← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

باليمين مع الشاهد، أمؤمن به؟ فسكت أبو يوسف، كما أشرت إلى ذلك فيما علّقت على "الانتقاء" لابن عبد البر، وما كان لأبي يوسف غير السكوت تجاه مثل ذلك المناظر، وقد أفاض محمد بن الحسن في التدليل على قول أصحابنا في "موطئه"، وقد أشرت إلى أدلة أصحابنا في ذلك في "النكت الطريفة" إشارة وافية، مع ذكر جماعة من كبار المالكية خالفو مالكا في المسألة، في كتاب ابن أبي العوام عن الطحاوي ثنا ابن أبي عمران، ثنا على بن صالح، وبشر بن الوليد جميعا، عن أبي يوسف، قال: قدمت "المدينة"، فأخرج إلى من أثق به صاعا، فقال لي: هذا صاع النبي ﷺ ، فقدّرته خمسة أرطال وثلثا. قال لنا ابن أبي عمران: الذي أخرج لأبي يوسف هذا الصاع هو مالك بن أنس، وقد بسطنا القول في ذلك في "إحقاق الحق" وأما الوقف فقد حكى الطحاوي عن عيسى بن أبان، أن أبا يوسف لما قدم "بغداد" من "الكوفة" كان على قول أبي حنيفة في بيع الأوقاف، حتى حدّثه إسماعيل ابن علية عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر في صدقة عمر بسهامه من "خيبر"، فقال: هذا مما لا يسع خلافه، ولو تناهى هذا إلى أبي حنيفة، لقال له ولما خالفه. وروى الطحاوي عن بكّار بن قتيبة، قدم أبو يوسف "البصرة" حاجا مع هارون الرشيد، وهو على مذهب أبي حنيفة في إطلاق بيع الأوقاف، فجعل لا يرى أرضا نفيسة من "البصرة"، فيسأل عنها إلا أخبر أنها وقف رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فدخل قلبه من ذلك شيء، ثم صار إلى "المدينة"، فرأى ما هناك من صدقات أصحاب رسول الله ﷺ ، فقدم "بغداد"، وقد زال عن قلبه كلّ ما كان فيه من بيع الأوقاف، وكان أبو يوسف اطلع على "الموطأ" بمناولة أسد بن الفرات لنسخته

стр. 7842

إياه، وكان محمد بن الحسن يعدّ هذا اكتفاء بشمّ العلم، حيث لم يرحل أبو يوسف إلى مالك، ورحل هو إليه، كما هو معروف، لكن لم تكن حاجة أبي يوسف إلى "الموطأ" كحاجة محمد إليه لسعة دائرة أبي يوسف في معرفة الأحاديث والآثار. وروى وكيع القاضي في "أخبار القضاة" عن أحمد بن إسماعيل السهمي عن مطرف الأصمّ، قدم هارون "المدينة" ومعه أبو يوسف، فبعث إلى مالك بن أنس بأمر أمير المؤمنين أن يخرج إليه، فكتب إليه مالك، يا أمير المؤمنين! إني رجل عليل، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إليَّ بما أراد فعل، فاراد أن يكتب إليه، فقال له أبو يوسف: ابعث إليه، حتى يجيئ إليك، فبعث إليه، فجاء في دار مروان، وقد هيّئ لكلّ إنسان مجلس، فهيئ لمالك مجلسه الذي له، فقال له أبو يوسف: ما ترى في رجل حلف لا يصلي نافلة أبدا، قال: يضرب ويحبس، حتى يصلّي، قال: فجاء هارون، فقال له أبو يوسف: يا أمير المؤمنين! إني سألت مالكا عن كذا وكذا، فقال: كذا، فقال له هارون: وترى ذلك يا أبا عبد الله! قال: لا، قال أبو يوسف: أليس أفتيتني بذلك؟ قال: بلى، ولكن أبا يوسف رجل عراقي، إن أفتيته بترك النافلة يفتي الناس بترك الفريضة، وأنت لا أخافك على ذلك، فلمّا خرج مالك خرج معه أبو يوسف، يتوكأ عليه (أي لعلته)، ومالك يقول له: ارجع حتى بلغه منزله. وروي أيضا عن محمد بن إسماعيل السلمي، ومحمد بن العباس الكابلي، عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عن مالك بلغني أن أبا يوسف جاءه إنسان، فقال: إني حلفت بطلاق امرأتي لأشترينّ جارية، وذلك يشتدّ عليّ لمكان زوجتي ومنزلتها عندي، فقال له أبو يوسف: فاشتر سفينة، فهى جارية، لكن المبلغ لم يضبط، وإنما السؤال عمن يراد حلفه على أن لا يشتري

стр. 7843

جارية، فأمره بالحلف قاصدا بالجارية السفينة، والسهمي يروي عن مالك وغيره بالبواطيل، قاله ابن عدي، ومطرف مضطرب الحديث، والسلمي تكلّموا فيه في نقد ابن أبي حاتم، والكابلي غير مرضيّ عند ابن المنادي، وعبد العزيز انفرد بتضعيفه أبو داود، والخبر على كلّ حال من البلاغات. أخذ أبي يوسف المغازي والسير عن محمد بن إسحاق: من المعروف عند أهل العلم: سعة اطلاع أبي يوسف على المغازي والسير، وقد سبق بيان حفظه لها في كلام هلال بن يحيى البصري، وكان جماعا للعلوم يأبى التقصير في علم من العلوم، وقد لازم أبو يوسف محمد بن إسحاق عند ما قدم "الكوفة" إلى أن استنفد ما عنده من علم المغازي والسير، وانقطع لذلك عن مجلس أبي حنيفة مدّة، بل لم يأب الاستعانة بالواقدي في تعرف المشاهد الأثرية بـ "المدينة المنورة" مساء، ليعرفها الرشيد بعد ذلك نهارا في حدّه معه، وهو سبب انتقال الواقدي إلى "العراق" مغدقا عليه كل خير تقديرا لعلمه الواسع في أنباء الصدر الأول مع أن ابن إسحاق والواقدي كلاهما ممن تكلّموا فيهم، وكان مالك لا يرضى الأول، بل كان يتكلّم فيه (١) بقسوة، وكان ابن إسحاق غير مرضي أيضا عند أبي حنيفة، وقال ابن رجب في "شرح علل الترمذي": تنسب إلى محمد بن إسحاق غير واحدة من البدع، واستقرّ الرأي على أنه يؤخذ عنه المغازي بشروط، ولا تقبل عنعنته لكثرة تدليسه، وأطلت الكلام في الواقدي في مقدمة "طبقات ابن سعد"، ويقال: إن مجافاة مالك لابن إسحاق ناشئة من طعنه في نسب مالك، كما يقال في سعد بن إبراهيم مثل ذلك، ولا أظنّ أن يكون ذلك

стр. 7844

صحيحا، لأن أئمة الدين يجب أن يكونوا أنزه لسانا وجنانا من أن ينزلوا إلى هذه الدركة، على أن البشر لا يخلو من انفعال نفساني تبدر منه بسببه بادرة، وفلتة يتوب منها بعد لحظة، والله أعلم. وقد ذكر الموفّق المكي بطريق محمد بن موسى الحاسب: أنبأنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: كان أبو يوسف يقول: اختلفت إلى أبي حنيفة في التعلم منه، ولكن كان لا يفوتني سماع الحديث من المشايخ، فقدم محمد بن إسحاق صاحب المغازي "الكوفة"، فاجتمعنا إليه، وسألناه بأن يقرأ علينا "كتاب المغازي"، فأجابنا إلى ذلك، فتركت الاختلاف إلى أبي حنيفة، وأقمت على محمد بن إسحاق أشهر، حتى سمعت الكتاب منه، فلما فرغت رجعت إلى أبي حنيفة، فقال لي: يا يعقوب! ما هذا الجفاء، قلت: لم يكن ذاك، ولكن قدم محمد بن إسحاق المديني ههنا، فاشتغلت بسماع كتاب المغازي منه، فقال لي: يا يعقوب! إذا رجعت إليه، فسله من كان في مقدمة طالوت؟ وعلى يدي من كان راية جالوت، فقلت له: دعنا من هذا يا أبا حنيفة! فوالله ما أقبح بالرجل يدعى العلم، فيسأل أبدر كان قبل أم أحد فلا يعرفه. اهـ. وهذا كلام لا غبار عليه، إذ لا لوم على أبي يوسف في أن ينتقي مما عند مثل محمد بن إسحاق في المغازي، ولا على أبي حنيفة في عدم اطمئنانه إلى علم محمد بن إسحاق بالمغازي، وقد تلقّى أبو حنيفة المغازي من مثل الشعبي المعترف بسعة علمه في ذلك عند مثل ابن عمر رضى الله عنهما، وإن لم يكن متفرّغا لها -، وليس في الخبر المذكور مساس بأحد الجانبين، كما لا مأخذ في سنده.

