وبعد إتمام الدراسة التحق مدرّسا بالمدرسة الأحمدية بـ "نواخالي".
وفي آخر عمره اشتغل بالوعظ، والنصيحة، والدعوة، والإرشاد.
وتوفي سنة ١٣٣٨ هـ تقريبا.
* * *
٥٧٧٧ - الشيخ الفاضل المفتى ثم القاضي وجيه الدين بن عليم الدين بن نجم الدين الكاكوروي *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد العلماء الصالحين.
ولد في سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف.
وقرأ العلم على والده، وعلى الشيخ فضل الله العثماني النيوتيني.
ثم أسند الحديث عن الشيخ حسين أحمد المليح آبادي، والشيخ آل محمد بن محمد إمام البهلواروي.
وولي الإفتاء، ثم تدرَّج إلى خدمات أخرى، حتى صار صدر الصدور. وكان صالحا، ديّنا، تقيا، مهابا، رفيع القدر.
له "ترجمة العبادات" من "شرح الوقاية" بالفارسية.
مات غرة ربيع الأول، سنة خمس وثلاثمائة وألف، كما في "مجمع العلماء" للشيخ منظور الدين الكاكوروي.
* * *
стр. 7597
٥٧٧٨ - الشيخ الإمام العالم الكبير العلامة وجيه الدين بن نصر الله بن عماد الدين، العلوي، الكجراتي *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد كبار الأساتذة.
لا تكاد تسمع من يدانيه فيمن عاصره من العلماء في كثرة التصانيف، ويجاريه في قوة التدريس.
ولد بـ "جانبانير" من أرض "كجرات" سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
واشتغل بالعلم على أساتذة عصره.
ثم لازم العلامة عماد الدين محمد بن محمود الطارمي، وأخذ المنطق والحكمة والكلام والأصول وغيرها من العلوم الآلية والعالية، وأقبل على العلم إقبالا كليا، حتى حاز قصب السبق فيه، وأحكم، فأفتى، ودرس، وله نحو العشرين.
وصنّف التصانيف، وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه، ولبس الخرقة من الشيخ قاضي خان الجشتي النهروالي المشهور بالشيخ قاضن.
ثم أخذ الطريقة العشقية الشطارية عن الشيخ محمد غوث الكواليري، صاحب "الجواهر الخمسة"، واشتغل عليه بالأذكار والأشغال زمانا.
стр. 7598
وكان صاحب صدق وإخلاص، قانعا باليسير، شريف النفس، لا يمتاز عن آحاد الناس في الملبس، ويبذل على الطلبة، والمحصلين عليه ما يفتح له، ويختار الثياب الخشنة في اللباس مع انقطاعه إلى الدرس والإفادة والاشتغال بالله سبحانه، والتجرّد عن أسباب الدنيا، لم يتردّد إلى بيوت الأمراء والأغنياء إلا مرة أو مرتين في عمره، مكرها.
فما رآه أحد إلا في بيته أو في المسجد مشتغلا بالإفادة والعبادة.
وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين.
ومن مصنفاته الممتعة: حاشية على "تفسير البيضاوي"، وحاشية على "أصول البزدوي"، وحاشية على "هداية الفقه" للمرغيناني، وعلى "شرح الوقاية"، وعلى "المطوّل"، وعلى "المختصر"، وعلى "التلويح"، وعلى "العضدية"، وعلى "شرح التجريد" للأصفهاني، وعلى "شرح العقائد" للتفتازاني، وعلى "الحاشية القديمة" للدوَّاني، وعلى "شرح المواقف" للجرجاني، وعلى "شرح حكمة العين"، وعلى "شرح المقاصد"، وعلى "شرح الجغميني"، وعلى "شرح الشمسية" للرازي، وعلى "شرح الكافية" للجامي، وعلى "شرح الإرشاد" للدولت آبادي، وله شرح على رسالة على القوشجي في الهيئة، وشرح على أبيات "التسهيل"، وشرح على "اللوائح"، وشرح على "جام جهان نما"، وشرح على "النخبة" في أصول الحديث.
توفي سنة ثمان وتسعين وتسعمائة، فأرخّ لعام وفاته بعضهم "شيخ وجيه الدين"، وقبره مشهور بـ "أحمد آباد".
* * *
стр. 7599
٥٧٧٩ - الشيخ الإمام العالم الكبير العلامة وجيه الدين الرازي *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد الأئمة بـ "دهلي".
تفقّه على الشيخ أبي القاسم التنوخي، وتفقّه التنوخي على حميد الدين الضرير، وتفقّه حميد الدين على شمس الأئمة الكردري، والكردري على صاحب "الهداية".
وتفقه عليه سراج الدين أبو حفص عمر بن إسحاق بن أحمد الغزنوي، كما في "الفوائد البهية".
* * *
٥٧٨٠ - الشيخ الإمام العالم الكبير وجيه الدين البائلي * *
ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد العلماء المبرزين في الفقه والأصول والعربية.
اعترف الناس بفضله وكماله، وكان ذا حلاوة في المنطق، وسعة في البيان، وكلما كان يتكلّم في باب من العلم كان أحلى من الأول.
стр. 7600
وكان يدرّس الكتب عن ظهر قلبه بغير نظر ومطالعة فيها، فضلا عن شروحها.
وكان ذا زهد وقناعة في الملبس والمأكل.
أخذ الطريقة عن الشيخ نظام الدين محمد البدايوني.
كما في "سير الأولياء"، وقد عدَّه القاضي ضياء الدين البرني في "تاريخه" من كبار الأساتذة بـ "دهلي".
و"بائل" قرية من أعمال "سرهند" على أربعة فراسخ منها أو خمسة (١).
* * *
стр. 7601
باب من اسمه وحيد، ووراق، وسيم، وصي، وكيع، وكيل ،
٥٧٨١ - الشيخ الفاضل العالم العلامة وحيد الزمان بن مسيح الزمان بن محمد إسماعيل بن حسين أحمد الكيرانوي *
ولد سنة ١٣٤٩ هـ في بلدة "كيرانة" بمديرية "مظفّر نغر" بولاية "أترا برا ديس" في "الهند".
سافر إلى "حيدر آباد" لتلقّي العلم، وتعلّم العربية على الشيخ مأمون الدمشقي، والتحق عام ١٩٤٨ م بالجامعة الإسلامية دار العلوم "ديوبند".
وكان رئيس اتّحاد الطلّاب بالجامعة أيام التعليم.
عمل سكرتيرا للشيخ حبيب الرحمن اللدهيانوي.
أحد كبار العلماء في "الهند"، ومن أبرز مكافحي الاستعمار البريطاني، وكان يعرف برئيس الأحرار.
أسّس في "ديوبند" مؤسّسة ثقافية باسم دار الفكر، وأصدر منها مجلّة شهرية باسم "القاسم".
стр. 7602
عيّن أستاذا للأدب العربي، ومادّتي التفسير والحديث بالجامعة الإسلامية.
أسّس عام ١٣٨٤ هـ "النادي الأدبي العربي" لتمرين الطلّاب على الخطابة والكتابة بالعربية، أشرف على "مركز الدعوة الإسلامية"، وكلّفته الجامعة بإدراة كثير من الجان.
عيّن مديرا للمجلس التعليمي عام ١٤٠٣ هـ، وبعد سنتين عيّنتْه الجامعة رئيسا مساعدا لها.
وهو عام ١٣٠٨ هـ عيّن رئيسا لجمعية علماء الهند الملّية.
وكان عضوا في المجلس الإداري والاستشاري في كثير من المدارس والجامعات، ومشرفا على النوادي الأدبية والثقافية في كثير منها، ويذكر أن الإتمام الكبير بتعليم اللغة العربية في جامعة "ديوبند" الإسلامية وفي كافّة المدارس الأهلية التابعة لها في مقرّراتها الدراسيّة يعود إلى مساعيه المكثفة من أجل ذلك طوال حياته.
