بلغ السيل الزبى والشوط الانتها، فنهجه قويم، إلا أن مشيه غير مستقيم، يخطر مثل السرطان، إن شاء ألف بين الأنس والجان، عارف بأنواع المدح والهجاء وبمواقع معارك الهيجاء علي المقدار حديد شبا المنقار، يجمع بين الضدين، بل بين الأمرين المختلفين، تطيعه كل ملة، ويفرق بين المعلول والعلة، فأما الملة اليهودية فهو حبرها في تفصيل قضاياها، والمرجع إليه في نسخ أحكامها ومزاياها، وأما المسيحية فله فيها الباع الطويل، وهو المعين على ما فيها من التغيير والتبديل.
وأما المحمدية، فعنها يترجم، وعلى مواردها يدلّ، ويعلم ضئيل الجسم عالي النفس، يروي حديث العشق عن أنس، يحصي حسنات الأنام ومساويهم، ويحتاج إلى عبيدهم ومواليهم، تراه قيمًا غير ذي عوج، مستكنًا غير ذى هوج، يعلم الناس السحر، ويظهر عجائبه في البر والبحر، ليس له حاسة بصيرة ولا ذوقية ولا سمعية، أوله مثل آخره، وآخره مثل أوله، تتهاداه الركبان من مكان إلى مكان، يطأ النواعم، وهو على رأسه قائم، يحفظ من النسيان، ويخبر عما يكون، وكان إن قلم ظفره نشبه، وإذا انتسب أوصل إلى أول الخلق نسبه، يضرب أسداسًا بأخماس، وأخماسًا بأسداس، فيجعل الثلاثة مئين والمئين آلافًا، بل يضاعفها إلى ما فوق ذلك أضعافًا، أجرأ من ليث، مع أن الشعرة لا تدعه، يذهب إلى حيث خدم وخدم، حتى صار أشهر من نار على علم، يجمع ما بين المشرقين في خطوة، وله في قيد كل شبر كبوة.
ومن العجب: أنه ينطق بالضاد على بكمه، ويمد المدود بفمه، فإذا ذوى عوده وافت سعوده، وإذا عب أتى بما أحب، وإذا خاض للبحر لجه أقام أقوى دليل وأقوم حجه، فيجعل الحديث الضعيف مسلسلًا، والمطلق مقيدًا، والعجز صدرًا، والكامل شطرًا، والمفهوم محسوسًا، والرئيس مرؤوسًا، وله أطوار، منها: اللبيب يحار منها ما عنه اشتهر في البدر والحضر، أنه يدع الصافي، ويكرع الكدر، ومنها: أن له النهي والأمر، مع أنه لم يزل في قبضة
стр. 7107
الأسر والقهر، ومنها: أنه كسيح إلا أنه يسعى سعي الصحيح، ومنها أنه شديد البطش، آثاره في الأرض ولدى العرش على أنه شخط لفلقة، لا يحتمل على رأسه دقة.
ورب امرئ تزدريه العيون … ويأتيك بالأمر من فصه
ومنها: أنه رفيع المقام، إلا أنه مبتذل بين الخاص والعام، ومنها: أنه مؤنث مذكر، إذا المرء في حاله تفكر، ومنها: أنه يريض نفسه في مرضاة الكبير والصغير، وتحامى مسه البشير النذير، ومنها: أنه زاهد في ذوات الذوائب، راغب في الفحول الأجانب.
ومنها: أنه إذا شق العصا أطاع ربه، وما عصى قروي الربع، مدني الطبع، يألف مجاني الربا في إبان شبابه، حتى يرى أكلها متشابهًا وغير متشابه، فإذا غنى العندليب وصفق النهر يرقص في الحلل النضرة لدى الزهر، فهو في كل معنى يهيم، ولا شكّ أنه من أصحاب الرقيم، أخذ النقشبندية عن الأساتذة، وأتقن أحكام الأحكام عن الجهابذة، فإذا تخيل الرسوم بكى، ولا يجديه كثرة البكا حركته قسرية إما مسلسلة، وإما دورية كشّاف الحقائق منقح الدقائق، يضرب يمينًا وشمالًا، فيحرم حرامًا، ويحل حلالًا، حتى إذا بلغ نهاية خط الاستواء، قال: فألقت عصاها، واستقر بها النوى، فهو قائم على كل نفس بما كسبت إن سكنت أو اضطربت، يختبط الظلماء، حتى إذا نقع الظما اضطر إلى الماء، فإذا نسبوه لمذهب الأشعري، وجم، وصد عن التحديث، وألجم، ثم اعتزى إلى المشَّائين، وطورًا إلى الرياضيين، وأخرى للصوريين، يثبت المنزلة بين المنزلتين، ويقول بالرؤيا بالعين، وهو للتناسخ سبب، ولا عجب، ويقر بالتجسيم، ويذهب إلى زخرف الحكيم، ويقول: العالم قديم، مع أنه ينطق بحدوث الصفات، وإعادة الرسوم الدراسات، وينتسب إلى النظامية، إذ يقولون: إن الأعراض جسوم، وهو يعتقد أنها أشياء
стр. 7108
في حالها تقوم، فآثاره في الطور، وعليها الفلك يدور، له خادمان، لا يخلو منهما إنسان جامد، واجب الاشتقاق، صعب مر المذاق، خبير، بطي الدفاتر على رأسه تدور الدوائر، يحل الرموز، ويستخرج ما في الكنوز، وهو ممن يحرفون الكلم عن مواضعه، ويشار إليه بالبنان في تواضعه، إذا نقص اكتمل، وإذا جير عليه اعتدل، وإذا تكلم جمع بين الأروى والنعام، أو سكت احترم المشعر الحرام، ماهر بالتحرير، جدلي بالتقرير، لم يزل الحديد قائمًا على رأسه، حتى يقده إلى أضراسه، فينشط من عقده، وقد أثر الحديد في جسده، يطرف في المنادمة، ويبيح بالمنى دمه رشحاتها، تتلقاها الصدور، وتقيدها في رق منشور، يتصفح من الأوراق بطونها، ويملي عن قلبه شروحها ومتونها ومعربها وملحونها، فإذا اخترع أبدع، وإن هز عامله، رصع، ووشع، وإذا أخذ في التحديث فمن البحر اغترافه، وحازت قصب السبق أوصافه، فهو طبيب مغرم بالتركيب، إلا أنه تارة يخطي، وطورًا يصيب، فإذا رفعته الأيدي حملته ما لا يطيق، وإن وضعته زجته في مسالك الضيق كله سواء في الخلقة مفرد الرقة، تتفجر من قلبه ينابيع الحكمة، فيعرف من أراده حده ورسمه، إن شاء أسهب، وأطنب، وإن شاء اقتصر، واختصر، يمشي على استحياء ميت بين الأحياء، فإذا أنشأ أحكم الإنشاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فعلم الحرف يؤخذ منه، والتصرف فيه يروى عنه، وعلم الكاف ألقى إليه بالمقاليد، وصيره من جملة العبيد، فإذا بالسواد تعمم، وأخذ يتكلم نسج حبرًا، وجرى في كل فن بما جرى، ورد المشيب شبابًا، وخلد المحاسن أحقابًا، وجاد بكف سائل، لا تنقطع منه الرسائل:
فلو لم يكن في كفه غير نفسه … لجاد بها فليتق الله سائله
وله في كل مقام مقال، وفي كل مقال مقام، لم يدع فكرة إلا نقدها، أو انتقدها، أو اعتقدها، وربما طلب منه المراد فعثر، ويقل ذلك منه، بل يكثر
стр. 7109
يزين الصفحات الغرر كما تزين الحياة بالطرر والعيون بالحور والخدود بالعذار الأخضر، وله عين صادية، وريقة مسكية، وذابل عامل، وعامل ذابل، تلقاه إن بان عذاره، بدت أعذاره، يحجل بالأدهم، فيريك انسلال الأرقم، فإذا استقبل مهب الهوى، أقلع عما إليه هوى، وإذا ضرب على قرنه، ومات أحيا العظام الرفات، يتولى تقاليد الملوك، مع أنه فقير صعلوك، ويطبع الأشكال على منوال وغير منوال، لم يزل من تكليم موسى على وجل، ومن إلقاء الواحد في خجل.
