وأما ميلاد أبي يوسف فقد رووا عن الطحاوي أنه (١) سنة ١١٣ هـ، وعليه جرى الأكثرون، لكن ذكر المؤرّخ الفقيه أبو القاسم علي بن محمد السمناني المتوفى سنة ٤٩٩ هـ في "روضة القضاة"، -وهي كتاب مفيد في القضاء-.
"توفي أبو يوسف وله تسع وثمانون سنة على خلاف في ذلك"، ومثله في "مسالك الأبصار" لابن فضل الله العمري، وإليه يجنح صاحب "أخبار الأول"، ومؤلّف "روضات الجنات" تقريبا، فيكون ميلاده سنة ٩٣ هـ. بالنظر إلى أن وفاته سنة ١٨٢ هـ في التحقيق، وبين التاريخين تفاوت عظيم كما نرى، ولا يبعد أن يكون ما في غالب الكتب مصلحا ظنا، حيث كان ميلاده مكتوبا في بعض النسخ القديمة، هكذا "٩٣" بالرقم، فغير رقم "٩" إلى "١" لعدم بروز رأس "٩" أو انطماسه، فشابه، فقرأ القارئ أن ميلاده سنة "١٣"، ولظهور أن ميلاده لا يكون بهذا القدم عد هذا بعد المائة الأولى، وإنما حذفت المائة اختصارا، كما هو المعتاد في المئات عند الأمن من الخطأ، فجرى ذكر رقم "١١٣" كميلاد له، فتناقله المؤرّخون كميلاد حقيقي له، ومن الدليل على وجاهة هذه الملاحظة ما ذكره الحافظ أبو عبد الله محمد بن مخلد العطّار المتوفى سنة ٣٣١ هـ في "جزئه" المشهور الذي سماه "ما وراه الأكابر عن مالك": نا محمد بن هارون، ثنا أبو موسى الأنصاري، قال: قال لي أبو يوسف القاضي: إن طال بالناس الزمن رجعو إلى فتى من أهل "المدينة"، يعني مالكا، وهو في ضمن المجموعة رقم ٩٨ في ظاهرية "دمشق"، وعليه سماعات كثير من الحفاظ، ولو لم يكن أبو يوسف أكبر سنّا من مالك أو من أقرانه لما صحَّ أن يقول عنه مثل هذا القول، وكذلك نجد أبا يوسف يعامل مالكا معاملة الأقران
стр. 7807
في كثير من الأحوال، وهذا ما كان يصحّ منه، لولا أنه من أقران أو أنه أكبر منه سنا، وهذا ما يستأنس به فيما لاحظناه على اختلاف الروايتين المتباعدتين كلّ التباعد، على أن مواليد الأسلاف فيها اختلاف كبير واضطراب عظيم، لتأخّر تدوين كتب الوفيات، ولا يوجد من عني بالتراجم قبل الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، وهو أدرك طبقة أبي يوسف، فيقلّ غلطه في وفيات رجال هذه الطبقة، بخلاف مواليدهم التي لم يدركها، هذا ما عنَّ لي في هذا البحث، وللقارئ الكريم أن يختار ما يطمئنّ إليه قلبه، والله أعلم.
اتصال أبي يوسف بمجلس أبي حنيفة:
قال موسى بن حزام: أنبأنا خلف بن أيوب، سمعت أبا يوسف، يقول: كنت أختلف إلى ابن أبي ليلى، وكانت لي عنده منزلة، وكان إذا أشكل عليه شئ من المسائل يطلب ذلك من وجه أبي حنيفة، وكنت أحبّ أن أختلف إلى أبي حنيفة، وكان يمنعني الحياء منه، فوقع بيني وبينه سبب ثقل عليه، فاغتنمت ذلك، واحتبست عنه، واختلفت إلى أبي حنيفة، كما رواه أبو عبد الله بن منده الحافظ عن الحارثي بسنده إلى أبي يوسف، وذلك السبب هو انتهاب أبي يوسف من السكر المنثور في زواج بنت ابن أبي ليلى، ومنع ابن أبي ليلى من ذلك قائلا: إن النهبى مكروهة، فقال له أبو يوسف: إنما كره النهبى في العساكر، فأما في العرسات فلا بأس، قال أبو يوسف: فتغير، فتحولت إلى أبي حنيفة، فيظهر أن ابن أبي ليلى لم يتذكر إذ ذاك مورد النهي عن النهبى، والإنسان عرضة للنسيان، وقد ورد في الحديث أنه نثر شيء في إملاك (١)، فلم يأخذوه.
стр. 7808
فقال النبي ﵇ ما لكم لا تنتهبون، قالوا: أو ليس قد نهيت عن النهبى، فقال: إنما نهيت عن نهبى العساكر، فانتهبوا. وساق الخطيب بطريق علي بن حرملة التيمي عن أبي يوسف، قال: كنت أطلب الحديث والفقه، وأنا مقل رث الحال، فجاء أبي يوما، وأنا عند أبي حنيفة، فانصرفت معه، فقال: يا بني! لا تمدن رجلك مع أبي حنيفة، فإن أبا حنيفة خبزه مشوي، وأنت تحتاج إلى المعاش، فقصرت عن كثير من الطلب، وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة، وسأل عني، فجعلت أتعاهد مجلسه، فلمّا كان أول يوم أتيته بعد تأخّري عنه، قال لي: ما شغلك عنا؟ قلت: الشغل بالمعاش، وطاعة والدي، فجلست، فلما انصرف الناس دفع إليّ صرة، وقال: استمتع بهذه، فنظرت فإذا فيها مائة درهم، فقال لي الزم الحلقة، وإذا نفدت هذه، فأعلمني، فلزمت الحلقة، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلى مائة أخرى، ثم كان يتعاهدني، وما وأعلمته بخلة قط، ولا أخبرته بنفاد شيء، وكان كأنه يخبر بنفادها، حتى استغنيت، وتموّلت.
ثم قال الخطيب: وحكي أن والد أبي يوسف مات، وخلف أبا يوسف طفلا صغيرا، ثم ساق بسنده حكاية أمّه وتسليمها إياه لقصَّار وهربه إلى مجلس أبي حنيفة، وشكوى أمّه إلى أن قال أبو حنيفة لها: (هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق)، وأكل أبي يوسف ذلك في مائدة الرشيد، لكن هذه حكاية لا أصل لها، وقد انفرد بروايتها محمد بن الحسن بن زياد النقّاش المقرئ صاحب "شفاء الصدور" في التفسير وهو كذّاب مشهور، وثناء أبي عمرو الداني عليه من عدم علمه بأحواله لبعد داره عن الشرق، والتعويل على الرواية السابقة حيث لا مأخذ في رجال سندها، إلا أن الخطيب حذف من آخرها بعد (تمولت) ما لفظه: فلزمت مجلسه، حتى بلغت حاجتي، وفتح الله لي ببركته وحسن نيته ما فتح من العلم والمال، فأحسن الله عني مكافأته، وغفر
стр. 7809
له. وقد تضافرت الروايات على أن صاحب القصّة هو والد أبي يوسف لا أمّه، كما يظهر من رواية الحسن بن أبي مالك، وعبد الحميد الحمّاني أيضا عن أبي يوسف عند الحارثي وغيره، راجع كتاب الموفّق الخوارزمي وأسانيده في تلك الروايات، وكان أبو يوسف شديد الملازمة لأبي حنيفة، حتى روى محمد بن قدامة عن شُجَاع بن مخلد أنه سمع أبا يوسف، يقول: مات ابن لي، فلم أحضر جهازه، ولا دفنه، وتركته على جيراني وأقربائي مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء، لا تذهب حسرته عني، روى العبّاس بن حمزة عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن حسَّان بن إبراهيم أنه سمع أبا حنيفة يقول: ما لزمني أحد مثل ما لزمني أبو يوسف، ولو دام داود الطائي على الذي كان فيه لانتفع الناس به. وكان أبو يوسف عظيم الإجلال لشيخه ابن أبي ليلى وأبي حنيفة كبير البر لهما، فبذلك نال بركة العلم.
بيئته العلمية وأهمية الكوفة بين أمصار المسلمين في ذلك العهد:
كان عمر بن الخطَّاب ﵁ يهتم بـ "الكوفة" جدا بعد فتح "العراق"، حيث بناها، وأسكن في أرضها، فصح القبائل، جعلها محطّ رحال كبار الصحابة، وبعث إلى أهل "الكوفة" عبد الله بن مسعود المعروف بابن أم عبد ﵁ ليعلمهم القرآن، ويفقّههم في الدين، قائلا لهم: إني آثرتكم على نفسي بعبد الله، وما ذلك إلا لكبر منزلة ابن مسعود في العلم، بحيث لا يستغني عنه الخليفة في عاصمته، وقد قال ﵇: من أراد أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد، قال أيضا: إني رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أمّ عبد، وقال عنه عمر ﵁: كنيف ملي علما.
стр. 7810
والآثار الواردة في كتب السنة في سعة علمه وجليل مناقبه في غاية الكثرة، ومثل هذا الصحابي الجليل تولى تفقيه أهل "الكوفة" بجدّ وعناية منذ بعثه عمر إلى أواخر خلافة عثمان رضى الله عنه، وتخرّج عليه عدد عظيم جدا من القراء والفقهاء في "الكوفة"، حتى إن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه أعجب غاية الإعجاب بكثرة فقهائها، فقال لابن مسعود: ملأت هذه القرية علما وفقها، بل بلغ تلاميذه وتلاميذ تلاميذه أربعة آلاف شخص، هم سرج تلك القرية، وبعد انتقال علي كرّم الله وجهه، وأقوياء الصحابة رضى الله عنهم إلى "الكوفة" ازداد الاهتمام بتفقيه أهلها إلى أن أصبحت "الكوفة" لا مثيل لها في أمصار المسلمين في كثرة فقهائها ومحدّثيها والقائمين بعلوم القرآن وعلوم اللغة العربية فيها من حيث سكنى فصح القبائل العربية حولها، وكثرة من نزل بها من كبار الصحابة ﵃، فكبار أصحاب علي وابن مسعود ﵄ بها لو دوّنت تراجمهم في كتاب خاص لأتى كتابا ضخما، وأبلغ العجلى عدد الصحابة الذين سكنوا "الكوفة" فقط إلى ألف وخمسمائة صحابي، فضلا عن باقي بلدان "العراق"، قال مسروق بن الأجدع التابعي الكبير: وجدت علم أصحاب محمد ينتهي إلى ستة: إلى علي، وعبد الله، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي بن كعب، ثم وجدت علم هؤلاء الستّ انتهى إلى علي، وعبد الله.
