وأكرر كثيرا مَا فِي البال مَا أنشده بَعضهم وَقَالَ
ليَالِي اللَّذَّات سقيا لَك … مَا كنت إلا فَرحا كلك
عودى كَمَا كنت لنا أولا … نَحن إن عدت عبيد لَك
ثمَّ عَاد ﵀ إلى مَدِينَة "أدرنه"، وانتقل بهَا إلى رَحْمَة الله تَعَالَى، وَدفن بِقرب زَاوِيَة الشَّيْخ شُجَاع، وَكَانَ ذَلِك فِي شهر محرّم من شهور سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة.
كَانَ ﵀ بحرا من بحار الْحَقِيقَة، وكهفا منيعا لأرباب الطَّرِيقَة متخليا عَن العلائق الناسوتية، متحليا فِي مفاخر الْحلَل اللاهوتية، مهبطا للأنوار السبحانية، ومخزنا للأسرار الإلهامية، منجمعا عَن النَّاس، معرضًا عَن تكلفاتهم، وراغبا عَن بدعهم ومزخرفاتهم، لَا يطوف بأبواب الأمراء، وَلَا يطْرق مجَالِس الأغنياء، مشتغلا بِنَفسِهِ فِي يَوْمه وأمسه.
وَله كشوفات عَجِيبَة، وإشرافات على الخواطر غَرِيبَة، وظني بِهِ كَونه، محيطا بِجَمِيعِ أحوال من استرشد بِهِ، وتشبث بِسَبَبِهِ.
وَله الْيَد الطولى فِي تصريف قبُول المريدين وتربية المسترشدين، وَلَوْلَا تَزْكِيَة النفس، وَاحْتِمَال التبجح، والرياء لذكرت مَا ظهر لي عِنْد إقامتي فِي زاويته الشَّرِيفَة فِي بعض الأوقات المنيفة أنفاسه الطّيبَة، وهممه الصيبة.
وَحكى بعض من أثق بِهِ من الإشراف أنه قَالَ كنت معتكفا عِنْده فِي بعض الأيام، وَلما صليت الصُّبْح جَلَست فِي الْمَسْجِد، مشتغلا بِالذكر، وَالشَّيْخ ﵀ فِي الْجَانِب الآخر من الْمَسْجِد، مُتَوَجَّها إلى الْقبْلَة مراقبا، وَكَانَ يلاحظني بنظره الشريف أحيانا، ويلتفت إلي مرَارًا، فَبينا أنا على هَذِه الْحَالة إذ عرض لي انجذاب عَظِيم، وَتوجّه تَامّ، وَغلب عَليّ الوجد وَالْحَال، وَظهر لي أمور غَرِيبَة وآثار عَجِيبَة، كَادَت أن تذْهب بلبي، وَمن الله تَعَالَى فِي
стр. 7177
أثناء ذَلِك بمنح لَا يَلِيق ذكرهَا، وَاسْتمرّ ذَلِك لي مَا دَامَ الشَّيْخ جَالِسا فِي مَكَانَهُ دَائِما على الْوَصْف السَّابِق.
وَله ﵀ كرامات عَظِيمَة، وأفعال غَرِيبَة أتبرك مِنْهَا بِذكر نبذ.
* * *
٥٤٣٤ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين ابْن الْمولى محي الدّين، المشتهر بِابْن المعمار *
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: توفّي أبوه قَاضِيا بـ "حلب" فَوجه المرحوم رَاحِلَة الطّلب نَحْو نَاصِيَة الْعلم والأدب، فعطف على طلب الْفَضَائِل ساهرا، فقطف من رياض الْعُلُوم ثمارا وزاهرا، وَقَرَأَ على الْمولى محى الدّين الشهير بالمعلول.
ثمَّ على الْمولى الشَّيْخ مُحَمَّد الشهير بجوي زَاده، ثمَّ صَار ملازما من الْمولى خير الدّين معلم السُّلْطَان سُلَيْمَان، ثمَّ درس فِي مدرسة الأمير بِمَدِينَة "بروسه" بِخَمْسَة وَعشرْين، ثمَّ مدرسة أحْمَد باشا ابْن ولي الدّين بِالْمَدِينَةِ المزبورة بِثَلَاثِينَ، ثمَّ مدرسة يلدرم خَان فِي الْبَلدة الْمَذْكُورَة بأربعين، ثمَّ مدرسة أم السُّلْطَان، سليم خَان بقصبة طرابوزن بِخَمْسِينَ.
ثمَّ ساعده عَنْهَا بعض الرؤساء، حَتَّى نقل إلى مدرسة زَوْجَة السُّلْطَان سُلَيْمَان بـ "قسطنطينية"، ثمَّ نقل إلى إحدى الْمدَارِس الثمان، ثمَّ لما ابتنى السُّلْطَان سُلَيْمَان المدرستين الواقعتين بشرق الْجَامِع الَّذِي بناه بـ "قسطنطينية"،
стр. 7178
أعطى إحداهما المرحوم، والأخرى للْمولى شمس الدّين أحْمَد المشتهر بقاضي زَاده فِي كل يَوْم بستين درهما.
ثمَّ قلد قَضَاء "بروسه" ثمَّ عزل عَنهُ لبَعض زلاته الْوَاقِعَة فِي صكوكه ومراسلاته، وَبعد سنة ولي قَضَاء "أدرنه"، ثمَّ نقل إلى "قسطنطينية"، ودام عَلَيْهِ حَتَّى وَقع بَينه وَبَين الْوَزير الْكَبِير رستم باشا مَا وَقع، فَعَزله وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم بطرِيق التقاعد، ثمَّ لما مَاتَ الْوَزير الْمَزْبُور، وانتصب مَكَانَهُ عَليّ باشا أظهر لَهُ المرحوم رغبته فِي قَضَاء مَدِينَة النَّبِي ﷺ ، فقلد ذَلِك وَبعد سنة عزل عَنهُ، فَلَمَّا عَاد، وَبلغ إلى "مصر" أدركته الْمنية وفاتته الأمنية، وَذَلِكَ فِي شهر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَتِسْعمِائَة، وَسمعت من بعض الْعِظَام أن السَّبَب فِي اخْتِيَاره عِنْد عوده طَرِيق "مصر" على طَرِيق "الشَّام" أنه فِي بعض اللَّيَالِي نَام فَسمع قَائِلا يَقُول فِي الْمَنَام: الْقَضَاء فِي "الْمصر"، فانتبه، وغاص فِي بَحر الْفِكر.
ثمَّ حكم بَأن هَذِه الرُّؤْيَا من الآيات الظَّاهِرَة بأنه سَيكون قَاضِيا بِـ "الْقَاهِرَة"، وَلم يدرانها قاضية بأنه سيصل فِيهَا بالعيشة الراضية، وَكَانَ الْمولى المرحوم بارعا فِي كثير من الْعُلُوم مَعْرُوفا بنقاء القريحة وجودة البديهة، وَمَعَ ذَلِك لَيْسَ فِيهِ رَائِحَة كبروتية.
وَكَانَ كثير الانشراح، محبا للمفاكهة والمزاح، محبا لمعاشرة الإخوان، ومكبَّا على مصاحبة الخلان، أسكنه الله فِي غرف الجْنان.
وَقد علق ﵀ حَوَاشِي على حَاشِيَة الْمولى حسن جلبي على "التَّلْوِيح"، وَبَقِي فِي هَامِش الْكتاب، وَهَذِه النُّسْخَة الآن مَوْجُودَة فِي الْكتب، وَقفهَا الْوَزير الْكَبِيِر عَليّ باشا فِي مدرسته الجديدة، وعلق أيضا حَوَاشِي على "الدُّرَر وَالْغرر"، وَلم تتمّ، وَقد عثرت لَهُ على كَلِمَات كتبهَا فِي هَامِش كتاب الجامي على الْموضع يتساءل عَنهُ الطلاب من قَوْله فِي بحث
стр. 7179
الْعدَد، وَلَا يجوز إضافة الْعدَد إلى جمع الْمُذكر السَّالِم، فَلَا يُقَال ثَلَاثَة مُسلمين، فَلم يبْق إلا مئآت، لكِنهمْ كَرهُوا أن يَلِي التَّمْيِيز الْمَجْمُوع بالألف وَالتَّاء بَعْدَ مَا تعود الْمَجيء بَعْدَ مَا هُوَ فِي صُورَة الْمَجْمُوع بِالْوَاو وَالنُّون، أعني عشْرين إلى تسعين، فَهِيَ هَذِه قَوْله التَّمْيِيز بِالرَّفْع فَاعل يَلِي وَالْمَجْمُوع بِالنّصب مَفْعُوله، وَالْمرَاد من التَّمْيِيز اسْم الْمَعْدُود الَّذي هُوَ مُمَيّز الْعدَد، مثل رجل وَدِرْهَم، لأنه التَّمْيِيز بِحَقِيقَة، وبعد الأول مَعْمُول يَلِي وَمَا بعد بعد مَصْدَرِيَّةَ صلتها تعود، والمجيء بِالنّصب مفعول تعود فَاعله كِنَايَة التَّمْيِيز، وَالثَّانِي ظرف الْمَجيء، وَمَا بعده مَوْصولَة بِمَا بعده، (وَالْمعْنَي) أن الْعَرَب كَرهُوا أن يَجِيء التَّمْيِيز الَّذِي هُوَ اسْم الْمَعْدُود بعد الْعدَد الْمَجْمُوع، جمع الْمُؤَنَّث اللَّازِم على تَقْدِير جمع الْمِائَة بالألف وَالتَّاء، وأن يُقَال ثلاثمآتٍ رجل بعد كَون الْعَادة أن يَجِيء بعد العدد الَّذِي هُوَ فِي صُورَة الجْمع الْمُذكر مثل عشْرين رجلا إلى تسعين، وَيدل على كَون مَا قُلْنَا شرح قَوْله تصريحه فِي شرح قَوْله وَجمعه، وإنما لم يقل: وجمعهما، لأن اسْتِعْمَال جمع مائَة مَعَ مميزها مرفوض فِي الأعداد، لَا يُقَال: وثلاثمآت رجل تدبر.