وله المنشآت المشحونة بالبدائع، التي ذكرها شائع ذائع، فلو أقسم أنه من القرآن لما حنث في الأيمان، فإذا اشتدّ القر وتجهم وجه العبد والحر، وأنشد:
أصبح البرد شديدًا فاعلمي … بات زيد ساهرًا لم ينم
تحامى عن اللمس، أو أن يشار إليه بالأنامل الخمس، مع سلبه الاختيار، ما دام الفلك الدوّار، فطالما قال وهو يقدم رجلًا، ويؤخر أخرى، أما وأسطار سطرن سطرًا أنف في الماء، واست في السماء، إذا تذكرته أقبل عليك، وقبل بالخضوع راحتيك، وإذا أغضيت عنه قلاك، ونسي ما هناك، وادعى العجز عن النهوض عن القيام بالسنن والفروض، يقبل الرشوى، وليس هو من أمة الدعوى، إذا سرى دبّ دبيب الكرى، ربته الأيدي، حتى مهر، وأتى بما به بهر، فأصمت به مواقع أغراضها، وذبت بشباته عن أعراضها، فإذا ارتفع انتصب، وإذا انتصب ارتفع، وإذا طال وصف القلم، والله بذلك أعلم، وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وللمترجم في الهجو:
يا ابن الذي في قعره علل … وأمه للأنام تفتعل
وفيك حقًا يضرب المثل … أبوك ثوم وأمك البصل
стр. 7110
وكان أحد تجار "دمشق"، ويعرف بابن شحاده، وعد المترجم بشيء من العود، ثم ماطله به، فأرسل للمترجم بعض أصحابه شيئًا من العود، وكان المرسل سعيدًا، فنظم هذين البيتين مبكتًا على ابن شحاده، وهما قوله:
وعود قد وعدنا فيه ممن … يخالف وعده والخلف عاده
فعوّضنا بعود من سعيد … غنينا فيه عن عود الشحاده
وله غير ذلك أشياء كثيرة، وكانت وفاته بـ "قسطنطينية" في صفر، سنة تسع وسبعين ومائة وألف، وأكبر أولاده محمد جاد الله كان بـ "دمشق" أحد المدرسين بها، وكان ذا عفة وحياء وسكون، وخصاله التى كان منطويًا عليها، لم تكن في أبيه، وتوفي بـ "دمشق" في سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، ومن الاتفاق: أن والده ولد بـ "دمشق"، وتوفي بـ "قسطنطينية"، وهو ولد بـ "قسطنطينية"، وتوفي بـ "دمشق"، رحمهما الله تعالى.
* * *
٥٣٨٣ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد بن محمد بن جعفر الحسيني، الأدهمي، البغدادي، الشهير بالواعظ (نور الدين) *
فقيه، أصولي، متكلم، مفسر، مؤرخ.
стр. 7111
ولد بـ "بغداد" سنة ١٢٦٣ هـ، وتقلب في مناصب متعددة، منها: الإفتاء بالحلة وبالديوانية، وانتخب نائبا عن "بغداد" في المجلس النيابي العثماني، وتوفي بـ "بغداد" سنة ١٣٣١ هـ.
من مؤلفاته الكثيرة: "الإرشاد لمن أنكر المبدأ والنبوة والمعاد"، و"بلوغ النيل في الكلام على آية وأتموا الصيام إلى الليل"، و"الدر النضيد في أحكام الاجتهاد والتقليد"، و"الروض الأزهر في تراجم آل السيد جعفر"، و"زهر الربا في حرمة الربا".
* * *
٥٣٨٤ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد بن يونس الطائي *
فقيه مشارك في بعض العلوم.
ولد بـ "مصر" سنة ١١٣٨ هـ.
من آثاره: "توفيق الرحمن بشرح كنز دقائق البيان" في فروع الفقه الحنفي في مجلدين، و"حاشية على الأشموني"، و"شرح الشمائل"، و"مختصر توفيق الرحمن بشرح دقائق البيان".
توفي سنة ١١٩٢ هـ.
* * *
стр. 7112
٥٣٨٥ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد *
فقيه.
من آثاره: "جامع النقول ولامع العقول" في فروع الفقه الحنفي، فرغ من تأليفه في ذي الحجة سنة ١٠٦٨ هـ.
كان حيا ١٠٦٨ هـ.
* * *
٥٣٨٦ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد الألبستاني، الرومي، الملقب بكامل، والمعروف بابن يمليخا * *
عالم، أديب، ناظم.
من آثاره: "ألفية" في الأصول، و"تخميس الهمزية"، و"تعليقات على نخبة الفكر"، و"شرح عروض الأندلسي"، و"المنظومة العلية في الأخبار النبوية" في الحديث.
توفي سنة ١٢٩٤ هـ.
* * *
стр. 7113
٥٣٨٧ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد، المعروف بابن بيري، الحلبي، البتروني *
ذكره العلامة المرادي في "سلك الدرر"، وقال: تقدّم ذكر أخيه عبد الرحمن، وهذا هو الأديب، الذي سقى رياض الطروس بمياه براعته، فأنبتت في الصحائف أزهار البلاغة والفصاحة، واشتهر بالأدب النفيس، قدم "دمشق" مرارًا، وخالط أدبائها وأفاضلها، واشتهر بينهم، وكان وحيد أقرانه في زمانه.
وترجمه السيّد الأمين المحبي في "ذيل نفحته"، وقال في وصفه: ماجد امتطى بأخمصه فرق الفرقد، واتخذ الصهلة والصهوة، أنعم المنعم، وأفعم المرقد، رقي من الفضل أسى المراقي، وأترع دلوه من السؤدد إلى العراقي، فخبره، قد أخذ من الكمال بالمجامع، ومخبره تفتر منه ثغور الأماني في وجوه المطامع، وبيني وبين أبيه في "قسطنطينية"، وأنا وإياه عقيدًا وداد في بلهنية هنية ذمم لا ترفض، وعصم لا تنقض، فعهده نقش على صخر، ووده نسب ملآن من فخر.
وأما كماله فقد تجاوز حدّه منه ما تم لم فإصابته عين فيما أم له، فأخطأه ما أمله، فلئن أصلته الأيام بنار نوائبها، ونفرت عن يده الطولى بذوائبها، فلولا السبك ما عرف للتبر صرف، ولولا النار ما عرف للعود عرف، وولده هذا أرجو له حظًا وافيًا، وعمرًا يكون ما بقي من الكدر صافيًا، فهو للمعالي ملء نواظرها، وللأماني مطمح مناظرها، وللدهر فيه عداة إنجازها مضمون وآخرها، كأولاها من شوائب الزمان مأمون، وقد ذكرت له ما
стр. 7114
تستجليه بكرًا، وتصقل به روية وفكرًا، انتهى مقاله فيه وفي أبيه، ومن شعره قوله، وكتبها إلى الشيخ سعدي العمري الدمشقي، وهي:
أفاتن بالألحاظ أهل الهوى فتكًا … فقد صال في العشاق صارمها فتكا
وكف سهام اللحظ عن مهجتي فقد … هتكت حجاب الصبر عن صدرها هتكا
تركت بقلبي لاعجًا وسلبتني … هجوعي فهلا تحسن السلب والتركا
هواك لقد أجرى دموعي صبابة … وصدّك نيران الجفا في الحشا أذكى
رويدك يا من بالهوى قد أذابني … وأنهك جسماني بتبريحه نهكا
ومذ همت لما شمت بارق ثغره … لدرّ غدا الياقوت في نظمه سلكا
أسرّ الهوى خوف الوشاة ومقلتي … بدرّ ثنايا الدمع تفضحه ضحكا
وفي هتك سرّ العاشقين شواهد … ولكنّ فيض الدمع أكثرهم هتكا
وكان مجال الصبر متسع الحمى … بحلبة صدري فانثنى ضيقًا ضنكا
وشاركني كل الأنام بحبه … وتوحيده في القلب لا يقبل الشركا
وقد زان ورد الخدّ في روض حسنه … بنقطة خال قد حكى عرفه المسكا
من الترك يسطو في القلوب بلحظه … فلا تسألوا عن حال من يعشق التركا
رأى غرب جفني سافكًا بمدامع … تبارى الحيا المدرار فاستوقف النسكا
تملك قلبًا من تجنيه قد عفا … فما ضرّه بالوصل لو عمر الملكا
ولما جلا لي وجهه بعد بعده … وطور اصطباري عن محاسنه دكا
سبكت بنار العتب فضة خدّه … فأذهب أكسير الحيا ذلك السبكا
فيا مالكًا لم أدّخر عنه مهجتي … أجبني فدتك النفس لم سمتها الهلكا
وإني ألفت الذل فيك وطالما … بعزة نفسي كنت أستصغر الملكا
متى تجل عني ظلمة الصدّ علها … بصبح وصال تستنير به وشكا
هناك ترى قدحي من الحظ عاليًا … وسعدي في أفق العلي جاوز الفلكا
همام غدا في ذروة المجد ضاربًا … له خيم العلياء من رفع السمكا
ومدّ رواقًا للكمالات فوقه … وصاغ لها من درّ أوصافه حبكا
стр. 7115
تبوّأ من بحبوحة الفضل رتبة … بغير سناها نير الفضل لن يركا
إذا رمت تلقى المجد شخصًا ممثلًا … فشمه تراه لأمراء ولا شكا