وقال ابن جرير: لم يكن أحد له أصحاب معروفون حرّروا فتياه ومذاهبه في الفقه، غير ابن مسعود، وكان يترك مذهبه، وقوله لقول عمر، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله، وكان بين فقهاء الصحابة من يوصي أصحابه بالالتحاق إلى ابن مسعود، إقرارا منهم بواسع علمه، كما فعل معاذ بن جبل ﵁، حيث
стр. 7811
أوصى صاحبه عمرو بن ميمون الأودي باللحاق بابن مسعود بـ "الكوفة"، وقد روى الرامَهرمزي عن أنس بن سيرين أنه قال: أتيت "الكوفة" فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربعمائة قد فقهوا، وفي أيّ مصر من أمصار المسلمين غير "الكوفة" تجد مثل هذ العدد العظيم للمحدّثين والفقهاء، وفي هذا ما يدلّ على أن الفقيه مهمّته شاقّة جدا، فلا يكثر عدده كثرة عدد النقلة.
وروى أيضا عن عفَّان أنه قال: قدمنا "الكوفة"، فأقمنا أربعة أشهر، ولو أردنا أن نكتب مائة ألف حديث لكتبناها، فما كتبنا إلا قدر خمسين ألف حديث، وما رضينا من أحد إلا ما لأمه إلا شريكا، فإنه أبى علينا، وما رأينا بـ "الكوفة" لحّانا مجوّزا، أي متساهلا، ويقول البخاري: لا أحصى ما دخلت "الكوفة" حينما يذكر سائر الأمصار بعدد دخوله فيها، وأئمة القراءة والعربية فيها في غاية الكثرة أيضا، وبهذا يعلم مبلغ أهمية "الكوفة" في الحديث والفقه والقراءة والعربية ووجه توارث علومه جماعة عن جماعة إلى أقدم نبع فيّاض، وفي هذه البيئة كان المجمع الفقهي الذي يتكوّن من أربعين عالما، برأسهم أبو حنيفة في تحقيق المسائل وتدوينها بعد تمحيصها بالدلائل، وكان هذا ما امتازت به "الكوفة".
قال ابن أبي العوام، حدّثني الطحاوي كتب إلى ابن أبي ثور، قال: أخبرني نوح أبو سفيان قال لي المغيرة بن حمزة: كان أصحاب أبي حينفة الذين دوّنوا معه الكتب أربعين رجلا كبراء الكبراء، وقال أيضا: حدثني الطحاوي كتب إلى محمد بن عبد الله بن أبي ثور الرعيني، حدثني سلميان بن عمران، حدّثني أسد بن الفرات قال: كان أصحاب أبي حنيفة الذين دوّنوا الكتب أربعين رجلا، فكان في العشرة المتقدّمين أبو يوسف، وزفر بن الهذيل، وداود
стр. 7812
الطائي، وأسد بن عمرو، ويوسف بن الخالد السمتي أحد مشايخ الشافعي، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو الذي كان يكتبها لهم ثلاثين سنة.
وقال أسد بن الفرات أيضا بهذا السند: قال لي أسد بن عمرو: كانوا يختلفون عند أبي حنيفة في جواب المسألة، فيأتى هذا بجواب، وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه، ويسألونه عنا، فيأتي الجواب من كتب أي من قرب، وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام، ثم يكتبونها في الديوان.
وقد أسند الصيمري إلى إسحاق بن إبراهيم أنه قال: كان أصحاب أبي حنيفة يخوضون معه في المسألة، فإذا لم يحضر عافية بن يزيد قال أبو حنيفة: لا ترفعوا المسألة، حتى يحضر عافية، فإذا حضر عافية ووافقهم، قال أبو حنيفة: أثبتوها، وإن لم يوافقهم، قال أبو حنيفة: لا تثبتوها.
وقال يحيى بن معين في معرفة التاريخ والعلل عن الفضل بن دكين، سمعت زفر، يقول: كنا نختلف إلى أبي حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فكنا نكتب عنه، قال زفر: فقال يوما أبو حينفة لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتب كلّ ما تسمع مني، فإني قد أرى الرأي اليوم، وأتركه غدا، وأرى الرأي غدا، وأتركه في غده، انظر كيف كان ينهى أصحابه عن تدوين المسائل إذا تعجل أحدهم بكتابتها قبل تمحيصها، كما يجبُ، فإذا أحطت خبرا بما سبق علمت وجاهة ما يقوله الموفّق المكّي: أنه وضع أبو حنيفة مذهبه شورى بينهم، لم يستبدّ فيه بنفسه دونهم اجتهادا منه في الدين، ومبالغة في النصيحة لله ورسوله، والمؤمنين، فكان يلقي لسائل مسألة مسألة، وسمع ما عندهم، ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرا، أو أكثر، حتى يستقرَّ أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول، حتى أثبت الأصول كلّها، وهذا يكون
стр. 7813
أولى وأصوب، وإلى الحثّ أقرب والقلوب إليه أسكن، وبه أطيب من مذهب من انفرد، فوضع مذهبه بنفسه، ويرجع فيه إلى رأيه، وطريقة أبي حنيفة في تفقيه أصحابه أنه كان عند مدارسته المسائل مع أصحابه يذكر احتمالا في المسألة، فيؤيده بكلّ ما له من حول وطول، ثم يسائل أصحابه أعندهم ما يعارضونه به، فإذا وجدهم مشوا على التسليم بدأ هو بنفسه ينقض ما قاله أولا بحيث يقتنع السامعون بصواب رأيه الثاني، فيسائلهم عما عندهم في الرأي الجديد، فإذا رأى أنه لا شيء عندهم أخذ يصور وجها ثالثا، فيصرف الجميع إلى هذا الرأى الثالث، وفي آخر الأمر يحكم لأحدها بأنه هو الصواب بأدلة ناهضة، وهذه طريقة في التفقيه، امتاز بها أبو حنيفة وأصحابه، كما نجد شرح ذلك في "التأنيب" زيادة على ما هنا، فأبو يوسف نشأ في العلم في مثل هذه البيئة الممتازة تحت إشراف مثل أبي حنيفة البارع في التفقيه، فصقل عقله، واتسع أفق فقهه، وأثمرت مواهبه، وظهرت مآثره بتوفيق الله جلّ شأنه على أن شيخه الآخر في الفقه محمد بن أبي ليلى القاضي، طال أمد قضائه في الدولتين الأموية والعبّاسية، حيث لم يمكن استغناؤهما على تنافسهما عن خبرته الواسعة في القضاء على طريقة قضاء علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وقضاء شريح الممتدّ من عهد عمر رضى الله عنه إلى زمن الحجّاج، فازداد أبو يوسف علما وعملا بأحكام القضاء بما تلقّاه من ابن أبي ليلى، هذا من أحكام القضاء التي ورثها من قضايا علي وشريح، فيظهر من ذلك أن العلم كان ميسّرا له من كلّ النواحي، وكل ميسّر لما خلق له.
حافظته القوية وذكاؤه البالغ:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي أبا يوسف في "جزئه" في المائة الأفذاذ من حفّاظ هذه الأمة من جهة قوة الحفظ مطلقا، غير مقتصر على حفظ
стр. 7814
الحديث، وقال: إنه كان يحفظ خمسين وستين حديثا بسماع واحد، ثم يحدّث بها، يعني بأسانيدها، وهذا الجزء، يسمى "أخبار الحافظ"، يوجد بظاهرية "دمشق"، إلا أنه تنقصه الورقة الأولى.
وقال ابن عبد البر في "الانتقاء": أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن الفضل بن العبّاس، قال: أخبرنا محمد بن جرير الطبري، كان أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي فقيها عالما حافظا، ذكر أنه كان يعرف بحفظ الحديث أنه كان يحضر المحدّث، فيحفظ خمسين وستين حديثا، ثم يقوم فيمليها على الناس، وكان كثير الحديث، وهو عين ما ذكره ابن جرير في "ذيل المذيل".
وقال الصيمري في "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" بسنده إلى لحسن بن زياد أنه قال: حججنا مع أبي يوسف، فاعتلّ في الطريق، فنزلنا ببئر ميمون، أتاه سفيان بن عيينة يعوده، فقال لنا: خذوا حديث أبي محمد، فروى لنا أربعين حديثا، فلمَّا قال سفيان: قال لنا أبو يوسف: خذوا ما روي لكم، فردّ علينا الأربعين حديثا حفظا على سنه وضعفه وعلته وشغله بسفره. اهـ.
وروى الموفّق المكّي بسنده إلى الحسن بن أبي مالك أنه قال: كنا نختلف إلى أبي معاوية في حديث الفقه من حديث الحجّاج بن أرطاة، فقال لنا أبو معاوية: أليس أبو يوسف القاضي عندكم؟ قلنا بلى، فقال: أتتركون أبا يوسف، وتكتبون عني، كنا نختلف إلى الحجّاج بن أرطاة، فكان أبو يوسف يحفظ، والحجّاج يملى علينا، فإذا خرجنا كتبنا من حفظ أبي يوسف ﵀.
وذكر الموفّق بسنده أيضا إلى يحيى بن آدم، قيل لهارون الرشيد، كان فقيها عالما: إنك رفعت أبا يوسف فوق المقدار، وأنزلته المنزلة الرفيعة، فبأيّ
стр. 7815
وجه نال ذلك منك، قال: عن معرفة مني به فعلت ذلك، وعن تجربة، والله ما امتحنته في باب من أبواب العلم إلا وجدته كاملا فيه، لقد كان يختلف معنا في الحديث، فكنا نكتب، ولا يكتب، فإذا قمنا من المجلس انضمّ إليه أصحاب الحديث، فصحّحوا كتبهم عن حفظه، ولقد بلغ في الفقه غاية لم يبلغها أحد من أهل طبقته، فصغير عنده أجلّ الناس، ونازل عنده أفقه الناس، يقعد للناس، وليس معه كتاب، ولا شيء درسه بالليل مع شغله في أعمالنا، فيقول: ما تريدون، فيقولون: في باب كذا وكذا، فيندفع فيه، فيجيئ في بديهته بشيء يعجز عنه علماء زمانه، ومع ذلك عنده استقامة في المذهب، وصيانة في الدين، هاتوا لي مثله، فليعتبر بهذا الوصف لأبي يوسف من الرشيد أمير المؤمنين، فقد جمع وأوعى.