وَقيل: أراد به الْمولى شمس الدّين، المشتهر بقاضي زَاده حلّ هَذَا الْمقَام على وَجه، يزِيل الإيهام، هُوَ أن النُّحَاة كَرهُوا أن يَلِي الثَّلَاث وأخواته التَّمْيِيز الَّذِي جمع بالألف وَالتَّاء بعد صيرورة مَجِيء التَّمْيِيز الْمُفْرد بعد الْعدَد الَّذِي هُوَ فِي صُورَة الِاسْم الْمَجْمُوع بِالْوَاو وَالنُّون عَادَة لَهُ، مثلا لا يُقَال: عشرُون مئآت، فَكَذَا لَا يُقَال: ثلاثمآت، فالعامل فِي بعد الأول أن يَلِي وَمَا بعده مَصْدَرِيَّة، وَالْعَامِل فِي بعد الثاني الميء وَمَا بعده مَوْصُوفَة أوْ مَوْصُولَة يرد عَلَيْهِ أنهم كَمَا لا يقولون عشرُون مئآت، لَا يَقُولُونَ كَذَلِك، أو هو فَاسد بأحد الْوُجُوه لفساد أصول الأعداد، وَهُوَ الْهَادِي إلى سَبِيل الرشاد. اهـ كَلَامه.
* * *.
стр. 7180
٥٤٣٥ - الشيخ الفاضل مولانا السيّد مصلح الدين بن السيد يعقوب علي الكُمِلائي *
ولد سنة ١٣٢٣ هـ في قرية "ماسي هاتا" من مضافات "بَرْهَمَنْباريه" من أعمال "كُمِلَّا".
قرأ مبادئ العلوم في المدرسة الواقعة إمام داره.
تم التحق بالمدرسة الواقعة بمدينة "كُمِلّا"، وقرأ فيها مدة، ثم التحق بالمدرسة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، وقرأ فيها مدة، ثم سافر إلى "الهند"، والتحق بدار العلوم ديوبند، وقرأ فيها كتب الفنون العالية، وكتب الصحاح الستة، وغيرها، من الكتب الحديثية.
ثم التحق بجامعة دابيل، وقرأ فيها على الإمام أنور شاه، صاحب "فيض الباري في شرح البخاري"، ومن شيوخه أيضا: المفتي الأعظم محمد فيض الله الجاتجامي، وشيخ الإسلام شبير أحمد العثماني، والمفتي الأعظم عزيز الرحمن الديوبندي، والعلامة حفظ الرحمن السيوهاروي، والعلامة إبراهيم البلياوي، وغيرهم، رحمهم الله تعالى.
بعد إتمام الدراسة رجع إلى وطنه المألوف، وأسّس سنة ١٣٥٢ هـ المدرسة العالية بـ "هيبت نغر"، ثم عين مديرا لها، والتحق بالحزب السياسي "نظام الإسلام بارتي" سنة ١٣٧٢ هـ، وعين عميدا لها، ثم عين صدرا لها.
توفي سنة ١٤٠٩ هـ، ودفن في مقبرة آبائه في جوار أبيه بعد أن صلى على جنازته شقيقه الأصغر مولانا السيد أبو الفرح فريد الدين.
* * *
стр. 7181
٥٤٣٦ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين *
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: كَانَ ﵀ من قَصَبَة "نيكسار"، فَخرج بعد بُلُوغه إلى سنّ الْبلُوغ، طَالبا للْعلم من هَذِه الديار، فدار الْبِلَاد، واشتغل، واستفاد، حَتَّى انتظم فِي سلك أرباب الاستعداد، وصل إلى خدمَة الْمولى محي الدّين الفناري، فاشتغل عَلَيْهِ مُدَّة، وَحصل من الْعُلُوم عدَّة.
ثمَّ وصل إلى خدمَة الْمولى مُحَمَّد باشا، فاجتهد فِي التَّحْصِيل والاستفادة، حَتَّى إذا انْتقل الْمولى الْمَزْبُور إلى إحدى المدرستين المتجاورتين بـ "أدرنه" عينه لخدمة الإعادة، ثمَّ درس فِي مدرسة صاروجه باشا بقصبة "كليبولي" بِعشْرين، ثمَّ مدرسة الأمير أحْمَد الأدرنوي بقصبة "واردار" بِخَمْسَة وَعشْرين، ثمَّ الْمدرسَة الحجرية بـ "أدرنه" بِثَلَاثِينَ، ثمَّ مدرسة يري باشا بأربعين، ثمَّ مدرسة أحْمَد باشا بقصبة "جورلي" بِخَمْسِينَ.
ثمَّ نقل إلى مدرسة "مغنيسا"، فاشتغل فِيهَا، وأفاد، حَتَّى ولي قَضَاء "بَغْدَاد"، وفوّض إليه الْفَتْوَى بِهَذِهِ الديار، وَعين لَهُ من بَيت المال كل سنة ألف وَخَمْسمِائة دِينَار، وَهُوَ أول مُتَوَلِّي بِقَضَاء "بغداد" من قبل سلاطين آل عُثْمَان، فشرع فِي إجراء الشَّرْع الْمُبين، وَأقَام بهَا سِتّ سِنِين، فنال فِيهَا ما نال من صنوف الأمتعة والأموال.
ثمَّ عزل، وَبَقِي فِي التعطل والهوان، ثمَّ أعطي مدرسة السُّلْطَان مُرَاد خَان، بَينا هُوَ فِي تهيئة الأهب إذ قلد قَضَاء "حلب"، وَلم يمْكث شَهْرَيْن فِي "حلب" المحروسة، حَتى جَاءَت لَهُ الْبُشْرَى بِقَضَاء "بروسه"، ثمَّ قلد قَضَاء
стр. 7182
"أدرنه"، ثمَّ "قسطنطينية" المحمية، ثمَّ عزل، وَعين لَهُ كلْ يَوْمِ مائَة دِرْهَم، وحسبت مُدَّة قَضَائِهِ فبلغت عشْرين سنة.
ثمَّ أعطى لَهُ دَار الحَدِيث، الَّتِي بناها السُّلْطَان سُلَيْمَان بـ "قسطنطينية"، وَزيد فِي وظيفته ثَلَاثُونَ، فدام علي المدارسة والمذاكرة، حَتَّى توفّي سنة تسع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة.
ويحكى أنه قصد أن يتوضأ لصَلَاة الصُّبْح، فَبينا هُوَ فِي أثنائه إذ أتاه ذَلِك الأمر الْعَظِيم، وألم بِهِ الخْطب الجسيم، وَكَانَ ﵀ مَعْرُوفا بِالْعلمِ وَالصَّلَاح، يرى عَلَيْهِ آثَار الْفَوْز والفلاج، متقشفا فِي اللبَاس، متخشعا فِي مُعَاملَة النَّاس، وَكَانَ مهيب المنظر، ولطيف الْمخبر، حسن المناظرة، طيب المعاشرة، وَكَانَ ﵀ لذيذ الصُّحْبَة، حسن النادرة.
وَمن كَلَامه ﵀: مثلنَا مَعَ حواشينا مثل الشمع الموقد بَين أظهر قوم، فأنهم مستضيئون بِهِ، ومنتفعون بنوره، والشمع منتقص فِي كل وَقت، وفان ومتداع إلى الخزي والخسران، وَلَا يخفى أن كَلَامه هَذَا أشبه قَول الإمام الْغَزالِيّ: فقهاؤنا كذبالة النبراس، هِىَ فِي الْحَرِيق، وضوؤها للنَّاس، وَقد أناف عمره على تسعين، بعثة الله فِي زمرة الصَّالحِين.
* * *
٥٤٣٧ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين، الإمام بِمَدِينَة "بروسه " *
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" فِى كتابه، وقال: وصل إلى خدمَة الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الْمولى إياس، وَتزَوَّج بنته، وتربى عِنْده، وَحصل طَريقَة الصُّوفِيَّة.
стр. 7183
وَكَانَ رجلا أديبا، مهيبا، غَايَة المهابة، ووقورا، غَايَة الْوَقار.
وَكَانَ مُنْقَطِعًا عَن النَّاس.
وَله كرامات عيانية مَشْهُورَة، يطول الْكَلَام بذكرها. قدّس سرّه.
* * *
٥٤٣٨ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين، المشتهر بإمام الدبَّاغين بِمَدِينَة "أدرنه " *
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: كَانَ قدّس سرّه عَارِفًا بِاللَّه تَعَالَى وَصِفَاته، عَالما بالعلوم الظَّاهِرَة.
وَكَانَ جبلا من جبال الشَّرِيعَة، وبحر من بحار الْحَقِيقَة، وَقد شهد لَهُ الشَّيْخ عبد اللطيف الْمَقْدِسِي بِأنَّهُ بَحر من بحار الْحَقِيقَة، وَكَانَ رجلا، دَائِم الِاسْتِغْرَاق، مهيبا، دَائِم الفكرة. يحْكى أنه كَانَ يُصَلِّي كل لَيْلَة مائَة رَكْعَة يجدد الوضوء بعد كل رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا.
مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى بِمَدِينَة "أدرنه"، وقبره مَشْهُور هُنَاكَ يزار، ويتبرك بِهِ، قدّس سرّه.
* * *
٥٤٣٩ - العَالم الفَاضِل المولى مصلح الدّين المشتهر ببستان * *
стр. 7184
ذكره صاحب "العقد المنظوم" في كتابه، وقال: ولد رَحمَه الله تَعَالَى سنة أرْبَع وَتِسْعمِائَة بقصبة "ثيره".
فَلَمَّا نَشأ وشب وَبلغ أبان الطّلب ترك التواني والتناعس وهجر التقاعد والتقاعس، فَخرج من تِلْكَ الْبِلَاد، وتشبث بذيل السَّعْي وَالِاجْتِهَاد، حَتَّى انتظم فِي سلك أرباب الاستعداد، وَاجْتمعَ من الأفاضل بِمن يمُكن مَعَه الِاجْتِمَاع، كالمولى محي الدّين الفناري، وَالْمولى شُجَاع.
ثمَّ عطف الزِّمَام نَحْو الِاشْتِغَال على الْمولى الْمُعظم المشتهر بِابْن الْكَمَال، فَجعل العكوف على التَّحْصِيل لزاما، فَملك من الْعُلُوم عنانا وزماما، وأحرز عِنْده من الْفَضَائِل مَا أحرز سَابق فِي مضمار المعارف، فبرز، وَجرى فِي ميدانها إلى أبعد أمد، وَبنى بَيت التَّقَدُّم على أثْبتْ عمد، وَصَارَ ملازما من الْمولى خير الدّين معلم السُّلْطَان سُلَيْمَان.