تودّ الدراري عند بث صفاته … تطاولها فخرًا وتلزمه سدكا
متى خطبته المكرمات لنفسها … وفي فض ختم المجد قد أحرز الصكا
فلم يحكه مذ شبّ في الفضل فاضل … ولكنه عن حسن آدابه استحكى
وضوّع عرف الفضل منه بجلق … فيا فضل ما أنمى ويا عرف ما أزكى
ونظم أشتات المعالي إصابة … بعامل فكر قد أبى الطعنة السلكا
وأصبح في روض البديع مغردًا … بأفنان أفنان تعز بأن تحكى
من العمريين الأولى شاع ذكرهم … وقام مقام الفضل في الليلة الحلكا
فمن ذا يجاريه بفضل وسؤدد … وآدابه تلك التي بهرت تلكا
فما الروض غب القطر حرّكه الصبا … قدودًا أزهت من قضب باناته فركا
وسوط المثاني والمثالث قد غدا … يرجع الصدا يستنطق العود والجنكا
وترجيع عتب من محب بدت له … بروق الرضا ممن يعاتب فاستشكى
ودادك في قلبي لقد ضاع عرفه … بمدحك لما جال في القلب واحتكا
فخذ بكر فكر غادة قد زففتها … تجرّ حياء ذيل تقصيرها منكا
ودم وابق واسلم ما بكى من شجونه … أخو لوعة في رسم دار أو استبكى
فأجابه بقوله:
أتت والدراري الزهر تعترض الفلكا … وطوق الثريا كاد أن يقطع السلكا
وقد مدّ جيش الفجر بيض نصوله … ليوسع أطراف الظلام به فتكا
وجنح الدجى قد ضم فضل سواده … مخافة أن تغشى طلائعه وشكا
سوى ما توارى منه في مقل الظبا … وفي طرر الأصداغ واللمم الحلكى
وقد تلت الأنوار آية محوه … على مسمع الأزهار فابتدرت ضحكا
وغنت على الأغصان ورق حمائم … غناء غريض حرّك العود والجنكا
فتاة حذار الناظرين تلفعت … بمنسوج درّ أحكمت نسجه حبكا
стр. 7116
يكاد إذا استعرضت باهر حسنها … على مقل الأفكار أعجزها دركا
من العربيات التي من خبائها … تعير حجاب الشمس إن برزت هتكا
ويكسو أثيث الليل فاحم شعرها … إذا هي أبدت عن ذوائبها سدكا
وتبدو دنانير الحيا إن تصوّرت … بصفحة خدّيها وقد بهرت سبكا
سوى أن صحن الخدّ مذرق ماؤه … يد الحسن ألقت في قرارته مسكا
كحيلة أطراف الجفون لحاظها … تصول بأمثال القواضب أو أنكى
سلوا إن جهلتم قدّها بانة اللوا … وعن فعل عينيها سلوا المهج الهلكى
فلا قلب إلا وهو فيها معلق … ولا جسم إلا وهى تنهكه نهكا
أتتني وعندي من شواغل حبها … فصول هوى أجرت سحاب البكا سفكا
فقمت لها والعين سكرى بمائها … سرورًا وقد أوجست من وصلها شكا
فقلت فدتك الروح هل من إباحة … لكشف نقاب عن مقبلك الأذكى
فقالت إذا آنست من كوكب العلا … بروق الرضى أحرزت من ختمه الملكا
أخي الشيم الغرّ اللواتي عيونها … تروق كزهر الروض تفركه فركا
عذيق ثنيات العلا وجذليها الـ … محكك إن باراه قرن أو احتكا
صقيل حسام العزم أروع باسل … إذا اعتركت خيل المنون بنا عركا
هززت قناة الفضل منه بماجد … وأوسعت صدر المشكلات به شكا
بليغ إذا ما المادحون تناوبوا … فسيح القوافي ينتحي المسلك الضنكا
متى اقتحمت آياته كل بارع … تفك عقود القول أفهامه فكا
فكم قلدت سمعًا كم أسكرت نهى … وكم زينت طرسًا وكم توجت صكا
فللّه منه لوذعي تقاصرت … سهام الأماني عن مبالغة دركا
وكنت أزكى النفس حتى رأيته … فكبرت أجلاه وقد خاب من زكى
فأنى لأهل الفضل إنكار فضله … وقد شحنت من درّ آدابه فلكا
فما الروضة الغناء باكرها الحيا … ومدّ رواق السحب من فوقها حبكا
وكللها قطر الندى بفرائد … تودّ العذارى لو نظمن لها سلكا
стр. 7117
وجرّ الصبا ذيلًا على عذباتها … وفكك أزهار الكمام وما انفكا
فأذرى دموع الطل وافترّ مبسم … الأقاح فما ندري أأضحك أو أبكى
بأبدع من غرّا بدائعه التي … تحار عيون الفكر في حسنها سبكا
فيا ابن الأولى يسمو لهم شرف العلا … ويرفع من آثارهم فوقه سمكا
ومن شيدوا ربع التقى بفضائل … أقامت بناء المجد من بعد ما دكا
ويا سابقًا في حلبة الشعر رحمة … بأفكار قوم بالكلال غدت ربكى
فإن تصاريف القضا عبثت بهم … وقد بتكتهم عن مطالبهم بتكا
وفيك على المعروف والصدق آية … نفت عن صفا أخلاقك الزور والإفكا
وها أنا قد مرّغت وجه إساءتي … بساحة أعذاري لنيل الرضى منكا
فجد وأعر طرف القبول ألوكة … روت كل معنى راق من لفظها عنكا
ولا زلت مخطوبًا لكل كريمة … لها من غواشي المدح ما نافس المسكا
مدى الدهر ما بثت بذكرك أسطري … عبير شذا كالعنبر الرطب أو أذكى
وللمترجم:
زوّد الصب نظرة من لقائك … واشف مضنى الهوى برشف لمائك
وأنقذ المغرم الذي شفه الوجـ … د بوصل يذوده عن قلائك
إنما الليل من فروعك والصبـ … ــــح غدا يستمدّ من لألائك
وكذا المسك ما تضوّع إلا … حين وافته نفحة من شذائك
أنت في الحل من دم سفكته … في مجال الغرام بيض ظبائك
يا فؤادًا أمسى جريحًا بسهمي … لحظه ثغره شفاء لدائك
كف يا لحظه عن الفتك فينا … إننا في السقام من نظرائك
وكذا يا قوامه الغض من ذا … أطلع البدر مشرقًا في ذرائك
ومنها:
يا غزالًا إذا رنا سلب الأنـ … ــــفس رفقًا على حشا مضنائك
أترى ما نفى الكرى عن جفوني … وشجاني من الهوى برضائك
стр. 7118
أعذار بدا بخدّيك هذا … أم لصيد الألباب أضحى شرائك
أم حروف الدلال قد خطها الحسـ … ـــــن على وجنتيك كم إملائك
أم على البدر هالة قد ترآءت … لعيون الورى بأفق سمائك
أم مشى النمل فوق نور محيا … حار فيه اللبيب من شعرائك
بل غدا في البها سلاسل مسك … فوق جمر تقودنا لهوائك
ويك يا قلب كم تعاني التصابي … أو بلغت طائلًا بمنائك
فابتدئ وامتدح سليل المعالي … إنني في الرشاد من نصحائك
كوكب الفضل أحمد ذو الأيادي … من له في سما الفخار أرائك
يا إمام الهدى إليك حثثنا … طرف فكر مناخه بفنائك
يا رفيع الذرا أو سامي الأراكي … وعليّ المنار في عليائك
فبهذا الوجود والعلم الفر … د عين الكمال في فتوائك
فقت من قد تسربلوا برد المجـ … ـــــد ثوب الفخار من آبائك
أنت كالشمس رفعة وبهاء … وكبحر العباب في جدوائك
إن قسا وأكثما وإياسا … مثلًا مضربًا غدا لذكائك
صمت شهرًا بالبر قد خوّلتنا … منن فيه من ندى نعمائك
وابق ما حنّ مغرم لمحب … وتغنى الحمام فوق الأرائك
تتمنى الغيد الحسان عقودًا … نظمت باللآل من إنشائك
بلغوا في العلا السماك ولكن … دون ما نلت من علوّ ارتقائك
لك عزم حكى الحسام انقضاء … وبإيماضه حكى آرائك
سيدي جئت قاصرًا حيث أمسى … كل فضل وسؤدد من حلائك
وأتى العيد مؤذنًا بالتهاني … عائدًا والسرور في أحيائك
رافلًا في ثياب عز مقيم … ونعيم مخلد ببقائك
وله قوله:
بشذا عنبر خال … ضاع في جمرة خدّك
стр. 7119
وبما يقضي على الأنـ … ــــــفس من صعدة قدّك
وبما يسطو به طر … ـفك من مرهف خدّك
وبما يستلب الألـ … ـباب من ملعب بندك
وبما ضلت به الآ … راء من فاحم جعدك
وبما يجنيه كف الـ … ـوهم من رمان نهدك
وبما أودع في فيـ … ـك الشهي من درّ عقدك
لا تدعني والهوى يو … ردني مورد صدّك
لا ولا تخلف لمجرو … ح الهوى ميثاق عهدك
يا هلالًا تِهْ من الحسـ … ــن ببرد دون بردك
أنا ما أوليت ودًا … مع أني عبد ودّك
كم أناديك بما يشـ … ـتق من أحرف حمدك
عد بوصل واشف مضنى الـ … ــــــقلب في إنجاز وعدك
وقوله من قصيدة:
هاج لي برق الحمى ذكر الحمى … فاستهلّ الدمع من عيني دما
مرّ بي وهنا فأذكى لاعجًا … في فؤادي حرّه قد أضرما