وقال داود بن رشيد: ولو لم يكن لأبي حنيفة تلميذ إلا أبو يوسف لكان له فخرا على جميع الناس، كنت إذا رأيت أبا يوسف يتكلم في باب من أبواب العلم، كأنما كان يغرفه من بحر الحديث في وجهه، والفقه في وجهه، والكلام في وجهه، كان لا يتعذّر عليه شيء من ذلك.
وقال هلال بن يحيى البصري المعروف بهلال الرأي: كان أبو يوسف يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب، وكان أحد (١) علومه الفقه. اهـ. يعني وفقهه، كما يعلمه الحاضر والبادي.
وقال يحيى بن خالد في رواية الذهبي: قدم علينا أبو يوسف، وأقلّ ما فيه الفقه، وقد ملأ فقهه ما بين الخافقين، وقال يحيى بن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث ولا أحفظ ولا أصحّ رواية من أبي يوسف،
стр. 7816
كما روى ذلك ابن أبي العوام عن الطحاوي، وقد ترجم لأبي يوسف الذهبي في "تذكرة الحفاظ" في عداد حفّاظ الحديث، كما ألّف جزءا خاصّا في مناقبه ﵁، وهو مطبوع.
وروى الصيمري بطريق الطحاوي عن أبي عمران أن أبا يوسف دخل على الحجّاج بن أرطاة، وهو قاضي "الكوفة"، فسأله عن جنين الأمة، فقال له الحجّاج: فيه نصف عشر قيمة أمه، فقال له أبو يوسف: أليس جنين الحرة إذا وقع من الضربة ميتا فيه غرة، وإن وقع حيا ثم مات فقيه الدية، فقال الحجّاج: نعم، قال أبو يوسف: فأنت قلبت الأمر، فجعلت في جنين الأمة إذا كان ميتا أكثر مما يجبُ فيه إذا كان حيا ومات بعد ذلك، لأنه قد يكون قيمته حيا درهمين، وقيمة أمه مائة درهم، فقال له الحجّاج: إذا كان مثل هذا فلا تلقه إليَّ بحضرة الناس يا بني!.
وروى الصيمري بسنده أن أبا يوسف قال لربيعة الرأي شيخ مالك: ما تقول في عبد بين اثنين أعتقه أحدهما، قال: لا يجوز عتقه، قال لم؟ قال: لأن هذا ضرر، وقد جاء لا ضرر ولا ضرار، قال: فإن أعتقه الآخر، قال: جاز عتقه، قال: تركت قولك، إن كان الكلام الأول لم يعمل شيئا، ولم يقع له عتق، فقد أعتقه الثاني هو عبد، فسكت. اهـ.
وروى الطحاوي عن ابن أبي عمران عن ابن سماعة عن أبي يوسف نحوه، وفي هذا القدر كفاية في الإشارة إلى قوة حفظه وباهر ذكائه.
بعض شيوخ أبي يوسف في الفقه والحديث:
وقد تفقّه أبو يوسف في أحكام القضاء على محمد بن أبي ليلى القاضي، ولازم أبا حنيفة في الفقه والحديث، حتى تخرّج عليهما في الفقه وأدلة الأحكام، وكان بارا بهما، وناشرا لعلمهما، حتى حكى أحمد بن عمّار بن أبي
стр. 7817
مالك عن أبيه في أبي يوسف أنه لولاه لم يذكر أبو حنيفة، ولا أبن أبي ليلى، وهذا غلو، لا يرضاه أبو يوسف نفسه، بل لولاهما لما ارتفع لأبي يوسف شأن، وهو القائل: ما كان في الدنيا مجلس أجلسه أحبّ إليّ من مجلسي أبي حنيفة وابن أبي ليلى، فإني ما رأيت فقيها أقفه من أبي حنيفة، ولا قاضيا خيرا من ابن أبي ليلى. كما أخرجه الصيمري بسنده إليه، نعم كان تلميذا بارا لهما، ينشر علمهما، ويدعو لهما، بل كان يدعو لأبي حنيفة بالمغفرة دبر كلّ صلاة قبل والديه، كما ورد بطرق عنه، فبارك الله في علمه، على أن عمّار بن أبي مالك ضعّفه أبو الفتح الأزدي، وأقرّه عليه الذهبي وابن حجر، وقد ذكر يوسف بن أبي سعد أن أبا يوسف، قال: اختلفت إلى أبي حنيفة تسعا وعشرين سنة، ما فاتتني صلاة الغداة، كما في "المنية"، و"النافع الكبير".
وروى الصيمري بسنده إلى أبي يوسف أنه قال: صحبت أبا حينفة سبع عشرة سنة، لا أفارقه في فطر ولا أضحى إلا من مرض، ولعلّ هذه الرواية لمدة الملازمة الكلية، والأولى في الاختلاف إليه في الصباح مع التردد إلى شيوخ آخرين في باقى اليوم، فنسرد هنا بعض شيوخ أبي يوسف في العلوم، وهم أبان بن أبي عيّاش، والأحوص بن حكيم، وأبو إسحاق الشيباني (سليمان)، وإسرائيل بن أبي إسحاق يونس، وإسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر البجلي، وإسماعيل بن أمية، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل ابن علية، وإسماعيل بن مسلم، وأيوب بن عتبة، وبيان بن بشر، وأبو بكر بن عبد الله الهذلي، وثابت أبو حمزة الثمالي من رجال الترمذي، وابن جريج عبد الملك، وأبو جناب يحيى الكلبي، والحجّاج بن أرطاة، وحريز بن عثمان، والحسن بن حي، والحسن بن دينار، والحسن بن عبد الملك بن ميسرة، والحسن بن علي بن عمارة، وحصين بن عبد الرحمن السلمي، وحصين بن عمرو بن ميمون،
стр. 7818
وحنظلة بن أبي سفيان، وخصيف بن عبد الرحمن، وداود بن أبي هند، وروح بن مسافر، والسري بن يحيى اللخمي، وسفيان بن عيينة، وأبو سفيان بن العلاء، وسليمان التيمي، وسليمان بن مهران الأعمش، وسمّاك بن حرب، وطلحة بن يحيى، وطارق بن عبد الرحمن، وعاصم بن أبي النجود، وعاصم الأحول، وعبد الله بن سعيد المقبري، وعبد الله بن علي، وعبيد الله بن عمر، وأخوه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن المحرر، وعبد الله بن واقد، وعبد الله بن الوليد المدني، وعبيد الله بن أبي حميد، وعبيدة بن أبي رائطة، وعبد الرحمن بن ثابت، وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وعبد الرحمن بن معمر، وعبد الملك بن ميسرة، وعتبة بن عبد الله، وعطاء بن السائب، وعطاء بن عجلان، والعلاء بن كثير، وعمرو بن دينار، وعمرو بن عثمان، وعمرو بن المهاجر، وعمر بن يحيى بن عمارة، وعمر بن نافع، وغالب بن عبيد الله، وغيلان بن قيس الهمداني، والفضل بن مرزوق، وفطر بن خلفة، وقيس بن الربيع، وقيس بن مسلم، وكامل بن العلاء، والليث بن سعد، وليث بن أبي سليم، ومالك بن أنس، ومالك بن مغول، ومجالد بن سعيد، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي، ومحمد بن أبي حميد، ومحمد بن السائب الكليبي، ومحمد بن سالم، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ومسعر بن كدام، ومسلم الخزامي، ومطرف بن طريف، وأبو معشر، ومغيرة بن مقسم، ومنصور بن المعتمر، والمنهال بن خليفة، وميسرة بن معبد، ونافع مولى ابن عمر، ونصر بن طريف، وابن أبي نجيح عبد الله، والنعمان بن ثابت، وورقاء الأسدي، والوليد بن عيسى، وهشام بن عروة، وهشام بن سعيد، ويحيى بن أبي أنيسة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عبد الله التيمي، ويحيى بن عمرو بن سلمة، ويزيد أبو
стр. 7819
خالد، ويزيد بن أبي زياد، ويونس بن أبي إسحاق، وغيرهم من حملة العلم من رجال "الحجاز" و"العراق" وسائر البلدان، وبينهم من يذكر بضعف عنه بعض النقّاد من الرواة، إلا أن للفقهاء نظرا خاصا في الرجال باعتبار موارد أخبارهم، ومنشأ كلام المتكلمين فيهم، فلا يسايرون المتعنتين من أهل الجرح، ومقلّديهم على إسرافهم في التجريح بمجرّد نظرهم في الرأي والكلام، ولا سيّما الذين عاشروهم، ودرسوا أحوالهم عن كتب، فهم أدرى بأحوال شيوخهم، الذين خالطوهم من ضبط وإتقان، أو غلبة وهم ونسيان أو عدالة أو قلة دين، بل يزنون ذلك كله بميزان العدل غر مسترسلين في التجريح، كفعل كثير من النقلة من ضيق أفق هؤلاء في إدراك المسائل، التي كان النقّاش يجري فيما بين أهل الدراية وأصحاب الرواية والجامعين بينهما، وكم من راو قبله الإمام الشافعي رضى الله عنه أيضا لذلك مع تشدّد بعض الرواة فيه.
إقباله العظيم على العلم وتعليمه وصبره مع المتفقّهين عليه وجملة من الذين أخذوا الحديث والفقه عنه:
قال الحسن بن زياد: كنت أختلف إلى زفر وإلى أبي يوسف في الفقه، وكان أبو يوسف أوسع صدرا للتعليم من زفر، فكنت أبدأ بزفر، فأسأله عن المسألة التي تشكل عليَّ، فيفسّرها لي، فلا أفهمها، فإذا أعييته، قال: ويحك، ما لك صناعة، ما لك ضيعة، ما أحبسك تفلح أبدا. قال: فأخرج من عنده، وقد فترت، واغتممت، فآتي أبا يوسف، فيفسّرها لي، فإذا لم أفهمها، قال لي: ارفق، ثم يقول لي: أنت الساعة مثلك حين بدأت؟ فأقول له: لا، قد وقفت منها على أشياء، وإن كنت لم أستتم ما أريد، فيقول لي: فليس من شيء ينقص إلا يوشك أن يبلغ غايته، اصبر، فإني أرجو أن تبلغ ما تريد، قال
стр. 7820
الشيخ بن زياد: فكنت أعجب من صبره، وكان أبو يوسف يقول لأصحابه: لو استطعت أن أشاطركم ما في قلبي لفعلت، وقد بلغ به الاهتمام بتعليم العلم إلى أن يتحدّث عن العلم، وتعليم المسائل، وهو في حالة الاحتضار.