стр. 7845

لكن ما نقله ابن خلّكان من الجليس الصالح للمعافي الجريري بإغفال السند خيانة وغش، ولو كان ذكر السند لرأي القارئ فيه كذّابا مكشوف الأمر، فينبذه نبذ كل افتعال. نص ما في الجليس مع السند في المجلس الثالث والخمسين حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقرئ، حدثنا محمد بن خريمة بـ "نيسابور" عن المزني، عن الشافعي، قال مضى أبو يوسف القاضي ليسمع المغازي من ابن إسحاق أو من غيره، فأخل مجلس أبي حنيفة أياما، فلمّا أتاه، قال له أبو حنيفة: يا أبا يوسف! من كان صاحب راية جالوت، قال له أبو يوسف: إنك إمام، وإن لم تمسك عن هذا سألتك، والله على رؤوس الملأ، إيما كانت أولا بدر أو أحد، فإنك لا تدري أيّهما كان قبل، فأمسك عنه (١). مبلغ الفرق بين الروايتين ظاهر بين، هكذا يفعل أخبث الكذبة يتزيد ما يشاء في حكاية مروية. ورواية صاحب الجليس الصالح اختلاق صرف، تكذبه شواهد الحال، لأن أبا حنيفة هو الذي يحدّث أصحابه في مسانيده عن تفضيل عمر ﵁ أصحاب بدر فيما فرض لهم في الديوان على باقى أصحاب الغزوات المتأخّرة، هو الذي يتلو في ختماته ليلا ونهارا، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. آل عمران: الآية ١٢٣. المعروف نزوله في "أحد"، -وهذا مما يعلمه صغار أهل العلم، فضلا عن إمام الأئمة وشيخ فقهاء الأمة-، وهو الذي أملى على أصحابه كتاب "السير الصغير"، فرد عليه الأوزاعي، وانبرى

стр. 7846

للدفاع عن أبي حنيفة، وأبو يوسف نفسه في كتابه المعروف، فكيف يتصوّر؟ أن يجهل أبو حنيفة في نظر أبي يوسف، (أبدر كانت قبل أحد؟)، مع أن ذلك ليس مما يجهله إلا بعض أطفال الكتاتيب، أم كيف يظنّ بأبي يوسف أن يسئ الأدب؟ مع أستاذه، الذي إجلاله له بكل وسيلة مستفيض متواتر، لما له من اليد البيضاء في تكوينه العلمي، والإنفاق علية مدّة طلبه للعلم وعرفانه الدائم لهذا الجميل العظيم طول حياته مشهور معروف. لكن ابن خلكان يلذّه، تسجيل ما ينال من إمام الأئمة من كلّ مصدر تالف، ولا يتحاشى تدوين أسطورة الأباريق الرصاص عن حماد عجرد المكشوف الأمر، وصلاة القفّال التي لا يشكّ في اختلاقها سوى قلوب عليها أقفالها في حين أنه يتفادى نقل ما يمس إمامه نفسه، وصاحب "الجليس الصالح" هو الذي يحكي أن المأمون حمل الشافعي على شرب عشرين رطلا من النبيذ، ففعل، ولم يتغير عقله، كما في "لسان الميزان" مع أنه لم يجتمع به في عهد خلافته أصلا، وهو كذب بحت كهذه الأقصوصة، ولو ذكر ابن خلكان السند لبرئت ذمته، وعلم الجمهور افتعال الرواية بكذاب مشهور في سنده، لكنه تولى كبر الفرية، وهذا هو الخزي المبين، والمعافي الجريري ليس من رجال التحريّ في النقل، وكتابه يجمع بين الجدّ والهزل، ويحوي طرائف الحكايات والنوادر المضحكات، ولو في أكبر إمام من الأئمة الأعلام بأسخف سند شأن كتب الأدب لغير المتحرّين، وفي سند الحكاية هنا (محمد بن الحسن زياد المقرئ) هو النقّاش المشهور بالكذب صاحب "شفاء الصدور" في التفسير. راجع: ترجمته في "تاريخ الخطيب"، و"ميزان الاعتدال"، و"لسان الميزان".

стр. 7847

قال طلحة بن محمد الشاهد: كان النقّاش يكذب في الحديث، والغالب عليه القصص. اهـ. وقال البرقاني: كلّ حديث النقّاش منكر، وليس في تفسيره حديث صحيح. وقال اللالكائي: كتابه "إشفاء (١) الصدر" لا "شفاء الصدور" وقال الخطيب: وفي أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة، وقال الذهبي: إنه كذّاب، وأثنى عليه الداني، لكن لبعد داره كان غير خبير بأحواله عند أهل النقد، هكذا صنيع هؤلاء في إمام الأئمة، وفي ذلك عبر. هل اجتمع الشافعي بأبي يوسف ﵄: اجتماعه به ممكن باعتبار معاصرته له، وقد ورد سؤال الشافعي أبا يوسف عن النبيذ في "جامع المسانيد" لأبي المؤيد الخوارزمي، لكنه خال من السند، مع عدم ذكر الحسن بن أبي مالك المذكور، كراو عنه في عداد من أخذ عن الشافعي في كتب مناقب الشافعي التي تستقصي ذكر شيوخه، مع جزم شيوخ الرواية أنهما لم يجتمعا أصلا، لو ورد ذلك بسند يعول عليه لكنا قلنا: إنه يكتفي بإمكان اللقي، وإن لم يثبت اجتماعهما في غير هذا الخبر، ولا يستبعد أن يكون الأصل (يوسف)، وزيد عليه (أبا) سهوا، ويوسف هنا يوسف بن خالد السمتي، وهو من شيوخ الشافعي باتفاق، وأما دعوى ابن الجويني مناظرة الشافعي أبا يوسف بمحضر الرشيد في "المدينة المنورة" في مسائل، وفي "مكة المكرمة": في مسألة في كتابيه "مغيث الخلق" و"المستظهري"، فقد بيّنّا وجوه تفنيدها في "إحقاق الحق" (ص ١٠، ١١) فلا داعي إلى إعادة الكلام، لأن سقوطها في غاية الظهور، وأما دعوى اجتماعهما في مجلس الرشيد يوم حمل الشافعي إلى "العراق" سنة ١٨٤ هـ في الرحلة التي يرويها عبد الله بن محمد البلوي وأحمد بن موسى النجّار فلا