وانثنى يروي أحاديث الصبا … منجدًا طورًا وطورًا متهما
آه من دمع لذكر المنحنى … كلما حركه الوجد همى
يا رعى الله عهودًا بالحمى … نقض الدهر بها ما أبرما
وليال منحتنا صفوها … فانتهبنا العمر فيها حلما
ومعان ضرب الحسن على … عذبات البان منها خيما
ورعى دهرًا بها قد مرّ لي … في رباها بالأغاني مغنما
حيث غصن العيش فيها يانع … وبجفن الدهر عن ذاك عمى
وسميري شادن لو لاح للبد … ر اعتراه من محاق سقما
ظبي أنس صيغ من لطف ولو … مرّ بالوهم تشكى الألما
стр. 7120
نقله من قول سيف الدولة، وهو:
قد جرى من دمعه دمه … فإلى كم أنت تظلمه
ردّ عنه الطرف منك فقد … جرحته منه أسهمه
كيف يسطيع التجلد من … خطرات الوهم تؤلمه
عودا:
ساحر المقلة مهضوم الحشا … سمهري القدّ معسول اللما
ما تثنى في ثنيات اللوى … مائلًا إلا أرانا العلما
ألف الهجر فلو يخطر بي … طيفه في سنة ما سلما
كتب الحسن على وجنته … بفتيت المسك خطا أعجما
معشر اللوّام إن جزت اللوا … فقفوا واستنطقوا تلك الدمى
ثم لوموا إن قدرتم بعدها … عاشقًا فيها استلذ الألما
وقوله:
عجبًا للعذول لحاني … ورأى الشوق قائدًا بعناني
وأتاني من عذله بفنون … في هوى ذلك الغزال الجاني
يا عذولًا على الصبابة فيه … كف عذلي عن طرفه الوستان
لا تلمني فقد علقت بظبي … سرقت قدّه غصون البان
هو نشوان من عصارة خدّيـ … ـــــه لا من عصير بنت الدنان
يمزج الدل بالنفار ويفترّ … دلالًا عن مثل حب المرجان
يا لها سبحة تراءت لعيني … درر سلكها من المرجان
قد حمى خدّه بآيات موسى … فنمى السحر فيه في الأجفان
بدر تمّ في كل يوم تراه … في ازدياد والبدر في النقصان
رشأ ما بطرفه من سقام … ما بجسم المضنى الكئيب العاني
وقوله أيضًا:
من عذيري في هوى رشا … طرفه بالسحر مكتحل
стр. 7121
ينثني كالغصن من هيف … بقوام زانه الميل
شادن يفترّ عن برد … ناصع في ضمنه عسل
تاه عجبًا خمائله … فهو من خمر الصبا ثمل
ذلتي فيه كعزله … بكلانا يضرب المثل
ومن مقطعاته قوله:
وكأنما جرم الكواكب قد بدت … للناظرين على غدير الماء
شرر يبدّده النسيم بمدّه … من فوق وجه ملأة زرقاء
وله أيضًا:
لهفي لماضي عيش تقضى … والعيش فيه حظ وريق
أيام في حينه التصابي … نقل وراحي غصن وريق
وله أيضًا:
كلما رمت سلوة عن هواه … جاء ناه من حسنه مقبول
خط لام العذار مع ألف القد … د يصدّانني فكيف السبيل
مثله قول الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي:
مقبل الوجه كلما صدّ وافى … زائرًا فيعقب النحس سعد
يفعل الذنب ثم أجثو عليه … حيث يأتي بشافع لا يردّ
والأصل فيه قول بعضهم:
وإذا المليح أتى بذنب واحد … جاءت محاسنه بألف شفيع
وللأمين المحبي ما يقرب من ذلك وهو قوله
وأريد أن أبدي شكاية هجره … فيسدّ منه بكأس موعده فمي
وللمترجم في معذر:
قالوا تعذر فاقلع عنه قلت لهم … كفوا الملام فقد حلى محاسنه
فالبدر ليس له نور يضاء به … إلا إذا ما سواد الليل قارنه
стр. 7122
أقول: وبالمناسبة تذكرت معنى لطيفًا في العذار، وهو قول الأمين المحبي من قصيدة له:
ستر الجمال خدوده بعوارض … قتل النفوس بها وأحيا الأعينا
والشمس يمنعها اجتلاها أن ترى … فإذا اكتست برقيق غيم أمكنا
ثم رأيت الأمين أخذه من قول الأرجاني:
أيراد صونك بالتبرقع ضلة … وأرى السفور لمثل حسنك أصونا
كالشس يمنعك اجتلاؤك نورها … فإذا اكتست برقيق غيم أمكنا
وكان المترجم بـ "دمشق" في أحد قدوماته إليها، وكان ممن يصحبه، ويرافقه الشيخ مصطفى العمري الدمشقي المقدم ذكره، ففي أحد الأيام وقف في محلة القباقبية بالقرب من دار العمرى المذكور هو وإياه، فنظر إلى غلام هناك في حانوت، يبيع التتن، قده مائل، وورد خدوده غير ذابل بحسن، راق مجتلاه، وفاق نور سنا محياه، وله خال، يجلس معه في الحانوت، وأيضًا على خدّه خال كفتيت المسك في صحيفة الياقوت، فقال المترجم: هل تبيعني شيئًا من التتن، فقال: ولا بأس، ووضع له شيئًا من ذلك، وفت عليه سحيق مسك، كان في ورقة، وقال له الغلام: هذا المسك من خالي، وأراد به خاله الذي هو أخو والدته، فعند ذلك طرب المترجم من هذه الموافقة والقضية، وأنشد ناظمًا هذين البيتين من فكرته السنية، فجرت فيهما التورية اللطيفة وهما قوله:
بحبة مسك قد حباني جؤذر … وأشجى فؤادًا كان عن حبه خالي
وقال ألا لا تحسب المسك من دمي … لكوني غزالًا إنما المسك من خالي
وله في وصف جواد سابق:
وطرف لجيني الإهاب تخاله … شهابًا إذا ما انقض في موقف الزحف
يسابق برق الأفق حتى إذا رنا … يسابق في مضمار موقع الطرف
وللشيخ جمال الدين بن يوسف الصوفي في جواد:
стр. 7123
وأدهم اللون فاق البرق فانتظره … فغابت الريح حتى غيبت أثره
فواضع رجله حيث انهت يده … وواضع يده أنى رمى بصره
ولابن نباتة كذلك، وهو قوله:
لما ترفع عن ندّ يسابقه … أضحى يسابق في ميدانه نظره
وقال المعري في وصف الخيل:
ولما لم يسابقهن شيء .... من الحيوان سابقن الظلالا
وقال أيضًا من أبيات وبالغ:
تكاد سوابق حملته تغني … عن الأقدار صونًا وابتذالا
وللأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي في سابح:
وسابح أيان وجهته … تراه يا صاح طوع اليد
ومن معميات المترجم قوله في أحمد:
قم يا نديمي نصطبح ساعة … على غدير ماؤه كالنضار
فقد أزاح الظبي تاج الطلا … ودارها صرفًا كما الجلنار
وقوله في مليك:
أيا نسيمًا قد سرى موهنًا … رفقًا بصب خلفوه لقا
فناظري مذ لاح برق الحمى … غض وقلبي ذاب مذ أبرقا
وقوله في درويش:
رب روض قد حللنا دوحه … وتمتعنا اغتباقًا واصطباحا
طاف بالورد علينا شادن … زاد بالقلب غرامًا حين لاحا
وقوله في مسلم:
مذ بدا يثني قوامًا مائسًا … قلت والعين بماء تذرف
بلماك العذب يا غصن النقا … جد على مضنى براه الأسف
وقوله في أغيد:
بدر تمّ ينثني من ميد … بقوام مائس يسبي العذارى
стр. 7124
أقسمت ألحاظه النجل بأن … تخلع السقم على قلبي شعارا
وله غير ذلك، وكانت وفاته في سنة ثمان وأربعين ومائة وألف بـ "قسطنطينية"، رحمه الله تعالى.
* * *
٥٣٨٨ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد البرسوي، الرومي، الملقب بجناني *
فاضل، من المدرسين. درس بمدرسة عوض باشا.
له "بدايع الآثار في نوادر الحكايات"، صنفها للسلطان مراد العثماني. توفي سنة ١٠٠٤ هـ.
* * *
٥٣٨٩ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد الحسيني، الحجازي، الصاوي * *
فقيه، أصولي.
له "نجاة الموحدين" في أصول وفروع الدين، طبعت بـ "القاهرة" سنة ١٣١٧ هـ في حياة المؤلف.
كان حيا ١٣١٧ هـ.
* * *
стр. 7125
٥٣٩٠ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد الرومي، ابن أبي السعود *
فقيه.
له "حاشية على الدرر والغرر" لملا خسرو.
توفي سنة ١٠٠٨ هـ.
* * *
٥٣٩١ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد، الشهير بعزمي زاده، قاضي العسكر * *
ذكره العلامة المحبي الحنفي في كتابه "خلاصة الأثر"، وقال: هو أشهر متأخري العلماء بـ "الروم"، وأغزرهم مادة في المنطوق والمفهوم.