وبالإضافة إلى إصداره مجلّة "القاسم"، فقد أصدر عن الجامعة عام ١٣٨٥ هـ مجلّة "دعوة الحق" بالعربية، وهي مجلّة فصلية.
ولما احتجبت رأس تحرير مجلّة "الداعي"، كما رأس تحرير جريدة "الكفاح" العربية نحو ١٥ عاما، وفي عام ١٤٩٥ هـ قام بتأسيس جريدة أردية نصف شهرية باسم "مرآة دار العلوم" التي هي لسان حال الجامعة.
وفي عام ١٤٠٨ هـ أسّس مؤسّسة ثقافية باسم دار المؤلّفين، أصدر منها كثيرا من المؤلّفات.
انقطع أعواما عديدة إلى تأليف قاموس عربي، أردي، وبالعكس، وآخر صغير الحجم بعنوان "القاموس الجديد"، ويعتبر هذا القارّة الهندية.
стр. 7603
ترجم كتاب "تفسير الهند والمسلمون في الجمهورية الهندية"، وهو من تأليف عضو البرلمان الهندي محمد أحمد كاظمي.
ألّف كتاب "جواهر المعارف")، الذي اشتمل على بحوث قيمة، وموضوعات تحقيقية، مستقاة من تفسير "معارف القرآن" للعلامة المفتي محمد شفيع، رحمه الله تعالى.
وقبل وفاته بسنتين اشتغل بتأليف قاموس ضخم باسم "القاموس المحيط" من العربية إلى الأردية، يقع في ١٨٠٠ ص، ولم يطبعْ بعد.
وفي السنة التي توقي فيها ألّف مجموعة من الأحاديث في الأخلاق والآداب.
له تلاميذ كثيرون منتشرون في شبه القارّة الهندية، وفي خارجها من البلاد العربية والأوروبية والإفريقية.
وقد زارَ البلاد العربية كلّها، وغيرها، من الدول، وحضر مؤتمرات عديدة.
وكانت وفاته يوم السبت ١٤ ذي القعدة سنة ١٤١٥ هـ.
* * *
٥٧٨٢ - الشيخ الفاضل ورَّاق *
ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: له "كتاب الحيل".
стр. 7604
قال أبو سليمان الجوزجاني (١): كذبوا على محمد، ليس له "كتاب الحيل"، وإنما "كتاب الحيل" لورَّاق (٢).
قلت: ووراق هذا (٣).
* * *
٥٧٨٣ - الشيخ الفاضل وسيم أحمد بن الشيخ بشير أحمد السنساربوري شيخ الحديث بجامعة أشرف العلوم رشيدي، كنكوه *
ذكره العلامة السيّد محمد شاهد الحسني في كتابه "علماء مظاهر علوم سهارنبور"، وقال: موطنه "سنساربور"، قد تعلم "القاعدة النورانية" إلى القرآن الكريم حفظا في مدرسة "فيض رحماني" في "سنساربور"، ثم التحق بجامعة أشرف العلوم كنكوه، وتعلم هنا سنتين.
ثم التحق بجامعة مظاهر العلوم في شوال ١٣٨٥ هـ، وتدرّج في المراحل التعليمية، حتى دخل في الصف النهائي فيها عام ١٣٩٠ هـ، وقرأ الصحيحين "البخاري"، و"مسلم" على الشيخ محمد يونس، و "سنن أبي داود"، و"النسائي" على الشيخ محمد عاقل، و"سنن الترمذي" على الشيخ المفتي مظفر حسين،
стр. 7605
و"شرح معاني الآثار" للطحاوي على الشيخ أسعد الله، ثم على المفتي مظفر حسين لأجل أن أصيب بالمرض.
وبعد ما تخرج فيها ولي التدريس في جامعة أشرف العلوم رشيدي، فدرّس هنا الكتب الفارسية والعربيه الابتدائية، حتى دواوين الحديث الشريف في الصفّ النهائي، وما إلى ذلك من كتب المنهج النظامي في أحسن أسلوب ونشاط واجتهاد، بجانب تدريس "تفسير البيضاوي"، و"مشكاة المصابيح"، والآن يلقى دروس "البخاري"، وبوصفه شيخ الحديث منذ مدّة طويلة من الزمن، بارك الله في حياته وعلومه.
مؤلفاته:
١ - " بذل السعاية في مقدمة الهداية ":
قام صاحب الترجمة بوضع مقدّمة قيّمة مفصّلة باللغة العربية على "الهداية" من الكتب المشهورة في الفقه الحنفي، وذلك في ذي القعدة ١٣٩٦ هـ، ثم نقله إلى الأردية على أمر أبيه، وأصدرها، وهى تتضمّن بابين وسبعة فصول، وعليها تقريظ المفتي مظفر حسين، والشيخ أطهر حسين.
٢ - " تبذير البيان في تذكرة النعمان ":
ذلك الكتاب حافل شامل عامر من المعلومات التاريخية مما يتّصل بالشخصية النابغة النادرة الإمام الأعظم أبي حنيفة، قد تناول فيه الشيخ مكانته الحديثية والفقهية بأحسن أسلوب وإيضاح، وردّ ردا قويا مؤثرا على ما وجّه إليه الناس من الاعتراضات والشبهات الباطلة، والكتاب لم يطبع بعد.
стр. 7606
٣ - " مقدمة الحديث ":
هي مجموعة غالية نافعة جدا من الدراسات العلمية والدقائق والنكات الرقيقة، التي دونها الشيخ خلال تدريس كتب الحديث، لا سيّما تدريس "صحيح البخاري"، كما يزيد عليه قلمه السيّال بزيادات نادرة، لكونها لم يتم طبعها بعد.
* * *
٥٧٨٤ - الشيخ الفاضل وصي أحمد المحدّث بن الشيخ محمد طيّب السورتي، رئيس هيئة التدريس للجامعة الحنفية "بتنه" خليفة الشيخ الشاه فضل رحمن الكنج مراد آبادي *
ذكره العلامة السيّد محمد شاهد الحسني في كتابه "علماء مظاهر علوم سهارنبور"، وقال: ولد سنة ١٢٥٢ هـ بمدينة "سورت" بولاية "كجرات"، ونشأ، وترعرع فيها، وكان آباءه من "المدينة المنورة"، غادروها إلى "الهند" في عهد سلطة الملك شاه جهان، كان جدّه للأب الشيخ محمد قاسم من المشايخ الصالحين والعلماء الفاضلين في عصره، وما إن بلغ إحدى وعشرين سنة من عمره، حتى نشبت الحرب لحرية "الهند"، وثارت نارها، واشتعلت سنة ١٢٧٤ هـ، وبقي هو مع والديه مختفيا لأيام كثيرة، فذهب إلى "العراق" بشكل
стр. 7607
وبآخر، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين، وبعد أن أقام بها لمدة عاد إلى وطنه، وشدّ الرحال إلى "كانبور"، وتلقّى عدّة كتب من الشيخ السيّد محمد علي بن عبد العلي.
ثم أخذ عن الشيخ المفتي لطف الله في "عليكره"، كما اشتغل بالعلم في مدرسة حسين بخش بـ "دهلي" لفترة قليلة، ثم سافر إلى "سهارنبور"، وقرأ على الشيخ أحمد علي المحدّث السهارنبوري كلا من الصحاح الستة إلى "موطأ الإمام محمد" قراءة وسماعا، ونال شهادة الفضيلة، واستجاز يفيد مؤلّف "كتاب كلزار صوفيه"، كان الشيخ السيّد ديدار علي شاه، والشيخ بير مهر علي من زملاءه، وهؤلاء الثلاث كلّهم تلمّذوا على الشيخ أحمد على المحدّث السهارنبوري في زمن واحد مما يدلّ على أنه أخذ الصحاح عن المحدّث السهارنبوري عام ١٢٩٥ هـ، وبعد ذلك لازم الشيخ فضل رحمن الكنج مراد آبادي، وبايعه واستجازه في الحديث والمبايعة والإحسان والتزكية.