ثمَّ تقلد مدرسة الْمولى يكان بِمَدِينَة "بروسه"، ثمَّ عَن لَهُ بعض الأمور، واقتضت بعض الحيثيات اخْتِيَاره قَضَاء بعض القصبات، ثمَّ رَجَعَ عَنهُ بعد مَا بَاشر الْقَضَاء برأيه الرصين، وَأخذ مدرسة الْمولى عرب بقصبة "ثيره" بأربعين، ثمَّ ساعده الدَّهْر، وأعانه الزَّمَان حَيْثُ انتسب إلى زَوْجَة السُّلْطَان سُلَيْمَان، فأعطته مدرسته المبنية فِي "قسطنطينية" المحمية، فَبعد قَلِيل من الزَّمَان نقل إلى إحدى الْمدَارِس الثمان.
ثمَّ قلد قَضَاء "بروسه"، ثمَّ قَضَاء "أدرنه"، ثمَّ قَضَاء "قسطنطينية"، فَلَمَّا وصلت مُدَّة قَضَائِهِ إلى أرْبَع سِنِين ولي قَضَاء الْعَسْكَر بِولَايَة "أناطولي"، فَبعد عشرَة أيام توفّي الْمولى الشَّيْخ مُحَمَّد المشتهر بجوى زَاده، وَهُوَ قَاض بالعكسر بِولَايَة "روم ايلي"، فَنقل المرحوم إلى مَكَانَهُ، وَاسْتقر فِيهِ خمس سِنِين، ثمَّ عزل وَعين لَهُ كل يَوْم مائة وَخَمْسُونَ درهما.
وَتُوفِّي فِي الْعشْر الأخير من رَمَضَان سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة، وَدفن لَيْلَة الْقدر بِقرب زَاوِيَة السَّيِّد البُخَارِيّ خَارج "قسطنطينية".
стр. 7185
كَانَ ﵀ من أكَابِر الْعلمَاء والفحول الْفُضَلَاء، تَنْشَرِح النُّفُوس بروائه، وَيضْرب الْمثل بذكائه يغبطه النَّاس على نقاء قريحته وَسُرْعَة بديهته المعيا، فطنا، لبيبا، لوذعيا، فَذا، أديبا.
وَكَانَ إذا باحث أقام للأعجاز برهانا، وأصمت الْبَاب وأذهانا، وَكَانَت الْمَشَاهِير من كبار التفاسير مركوزة فِي صحيفَة خاطره، كانها مَوضُوعَة لَدَى ناظره، وَأما الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة فَهُوَ ابْن بجدتها وآخذ بناصيتها، وَقد كتب حَاشِيَة على "تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ" لسورة الأنعام، وعلق حَوَاشِي على مَوَاضِع أخر، إلا أنه لم يَتَيَسَّر لَهُ التبييض والإتمام بِسَبَب أنه سلك مَسْلَك الزّهْد وَالصَّلَاح، وانسم بسمة أصحاب الْفَوْز والفلاح.
وَكَانَ جَامعا بَين الْعلم وَالتَّقوى، متمسكا من حبال الشَّرِيعَة الشَّرِيفَة بِالسَّبَبِ الأقوى، وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن الْكَرِيم، وَيخْتم فِي صلواته فِي كل أسبوع مرّة، وَقَالَ يَوْمًا أني مُنْذُ خمسين سنة لم يتَّفق لي قَضَاء صَلَاة الصُّبْح، فَكيف غَيرهَا.
وَكَانَ ﵀ يَقُول: لَا بُد إني أموت فِىِ انْقِضَاء رَمَضَان، وأدفن لَيْلَة الْقدر، وَكَانَ الأمر كَمَا قَالَ، وَكَانَ مَشَايِخ زَمَانه يَقُولُونَ: إنه كمل الطَّرِيقَة الصُّوفِيَّة، وَكَانَ المرحوم الْوَالِد بالي ابْن مُحَمَّد شَرِيكا لَهُ في زمن اشْتِغَاله، وَصَارَ ملازما من الْمولى كَمَال باشا زَاده فِي الْقَضِيَّة الْوَاقِعَة بَين الْمولى الْمَزْبُور وَبَين جوي زَاده.
وخلاصة ذَلِك الْخَبَر أنه لما فتح إحدى الْمدَارِس الثمان امتحن الْمولى محي الدّين الفناري، وَالْمولى القادري، وَالْمولى جوي زَاده، وَالْمولى إسرافيل زَاده، وَالْمولى إسحاق، وَوَقع الامتحان من كتب "الْهِدَايَة"، و"التلويح"، و "المواقف"، فطالعوا فِيهَا، وحرروا رسائل.
وَكَانَ الْمولى كَمَال باشا زَاده يومئذ مفتيا بدار السلطنة، وَقد كَانَ كتب قبل هَذَا كتابا فِي أصول الْفِقْه، وَسَماهُ "تَغْيِير التَّنْقِيح"، فاتفق أن لَهُ فِي
стр. 7186
مَحل الامتحان من ذَلِك الْكتاب ردا على صَاحب "التَّنْقِيح"، فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ الْمولى جوى زَاده نَقله فِي رسَالَته بِلَفْظ قيل، وأجاب عَنهُ، فَلَمَّا تمّ الامتحان وتقرر رُجْحَان الْمولى جوي زَاده سعى بعض أعدائه إلى الْمُفْتِي الْمَزْبُور بأنه كتب كلامك فِي رسَالَته بتَخْفِيف وتنقيص، فَغَضب الْمُفْتِي، وشكا إلى السُّلْطَان، فأمر بحبسه وتسلية الْمُفْتِي، فأرسل إليه من يتعرف ذَلِك، فَقَالَ الْمُفْتِي: لَا أتسلى بِدُونِ قَتله، فعزم السُّلْطَان على أن يقْتله فِي الْبَحْر، إلا أنه لم يُسَارع فِيهِ، لما أنه كَانَ يسمع فِي الْمولى جوي زَاده من الْفضل وَالتَّقوى.
ثمَّ أشار إلى بعض الرؤساء بَأن يسعوا فِي إزالة غضب الْمُفْتِي وإثاره، فسعى طَائِفَة من الْعلمَاء وَغَيرهم استشعفوا، وَتَضَرَّعُوا إليه، وغيروا الرسَالَة، وعرضوها عَلَيْهِ، وَقَالُوا: إن مَا ذكر كذب وافتراء عَلَيْهِ، فلما أحسوا مِنْهُ الْميل إلى الْعَفو أتوا بِهِ إليه، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ باس نَعله، فَخرج من عِنْده، فَعَفَا عَنهُ السُّلْطَان، وَذهب إلى إحدى المدرستين المتجاورتين بـ "أدرنه"، وَحرم من الدُّخُول فِي الْمدَارِس الثمان.
ثمَّ قصد السُّلْطَان إلى الْمُفْتِي بالإحسان تَسْلِيَة للأمر السَّابِق وَجَزَاء للعفو الْمَذْكُور، فأرسل إليه من الْكتب والانية وَغَيرهَا، وَطلب مِنْهُ أن يعين عدَّة من طلبته للملازمة، فعين ﵀ فَمِمَّنْ عين المرحوم الْوَالِد وَكَانَ عِنْده بمرتبة، ثمَّ درس المرحوم بمدرسة خَاص كوي بِعشْرين، ثمَّ مدرسة أمير الأمراء بـ "أدرنه" بِخَمْسَة عشْرين، ثمَّ سَاقه بعض الأمور إلى اخْتِيَار منصب الْقَضَاء، وَتَوَلَّى عدَّة مناصب، حَتَّى توفّي بقصبة جورلي، وَهُوَ مُسَافر إلى قَصَبَة "بوردين" بعد تَقْلِيد قَضَائِهِ بِمِائَة وَثَلَاثِينَ، وَدفن بالقصبة المزبورة، وَذَلِكَ فِي شهر رَجَب.
وَقد ولد ﵀ سنة إحدى وَتِسْعمِائَة، وَقد قَرَأت عَلَيْهِ الصّرْف والنحو، ونبذا من علم الْفُرُوع، ٦ وَأَنا فِي ذَلِك مكمل لأول الْعُقُول، وَكَانَ
стр. 7187
رَحمَه الله حَدِيد الذِّهْن، صَاحب القريحة، صَحِيح العقيدة، بحاثا بِالْعلمِ مَعْرُوفا بِهِ بَين الأهالي.
وقد كتب تَفْسِيرا من الْمُعْتَبرَات بِخَطِّهِ، خُصُوصا مؤلفات أستاذه الْمولى ابْن كَمَال باشا زاده حَيْثُ كتب جَمِيع كتبه ورسائله، وعلق حَوَاشِي على بعض الْمَوَاضِع من شَرحه للفرائض، وعَلى بعض الْمَوَاضِع من "الإصلاح والإيضاح"، وَكَانَ لَهُ ليد الطُّولى فِي الْكَلَام والهيئة والحساب، وَكتب على بعض الْمَوَاضِع مِنْهَا كَلِمَات لَطِيفَة، وَكَانَ ﵀ مَحْمُود السِّيرَة فِي قَضَائِهِ، عَامله الله بِلُطْفِهِ يَوْم جَزَائِهِ.
* * *
٥٤٤٠ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين، الشهير بجاك مصلح الدّين *
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: كَانَ أصله من ولَايَة "منتشا"، وَكَانَ مشتغلا فِي أول عمره بالحياكة.
وَلما بلغ من عمره إلى أربعين سنة رغب فِي تَحْصِيل الْعلم، وقرأ على عُلَمَاء عصره.
ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة تيره، وَصَحب الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد الجمالي، وَالشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَمِيرا البُخَاريّ.
ثمَّ انْقَطع عَن التدريس، وَعين لَهُ كل يَوْم ثَلَاثُونَ درهما بطرِيق التقاعد، ورع أوقاته فِي الْعِبَادَات والتذكير والتدريس.
وَكَانَ يكْتب الْفَتْوَى، وَيَأْخُذ للكتابة أجرة.