وقد روى إبراهيم بن الجارح أن أبا يوسف مرض، فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلمّا أفاق قال لي: يا إبراهيم! أيما أفضل في رمي الجمار أن يرميها الرجل راجلا أو راكبا، فقلت راجلا، فقال لي: أخطأت، فقلت: راكبا، فقال: أخطأت، ثم قال: أما ما كان منها يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه راجلا، وأما ما كان لا يوقف عنده، فالأفضل أن يرميه راكبا، ثم قمت من عنده، فما بلغت باب داره، حتى سمعت الصراخ عليه، وإذا هو قد مات، رحمة الله عليه، كما في كتاب ابن أبي العوام بأسانيده، ونحوه في كتاب الصيمري بطريق أبي عبيد عن إبراهيم بن الجرّاح، وفيه قلت في مثل هذا الحال؟ قال: لا بأس بذلك ندرس فينجو به ناج، ثم علّل عدم الركوب في موضعه بكونه أشدّ للتمكّن وأغزر للدعاء، وعلّل الركوب في موضعه بكونه أسرع في التنحّي، وقال بهذه المصابرة بركة العلم، فحاز رضي الله ورسوله ورضي العلماء.
فمن الذين أخذوا عنه أو تفقّهوا عليه: إبراهيم بن الجراح المازني القاضي، وإبراهيم بن سلمة الطيالسي، وإبراهيم بن يوسف بن ميمون البلخي، وأبو إبراهيم بن الجراح المازني القاضي، وإبراهيم بن سلمة الطيالسي، وإبراهيم بن يوسف بن ميمون البلخي، وأبو إبراهيم بن معبد، وأحمد بن حنبل كتب عنه ثلاثة قماطر من العلم، وأحمد بن محمد بن عيسى السكوتي، وأحمد بن منيع الحافظ، وإسحاق بن الفرات الكندي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وأسد بن الفرات، مدوّن مذهب مالك قبل
стр. 7821
سحنون، وإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وإسماعيل بن الفضل، وأشرف بن سعيد النيسابوري، وبشار بن موسى الخفّاف البصري، وبشر بن غياث (١) أبو عبد الرحمن المريسي بفتح وتخفيف عند الجمهور، وبكسر وتشديد عند الصغاني، وبشر بن المعلّى، وبشر بن الوليد الكندي، وبشر بن يزيد أبي الأزهر النيسابوري، وأبو بكر ابن أخت أبي يوسف، وتوبة بن سعد المروزي، وجعفر بن يحيى البرمكي، والحسن بن أيوب أبو علي النيسابوري، والحسن بن زياد اللؤلؤي، والحسن بن زياد بن عثمان بن حماد
стр. 7822
الزيادي أبو حسّان، والحسن بن شبيب، والشيخ بن أبي مالك، والحسن بن مسهر، والحسين بن إبراهيم بن الحر البغدادي، وإشكاب، والحسين بن حفص الأصفهاني، والحسين بن الوليد، وحفص الفرد، وحماد بن دليل، وحبان بن بشر بن المخارق، وخالد بن صبيح، وأبو الخطّاب كاتب أبي يوسف، وخلف بن أيوب البلخي، وداود بن رشيد الخوارزمي، وسعيد بن الربيع الهروي أبو زيد، وسورة بن الحكم، وسهل بن مزاحم، وشجاع بن مخلد، وشعيب بن سليمان الكيساني، وشقيق بن إبراهيم البلخي، وعبّاس بن الوليد، وأبو العبّاس الطوسي، وعبد الله بن عمر بن غانم الرعيني، وعبد الرحمن بن عبد الله العمري، وعبد الرحمن بن مسهر، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبدوس بن بشر الرازي، وعثمان بن بحر الجاحظ، وعثمان بن حكيم، وعرزم بن فروة، وعصام بن يوسف البلخي، وعلي بن الجعد الجوهري الحافظ، صاحب الجعديات المشهورة، وعلي بن حجر المروزي، وعلي بن حرملة الكوفي، وعلي بن خشرم، وعلي بن صالح الجرجاني، وعلي بن صبيح، وعلي بن عمروس القرظي، وعلي بن المديني، وعلي بن مسلم الطوسي، وعمّار بن عبد الملك أبو اليقظان المروزي، وعمر بن حماد، وعمرو بن أبي عمرو الحراني، وعمرو بن محمد الناقذ، وعمرو بن الوليد الأعصف، وفرات بن نصر الهروي، وفرح بن عبد الله مولى أبي يوسف، والفضل بن حاتم، والفضل بن غانم، والفضيل بن عياض، والقاسم بن الحكم العرني، وقتيبة بن أسد، ومحمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، ومحمد بن بكر بن خالد القصير أبو جعفر كاتب أبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومحمد بن خالد الحنظلي الرازي، ومحمد بن أبي رجاء الخراساني، ومحمد بن سماعة التميمي، ومحمد بن الصباح، ومحمد بن عمرو بن السري المصرفي، ومخلد بن خالد، والمعلى بن منصور الرازي،
стр. 7823
والموجه أبو عمرو المروزي، وموسى بن سليمان الجوزجاني، وأبو موسى الأنصاري، وابن أبي نجدة، ونصر بن عبد الكريم البلخي، ووكيع بن الجرّاح، وهشام بن عبد المالك أبو الوليد الطيالسي، وهشام بن عبيد الله الرازي، لينوه في روايته للفقه، وهشام بن معدان كاتب أبي يوسف، وهلال بن يحيى الرأيي البصري المعروف بهلال الرأي، صاحب "أحكام الوقف"، والهيثم بن خارجة، والهيثم بن موسى، ويحيى بن آدم، ويحيى بن عبد الصمد، ويحيى بن مَعين، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وابن أبي يوسف يوسف القاضي، راوي "كتاب الآثار" لأبي يوسف عن أبيه كثير سواهم، وفيهم من شارك أبا يوسف، في الأخذ عن أبي حنيفة، وفيهم أيضا من شارك محمد بن الحسن في الأخذ عن أبي يوسف، ثم أخذ عن محمد بن الحسن، وتفقّه عليه عدد كثير، كما يقول الذهبي، وأخذ عنه أئمة، كما ترى، والشافعي إنما يروي عنه في "الأم" و"المسند" بواسطة محمد بن الحسن، كما في حديث بيع الولاء، ولم يجتمع به كما جزم به ابن تيمية وابن حجر والسخاوي، ومن عاصره، وأما ما في بعض مسانيد أبي حنيفة من رواية الشافعي عن أبي يوسف فسبق قلم عن يوسف بدون أبي، وهو يوسف بن خالد السمتي. والله أعلم.
منزلته في الاجتهاد وبعد غوره في التأصيل والتفريع:
والاجتهاد هو استفراغ المجهود في استنباط الحكم الفرعي عن دليله وشرط مطلقه على الكتاب بمعانيه شرعا ولغة وإفرادا وتركيبا وسليقة أو تعلّما، وعمل السنّة متنا وسندا، وعلم موارد الإجماع، ووجوه القياس الشرعي إلى غير ذلك مما هو مبسوط في أصول الفقه، وأبو يوسف كان من أفذاذ أركان المجمع الفقهي الذي كان يرأسه أبو حنيفة في "الكوفة"، كان يشارك الجماعة بقسط وافر في تحقيق المسائل وتدقيق الدلائل، وتدوين الأجوبة
стр. 7824
الممحَّصة إلى وفاة أبي حنيفة تسعا وعشرين سنة، مع بعض فترات يسيرة انقطع فيها عن مجلس أبي حنيفة، ولازمه سبع عشرة سنة بلا انقطاع أصلا، فمثل أبي يوسف في ذكائه المفرط وحافظته الخارقة للعادة وإقباله الكلّي على العلم إذا لازم ذلك المجلس بتلك المواهب وبتلك المثابرة لا بدّ من أن تثمر مواهبه، ويعلو شأنه في الاجتهاد، ويحوز مرتبة الاجتهاد المطلق إن حافظ على انتسابه لأبي حينفة، عرفانا لجميل أستاذه عليه في تكوينه العلمي.
وقد شهد له أبو حنيفة أنه أعلم أهل الأرض في طبقته، كما روى الطحاوي بسنده عن أسد بن الفرات على ما في "تاريخ الخطيب"، وشهد له الحافظ الفقيه علي بن الجعد صاحب "الجعديات" المشهور بأنه ما رأى مثله، وقال ابن أبي عمران شيخ الطحاوي، وقد رأى على بن الجعد الثوري، والحسن بن صالح، ومالكا، وابن أبي ذئب، والليث بن سعد، وشعبة بن الحجّاج. اهـ. كما أسنده الصيمري فيكون بهذا الكلام فضله عليهم.
وقول الأعمش له: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة عند جوابه استنباطا من حديث بريرة الذي كان حدّثه به، وقوله له أيضا: إني رويت هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك، ولم أعرف تأويله إلا الساعة شهادة له بدقّة الاستنباط أيضا، بل قال طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد: هو أفقه أهل عصره، ولم يتقدم عليه أحد في زمانه، وقال يحيى بن خالد: قدم علينا أبو يوسف، وأقلّ ما فيه الفقه، وقد ملأ بفقهه ما بين الخافقين، وقال عبد الله بن داود الخريبي الحافظ: كان أبو يوسف قد اطلع على الفقه اطلاعا، يتناوله كيف يشاء، كما أخرجه ابن أبي العوام بسنده إليه، وكان يشهد له أبو حنيفة بالغلبة في مناظراته مع زفر بن الهذيل المعروف ببالغ الذكاء، وقوة الحجّاج، كما ورد بطرق عنه وقوة
стр. 7825
حفظه مضرب الأمثال، وسعته في معرفة الآثار وشدّة تمسّكه بها موضع اتفاق، فلا يكون بلوغ مثله لدرجة الاجتهاد المطلق موضع تردّد.