وله التآليف، التي ملأت سمع الزمان فائدة، وثبت فيه من صلات نفعها كل عائدة، منها: "حاشية على الدرر والغرر" في الفقه، و"حاشية على ابن مالك" في الأصول، وغيرهما، وله الشعر النضير في العربية والتركية، ومخلصه
стр. 7126
على دأبهم حالتي ورباعياته مشهورة مرغوبة، وقد جمعها في سفر مستقل، وهي في التركية، كرباعيات سديد الدين الأنباري في العربية، وعمر الخيام في الفارسية، إليها النهاية في القبول والتحسين، وعليها المعوّل في لطف النكات والمضامين.
وبالجملة: فآثاره كلها لطيفة، وأخباره جميعها ظريفة، وقد ذكره ابن نوعي، فقال في ترجمته: الفنون الرائقة إلى أن أحرز المرتبة اللائقة، ثم تحرك على معتاد أرباب الاستعداد، فانحاز إلى المولى شيخ الإسلام سعد الدين، ولازم منه، ثم درس ابتداء بمدرسة حاجة خاتون بأربعين عثمانيًا.
ثم ولي مدرسة محمد أغا برتبة الخارج في ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وتسعمائة، ثم ولي مدرسة أبواب في جمادى الآخرة سنة ثلاث بعد الألف، ثم ولي إحدى الثمان في المحرم سنة خمس بعد الألف، ثم ولي مدرسة السلطان سليم القديم في شهر ربيع الأول سنة ثمان، ثم ولي السليمانية في ذي الحجة من هذه السنة، ثم ولي الخفافية في شعبان سنة عشر، ثم ولي قضاء "الشام" في رجب سنة إحدى عشرة، ثم ولي قضاء "مصر" سنة ثلاث عشر وفي زمن قضائه بها، وقعت فتنة محافظها إبراهيم باشا، وقتله العسكر، فعزل لتقصيره في تلافي الفتنة.
ثم ولي قضاء "بروسه" في شعبان سنة خمس عشرة، وفي أيام قضائه بها تسلط ابن قلندر الخارجي عليها، وحاصرها، وحرق بعض أماكنها، فعزل عنها بعيد ذلك، ثم ولي قضاء "أدرنه" في شهر ربيع الآخر سنة عشرين، واتفق أنه عزر قاضيًا مجهولًا، فاجتمع عليه جماعة أزعجوه بالمكالمة والمخاصمة، فنقل في شعبان من هذه السنة إلى قضاء "دمشق".
قال الحسن البوريني في بعض مجاميعه: ووقع في قضائه يوم الخميس، خامس عشر شعبان، سنة إحدى وعشرين وألف أن رجلًا كان نصرانيًا من
стр. 7127
قرية "صيدنايا" من نواحي "دمشق"، فأسلم، وأتى إلى مجلس قاضي القضاة، مسلمًا من مدة تزيد على عشرة أعوام، وختن، ثم أتى في التاريخ المذكور إلى نائب صاحب الترجمة أولًا، وألقى عمامته، وصرح على نفسه بالكفر، فأرسله النائب إلى قاضي القضاة، يعني صاحب الترجمة، فاستفهم عن حاله، واستنطقه، فصرح بما قاله، فقال القاضي: لعل لك شبهة دينية أو ظلامة دنيوية، فإن رغبت في المهلة أمهلناك، وتوقفنا إلى التأمل بما في هناك، فأبى إلا التعجيل بروحه إلى الهاوية، وقال: إنه لا يرغب إلا في الغاوية، وصرح بأنه في مدة اتصافه بالإسلام لم يوصف بصلاة ولا زكاة ولا صيام، وكان يبادر إلى طلب النار، ويستعجل إلحاق بأهل دار البوار، فكتب القاضي ما يستحقه من القتل بالتعجيل، وأرسل الصك إلى الحافظ الوزير الجليل، فأمضى فيه السيف الماضي، امتثالًا لما به الشرع الشريف قاضي، وذهب شقيًا إلى نار الجحيم.
ورأيت بخط الأديب عبد الكريم الطاراني أنه كان لصاحب الترجمة ولد، اسمه أحمد، وكان في غاية النجابة والحذق والكمال والمعرفة.
توفي في "دمشق" في ليلة الجمعة، ثاني عشر ذي القعدة، سنة إحدى وعشرين، وقد نظمت الأدباء تواريخ كثيرة لوفاته، فمنهم: الشيخ محمد الحتاني، وأبياته هى هذه:
لم يعد ما فات يومًا كمد … والأسى عند الأسى قد يحمد
كل مخلوق قصاراه الفنا … إنما الباقى الإله الصمد
رحم الله شهيدًا عمره … كان كالأحلام منه الأمد
قلت إذ ناداه مولاه إلى … جنة فيها نعيم سرمد
نطق خير هو أم تاريخه … فر في جنات عدن أحمد
стр. 7128
(قلت): وقد مدح في "دمشق" بقصائد كثيرة، وكان مقبلًا على الأدباء، ومما أملاه من شعره العربي قوله:
لله من رشأ كتائب لحظه … أهل الصبابة غادرت مأسورا
ولقطعه صلب القلوب كرخوها … قد صار صارم لحظه مكسورا
وقوله في التوسل أيضًا مقتبسًا:
يا نفس عوذي بالكريم وعرجي … فهو الذي يسدي إلينا نعمته
وينزل الغيث الذي يروى الربى … من بعد ما قنطوا وينشر رحمته
ثم عزل عن قضاء "دمشق" في رجب، سنة اثنتين وعشرين، وولي بعدها قضاء "قسطنطينية" وقضاء العسكرين، وانعقدت عليه وعلى المولى محمد بن عبد الغني المقدم ذكره صدارة العلماء بـ "الروم".
وكانت ولادته ليلة الاثنين النصف من شعبان، سنة سبع وسبعين وتسعمائة، وتوفي في حدود سنة أربعين بعد الألف.
قلت: من آثاره: "حاشية على الدرر والغرر" لملا خسرو في فروع الفقه الحنفي، و"تعليقة على الأشباه والنظائر" لابن نجيم في الفقه، و"حاشية على شرح مغني اللبيب" لابن الصائغ في النحو، و"نتائج الأفكار على شرح منار الأنوار" لعبد اللطيف بن ملك في أصول الفقه، و"حاشية المفتاح في المعاني والبيان". كذا في "المعجم" للشيخ عمر رضا كحالة.
* * *
٥٣٩٢ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد العشاقي، الرومي *
стр. 7129
فقيه، من المدرسين. له "شرح ملتقى الأبحر" في فروع الفقه الحنفي.
توفي سنة ١٠١١ هـ.
* * *
٥٣٩٣ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد القسطلاني، الرومي، ويعرف بالكستلي *
من القضاة والمدرسين.
قرأ على موالي "الروم"، وخدم المولى خضربك، ودرس في بعض المدارس، ثم ولي قضاء "بروسة" ثلاث مرات، ثم قضاء "أدرنة"، فقضاء "القسطنطينية"، فقضاء العسكر، وعزل، وعين له كل يوم مائة درهم، وتوفي بـ "القسطنطينية" سنة ٩٠١ هـ، ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري.
من آثاره: "رسالة في سبع إشكالات من المواقف في علم الكلام" للإيجي، و"رسالة في جهة القبلة"، و"حاشية على عقائد النسفي" للتفتازاني، و "تعليقة على التوضيح" في أصول الفقه، و"رسالة في في تفسير قوله فسحقا لأصحاب السعير".
* * *
стр. 7130
٥٣٩٤ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد القسطنطيني المعروف بخواجكي زاده *
فاضل.
من آثاره: "رسالة في أدعية الصلاة المفروضة"، و"المطالب العلية في الكتب المنزلة" و"شرحها"، و"شرح مائة كلمة منسوبة إلى علي بن أبي طالب".
توفي سنة ٩٩٨ هـ.
* * *
٥٣٩٥ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد القسطنطيني، الرومي، المعروف بابن الشيخ * *
من القضاة.
له "روضة القضاة في المحاضر والسجلات".
توفي سنة ١٠٩٧ هـ.
* * *
стр. 7131
٥٣٩٦ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد القيصري، الرومي، ويعرف بصوايجز *
فقيه، من المدرسين. له "المروحة في شرح الملتقى".
توفي سنة ١١٧٠ هـ.
* * *
٥٣٩٧ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد الكانقري، الرومي، (صفى الدين) * *
صوفي، فقيه. ولي مشيخة زاوية الزينية في "بروسة"، وتوفي بـ "بروسة" سنة ٩١٩ هـ.
من آثاره: "الرسالة الوضوئية في المسائل الشرعية المصطفوية".
* * *
٥٣٩٨ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد الكوزلحصاري، المرادي، الرومي، النقشبندي، الملقب بخلوصي * * *
стр. 7132
فقيه، أصولي، متكلم.
من آثاره: "حقيق الحقائق في شرح رسالة البركوي في العقائد والأخلاق"، و"حاشية على الشرح الصغير لإبراهيم الحلبي"، وسماها "حلية الناجي" في فروع الفقه الحنفي، و"منافع الدقائق في شرح مجامع الحقائق" للخادمي، و"ذوق الوصال في رواية الجمال"، و"أشرف المطالب".
توفي سنة ١٢١٥ هـ.
