلوم، بحيث لا يجاري، بل قال ابن إياس في "تاريخه": وله شعر جيِّد، وفيه يقول بعضهم جامعا الفنون السبعة هذه الأبيات المواليا: قوما لدوبيت قاضي قد زجل شيني … بكان وكان امتدح بين الورى زيني وانقل موشح مواليا بلا ميني … فابحر الشعر مجراها من العيني. ا هـ. وسيأتي أن له عدّة مؤلّفات في العروض، وطبقات الشعراء، والشواهد، ومثله من لا يجيد الإنشاء من اللغويين. ما تقلده البدر العيني من الوظائف: لما انتقل البدر العيني إلى "القاهرة" مع شيخه العلاء السيرامي سنة ثمان وثمانين وسبعمائة كما أسلفنا جعله الظاهر في عداد صوفية البرقوقية، فسكن بها ملازما لشيخه العلاء، ثم عينه في وظيفة الخدمة بها، لم يزل بالبرقوقية على وظيفته، إلى أن توفي شيخه العلاء، وحينذاك أخرجه الأمير الخليلي متولي

стр. 6801

عمارة البرقوقية وباني الخان، المعروف باسمه عن وظيفته، وأمر بنفيه لما أنهاه عنه الحسدة من الفقهاء، كما يقوله أبو المحاسن، حتى شفع فيه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، فأعفاه من النفي، وأقام بـ"القاهرية" ملازما للاشتغال، ثم توجّه إلى بلاده، وعاد، وهو فقير مشهور الفضيلة، كما يقوله السخاوي، فتردَّد إلى الأكابر من الأمراء، كالأمير الجكم والأمير قلماطاي الدوادار والأمير تغري بردى القرومي وغيرهم، حتى توفي الملك الظاهر برقوق، وسعوا له في عهد الناصر فرج، فولي البدر العيني حسبة القاهرة لأول مرة في ذي الحجّة، سنة إحدى وثمانمائة، عوضا عن العلامة تقي الدين المقريزي، ولم تطل مدته. ثم أعيد، ثم صرف بالمقريزي في سنة اثنتين وثمانمائة، ثم عزل المقريزي، وأعيد البدر، وطالت مدته، وحصل بينهما بعض جفاء. قال العيني في ترجمة المقريزي: كان مشتغلا بكتابة التواريخ، وبضرب الرمل، تولي الحسبة بـ"القاهرة". في أيام الظاهر، ثم عزل بمسطره، ثم ولي مرة أخرى في أيام الدوادار الكبير سودون ابن أخت الظاهر، عوضا مسطره، وقد عزل نفسه بسبب ظلم سودون المذكور. ا هـ. وولي البدر في الدولة الناصرية عدّة تداريس ووظائف دينية، واشتهر اسمه، وأفتي، ودرس، وأكبَّ على الاشتغال، والتصنيف إلى أن ولي في عهد الملك المؤيد شيخ وهو يوازي وزارة الأوقاف في عصرنا، وصار من أعيان الفقهاء الحنفية، وفوّض إليه المؤيد تدريس الحديث بالمؤيديّة أول ما فتحت سنة تسع عشرة وثمانمائة، وفي أواخرها مالت مئذنة الجامع المؤيدي على البرج الشمالي، وكادت تسقط، فهدمت، وبنيت من جديد، وذكر المقريزي في "خططه" أنه قال الحافظ ابن حجر في ذلك: لجامع مولانا المؤيّد رونق … منارته بالحسن تزهو وبالزين تقول وقد مالت عليهم تمهلوا … فليس على حسني أضرّ من العين

стр. 6802

فتحدّث الناس أنه في قوله: بالعين قصد التورية، لتخدم في العين التي تصيب الأشياء، فتتلفها، وفي الشيخ بدر الدين محمود العينتابي، فإنه يقال له: العيني أيضًا، فقال المذكور يعارضه: منارة كعروس الحسن إذ جليت … وهدمها بقضاء الله والقدر قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط … ما آفة الهدم إلا خسة الحجر يعرض بالشهاب ابن حجر، وكلّ منهما لم يصب الغرض، إذ كلّ منهما ليس له في المئذنة تعلق، حتى تخدم التورية. قال الحافظ ابن حجر في "أنباء الغمر في أبناء العمر": إنه أنضد بيتيه في مجلس المؤيد، وكان العيني إذ ذاك شيخ الحديث بالمؤيدية، فأراد بعض الجلساء العبث بالشيخ بدر الدين العيني، فقال له: إن فلانًا عرض بك، فغضب، واستعان بمن نظم له بيتين، ونسبهما لنفسه، وهما للنواجي، لا بارك الله فيه. ا هـ. ملخّصا: وهذا قول ابن حجر في صاحبه حطا من مقداره، ورجما بالغيب، مع أن المقريزي جزم بأن البيتين للبدر العيني، كما سبق. وكذا غيره، ولا معنى لاستبعاد ابن حجر أن يكون البيتان من نظم البدر العيني، وقد أسلفنا عن السخاوي وغيره أن في شعره المقبول وغيره، لا يستعصي على صاحب طبقات الشعراء، مؤلف "شرح الشواهد الكبير والصغير"، و"شروح العروض" عمل هذين البيتين، وإن كان غالب شعره من قبيل شعر الفقهاء. وابن حجر على جلالة مقداره في العلم له في تراجم معاصريه ومن تقدّمه من شيوخه، وغيره خطة عجيبة في التحامل، وقد أقرَّ بذلك عليه تلامذته المتحزبون له، فضلًا عن غيرهم، كسبطه في "النجوم الزاهرة في أخبار قضاة القاهرة"، والبرهان البقاعي، بل السخاوى وغيرهم، فمن راجع تراجم السراج البلقيني، وابن الملقّن، وابن خلدون، والمقريزي،