ومن المعروف: تقسيم المجتهدين إلى مجتهد مطلق مستقلّ غير منتسب، ومجتهد مطلق منتسب، ومجتهد مقيَّد بمذهب، مجتهد فيه على أصول إمامه، كما ذكره ابن حجر المكّي في "شن الغارة"، ونقله بنصّه عبد الحي اللكنوي في "النافع الكبير"، وجرى عليه أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي في "الإنصاف في أسباب الخلاف"، وإن لم يوفيا البحث حقّه من التمحيص، ومع ذلك هو أقرب إلى الصواب مما عمله ابن الكمال الوزير في سرد درجات للفقه وتوزيع الفقهاء عليها، -سواء كان له سلف في ذلك أم لم يكن-، ولم يصب في أحد من الأمرين، لا في ترتيب الطبقات، ولا في توزيع الفقهاء عليها، وإن لقي استحسانا من المقلدة بعده، وكان في نفس الشيخ عبد الحي اللكنوي وقفة في صنيع ابن الكمال، وقد شفى ما في نفسه عمل الناقد العصامي الشهاب المرجاني في كتابه "ناظورة الحق" من تعقب يهدم الأمرين: الترتيب والتوزيع معا، فعاد الأمر إلى نصابه بتحقيقه، فجزاه الله عن العلم خيرا، وأنقل هنا في الهامش (١) رسالة ابن الكمال في طبقات الفقهاء بنصّها
стр. 7826
= المذكورة، على حسب القواعد، التي قررها أستاذهم أبو حنيفة رحمة الله عليه، وعيَّنها، فإنهم وإن خالفوه في بعض الأحكام الفرعية، لكنهم يقلّدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب، ويفارقونهم، كالشافعي، ونظرائه المخالفين لأبي حنيفة رحمة الله عليه في الأحكام، غير المقلّدين له في الأصول
(الثالثة): طبقة المجتهدين في المسائل، التى لا رواية فيها عن صاحب المذهب، كالخصّاف، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلوائي، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان، وغيرهم، فإنهم لا يقدرون على المخالفة للشيخ، لا في الفروع ولا في الأصول، لكنّهم يستنبطون الأحكام في المسائل، التي لا نصَّ فيها عنه على حسب أصول، قرَّرها ومقتضى قواعد بسطها.
(الرابعة): طبقة أصحاب التخريج من المقلّدين، كالرازي، وأصحابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمآخذ يقدرون على تفصيل مجمل ذي وجهين، وحكم مبهم، محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب أو واحد من أصحابه المجتهدين، برأيهم ونظرهم في الأصول، والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع، وما وقع في بعض المواضع من "الهداية" من قوله: كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي من هذا القبيل.
(الخامسة): طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين، كأبى الحسين القدروي، وصاحب "الهداية" وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح دراية، وهذا أصحّ رواية، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للناس.
(السادسة): طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر المذهب وظاهر الرواية والروايات النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين، كصاحب "الكنز"، وصاحب "المختار"، وصاحب =
стр. 7827
للاطلاع على الترتيب والتوزيع المردودين، كما سأنقل في آخر كتابي هذا نصّ تعقب المرجاني على طوله للحاجة الماسة إلى الإيقاظ لكثرة المغترين بكلام ابن الكمال. وإنزال أبي يوسف وأمثاله إلى درجة المجتهد في المذهب، كما فعل ابن الكمال حطّ لمنزلتهم وبخس لحقهم وإخسار في الميزان عند من يعرف مقادير الرجال، ولذا قال المرجاني في أبي يوسف وزفر ومحمد بن الحسن: وحالهم في الفقه إن لم يكن أرفع من مالك والشافعي وأمثالهما فليسوا بدونهما كما سيأتي، والحق أن الاجتهاد له طرفان: أعلى وأدنى، وفيما بين الطرفين درجات متفاوتة جدّ التفاوت، ومنازل متخالفة كلّ التخالف، فلا تظهر منزلة الفقيه بمجرد عدّه من طبقة أهل الاجتهاد المطلق المستقل، وكم بين الذين حافظوا على الانتساب من هو أعلى منزلة من الذين حاولو الاستقلال، على أن الاستقلال بالمعنى الصحيح لا يوجد بين الأئمة المتبوعين المعروفين، فضلا عمن بعدهم، لأن أبا حنيفة تابع في معظم اتجاهه طريقة فقهاء "العراق" من أصحاب علي وابن مسعود ﵄، وأصحاب أصحابهم، ولا سيّما إبراهيم النخعي وأما مالك بن أنس، فيجري على منحى ابن عمر وزيد بن ثابت، ﵄، وأصحابهما وأصحاب أصحابهما إلى الفقهاء السبعة بـ "المدينة" وأصحابهم، لا سيّما إبراهيم النخعي، ولا سيّما ربيعة الرأي، وأما الشافعي فقد حذا حذو ابن عباس رضى الله عنهما، وأصحابه، وأصحاب
стр. 7828
أصحابه بـ "مكة"، كمسلم بن خالد وغيره، مع الاغتراف من البحرين: فقه "العراق"، وفقه "الحجاز" على المنهجين، وكان في قديمه محافظا على انتسابه لمالك إلى أن ردّ عليه عيسى بن أبان، وفي جديدة (١).
كان على استقلاله يغلب عليه مسائل محمد، وموافقة المجتهد للمجتهد ليست من تقليده له، بل من معرفته للحكم بدليله، كمعرفة الآخر، وليس ادّعاء ابن خزيمة وابن المنذر أنهما ما قلّدا أحدا منذ بلغا الحلم برافعهما فوق المجتهدين المنتسبين إلى مستوى المستقلين في الاجتهاد في الحقيقة، والأول هو الذى ساعد محمد بن عبد الحكم في ردّه على الشافعي ردا قاسيا، والثاني يرمي بعزو المسائل إلى غير قائليها، وبتقوية الضعيف وتضعيف القوي، وقد نقل عن أبي بكر القفّال وأبي علي بن خيران، والقاضي حسين أنهم قالوا: لسنا مقلّدين للشافعي، بل وافق رأينا رأيه، وليس هذا يرافعهم أيضا إلى طبقة الإمام الشافعي ﵁، كما هو ظاهر، وليس للمتأخّر نكران جميل المتقدّم عليه بسبقه في تدوين العلم، وأخذه عنه، وقال أبو الوليد عند تحدّثه عمن بلغ درجة الاجتهاد، وجمع إليه سائر العلوم في المذهب المالكي، ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلا لإسماعيل (٢) القاضي، كما نقله ابن فرحون، وأين هذا من ادّعاء ابن عرفة الاجتهاد لبعض شيوخه، مع اختلاف المالكية في ابن القاسم، هل هو مجتهد في المذهب أم مقلّد لمالك، ثم على ما هو مشروح في ترجمتي أبي زيد
стр. 7829
وأبي موسى ابني الإمام التلمساني المالكي، وترى النووي ينقل في "تهذيب الأسماء واللغات" في ترجمة المزني عن إمام الحرمين قوله:
أرى كلّ اختيار للمزني تخريجا، فيلحق بالمذهب، فإنه لا يخالف أقوال الشافعي، لا كأبي يوسف ومحمد، فإنهما يخالفان أصول صاحبهما، فيكون المزني في نظره في طبقة المجتهد في المذهب، وأبو يوسف ومحمد فوق مرتبة المجتهد في المذهب، لظهور مخالفتهما للإمام في الأصول والفروع، وإن حافظا علي انتسابهما له، عرفانا لجميله العظيم عليهما، وأما قول القائل: إنهما لا يقولان بقول، إلا إذا كان قولا سمعاه منه، فسنتحدّث عنه في فصل خاص، إن شاء الله تعالى.
ثناء أهل العلم على أبي يوسف:
ترجم له الذهبي في "تذكرة الحفاظ" على عداد حفّاظ الحديث، ثم قال: وله أخبار في العلم والسيادة، قد أفردته وأفردت صاحبه محمد بن الحسن رحمهما الله في جزؤ وجزؤه في مناقب أبي يوسف مطبوع، سرد فيه الذهبي جملة صالحة من مناقبه تحت عنوان "ثناء الأئمة على أبي يوسف"، قال: ذكر أسد بن الفرات عن محمد بن الحسن، قال مرض أبو يوسف، فعاده أبو حنيفة، فلمَّا خرج قال: إن يمت هذا الفتى فهو أعلم من عليها، وأومأ إلى الأرض.
عبّاس الدوري، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يوسف القاضي، فكتبت عنه (١)، ثم اختلفت بعد إلى الناس، قال: وكان أبو يوسف أميل إلينا من أبي حنيفة ومحمد إبراهيم بن أبي داود البرلسي، سمعت يحيى بن معين، يقول: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في
стр. 7830
الحديث ولا أحفظ ولا أصحّ رواية من أبي يوسف … عبّاس الدوري، سمعت ابن معين يقول: أبو يوسف صاحب حديث صاحب سنة. محمد بن سماعة عن يحيى بن خالد، قال: قدم علينا أبو يوسف وأقلّ ما فيه الفقه، وقد ملأ بفقهه ما بين الخافقين، (وسبق تمام كلامه). بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف، يقول: سألني الأعمش عن مسألة، فأجبته عنها، فقال لي: من أين قلت هذا، قلت: لحديث حدثتناه أنت، فقال: يا يعقوب! إني لأحفظ هذا الحديث قبل أن يجتمع أبواك، فما عرفت تأويله، إلا الآن. ابن الثلجي سمعت عبد الله بن داود الخريبي، يقول: كان أبو يوسف قد اطلع على الفقه أو العلم اطلاعا، يتناوله كيف يشاء. عمرو بن محمد الناقد قال: ما أحبّ أن أروي عن أحد من أصحاب الرأي إلا عن أبي يوسف، فإنه كان صاحب سنة.
حنبل سمعت أحمد بن حنبل يقول أبو يوسف كان منصفا في الحديث. أبو خازم القاضي عن بكر العمّي عن هلال الرأي، قال: كان أبو يوسف يحفظ التفسير والمغازي وأيام العرب، وكان أحد علومه الفقه. قال المزني: كان أبو يوسف أتبعهم للحديث. أحمد بن عطية، سمعت محمد بن سماعة، يقول: كان أبو يوسف يصلّي بعد ما ولي القضاء كلّ يوم مائتي ركعة.
عبّاس سمعت يحيى بن معين، يقول: كان أبو يوسف يحبّ أصحاب الحديث، ويميل إليهم. عبد الله بن علي المديني، سمعت أبي، يقول: كنا نأتي أبا يوسف لما قدم "البصرة" سنة ثمانين ومائة، فكان يحدّث بعشرة أحاديث وعشرة رأي، وأراه قال: ما أجد على أبي يوسف إلا حديثه عن هشام بن عروة في الحجر (١)، وكان صدوقا. اهـ.
стр. 7831
ما نقلته من هذا الفصل في جزء الذهبي في مناقب أبي يوسف، وعند الحارثي بسنده عن الحسين بن الوليد كان أبو يوسف إذا تكلّم يدهش الإنسان، ويحير من دقّة كلامه، ورأيته يوما يتكلم في مسألة غامضة، فمرَّ في تلك المسألة مرور السهم، ولم يفهم من حضره من كلامه شيئا من دقته، فتعجبنا منه، كيف سخّر الله له هذا الشأن، وكيف سهَّل له. اهـ.