стр. 7188
وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي سنة أرْبَعْ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة ببلدة "تيره"، وَكَانَ يحيى جَمِيع اللَّيَالِي، وَلَا ينَام إلا قَلِيلا، وَرُبمَا يغلب عَلَيْهِ الْحَال فِي الصَّلَاة، يشاهدها مِنْهُ الْحَاضِرُونَ، قدّس سرّه.
* * *
٥٤٤١ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين، المشتهر بِدَاوُد زَاده *
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: قرأ ﵀ على أفاضل عصره وأماثل دهره.
مِنْهُم: الْمولى محي الدّين، الشهير بقطب الدّين زَاده، ثمَّ صَار ملازما من الْمولى خير الدّين معلم السُّلْطَان سُلَيْمَان، ثمَّ تولى مدرسة جنديك بـ "بروسه" بِخَمْسَة وَعشْرين، ثمَّ مدرسة سُلَيْمَان باشا بقصبة يكي شهر بِثَلَاثِينَ، ثمَّ بهَا ثَانِيًا بأربعين، ثمَّ مدرسة قَاسم باشا خَارج "قسطنطينية".
ثمَّ نقل عَنْهَا إلى مدرسة خانقاه، ثمَّ إلى مدرسة الخاصكية، ثمَّ إلى إحدى الْمدَارِس الثمان، ثمَّ إلى مدرسة سليم خَان، ثمَّ قلد قَضَاء "الْمَدِينَة المنورة".
يحْكى أنه لما دخل الْحرم اعْتِقْ مماليكه، واجتهد فِي أداء مَنَاسِك الْحَج، واهتم غَايَة الاهتمام، وَبعد قَلِيل انْتقل إلى جوَار ربه السَّمِيع، وَدفن بِالبَقِيعِ.
وَكَانَ المرحوم صَاحب أيد فِي الْعُلُوم، سهل القياد، صَحِيح الِاعْتِقَاد، ذَا همة علية، وسماحة جلية، يُرَاعِي مَعَ الإخوان الخلان الْحُقُوق السَّابِقَة إذا نزلت بائقة.
стр. 7189
وَبِالْجُمْلَةِ: كَانَ ﵀ صَاحب عزم وحزم، إلا أن فِيهِ خصْلَة ابْن حزم، الَّذِي قَالَ فِي شأنه بعض أرباب الْبَيَان: لِسَان ابْن حزم وَسيف الْحجَّاج شقيقان، محا الله سيئاتهما، وضاعف حسناتهما، وَقد علّق ﵀ فِي أثناء الدَّرْس حَوَاشِى على بعض الْمَوَاضِع من "شرح الْمِفْتَاح" للشريف الْجِرْجَانِيّ.
وَمِمَّنْ ألقى إليه الدَّهْر قيادة، فَتقدم على كثير من الأفاضل على خلاف.
* * *
٥٤٤٢ - الْمولى مصلح الدّين الشهير بكوجك بُسْتَان *
ذكره صاحب "العقد المنظوم" في كتابه، وقال: نشأ ﵀ بقصبة "بركي"، وَطلب الْعلم، وَدَار الْبِلَاد، واشتغل، واستفاد، حَتَّى انتظم فِي سلك أرباب الاستعداد، وَدخل مجَالِس الفحول، مِنْهُم: الْمولى محي الدّين المشتهر بالمعلول، وَصَارَ معيدا لدرس الْمولى عبد الرحمن فِي مدرسة زَوْجَة السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان.
ثمَّ درس بِالْمَدْرَسَةِ الخاتونية بـ "قسطنطينية" بِعشرْين، ثمَّ صَارَت وظيفته فِيهَا خمْسَة وعشرين، ثمَّ درس بمدرسة مُرَاد باشا فِي الْمَدِينَة المزبورة بِثَلَاثِينَ، وَقد قرأت عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمدرسَة طرفا من "شرح الْمِفْتَاح" للشريف الْجِرْجَانِيّ، ثمَّ نقل عَنْهَا إلى الْمدرسَة الأفضلية بأربعين، ثمَّ درس بِالْمَدْرَسَةِ القلندرية بِخَمْسِينَ.
ثمَّ نقل إلى مدرسة زَوْجَة السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان، ثمَّ إلى إحدى الْمدَارِس الثمان، ثمَ إلى مدرسة مغنيسا، وفوض إليه الْفَتْوَى بِهَذِهِ النواحي،
стр. 7190
وَعين لَهُ كل يَوْم سَبْعُونَ درهما، ثمَّ زيد عَلَيْهَا عشرَة، ثمَّ عشرُون، فَصَارَت وظيفته فِي كل يَوْم مائَة مائَة، فاشتغل فِيهَا، وَأفَاد، وَأفْتى، وأجاد، حَتَّى أبلاه الدَّهْر، وأباد فِي أوائل ذِي الْحجَّة سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة.
وَكَانَ المرحوم مشاركا في أَكثر الْعُلُوم، قوالا بِالْحَقِّ، متصلبا فِي دينه، مشتغلا بِمَا يهمه ويعنيه، ومجتهدا فِي إحراز الْعُلُوم النافعة غَايَة الِاجْتِهَاد، جزاه الله بمزيدا حسانه يَوْم التناد.
* * *
٥٤٤٣ - الْعَالم الْعامِل الْمولى مصلح الدّين الشهير بمعلم السُّلْطَان جهانكير *
ذكره صاحب "العقد المنظوم" في كتابه، وقال: وَقد نشأ ﵀ فِي الْقرْيَة الْقَرِيبَة "اكردير"، وشب على تَحْصِيل الْعلم، وشمر عَن سَاق الِاجْتِهَاد، حَتَّى تميز، وانتظم فِي سلك أرباب الاستعداد، وسلك فِي الطَّرِيقَة الْمُعْتَادَة، حَتَّى وصل إلى خدمَة الْمولى المشتهر بجوي زَاده.
ثمَّ وصل إلى خدمَة الْمولى عبد الواسع، فنال بِهِ مَا نَالَ، وَحصل عِنْده الآمال، فَلَمَّا صَار ملازما مِنْهُ قَلّدهُ الْمدرسَة، الَّتِي بناها بقصبة "ديمو رتوقه" بِعشْرين، ثمَّ زَاد فِي وظيفته، فَصَارَت خَمْسَة وَعشْرين، وَلما توفّي الْمولى الْمَزْبُور تقاعد فِي الْمدرسَة، وتشبث بذيل القناعة، واشتغل بتهذيب نَفسه بِقدر الِاسْتِطَاعَة.
وَلما مضى عَلَيْه بُرْهَة من الزَّمَان نصب معلما للسُّلْطَان جهانكير ابْن السُّلْطَان سُلَيْمَان، فدام على تَعْلِيمه إلى أن أخمد الدهر ناره، وَعفى
стр. 7191
آثاره، وَعين لَهُ كل يَوْم خَمْسُونَ درهما على طَرِيق التقاعد، ثمَّ زيد عَلَيْهِ عشرُون، فدام عَلَيْهِ، حَتَّى ألم بِهِ ريب الْمنون، وَذَلِكَ فِي الْمحرم سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة.
وَكَانَ ﵀ عَالما عَاملا، وورعا دينا، سريع الْفَهم، قوى الذِّهْن، حسن الأخلاق، طيب الله ثراه، وَجعل الْجنَّة مثواه.
* * *
٥٤٤٤ - الشيخ الفاضل العلامة مصلح الدين، اللاري *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: كان أوحد أقرانه في العلوم العربية والمعارف الحكمية.
درّس، وأفاد مدّة طويلة.
أخذ عنه مرزا شاه حسين سلطان "السند" وطائفة من أهل العلم، وهو سافر إلى "مكّة المباركة" سنة ستين وتسعمائة، فلم يرجع عنها.
وله شرح بسيط على "شمائل الترمذي"، وتعليقات على "تفسير البيضاوي"، وشرح المنطق بالفارسي، ذكره النهاوندي في "المآثر".
* * *
٥٤٤٥ - الشيخ الفاضل الْمولى مصلح الدّين اللاري * *
стр. 7192
ذكره صاحب "العقد المنظوم" في كتابه، وقال: ولد ﵀ فِي "اللار"، وَهِي بالراء الْمُهْملَة مملكة بَين "الْهِنْد" و"الشيراز".
اشْتغل ﵀ على مير غياث بن مير صدر الدّين المستغني بشهرته التَّامَّة عَن التوصيف والتبيين، وقرأ أيضا على مير كمال الدّين حُسَيْن تلميذ الْمولى الْمَعْرُوف لَدَى القاصي والداني جلال الْملَّة وَالدّين مُحَمَّد الدواني، ثمَّ ذهب إلى بِلَاد الْهِنْد، واقتحم شَدَائِد الأسفار، واتصل بالأمير همايون من أعاظم مُلُوك هَذِه الديار، وَحل عِنْده محلا رفيعا ومنزلا منيعا، وتلمذ مِنْهُ، ولقبه بالأستاذ، وعامله باللطف والرأفة، إلى أن أفناه الدَّهْر، وأباد، وَقَامَت الْفِتَن، والحوادث من بعده فِي تِلْكَ الْبِلَاد، فَخرج المرحوم عَنْهَا قَاصِدا إلى زِيَارَة بَيت الله الْحَرَام، وإقامة شَعَائِر شرائع الإسلام، فَلَمَّا تيَسّر لَهُ الْحَج، وَحصل لَهُ الرّوم رام الدُّخُول فِي بلاد الروم، فانتقل من بلد إلى بلد، وَمن مَدِينَة إلى مَدِينَة، حَتَّى وصل إلى "قسطنطينية"، فَاجْتمع بِمن فِيهَا من الأفاضل الفحول، وباحث مَعَهم فِي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول.
وَلما اجْتمع بالمولى أبي السُّعُود اضمحل عِنْده، وَلم يظْهر لَهُ وجود، وَعين لَهُ كل يَوْم خَمْسُونَ درهما من بَيت المال، فَلم يجد فِيهَا مَا يرضيه من التَّوَجُّه والإقبال، فَلم يخْتَر الإقامة فِي هَذِه الْبَلدة البديعة، وَخرج إلى ديار بكر وَرَبِيعَة، فَلَمَّا وصل إلى "آمد"، وشاع لَهُ المحاسن والمحامد استدعاه أميره إسكندر باشا، وَصَاحبه، فَاسْتَحْسَنَه واعجبه، وَبَالغ فِي ثنائه وعطائه، وعينه معلما لنَفسِهِ وأبنائه، وَزَاد على وظيفته، وأبرم عَلَيْهِ الإقامة فِي الْبَلدة المسفورة.