стр. 6803

والكختاوي، وغيرهم من كتبه، ثم ما كتبه الناس فيهم يعلم مبلغ تحامله، سامحه الله. لعلّ سبب ذلك أنه نشأ على الأدب وعلى معاناة المديح والهجاء، وعلى ذلك شبّ، ودرج، ولا تسل عما يجري إذا كان هناك شيء يمسّ بتعصّبه المذهبي. ثم صار البدر من خصيصي الملك المؤيد، حتى إنه أرسله إلى بلاد "الروم" في مصلحة تتعلق به في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، لما استقرّ الملك الظاهر ططر في السلطنة زاد في إكرامه وإعلاء شأنه، لما بينهما من الصحبة قبل ذلك، ولما تسلطن الملك الأشرف برسباي صحبه، واختص به، وارتفعت منزلته عنده، بحيث صار يسامره، ويقرأ له التاريخ الذي جمعه باللغة العربية، ثم يفسّره له بالتركية لتقدّمه في اللغتين، ويعلمه أمور الدين، حتى حكي أن الأشرف كان يقول: لولا العيني لكان في إسلامنا شيء. ولما مات شيخ المذهب السراج قاري الهداية شيخ الشيخونية، وسعى قاضي القضاة زين الدين التفهني في مشيختها مضافة إلى القضاء، وتعصّب معه أهلها، فأجيب لذلك، وبات على الصعود للبس الخلعة أضمر السلطان في نفسه، أخذ القضاء منه للبدر العيني، وبيَّت معه في تلك الليلة أن كبر غدا عمامتك، وأحضر بكرة من غير أن يفصح له بشيء، ففعل، فولاه قضاء القضاة عوضا عن التفهني في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثمانمائة، ومشيخة الشيخونية لا تجتمع مع القضاء على حسب شرط الواقف، وهو الذي نوه بابن الهمام عند الأشرف، حتى ولاه مشيخة الأشرفية الكبري، وسنّه دون ثلاثين سنة. قال السخاوي في "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ": اتفق لشيخنا الكمال ابن الهمام حين خطبه الأشرف برسباي لمشيخة مدرسته، ونبز عنده

стр. 6804

بصغر سنه، سأله حين أحضره لإلباس خلعتها عن سنّه، فقال: سني أكبر من سن عتاب بن أسيد، يعني حين ولاه النبي "مكة"، ومن فلان، ومن فلان، فعدَّ جماعة، لم يفصح له بمقدار سنه، كما سبق مثله ليحيى بن أكثم، وسافر البدر صحبة السلطان إلى "حلب" سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، ومات الأشرف وهو قاض. قال أبو المحاسن: باشر القضاء والحسبة، ونظر الأحباس معا مدّة طويلة بحرمة وافرة وعظمة زائدة بقربه من الملك وخصوصيه به، ولكونه ولي القضاء من غير سعى منه، وكان ينادم الملك الأشرف، ويبيت عنده في بعض الأحيان. قال السخاوي: ولم يجتمع القضاء والحسبة ونظر الأحباس في أحد قبله فيما أظن. ا هـ. وقال أبو المحاسن: كان محظوظا عند الملوك إلا الملك الظاهر جقمق. ا هـ. لأنه مع كون مصر على أرغد عيش وأمن شامل في عهد حكمه أذى جماعة من العُلماء، كالبدر العيني، ثم الحافظ ابن حجر، وابن عربشاه، وغيرهم. ثم صرف البدر عن القضاء بشيخ المذهب سعد الدين الديري سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة عن نظر الأحباس بالعلاء بن آقبرس في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة، وعمر مدرسة مجاورة لسكنه بالقرب من الأزهر الشريف بحارة "كتامة"، ووقف كتبه هنا لطلبة العلم، وقد نقلت البقية الباقية من كتبه إلى دار الكتب المصرية الكبرى حديثًا. وتأخرت وفاته عن وفاة صاحبه ابن حجر بثلاث سنوات، وفي ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجَّة سنة خمس وخمسين وثمانمائة. توفي البدر العيني، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، وصلى عليه من الغد بالجامع الأزهر، ودفن بمدرسته، وكانت جنازته مشهودة، وكثر أسف الناس عليه.

стр. 6805

وكان أسمر اللون، قصير القامة، مسترسل اللحية، كان من أوعية العلم، أغدق الله على ثراه سحائب الرضوان، وإلى جنبه دفن الشهاب القسطلاني بعد دهر، وإلى ابن ابنه الأمير الشهابي أحمد بن عبد الرحيم بن البدر العيني ينسب قصر العيني المشهور بـ"القاهرة"، وهذا الأمير كان له الثروة الهائلة، وله وقائع في التاريخ، ولم يكن على سيرة جدّه. قال السخاوي في "أنساب الضوء اللامع" في العيني: نسبة لـ"عين تاب"، وممن نسب إليها البدر محمود بن أحمد صاحب الترجمة، وابنه عبد الرحيم، وابنه الشهابي أحمد، في ابن العيني الشهابي أحمد بن عبد الرحيم بن محمود بن أحمد، وأخته عائشة، وأبوهما، وابن الشهابي ناصر الدين محمد. وقال السخاوي في آخر ترجمة البدر العيني: ولم يخلف في مجموعه مثله. مؤلفات البدر العيني: وله مؤلفات كثيرة جدا، بحيث لا يقاربه أحد من أهل عصره في كثرة المصنفات، إلا أن يكون الحافظ ابن حجر، كما أقرّ له بذلك الحافظ السخاوي في مواضع من كتبه. فمن أجل مصنّفات البدر العيني: "عمدة القاري في شرح الجامع الصحيح" للبخاري في إحدى وعشرين مجلدة على تجزئة المصنّف، وهو أوسع شروحه نقلًا وتحقيقا، وأجمعها للفوائد بحثا وتمحيصا، ينتهج منهج إتمام سياق الحديث، حيث اختصر البخاري، ويسلك مسلك تعيين مواضع تخريجه من الكتاب، إذا تعددت طرقه وتكرّر تخريجه في الأبواب، وفيهما أكبر عون للفاحص، ويذكر اختلاف رواة الكتاب إذا كان هناك اختلاف، ويوفي حقّ الكلام في الرجال، وضبط الأسماء والأنساب، بحيث يغني عن تطلب ذلك في شتى الكتب المؤلفة في هذا الباب، ويبين اللغات والإعراب أهمّ تبيان، ويتعرض بأسلوب بديع لوجوه المعاني والبيان إلى أن