стр. 7848

يتصوّر صدقها أيضا، لتقدّم وفاة أبي يوسف على ذلك التاريخ بسنتين، ولا بعث قبل النشأة الأخرى ليتمّ هذا الاجتماع، وليمكن إبعاد أبي يوسف من المجلس سحبا بالرجل، كما يهذي به بعضه. وهنا رحلة أخرى غريية التلفيق، وتبيين حالة الرحلتين في "بلوغ الأماني" (ص ٢٨) ومما يفضح وجوه الاختلاق فيما يرويه البلوي، كون وفاة أبي يوسف قبل ذلك التاريخ بسنتين، -كما سبق-، وعدم اجتماعهما أصلا على تعاصرهما عند النقاد، وعدم تولي محمد بن الحسن المظالم أصلا، وكونه قاضيا بـ "الرقة" إذ ذاك، وكون هو الذي أنقذ الشافعي من المحنة، وتلقّي الشافعي العلم منه بعد ذلك، بلوغ ما سمعه الشافعي منه حمل بختي (١) من الكتب، وكون الشافعي إذ ذاك في عهد الأخذ والتلقّي لا في مرتبة الإمامة والقدوة، حتى يتصوّر أن يحسده حاسد، وكون الشافعي مقرّا بفضله عليه في كلّ فرصة تأخّر ادعاء الشافعي الاجتهاد والقيام بالدعوة إلى ما بعد وفاة محمد بن الحسن بستّ سنوات عند قدومه "بغداد" ثاني مرة سنة ١٩٥ هـ، كما أوضحت ذلك كلّه في "بلوغ الأماني" و"إحقاق الحق" و"التأنيب" وغيرها، فيكون ادعا اجتماع الشافعي بأبي يوسف ومحمد بن الحسن معا في "العراق" سنة ١٨٤ هـ في مجلس الرشيد وسعيهما في قتله عند الرشيد من أسخف الكذب وأسقطه، إن أخرج الرحلة التي تنصّ على ذلك كلّه مثل الآبري وأبي نعيم الأصفهاني والبيهقي، فإذا لم يتحاش هؤلاء من تسجيل هذا الاختلاق المفضوح من كلّ ناحية لا يستغرب أن يغتر به عبد الملك بن الجويني وأبو حامد الطوسي والفخر الرازي، فيدوّنوا في صدد ترجيح مذهبهم

стр. 7849

ظلت الرحلة الكاذبة حاملين بين ضلوعهم نار حقد، لا تنطفئ ضدّ أصحاب أبى حنيفة فقهاء الملة، لظنّهم أن ما في تلك الرحلة صحيح كلّه، ولو كان ذلك صحيحا كما ظنّوا لكان أصحاب أبي حنيفة من أسقط خلق الله حقّا، لكنّهم براء صدقا من تلك التهمة الشنعاء بشهادة نفس تلك الرحلة المفضوحة وبشهادة التاريخ الصحيح، وإن لم ينتبه إلى ذلك ابن الجويني والغزالي والفخر الرازي لقلة إلمامهم بالمنقول وبأحوال رجال النقل، اكتفاء منهم بالمعقول والجدل معولين على نقول هؤلاء. قال الذهبي في "الميزان" عبد الله بن محمد البلوي عن عمارة بن زيد، قال الدارقطني: يضع الحديث، قلت (أي الذهبي): روى عنه أبو عوانة في "صحيحه" في الاستسقاء خبرا موضوعا. اهـ. وقال ابن حجر في "اللسان": وهو صاحب رحلة الشافعي طولها ونمقها، وغالب ما أورده فيها مختلق. اهـ. وفي "توالي التأنيس" وأما الرحلة المنسوبة إلى الشافعي المروية من طريق عبد الله بن محمد البلوي، فقد أخرجها الآبري والبيهقي وغيرهما مطولة ومختصرة، وساقها الفخر الرازي في مناقب الشافعي بغير إسناد، معتمدا عليها، وهي مكذوبة، وغلب ما فيها موضوع، وبعضها ملفّق من روايات ملفّقة. وقال الذهبي: أحمد بن موسى النجّار حيوان وحشي، قال: قال محمد بن سهل الأموي، حدّثنا عبد الله بن محمد البلوي، فذكر محنة مكذوبة للشافعي فضيحة لمن تدبّرها، وأقرّه ابن حجر في "اللسان"، وقال ابن كثير في "تاريخه": من زعم من الرواة أن الشافعي اجتمع بأبي يوسف كما يقوله عبد الله بن محمد البلوي الكذاب في الرحلة التي ساقها للشافعي فقد أخطأ في ذلك، وإنما ورد الشافعي "بغداد" في أول قدمة قدمها إليها سنة أربع وثمانين ومائة، وإنما اجتمع الشافعي بمحمد بن الحسن الشيباني، فأحسن إليه، وأقبل

стр. 7850

عليه، ولم يكن بينهما شنآن، كما يذكره بعض من لا خبرة له في هذا الشأن، ويستغرب بعد هذا كلّه قول النووي في "المجموع"، وفي رحلته مصنّف مشهور مسموع، كما يستغرب قوله في "تهذيب الأسماء واللغات"، وبعث أبو يوسف القاضي إلى الشافعي حين خرج من عند هارون الرشيد يقرئه السلام، ويقول صنّف الكتب، فإنك أولى من يصنّف في هذا الزمان، بعد أن نصّ أهل الشأن على أن الشافعي لم يجتمع بأبي يوسف أصلا، ولا السخاوي في "المقاصد الحسنة"، وكذلك ما ذكر من أن الشافعي اجتمع بأبي يوسف عند الرشيد باطل، فلم يجتمع الشافعي بالرشيد، إلا بعد موت أبي يوسف، قال شيخنا: وكذا الرحلة المنسوبة للشافعي إلى الرشيد، وأن محمد بن الحسن حرّضه على قتله. اهـ. ومثله في "توالي التأنيس" فيكون هذا وذاك من هفوات النووي المعدودة، وأما ابن غانم فليس من أهل الرواية، فلا تستغرب منه كثرة الهفوات، فلا نشتغل بتفنيدها، والذي أراه أن مختلق تلك الرحلة في أول الدهر لم يكن دافعه إلى هذا الاختلاق مجرّد التحيز للإمام الشافعي ﵁، وهو في رفعة شأنه وذيوع عمله في غنية عن مناصرة المختلقين الآثمة، بل قصد ذلك المختلق الإيقاع بين المسلمين في الشرق الإسلامي، الذي كان ينقسم إذ ذاك إلى طائفتين عظيمتين فقط، وهم الحنفية والشافعية، علما منه بأن دسّ الفتنة بينهما بتلك الصورة المزرية الماسّة بكرامة الأئمة، يكون حاملا للفريقين على التنابذ والتناحر، فناشر كتب الفاتنين في آخر الزمن بعد ظهور وجوه الاختلاق فيها لا يكون أقلّ تبعة من المختلق الأصلي، فوجب الدفاع عن أئمة الهدى بحجج قاصمة لظهور الفاتنين، ففعلت بتوفيقه سبحانه، وفضحت افتراءات المفترين بأدلة نيرة واضحة المعالم، تختنق بأنفاس عصبة التعصّب، وتفهمهم خطورة التحزّب وتحمّلهم على الإقلاع من الدسّ بين

стр. 7851

الأمة بالتحامل على الأئمة، فمن يشتبه في شيء مما سطرناه فله أن يردّ بالحجّة ما ذكرناه، بل نرحّب بذلك كلّ ترحيب خاضعين لحكم الدليل القائم، وأما من يتجنى على مدلولات الألفاظ ونصوص النقول الماثلة أمامه، ويقوّلنا ما لم نقله، فإنما يكون مقرّا بضيق أفق اطلاعه على سعة دائرة تنطعه وتجريه، مع قلة تحريه، فمن لم يربأ بنفسه أن يعدّ ذكر المرء بالإقلال من الإفتاء مقتصرا على النوازل عين التصريح بغباوته، وأن يتصور كون الردّ على قول القائل يجب على كافة العاقلين وعامة المسلمين شرقا وغربا بعدا وقربا انتحال مذهب الشافعي، لأنه قرشي، والأئمة من قريش، بتذكير الخلاف في نسبه من كتبهم، وذكر الكلام في الحديث ودلالته عند أهل الشأن، بمعنى الطعن في النسب، يكون محروما من سلامة الفكر والطعن في النسب، هو ذكر مثالب فيه، لا تذكير الخلاف لمن يحاول رد إمامة كلّ إمام من أئمة الهدى المتبوعين، فإن كان هذا المتهوّر المتقوّل يعتقد صحة قول الجويني ذلك في (١٦) من "المغيث" فقد ردّ إمامة إمامه وإمامة سائر الأئمة أجمعين، وهذا هو الهراء حقّا، ويرثى لمن يطلق لسانه بكلّ عدوان في أقدس مكان غير متصوّن مما يوجب تضاعف السيئات. والله ولي الهداية. بعض أخباره مع أصحابه وتلطفه مع أهل الحديث: أخرج ابن أبي العوام عن الطحاوي عن بكّسار بن قتيبة أنه سمع أبا الوليد الطيالسي يقول: لما قدم أبو يوسف "البصرة" حاجا مع هارون الرشيد اجتمع أصحاب الرأي وأصحاب الحديث على بابه، فطلب كلّ فريق منهم الدخول إليه أولا، فأشرف عليهم، فلم يأذن لفريق منهم، ولم يعنف فريقا على طلبه الدخول إليه قبل الفريق الآخر، وقال لهم جميعا: أنا من الفريقين جميعا، فلا أقدم فرقة على الأخرى، ولكني أسأل الفريقين عن مسألة، فأيهم