وقال أبو القاسم شرف الدين بن عبد العليم القرتبي في الفصل الذي خصه بمناقب أبي يوسف في آخر كتابه "قلائد عقود العقيان في مناقب أبي حنيفة النعمان"، وأسند الصيمري عن الحسن بن أبي مالك، قال: سمعت أبا يوسف، يقول: ما صلّيت صلاة إلا دعوت الله لأبي حنيفة ﵀، واستغفرت له، قال: وكان علي بن صالح إذا حدّث عن أبي يوسف يقول: حدّثني أفقه الفقهاء وقاضي القضاة وسيّد العلماء أبو يوسف. وقال بشر بن الوليد لمستمليه يوما: وقد قال: خبركم يعقوب، فقال ألا تعظمه ألا تفخمه، فإني ما رأيت مثله. (وقد رأى ابن أبي ذئب وشعبة ومن دونهما). وأسند عن الطحاوي، قال: سمعت ابن أبي عمران يقول: أملى علينا علي بن الجعد، وقال: أخبرنا أبو يوسف، -وكان مجلسه حافلا من الناس-، فقال رجل: يا أبا الحسن أتذكر أبا يوسف، قال: فكأنه وقع في قلب علي بن الجعد أنه أراد بذلك ما لا ينبغي أن يريد مثله بأبي يوسف، فقال له علي: إذا أردت أن تذكر أبا يوسف، فاغسل فمك بأشنان وماء حار، ثم قال: والله ما رأيت مثله. (وسبق قول ابن أبي عمران. وقد رأى الثوري، والحسن بن صالح ومالكا وابن أبي ذئب والليث بن سعد وشعبة بن الحجّاج).
وقال القرتبي أيضا عن أبي يوسف: ثقة صدوق، وثقه النسائي.
стр. 7832
قال أحمد بن كامل الشجري -مؤلّف "أخبار القضاة" وصاحب ابن جرير- لم يختلف يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني في ثقته في النقل. وقال ابن حبّان في "كتاب الثقات" له في ترجمة أبي يوسف على ذلاقة لسانه في أصحابنا: كان شيخا متقنا، ولسنا ممن يوهم الرعاع ما لا نستحلّه، ولا ممن يحيف بالقدح في إنسان، وإن كان لنا مخالفا، بل نعطي كلّ إنسان ما كان يستحقّه من العدالة والجرح، وفأدخلنا زفر وأبا يوسف في "الثقات" لما تبين عندنا من عدالتهما في الأخبار، وأدخلنا من لا يشبههما في الضعفاء بما صحّ عندنا مما لا يجوز الاحتجاج به، ثم ذكر وفاة أبي يوسف، ووفاة ابنه يوسف.
ثم قال: سمعت ابن قحطبة يقول: سمعت محمد بن الصباح يقول: وقيل له: لم لم تكتب عن هشيم، قال: لأني لم أنصرف يوما من مجلس هشيم، فسئلت عن مسألة، فلم أحسنها، فتركت هشيما، ولزمت أبا يوسف، وكان أبو يوسف رجلا صالحا، وكان يسرد الصوم، و"ثقات ابن حبّان" من محفوظات الظاهرية، رقم ٧١١، وذكر وكيع القاضي في "أخبار القضاة" عن الحسين بن محمد بن أبي معشر، عن أبيه أن أبا يوسف كان مستملي أبي معشر في "الحيرة". وعن محمد بن أشكاب عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه، كان الحجّاج بن أرطاة لا يملي علينا، وكان أبو يوسف يسأله، فإذا قام الحجّاج قام الناس إلى أبي يوسف، فأملى عليهم من ظهر قلب، وقال حفص: وكنت لا أكتب إلا ما وقع في الوحي، وقد ذكر أبو عبد الله الصَّيْمري في "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" وأبو القاسم بن أبي العوام الحافظ في فضائل أبي حنيفة وأصحابه، وأوضحته في "التأنيب" لم يستطع أن يهمل مناقبه بالمرة، بل ذكر جملة صالحة منها بأسانيد من طريق الطحاوي والصيمري، ولم يتق الله في سرد مثالب يرميه بها بأسانيد تالفة ذكرت دخائلها
стр. 7833
في مواضع، و"مناقب أبي حنيفة" للموفّق المكّي، و"مناقبه" لصاحب "الفتاوى البزازية" فيهما بسط لترجمته.
قد ذكر في الأول أسانيد الروايات، فيسهل على القارئ غربلتها إن كان خبيرا بالرجال، والثاني خلو عن الأسانيد، فلا محيص عن الرجوع إلى الأصول للعلم بحقائق الروايات، ولا كلام في ثقة ابن أبي العوام القاضي الكبير المؤلّف لـ "مسند أبي حنيفة" وكتابه السابق الذكر، وهو من أجلّ أصحاب النسائي والطحاوي، توفي في حدود سنة ٣٣٥ هـ مذكور بكلّ خير عند أهل العلم، والقضاعي يروي الكتاب عن القاضي أحمد (١) بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى بن الحارث السعدي، المعروف بابن أبي العوام، عن أبيه، عن جدّه أبي القاسم مؤلّف الكتاب وأسانيده في غاية الصحة، ولا يجهله إلا منكر جهله، أو يتجاهله لحاجة في النفس، نعوذ بالله من متابعة الهوى.
وفي سداسيات الرازي رواية الكتاب عن القضاعي بسنده عن ابن أبي العوام المؤلّف، والجزء الذي أفرده الذهبي في مناقب أبي يوسف فيه فوائد، وكذا ترجمة أبي القاسم القرتبي لأبي يوسف، وللعلامة نوح بن مصطفى القونوي صاحب المؤلّفات الكثيرة أيضا جزء مفيد في ترجمته، وكذا للزيلعي جزء، فنكتفي بهذا القدر في ثناء الأئمة عليه، ﵁، ونفعنا بعلومه.
стр. 7834
مؤلفاته في غاية الكثرة:
وللإمام أبي يوسف ﵀ مؤلّفات كثيرة مذكورة في كتب أهل العلم، لكن الذي وصل إلينا من كتبه قليل بالنظر إلى كثرة مؤلّفاته، فممّا وصل إلينا: "كتاب الآثار" في أدلة الفقه، روي جلّها عن أبي حنيفة، وله مسند آخر يروى عنه في الكتب، ولم نطلع عليه، ومما وصل إلينا من مؤلّفاته كتاب "اختلاف ابن أبي ليلى وأبي حنيفة"، وكتاب "الرد على سير الأوزاعي"، وكتاب "الخراج"، وهو رسالته إلى الرشيد في أحكام الأموال، ألّفها على طلب منه، ومقدمتها تدلّ على أنه لم يكن يحابي أحدا في الحق، ولم يؤلّف أحد من أهل طبقته مثيل هذا الكتاب، بل لو قلنا: لم يؤلّف مثله لم نكن من مغالين، فمن طالع الكتاب، وقارنه بالكتب التي ألّفت في هذا الباب اعترف بذلك، وعليه شروح تبرز خباياه، وتستخرج كنوزه وخفاياه، وينسب إليه كتاب في المخارج والحيل، محفوظ بدار الكتب المصرية، وبمكتبة علي باشا الشهيد في "الآستانة" طبعة جوزيف شخت المستشرق الألماني باسم محمد بن الحسن.
وقال محمد بن إسحاق النديم: لأبي يوسف من الكتب في الأصول والأمالي كتاب الصلاة، وكتاب الزكاة، وكتاب الصيام، وكتاب الفرائض، وكتاب البيوع، وكتاب الحدود، وكتاب الوكالة، وكتاب الوصايا، وكتاب الصيد، والذبائح، وكتاب الغصب، وكتاب الاستبراء، ولأبي يوسف إملاء، رواه بشر بن الوليد القاضي، يحتوي على ستة وثلاثين كتابا مما فرعه أبو يوسف، وكتاب اختلاف علماء الأمصار، وكتاب البيوع ككتاب الرد على مالك بن أنس، وكتاب رسالته في الخراج إلى الرشيد، وكتاب الجوامع، ألّفه ليحيى بن خالد، يحتوي على أربعين كتابا، ذكر فيه اختلاف الناس، والرأي المأخوذ به. اهـ.
стр. 7835
وقال طلحة بن محمد بن جعفر الشاهد: أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة وأفقه أهل عصره، ولم يتقدّمه أحد في زمانه، وكان النهاية في العلم والحكم والرياسة والقدر، وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل، ونشرها، وبثَّ علم أبي حنيفة في أقطار الأرض، كما حدّث بذلك الخطيب عن التنوخي عنه، فأوليته في وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة لا تنافي أولوية الشافعي في وضع الكتب في أصول الشافعي، بل صنيع الشافعي في مناقشة من تقدّمه في مسائل الأصول في كتبه من أجلى الأدلة على أن أوليته بالنظر إلى مذهبه فقط، مع ظهور هذا يسعى بعضهم في إرهاق (وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة)، وبتحميله ما لا يحتمله من المعنى، فإن كان لا بدّ من ردّ هذا القول فليتذرع إلى ذلك بنسبة قائله إلى الاعتزال، نسأل الله العافية.
قال الذهبي في ترجمة أبي يعلى الموصلي: قال أبو علي الحافظ: لو لم يشتغل أبو يعلي بكتب أبي يوسف، على بشر بن الوليد لأدرك بـ "البصرة" سليمان بن حرب وأبا الوليد الطيالسي. اهـ.
وهذا دليل على كثرة كتب لأبي يوسف كثرة بالغة، لأن الرواة عنده سرعة بالغة في سماع الكتب، وتلقّيها، وكم بينهم من يتم "صحيح البخاري" في ثلاثة أيام، ولولا الكثرة المفرطة في مؤلّفات أبي يوسف لما حال تلقيها دون إدراك الشيخين المذكورين، ليعلو سنده بهما، وكثرة مجلّدات بعض الكتب مدعاة لضياعها، وفي "كشف الظنون" إن الأمالي لأبي يوسف في ثلاثمائة مجلد، ولو كان كلّ مجلد عبارة عن جزء حديثي لكان الكتاب يعد أيضا كبيرا جدّا بالنظر إلى عصره، على أنا رأينا في كلام القرتبي السالف الذكر ما نصّه: ومن مناقب أبي يوسف أنه صنّف التصانيف المبسوطة، من ذلك الإملاء،
стр. 7836
والأمالي، وأدب القاضي أملاه على بشر بن الوليد، والمناسك، وغير ذلك.