стр. 6806

يستأنس من المطالعين في كتابه أنهم أصبحوا في غنية عن المضى في بسط ذلك، ويتوسع في طرائق استنباط الأحكام من الحديث، ويستنير منه فوائد ثمينة تحت عنوان يخصها، ويذكر لطائف الإسناد من علوّ ونزول مدني وشامي ونحوها، ويبسط في المسائل الخلافية تخريج الأحاديث المتعلقة بها على مذاهب فقهاءَ الأمصار بسطا وافيا، حسبما آتاه الله من بسطة في العلم والفهم، ويقارن بين الأدلة، ويحاكم بينها، ويسرد تحت عنوان الأسئلة والأجوبة مواضع الأخذ والرد من كتب الحديث، وينتقي من شروح من تقدمه مواطن العلم والفوائد أجمل انتقاء، مستقصيا في ذلك أكمل استقصاء. والحاصل أنه شرح الأحاديث من جميع مناحيها، ووفي حق إيضاحها من كلّ نواحيها، فمن أراد ما يتعلق بالمنقول ظفر في شرحه بآماله، ومن أراد ما يمس بالمعقول فاز بكماله، وقد جعل كلّ ذلك تحت عناوين خاصة، ليسهل الكشف عنه، ولم يحشد إلى كتابه ما هو أجدر بكتب المصطلح مما ليس له كبير مساس بشرح الحديث، ولا يطيل بتخريج طرق الحديث عن كتب المستخرجات والأطراف المختصة بذلك، إلا ما يحتاج إليه في شرح الكتاب، أو ما يفيد ترجيح لفظ على لفظ في الروايات، ولا يفوته موضع الفائدة من ذلك، قلما يحيل بالمطالع إلى مواضع قد يتيه في تطلبها، حرصا على وقته الثمين، بخلاف صاحبه الشهاب ابن حجر، فإنه كثير الإحالة، وقد لا توجد الفائدة، حيث أحال، وخلو عن غالب ما سبق من مزايا شرح البدر. ومما يزيد شرح العيني مزية على مزاياه أنه كان يطلع على شرح الشهاب ابن حجر جزءا فجزءا بواسطة البرهان بن خضر أحد أصحاب الشهاب، وينتقده في مواطن انتقاده على توافق بين الشرحين في النقول في بعض المواضع، لتوافق مراجعهما، وقد يظنّ بعضهم أن الثاني أخذ ذلك من الأول،

стр. 6807

وليس كذلك بل ذلك كما قلنا ويظهر عند الكشف عن مواطن اتفاقهما في مراجعهما ما ذكرناه، وليس أحدهما بأحق من الآخر في النقل عن كتب من تقدمهما. وكان البدر العيني ابتدأ في شرحه سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وأتم سنة سبع وأربعين وثمانمائة بعد فراغ ابن حجر من شرحه بخمس سنوات، وأدهش ابن حجر وأصحابه من ظهور شرح البدر بهذا المظهر الباهر، فأبدأ أصحابه يذيعون أعذارا لشيخهم مولدة، ويبخسون البدر حقّه عدوانا. وبعد أن اطلع الشهاب على شرح البدر أخذ يؤلّف في دفع اعتراضاته كتابا، سماه "انتقاض الاعتراض"، فكتب الاعتراضات، وترك ما تحتها بياضا ليتسنى له الإجابة عنها، فاخترمته المنية، ولم يقدر أن يجيب عن غالبها، وإن أصلح بعض مواضع من شرحه بعد ذلك، مع أنه عاش بعد إتمام البدر شرحه خمس سنوات، والكمال لله وحده، وكلاهما شرح حافل. ويحكي العلامة ابن خلدون عن مشايخه أن شرح البخاري دين على الأمة، لم يقم بوفائه أحد من العُلماء حسبما يجب، ولو عاش ابن خلدون إلى زمن ظهور الشرحين لربما حكم لهما بقضاء هذا الدين، ويميل السخاوي إلى أن القائم بذلك هو شيخه ابن حجر، وصاحب "كشف الظنون" حكم لهما بوفاء الدين على حد سواء، لكن الظاهر أن للعيني الحظّ الأوفر في ذلك عند من أنصف، ولم يتجبر، فمن خاض في بحار شرحه الفياض يرى نفسه أنه في ملتقى سبل العلوم، قام فطاحل العُلماء من كلّ فن على مسالكها بتيار من الأنوار، يضيؤون طرائق الفهم من جميع المناحي لغة، وإعرابا، وبلاغة، واستنباطا، كشفا عن تراجم الرجال، وضبط كناهم، وألقابهم، وأسمائهم، وأنسابهم، وبيانا لفوائد حديثية ولطائف إسنادية، ومسائل أصلية وفرعية، ودقائق عقلية، ونقلية، وتخريجا لأدلة الأحكام الخلافية مع المحاكمة بينها، وبسطا لمذاهب العُلماء في

стр. 6808

الصدر الأول، ويجد فرق ما بينهما فرق ما بين البدر والشهاب، ويحكم للعيني بأنه هو القائم بقضاء هذا الدين بلا ارتياب. ع: وللناس فيما يعشقون مذاهب. شكر الله سعيهما، ونفع الأمة بهما. ومنها: "نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار" للإمام أبي جعفر الطحاوي في عشر مجلدات، أوسع ما ألف في أحاديث الأحكام، لا يستغني عنه فريق من الفقهاء. ومنها: "معاني الأخيار في رجال معاني الآثار" في مجلدين، من أنفع الكتب في علم الرجال، وأحسنها ترتيبا، من حيث أنهم لم يسق الصحابة والتابعين وتبع التابعين في مساق واحد، بل جعل لكل طبقة منهم موضعا خاصا، من حيث إن الطحاوي شارك الخمسة في بعض شيوخهم، وفي كتابه ما ليس في الستة من الرجال، يتطلع الفقيه والمحدّث إلى معرفتهم. ومنها: "شرح سنن أبي داود" في مجلدين، يتوسع فيه في أحاديث الأحكام وتراجم رجالها، وهو من أمتع الشروح، ولم يتم. ومنها: "تكميل الأطراف" في مجلد، كتاب يشهد له بالبراعة والتبحر. ومنها: "كشف اللثام عن سيرة ابن هشام"، ولم يتم. قال السخاوي في "الإعلان": شرح قطعة كبيرة منها شيخنا البدر العيني، ورواها عنه جماعة، حسبما بينت ذلك كلّه واضحا في جزء عملته، حين ختم قراءتها. ومنها: "البناية في شرح الهداية" للإمام المرغيناني في عشر مجلدات، يتوسع فيه جدا في تخريج أحاديث الأحكام، وبيان مذهب علماء الأمصار، لا يغني عنها "فتح ابن الهمام". ومنها: "الدرر الزاهرة في شرح البحار الزاخرة" لشيخه الرهاوي في المذاهب الأربعة في مجلّدين.