стр. 7852

أصاب الجواب دخل هو وأصحابه أولا، ثم أخرج خاتما كان في يده، فقال: رجل مضغ خاتمي هذا، حتى هشمه، ما الواجب لي عليه؟ قال: فاختلف عليه أصحاب الحديث، ولم يعجبه قولهم، وقال له رجل من أهل الرأي: عليه قيمته مصوغا من الذهب، يغرمها لصاحب الخاتم، ويأخذ الفضّة المهشومة لنفسه، إلا أن يشاء ربّ الخاتم أن يحتبسه لنفسه، ولا شيء له على هاشمه، فقال أبو يوسف: يدخل أصحاب هذا القول، فدخل أصحاب الرأي، ودخلت معهم، فسأله المستملي، فأملى في أول مجلس حديثا عن الحسن بن صالح، ثم كأنه خطر بقلبه شيء، أو كلّمه رجل بشيء لم أفهمه، فقال ما أخاف على رجل من شيء خوفي عليه من كلامه في الحسن بن صالح، فوقع في قلبي أنه أراد شعبة، فقمت على قدمي، ثم قلت: لله عليّ أن لا أجلس في مجلس يعرض فيه بأبي بسطام، ثم خرجت، فرجعت إلى نفسي، فقلت: هذا قاضي الآفاق ووزير أمير المؤمنين وزميله في حجّه، وما يضرّه غضبي، ولا ينفعه رضائي، فرجعت، فجلست حتى فرغ المجلس، فأقبل عليّ إقبال رجل ماكان له همّ غيري، فقال لي: يا هشام! وإذا هو يعنيني، لأني كنت عنده بـ "بغداد "، والله ما أردت بأبي بسطام سوءا، ولو فى قلبي أكبر منه في قلبك فيما أرى، ولكني لا أعلم أني رأيت رجلا مثل الحسن بن صالح، قال بكّار بن قتيبة: فذكرت هذا لهلال ين يحيى، فقال: أنا والله الذي أجاب أبا يوسف في مسألة الخاتم الذي سأل عنها: ولقد كان قتيبة يعني أبي حاضر المجلس معنا، وشاهدي، أن أبا يوسف يومئذ أملى علينا بابا من مكاتب، فلمّا فرغ منه قمت إليه من بين الناس، فقلت له: ليس هذا قولكم في الصرف، أفنغير ذلك القول، ونثبت هذا، أو نغير هذا، ونثبت ذلك القول؟ فقال أبو يوسف: دعوهما، فسيأتي من يميز بينهما. اهـ.

стр. 7853

وأخرج أيضا عن الحسن بن القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا أحمد بن صالح بن مهران، حدّثني عرزم بن فروة، قال حجّ أبو يوسف القاضي، فلما صار إلى "الحجاز" أصاب الواقدي بحال ضيقة، فحمله معه إلى "بغداد"، فلما دخل على الرشيد سلّم عليه، وسلّم على يحيى بن خالد، فقال له يحيى: يا أبا يوسف! أي شئ أهديت إلينا من "مكة"، قال: أهديت إليك هدية لم يهدها أحد قبلي إلى أحد قبلك، قال: وما هي؟ قال: أهديت رجلا تسأل عما شئت، قال: فهيا بتعجيل البعثة به، قال الواقدي: فبعث بي أبو يوسف إليه، فما زال يسألني طول نهاره، فلما كان الليل أمر أن يفرش لي إلى جانب فراشه، فلمّا كان السحر دعا بدواة وقرطاس، وكتب كتابا دفعه إلى بعض خدمه، وقال: إذا صلى الشيخ صرْ معه إلى فلان، وادفع الكتاب إليه، فلمّا صلّيت قال الخادم: امض بنا، فصار بي إلى رجل أدخلني عليه، وأوصل الكتاب إليه، فقال الرجل للخادم: امض لسبيلك، وقال لي: اقعد، ثم دعا بغلمان، فأمرهم بفرش أنطاع، فجعلوا ينقلون البدر، ويضعونها على الأنطاع، فلمّا تعالى النهار قلت له: يا هذا! إن لي شغلا، فإن رأيت أن تروج أمري، فافعل، فقال لي: أنا في حاجتك، كتب إليّ الوزير أن أدفع إليك مائة ألف، فقلت: على رسلك، أعطني عشرة آلاف درهم، واحبس الباقي عندك، وانصرفت إلى أبي يوسف، فأعلمته، فقال لي أبو يوسف: لست أرضى لك بها، حتى أزداد لك. اهـ. هكذا كانت منزلة الواقدي عند أبي يوسف مدى نفاذ كلمة أبي يوسف على الوزير، ومبلغ تقدير الجميع للعلم في ذلك العهد. وأخرج أيضا عن الطحاوي عن عبدة بن سليمان عن إبراهيم بن الجراح، قال: لما أردت الخروج إلى "البصرة" قلت لأبي يوسف: من ألزم بها؟ فقال له جماد بن زيد، وعظم من قدره، فلمّا قدمت "البصرة" لزمت حمادا،

стр. 7854

فوالله ما جرى ذكر أبي يوسف عنده إلا أتبعه بالوقيعة فيه، فبينا أنا عنده إذ أتته امرأة تسأله أن يكتب لها شرطا، فشقّ عليه أن يردّها، وشقّ عليه أن يتشاغل عن أصحاب الحديث، وكبر الأمر في قلبه، فقلت له: يا أبا إسماعيل! مرها، فلتدفع إلى صحيفتها، حتى أكتب لها، ففعل، وأمسك عن الحديث لأفرغ من الصحيفة، فقلت: لا تحتاج إلى هذا حدّث، ففعل فلمّا فرغت منه الكتاب ناولته الصحيفة، فأخذها، وقرأها، فأعجبته، ثم قال: ممن تتعلمون هذا؟ قلت: من الذي لا يجري ذكره إلا وصلت ذلك بالوقيعة فيه، ولقد أوصاني عند فراقي إياه ألا ألزم أحدا غيرك، فقال: من هو؟ قلت: أبو يوسف، فاستحيا، ولم يكن يذكره بعد إلا بخير. اهـ. وفي ذلك عبر من ناحية إنصاف أبي يوسف في أهل الرواية، وسعة صدر ابن الجراح إزاء التطاول على شيخه إلى سنوح فرصة، يتوصّل بها إلى كفّ حماد عن عدوانه في حكمة، وسداد وانطلاق ألسنة الرواة في أصحابنا من غير مبرّر. وأخرج أيضا عن الطحاوي، عن أبي خازم، عن الحسن بن موسى، عن بشر بن الوليد، قول أبي يوسف في محمد بن الحسن أيّ سيف هو؟ غير أن فيه صدأ يحتاج إلى جلاء، وفي الحسن بن زياد هو عندي كالصيد، لأني إذا سأله رجل أن يعطيه ما يطلق بطنه أعطاه ما يمسكه، وإذا سأله ما يمسكه أعطاه ما يطلقه، وفي بشر هو كإبرة الرفاء، طرفها دقيق ومدخلها لطيف، وهي سريعة الانكسار، وفي الحسن بن أبي مالك هو كجمل، حمل حملا ثقيلا في يوم مطير، فتذهب يده مرة هكذا، ومرة هكذا، ثم يسلم، وفي إبراهيم بن الجراح هو عندي كرجل عنده دراهم مكحلة، فكلّما مسّها نقصت. اهـ. والدراهم المكحلة هي التي يلصق بها الكحل، فيزيد منه الدرهم دانقا، أو دانقين، كما في "المغرب".