ثمَّ قلد المدرسة الَّتِي بناها خسرو باشا فِي الْبَلدة المزبورة، وأرسل إليه المنشور من جَانب السُّلْطَان بَان يلْتَحق بزمرة الموَالِي، فَتعين كل نوبَة ثَلَاثَة من طلبته لملازمة الْبَاب العالى، فدام على الدَّرْس والإفادة، حَتَّى درسه الدَّهْر،
стр. 7193
وأباده، وَذَلِكَ فِي شهر ذِي الْحجَّة سنة تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة، وَقد أناف عمره على سِتِّينَ سنة.
كَانَ ﵀ عَالما فَاضلا محققا كَامِلا، عُزَيْر الْفَهم، كثير الإحاطة، وَاسع الْمعرفَة، مشاركا فِي الْعُلُوم النقلية، صَاحب الْيَد الطُّولى فِي الْفُنُون الْعَقْلِيَّة، "شرح تَهْذِيب الْمنطق"، و"التذكرة من علم الْهَيْئَة"، ورسالة الْمولى فِي الْفَنّ الْمَزْبُور، وَكتب فِيهِ متْنا لطيفا، وعلق حَاشِيَة على "شرح الْهِدَايَة الْحكمِيَّة" للْقَاضِي مير حُسَيْن، و"حاشية على شرح الطوالع" للأصفهاني، و"حاشية على شرح الْمولى جلال" للتهذيب، وحاشية على بعض الْمَوَاضِع من "شرح المواقف" للشريف الْجِرْجَانِيّ، و"حاشية على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ" إلى آخر الزهراوين، وَ"شرح شمائل النَّبِي" ﷺ بالعربي والفارسي، وَجمع تَارِيخا كَبيرا على لِسَان فَارس من بَدْء الْعَالم، إلى زَمَانه، وَكتب على مَوَاضِع من "الْهِدَايَة"، ورسائل عديدة يطول ذكرهَا، وَقصد مُعَارضَة الْمُفتِي أبي السُّعُود فِي قصيدته الميمية، وكلف نَفسه مَا لَيْسَ فِي وَسعه، فَكَانَ فِي الآخر مصداق مَا قَالَه الشَّاعِر:
إذا لم تستطع أمرا فَدَعْهُ … وجاوزه إلى مَا تَسْتَطِيع
ولنذكر مِنْهَا مَا قدمه حَتَّى نريك أيْنَ يضع قدمه.
كَفاك ابتئاسا فِي هَوَاك ملام … وَقلت لمن شَاءَ السَّلَام سَلام
أسار أسير الْعِشْق صوب سَلامَة … أكان مَكَان العاشقين سَلام
وَمَا كنت وحدي بالمحبة هائما … فَذَاك كثير فِي الزَّمَان قُدَّام
لكم زمرة تاهت بتيه محبَّة
فكم هام فِي هَذَا الهيام هيام
وَمن قَالَ من ليلاي حرفا أسرني … وكل كَلَام غير ذَاك كَلَام
حمامة مني بلغيها تَحِيَّة … وإن جَاءَنِي بعد البعاد حمام
стр. 7194
رماني زماني فِي مقاحم هجره … وَمن عين عَيْني الدُّمُوع سجام
وأقرح اجفاني واحرق مهجتي … بِمَا صب عَيْني واستفاد غرام
فَلَا عبراتى بالعيون لتنتهي … وَلَا زفراتي بالفراق تضام
فيا ليت شعري ارى روح وَصله … ويرتاح قلب قد حواه ضرام
ايبدو لالام الْفِرَاق مفرق … ويرجى لأسباب الْوِصَال ضمام
طويت طوامير الْوَفَاء مغاضبا … اليست عهود بَيْننَا وذمام
فآها لأزمان الْفِرَاق وطولها … فساعة يَوْم من فراقك عَام
فَلَو فِي الفلا أشكو فَلَا شكّ أنه … ليبكي على حَالي الفلا وأكام
وَكَانَ اشتهاري باصطباري لمحنة … وَلَكِن صبرا فِي نواك حرَام
لقدك قد قَامَت حُدُود رشاقة … وخدك حد الْحسن فِيهِ تَمام
وَصَاحب مِصْبَاح الصباحة مصبحا … فانت وشمس سيد وَغُلَام
وَقَالَ بعد أبيات:
وَفَارَقت أبناء الزَّمَان جَمِيعهم … وَمَا للبيب باللئام لؤام
وَلَا لطف فِي خل من الْخَيْر قد خلا … وَلَا نفع فِي سحب لَهُنَّ جهام
لَهُم فِي أداء المنجيات تكاسل … لَهُم فِي لُزُوم المهلكات لزام
وَلَيْسَ لإقبال الزَّمَان إدامة … وَلَيْسَ لإدبار الدهور مدام
فَكل نَهَار يحدث اللَّيْل بعده … وَلَا ليل إلا من قَفاهُ عيام
فَلَا تَكُ مَسْرُورا وَلَا متحزنا … أتاك نَهَار أوْ عرَاك ظلام
كبو قلمون فِي التلون دَهْرنَا … وَلَيْسَ لما أبدى الزَّمَان دوَام
تعاقيب حالات الأنام كَمَا ترى … دَلِيل على هَذَا الْكَلَام تَمام
سرُور وأحزان شباب وَشَيْبَة … غنى واحتياج صِحَة وسقام
حَيَاة وَمَوْت لَذَّة وتألم … وعسر وَيسر محنة وحمام
ألا إنما الدُّنْيَا كأحلام نَائِم … فَعَن ذَاك إيقاظ الأنام نيام
стр. 7195
وطوفان نوح قد نجا مِنْهُ فرقة … وَلَكِنْ طوفانْ الْمنية عَام
فَمَا قاومت موتا صلابة رستم … وَقد زَالَ حام بالزوال وسام
وَأَيْنَ مُلُوك قد بنوا فِي بِلَادهمْ … كَانَ لديهم مَا يكَاد يرام
بِسَاحَتِهِمْ للنَّاس كَانَ تزاحم … وفيهَا صُدُور ركع وَقيام
صناجقهم طاحت وبادت جنودهم … مناجقهم قد بددت وسهام
وَأَيْنَ بَنو مَرْوَان أيْنَ بِلَادهمْ … وأين وليد وَأَيْنَ رَاح هِشَام
مضى آل عَبَّاس وَلم يبْق بأسهم … وَلم يبْق مِنْهُم عدَّة وعرام
فيا راسخا فِي غمرة الْجَهْل والهوى … سيلقاك فِي هَذَا الرسوخ ندام
عَلَيْك بهرب ثمَّ رهب من الْهوى … هوى وهوي فِي الْجَحِيم تؤأم
عجبت لمن اضحى من الزاد خاليا … ألْيَسْ لَهُ نَحْو الْمعَاد رغام
فتب خَالِصا من كل إثم فإنه … يصير مصير الآثمين أثام
* * *
٥٤٤٦ - الشيخ الفاضل المولى مصلح الدّين الطَّوِيل *
ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في كتابه، وقال: كَانَ أصله من كرة النّحاس من ولَايَة "قسطموني"، اشْتغل أولا بِالْعلمِ الشريف، وَكَانَ مشتهرا بالْفَضْلِ مَقْبُولًا عند علماء عصره.
ثمَّ حصل لَهُ محبَّة التصوف، وَدَار على مَشَايِخ عصره، وَاسْتقر عِنْد الشَّيْخ الإلهي، وداوم خدمته إلى أن مَاتَ، وَحصل عِنْده طَريقَة التصوف، وَبلغ الْكَمَال الْأَقْصَى، وَكَانَ مُنْقَطِعًا من النَّاس مُجَردا عَن أَحْوَال الدُّنْيَا، غير مبال بعادات النَّاس، وَيرى فِي ظَاهره آثَار الهيبة والجلال، وَهُوَ عِنْد الصُّحْبَة
стр. 7196
باللطف وَالْجمال، ورأيته فِي زمن الصِّبَا، وَحصل لي مِنْهُ هَيْبَة عَظِيمَة، وَهَذِه الهيبة فِي قلبي إلى الآن.
وَكتب رِسَالَة فِي زمن السُّلْطَان بايزيد خان، وأرسلها إليه يذكر فِيهَا نبذا من أَحْوَال الْعَرْش والكرسي، وَذكر فِي آخرهَا أنه إذا وَقع الظُّلم فِي نَاحيَة من النواحي يرى صلحاء تِلْكَ النواحي رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَنَام حَزينًا وصلحاء كرة النّحاس رأوا رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم مَحْزُونا فتتبعنا، فَوَجَدنَا فِي تِلْكَ النَّاحِيَة ظلما عَظِيما، وَوصف ذَلِك الظُّلم، فَرفع السُّلْطَان بايزيد خان ذَلِك الظُّلم عَن أهل تِلْكَ النواحي.
وَحكى بعض من الْعلمَاء أنه قَالَ: ذهبت إلى خدمته مرّة، وَقلت: أردْت أن أترك هَذَا الطَّرِيق.
قَالَ أَي طَرِيق هُوَ؟
قلت: الْعلم.
قَالَ: هَل وجدت طَرِيقا أحسن مِنْهُ، قَالَ: فَسكت.
ثمَّ قَالَ للحاضرين: هَل فِيكُم من يعرف سِنَان جلبي الكرميائي؟
قَالُوا: نعم نعرفه.
قَالَ: كَيفَ تعرفونه؟
قَالُوا: هُوَ قَاض من أهل الْفضل.
قَالَ: إنه أكمل طَريقَة التصوّف، وَلَيْسَ فِيكُم من يعرف حَاله، هَذَا وَالَّذِي لَهُ همة عالية يكمل الطَّرِيقَة قَاضِيا ومدرسا، وَلَا يشْعر بِهِ أُحْدُ، وَمن لَيْسَ لَهُ همة عالية تشوقه النَّفس إلى ترك طَرِيق الْعلم، وَلَا يَتَيَسَّر لَهُ ذَلِك، وَيحرم عَن الطَّرِيق.