стр. 6809

ومنها: "غرر الأفكار في شرح درر البحار" للفتوى في المذاهب الأربعة أيضًا. ومنها: "المستجمع في شرح المجمع" في مجلد ضخم. ومنها: "رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق". ومنها: "الوسيط في مختصر المحيط" في مجلدين. ومنها: "مختصر الفتاوى الظهيرية". ومنها: "منحة السلوك في شرح تحفة الملوك". ومنها: "العلم الهيب في شرح الكلم الطيب" لابن تيمية، وكان الكلم الطيب يقرأ في مجالس الملوك المصرية، لما فيه من الفوائد الجمة، وكان يولي قراءتهما لعالم من أشهر علماء عصرهم خصيصا بذلك. ومنها: "تحفة الملوك في المواعظ والرقائق". ومنها: "زين المجالس"، و"شارح الصدور" في ثماني مجلدات. ومنها: "الحواشي" على كلّ من "الكشاف"، و"تفسير أبي الليث"، و"تفسير البغوي". ومنها: "شرح المنار" في الأصول. ومنها: "طبقات الحنفية". ومنها: "عقد الجمان في تاريخ الزمان"، وهو التاريخ البدري الكبير في خمس وعشرين مجلدة في مكتبة شيخ الإسلام ولي الدين. ويقال: إنه في ستين مجلدا، كما في "مفتاح السعادة". ومنها: "مختصره" في ثمان مجلدات. ومنها: "مختصر مختصره" في ثلاث مجلدات. ومنها: "تاريخ الأكاسرة". ومنها: "السيف المهند في سيرة الملك المؤيد شيخ". ومنها: "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر".

стр. 6810

ومنها: "سيرة الملك الأشرف برسباي". ومنها: "مختصر وفيات الأعيان" لابن خلكان. ومنها: "مختصر تاريخ دمشق الكبير" لابن عساكر. ومنها: "طبقات الشعراء". ومنها: "شرح قصيدة الساوي" في العروض. ومنها: "شرح لامية ابن الحاجب" في العروض. ومنها: "مقدمة في العروض". ومنها: "شرح الشواهد الواقعة" في شروح الألفية في تصنيفين، كبير في مجلدين، وصغير في مجلد، وعليه معول الفضلاء. ومنها: "الحواشى على شرح الألفية" لابن المصنّف. ومنها: "الحواشي على التوضيح". ومنها: "الحواشي على شرح الشافية" للجاربردي. ومنها: "شرح العوامل الجرجانية". ومنها: "شرح مراح الأرواح"، وهو أول تصنيفه، ألفه وهو ابن تسع عشرة سنة. ومنها: "الفوائد على شرح اللباب" للسيد. ومنها: "شرح تسهيل ابن مالك" مطول ومختصر. ومنها: "تذكرة نحوية". ومنها: "مقدمة في التصريف". ومنها: "سير الأنبياء". ومنها: "معجم الشيوخ" في مجلد. ومنها: "النوادر" إلى غير ذلك، مما لم نستحضره الآن. وله تقريظ على "الرد الوافر" لابن ناصر الدين الدمشقي.

стр. 6811

قال السخاوي: تقريظ العيني غاية في الانتصار لابن تيمية، وكان يجلّه اعترافا بسعة علمه وبراعته من غير مشايعة له في شواذّه الأصلية والفرعية، وكذا له تقريظ على "السيرة المؤيدية" لابن ناهض وغير ذلك، وفيما ذكرنا كفاية في معرفة هذا الإمام العظيم معرفة إجمالية. وقد ترجمه أبو المحاسن في "المنهل الصافي"، والسخاوي في "الضوء اللامع"، و"التبر المسبوك"، و"ذيل القضاة"، والشمس محمد بن طولون في "الأربعين"، والكفوي في "كتائب الأخيار"، وتقي الدين التميمي في "طبقاته"، والسيوطي في جملة كتب له، وابن العمادي في "شذرات الذهب" ما بين بسط واختصار، وغيرهم ممن لهم عناية بتراجم الرجال من أهل عصره، ممن بعده من أصحاب المشيخات، والمعاجم والتواريخ ما بين موف وباخس، ورضي الله عن الجميع، وغفر لهم، نفعنا بعلومهم وبركاتهم آمين، والحمد لله أولا وآخرا. قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد" (ص ٢٠٨): هكذا ذكره السيوطى في "حسن المحاضرة"، وذكر نحوه في "البغية"، وزاد من تصانيفه: "طبقات الحنفية"، و"طبقات الشعراء"، و"مختصر تاريخ ابن عساكر"، و"شرح الشواهد" الصغير والكبير، وقال: انتفع في النحو وأصول الفقه والمعاني بالعلامة جبريل بن صالح البغدادي، وأخذ عن الجمال يوسف الملطي، والعلاء السيرامي، وكان إماما عالما علامة عارفا بالعربية، والتصريف، حافظا للغة، سريع الكتابة، عمر مدرسة بقرب الجامع الأزهر، ووقف كتبه بها. انتهى. وفي "المجمع المؤسّس للمعجم المفهرس" للحافظ ابن حجر محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد ابن حسين بن يوسف بن محمود العينتابي الفقيه الحنفي بدر الدين، ذكر لي أنه ولد في نصف رمضان سنة ٧٦٢ هـ بـ"حلب"، قال: وكان أبي قد ولي قضاء "عينتاب"، فنسب إليها، قدم "القاهرة"، سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وأول شيء ولي بها من