* * *
٥٣٩٩ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمد علي الرومي، الشهير ببستان أفندي، مصلح الدين *
عالم مشارك في التفسير والكلام والهيئة والحساب وغير ذلك.
ولد بقصبة "ثيرة"، وأخذ عن محي الدين الفناري، والمولى شجاع، وابن كمال باشا، وقلد قضاء "بروسة"، فقضاء "أدرنة"، فقضاء "القسطنطينية"، فقضاء عسكر "الأناضول"، فقضاء "الروم ايلي"، واستقر فيه خمس سنين، ثم عزل، وعين له مائة وخمسون درهما كل يوم، وتوفي في العشر الأخير من
стр. 7133
رمضان سنة ٩٧٧ هـ، ودفن بقرب زاوية السيد البخاري خارج "القسطنطينية".
من آثاره: "حاشية على تفسير البيضاوي لسورة الأنعام".
* * *
٥٤٠٠ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محمود الطورحالي، النقشبندي *
صوفي، محدث.
من آثاره: "البدر المنير في أحاديث البشير النذير"، و"شرح الأربعين" في الحديث، و"مرشد السالكين" في التصوف.
توفي سنة ١١٩٧ هـ.
* * *
٥٤٠١ - الشيخ الفاضل مصطفى بن محي الدين، المشتهر باب ن المعمار مصلح الدين * *
من القضاة.
стр. 7134
قرأ على المولى محي الدين المعلول، ومحمد جوى زاده، وخير الدين معلم السلطان سليمان، ودرس، وقلد قضاء "بروسة"، فقضاء "أدرنة"، فقضاء "القسطنطينية"، فقضاء "المدينة المنورة"، وتوفي بـ "مصر" في شوال سنة ١٣٠٧ هـ.
من آثاره: "حواش على حاشية حسن جلبي" على التلويح على الدرر والغرر، لم تتم.
* * *
٥٤٠٢ - الأمر الفاضل مصطفى بن مرتضى النقشبندي الدهلوي نواب مصطفى خان شيفته *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: كان من الأمراء المعروفين بالكمال.
ولد، ونشأ بـ "دهلي".
وقرأ العلم على أساتذة عصره، ثم أقبل على الشعر إقبالا كلّيا.
وأخذ عن الحكيم مؤمن خان، ولازمه مدّة، حتى برز فيه.
وأخذ الطريقة عن الشيخ عبد الغني ابن أبي سعيد الدهلوي المهاجر إلى "المدينة المنوّرة".
وسافر للحجّ والزيارة، لعلّه سنة أربع وثمانين، ورجع إلى "الهند"، ومات بها.
стр. 7135
وكان من الشعراء المفلقين، له "ترغيب السالك إلى أحسن المسالك"، و"كلشن بى خار" تذكرة شعراء "الهند"، وله "ديوان الشعر الهندي"، وآخر بالفارسي.
توفي سنة ستّ وثمانين ومائتين وألف.
* * *
٥٤٠٣ - الشيخ الفاضل مصطفى بن مصطفى الرومي، الصارياري، الميخاليجي *
عالم مشارك في بعض العلوم.
ولد سنة ١٢٥٣ هـ، توفي بمحلة أبي أيوب الأنصاري في ربيع الأول سنة ١٣٠٠ هـ.
من تصانيفه: "عمدة الأحكام في أركان الإسلام"، و"مبدأ الحساب لمبتدي الطلاب"، و"خير الأمور في زيارة القبور"، و"زبدة البيان"، و"شرح شواهد الكافية" للجامي.
* * *
٥٤٠٤ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين مصطفى ابْن الْمولى سَيِّدي المنتشوي *
стр. 7136
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: قَرَأَ رَحمَهْ اللهْ تَعَالَى على عُلَمَاء عصره، ثمَّ وصل إلى خدمَة الْمولى الْعَالم الْفَاضِل ابْن كَمَال باشا، ثمَّ صَار مدرسا بِبَعْض الْمِدْرَاس، ثمَّ صَار مدرّسا بإحدى المدرستين المتجاورتين بمَدِينَة "أدرنه".
مَاتَ وَهُوَ مدرس بها فِي سنة أرْبَعْ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة.
كَانَ ﵀ جيد القريحة، مُسْتَقِيم الطَّبْع، ملازما لمطالعة الْكتب والعلوم، وَكَانَت لَهُ مُشَاركَة فِي الْعُلُوم نوّر الله تَعَالَى قَبره.
* * *
٥٤٠٥ - الشيخ الفاضل مصطفى بن ميرزا بن محمد بن ياردم السيروزي، الرومي، الشهير بضحكي، فقيه *
ولي قضاء "القسطنطينية" مرات، وتوفي بها سنة ١٠٩٠ هـ.
من آثاره: "جامع مسائل العيوب"، و "مطلوب الفقهاء ومرغوب النبهاء"، و "لوازم القضاة والحكام في إصلاح أمور الأنام" على مذهب أبي حنيفة.
* * *
стр. 7137
باب من اسمه مصطفى بن يوسف
٥٤٠٦ - الشيخ الفاضل مصطفى بن يوسف بن إبراهيم الزهري، الشرواني، المدني، الفاضل الكامل العالم البارع الأوحد المفنن *
ترجمه العلامة المرادي في "سلك الدرر" بما نصه: ولد بـ "المدينة المنورة" سنة ثمان وثمانين وألف، ونشأ بها، وأخذ في طلب العلم، وقرأ على والده الجمال يوسف، وعلى عمه علي أفندي، وتعلم عليه اللسان الفارسي، وأخذ عن الجمال عبد الله بن سالم البصري المكى الحديث وغيره، وأخذ عن غيرهما، ونبل، وفضل، وصارت له مشاركة في العلوم.
ودرس في المسجد النبوي، وتولى مدرسة محمد أغا القزلار شيخ الحرم، ودرس بها، وانتفعت به الأفاضل، وتولى نيابة القضاء، وسلك بها أحسن مسلك، وتولى مشيخة الخطباء والأئمة بالحرم الشريف النبوي.
وكان محمود السيرة، سالم السريرة، ميمون الحركات والسكنات، ثم إنه أراد التوجه لـ "لروم" من الطريق المصري، فتوفي بـ "مصر" سنة أربع وستين ومائة وألف، رحمه الله تعالى وإيانا.
* * *
стр. 7138
٥٤٠٧ - الشيخ الفاضل مصطفى بن يوسف بن صالح البرسوي، الشهير بخواجه زاده *
قرأ عند محمد بن أياتلوغ الأصلين، والمعاني، والبيان.
ثم وَصَل إلى خضر بيك، وهو مدرّس بسلطانية "بروسا"، حصل علوما كثيرة، وأعطاه السلطان مراد خان تدريس الأسدية بـ "بروسا".
ولما انتهت السلطانة إلى محمد خان، وشاهد العلماء رغبته في العلم، ذهب إليه، فجعل معلّم نفسه، وقرأ عليه "متن الزنجاني"، وكتب خواجه زاده شرحا عليه.
وحكي أن المولى علي الطوسي لما ذهب إلى بلد العجم لقي عليا القوشجي، فقال له: إلى أين تذهب؟ قال: إلى بلاد "الروم"، فقال عليك بمداراة الكوسج خواجه زاده.
فلما قدم القوشجي استقبله علماء "قسطنطينية"، وكان خواجه زاده قاضيا بها، فذكر القوشجي ما شاهد في البحر من المد والجزر، فبين خواجه زاده سبب المد والجزر، ثم جرى ذكر بحث السيّد مع التفتازاني عند تيمور، فرجَّح القوشجى جانب التفتازاني، فقال خواجه زاده: إني قد حققت الأمر، وظهر لي أن ألحق مع السيّد، فطالع القوشجي ما كتبه، فلما لقي السلطان
стр. 7139
مراد خان قال: لا نظير لخواجه زاده في العجم، فقال السلطان: ولا في العرب.
وحكي أن المولى عبد الرحمن بن المؤيد لما وصل إلى خدمة الجلال الدوَّاني، قال له: بأيّ هدية جئت إلينا؟ قال بكتاب "التهافت" لخواجه زاده، فطالعه، وقال: قد كان في فكري أن أكتب في هذا الباب كتابا، ولو كتبت في أن أرى هذا الكتاب لأفضحت.
مات خواجه زاده بـ "بروسا" سنة ٨٩٣ هـ.
ومن تلامذته: يوسف القراصوي، ويوسف الكراماسني، وركن الدين محمد، الشهير بزيرك زاده، وقطب الدين محمد بن محمد بن قاضي زاده، وغيرهم.
من آثاره: "شرح الريحانية"، و"حاشية على شرح التنقيح" للتفتازاني في الأصول، و"حاشية على شرح المواقف" للإيجي، لم تكمل، كتاب في المحاكمة بين تهافت الغزالي والحكماء، و"حاشية على شرح هداية الحكمة"، و"شرح العزي" في التصريف.