حكى لنا الشيخ يحيى الغزي الواعظ في المسجد الحرام بجانب الحجر مواجها لميزاب الكعبة المشرّفة حين قدم إلى "مدينة زبيد" في سنة ثمان وتسعمائة أنه وقف على الأمالي لأبي يوسف رحمه الله تعالى في ثلاثمائة مجلّد في مدرسة بـ "مدينة غزة" من أرض "الشام" في خزانه مفردة لها، ولعلّها كانت في دولاب خاص، كما فعلوا بـ "الكواكب الدراري" لابن زكنون بظاهرية "دمشق".
وليس عندنا أيّ نبأ عن هذا الكتاب الضخم، ولعلّه ضاع فيما ضاع في الحرب الضروس التي زالت بها الدولة الجركسية من "مصر" في القرن العاشر الهجري، وللسلف مؤلّفات يعدّ بعضها بالمئات من المجلدّات، ككتاب "الفنون" لأبي الوفاء بن عقيل الحنبلي، وكتاب "حدائق ذات بهجة" في التفسير لأبي يوسف عبد السلام القزويني، وتفسير أبي الحسن الأشعري، وتفسير الجبائي، وتفسير القاضي عبد الحبار، وغير ذلك، لا نجد لها أثرا في الخزانات، وكل ذلك مما ضاع في حروب لا تبقى، ولا تذر، كم لمغول الشرق وآل جنكيز من الاعتداءات شنيعة -قبل أن يسلموا- فقدنا بها معظم المؤلّفات العظيمة في الشرق الإسلامي -عوض الله للخلف ما ضاع عنهم من تراث السلف-، وفي البقية الباقية من التراث غنى وبلاغ وهدى إذا تمكنا من الاستمساك بها، واهتدينا بهديها، والله الهادي لمن استهداه.
رأيه في مسائل الكلام المتنازع فيها في عصره:
روى ابن أبي العوام عن محمد بن أحمد بن حماد، عن محمد بن شجاع عن الحسن بن أبي مالك، سمعت أبا يوسف، يقول: القرآن كلام الله، من قال: كيف، ولم، وتعاطى مراء ومجادلة استوجب الحبس والضرب بالسوط
стр. 7837
المبرّح، وبه سمعت أبا يوسف يقول: لا يفلح من استحلى شيئا من الكلام، ويقول: احفظوا عني هذا، ولقد كان يقول: لو قدرت أن أقاسمكم ما عندي وما في قلبي من العلم لفعلت، وكان ناصحا، ما سمعته قطّ يرخّص في شيء من الكلام، ولقد كان ينهانا عنه أشدّ النهي، وبه إلى ابن شجاع، قلت: للحسن بن أبي مالك: أروي عنك أن أبا يوسف كان يرى أن من زاد على أن القرآن كلام الله أنه يرى عليه العقوبة بالضرب، قال: نعم، ارو ذلك عني، سمعت أبا يوسف يقول: من سأل عنه عوقب. قلت: يا أبا علي فهل توافق أبا يوسف على هذا؟ قال: لو خالفت في جميع قوله لوافقته على هذا، من سمعته يسأل عن شيء من هذا فهو رجل سوء، لا يؤدّيه سؤاله إلى خير.
وسمعت محمد بن شجاع يقول: سمعت الحسن بن أبي مالك وبشر بن الوليد يقولان: إن رجلا حكى أن أبا يوسف قال: القرآن مخلوق، فأتينا أبا يوسف، فقلنا: نحن بطانتك وخاصتك، تخبر غيرنا بشيء تنهانا عنه، قال: وما هو؟ فذكرنا له ما حكى، فقال لنا: يا مجانين هؤلاء يكذبون على الله ، فكيف لا يكذبون عليّ؟ وقال: أهل البدع يحكون كلامهم، ويكذبون على الناس، وقال الطحاوي: حدّثني يحيى بن عثمان عن أبي إبراهيم (بن معبد)، ضرب أبو يوسف رجلا من الأبناء كان يرى رأي الجهمية خمسة وثلاثين سوطا، وقال: لولا أنه كان من الأبناء لزاده، وهذا ظنّ الراوي، وروى الطحاوي عن على بن عبد الرحمن بن المغيرة عن سعيد بن ديسم سمعت إيراهيم بن الجراّح يقول: كنا عند أبى يوسف ومعنا بشر، وفي المجلس معنا يوسف بن أبي يوسف، فتكلّموا في مسألة، فقال ليوسف: ما أنت، وذا أقبل على داحك (١)، -وكانت عليه جبة وشيء له قيمة-.
стр. 7838
وحدّث أبو بكر الخصّاف أحمد بن عمرو بن مهير عن أبيه، سمعت الحسن يقول: قال أبو يوسف: أعلم ما تكون بالكلام أجهل ما تكون بالله .
وروى الطحاوي عن ابن أبي عمران عن بشر بن الوليد، سمعت أبا يوسف يقول: من طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب العلم بالكلام تزندق، وعن إبراهيم بن الجنيد عن علي بن الجعد، قال سمعت أبا يوسف يقول، وسأله رجل فقال: يا أبا يوسف! يذكرون أنك تجيز شهادة من يقول: إن الله لا يعلم ما يكون، حتى يكون، فقال: ويحك هذا أستتيبه، فإن تاب، وإلا قتلته، وروى أسد بن الفرات عن أبي يوسف أنه قال: ذروا الخصومة في الدين والمراء فيه والجدال، فإن الدين واضح بين، قد فرض الله وفرائضه، وشرع سننه، وحدّ حدوده، وأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. المائدة الآية ٣.
فأحلّوا حلال القرآن، وحرّموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بالمتشابه منه، واعتبروا بالأمثال فيه، فلو كانت الخصومة في الدين تقوى عند الله لسبق إليها رسول الله وأصحابه بعده، فهل اختصموا في الدين أو تنازعوا فيه، وقد اختصموا في الفقه، وتكلّموا فيه، واختلفوا في الفرائض والصلاة والحجّ والطلاق والحلال والحرام، ولم يختصموا في الدين، ولم يتنازعوا فيه، فاقتصروا على تقوى الله وطاعته، والزموا ما جرت به السنة، وكفيتم فيه المؤونة، ودعوا ما أحدث المحدثون من التنازع في الدين، والجدال فيه والمراء، فإن لزوم السنة عصمة بإذن الله تعالى لمن لزمها، والذي سنّها كان أعلم بما في خلافها من الخطأ والزلل، وقد أنزل الله في كتابه:
стр. 7839
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. الأنعام الآية ٦٨.
ولو شاء أنزل في ذلك جدالا وحجاجا، ولكنه أبى ذلك، ونهاهم، فقال: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، النساء الَاية ١٤٠. وقال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ آل عمران الآية ٢٠.
ولم يقل: وحاجّهم، وعن إبراهيم بن الجنيد عن علي بن الجعد، سمعت أبا يوسف وسأله رجل، فقال: يا أبا يوسف يذكرون عنك أنك تجيز شهادة من يشتم أصحاب النبي على التأويل، فقال: ويحك، هذا أحبسه وأضربه، حتى يتوب، وتلك الروايات مما أسنده ابن أبي العوام في كتابه، وعن عثمان بن حكيم أنه رفع إلى الرشيد زنديق، فدعا أبا يوسف ليكلّمه، فقال له الرشيد: كلّمه، وناظره، قال أبو يوسف: يا أمير المؤمنين! ادع ادع بالسيف، والنطع، وأعرض عليه الإسلام، فإن أسلم، وإلا فاضرب عنقه، هذا لا يناظر، وقد ألحد في الإسلام، كما في "تاريخ الخطيب"، و"مناقب الموفّق".
وذكر الذهبي في "جزئه" عن علي بن الجعد عن أبي يوسف من قال: إيماني كإيمان جبريل فهو صاحب بدعة، وذكر وكيع القاضي عن محمد بن إشكاب عن أبيه، وعن الهيثم بن خارجة عن أبي يوسف بـ "خراسان" صنفان ما على الأرض شرّ منهما: المقاتلية والجهمية، يعني المجسّمة، والجبرية. وعلى صرامة أبي يوسف في السنة وقوة اعتصامه بها وشدّته في أهل البدع، كما رأيت تجد أناسا من النقلة لا يسعهم، إلا أن ينالوه ويرموه بالتجهّم أو الإرجاء، وهو من جميع البدع براء، والإرجاء الذي ينسب إليه هو محض السنّة، كما أوضحت ذلك في "التأنيب"، بل خلاف ما ذهب إليه يوقع في مذهب الخوارج أو المعتزلة عند من يعي ما يقال له، ولست أتحدّث هنا عن
стр. 7840
كلام أمثال العقيلي ممن ضاعت موازين عقولهم في نقد الرجال، اكتفاء بما ذكرت في "بلوغ الأماني"، و"التأنيب"، و"تقدمة نصب الراية"، وفيما علّقته على "جزء الذهبي" في مناقب أبي يوسف ﵀، ورضي عنه وأرضاه، وفي ذلك ما يغني عن الإعادة، والله الهادي للصواب.
اجتماع أبي يوسف بمالك بن أنس ﵄:
اجتمع أبو يوسف بمالك -عالم دار الهجرة- عام حجّه مع الرشيد، وقد ذكر ذلك وكيع القاضي في "أخبار القضاة" وابن أبي العوام في كتابه السابق ذكره، وابن عساكر في "كشف المغطي"، ومن المعروف: أن أبا يوسف لما حجّ مع الرشيد سأله أبو يوسف أن يجمعه مع مالك للمناظرة في مسألة الحكم بشهادة شاهد واحد ويمين المدعي، كما هو مذهب أهل "المدينة"، فأبى مالك وأناب عنه المغيرة المخزومي أو عثمان بن كنانة من أصحابه، فتلا أبو يوسف آيات الشهادة، وقال: لا تسمع أن الله ذكر إلا شاهدين وأربعة شهداء، ولم يصحّ عن النبي أنه قضى به، وإنما يدور هذا الحديث على سهيل عن أبي صالح، ثم نسيه سهيل، فكان يحدّث ويقول: حدثني ربيعة عني، فلمّا نسيه سهيل بطل الخبر، فقال المغيرة: فلمّا قضى به رسول الله ﷺ ، وقضى به علي، وفلان، فقال أبو يوسف: أنا أكلّمك بالقرآن، وأنت تكلّمني بأفعال الناس، أتراك تعرفني بهذا بما قضى به علي وغيره (١)؟ فقال المغيرة: أفأنت كافر بنبيّ، قضى
стр. 7841
باليمين مع الشاهد، أمؤمن به؟ فسكت أبو يوسف، كما أشرت إلى ذلك فيما علّقت على "الانتقاء" لابن عبد البر، وما كان لأبي يوسف غير السكوت تجاه مثل ذلك المناظر، وقد أفاض محمد بن الحسن في التدليل على قول أصحابنا في "موطئه"، وقد أشرت إلى أدلة أصحابنا في ذلك في "النكت الطريفة" إشارة وافية، مع ذكر جماعة من كبار المالكية خالفو مالكا في المسألة، في كتاب ابن أبي العوام عن الطحاوي ثنا ابن أبي عمران، ثنا على بن صالح، وبشر بن الوليد جميعا، عن أبي يوسف، قال: قدمت "المدينة"، فأخرج إلى من أثق به صاعا، فقال لي: هذا صاع النبي ﷺ ، فقدّرته خمسة أرطال وثلثا.