стр. 6812

الوظائف التصرف في الظاهرية، وتنقل به الأحوال، حتى ولي الحسبة، وقد سمع من بعض شيوخنا، كالشيخ زين الدين العراقي، والشيخ تقي الدين، وصنف "شرح الطحاوي"، وأفرد رجاله، وشرح "الكنز"، و"المنار"، وله في العروض والتاريخ وغير ذلك، وكان قد شرع في شرح على "البخاري"، وله تاريخ كبير، أجاز باستدعائي ابني محمد. انتهى. وقد طالعت "عمدة القارى شرح صحيح البخاري"، و"البناية شرح الهداية"، ذكر في آخر صنفه حين كان عمره قريب التسعين، و"رمز الحقائق شرح الكنز"، و"منحة السلوك شرح تحفة الملوك"، كلها مفيدة جدا، وله بسط في تخريج الأحاديث، وكشف معانيها، وسعة نظر في الفنون كلها، ولو لم يكن فيه رائحة التعصّب المذهبي لكان أجود، وأجود، ونسبته إلى "عين تاب" بلدة كبيرة حسنة، ولها قلعة حسنة، وهي من "حلب" على ثلاث مراحل، ذكره أحمد بن يوسف الدمشقي في كتابه "أخبار الدول وآثار الأول". * * * * ٥١٤٧ - الشيخ الإمام العالم المحدّث برهان الدين محمود بن أبى الخير أسعد، البلخي، المشهور بالذكاء والفطنة * ذكره العلامة عبد الحى الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: لم يكن في زمانه أعلم منه بالنحو واللغة والفقه والحديث، متوفّرا على علوم الحكمة. تفقّه على الشيخ برهان الدين المرغيناني صاحب "الهداية".

стр. 6813

وأخذ الحديث عن الشيخ حسن بن محمد بن الحيدر الصغاني، صاحب "المشارق". وقدم "الهند"، فاحتفى به الملوك والأمراء. وكان السلطان غياث الدين بلبن يتردّد إليه في كلّ أسبوع بعد صلاة الجمعة، ويحظى بصحبته زمانا، وكان شاعرا مجيد الشعر، ويستمع الغناء، ويقول: لا أسأل يوم القيامة عن كبيرة إلا استماع الغناء بصنج، وكان يقول: إني سافرت مع أبي في صباي حين كنت ابن سبع، فوافيت موكب العلامة برهان الدين المرغيناني في أثناء الطريق، فنظر إلى العلامة، وأمعن في النظر، وقال: سيكون لهذا شأن في العلم، فرافقته، ثم قال: سيكون هذا الصبي رجلًا شهما، يحضر لديه الملوك والأمراء، كما في "فؤاد الفوائد". مات في سنة سبع وثمانين وستمائة، ودفن قريبا من الحوض الشمسي بدار الملك "دهلي"، كما في "خزينة الأصفياء". * * * ٥١٤٨ - الشيخ الفاضل محمود بن أيوب بن عيسى القدسي، المعروف بالقباني * فاضل. من آثاره: "التذكرة المشهورة على الألسنة". توفي سنة ١٠٤٣ هـ. * * *

стр. 6814

٥١٤٩ - الشيخ الفاضل محمود بن بركات بن محمد، الملقّب نور الدين، الباقاني، الدمشقي، الفقيه، الواعظ، المتبحر في الفقه * ذكره العلامة المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: كان كثير الاطلاع، مؤلفًا مجيدًا، حسن التنقيح للعبارات، منقحًا للمسائل. قرأ الفقه على شيخ الإسلام النجم البنهسي، خطيب الأموى بـ"دمشق"، ولازمه مدّة طويلة، وتلمذ له، حتى برع في فنه، وحضر دروس البدر الغزي، وكان متدينًا، ثقة، صحيح الضبط. صنف التصانيف المفيدة، وانتشرت عنه، منها: شرحه على "النقاية"، و"شرحه على ملتقى الأبحر"، و"تكملة لسان الحكام"، و"تكملة البحر الرائق"، واختصر "البحر" في مجلد. وكان يختار في كتبه نقل المسائل الغريبة، وملك كتبًا كثيرة، وكان يتاجر فيها، ويكتسب من ذلك مالًا كثيرًا، ودرس بـ"دمشق" بعدة مدارس. ومات وهو مدرس بالمدرسة القيمرية البرانية، وكان له بقعة تدريس بالجامع الأموي، وكان يعظ بالجامع المذكور بعد صلاة الجمعة، وكانت وفاته في المحرم سنة ثلاث بعد الألف. قال البوريني في "تاريخه": نسبته إلى "باقا" قرية من قرى "نابلس"، وهو ولد بـ"دمشق"، وأظن أن والده قدم من القرية المذكورة، وسكن في محلة "القيمرية" بـ"دمشق".

стр. 6815

قال النجم: وكان والده من المعمرين، أخبر عن نفسه أنه بلغ من العمر مائة وعشرين سنة، وأنه أدرك الحافظ ابن حجر العسقلاني، وبعض مشايخه، ولم يسلم له ذلك العقلاء، ومات في سنة أربع وسبعين وتسعمائة. * * * ٥١٥٠ - الشيخ الفاضل محمود بن أبي بكر بن عبد القاهر، الملقَّب شهاب الدين والد سراج الدين عمر المذكور فيما تقدّم (١) * ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: تفقَّه بـ"دمشق" على الحصيري، وبـ"مصر" على عمّه الإمام زين الدين [محمد ابن] (٢) أبي بكر. وحفظ كتاب "الهداية".

стр. 6816

ودرس بالمدرسة السيوفية مدّة. ومات في شهور سنة ثمانين وستمائة (١)، رحمه الله تعالى. * * * ٥١٥١ - الشيخ الفاضل محمود بن أبي بكر بن أبي العلاء بن على بن أبي العلاء، الكلاباذي، البخاري، الفرضي، أبو العلاء، الملقّب شمس الدين * ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: له المصنّفات الفائقة في الفرائض وغيرها. وكان محدّثا، متقنا (٢)، فاضلًا، حسن الأخلاق.

стр. 6817

سمع بـ"بخاري"، وقدم "بغداد"، فأقام بها يسمع، ويصنّف، ويكتب، ثم رحل إلى "دمشق"، و"القاهرة". وسمع بهما من أصحاب ابن طبرزد الكندي، وحدّث. ووفاته بـ"دمشق" (١) في ربيع الأول في العشر الأول منه بـ"ماردين" سنة سبعمائة. ومولده مستهلّ جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وستمائة. وجمع (٢) له "مشيخة"، يزيد شيوخه على السبعمائة. قال الذهبي: رأس في الفرائض، عارف بالحديث والرجال، جمّ الفضائل، مليح الكتابة، واسع الرحلة، سوّد كتابا كبيرا في مشتبه النسبة، ونقلت منه كثيرا (٣)، وسمع منه الحافظ المزّي (٤)، وابن سيّد الناس، وأبو حيّان، والبرزالي، وعبد الكريم. أخبرنا شيخنا (٥) الإمام العلامة الأستاذ الحجّة أبو حيّان الأندلسي، قال (٦): قدم علينا الشيخ المحدّث أبو العلاء محمود بن أبي بكر البخاري الفَرَضي "القاهرة" في طلب الحديث، وكان رجلًا حسنا، طيّب الأخلاق،