وبما أن أستاذه المحدّث السهارنبوري قال له مؤكّدا بالاشتغال والإكباب على تدريس العلوم الدينية يدعو له بالخير والسعادة والبركة، فقضى طول حياته يدرّس ويفيد، حيث بقي على منصب رئيس هيئة التدريس في المدرسة الحنفية بحارة بخشي لمدينة "بتنه" إلى طويل من الزمان، فاحتظّ، وتشرب معطيات علمه وفضله البالغ خلق كبير، إلى جانب ذلك قام بتدريس الحديث الشريف في مدينة "بيلي بهت"، وخرّج كثيرا من العلماء والفضلاء والرجال المعروفين، وزيّن أول مرة "سنن النسائي" بتحشيته الفائقة، ثم قام بتصحيح أخطأ "شرح معاني الآثار" للطحاوي، وحلاه بتعليقات وتوضيحات مفيدة منه.
стр. 7608
يذكر الشيخ محمد أحمد القادري في كتابه "تذكره علماء أهل السنة بريلي" قائلا في انشغاله بالعلم والفضل والأدب وفي أوصافه وأحواله:
قد عاش أربعين سنة من عمره يدرّس الحديث النبويّ غير العلوم والفنون الأخرى، وكان لتدريسه للحديث شهرة طيبة، قد طبقت أقصى البلاد والأماكن، وكان عاطشوا العلوم الدينية بعد أن يتلقوها في كلّ من مدينة "دهلي" و"سهارنبور" و"كانبور" و" رامبور" و"جونبور" و "عليكره" يؤمّونه، ويأخذون عنه الحديث، يدرّس الحديث بعد صلاة الفجر إلى الظهر، ثم من الظهر إلى منتصف الليل أو أكثر من ذلك أحيانا، وكان دائم الوضوء خاصّة خلال درسه، ولما ذكر اسم النبي ﷺ يتوقف قليلا، الأمر الذي يدلّ على غاية حبّه وشدّة ولوعه في النبي ﷺ .
كان كثير التواضع، ونكرات الذات، وسذاجة الطبع، والمزاج، رجلا صالحا متحفّظا بسلوكه، ساذج الملبس والمأكل والمشرب، ذا محبة مفرطة، ومودّة زائدة في الطلاب، يعاون الفقراء والمحتاجين من الطلاب معاونة مالية، ويتعاطف مع عامة المسلمين ويؤاسيهم، وكان شديد البغض والنفور من التكبّر والخيلاء، والغيبة، وغيرها من السيئات، وذا علاقة وطيدة، خاصه بالتصوّف، ولكنه بعيدا أو مجتنبا دائما عن حياة الزواية والزهد في الدنيا، يتعلّق قلبه بالمسجد والمدرسة تعلّقا أكثر من غيرهما، ويعتبر المواظبة والمداومة على السنّة النبوية أكبر كرامة.
فهذا المذكور وهو جانب واضح من حياته، قد حكاه محبّوه ومنتسبوه وذووه، وأما جانب آخر من حياته مما يتعلق بشدّته وغلظه في الطبع والمزاج
стр. 7609
والخيال والفكر وتكفير المسلمين فهو ما ذكره العلامة الشيخ عبد الحي الحسني اللكنوي في كتابه "نزهة الخواطر" وهو فيما يلي:
وكان من الفقهاء والمنتسبين على من يعملوا بنصوص الحديث كثير النكير عليهم، جمع أقوالا شتى من كتبهم، وجعل تلك الأقوال مذهبهم، وحملها على معان يكفر بها قائلوها تارة على سبيل اللزوم، وأخرى على اعتبار مفهوم المخالف، فكفّر بها كلّ من يعملوا، ويعتقدوا بالحديث، وأفتى بإخراجهم من المساجد، وجدّ واجتهد في إثبات التوقيعات عن الفقهاء، وسماها بـ "جامع الشواهد لإخراج غير المقلّدين من المساجد"، فيها توقيعات وخواتم كنعال الخيل، قد علّق تعليقات غالية على الكتب الخمسة، وهي في الآتية:
١ - " حاشية سنن النسائي ":
ظهرت من مطبعة نظامي كانبور.
٢ - " حاشيه طحاوي ":
تم طبعها من دولة "مصر".
٣ - " تعليق المجلي شرح منية المصلي ":
طبعت من مطبعة يوسفي بـ "لكنو" في مطبع كبير على ٤٥٢ صفحة.
٤ - " حاشية جلالين ".
٥ - " حاشية مشكاة المصابيح ".
* * *
стр. 7610
٥٧٨٥ - الشيخ الفاضل مولانا وصي الله الأعظمي *
ولد سنة ١٣١٤ هـ في قرية من مضافات "فتح بور" من أرض "الهند".
حفظ القرآن الكريم وهو ابن عشر سنين، ثم قرأ في داره كتب الفارسية والعربية الابتدائية. ثم ارتحل إلى دار العلوم ديوبند سنة ١٣٢٨ هـ، والتحق بها، وقرأ فيها سنين عديدة، وقرأ فيها سنة ١٣٣٥ هـ كتب الصحاح السته، وغيرها، من الكتب الحديثية.
وتخرج على شيوخها، منهم: الإمام أنور شاه الكشميري، والعلامة السيّد مرتضى حسن الجاندبوري، وشيخ الإسلام شبير أحمد العثماني، وغيرهم.
وكان عابدا زاهدا من بداية أمره، ويحبّ الخلوة، وكان يختلف إلى الخانقاه الإمدادية، ويلاقي بحكيم الأمة أشرف على التهانوي.
وبعد مدة أجازه في الطريقة والسلوك، وتوفي سنة ١٣٨٦ هـ.
* * *
٥٧٨٦ - الشيخ الفاضل العلامة المحقق المحدّث الفقية الأصولي المقري أبو الوفاء بن السيّد مبارك شاه الأفغاني القندهاري ثم الهندي الحيدر آبادي * *
стр. 7611
ولد سنة ١٣١٠ هـ، وتوفي سنة ١٣٩٥، وهو ذو المآثر الباقية، والمناقب العالية، العبد الصالح الزاهد، خادم كتب سادة المذهب الحنفي: القاضي أبي يوسف، والإمام محمد بن الحسن الشيباني، وغيرهما، بالتحقيق والتعليق والنشر، ومؤسّس لجنة إحياء المعارف النعمانية بـ "الهند"، وخدماته العلمية ناطقة بفضله ومقامه الجليل في الفقه والحديث.
* * *
٥٧٨٧ - الشيخ العالم الفقيه أبو الوفاء الكشميري، أحد أكابر الفقهاء الحنفية .*
ذكره صاحب "نزهة الخواطر"، وقال: وُلِدَ، ونشأ بـ "كشمير"، وتخرّج على مولانا محمد أشرف الجرخي، والشيخ أمان الله ابن خير الدين الكشميري، واشتهر في استخراج المسائل الفقهية، فولي الإفتاء، ومنح أرضا خراجية.
له كتاب في الفقه في أربعة مجلّدات، وله "أنوار النبوّة" رسالة في الخصائص النبوية.
مات سنة تسع وسبعين ومائة وألف، كما في "حدائق الحنفية".