قال لنا ابن أبي عمران: الذي أخرج لأبي يوسف هذا الصاع هو مالك بن أنس، وقد بسطنا القول في ذلك في "إحقاق الحق" وأما الوقف فقد حكى الطحاوي عن عيسى بن أبان، أن أبا يوسف لما قدم "بغداد" من "الكوفة" كان على قول أبي حنيفة في بيع الأوقاف، حتى حدّثه إسماعيل ابن علية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر في صدقة عمر بسهامه من "خيبر"، فقال: هذا مما لا يسع خلافه، ولو تناهى هذا إلى أبي حنيفة، لقال له ولما خالفه.
وروى الطحاوي عن بكّار بن قتيبة، قدم أبو يوسف "البصرة" حاجا مع هارون الرشيد، وهو على مذهب أبي حنيفة في إطلاق بيع الأوقاف، فجعل لا يرى أرضا نفيسة من "البصرة"، فيسأل عنها إلا أخبر أنها وقف رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فدخل قلبه من ذلك شيء، ثم صار إلى "المدينة"، فرأى ما هناك من صدقات أصحاب رسول الله ﷺ ، فقدم "بغداد"، وقد زال عن قلبه كلّ ما كان فيه من بيع الأوقاف، وكان أبو يوسف اطلع على "الموطأ" بمناولة أسد بن الفرات لنسخته
стр. 7842
إياه، وكان محمد بن الحسن يعدّ هذا اكتفاء بشمّ العلم، حيث لم يرحل أبو يوسف إلى مالك، ورحل هو إليه، كما هو معروف، لكن لم تكن حاجة أبي يوسف إلى "الموطأ" كحاجة محمد إليه لسعة دائرة أبي يوسف في معرفة الأحاديث والآثار.
وروى وكيع القاضي في "أخبار القضاة" عن أحمد بن إسماعيل السهمي عن مطرف الأصمّ، قدم هارون "المدينة" ومعه أبو يوسف، فبعث إلى مالك بن أنس بأمر أمير المؤمنين أن يخرج إليه، فكتب إليه مالك، يا أمير المؤمنين! إني رجل عليل، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إليَّ بما أراد فعل، فاراد أن يكتب إليه، فقال له أبو يوسف: ابعث إليه، حتى يجيئ إليك، فبعث إليه، فجاء في دار مروان، وقد هيّئ لكلّ إنسان مجلس، فهيئ لمالك مجلسه الذي له، فقال له أبو يوسف: ما ترى في رجل حلف لا يصلي نافلة أبدا، قال: يضرب ويحبس، حتى يصلّي، قال: فجاء هارون، فقال له أبو يوسف: يا أمير المؤمنين! إني سألت مالكا عن كذا وكذا، فقال: كذا، فقال له هارون: وترى ذلك يا أبا عبد الله! قال: لا، قال أبو يوسف: أليس أفتيتني بذلك؟ قال: بلى، ولكن أبا يوسف رجل عراقي، إن أفتيته بترك النافلة يفتي الناس بترك الفريضة، وأنت لا أخافك على ذلك، فلمّا خرج مالك خرج معه أبو يوسف، يتوكأ عليه (أي لعلته)، ومالك يقول له: ارجع حتى بلغه منزله.
وروي أيضا عن محمد بن إسماعيل السلمي، ومحمد بن العباس الكابلي، عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عن مالك بلغني أن أبا يوسف جاءه إنسان، فقال: إني حلفت بطلاق امرأتي لأشترينّ جارية، وذلك يشتدّ عليّ لمكان زوجتي ومنزلتها عندي، فقال له أبو يوسف: فاشتر سفينة، فهى جارية، لكن المبلغ لم يضبط، وإنما السؤال عمن يراد حلفه على أن لا يشتري
стр. 7843
جارية، فأمره بالحلف قاصدا بالجارية السفينة، والسهمي يروي عن مالك وغيره بالبواطيل، قاله ابن عدي، ومطرف مضطرب الحديث، والسلمي تكلّموا فيه في نقد ابن أبي حاتم، والكابلي غير مرضيّ عند ابن المنادي، وعبد العزيز انفرد بتضعيفه أبو داود، والخبر على كلّ حال من البلاغات.
أخذ أبي يوسف المغازي والسير عن محمد بن إسحاق:
من المعروف عند أهل العلم: سعة اطلاع أبي يوسف على المغازي والسير، وقد سبق بيان حفظه لها في كلام هلال بن يحيى البصري، وكان جماعا للعلوم يأبى التقصير في علم من العلوم، وقد لازم أبو يوسف محمد بن إسحاق عند ما قدم "الكوفة" إلى أن استنفد ما عنده من علم المغازي والسير، وانقطع لذلك عن مجلس أبي حنيفة مدّة، بل لم يأب الاستعانة بالواقدي في تعرف المشاهد الأثرية بـ "المدينة المنورة" مساء، ليعرفها الرشيد بعد ذلك نهارا في حدّه معه، وهو سبب انتقال الواقدي إلى "العراق" مغدقا عليه كل خير تقديرا لعلمه الواسع في أنباء الصدر الأول مع أن ابن إسحاق والواقدي كلاهما ممن تكلّموا فيهم، وكان مالك لا يرضى الأول، بل كان يتكلّم فيه (١) بقسوة، وكان ابن إسحاق غير مرضي أيضا عند أبي حنيفة، وقال ابن رجب في "شرح علل الترمذي": تنسب إلى محمد بن إسحاق غير واحدة من البدع، واستقرّ الرأي على أنه يؤخذ عنه المغازي بشروط، ولا تقبل عنعنته لكثرة تدليسه، وأطلت الكلام في الواقدي في مقدمة "طبقات ابن سعد"، ويقال: إن مجافاة مالك لابن إسحاق ناشئة من طعنه في نسب مالك، كما يقال في سعد بن إبراهيم مثل ذلك، ولا أظنّ أن يكون ذلك
стр. 7844
صحيحا، لأن أئمة الدين يجب أن يكونوا أنزه لسانا وجنانا من أن ينزلوا إلى هذه الدركة، على أن البشر لا يخلو من انفعال نفساني تبدر منه بسببه بادرة، وفلتة يتوب منها بعد لحظة، والله أعلم.
وقد ذكر الموفّق المكي بطريق محمد بن موسى الحاسب: أنبأنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: كان أبو يوسف يقول: اختلفت إلى أبي حنيفة في التعلم منه، ولكن كان لا يفوتني سماع الحديث من المشايخ، فقدم محمد بن إسحاق صاحب المغازي "الكوفة"، فاجتمعنا إليه، وسألناه بأن يقرأ علينا "كتاب المغازي"، فأجابنا إلى ذلك، فتركت الاختلاف إلى أبي حنيفة، وأقمت على محمد بن إسحاق أشهر، حتى سمعت الكتاب منه، فلما فرغت رجعت إلى أبي حنيفة، فقال لي: يا يعقوب! ما هذا الجفاء، قلت: لم يكن ذاك، ولكن قدم محمد بن إسحاق المديني ههنا، فاشتغلت بسماع كتاب المغازي منه، فقال لي: يا يعقوب! إذا رجعت إليه، فسله من كان في مقدمة طالوت؟ وعلى يدي من كان راية جالوت، فقلت له: دعنا من هذا يا أبا حنيفة! فوالله ما أقبح بالرجل يدعى العلم، فيسأل أبدر كان قبل أم أحد فلا يعرفه. اهـ.
وهذا كلام لا غبار عليه، إذ لا لوم على أبي يوسف في أن ينتقي مما عند مثل محمد بن إسحاق في المغازي، ولا على أبي حنيفة في عدم اطمئنانه إلى علم محمد بن إسحاق بالمغازي، وقد تلقّى أبو حنيفة المغازي من مثل الشعبي المعترف بسعة علمه في ذلك عند مثل ابن عمر رضى الله عنهما، وإن لم يكن متفرّغا لها -، وليس في الخبر المذكور مساس بأحد الجانبين، كما لا مأخذ في سنده.
стр. 7845
لكن ما نقله ابن خلّكان من الجليس الصالح للمعافي الجريري بإغفال السند خيانة وغش، ولو كان ذكر السند لرأي القارئ فيه كذّابا مكشوف الأمر، فينبذه نبذ كل افتعال.
نص ما في الجليس مع السند في المجلس الثالث والخمسين حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقرئ، حدثنا محمد بن خريمة بـ "نيسابور" عن المزني، عن الشافعي، قال مضى أبو يوسف القاضي ليسمع المغازي من ابن إسحاق أو من غيره، فأخل مجلس أبي حنيفة أياما، فلمّا أتاه، قال له أبو حنيفة: يا أبا يوسف! من كان صاحب راية جالوت، قال له أبو يوسف: إنك إمام، وإن لم تمسك عن هذا سألتك، والله على رؤوس الملأ، إيما كانت أولا بدر أو أحد، فإنك لا تدري أيّهما كان قبل، فأمسك عنه (١).
مبلغ الفرق بين الروايتين ظاهر بين، هكذا يفعل أخبث الكذبة يتزيد ما يشاء في حكاية مروية.
ورواية صاحب الجليس الصالح اختلاق صرف، تكذبه شواهد الحال، لأن أبا حنيفة هو الذي يحدّث أصحابه في مسانيده عن تفضيل عمر ﵁ أصحاب بدر فيما فرض لهم في الديوان على باقى أصحاب الغزوات المتأخّرة، هو الذي يتلو في ختماته ليلا ونهارا، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. آل عمران: الآية ١٢٣. المعروف نزوله في "أحد"، -وهذا مما يعلمه صغار أهل العلم، فضلا عن إمام الأئمة وشيخ فقهاء الأمة-، وهو الذي أملى على أصحابه كتاب "السير الصغير"، فرد عليه الأوزاعي، وانبرى