стр. 6818

لطيف المزاج، فكنا نسايره (١) في طلب الحديث، فإذا رأي صورة حسنة، قال هذا صحيح على شرط البخاري، فنظمت هذه الأبيات: بدا كهلال العيد وقت طلوعه … وماس كغصن الخيزران المنعَّم (٢) غزال رخيم الدال وافى مواصلا … موافقة منه على رغم لومي (٣) مليح غريب الحسن أصبح مُعْلَما … بحمرة خدّ بالمحاسن معلِم وقالوا على شرط البخاري قد أتى … فقلت على شرط البخاري ومسلم فقال مولانا أنا البخاري: فمن مسلم؟ فقلت له: أنس البخاري، وأنا مسلم. قال لنا شيخنا أبو حيان (٤): ويشبه هذه الحكاية ما جرى بين الحافظ أبي عمر بن عبد البر (٥) النمري والحافظ أبي محمد على بن أحمد اليزيدي (٦)، كانا يتسايران في سكة الحطّابين من "إشبيلية"، فاستقبلهما غلام وضيء الوجه، فقال أبو محمد: إن هذه لصورة حسنة، فقال أبو عمر: لعلّ ما تحت الثياب ليس هناك، فأنشد أبو محمد ارتجالا: وذي عذل فيمن سباني حسنه … يطيل ملامى في الهوى ويقول أفي حسن وجه لاح لم تر غيرَه … ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل (٧)

стр. 6819

فقلت له أسرفتَ في اللوم عاذلي … وعندي ردّ لو أردت طويل (١) ألم تر أني ظاهري وأنني … على ما بدا حتى يقوم دليل (٢) قلت: على بن أحمد اليزيدي هذا هو الإمام علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، وقريب من هذا ما حكي عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (٣) صاحب "التنبيه" (٤) أنه كان يساير أصحابه، فكان إذا مرَّ بهم غلام وضيء الوجه، لقول بعضهم لبعض: هذا شاهد، يسترون (٥) بذلك عن الشيخ، فعرفوا بعد ذلك أن الشيخ فطن بهم، فانتقلوا عن هذه اللفظة إلى قولهم: هذا حجَّة، فبعد ذلك كانوا في المسايرة مع الشيخ، فرأوا شخصا من بعيد، فظنّوه مليحا، فقال بعضهم لبعض: هذا حجَّة، فلمَّا قرب منهم إذا هو غير مليح، فالتفت الشيخ إليهم، وقال حجَّة داحضة، فقبَّلوا يده. قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد" (ص ٢١١): طالعتُ "ضوء السراج"، وهو كتاب نفيس مشتمل على ذكر المذاهب المختلفة في المسائل، مع أدلتها، يدلّ على تبحّر مؤلفه في الفن، وله مختصر، مسمَّى بـ"المنهاج"، طالعته، وأرّخ الذهبي ولادته سنة ٦٤٤ هـ، حيث قال في "المعجم المختص": محمود بن أبي بكر بن أبي العلاء بن على الإمام المحدّث المتقن الفرضى البارع الفقيه الصالح أبو العلاء الكَلَاباذي البخاري الحنفي، ولد سنة أربع وأربعين وستمائة بمحلة "كلَاباذ"، وسمع

стр. 6820

بـ"بخارى" من جماعة، وبـ"بغداد"، وبـ"دمشق"، وبـ"مصر"، وعمل مسودة المعجم، وكتب كثيرًا من عواليه بخطّ حلو متقن، وتخرج به جماعة في الفرائض، مات بـ"ماردين" سنة سبعمائة. انتهى. وفي "مشتبه النسبة" للذهبي عند ذكر الفرضي، والحافظ أبو العلاء محمود بن أبي بكر الكلاباذي البخاري الفرضي إمام مصنف رأس في الفرائض، عارف بالحديث والرجال، جم الفضائل، مليح الكتابة، واسع الرحلة. مات سنة ٧٠٠ هـ بـ"ماردين"، سوّد كتابا كبيرًا في "مشتبه النسبة"، ونقلت عنه كثيرًا. انتهى. وفي "مرآة الجنان" في حوادث سنة ٧٠٠ هـ، فيها توفي أبو العلاء محمود بن أبي بكر البخاري الصوفي الحافظ، كان إماما في الفرائض، له فيها حلقة اشتغال، سمع الكثير بـ"خراسان"، و"العراق"، و"الشام"، و"مصر"، كتب الكثير، وراح مع التنار من خوف الغلاء، فأقام بـ"ماردين" أشهرا إلى أن أدركه أجله. انتهى. وفي "طبقات القارئ" قال أبو حيان الأندلسي: قدم علينا الشيخ المحدّث أبو العلاء محمود البخاري الفرضي بـ"القاهرة" في طلب الحديث، وكان رجلًا حسنا، طيّب الأخلاق. لطيف المزاح. * * * * ٥١٥٢ - الشيخ الفاضل محمود بن حسام الدين الأماسي، النقشبندي * صوفي. من آثاره: "الضوء الشامخ في التصوف". توفي سنة ٩٣٩ هـ. * * *

стр. 6821

٥١٥٣ - الشيخ الفاضل محمود بن الحسن القسطنطيني، الرومي، الشهير بالنيشي، أبو الصلاح * فلكي. أخذ عن الجبرتي، وعين موقتا بجامع السليمانية. من تصانيفه: "حركات الكواكب الثابتة"، و"رسالة في رسم الكرة"، و"رسالة في استخراج قاعدة الكسوف"، و"قاعدة في وضع جدول اختلاف النظر"، و"المحمودية في العمل بالدستورية في ربع الدائرة". * * * ٥١٥٤ - الشيخ الفاضل محمود بن حسن المغنيساوي، الرومي * * منطقي. من تصانيفه: "مغني الطلاب" في شرح إيساغوجي في المنطق، و"شرح السلم المرونق" في المنطق. توفي سنة ١٢٢٢ هـ. * * *