* * *
٥٤٠٨ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين مصطفى بن يُوسُف بن صَالح البروسوي، المشتهر بَين النَّاس بالمولى خواجه زَاده، نوّر الله تَعَالَى مرقده، وَفِي أَعلَى غرف الْجنان أرقده *
стр. 7140
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: كَانَ وَالِده من طَائِفَة التُّجَّار، وَكَانَ صَاحب ثروة عَظِيمَة، وَكَانَ أولاده مترفهين فِي اللبَاس وَالْعَبِيد، وَعيِن للْمولى خواجه زَاده فِي شبابه كل يَوْم درهما وَاحِدًا فَقَط، وَكَانَ ذَلِك لاشتغاله بِالْعلمِ، وَتَركه طَريقَة وَالِده، وَقد سخط أبوه عَلَيْهِ لذَلِك.
وَفِي يَوْم من الأيام اجْتمع وَالِده مَعَ الشَّيْخ الْعَارِف بِالله تَعَالَى ولي شمس الدّين البُخَارِيّ قدّس سرّه، فَرَأى الشَّيْخ شمس الدّين الْمولى خواجه زَاده، وَعَلِيهِ سوء الْحَال، يجلس فِي صف النِّعَال، وَعَلِيهِ ثِيَاب دنيئة، وَرَأى إخوته متجمّلين بالثياب النفيسة مَعَ الخدم وَالْعَبِيد.
فَقَالَ الشَّيْخ الْمَذْكُور لوالده: من هَؤُلَاءِ؟ وَأَشَارَ إلى أولاده.
فَقالَ: أولادي.
قَالَ: وَمن هَذَا، وأشار إلى الْمولى خواجه زَاده.
قَالَ هُوَ أيضا وَلَدي.
قَالَ: لأيّ سَبَب هُوَ فِي سوء الْحَال؟
قَالَ: إِنّي أسقطته من عَيْني لتَركه طريقتي، فنصح الشَّيْخ لَهُ، وَلم يُؤثر فِيهِ نصحه، وَلما قَامُوا عَن الْمجْلس قَالَ الشَيْخ للْمولى خواجه زَاده ادن مني، فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ: لَا تتأثر من سوء الْحَال، فَإِن الطَّرِيق طريقك، وَيكون لَك إن شَاءَ الله تَعَالَى شَأْن عَظِيم، وَيقوم إخوتك عنْدك فِي مقَام الخدم وَالْعَبِيد.
وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى لَا يملك إلا قَمِيصًا وَاحِدًا، وَكَانَ لَا يقدر على اشْتِرَاء الْكتاب، وَيكْتب كِتَابه بِنَفسِتهِ على أوراق ضَعِيفَة لرخصها، ثمَّ إنه حصل الْعُلُوم، ثمَّ وصل إلى خدمَة الْمولى ابْن قَاضِي أياثلوغ، وَقد مرّ ذكره.
стр. 7141
وقرأ عِنْده الأصولين، والمعاني، وَالْبَيَان فِي مدرسة اغراس، ثمَّ وصل إلى خدمَة الْمولى حضر بك ابْن جلال، وَهُوَ مدرس سلطانية "بروسه"، ثمَّ صَار معيدا لدرسه، وَحصل عِنْده علوما كَثِيرَة، وَهُوَ فِي سنّ الشَّبَاب، وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور يُكرمهُ إكراما عَظِيما، وَكَانَ يَقُول: إِذا أشكلت عَليّ مسئلة لتعرض على الْعقل السَّلِيم، يُرِيد بِهِ الْمولى خواجه زَاده.
ثمَّ أرسله الْمولى حضر بك إلى السُّلْطَان مُرَاد خَان، وَشهد لَهُ باستحقاقه التدريس، فَقبله السُّلْطَان، إلا أنه كَانَ مُتَوَجها إلى السّفر، وَأَعْطَاهُ قَضَاء "كستل"، وَلما رَجَعَ عَن السّفر أعطَاهُ مدرسة الأسدية بِمَدِينَة "بروسه"، وَعين لَهُ كل يَوْم عشْرين درهما، فَمَكثَ هُنَاكَ سِتّ سِنِين، واشتغل بِالْعلمِ مَعَ فقر وفاقه، حَتَّى أنه كَانَ يخْدم فِي بَيته بِنَفسِهِ، وَحفظ هُنَاكَ "شرح المواقف".
ثمَّ لما انْتَهَت السلطنة إلى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، وشاهد العلماء رغبته فِي الْعلم، ذَهَبُوا إليه، وأراد الْمولى خواجه زَاده الذّهاب إليه، لَكِن مَنعه فقره عَن السّفر، وَكَانَ لَهُ خَادِم من أَبنَاء التّرْك، فاقترض لَهُ ثَمَانمِائَة دِرْهَم، فَاشْترى بهَا فرسا لنَفسِهِ وفرسا لِخَادِمِهِ، وَذهب إلى السُّلْطَان، ولقيه وَهُوَ ذَاهِب من "قسطنطينية" إلى "أدرنه"، وَلما رَآهُ الْوَزير مَحْمُود باشا، قَالَ لَهُ: أصبت فِي مجيئك، إني ذكرتك عِنْد السَّلْطَان، اذْهَب إليه، وَعِنْده الْبَحْث، فَذهب إليه، وَسلم على السُّلْطَان، فَقَالَ السُّلْطَان لمحمود باشا: من هَذَا؟
فَقَالَ: هُوَ خواجه زَاده، فَرَحَّبَ بِهِ السُّلْطَان، فَإِذا فِي أحد جانبيه الْمولى زيرك، وَفِي جَانِبه الآخر الْمولى سَيِّدي عَليّ، فَتوجّه خواجه زَاده إلى جَانب سَيِّدي عَليّ، وَاعْترض على الْمولى زيرك، فَجرى بَينهمَا كَلَام كثير، وَذهب الْمولى سَيِّدي عَليّ، وَبَقِي هُوَ فِي جَانب السُّلْطَان، وَكثر المباحثة، وأفحم الْمولى زيرك، حَتَّى قَالَ لَهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان كلامك لَيْسَ
стр. 7142
بِشَيْء، وَذهب الْمولى زيرك، وَبَقِي الْمولى خواجه زَاده عِنْد السُّلْطَان، وتحدث مَعَه إلى الْمنزل.
ثمَّ إن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان أحسن إلى الْمولى سَيِّدي عَليّ، وإلى الْمولى زيرك، وَبَقِى الْمولى خواجه زَاده حَزينًا مهموما، حَتَّى أن خادمه صَار لَا يَخْدمه، وَيَقُول لَهُ: لَو كَانَ لَك علم لأكرمك، كَمَا أكرمهم، وَفِي بعض الْمنَازل نَام الْخَادِم، وخدم خواجه زَاده الْفرس بِنَفسِهِ، ثمَّ جلس حَزينًا فِي ظلّ شَجَرَة، فَإِذا ثَلَاثَة من حجاب السُّلْطَان يسْأَلُون عَن خيمة خواجه زَاده، ويظنون أن لَهُ خيمة كَسَائِر الأكابر، فأشار بعض النَّاس إليهم أن هَذَا الْجَالِس فِي ظلّ الشَّجَرَة هُوَ خواجه زَاده، فأنكروا ذَلِك، ثمَّ جاؤوا، وسلموا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: أنت خواجه زَاده؟
قَالَ نعم. قَالُوا: أصحيح هَذَا؟ قَالَ: نعم، قَالُوا: أنت مدرس الأسدية، وأنت الَّذِي ألزمت على الْمولى زيرك، قَالَ: نعم، فتقدموا إليه، وقبلوا يَده، وَقَالُوا: إن السُّلْطَان جعلك معلما لنَفسِهِ، قَالَ الْمولى خواجه زَاده، فَظَنَنْت أنهم يسخرون مني، ثمَّ ضربوا هُنَاكَ خيمة، فقدموا إليه طَوِيلَة فرس مَعَ عبيد، وألبسة فاخرة وَعشرَة آلاف دِرْهَم، وَالْعَبِيد أسرجوا مِنْهَا فرسا، وَقَالُوا: قُم إلى السُّلْطَان، وَالْخَادِم الْمَذْكُور نَائِم بعد، فَذهب إليه الْمولى خواجه زَاده، ونبَّهه من النّوم، فَقَالَ الْخَادِم: خَلِّنِي أنام، قَالَ: قُم، فَانْظُر إلى حَالي، قَالَ: إني أعرف حالك، دَعْنِي أنام، فأبرم عَلَيْهِ، فَقَامَ، وَنظر الْحَال.
فَقَالَ: أَي حَال هَذَا؟ قَالَ: إني صرت معلم السُّلْطَان، فَقبل الْخَادِم يَده، وتضرع إليه، وَاعْتذر عَن تَقْصِيره فِي خدمته، ثمَّ إن الْمولى خواجه زَاده أدى فِي ذَلِك الْوَقْت مَا عَلَيْهِ من دينه للخادم الْمَذْكُور، وَهُوَ ثَمَانمِائَة دِرْهَم، ثمَّ ركب إلى السُّلْطَان.