стр. 7855

بعض كلمات مأثورة عنه: وقال القرطبي: حكى الإمام الشعبي في "كفايته" أن الإمام أبا يوسف لما حضَرتْه الوفاة ناجى ربَّه، فقال: اللّهم! إنك تعلم أني نظرت في كلّ حادثة وقعت في كتابك، فإن وجدت الفرج وإلا نظرت في سنة نبيك ﵇، فإن وجدت الفرج، وإلا نظرت في أقاويل الصحابة، فإن وجدت الفرج، وإلا جعلت أبا حنيفة جسرا بيني وبينك، اللّهم! وإنك تعلم أتي ما اختصم إليَّ اثنان: ضعيف، وقوي إلا سوّيت بينهما، ولم يمل قلبي إلى القويّ، اللّهم! وإن كنت تعلم ذلك فاغفر لي. وفي "مرآة الزمان" لسبط بن الجوزي كان أبو يوسف يقول: يا ليتني! لم أدخل في القضاء، على أني بحمد الله تعالى ما تعمّدت جورا، ولا حابيت خصما على خصم من سلطان أو سوقة، اللهم! إنك تعلم أني لم أجرْ في حكم حكمت به بين عبادك متعمّدا، ولقد اجتهدت في الأحكام بما يوافق كتابك وسنة نبيك ﷺ ، وما أشكل جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، وكان أبو حنيفة يعرف أمرك، ولا يخرج عن حكمك. وأخرج ابن أبي العوام عن الطحاوي، حضرت يونس بن عبد الأعلى، وعنده أحمد بن أبي عمران، فحدّثنا يونس عن الشافعي، قال: ربما سئلت عن المسألة أعلم علتها بقلبي، ولا أقدر على عبارتها بلساني، فقال له أحمد بن أبي عمران: قال غير هذا؟ قال: لا، قال: فعندنا عن أبي يوسف أحسن من هذا، حدّثنا محمد بن شجاع عن الحسن بن أبي مالك، قال: سمعت أبا يوسف، يقول: ربما سئلت عن المسألة أعلم علتها بقلبي، ولا أقدر على عبارتها بلساني، فمثلى في هذا مثل رجل أراه رجل درهما، فقال له: هو ردئ أو جيّد، ولو سأله عن العلة لقوله لم يجد عنده أكثر من قوله ردئ أو جيّد.

стр. 7856

وفي "كتاب الموفّق المكّي " بطريق أبي سليمان قال أبو يوسف: ربما فرّقت بين المسألتين بمثل الشعرة، وربما فرّقت بين المسألتين بمثل الجبل، وربما عرفت الفرق بين المسألتين بقلبي، ولا ينطق به لساني. وقال علي بن حجر: سمعت أبا يوسف، يقول أخذ في الفرائض بقول علي وزيد رضى الله عنهما، فإذا اختلفا أخذت بقول علي، لأن اختلافهما في الجدّ من القضاء، وقال النبي ﷺ : فأقضاكم عليّ. وقال أبو يوسف أيضا يا قوم! أريدوا بعلمكم الله، فقلّ مجلس أتيته أنوي فيه التواضع، إلا لم أقم، حتى أعلوهم، ولا أتيت مجلسا أريد أن أتكبّر فيه إلا لم أقم، حتى أفتضح، ألا فأريدوا بعلمكم الله. اهـ. بسند الحارثي إليه، ولفظ وكيع القاضي: حدّثني على بن إشكاب عن أبيه سمعت أبا يوسف، يقول: يا قوم! أريدوا بعلمكم الله، فإني لم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أتواضع، إلا لم أقم، حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أعلوهم، إلا لم أقم، حتى أفتضح. وقال أحمد بن حنبل عن أبي يوسف صحبة من لا يخشى العار عار يوم القيامة، ورؤوس النعم ثلاثة: نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها، ونعمة الصحة التي لا تطيب العافية إلا بها، ونعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها. وقال علي بن الجعد عن أبي يوسف: العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلّك، وأنت إذا أعطيته كلّك فكن من إعطائه البعض على حذر، وكان أبو يوسف إذا نزل به أمر يقول: أمور لو تدبَّرها حكيم … إذن لنهي وغير ما أستطاعا ولكن الأديم إذا تفرى (١) … بلى تهتكا غلب الصناعا

стр. 7857

بعض نماذج من أجوبته وأحكامه: أخرج الخطيب كان أبو يوسف راكبا وغلامه يعدو وراءه، فقال له رجل: أتستحلّ أن يعدو غلامك، لم لا تركبه؟ فقال له: أيجوز عندك أن أسلم غلامي مكاريا؟ قال: نعم، قال: فيعدو معي كما يعدو، لو كان مكاريا. وأخرج ابن أبي العوام عن الطحاوي عن جعفر بن أحمد بن الوليد عن بشر بن الوليد الكندي، أنه سمع أبا يوسف يقول: وقد قال له رجل: لي أب نصراني ضرير، فربما لقيته ماضيا إلى الكنيسة، وربما لقيتُه منصرفا عنها، أفآخذ بيده، فقال له أبو يوسف: إن كان ماضيا إليها، فلا تأخذ بيده، وإن كان منصرفا عنها فخذ بيده. وسمع الحسن بن أبي مالك أبا يوسف يقول: مرضت مرضا نسيت فيه كلّ ما كنت أحفظه، حتى القرآن، ولم أنس الفقه، فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال علمي بما سوى الفقه علم حفظ، وعلمى بالفقه علم هداية، فأنا فيه كرجل غاب عن بلده سنين، ثم دخله بعد ذلك، أفتراه تغيب عنه طريق منزله؟. وسمع بشر بن الوليد أبا يوسف يقول: لا ينبغى للمرأة أن تكشف رأسها عند عبدها، ولا عند عبد ابنها، ولا عند عبد أبيها، ولو أن رجلا غسل رأس أمه، وفلاه، وكان هذا من برّها، وسمع هلال الرأي أبا يوسف، يقول: مخاشنة الولاة ذلّ، ومخاشنة القضاة فقر، وسمعه أيضا يقول في كتاب الصكّ: لا أقلّ من عشرة من الشهود، اثنان يموتان، واثنان يغيبان، واثنان يزوران، واثنان يثبتان، واثنان لا يؤدّيان. وعند الموفّق ردّ أبو يوسف شهادة علي بن عيسى الوزير، حيث بلغه أنه لا يصلّي الصلوات في الجماعة، حتى بنى علي بن عيسى مسجدا في صحن داره، فكان يشهد الجماعات.

стр. 7858

عن الحسن بن أبي مالك أن أبا يوسف أتى بامرأة مرتدَّة من "أصفهان"، فهاب قتلها،. ورجع عن قوله في المرتدّة أنها تقتل إلى قول أبي حنيفة أنها تحبس، ولا تقتل. وعن بشر كنت يوما عند أبي يوسف، فتكلّم في مسألة، فقلت له ما هكذا حكم الله فيها، فقال: أو لله في كلّ شيء حكم منصوص؟ قلت: نعم، فقال: ما حكم الله في رجل عدا على ديك، ففقأ عينه؟ فقلت: يقوّم صحيحا غير مفقوء العين، ثم يقوّم مفقوء العين، فيجب على فاقئ العين فضل ما بين قيمته، فهذا حكم الله فيها، قال: فجمع أبو يوسف أصابع يده اليمنى، ثم قال: أعلّمه الرماية كلّ يوم … ولما أشتدّ ساعده رماني وأشار إلى يده اليسرى. وعن بشر بن الوليد، قال أبو يوسف: من قعد على شراب يطلب السكر منه، فالقدح الأول منه عليه حرام، والمقعد عليه حرام، والمشي إليه حرام، كما أن الزنى عليه حرام، والمشي إليه حرام. عن معلى بن منصورأن أبا يوسف حجّ مع هارون الرشيد، فصلى بهم هارون ركعتين، وقام أبو يوسف، فقال يا أهل "مكة"! أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر، فقال رجل من أهل "مكة" ممن صلّى: نحن أفقه من أن نعلم مثل هذا، فقال له أبو يوسف: لو كنتَ فقيها ما تكلّمتَ في صلاتك، فقال هارون الرشيد: ما يسرّني بها حمر النعم. وعن أبي بكر الخصّاف عن أبيه لما احتضر أبو يوسف جلسنا عند رأسه، فقلنا له: في نفسك شيء من هذا الأمر، نعني القضاء، قال: لا، والله إلا شيئا واحدا ادّعى نصراني مرة على الرشيد ضيعة، فدعوت بالرشيد وبالنصراني، فجاء الرشيد، ومصلّى يحمل له، فجلس عليه، ولم أدع للنصراني بمصلّى مثله، فذاك في نفسي.