стр. 6822

٥١٥٥ - الشيخ الفاضل محمود بن الحُسين بن محمود أبو القاسم، المنعوت بالركن البخاري فقيه عالم بالخلاف والأصلين وعلم البديع (١) والشعر * مولده بـ"بخاري" سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. وتوفي بـ"دمشق" ليلة الأحد سادس رمضان سنة خمسين وستمائة، رحمه الله تعالى. * * * ٥١٥٦ - الشيخ الفاضل محمود بن خليل الموستاري، الرومي * *

стр. 6823

فقيه، بياني، نحوي، عروضي. ولد في بلدة "موستار"، ورحل إلى "القسطنطينية"، وعين قاضيا بـ"حلب"، وتوفي بها سنة ١٠٩٩ هـ. من تصانيفه: "الفهم الألمعي في شرح عروض الأندلسي"، و"شرح البديعية" لابن جابر، و"حاشية على شرح الجامي" على كافية ابن الحاجب في النحو. * * * ٥١٥٧ - الشيخ الفاضل محمود بن الخياط المناستري، الرومي * من القضاة. توفي بـ"مكة" سنة ١٠٢٦ هـ. من آثاره: "رسالة في التفسير"، و"فضائل الجهاد". * * * ٥١٥٨ - الشيخ الفاضل محمود بن الدِّهلوي، الملقّب سعد الدين * *

стр. 6824

ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال شرح "المنار" في أصول الفقه لحافظ الدين بكتاب، سماه "إفاضة الأنوار في إضاءة أصول المنار". * * * ٥١٥٩ - الشيخ الفاضل محمود بن زيد اللامشي *

стр. 6825

ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: له مقدمة في أصول الفقه، رأيتها نحوا من أربعين ورقة، رحمه الله تعالى. * * * ٥١٦٠ - الإمام العادل المظفّر يمين الدولة محمود بن سبكتغين الغازي الغزنوي السلطان المشهور * ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: ولد ليلة عاشوراء سنة سبع وخمسين وثلاثمائة من إحدى بنات الزابلية، ونشأ في نعمة

стр. 6826

والده، وشاركه في الغزوات، وفتح الفتوحات العظيمة، فولّاه والده على "نيسابور"، ولقّبه الأمير نوح بن منصور الساماني بـ"سيف الدولة". وكان بـ"نيسابور" إذ مات والده سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فقام بالأمر بعده ولده إسماعيل بوصية من أبيه، واجتمعت عليه الكلمة، وغمرهم بإنفاق الأموال فيهم. فلما بلغ محمودا نعي أبيه كتب إلى إسماعيل، ولاطفَه في القول، وقال له: إن أبي لم يستخلفك دوني، إلا لكونك كنت عنده، وأنا كنت بعيدا عنه، ولو أوقف الأمر على حضوري لفاتت مقاصده. ومن المصلحة أن نتقاسم الأموال بالميراث، فتكون أنت مكانك بـ"غزنة"، وأنا بـ"خراسان"، وندبّر الأمور، ونتفق على المصالح، فلا يطمع فينا عدوّ، فأبى إسماعيل موافقته على ذلك، فخرج محمود إلى "هرات"، وجدده مكاتبة أخيه، وهو لا يزداد إلا اعتياصا، فقصده بـ"غزنة"، ونازلها في جيش عظيم، وحاصرها، واشتدّ القتال عليها، ففتحها، ونزل إسماعيل في حكم أمانه، وتسلم منه مفاتيح الخزائن، ورتّب في "غزنة" النواب والأكفاء، وانحدر إلى "بلخ". وكان في بعض بلاد "خراسان" نواب لصاحب "ما وراء النهر" من ملوك بنى سامان، فجرت بين محمود وبينهم حروب، انتصر فيها عليهم، وملك بلاد "خراسان"، وانقطعت الدولة السامانية منها سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، واستتب له الملك، وسير له الإمام القادر بالله خلعة السلطنة، ولقبه بـ"أمين الملة" وبـ"يمين الدولة"، وسار إلى "سجستان"، وصاحبها خلف بن أحمد، سير ولده طاهرا إلى "قهستان"، فملكها. ثم إلى "بوشنج"، فملكها، فسار نحو خلف بن أحمد، فتحصن بحصن "اصبهند"، فضيق عليه، فخضع خلف، وبذل أموالا جليلة لينفس عن خناقه، فأجابه محمود إلى ذلك.

стр. 6827

وأحبّ أن يغزو "الهند" غزوة، تكون كفارة لما كان منه من قتال المسلمين في عنانه نحو "الهند" سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، فنزل على مدينة "بيشاور"، وقاتل جي بال وأسره، وغنم أموالا جليلة وجواهر نفيسة. ثم سار نحو "يهند"، فأقام عليها محاصرا لها، حتى فتحها قهرا، وسير طائفة من عسكره إلى جماعة من "الهند"، اجتمعوا بشعاب تلك الجبال، فأوقعوا بهم، وأكثروا القتل فيهم، ولم ينج منهم إلا الشريد الفريد. ثم غزا بـ"هاطية"، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، وأخذ الأموال، واستخلف بها من يعلم من أسلم من أهلها سنة خمس وتسعين. ثم غزا "الملتان"، وقصد صاحبها أبا الفتح داود بن نصير بن حميد القرمطي الذي نقل عنه خبث اعتقاده، فسار نحوه سنة ست وتسعين، وأرسل إلى "آنندبال" يطلب إليه أن يأذن له في العبور ببلاده إلى "الملتان"، فلم يجبه إلى ذلك، فابتدأ به، ودخل في بلاده، وجاسها، وأكثر القتل فيها، ففرّ أنندبال إلى "كشمير"، فسار محمود نحو "الملتان"، فنازلها، وقاتل أهلها، حتى افتتحها عنوة. وصالح أبا الفتح على أن يبعث إليه كلّ سنة عشرين ألف دينار، فرجع إلى "غزنة"، وسار نحو "الهند" سنة سبع وتسعين نحو سكهه بال، الذي ارتدّ عن الإسلام، فسار إليه مجدا، فحين قاربه فر الهندي من بين يديه، واستعاد محمود ولايته، وأعادها إلى حكم الإسلام، ورجع. ثم استعدّ لغزوة آخرى سنة ثمان وتسعين، فسار نحو "الهند"، ووصل إلى "نغركوت" وملكها، وأخذ من الجواهر النفيسة ومن أواني الذهب والفضة والدراهم والدنانير ما لا يحد. وسار نحو "الهند" سنة أربعمائة عازما على غزوها، فسار إليها، واخترقها، واستباحها، ولما رأى ملك "الهند" أنه لا قوة له به راسله في الصلح