стр. 7143
وقرأ عَلَيْهِ السُّلْطَان متن عز الدّين الزنجاني فِي التصريف، وَكتب هُوَ شرحا عَلَيْهِ، وتقرب عِنْده غَايَة التَّقَرُّب، حَتَّى حسده الْوَزير مَحْمُود باشا، وَقَالَ يَوْمًا للسُّلْطَان: يُرِيد خواجه زَاده منصب قَضَاء الْعَسْكَر، قَالَ: لأيّ شَيْء يتْرك صحبتي؟ قَالَ: يُريدهُ، وَقَالَ لخواجه زَاده أمرك السُّلْطَان أن تصير قَاضِي الْعَسْكَر، فَقَالَ: أنا لَا أريده.
قَالَ: هَكَذَا جرى الأمر، فامتثل أمْرَهْ، وَصَارَ قَاضِيا بالعسكر، وَكَانَ وَالِده وقتئذ فِي الْحَيَاة، فَسمع أن ولده صَار قَاضِيا بالعسكر، فَلم يصدق، وَلما تَوَاتر الْخَبَر قَامَ من "بروسه" إلى مَدِينَة "أدرنه" لزيارة ابْنه، فَلَمَّا قرب من "أدرنه" استقبله الْمولى خواجه زَاده، وَتَبعهُ عُلَمَاء الْبَلَد، وأشرافه، فَنظر وَالِده، فَرَأى جمعا عَظِيما، وَقَالَ من هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: ابْنك، قَالَ: إن ابْني هَل بلغ إلى هَذِه الْمرتبَة، قَالُوا: نعم.
فَلَمَّا رأى الْمولى خواجه زَاده وَالِده نزل عَن فرسه، وَنزل وَالِده أيضا، فَقبل وَلَده، وعانقه، وَاعْتذر إليه عَن تَقْصِيره، وَقَالَ الْمولى خواجه زَاده: إنك لَو أعطيتني مَالا لما بلغت إلى هَذَا الجاه، ثمَّ إنه عرض وَالِده على السُّلْطَان، وأذن لَهُ فِي الدخُول عَلَيْهِ، فَدخل هُوَ عَلَيْهِ بهدَايَا جزيلة، وَقبل يَد السُّلْطَان.
ثمَّ إن الْمولى خواجه زَاده صنع ضِيَافَة عَظِيمَة لوالده، وَجمع الْعلمَاء والأكابر، وَجلسَ هُوَ فِي صدر الْمجْلس، ووالده عِنْده، وَسَائِر الأكابر جَلَسُوا على قدر مَرَاتِبهمْ، وَلم يمُكن لإخوانه الْجُلُوس فِي الْمجْلس لازدحام الأكابر، فَقَامُوا مقَام الخدم، فَقَالَ الْمولى خواجه زَاده فِي نَفسه: هَذَا مَا ذكره لي الشَّيْخ ولي شمس الدّين رَحمَه الله تَعَالَى على ذَلِك، ثمَّ إن السُّلْطَان أعطاه تدريس سلطانية "بروسه"، وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهما.
وَحكى وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى عَنهُ أنه قَالَ: حِين كنت مدرسا بسلطانية "بروسه" كنت فِي سنّ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة، وَلَيْسَ لي محبَّة شَيْء
* * *
стр. 7144
سوى محبَّة الْعلم، وَكَانَ يفتخر بتدريس سلطانية "بروسه" فَوق مَا يفتخر بِقَضَاء الْعَسْكَر، وَتَعْلِيم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، قَالَ: وَكَانَ لي وقتئذ مائَة ألف دِرْهَم، ثمَّ إن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان أمرَهْ بالمباحثة مَعَ الْمولى زيرك، حَتَّى ألزمه وأعطاه مدرسته بـ "قسطنطينية"، وَقد مرّ ذكره مشروحا، واشتغل بِتِلْكَ الْمدرسَة اشتغالا عَظِيما.
وصنف هُنَاكَ "كتاب التهافت" بِأَمْر السُّلْطَان، وَقد مر ذكره أيضا، ثمَّ إنه استقضي ببلدة "أدرنه"، ثمَّ استقضي بِمَدِينَة "قسطنطينية" يَحْكِي وَالِدي عَن الْمولى العذاري أنه قَالَ: الْمُصِيبَة كل الْمُصِيبَة قبُوله الْقَضَاء، إذ لَو داوم على الِاشْتِغَال الَّذِي كَانَ هُوَ عَلَيْهِ لظهر لَهُ آثَار عَظِيمَة فِي الْعلم، بِحَيْثُ يتحير فِيهِ أولو الألباب.
ثمَّ إن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان جعل مُحَمَّد باشا القرماني وزيرا، وَكَانَ هُوَ من تلامذة الْمولى عَليّ الطوسي، وَكَانَ متعصبا لذَلِك على الْمولى خواجه زَاده، فَقَالَ للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان: إن خواجه زَاده يشكو من هَوَاء "قسطنطينية"، وَيَقُول: قد نسيت مَا حفظت من الْعُلُوم، ويمدح هَوَاء "أزنيق"، فَقَالَ السُّلْطَان: أعطيته قَضَاءَهُ مَعَ مدرسته، فَذهب إلى "أزنيق" امتثالا لأمره.
ثمَّ ترك قَضَاءَهُ، وَقَالَ: إنه مَانع لاشتغالي بِالْعلمِ، وَبَقي مدرسا بهَا إلى أن مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، عَلَيْهِ الرَّحْمَة والرضوان، وَفِي ذَلِك قَالَ بعض من تلامذته، وَهُوَ المرحوم الْمولى سراج الدّين:
وُجُوه اعْتِرَاف قد عنت لَك سَيِّدي … ويرجى عنايات وَيظْهر تعنيت
وتعطس عَن أنف من الْفضل شامخ … وَلَيْسَ يرى غير الشماتة تشميت
رَأَيْت هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مكتوبين بِخَط الْمولى خواجه زَاده فِي ظهر كتاب "التَّوْضِيح"، وَقَالَ هُنَاكَ للأخ الْفَاضِل مَوْلَانَا سراج الدّين المرحوم فِي حق الْفَقِير الحائر عِنْد معاداة الْوَزير الجائر، ثمَّ إن الْمولى خواجه زَاده أتى من بَلْدَة
стр. 7145
"أزنيق" إلى بَلْدَةْ "قسطنطينية" فِي حَيَاة الْوَزير الْمَزْبُور، فَذهب إليه رَاكِبًا على بغلته، وتلامذته يَمْشُونَ قدامه، مِنْهُم الْمولى سراج الدّين الْمَذْكُور، وَالْمولى بهاء الدّين المرحوم، وَكَانَا مدرسين حِينَئِذٍ بالمدارس الثمان، وَمِنْهُم الْمولى مصلح الدّين اليارحصاري، وَكَانَ هُوَ مدرسا بمدرسة مُرَاد باشا بِمَدِينَة "قسطنطينية".
فَلَمَّا رَآهُ الْوَزير بِهَذِهِ الأبهة والجلال تحير، واستقبله إلى بَابه، وأجلسه مَكَانَهُ، وَجلسَ هُوَ قدامه، والتلامذة قائمون على أقدامهم، فَتحدث مَعَه سَاعَة، ثمَّ قَامَ، وأخذ هَؤُلَاءِ الأكابر بركابه، وَمَشوا قدامه إلى بَيته، وتأوه الْوَزير.
وَقَالَ: مَا قَدرنَا على كسر عرضه، وَمَا علمت أن عزته بِالْعلمِ لَا بالمنصب، وَكَانَ السَّبَب لمجيئه إلى "قسطنطينية" أن الْوَزير الْمَذْكُور حرض الْمولى خطيب زَاده، حَتَّى طلب المباحثة مَعَ الْمولى خواجه زَاده، فَقَالَ خواجه زَاده: إنه يباحث أولا مَعَ تلامذتي، فإن غلب عَلَيْهِم يباحثني، فَسمع الْمولى خطيب زَاده ذَلِك الْكَلَام، فاتهمه بالإحجام عَن المباحثة، وسَمعه الْمولى خواجه زَاده، وأرسل إلى "أزنيق" خَادِمًا أن يَجِيء بكتبه إليه، فَذهب المرحوم سِنَان باشا إلى الْوَزير الْمَذْكُور، فَقَالَ: هَل تُرِيدُ كسر عرض خطيب زَاده؟ قَالَ: لَا، قَالَ: إن خواجه زَاده بعد تكميل مطالعته لَا يُمكن لأحَد أن يتَكَلَّم مَعَه، فَقَالَ الْوَزير: الأمر هَكَذَا؟ قَالَ: نعم.
ثمَّ أذن للْمولى خواجه زَاده أن يذهب إلى "أزنيق"، فَلم يلبث إلا قَلِيلا، حَتَّى مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، وَجلسَ السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة، فَأعْطَاهُ سلطانية "بروسه"، وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم، ثمَّ أعطاه منصب الْفَتْوَى بِمَدِينَة "بروسه"، وَقد اخْتَلَّ رِجْلَاهُ وَيَده الْيُمْنَى، وَكَانَ يكْتب الْفَتْوَى بِالْيَدِ الْيُسْرَى، وَكَانَ لَا يكْتب الْفَتْوَى إلا بعد النّظر فِي الْفَتَاوَى، حَتَّى إِذا كررت عَلَيْهِ مسئلة وَاحِدَة كرر النّظر إليها، وَكَانَ يُعلل فِي