* * *
стр. 7612
٥٧٨٨ - الشيخ الفاضل السيّد وقار علي بن السيّد أنظار علي البجنوري، أستاذ جامعة مظاهر العلوم سابقا *
ذكره العلامة السيّد محمد شاهد الحسني في كتابه "علماء مظاهر علوم سهارنبور"، وقال: ولد بموطنه الأم "دهامبور" من مديرية "بجنور" سنة ١٣٥٤ هـ، تلقّى التعليم الابتدائي في مدرسة محلية جامعة حسينية بـ "دهامبور" عن الشيخ المقرئ عبد الرحيم، أحد خلفاء الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي.
ثم التحق بمظاهر العلوم في شوّال ١٣٧١ هـ، وقرأ "مختصر المعاني"، و"نور الأنوار"، وغيرهما من الكتب، وتدرّج في المراحل التعليمية، حتى دخل في الصفّ النهائي عام ١٣٧٥ هـ، ونال شهادة الفضيلة، فاز في الامتحان السنوي بعلامات ممتازة، فأكرم بكتب مختلفة مع نقود على طريق الجائزة، قرأ "الجامع الصحيح" للإمام البخاري على الشيخ محمد زكريا، و"صحيح مسلم" على الشيخ منظور أحمد خان، و"سنن أبي داود"، و"شرح معاني الآثار" للطحاوي على الشيخ أسعد الله، و"سنن النسائي"، و"سنن ابن ماجه"، و"شمائل الترمذي" على الشيخ أمير أحمد، و"سنن الترمذي" على الشيخ المفتي سعيد أحمد، ولي التدريس في مظاهر العلوم عام ١٣٧٧ هـ، ودرّس في نفس العام "مختصر المعاني"، ومبحث التصديقات من "القطبي"، و"شرح التهذيب"،
стр. 7613
و"المقامات الحريرية"، ثم درّس من التفسير "تفسير الجلالين" أول مرة في شوال ١٣٨١ هـ، و"تفسير البيضاوي" أول مرة في شوال ١٣٨٣ هـ، ومن الفقه "شرح الوقاية" أول مرة، إلى جانب التدريس يقوم بالشؤون الإدارية لجامعة مظاهر العلوم، حيث لما أنشأ مجلس الشورى للجامعة مجلسا استشاريا فرعيا لمعاونة ومساعدة الشيخ المفتي مظفر حسين مدير الجامعة سابقا، فعين عضوا له، وظلّ هذا المجلس الاستشاري، يعالج قضايا المدرسة الداخلية على آراء جماعية، ويطرح الحلول لها لمدة طويلة.
قام بتدريس الكتب في الفنون المختلفة غير مرة، ولكن "الميبذي"، و "السراجي" كانا من دروسه الخاصّة له، حيث درس "السراجي" لأعوام طوالا، فنال الإقبال والقبول والشعبية والشهرة الفائقة لدى عاطشي العلم، واهتم عدد كبير من تلامذته، وعنوا بتقييد دروسه بأساليب جيّدة عناية خاصّة، حتى وصلت إلى أيدي المشتغلين الشاغفين الحريصين على علم الميراث في داخل البلاد وخارجها، وتشربها، وأشبعوا نفوسهم، واستفادوا منها حقّ الاستفادة، حيث أصدر الشيخ المفتي محمد علي حسن النهتوري مجموعة غالية من هذه الإفادات باسم "تفسير تشريح السراجي" عام ١٤٢٣ هـ.
كما ظهرت بأحسن كتابة وأجمل طباعة من مكتبة سعادت "سهارنبور".
* * *
стр. 7614
٥٧٨٩ - الإمام، الحافظ، محدث العراق، وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي ابن فرس بن جمجمة بن سفيان بن الحارث بن عمرو بن عبيد بن رؤاس، أبو سفيان الرؤاسي، الكوفي، أحد الأعلام *
ولد: سنة تسع وعشرين ومائة.
قاله: أحمد بن حنبل.
стр. 7615
وقال خليفة، وهارون بن حاتم: ولد سنة ثمان وعشرين، واشتغل في الصغر.
وسمع من: هشام بن عروة، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عون، وابن جريج، وداود الأودي، ويونس بن أبي إسحاق، وأسود بن شيبان، وهشام بن الغاز، والأوزاعي، وجعفر بن برقان، وزكريا بن أبي زائدة، وطلحة بن عمرو المكي، وفضيل بن غزوان، وأبي جناب الكلبي، وحنظلة بن أبي سفيان، وأبان بن صمعة، وأبان بن عبد الله البجلي، وأبان بن يزيد، وإبراهيم بن الفضل المخزومي، وإبراهيم بن يزيد الخوزي، وإدريس بن يزيد، وإسماعيل بن رافع المدني، وإسماعيل بن سليمان الأزرق، وإسماعيل بن أبي الصفيرا، وإسماعيل بن مسلم العبدي، وأفلح بن حميد، وأيمن بن نابل، وبدر بن عثمان، وبشير بن المهاجر، وحريث بن أبي مطر، وأبي خلدة خالد بن دينار، وخالد بن طهمان، ودلهم بن صالح، وسعد بن أوس، وسعدان الجهني، وسعيد بن السائب، وسعيد بن عبيد الطائي، وسلمة بن نبيط، وطلحة بن يحيى، وعباد بن منصور، وعثمان الشحام، وعمر بن ذر، وعيسى بن طهمان، وعيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، وكهمس، والمثنى بن سعيد الضبعي، والمثنى بن سعيد الطائي، وابن أبي ليلى، ومسعر بن حبيب، ومسعر بن كدام، ومعاوية بن أبي مزرد، ومصعب بن سليم، وابن أبي ذئب، وسفيان، وشعبة، وإسرائيل، وشريك، وخلق كثير.
وكان من بحور العلم، وأئمة الحفظ.
حدث عنه: سفيان الثوري -أحد شيوخه- وعبد الله بن المبارك، والفضل بن موسى السيناني -وهما أكبر منه- ويحيى بن آدم، وعبد الرحمن بن مهدي، والحميدي، ومسدد، وعلي، وأحمد، وابن معين، وإسحاق، وبنو
стр. 7616
أبي شيبة، وأبو خيثمة، وأبو كريب، وابن نمير، وأبو هشام الرفاعي، وعبد الله بن هاشم الطوسي، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي، وإبراهيم بن عبد الله العبسي، وأمم سواهم.
وكان والده ناظرا على بيت المال بالكوفة، وله هيبة وجلالة.
وروى عن: يحيى بن أيوب المقابري.
قال: ورث وكيع من أمه مائة ألف درهم.
قال يحيى بن يمان: لما مات سفيان الثوري، جلس وكيع موضعه.
قال القعنبي: كنا عند حماد بن زيد، فلما خرج وكيع، قالوا: هذا راوية سفيان.
قال حماد: إن شئتم قلت: أرجح من سفيان.
الفضل بن محمد الشعراني: سمعت يحيى بن أكثم يقول: صحبت وكيعا في الحضر والسفر، وكان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة.
قلت: هذه عبادة يخضع لها، ولكنها من مثل إمام من الأئمة الأثرية مفضولة، فقد صح نهيه ﵊ عن صوم الدهر، وصح أنه نهى أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، والدين يسر، ومتابعة السنة أولى، فرضى الله عن وكيع، وأين مثل وكيع؟!
ومع هذا فكان ملازما لشرب نبيذ الكوفة الذي يسكر الإكثار منه، فكان متأولا في شربه، ولو تركه تورعا، لكان أولى به، فإن من توقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه، وقد صح النهي والتحريم للنبيذ المذكور (٤)، وليس هذا موضع هذه الأمور، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، فلا قدوة في خطأ العالم، نعم، ولا يوبخ بما فعله باجتهاد -نسأل الله المسامحة-.
стр. 7617
قال يحيي بن معين: وكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه.
وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحدا أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع.
قلت: كان أحمد يعظم وكيعا، ويفخمه.
قال محمد بن عامر المصيصي: سألت أحمد: وكيع أحب إليك أو يحيى بن سعيد؟
فقال: وكيع.
قلت: كيف فضلته على يحيى، ويحيى ومكانه من العلم والحفظ والإتقان ما قد علمت؟
قال: وكيع كان صديقا لحفص بن غياث، فلما ولي القضاء، هجره، وإن يحيى كان صديقا لمعاذ بن معاذ، فلما ولي القضاء، لم يهجره يحيى. وقال محمد بن علي الوراق: عرض القضاء على وكيع، فامتنع. محمد بن سلام البيكندي: سمعت وكيعا يقول: من طلب الحديث كما جاء، فهو صاحب سنة، ومن طلبه ليقوي به رأيه، فهو صاحب بدعة. قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: قد حدث وكيع بدمشق، فأخذ عنه: هشام بن عمار، وابن ذكوان.
قال أحمد بن أبي خيثمة: حدثنا محمد بن يزيد، حدثني حسين أخو زيدان، قال:
كنت مع وكيع، فأقبلنا جميعا من المصيصة -أو طرسوس- فأتينا الشام، فما أتينا بلدا إلا استقبلنا واليها، وشهدنا الجمعة بدمشق، فلما سلم الإمام، أطافوا بوكيع، فما انصرف إلى أهله - يعني إلى الليل.
стр. 7618
قال: فحدث به مليحا ابنه، فقال: رأيت في جسد أبي آثار خضرة مما زحم ذلك اليوم.
قال محمد بن عبد الله بن عمار: أحرم وكيع من بيت المقدس.
وقال محمد بن سعد: كان وكيع ثقة، مأمونا، عاليا، رفيعا، كثير الحديث، حجة.
قال محمود بن غيلان: قال لي وكيع: اختلفت إلى الأعمش سنين.
وقال محمد بن خلف التيمي: أخبرنا وكيع، قال: أتيت الأعمش، فقلت: حدثني.
قال: ما اسمك؟
قلت: وكيع.
قال: اسم نبيل، ما أحسب إلا سيكون لك نبأ، أين تنزل من الكوفة؟
قلت: في بني رؤاس.
قال: أين من منزل الجراح بن مليح؟
قلت: ذاك أبي، وكان على بيت المال.
قال لي: اذهب، فجئني بعطائي، وتعال حتى أحدثك بخمسة أحاديث.
فجئت إلى أبي، فأخبرته، قال: خذ نصف العطاء، واذهب، فماذا حدثك بالخمسة، فخذ النصف الآخر، حتى تكون عشرة.
فأتيته بنصف عطائه، فوضعه في كفه، وقال: هكذا.
ثم سكت، فقلت: حدثني.
فأملى علي حديثين، فقلت: وعدتني بخمسة.
стр. 7619
قال فأين الدراهم كلها؟ أحسب أن أباك أمرك بهذا، ولم يدر أن الأعمش مدرب، قد شهد الوقائع، اذهب، فجئني بتمامه.
فجئته، فحدثني بخمسة، فكان إذا كان كل شهر، جئته بعطائه، فحدثني بخمسة أحاديث.
قال قاسم بن يزيد الجرمي: كان الثوري يدعو وكيعا وهو غلام، فيقول: يا رؤاسي! تعال، أي شيء سمعت؟
فيقول: حدثني فلان بكذا، وسفيان يتبسم، ويتعجب من حفظه.
قال ابن عمار: ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث من وكيع، وكان جهبذا، سمعته يقول: ما نظرت في كتاب منذ خمس عشرة سنة، إلا في صحيفة يوما.
فقلت له: عدوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث غلطت فيها.
قال: وحدثتهم بعبادان بنحو من ألف وخمس مائة، أربعة أحاديث ليست بكثيرة في ذلك.
قال يحيى بن معين: سمعت وكيعا يقول:
ما كتبت عن الثوري قط، كنت أتحفظ، فإذا رجعت إلى المنزل، كتبتها.
قال محمد بن عمران الأخنسي: سمعت يحيى بن يمان يقول: نظر سفيان إلي عينى وكيع، فقال: لا يموت هذا الرؤاسي حتى يكون له شأن.
فمات سفيان، وجلس وكيع مكانه.
قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي بكر بن عياش: حدثنا.
قال: قد كبرنا ونسينا الحديث، اذهب إلى وكيع في بني رؤاس.
قال الشاذكوني: قال لنا أبو نعيم يوما:
стр. 7620
ما دام هذا التنين حيا -يعني: وكيعا- ما يفلح أحد معه.
قلت: كان وكيع أسمر، ضخما، سمينا.
قال ابن عدي: حدثت عن نوح بن حبيب، عن عبد الرزاق، قال:
رأيت الثوري، وابن عيينة، ومعمرا، ومالكا، ورأيت ورأيت، فما رأت عيناي قط مثل وكيع.
قال المفضل الغلابي: كنا بعبادان، فقال لي حماد بن مسعدة: أحب أن تجيء معى إلى وكيع.
فأتيناه، فسلم عليه، وتحدثنا، ثم انصرفنا، فقال لي حماد: يا أبا معاوية! قد رأيت الثوري، فما كان مثل هذا.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كان وكيع حافظا حافظا، ما رأيت مثله.
وقال بشر بن موسى: سمعت أحمد بن حنبل يقول:
ما رأيت قط مثل وكيع في العلم، والحفظ، والإسناد، والأبواب، مع خشوع وورع.
قلت: يقول هذا أحمد مع تحريه وورعه، وقد شاهد الكبار، مثل هشيم، وابن عيينة، ويحيى القطان، وأبي يوسف القاضي، وأمثالهم.
وكذا روى عن أحمد: إبراهيم الحربي، قال جعفر بن محمد بن سوار النيسابوري:
سمعت عبد الصمد بن سليمان البلخي: سألت أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن، وكيع، وأبي نعيم، فقال: ما رأيت أحفظ من وكيع، وكفاك بعبد الرحمن معرفة وإتقانا، وما رأيت رجلا أوزن بقوم من غير
стр. 7621
محاباة، ولا أشد تثبتا في أمور الرجال من يحيى بن سعيد، وأبو نعيم أقل الأربعة خطأ، وهو عندي ثقة، موضع الحجة في الحديث.
وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: أيما أثبت عندك، وكيع أو يزيد؟ فقال: ما منهما -بحمد الله- إلا ثبت، وما رأيت أوعى للعلم من وكيع، ولا أشبه من أهل النسك منه، ولم يختلط بالسلطان.
وقال الترمذي: سمعت أحمد بن الحسن: سئل أحمد بن حنبل عن وكيع وابن مهدي، فقال: وكيع أكبر في القلب، وعبد الرحمن إمام.
وقال زاهد دمشق أحمد بن أبي الحواري: ما رأيت فيمن لقيت أخشع من وكيع.
علي بن الحسين بن حبان: عن أبيه: سمعت ابن معين يقول: ما رأيت أفضل من وكيع.
قيل: ولا ابن المبارك؟
قال: قد كان ابن المبارك له فضل، ولكن ما رأيت أفضل من وكيع، كان يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة ﵀ وكان قد سمع منه كثيرا.
قال صالح بن محمد جزرة: سمعت يحيى بن معين يقول: ما رأيت أحدا أحفظ من وكيع.
فقال له رجل: ولا هشيم؟
فقال: وأين يقع حديث هشيم من حديث وكيع؟!
قال الرجل: إني سمعت علي بن المديني يقول: ما رأيت أحدا أحفظ من يزيد بن هارون.
стр. 7622
فقال: كان يزيد يتحفظ، كانت له جارية تحفظه من كتاب.