стр. 7859

وعن الحسن بن أبي مالك، سمعت أبا يوسف في مرضه الذي مات فيه، يقول: والله ما زنيت قط، ووالله ما جرت في حكم قط، وما أخاف على نفسي إلا من شيء كان مني، فقلت له: ما هو، قال: كان هارون الرشيد يأمرني أن آخذ فصص الناس، فأقرأها، ثم أوقع لهم فيها بمحضره، فكنت آخذها قبل ذلك بيوم، فاتصفّحها، فجمعتها مرة، فتصفّحتها، فإذا فيها قصّة لنصراني يتظلّم من هارون أمير المؤمنين في ضيعة في يده، يزعم أنه غصبه إياها،. فدعوته، فقلت: هذه الضيعة في يد من هي؟ قال: في يد أمير المؤمنين، فأردت تقريب الأمر عليه، فقلت له: من يبيع ثمارها؟ قال: أمير المؤمنين، قلت: فمن يجمع غلاتها؟ قال: أمير المؤمنين، وجعلت كلّما أردت منه أن يذكر خصما غير أمير المؤمنين، ردّ الخصومة فيها إلى أمير المؤمنين، فجعلت قصّتها مع قصص الناس، فلما كان يوم المجلس جعلت أدعو بالناس رجلا رجلا، حتى وقعت قصة النصراني بيدي، فدعوته، فدخل، فقرأت قصته على أمير المؤمنين، فقال: هذه الضيعة لنا، ورثناها عن المنصور، فقلت للنصراني: قد سمعت الذي قال: أفلك بينة على ما تدّعي؟ قال: لا، ولكن خذ لي بيمينه، قال: فقلت لهارون: أتحلف يا أمير المؤمنين، قال: نعم، فحلف، فانصرف النصراني، قال أبو يوسف: فما أخاف على نفسي إلا من هذا، قال الحسن: فقلت: وأيّ خوف في هذا، وقد فعلت الذي فعلت، قال: من تركي أن أقعده معه في مجلس الخصم، وأسانيد ذلك كلّه في كتاب ابن أبي العوام. وقال وكيع القاضي في "أخبار القضاة": أخبرني إبراهيم بن أبي عثمان عن يحيى بن عبد الصمد، خوصيم موسى أمير المؤمنين إلى أبي يوسف في بستانه، فكان الحكم في الظاهر لأمير المؤمنين، وكان الأمر على خلاف ما

стр. 7860

يظهر من الحكم، قال أمير المؤمنين: ما صنعت في الأمر الذي تتنازع إليك فيه، قال خصم أمير المؤمنين يسألني أن أحلف أمير المؤمنين أن شهوده شهدوا على حق، فقال موسى: وترى ذاك؟ قال: قد كان ابن أبي ليلى يراه، قال: قال: فاردد البستان عليه، وإنما احتال عليه أبو يوسف. وأخرجه الخطيب أيضا بطريق وكيع القاضي، وهذه غير قصّة الرشيد، وتوسّع الصيمري في قصّة الرشيد، وقال في آخرها: وقد أدبر الشيخ يقول: استفه كشربة سويق، وتريد وجه أمير المؤمنين، حين حلف، وأطرق بفكر، فقلت: هلكت، وهلك الرجل، فقال يحيى بن خالد: يا يعقوب! رأيت مثل أمير المؤمنين في عدله وإنصافه لرجل من رعيته أنصف من نفسه، حتى فعل ما رأيت فسرى عن أمير المؤمنين، وفرح بذلك، وقال سبحان الله! ولا بدَّ من الإنصاف. وقال يحيى بن خالد: لو جاءت هذه من الفاروق لكانت حسنة أو كما قال، ثم ذكر اغتمام أبي يوسف من عدم تسويته بين الخصمين في المجلس. ولأبي يوسف أخبار كثيرة في أنه لم يكن يحابي أحدا في القضاء، بل كان يساوي في الحكم بين الراعي والرعية، والغني والفقير، والملوك والصعاليك، وهذا مما رفع شأنه وشأن القضاء في الإسلام. وقال الذهبي في "جزئه": ولقاضي القضاة أبي يوسف ﵀ ورضى عنه- أخبار في السؤدد والكرم والمروءة والجاء العريض والحرمة التامة في العلم والفضل، وأخبار في الحطّ عليه بعضها ليس بصحيح، أوردها العقيلي وابن ثابت. اهـ. وقد تحدّثت عنهما في موضعه، فلا أعيد الكلام عنها هنا.

стр. 7861

انقطع أبي يوسف عن مجلس أبي حنيفة مدّة على ظنّ استغنائه عنه في العلم: ذكر الزين بن نجيم في "الأشباه والنظائر" في فن الحكايات أنه لما جلس أبو يوسف للتدريس من غير إعلام أبي حنيفة أرسل إليه أبو حنيفة رجلا، فسأله عن خمس مسائل، ومثله عند الصيمري، والخطيب، وغيرهما. الأولى: قصّار جحد الثوب، وجاء به مقصورا، هل يستحقّ الأجر أم لا، فأجاب أبو يوسف يستحقّ الأجر، فقال له الرجل: أخطأت، فقال: لا يستحقّ، فقال: أخطأت، ثم قال له الرجل: إن كانت القصارة قبل الحجود استحقّ، وإلا لا. والثانية: هل الدخول في الصلاة بالفرض أم بالسنَّة؟ قال: بالفرض، فقال: أخطأت، وقال: بالسنَّة، فقال: أخطأت، فتحير أبو يوسف، فقال الرجل: بهما جميعا، لأن التكبيرة فرض، ورفع اليدين سنَّة. والثالثة: طير سقط في قدر على النار، فيه لحم مرق، هل يؤكل أم لا؟ قال: يؤكل، فخطَّأه، فقال: لا يؤكل، فخطَّأه، ثم قال: إن كان اللحم مطبوخا قبل سقوط الطير يغسل ثلاثا، ويؤكل، وترمى المرقة، ولا يرمى الكلّ. والرابعة: مسلم له زوجة ذمية ماتت، وهى حامل منه، ففي أيّ المقابر تدفن؟ فقال أبو يوسف: في مقابر المسلمين، فخطَّأه، فقال: في مقابر أهل الذمة، فخطَّأه، فتحيّر، فقال: تدفن في مقابر اليهود، ولكِن يحوَّل وجهها عن القبلة، حتى يكون وجه الولد إلى القبلة، لأن الولد في البطن يكون وجهه إلى ظهر أمّه. الخامسة: أمّ ولد لرجل تزوّجت بغير أذن مولاها، فمات المولى هل تجب العدّة من المولى؟ فقال: تجب، فخطَّأه، فقال: لا تجب، فخطَّأه، ثم قال