стр. 6828

والهدنة على مال يؤديه، فصالحه، ثم سار إلى "الهند" سنة أربع وأربعمائة، وقاتل الهنود أشد قتال، وغنم ما معهم من مال وفيلة وسلاح وغير ذلك، وسار إلى "الهند" سنة خمس وأربعمائة، وقصد "تهانيسر"، فهدم الكنائس، وكسر الأصنام، وأخذ الجواهر النفيسة والذهب والفضة وغيرها من الأموال الطائلة، وكذلك سار إلى "كشمير" سنة ست وأربعمائة، وحاصر قلعة لوه كوت، واضطرّ الناس ممن يلازمه من البرد والثلج إلى ترك المحاصرة، فرجع إلى "غزنة"، ثم سار سنة سبع وأربعمائة، ووصل إلى "قنوج"، وفتح ما حولها من الولايات الفسيحة، وبلغ إلى حصن "قنوج"، وكان حصينا منيعا، لا يكاد أن يفتح، ولكن الله ألقى الرعب في قلب صاحبها، فصالحته، ثم سار إلى "ميرته"، وملكها، ثم فتح "مهاون"، وفتح "متهرا" مولد كرشن، وهدم الكنائس، وكسر الأصنام، وأخذ الأموال الجليلة، وكذلك فتح قلاعا كثيرة. وفي سنة تسع وأربعمائة احتشد، وجمع أكثر مما تقدم، وقصد "كالنجر"، وسلك مضائقها، وفتح مغالقها، وعبر نهر كنك، وجاس البلاد، وغنم الأموال، وأكثر القتل في الهنود والأسر، وفي سنة أربع عشرة وأربعمائة قصد "كالنجر"، وفتح قلعة "كواليار"، وفتح "كالنجر" على مال يؤديه صاحبها. وفي سنة ست عشرة وأربعمائة قصد "الهند"، وسار إلى "سومنات"، وكانت بلدة كبيرة على ساحل البحر، فافتتحها عنوة، وكسر الصنم المعروف "سومنات"، وأحرق بعضه، وأخذ بعضه معه إلى "غزنة"، فجعله عتبة الجامع، وكان عنده سلسلة ذهب، فيها جرس، وزنها مائتا من، وعنده خزانة فيها عدة من الأصنام الذهبية والفضة، وقيمة ما في البيوت تزيد على عشرين ألف ألف دينار، فأخذ الجميع، ورجع إلى "غزنة" سنة سبع عشرة

стр. 6829

وأربعمائة، وكتب إلى الديوان العزيز بـ"بغداد" كتابا، يذكر فيه ما فتح الله على يديه من بلاد "الهند"، فلقبه الإمام القادر بالله العباسى بـ"كهف الدولة والإسلام". وقد جمع سيرته أبو النصر محمد بن عبد الجبار العتبي الفاضل في كتابه المشهور بـ"تاريخ اليميني"، وذكر تاج الدين السبكي في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى"، وأطال الكلام في مناقبه، وقال: إنه كان حنفيا، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي في قصة صلاة القفّال، وذكر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني في كتابه "مغيث الخلق في اختيار الأحق" قصة صلاة القفّال بحضوره، وهي مشهورة، لا نطول الكلام بذكرها. وذكر القاضي أحمد بن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" ترجمته، فأجاد فيها، وذكر ابن الأثير في "الكامل" غزواته وفتوحاته مفصّلا، وأبو الفداء في تاريخه بالإجمال، وذكر خلق آخرون في كتبهم، وإني ذكرت شيئًا واسعا من فتوحاته وغزواته في "جنة المشرق". وللسلطان مصنّفات، منها: "التفريد في الفروع" على مذهب أبي حنيفة، ذكره صاحب "كشف الظنون"، ونقل عن الإمام مسعود بن شيبة أن السلطان المذكور كان من أعيان الفقهاء، وكتابه هذا مشهور في بلاد "غزنة"، وهو في غاية الجودة، وكثرة المسائل، ولعله نحو ستين ألف مسئلة - انتهى. وكان عاقلا ديّنا خيرا، عنده علم ومعرفة، وصنّف له العُلماء كثيرًا من الكتب في فنون العلم، وقصده أهل العلم من أقطار البلاد، وكان يكرمها، ويقبل عليهم، ويعظمهم، ويحسن إليهم، وكان عادلا، كثير الإحسان إلى رعيته والرفق بهم، كثير المعروف، كثير الغزوات، ملازما للجهاد، وفتوحه مشهورة، وفيه ما يستدل على بذل نفسه لله تعالى واهتمامه بالجهاد، ولم يكن فيه ما يعاب إلا أنه كان يتوصل إلى أخذ

стр. 6830

الأموال بكل طريق، وكان جدد عمارة المشهد بـ"طوس"، الذي في قبر علي بن موسى والرشيد، وأحسن عمارته، وكان أبوه سبكتغين خربه، وكان أهل "طوس" يؤذون من يزوره، فمنعهم عن ذلك. وكان ربعة، مليح اللون، حسن الوجه، وصغير العينين، أحمر الشعر، وكان مرضه سوء مزاج وإسهال، وبقى كذلك سنتين، وكان قوي النفس، لم يضع جنبه في مرضه، بل كان يستند إلى مخدة، فأشار عليه الأطباء بالراحة، وكان يجلس للناس بكرة وعشية، فقال: أتريدون أن أعتزل الإمارة؟ فلم يزل كذلك حتى توفي إلى رحمة الله سبحانه قاعدا، وكان ذلك في الحادي عشر من صفر، وقيل: ربيع الثاني، سنة إحدى وعشرين وأربعمائة بـ"غزنة"، كما في "الكامل". * * * ٥١٦١ - الشيخ الفاضل محمود بن أبي سعيد زنكى بن آقسُنْقُر التركى الملك العادل أبو القاسم نور الدين * ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: مولده سنة إحدى عشرة وخمسمائة. قال ابن الأثير في "تاريخه": كان عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، وليس عنده (١) تعصّب. وقال ابن الجوزي: كان حنفيا، ويراعى مذهب الشافعي ومالك.
следующие страницы →