قال قتيبة: سمعت جريرا يقول:
جاءني ابن المبارك، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! من رجل الكوفة اليوم؟
فسكت عني، ثم قال: رجل المصرين وكيع.
تمتام: حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني بعض أصحاب وكيع الذين كانوا يلزمونه:
أن وكيعا كان لا ينام حتى يقرأ جزءه من كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل، فيقرأ المفصل، ثم يجلس، فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر.
وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا إبراهيم بن وكيع، قال:
كان أبي يصلي، فلا يبقى في دارنا أحد إلا صلى، حتى جارية لنا سوداء.
عباس: حدثنا يحيى بن معين، سمعت وكيعا يقول كثيرا: وأي يوم لنا من الموت؟ ورأيته أخذ في كتاب (الزهد) يقرؤه، فلما بلغ حديثا منه، ترك الكتاب، ثم قام، فلم يحدث، فلما كان من الغد، وأخذ فيه، بلغ ذلك المكان، قام أيضا ولم يحدث، حتى صنع ذلك ثلاثة أيام.
قلت ليحيى: وأي حديث هو؟
قال: حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل).
قال ابن عمار: كان وكيع يصوم الدهر، ويفطر يوم الشك والعيد، وأخبرت أنه كان يشتكي إذا أفطر في هذه الأيام.
стр. 7623
وعن سفيان بن وكيع، قال: كان أبي يجلس لأصحاب الحديث من بكرة إلى ارتفاع النهار، ثم ينصرف، فيقيل، ثم يصلي الظهر، ويقصد الطريق إلى المشرعة التي يصعد منها أصحاب الروايا، فيريحون نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلي العصر، ثم يجلس يدرس القرآن، ويذكر الله إلى آخر النهار، ثم يدخل منزله، فيقدم إليه إفطاره، وكان يفطر على نحو عشرة أرطال من الطعام، ثم تقدم إليه قرابة، فيها نحو من عشرة أرطال من نبيذ، فيشرب منها ما طاب له على طعامه، ثم يجعلها بين يديه، ثم يقوم، فيصلي ورده من الليل، كلما صلى شيئا، شرب منها، حتى ينفدها، ثم ينام.
روى هذه الحكاية الدارقطني، عن القاضي ابن أم شيبان، عن أبيه، عن أبي عبد الرحمن بن سفيان بن وكيع، عن أبيه.
قال إسحاق بن بهلول: قدم علينا وكيع، فنزل في مسجد الفرات، وسمعت منه، فطلب مني نبيذا، فجئته به، وأقبلت أقرأ عليه الحديث وهو يشرب، فلما نفد ما جئته به، أطفأ السراج.
قلت: ما هذا؟
قال: لو زدتنا، زدناك.
قال جعفر الطيالسي: سمعت يحيى بن معين يقول:
سمعت رجلا يسأل وكيعا، فقال: يا أبا سفيان! شربت البارحة نبيذا، فرأيت فيما يرى النائم كأن رجلا يقول: شربت خمرا. فقال وكيع: ذلك الشيطان.
وقال نعيم بن حماد: تعشينا عند وكيع -أو قال: تغدينا- فقال: أي شيء تريدون أجيئكم منه: تتكلم بهذا؟
стр. 7624
قال: هو عندي أحل من ماء الفرات.
قلت له: ماء الفرات لم يختلف في حله، وقد اختلف في هذا.
قلت: الرجل -سامحه الله- لو لم يعتقد إباحته، لما قال هذا.
عن إبراهيم بن شماس، قال: لو تمنيت، كنت أتمنى عقل ابن المبارك وورعه، وزهد ابن فضيل ورقته، وعبادة وكيع وحفظه، وخشوع عيسى بن يونس، وصبر حسين الجعفي، صبر ولم يتزوج، ولم يدخل في شيء من أمر الدنيا.
وروى: بعض الرواة عن وكيع، قال: قال لي الرشيد:
إن أهل بلدك طلبوا مني قاضيا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي وصالح عملي، فخذ عهدك.
فقلت: يا أمير المؤمنين! أنا شيخ كبير، وإحدى عيني ذاهبة، والأخرى ضعيفة.
قال علي بن خشرم: ما رأيت بيد وكيع كتابا قط، إنما هو حفظ، فسألته عن أدوية الحفظ، فقال: إن علمتك الدواء، استعملته؟ قلت: إي والله.
قال: ترك المعاصي، ما جربت مثله للحفظ.
وقال طاهر بن محمد المصيصي: سمعت وكيعا يقول: لو علمت أن الصلاة أفضل من الحديث، ما حدثتكم.
قال سفيان بن عبد الملك صاحب ابن المبارك: كان وكيع أحفظ من ابن المبارك.
وقال أحمد العجلي: وكيع: كوفي، ثقة، عابد، صالح، أديب، من حفاظ الحديث، وكان مفتيا.
стр. 7625
وقال أبو عبيد الآجري: سئل أبو داود: أيما أحفظ: وكيع أو عبد الرحمن بن مهدي؟
قال: وكيع أحفظ، وعبد الرحمن أتقن، وقد التقيا بعد العشاء في المسجد الحرام، فتواقفا، حتى سمعا أذان الصبح.
عباس، وابن أبي خيثمة: سمعا يحيى يقول:
من فضل عبد الرحمن بن مهدي على وكيع، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
قلت: هذا كلام رديء، فغفر الله ليحيى، فالذي أعتقده أنا أن عبد الرحمن أعلم الرجلين، وأفضل، وأتقن، وبكل حال هما إمامان نظيران.
قال أبو داود: ما رئي لوكيع كتاب قط، ولا لهشيم، ولا لحماد بن زيد، ولا لمعمر.
قال ابن المديني: أوثق أصحاب سفيان الثوري: ابن مهدي، والقطان، ووكيع.
وقال أبو حاتم: أشهد على أحمد بن حنبل قال:
الثبت عندنا بالعراق: وكيع، ويحيى القطان، وعبد الرحمن.
رواها: أحمد بن أبي الحواري، عن أحمد بن حنبل أيضا، ثم قال: فذكرته ليحيى بن معين، فقال: الثبت عندنا بالعراق وكيع.
الساجي: حدثني أحمد بن محمد، سمعت يحيى بن معين يقول: ما رأيت أحفظ من وكيع.
قال يعقوب الفسوي -وبلغه قول يحيى: من فضل عبد الرحمن على وكيع، فعليه اللعنة-: كان غير هذا أشبه بكلام أهل العلم، ومن حاسب نفسه، لم يقل مثل هذا، وكيع خير، فاضل، حافظ.
стр. 7626
وقد سئل أحمد بن حنبل: إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن، بقول من نأخذ؟
فقال: نوافق عبد الرحمن أكثر، وخاصة في سفيان، كان معنيا بحديثه، وعبد الرحمن يسلم منه السلف، ويجتنب شرب المسكر، وكان لا يرى أن يزرع في أرض الفرات.
قلت: عبد الرحمن له جلالة عجيبة، وكان يغشى عليه إذا سمع القرآن.
نقله: صاحب (شريعة المقارئ).
عباس الدوري: قلت ليحيى: حديث الأعمش إذا اختلف وكيع وأبو معاوية؟
قال: يوقف حتى يجيء من يتابع أحدهما.
ثم قال: كانت الرحلة إلى وكيع في زمانه.
قال أبو حاتم الرازي: وكيع أحفظ من ابن المبارك. قال حنبل بن إسحاق: سمعت ابن معين يقول:
رأيت عند مروان بن معاوية لوحا فيه أسماء شيوخ: فلان رافضي، وفلان كذا، ووكيع رافضي، فقلت لمروان: وكيع خير منك.