стр. 7197
وَمن جملَة أحواله: أنه فرش حَصِيرا فِي مَوضِع قريب من قبر الشَّيْخ تَاج الدّين بِمَدِينَة "بروسه"، وَقَرَأَ على ذَلِك الْحَصِير كل غدْوَة سُورَة يس إلى أربعين يَوْمًا، وَلما أتم الأربعين مَاتَ، وَدفن فِي مَوضِع ذَلِك الْحَصِير قدّس سرّه.
* * *
باب من اسمه مطرّف، مطهّر، المظفّر
٥٤٤٧ - الشيخ الفاضل مطرَّف بن أيوب اليزدي *
* * *
٥٤٤٨ - الشيخ الفاضل المطهَّر بن الحسن بن سعيد بن على بن بُندار اليزدي * *
стр. 7198
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: له "شرح القدوري"، سماه "اللباب".
رأيته في مجلّدين، كنيته أبو سعد جلال الدين (١)، ويلقَّب بجلال الدين القاضى شيخ الإسلام.
وتقدّم أخوه أسعد في بابه (٢).
قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد" (٢١٥): ذكر السيوطي في "حسن المحاضرة" الحسين بن أحمد بن الحسين بن سعيد بن علي بن بندار الإمام أبو الفضل الهمداني اليزدي، كان تحت يده في بلاده اثنا عشر مدرسة، فيها من الطلبة ألف ومائتان، قدم إلى "قوص"، فمات بها سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وحمل إلى "مصر" ميتا. انتهى.
* * *
٥٤٤٩ - الشيخ الفاضل المطهَّر بن سليمان بن محمد، أبو بكر *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: قال الخطيب: كان عالما بالفرائض، ينتحل مذهب أهل "العراق" في الفقه.
стр. 7199
مات يوم الخميس، الثالث عشر من ربيع الآخر، سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. [وقيل: أربع] (١).
حدّث عن أبيه سليمان بن محمد، ومحمد بن محمد بن سليمان الباغندي في آخرين. وروى عنه أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو النقَّاش، وأبو نُعيم أحمد بن عبد الله الحافظان في "معجميهما"، وذكره ابن النجَّار.
وقال: كان من فقهاء أصحاب أبي حنيفة، رحمهم الله تعالى.
وله معرفة بالفرائض.
* * *
٥٤٥٠ - الشيخ الفاضل مولانا مطيع الرحمن بن المنشي غلام مصطفى الكُمِلائي *
ولد سنة ١٣١٥ هـ في قرية "تِيرْكَانْدَا" من مضافات "سَرَائيل" من أعمال "كملا".
قرأ مبادئ العلم في قريته، ثم التحق بالجامعة اليونسية برهمن باريه، قرأ فيها إلى "شرح الوقاية"، و"نور الأنوار" وغيرهما من الكتب الدراسية.
ثم سافر إلى دار العلوم ديوبند، والتحق بها، وقرأ فيها عدة سنين، حتى أتم الدراسة العليا فيها.
من شيوخه فيها: شيخ الإسلام السيّد حسين أحمد المدني، وأستاذ العلماء العلامة رسول خان الهزاروي، والعلامة إبراهيم البلياوي، والعلامة إعزاز علي الأمروهوي، والعلامة سميع الحق، وغيرهم، رحمهم الله تعالى.
стр. 7200
بعد إتمام الدراسة رجع إلى وطنه الأليف، والتحق مدرسا بالجامعة اليونسية، وبعد مدة عين عميدا لشؤون التعليم، وأقام على هذا المنصب الجليل ٦٥ سنة.
توفي يوم الأربعاء يوم عيد الأضحى عاشر ذى الحجة سنة ١٤١٣ هـ.
* * *
٥٤٥١ - الشيخ الفاضل المظفَّر بن إبراهيم الجرجاني، أبو مسعود *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: قال أبو الحسن الباخرزي في "دمية القصر": إمام مقدّم في فقه أبي حنيفة، وصدر في الأدب (١)، [وبحر في العلوم غزير.
لقي الصاحب ابن عبَّاد في أيام عبد السيّد أبي طالب الهروي، ثم توجَّه إلى بلده، فأدركه القضاء في جوف البحر] (٢)، قال: ومما بلغني من شعره (٣):
стр. 7201
أسحر بأجفانه أم خُمار … ومسك بعارضه أم عِذار
غزال بخدّيه ورد الحيا … وظلّ الجمال عليه نثار (١)
فمن ريقه يتعاطى الرحيق … ومن خدّه يجتنى الجُلَّنار.
* * *
٥٤٥٢ - الشيخ الفاضل مظفَّر بن رضوان بن أبي الفضل، القاضي، المنبِجي *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: درّس بـ "دمشق"، وناب في الحكم، وفيه فضل وفقه وسكون.
وأجاز للبرزالي (٢).
ومات بـ "دمشق" في ذي القعدة سنة خمس وسبعين وستمائة، رحمه الله تعالى.
* * *
٥٤٥٣ - الشيخ الفاضل المظفَّر بن المبارك بن أحمد بن محمد ،
стр. 7202
أبو الكرم، القاضي، البغدادي تقدّم ذكر والده المبارك (١) *
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: ولد سنة ستّ وأربعين وخمسمائة.
تفقّه على والده، ووالده عُرف بحرَّكَها.
سمع من أبي الوقت عبد الأول، وأبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد، وغيرهما.
ذكره الحافظ زكيّ الدين (٢) في "التكملة"، وقال: درّس الفقه بمشهد أبي حنيفة وغيره، وولي القضاء والحِسْبة بـ "بغداد"، وحدّث.
قال: ووالده (٣) [كان] عارفا بمذهب أبي حنيفة ﵁ ودرّسه سنين.
وله شعر (٤):
لئن بعدت دار وشطَّت منازل … وطالت عهود بيننا ودهور
لقد بقيت في القلب منك بقية … ويسأل عنها منكر ونكير (٥).
* * *
стр. 7203
٥٤٥٤ - السلطان الفاضل العادل المحدّث الفقيه مظفّر بن محمود بن محمد بن أحمد ابن محمد بن المظفر، الكجراتي، أبو النصر شمس الدين مظفر شاه الحليم، صاحب الرياستين *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: ولد يوم الخميس لعشر بقين من شوّال، سنة خمس وسبعين وثمانمائة بأرض "كجرات"، ونشأ في مهد السلطة، ورضع من لبان العلم، وترعرع، وتنبَّل في أيام أبيه.
وقرأ على مجد الدين محمد بن محمد الإيجي العلامة، وعلى غيره من العلماء.
وأخذ الحديث عنه، وعن الشيخ المحدّث جمال الدين محمد بن عمر ابن المبارك الحميري الحضرمي، الشهير ببحرق، وتدرّب في الفنون الحربية، حتى فاق أسلافه في العلم والأدب، وفي كثير من الفعال الحميدة.
وقام بالملك بعد والده يوم الثلاثاء، ثالث شهر رمضان، سنة سبع عشرة وتسعمائة، من الهجرة.
وافتتح أمره بالعدل والسخاء والنجدة والجهاد وسدّ الثغور وإكرام العلماء.
وكان غاية في التقوى والعزيمة والعفو والتسامح عن الناس، ولذلك لقّبوه بالسلطان الحليم.
وكان جيّد القريحة، سليم الطبع، حسن المحاضرة، عارفا بالموسيقي، مشاركا في أكثر العلوم والفنون، ماهرا في الفنون الحربية، من الرمي
стр. 7204
والضرب بالسيف، والطعن بالرماح، والفروسية، والمصارعة، خطَّاطا، جيّد الخطّ.
كان يكتب النسخ، والثلث، والرقاع بكمال الجودة، وكان يكتب القرآن الحكيم بيده، ثم يبعثه إلى الحرمين الشريفين، وحفظ القرآن في حياة والده في أيام الشباب.
وكان يقتفي آثار السنة السنيّة في كلّ قول وفعل، ويعمل بنصوص الأحاديث النبوية، وكثيرا ما يذكر الموت، ويبكي، ويكرم العلماء، ويبالغ في تعظيمهم، كان لا يحسن الظنّ بمشايخ عصره في بداية حاله، ثم مال إليهم.
ولم يزل يحافظ على الوضوء ويصلّي بالجماعة، ويصوم رمضان، ولم يقرب الخمر قط، ولم يقع في عرض أحد.
وكان يعفو، ويسامح عن الخطَّائين، ويجتنب الإسراف والتبذير، وبذل الأموال الطائلة على غير أهلها.
وكان كثير التفحّص عن أخبار الناس، عظيم التجسّس عن أخبار الممالك، وربما يغير زيّه ولباسه، ويخرج من قصره آناء الليل والنهار، ويطلع على الأخبار، ويستكشف الأسرار.
قال الآصفي: إنه وَصَل إليه يوما من القاضي بـ "جانبانير" رسول الطلب، وقد تظلم منه من يتجر في الخيل، فكما بلغه، وعلى ما كان عليه في حال الخلوة أجاب الرسول، وخرج ماشيا إلى مجلس القاضي، وجلس مع خصمه بين يديه، وادّعى التاجر عليه أنه لم يصله ثمن أفراسه، وثبت ذلك، وأبى التاجر أن يقوم من مجلسه قبل أداء الثمن، وحكم القاضي به، فمَكَث السلطان مع خصمه إلى أن قبض التاجر الثمن.
وكان القاضي لما حضر السلطان المحكمة، وسلّم عليه لم يتحرّك من مجلسه، وما كفاه ذلك، حتى أنه أمره أن لا يترفّع على خصمه، ويجلس معه،
стр. 7205
والسلطان لا يخرج عن حكمه، ولما قبض التاجر الثمن وسأله القاضي هل بقيت لك دعوى عليه، وقال: لا، عند ذلك قام القاضي من مجلسه، وسلّم على سلطانه على عادته فيه، ونكّس رأسه فيما يعتذر به، فقام السلطان من مجلسه مع الخصم، وأخذ بيد القاضي، وأجلسه في مجلس حكمه كما كان، وجلس إلى جنبه، وشكره على عدم مداهنته في الحق، حتى أنه قال: لو عدلت عن سيرتك هذه رعاية لي لانتصفت للعدالة منك، وأنزلتك منزلة أحاد الناس، لئلا يأتسي بك بعدك غيرك، فجزاك الله عني خيرا بوقوفك مع الحق، فمثلك يكون قاضيا، فأثنى عليه القاضي، وقال: ومثلك يكون سلطانا.