стр. 7862

الرجل: إن كان الزوج دخل بها لا تجب، وإلا وجبت، فعلم أبو يوسف تقصيره، فعاد إلى أبي حنيفة، فقال له تزببت قبل أن تحصرم. كذا في "إجارات الفيض". وفي "مناقب الكردي" أن سبب انفراد أبي يوسف أنه مرض مرضا، فعاده الإمام، فقال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين، فلما برئ أعجب بنفسه، وعقد مجلس الأمالي، وقال الإمام أبو حنيفة لأبي يوسف عند مجيئه إلى مجلسه: ما جاء بك إلا مسألة القصّار، سبحان الله من رجل يتكلّم في دين الله، ويعقد مجلسا، وهو لا يحسن مسألة في الإجارة، ثم قال: من ظنّ أنه يستغني عن التعليم فليبك على نفسه. وكان هذا في مبدأ أمر أبي يوسف لا يدلّ على أنه لم يبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق في منتهى أمره، فلا يتمسّك بتلك الحكاية على أنه مجتهد في المذهب، لأن تدرّجه في مدارج الفقه على مراحل إلى أن وصل إلى درجة الاجتهاد المطلق، ولا شان في ذلك لما جرى له في عهد شبابه واغتراره بعلمه، ثم نضج علمه، فصار خليفة أستاذه حقا، ولا عجب في أن يغترّ الشاب في أوائل مراحل التفقّه، ثم يثوب إلى السداد، وقد وقع مثل هذا للإمام الأعظم، وكاد أن ينقطع من مجلس أستاذه حماد بن أبي سليمان، ثم عاد إليه، ولازمه إلى وفاته، وفي حكاية ذلك طول، وقد ذكرنا مبلغ شدّة ملازمته لمجلس حماد في "لفت اللحظ إلى ما في الاختلاف في اللفظ" لابن قُتيبة، نقلا من "تاريخ أصفهان" لأبي الشيخ مما فيه عبر. وجه تدوين مذهب أبي يوسف مع مذهب أبي حنيفة: خالف زفر بن الهذيل وأبو يوسف ومحمد بن الحسن أبا حنيفة في مسائل أصلية وفرعية، كما هو ظاهر من كتب المذهب في الأصول والفروع، مع ذلك دوّنت آراءهم مع أراء أبي حنيفة في كتب المذهب، وعدّ الجميع

стр. 7863

مذهب أبي حنيفة مع هذا التخالف، بل نصّوا على أن الفتوى في المذهب على رأي أبي حنيفة مرة، وعلى رأي أحد هؤلاء من أصحابه مرة أخرى على اختلاف مداركهم، واستشكل ذلك، حتى سأل أمير "مكة" الشريف سعد بن زيد، رحمهما الله في شهر شعبان سنة ١١٠٥ هـ. قائلا: ما تقولون في مذهب أبي حنيفة رضى الله تعالى عنه وصاحبيه أبي يوسف ومحمد، فإن كلّ واحد منهم مجتهد في أصول الشرع الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وكلّ واحد منهم له قول مستقلّ غير قول الآخر فى المسألة الواحدة الشرعية، وكيف تسمّون هذه المذاهب الثلاثة مذهبا واحدا، وتقولون: إن الكلّ مذهب أبي حنيفة، وتقولون عن الذي يقلّد أبا يوسف في مذهبه أو محمد: إنه حنفي، وإنما الحنفي من قلّد أبا حنيفة فقط فيما ذهب إليه، وأجاب عن هذا السوال الشيخ عبد الغني النابلسي من فقهاء الحنيفة في عصره برسالة سماها "الجواب الشريف للحضرة الشريفة في أن مذهب أبي يوسف ومحمد هو مذهب أبي حنيفة" ارتاي فيها ما خلاصته أن آراءهما روايات عن أبي حنيفة، فتكون أقوالهما من أقوال أبي حنيفة، فيكون عدّها في مذهب أبي حنيفة صحيحا. واستند في ذلك إلى أقوال مروية عن الإمامين في ذلك، وليس هذا بجيّد، وإن ارتضاه ابن عابدين، لأن ذلك تعويل على ما يقوله ابن الكمال الوزير في طبقات الفقهاء من أنهما لا يخالفان الإمام في الأصول، وهذا خلاف الواقع، بل هما يخالفانه في كثير من المسائل الأصلية والفرعية عن دليل، كما هو شأن الاجتهاد المطلق، وإنزالهما عن مرتبة المجتهد في المذهب ينافي الحقيقة، وإن حافظا على انتسابهما له ﵃، بل إطلاق المذهب الحنيفة على مجموع آراء هؤلاء اصطلاح، ولا مشاخَّة فيه بالنظر إلى أن مذهب أبي حنيفة فقه جماعة عن جماعة، كما سبق.

стр. 7864

ومصدر كلّ رأي من تلك الآراء مجتهد مطلق يتابع دليل نفسه، فالإمامان وافقاه فيما علما فيه دليل الحكم كما علم، وهو اجتهادا لا تقليدا له، كما خالفاه، بأن الدليل لهما على خلاف رأيه، فالتوافق بينهم في الرأي لا يدلّ على التقليد، بل يدلّ على معرفة البعض دليل الحكم كمعرفة الآخرين، وإلا ما بقي في الوجود مجتهد مطلق لتوافق المجتهدين في معظم المسائل، ومنشأ ادعاء أن تلك الأقوال كلّها أقوال أبي حنيفة هو ما كان يجري عليه أبو حنيفة في تفقيه أصحابه من احتجاجه لأحد الأحكام المحتملة في مسألة وانتصاره له بأدلة، ثم كروره بالردّ عليه ينقض أدلته وبترجيحه الاحتمال الثاني بأدلة أخرى، ثم نقضها بترجيح احتمال ثالث بأدلة تدريبا لأصحابه على التفقّه على خطوات ومراحل، إلى أن يستقرّ الحكم المتعين في نهاية التمحيص، ويدوّن في الديوان في عداد المسائل الممحّصة، فمنهم من ترجّح عنده غير ما استقرّ عليه الأمر من كلّ الأقوال باجتهاده الخاص، فيكون هذا المترجّح عند قوله من وجه، وقول أبي حنيفة من وجه آخر، من حيث إنه هو الذي أثار هذا الاحتمال، ودلَّل عليه أولا، وإن عدل عنه أخيرا. ومصداق ذلك ما أخرجه ابن أبي العوام عن محمد بن أحمد بن حمّاد عن محمد بن شجاع، سمعت الحسن بن أبي مالك، وعبّاس بن الوليد، وبشر بن الوليد، وأبا على الرازي يقولون: سمعنا أبا يوسف يقول: ما قلت قولا خالفت فيه أبا حنيفة إلا وهو قول قد قاله أبو حنيفة، ثم رغب عنه. اهـ. وحكى الكردري عن النيسابوري أن أبا يوسف لما ولي القضاء دخل عليه إسماعيل بن حماد ابن الإمام، وتقدّم إليه خصمان، فلمّا جاء أوان الحكم قضى برأي الإمام، فقال له: كنت تخالف الإمام في هذا، قال: إنما كنا نخالفه