قال: مني؟
قلت: نعم.
فسكت، ولو قال لي شيئا، لوثب أصحاب الحديث عليه.
قال: فبلغ ذلك وكيعا، فقال: يحيى صاحبنا، وكان بعد ذلك يعرف لي، ويرحب.
стр. 7627
قلت: مر قول أحمد: إن عبد الرحمن يسلم منه السلف، والظاهر أن وكيعا فيه تشيع يسير، لا يضر -إن شاء الله- فإنه كوفي في الجملة، وقد صنف كتاب (فضائل الصحابة)، سمعناه قدم فيه باب مناقب علي على مناقب عثمان ﵄.
قال الحسين بن محمد بن عفير: حدثنا أحمد بن سنان، قال: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يتحدث في مجلسه، ولا يقوم أحد ولا يبرى فيه قلم، ولا يتبسم أحد، وكان وكيع يكونون في مجلسه كأنهم في صلاة، فإن أنكر من أمرهم شيئا، انتعل، ودخل، وكان ابن نمير يغضب ويصيح، وإن رأى من يبري قلما، تغير وجهه غضبا.
قال تميم بن محمد الطوسي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عليكم بمصنفات وكيع.
محمد بن أحمد بن مسعود: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل، سمعت أبي يقول: أخطأ وكيع في خمس مائة حديث.
وقال علي بن المديني: كان وكيع يلحن، ولو حدثت عنه بألفاظه، لكانت عجبا، كان يقول: حدثنا مسعر، عن (عيشة).
نقلها: يعقوب بن شيبة، عنه.
وقال أحمد بن حنبل: كان وكيع أحفظ من عبد الرحمن بكثير.
قال عبد الله بن أحمد: عن أبيه: ابن مهدي أكثر تصحيفا من وكيع، لكنه أقل خطأ.
وقال إبراهيم الحربي: سمعت أحمد يقول: ما رأت عيناي مثل وكيع قط، يحفظ الحديث جيدا، ويذاكر بالفقه، فيحسن مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد.
стр. 7628
قال الحافظ أحمد بن سهل النيسابوري: دخلت على أحمد بن حنبل بعد المحنة، فسمعته يقول: كان وكيع إمام المسلمين في زمانه.
قال سلم بن جنادة: جالست وكيعا سبع سنين، فما رأيته بزق، ولا مس حصاة، ولا جلس مجلسا فتحرك، وما رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله.
وقال أبو سعيد الأشج: كنت عند وكيع، فجاءه رجل يدعوه إلى عرس، فقال: أثم نبيذ؟
قال: لا.
قال: لا نحضر عرسا ليس فيه نبيذ.
قال: فإني آتيكم به، فقام.
وروي عن وكيع: أن رجلا أغلظ له، فدخل بيتا، فعفر وجهه، ثم خرج إلى الرجل، فقال: زد وكيعا بذنبه، فلولاه، ما سلطت عليه.
نصر بن المغيرة البخاري: سمعت إبرإهيم بن شماس يقول:
رأيت أفقه الناس وكيعا، وأحفظ الناس ابن المبارك، وأورع الناس الفضيل.
قال مروان بن محمد الطاطري: ما رأيت فيمن رأيت أخشع من وكيع، وما وصف لي أحد قط إلا رأيته دون الصفة، إلا وكيعا، رأيته فوق ما وصف لي.
قال سعيد بن منصور: قدم وكيع مكة، وكان سمينا، فقال له الفضيل بن عياض: ما هذا السمن وأنت راهب العراق؟!
قال: هذا من فرحي بالإسلام، فأفحمه.
أبو سعيد الأشج: سمعت وكيعا يقول: الجهر بالبسملة بدعة.
стр. 7629
قال الفضل بن عنبسة: ما رأيت مثل وكيع من ثلاثين سنة.
وقال إسحاق بن راهويه: حفظي وحفظ ابن المبارك تكلف، وحفظ وكيع أصلي، قام وكيع، فاستند، وحدث بسبع مائة حديث حفظا.
وقال محمود بن آدم: تذاكر بشر بن السري ووكيع ليلة -وأنا أراهما- من العشاء إلى الصبح، فقلت لبشر: كيف رأيته؟
قال: ما رأيت أحفظ منه.
وقال سهل بن عثمان: ما رأيت أحفظ من وكيع.
قال أحمد بن حنبل: كان وكيع مطبوع الحفظ.
وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كانوا إذا رأوا وكيعا، سكتوا -يعني: في الحفظ والإجلال-.
وقال أبو حاتم: سئل أحمد عن يحيى وابن مهدي وكيع، فقال: وكيع أسردهم.
أبو زرعة الرازي: سمعت أبا جعفر الجمال يقول:
أتينا وكيعا، فخرج بعد ساعة وعليه ثياب مغسولة، فلما بصرنا به، فزعنا من النور الذي رأيناه يتلألأ من وجهه.
فقال رجل يجنبي: أهذا ملك؟
فتعجبنا من ذلك النور.
وقال أحمد بن سنان: رأيت وكيعا إذا قام في الصلاة، ليس يتحرك منه شيء، لا يزول ولا يميل على رجل دون الأخرى.
قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت وكيعا يقول: ما نعيش إلا في سترة، ولو كشف الغطاء، لكشف عن أمر عظيم، الصدق النية.
قال الفلاس: ما سمعت وكيعا ذاكرا أحدا بسوء قط.
стр. 7630
قلت: مع إمامته، كلامه نزر جدا في الرجال.
قال أحمد بن أبي الحواري، عن وكيع: ما أخذت حديثا قط عرضا.
فذكرت هذا لابن معين، فقال: وكيع عندنا ثبت.
قال عبد الرحمن بن الحكم بن بشير: وكيع عن الثوري غاية الإسناد، ليس بعده شيء، ما أعدل بوكيع أحدا.
فقيل له: فأبو معاوية؟
فنفر من ذلك.
قلت: أصح إسناد بالعراق وغيرها: أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ وفي (المسند) بهذا السند عدة متون.
قال عبد الله بن هاشم: خرج علينا وكيع يوما، فقال:
أي الإسنادين أحب إليكم: الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، أو: سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله؟
فقلنا: الأعمش، فإنه أعلى.
فقال: بل الثاني، فإنه فقيه، عن فقيه، عن فقيه، عن فقيه، والآخر شيخ، عن شيخ، وحديث يتداوله الفقهاء، خير من حديث يتداوله الشيوخ.
نوح بن حبيب: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال:
حضرت موت سفيان، فكان عامة كلامه: ما أشد الموت!
قال نوح: فأتيت عبد الرحمن، فقلت له: حدثنا عنك وكيع، فكان متكئا، فقعد، وقال: أنا حدثت أبا سفيان، جزاه الله خيرا، ومن مثل أبي سفيان؟! وما يقال لمثل أبي سفيان؟!
стр. 7631
وقيل: إن وكيعا وصل إنسانا مرة بصرة دنانير؛ لكونه كتب من محبرة ذلك الإنسان، وقال: اعذر، فلا أملك غيرها.
علي بن خشرم: سمعت وكيعا يقول: لا يكمل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه.
وعن مليح بن وكيع، قال: لما نزل بأبي الموت، أخرج يديه، فقال: يا بني! ترى يدي ما ضربت بهما شيئا قط.
قال مليح: فحدثت بهذا داود بن يحيى بن يمان، فقال:
رأيت رسول الله ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله! من الأبدال؟
قال: الذين لا يضربون بأيديهم شيئا، وإن وكيعا منهم.
قلت: بل الذي يضرب بيده في سبيل الله أشرف وأفضل.