قال الآصفي: ومن برّه المستفيض لأهل الحرمين الشريفين: أنه نجر مركبا وشحنه بالقماش المثمن، وأرسله إلى بندر "الحجاز" "جدّة"، وجعله وما فيه صلة لهم، وله بـ "مكة المشرفة" رباط يشتمل على مدرسة وسبيل وعمارة وغيرها، وعين وقفا يتجهّز محصوله إلى "مكة" في كلّ موسم للمدرسين بمدرسته والطلبة وسكنة الخلاوى وخدم السبيل، وما في معناه، ويتجهز سواه لأهل الحرمين، وكان ذلك مستمرا في أيامه.
ومن مآثرة الحسشة بالحرمين: مصحفان بخطّه المنسوب، كتبهما بقلم الثلث المحرّر بماء الذهب، وإمام الحنيفة مخصوص بالقراءة فيهما، وربعتان، وأيضا بخطّه كذلك، وللمصحفين والربعتين وقف مخصوص، يتجهز كلّ عام إلى الحرمين الشريفين لقارئ المصحف، وقراء الأجزاء، وشيخ الربعة، ومفرقها، والحافظ لها، والداعي له عند الختم والسقاء في الوقت والنقيب والفراش.
وقد رأيت ذلك، وكان مستمرا إلى شهادة السلطان محمود.
ومن نوادر أفعاله: أنه لما تغلب مندلي رأي على بلاد "مالوه" ضيق على المسلمين، وخرج محمود شاه الخلجي صاحب "مالوه" من بلاده، هاربا
стр. 7206
عنه إلى "كجرات" نهض الساطان مظفَّر الحليم من بلاده إلى "مالوه" سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة بعساكره، فوصل إلى "دهار"، ثم إلى "مندو"، ونزل على القلعة، وشرع في المحاصرة، وأما مندلي رأي فإنه لما بلغه نزول السطان بـ "ديوله" قال لأصحابه: قرب منا المظفَّر، ولا سبيل إلى الحرب إلا إذا حضر رانا سانكا صاحب "جتور" فاكفوني أنتم القلعة، وأنا أسير إليه، وأصل به، وعلى هذا، ودععهم، وعزم لطلبه.
فلما نزل السلطان على القلعة خرج يوما فوج فيه نخبة من رجال القلعة، على أن يفتكوا بالمسلمين، وكانوا حذرين، فشدّوا عليهم، وقتلوا منهم كثيرا، وهرب الباقون، تركوا السيف، واعتمدوا الخديعة، فطلبوا الأمان لتسليم القلعة، وترددوا فيه أياما، ثم سألوا الأمان لأموالهم، فلما أجيبوا طلبوا المهلة لجمعة، ثم سألوا التباعد عن القلعة، ليأمنوا في الخروج، ولما فعل ذلك بلغه وصول رانا سانكا إلى "أجين".
فغضب السلطان، وركب إلى ربوة مرتفعة هناك، وجلس عليها، وأما الأمراء فكلّ منهم في سلاحه الكامل في ظل علمه واقف تحت الربوة، فطلب من بينهم عادل خان الفاروقي، صاحب "برهانبور"، وقلّده إمارة العسكر المجهّز لحرب صاحب "جتور"، وخلع عليه، وقلده سيفا، وحياضة، ومجنا وتسعة من الخيل وحلقة من الأفيال، وأوصاه، وودعه.
وكذلك طلب فتح خان صاحب "رادهن بور" وأعطاه مثله، وكذلك طلب قوام خان، ثم أوصاهما بعادل خان، ودعهما، ثم استدعى عسكر هؤلاء ووعدهم جميلا، وخص وجوه العسكر بالأقبية، وأمر بسائرهم بالتنبل على عادة "الهند" في الرخصة لهم، ونهض إلى منزله الأول، وجد في أسباب الفتح، ودخل القلعة عنوة في ثاني يوم نزوله، وعمل السيف فيهم، وكان آخر أمره أنهم دخلوا مساكنهم، وغلقوا الأبواب، وأشعلوها نارا، فاحترقوا وأهليهم، والسلطان تحت المظلة، وهكذا محمود وهما يسيران رويدا رويدا، والدماء تسيل
стр. 7207
كالعين الجارية في سكك القلعة من كل جانب إلى مخارج الماء منها، وبلغ عدد القتلى من الكفرة تسعة عشر ألفا سوى من غلق بابه، واحترق، وسوى أتباعهم، فلما وصل السلطان إلى دار سلطنة الخلجي التفت إليه، وهنّأه بالفتح، وبارك له في الملك، وأشار بيده المباركة إلى الباب، وقال له: ﴿بِسْمِ اللَّهِ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، وعطف عنانه خارجا من القلعة إلى القباب، ودخل الخلجي منزله، واجتمع بأولاده وأهله، وسجد شكرا لله سبحانه.
فلما بلغ مندلي رأي شهق شهقة، وغشي عليه، وسمع رأنا سانكا بعادل خان، وقد قرب من "أجين"، فاضطرب، وقال لمندلي رأي: ما هذه الشهقة؟ قد قضي الأمر، فإن عزمت على أن تلحق بأصحابك، فها عادل خان يسمع نفيره، وإلا فأدرك نفسك، ثم أمر به، فحمل على فيل، وخرج من "أجين" إلى "جهاته" خائبا سعيه.
وتبعه عادل خان إلى "ديبالبور"، وتوقف بها، حتى جاءه الطلب، ثم إن الخلجي تفقد ذخائره، وهيّأ الضيافة، ونزل إلى مظفر شاه السلطان، وسأله التشريف بالطلوع، فأجابه، فلما فرغ من الضيافة دخل به العمارات، التي من آثار أبيه وجدّه، فأعجب بها، وترحم عليهم، ثم جلسا في جانب منه، وشكره الخلجي، وقال: الحمد لله الذي بهمتك رأيت بعيني ما كنت أتمناه بأعدائي، ولم يبق لي الآن أرب في شيء من الدنيا، والسلطان أولى بالملك مني، وما كان لي فهو له، فأسالك قبول ذلك، وللسلطان أن يقيم به من شاء، فالتفت السلطان إليه، وقال له: أول خطوة خطوتها إلى هذه الجهة كانت لله تعالى، والثانية كانت لنصرتك وقد نلتها، فالله يبارك لك فيه، ويعينك عليه.
فقال الخلجي: خلا الملك من الرجال فأخشى ضياعه، فأجابه مظفّر شاه المظفر الحليم، وقال له: أما هذا فمقبول، سيكون آصف خان
стр. 7208
معك باثني عشر ألف فارس، إلى أن يجتمع رجالك، فطلب الخلجي أن يكون عنده ولده تاج خان، وألح عليه، فأجاب إلى ذلك، ووعده بالنصر في سائر الأوقات، وقال لآصف خان: ما لك ولأصحابك كافة من الجراية والولاية عندي، فهى على حالها، إلى أن ترجعوا إلى منازلكم، وما يعطيكم الخلجي فهو مضاف إليه التوسع في الوقت، وأمر الخلجي بخزانة، ثم ودعه، ونزل.
وقيل: إن مظفر شاه لما فتح القلعة، ودخلها سأله أركان سلطنته أن يستأثر بها، فالتفت إلى الخلجي، وودعه للنزول، وقال: له احفظ باب القلعة برجال لا يدعوا أحدا يدخلها بعد نزولي، حتى من ينتسب إليَّ، فالتمس الخلجي أن يمكث أياما، فأبى ونزل، ثم بعد ثلاث أضافه الخلجي، ودار به في العمائر التي ما مثلها يذكر في "الهند"، وانتهى إلى عمارة بابها مغلق، فاستفتحه، ودخل إلى حجر هناك، فأمر الطواشية بفتحها، واستدعاء من فيها، فإذا بنساء برزن في حلى وحلل، قلّ أن رأت العين مثلهن، وبأيديهن أصناف الجواهر، وما منهن إلا من سلّمت، ونثرت ما بأيديها على قدم السلطان، فلما رأى … أشار بأن يحتجبن لعدم حلية النظر إلى الأجنبية.
فقال الخلجي: كلّهن ملكي، وأنا مالك، والعبد وما ملك لمولاه، فدعا له، وعاد إلى قبابه.
وبالجملة فلما نهض للمسير راجعا نزل الخلجي، ومعه تاج خان، وآصف خان وشيعه إلى جدّه، وسأله الدعاء، ورجع، ورخص السلطان لعادل خان، فرجع إلى "برهانبور"، ووصل السلطان بالفتح والدعاء إلى "جانبانير"، وكان يوم دخوله مشهودا، كثر فيه الدعاء له من سائر عباد الله تعالى.
стр. 7209
وكان فتح "مندو" في ثاني عشر من صفر سنة أربع وعشرين وتسعمائة.
ولبعض الشعراء في تاريخه:
مظفّر شاه سلطان جهانكير … أساس شرع ودين أز نو نهادي
كرفته قلعة مندو بشش روز … طلسم اينجنين محكم كشادي
هيمن بس بهر تاريخش كه كويم … كرفته ملك مندو باز دادي
وفيه:
مظفّر شاه سلطان جهانكير آنكه تيغ أو
بناى كفر را ويران ودين وشرع را نو كرد.
جو از بخت همايون كرد فتح قلعة مندو
بود تاريخ سال آن بهايون فتح مندو كرد.
وقال بعضهم في تاريخه: "قد فتح المندو سلطاننا"، وهذا من نوادر الوقائع، لا يذكر مثله لأحد من ملوك "الهند" وسلاطينها، بل سلاطين غيرها من البلاد.
وأعجب من ذلك أن هذا الخلجي وأسلافه كانوا من أعداء دولتهم، فإن جدّه محمود شاه الخلجي الكبير كان -سامحه الله- يصول عليهم مرة بعد أخرى، وفي كلّ مرة يخسر ويخيب في أمله، وأبوه غياث الدين الخلجي خرج إلى "كجرات" لنصرة كفّار الهنود على محمود شاه الكجراتي الكبير، وكذلك جدّه في أيام محمد شاه الكجراتي، سامحهما الله تعالى، ولله درُّ من قال:
هيهات أن يأتي الزمان بمثله … إن الزمان بمثله لبخيل.