محنة وكيع -وهي غريبة- تورط فيها، ولم يرد إلا خيرا، ولكن فاتته سكتة، وقد قال النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع، فليتق عبد ربه، ولا يخافن إلا ذنبه). قال علي بن خشرم: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله البهي: أن أبا بكر الصديق جاء إلى النبي -صلى الله علية وسلم- بعد وفاته، فأكب عليه، فقبله، وقال: بأبي وأمي، ما أطيب حياتك وميتتك.
ثم قال البهي: وكان ترك يوما وليلة، حتى ربا بطنه، وانثنت خنصراه.
قال ابن خشرم: فلما حدث وكيع بهذا بمكة، اجتمعت قريش، وأرادوا صلب وكيع، ونصبوا خشبة لصلبه، فجاء سفيان بن عيينة، فقال لهم: الله الله، هذا فقيه أهل العراق، وابن فقيهه، وهذا حديث معروف.
стр. 7632
قال سفيان: ولم أكن سمعته، إلا أني أردت تخليص وكيع.
قال علي بن خشرم: سمعت الحديث من وكيع بعد ما أرادوا صلبه، فتعجبت من جسارته.
وأخبرت أن وكيعا احتج، فقال: إن عدة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم عمر، قالوا:
لم يمت رسول الله، فأراد الله أن يريهم آية الموت.
رواها: أحمد بن محمد بن علي بن رزين الباشاني، قال: حدثنا علي بن خشرم.
وروى الحديث عن وكيع: قتيبة بن سعيد.
فهذه زلة عالم، فما لوكيع، ولرواية هذا الخبر المنكر، المنقطع الإسناد! كادت نفسه أن تذهب غلطا، والقائمون عليه معذورون، بل مأجورون، فإنهم تخيلوا من إشاعة هذا الخبر المردود، غضا ما لمنصب النبوة، وهو في بادئ الرأي يوهم ذلك، ولكن إذا تأملته، فلا بأس -إن شاء الله- بذلك، فإن الحي قد يربو جوفه، وتسترخي مفاصله، وذلك تفرع من الأمراض (وأشد الناس بلاء الأنبياء). وإنما المحذور أن تجوز عليه تغير سائر موتى الآدميين ورائحتهم، وأكل الأرض لأجسادهم، والنبي ﷺ فمفارق لسائر أمته في ذلك، فلا يبلى، ولا تأكل الأرض جسده، ولا يتغير ريحه، بل هو الآن -وما زال- أطيب ريحا من المسك، وهو حي في لحده، حياة مثله في البرزخ التي هى أكمل من حياة سائر النبيين، وحياتهم بلا ريب أتم وأشرف من حياة الشهداء الذين هم بنص الكتاب: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وهؤلاء حياتهم الآن التي في عالم البرزخ حق، ولكن ليست
стр. 7633
هي حياة الدنيا من كل وجه، ولا حياة أهل الجنة من كل وجه، ولهم شبه بحياة أهل الكهف.
ومن ذلك اجتماع آدم وموسى لما احتج عليه موسى، وحجه آدم بالعلم السابق، كان اجتماعهما حقا، وهما في عالم البرزخ، وكذلك نبينا ﷺ أخبر أنه رأى في السماوات آدم، وموسى، وإبراهيم، وإدريس، وعيسى، وسلم عليهم، وطالت محاورته مع موسى، هذا كله حق، والذي منهم لم يذق الموت بعد، هو عيسى ﵇ فقد تبرهن لك أن نبينا ﷺ ما زال طيبا مطيبا، وإن الأرض محرم عليها أكل أجساد الأنبياء، وهذا شئ سبيله التوقيف، وما عنف النبي ﷺ الصحابة ﵃ لما قالوا له بلا علم: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟! -يعني: قد بليت-.
فقال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).
وهذا بحث معترض في الاعتذار عن إمام من أئمة المسلمين، وقد قام في الدفع عنه مثل إمام الحجاز؛ سفيان بن عيينة، ولولا أن هذه الواقعة في عدة كتب، وفي مثل (تاريخ الحافظ ابن عساكر)، وفي (كامل الحافظ ابن عدي)، لأعرضت عنها جملة، ففيها عبرة.
حتى قال الحافظ يعقوب الفسوي في "تاريخه": وفي هذه السنة حدث وكيع بمكة، عن ابن أبي خالد، عن البهي … ، فذكر الحديث.
ثم قال: فرفع ذلك إلى العثماني، فحبسه، وعزم على قتله، ونصبت خشبة خارج الحرم، وبلغ وكيعا، وهو محبوس.
قال الحارث بن صديق: فدخلت عليه لما بلغني، وقد سبق إليه الخبر.
стр. 7634
قال: وكان بينه وبين ابن عيينة يومئذ متباعد، فقال لي: ما أرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل، واحتجنا إليه.
فقلت: دع هذا عنك، فإن لم يدركك، قتلت.
فأرسل إلى سفيان، وفزع إليه، فدخل سفيان على العثماني -يعني متولي مكة- فكلمه فيه، والعثماني يأبى عليه.
فقال له سفيان: إني لك ناصح، هذا رجل من أهل العلم، وله عشيرة، وولده بباب أمير المؤمنين، فتشخص لمناظرتهم.
قال: فعمل فيه كلام سفيان، فأمر بإطلاقه.
فرجعت إلى وكيع، فأخبرته، فركب حمارا، وحملنا متاعه، وسافر، فدخلت على العثماني من الغد، فقلت: الحمد لله الذي لم تبتل بهذا الرجل، وسلمك الله.
قال: يا حارث، ما ندمت على شيء ندامتي على تخليته، خطر ببالي هذه الليلة حديث جابر بن عبد الله، قال:
حولت أبي والشهداء بعد أربعين سنة، فوجدناهم رطابا يثنون، لم يتغير منهم شيء.
ثم قال الفسوي: فسمعت سعيد بن منصور يقول: كنا بالمدينة، فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع، وقالوا: إذا قدم عليكم، فلا تتكلوا على الوالي، وارجموه حتى تقتلوه.
قال: فعرضوا علي ذلك، وبلغنا الذي هم عليه، فبعثنا بريدا إلى وكيع أن لا يأتي المدينة، ويمضي من طريق الربذة، وكان قد جاوز مفرق الطريقين، فلما أتاه البريد، رد، ومضى إلى الكوفة.
стр. 7635
ونقل الحافظ ابن عدي في ترجمتة عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد أنه هو الذي أفتى بمكة بقتل وكيع.
وقال ابن عدي: أخبرنا محمد بن عيسى المروزي -فيما كتب إلي- قال:
حدثنا أبي؛ عيسى بن محمد، قال:
حدثنا العباس بن مصعب، حدثنا قتيبة، حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد … ، فساق الحديث.
ثم قال قتيبة: حدث وكيع بمكة بهذا سنة حج الرشيد، فقدموه إليه، فدعا الرشيد سفيان بن عيينة، وعبد المجيد بن أبي رواد.
فأما عبد المجيد، فإنه قال: يجب أن يقتل، فإنه لم يرو هذا إلا من في قلبه غش للنبي ﷺ .
وقال سفيان: لا قتل عليه، رجل سمع حديثا، فأرواه، والمدينة شديدة الحر، توفي النبي ﷺ فترك ليلتين؛ لان القوم في إصلاح أمر الأمة، واختلفت قريش والأنصار، فمن ذلك تغير.
قال قتيبة: فكان وكيع إذا ذكر فعل عبد المجيد، قال: ذاك جاهل، سمع حديثا لم يعرف وجهه، فتكلم بما تكلم.
قلت: فرضنا أنه ما فهم توجيه الحديث على ما تزعم، أفما لك عقل وورع؟ أما سمعت قول الإمام علي: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ أما سمعت في الحديث: (ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم)؟
ثم إن وكيعا بعدها تجاسر وحج، وأدركه الأجل بفيد.