قال الآصفي: وفي سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة خرج السلطان إلى مصلى العيد للاستسقاء، وتصدق، وتفقّد ذوي الحاجة على طبقاتهم، وسألهم الدعاء، ثم تقدّم للصلاة، وكان آخر ما دعا به، كما
стр. 7210
يقال: اللهم إني عبدك، ولا أملك لنفسي شيئا، فإن تك ذنوبي حبست القطر عن خلقك فها ناصيتي بيدك، فأغثنا يا أرحم الراحمين، قال: هذا، ووضع جبهته على الأرض، واستمرّ ساجدا يكرّر قوله: يا أرحم الراحمين، فما رفع رأسه إلا وهاجت ريح، ونشأت بحرية ببرق، ورعد، ومطر، ثم سجد لله شكرا، ورجع من صلاته بدعاء الخلق له، وهو يتصدّق، وينفح بالمال يمينا وشمالا.
وبعد الاستسقاء بقليل اعتراه الكسل، ثم ضعف المعدة، ومنه شكى ضعف الجسد، وفي خلال ذلك عقد مجلسا حفلا بسادة الأمة ومشايخ الدين وصوفية اليقين، واجتمع بهم، وتذاكروا فيما يصلح بلاغا للآخرة إلى أن تسلسل الحديث في رحمة الله سبحانه، وما اقتضاه منه وإحسانه، فأخذ يشرح ما من الله عليه من حسنة ونعمة، ويعترف بعجز شكرها إلى أن قال: وما من حديث رويته عن أستاذي المسند العالي مجد الدين بروايته، له عن مشايخه إلا وأحفظه وأسنده وأعرف لراويه نسبته وثقته وأوائل حاله إلى وفاته، وما من آية، إلا ومن الله عليَّ بحفظها، وفهم تأويلها، وأسباب نزولها، وعلم قراءتها.
وأما الفقه، فاستحضر منه ما أرجو به مفهوم "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، ولي مدة أشهر أصرف وقتي باستعمال ما عليه الصوفية، وأشتغل بما سنه المشايخ لتزكية الأنفاس عملا بما قيل: "من تشبه بقوم فهو منهم"، وها أنا أطمع في شمول بركاتهم متعلّلا بعسى ولعل، وكنت شرعت بقراءة "معالم التنزيل"، وقد قاربت إتمامه، إلا أني أرجو أن أختمه في الجنة، إن شاء الله تعالى، فلا تنسوني من صالح دعاءكم، فإني أجد أعضائي فقدت قواها، وليس إلا رحمة الله سبحانه دواها، فدعا له الحاضرون بالبركة في العمر.
стр. 7211
قال: وفي سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة على خروجه من "جانبانير" ظهرت منه مخائل المستودع بفراق الأبد لها ولأهلها، وأكثر من أعمال البر فيها، وفي طريقه إلى "أحمد آباد".
ولما نزل بها كان يكثر من التردّد إلى المزارات المتبركة، ويكثر من الخير بها، وكان له حسن الظنّ بالعلامة خرم خان، فقال له يوما: نظرت فيما أوثر به أولي الاستحقاق من الإنفاق، فإذا أنا بين إفراط في صرف بيت المال وتفريط في منع أهله، فلم أدر إذا سئلت عنهما بما أجيب.
وفي آخر أيامه، وكان يوم الجمعة، قام إلى المحل، واضطجع إلى أن زالت الشمس، فاستدعى بالماء، وتوضأ، وصلى ركعتي الوضوء وقام من مصلاه إلى بيت الحرم، واجتمعت النسوة عليه آئسات باكيات، يندبن أنفسهن حزنا على فراق، لا اجتماع بعده، فأمرهن بالصبر المؤذن بالأجر، وفرق عليهن مالا، ثم ودعهن، واستودعهن الله سبحانه، وخرج، وجلس ساعة.
ثم استدنى منه راجه محمد حسين المخاطب بأشجع الملك، وقال له: قد رفع الله قدرك بالعلم، وله وهي آخر خدمتك لي أريدك تحضر وفاتي، وتقرأ عليَّ سورة ياسين، وتغسلني بيدك، وتسامحني فيه، فامتن بما أهله به وفداه ودعا له، ثم وقد سمع أذانا قال: أهو في الوقت، فأجاب أسد الملك، هذا أذان لاستعداد صلاة الجمعة، ويكون في العادة قبل الوقت، فقال: أما صلاة الظهر فأصلّيها عندكم، وأما صلاة العصر فعند ربى في الجنة، إن شاء الله تعالى، ثم أذن للحاضرين في صلاة الجمعة، واستدعى مصلاه، وصلى، ودعا الله سبحانه بوجه مقبل عليه، وقلب منيب إليه، دعاء من هو مفارق للقصر مشرف على القبر.
ثم كان آخر دعائه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي
стр. 7212
مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وقام من مصلاه، وهو يقول: أستودعك الله، واضطجع على سريره، وهو مجتمع الحواس، ووجهه يلتفت إلى القبلة، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفاضت نفسه، والخطيب على المنبر يدعو له، وفي ذلك عبرة لمن ألقى السمع، وهو شهيد، وكان ذلك في ثاني جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، وحمل تابوته إلى "سركهيج"، ودفن عند والده، طيّب الله ثراه.
ويحسن الاستشهاد هنا بما رثى به العماد الكاتب سلطانه الملك العادل نور الدين الشهيد، ﵀:
يا ملكا أيامه، لم تزل … لفضله فاضلة فاخرة
ملكت دنياك، وخلفتها … وسرت حتى تملك الآخرة.
* * *
٥٤٥٥ - الشيخ الفاضل المظفَّر بن منصور، الطوسي، الخيني، أبو الفضل *
стр. 7213
ذكره الإمام الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: تفقّه بـ "سمرقند".
وكان إماما، فقيها، فاضلا، أديبا، شاعرا.
سمع كتب محمد بن نصر المروزي من أبي يحيى محمد بن إبراهيم.
وخرج من "سمرقند" بعد الثلاثمائة، وأقام بـ "جرجان"، وتولى قضاء "أبسكون" (١)، وأوقاف (٢) "إستراباذ"، وخرج (٣) بها إلى جبال "طبرستان"، فمات بها.
قال أبو سعد الإدريسي: كتبنا عنه، وكتب عنا (٤).
* * *
٥٤٥٦ - الشيخ الصالح أبو المظفّر النقشبندي البرهانبوري، أحد المشايخ المشهورين *
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: أخذ الطريقة عن الشيخ محمد معصوم بن الشيخ أحمد العمري السرهندي، ولازمه مدّة من الزمان، حتى بلغ رتبة المشيخة، رخّصه الشيخ إلى "برهان بور"، فسكن بها، وحصل له القبول العظيم.
стр. 7214
أخذ عنه الشيخ عناية الله البالابوري، وخلق آخرون.
توفي نحو سنة ثمان ومائة وألف ببلدة "برهانبور"، كما في "محبوب ذي المنن".
* * *
٥٤٥٧ - الشيخ الفاضل العالم الجليل المفتى مظفَّر أحمد بن ظهير بن عُبيد الرحمن المهِشْخَالوي الجاتجامي *
ولد سنة تسع وخمسين وثلاثمائة وألف، ونشأ وترعرع، وقرأ مبادئ العلم في قريته، ثم التحق بجامعة فتيه، وأكمل فيها الدراسة العليا، وقرأ كتب الصحاح الستة وغيرها من الكتب الحديثية فيها. من شيوخه فيها: العلامة المفتي عزيز الحق الفتيوي، والعلامة أمير حسين الأنواري، والعلامة علي أحمد الخيلي، والعلامة محمد إسحاق الغازي، والعلامة على أحمد البُوَالَوي، وغيرهم، رحمهم الله تعالى.
* * *
٥٤٥٨ - الشيخ الفاضل العالم الجليل مولانا مظفّر أحمد بن فيض أحمد بن المنشي قربان على الميخَلي الجاتجامي * *
стр. 7215
ولد سنة ١٣٤٦ هـ في قرية "مِيْخَل". ونشأ فيها، وترعرع.
وأسرته معروفة في العلم والديانة منذ قديم الزمان، وتلقّى مبادئ العلم في داره، وقرأ الكتب الابتدائية من الأردية والفارسية والعربية على المفتي الأكبر فيض الله الجاتجامي، ومولانا عزيز الله النواخالوي، رحمهما الله تعالى، ثم التحق بالجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، وقرأ فيها من "كافية ابن الحاجب" إلى النهاية، وقرأ فيها كتب الصحاح الستة وغيرها من الكتب الحديثية.
ومن شيوخه فيها: العلامة المحدث محمد يعقوب رحمه الله تعالى، قرأ عليه "صحيح الإمام البخاري"، ومن شيوخه أيضا: العلامة عبد القيّوم، والعلامة عبد العزيز، والعلامة المفتي أحمد الحق، والعلامة نادر الزمان، والعلامة حامد، والعلامة محمد علي النظام بوري، والعلامة حافظ الرحمن، رحمهم الله تعالى رحمة واسعة.
وبعد إتمام الدراسة تصدَّر للدرس والإفادة في المدرسة حاميّ السنة الواقعة أمام داره في قرية "ميخل" من مضافات "هاتهزاري" من أعمال "جاتجام"، ودرس فيها، وأصبح من الأساتذة المبرزين المقبولين بما امتلكه من الكفاءة والأهلية العلمية والفطنة والذكاء والشخصية الممتازة المثالية، وكان "مختصر الإمام القدوري"، و"كنز الدقائق" من أهم دروسه في آخر حياته، يدرسهما إلى آخر حياته.
كان ظاهر الوضاءة، دائم البشر، كثير البهاء، كريم النفس، طيب الأخلاق، وأقرب الناس إلى الحق، لا يغضب لنفسه، ولا يتغير لغير ربه، سريع الدمعة، شديد الخشية، حسن القصد والإخلاص والابتهال إلى الله تعالى، مع شدة الخوف منه، والتمسّك بالأثر والدعاء إلى الله سبحانه، ونفع الخلق والإحسان إليهم مع الصدق، والعفاف، والقنوع، والتوكّل، والزهد، والمجاهدة، وكان يعيش عيش البساطة والسذاجة، مع الأساتذة والطلاب.