стр. 7865

لنستخرج ما عنده من العلم، فإذا جاء أوان الحكم ما يرتفع رأينا على رأي الشيخ، ومثله عن محمد بن الحسن. وأخرج ابن أبى العوام عن إبراهيم بن أحمد بن سهل عن القاسم بن غسَّان عن أبيه عن أبي سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن، قال: كان أبو حنيفة قد حمل إلى "بغداد"، فاجتمع أصحابه جميعا، وفيهم أبو يوسف، وزفر، وأسد بن عمرو، وعامة الفقهاء المتقدّمين من أصحابه، فعلموا مسألة أيّدوها بالحجاج، وتنوقوا في تقويمها، وقالوا: نسأل أبا حنيفة، أول ما يقدم، فلمّا قدم أبو حنيفة، كان أول مسألة سئل عنها تلك المسألة، فأجابهم بغير ما عندهم، فصاحوا به من نواحي الحلقة، يا أبا حنيفة! بلّدتك الغربة، فقال لهم: رفقا رفقا، ماذا تقولون؟ قالوا: ليس هكذا القول، قال بحجّة أم بغير حجّة، قالوا: بل بحجّة، قال: هاتوا، فناظرهم، فغلبهم بالحجج، حتى ردّهم إلى قوله، وأذعنوا أن الخطأ منهم، فقال لهم: أعرفتم الآن، قالوا: نعم، قال: فما تقولون فيمن يزعم أن قولكم هو الصواب وأن هذا القول خطأ؟ قالوا: لا يكون ذاك، قد صحّ هذا القول، فناظرهم، حتى ردّهم عن هذا القول، فقالوا: يا أبا حنيفة! ظلمتنا، والصواب كان معنا، قال: فما تقولون فيمن يزعم أن هذا القول خطأ، والأول خطأ، والصواب في قول ثالث، فقالوا: هذا ما لا يكون، قال: فاستمعوا، واخترع قولا ثالثا، وناظرهم عليه، حتى ردّهم إليه، فأذعنوا، وقالوا: يا أبا حنيفة! علّمنا، قال: الصواب هو القول الأول، الذي أجبتكم به لعلة كذا وكذا، وهذه المسألة لا تخرج عن هذه الثلاثة الأنحاء، ولكلّ منها وجه في الفقه ومذهب، وهذا الصواب، فخذوه، وارفضوا ما سواه. اهـ. وهكذا كان تدريبه لأصحابه على الفقه، وتمرينه على مدراج التفقّه، فمثله يكون كثير الذكر للاحتمالات في المسائل، وقد يترجّح عند هذا ما لا يترجّح

стр. 7866

عند ذاك من أصحابه، فيكون هو مثير أغلب تلك الاحتمالات، فمعظم تلك المسائل الخلافيات من تذكير الإمام لأصحابه، فلا يكون مانع من إطلاق المذهب الحنفي على مسائل أبي يوسف ومحمد أيضا بملاحظة حال معظمها، كما في الحديث الشريف (الحج عرفة). وقد أخرج ابن أبي العوام أيضا عن محمد بن أحمد بن حماد، عن ابن شُجَاع، عن الحسن بن أبي مالك، أنه سمع أبا يوسف يقول: كان أبو حنيفة إذا وردت عليه المسألة، قال ما عندكم فيها من الآثار؟ فاذا روينا الآثار، وذكرنا، وذكره هو ما عنده نظر، فإن كانت الآثار في أحد القولين أكثر أخذ بالأكثر، فإذا تقاربت وتكافأت نظر، فاختار. اهـ. وهو الذي كان يقول لأصحابه: لا يحلّ لأحد أن يقول بقولي ما لم يعلم من أين قلت. اهـ. وهذه الطريقة هي التي ملأت الآفاق فقها وغوصا، ولم تكن صدور الفقهاء من غير هؤلاء تتسع للإخذ والردّ المتواصلين في المسائل هكذا، بل كان أغلبهم يكتفون بإملاء ما عندهم بدون مناقشة في الغالب، مقتصرين في الإجابة على النوازل والوقائع، إلا أن الشافعي كان ارتوى من المعينين: الحجازية والعراقية، فكان يتلقّى الأخذ والردّ بصدر رحب، فملأ العالم بالمسائل التقديرية، وخدم نضوج الفقه، كافا الله الجميع على جميلهم في خدمة الفقه، ورضي عنهم أجمعين، ولكل وجهة. بعض أنباء أبي يوسف مع الخلفاء: لما اتصل أبو يوسف برجال الخليفة لأول مرة رغب يحيى بن خالد في معرفة ما لأبي يوسف من الإلمام بسير الملوك الماضية وأنباء الأمم الخالية وإيام

стр. 7867

العرب وأنباء الأول وما إلى ذلك من المعارف، التي يحتاج إليها في الحياة الجديدة، فأحس بذلك أبو يوسف، ولم يسترسل معه في الكلام، بل اقتصد في الحديث، وتفرّغ في خاصّة نفسه لتلك المعارف، حتى حاز خبرة واسعة فيها بذكاءه وقوة حافظته في مدّة يسيرة، إلى أن سنحت فرصة التحدّث مع الوزير في موضوع منها، فنال لديه كلّ إعجاب ودهش بواسع اطلاعه في هذه المعاني أيضا، وظنّ به أن له اشتغالا قديما بتلك المعارف زيادة على ما له من المعلومات الواسعة في سائر المعلوم، فحاز كلّ إجلال، كما هو معروف في كتب التاريخ. وأخرج ابن أبي العوام عن أبي عبد الله محمد بن هارون بن محمد العبّاسي عن أبيه عن أبي يحيى بن أبي ميسرة عن سعيد بن عثمان الزيّات عن أبيه قال: قام رجل إلى هارون الرشيد في "مدينة أبي جعفر" يوم الجمعة، وهو على المنبر، فقال: والله ما قسمت بالسوية، ولا عدلت في الرعية، ولقد فعلت، وفعلت، فأمر به، فأخذ، ثم أدخل عليه بعد الصلاة، وبعث إلى أبي يوسف، قال أبو يوسف: فدخلت عليه، وهو جالس، والرجل بين العقابين والجلادون خلفه بالسياط، فأقبل عليَّ، فقال: يا يعقوب! كلّمني هذا بما لم يكلّمني به أحد، فقلت: يا أمير المؤمنين! قد قيل للنبي ﷺ في قسم قسمه: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فعفا، وصفح، وقيل له: وقد قسم قسما أعدل، فقال ﷺ : ومن يعدل إذا لم أعدل، فعفا، وصفح، وقيل له: أشدّ من هذا، خاصم إليه الزبير ورجل من الأنصار، فقضى للزبير، فقال الآخر: يا رسول الله! أأن كان ابن عمّتك، فعفا، وصفح، قال: فسكن غضبه، وأمر بالرجل، فأطلق. اهـ.

стр. 7868

وبه إلى أبي يحيى بن أبي ميسرة عن محمد بن داود العبّاسي كنا بـ "بغداد"، وحضر شهر رمضان، فكنا نحضر دار هارون الرشيد كلّ عشية، فإذا صلينا العصر خرج الإذن لعبيد الله بن العبّاس، ولداود بن عيسى، ولعبد الله بن سليمان، ثم يخرج الإذن بعدهم لأبي يوسف القاضي، ولابن عمران الطلحي، ولحسن اللؤلؤي، فلا يزالون في الفقه بين يدي هارون الرشيد، فإذا طلعت الشمس إذن لنا فدخلنا، فأقبل الرشيد عليهم يوما، فقال: سلوا، فألقى عليه حسن اللؤلؤي مسألة من المعقدات، فأقبل عليه أبو يوسف، فقال: ليس هذا مما يسأل عنه أمير المؤمنين، ولكن يا أمير المؤمنين! قال أبو حنيفة في مسألة كذا وكذا، واحتجّ بكذا، وقال ابن أبي ليلى فيها كذا، واحتجّ بكذا، فبأيّ القولين يأخذ أمير المؤمنين؟ قال الرشيد: بقول أبي حنيفة، لأن حجّته فيها أقوى، قال، وقال ابن أبي ليلى: كذا في مسألة كذا، وحجته كذا، فبأيّ القولين يأخذ أمير المؤمنين، قال الرشيد: بقول ابن أبي ليلى، لأن حجّته فيها أقوى. فلمّا انصرفنا أقبل أبو يوسف على اللؤلؤي، فقال: يا ضعيف! مثل هذه المسألة المعقدة تلقى على الخلفاء لو ألقيت هذه على بعضنا ما قام بها، فقال له اللؤلؤي فيَّ فلِمَ قال: سلونا، قال: وكان الرشيد إذا صلّى مسح بيده موضع سجوده، ثم مسح به وجهه، فقال له الحسن: هذا الذي يفعله أمير المؤمنين بدعة، فعمَّن أخذه، قال: رأيت آبائي يفعلونه، فأنا أقتدي بهم، فأقبل عليه أبو يوسف، فقال: هذا لا علم له، ثم أقبل على اللؤلؤي، فقال ألم تسمع أن النبي ﷺ رقى رجلا، فوضع يده على ريقه ثم على الأرض، ثم قال ريق بعضنا بتربة أرضنا يشفي مريضنا بإذن الله، فلمّا انصرف أمر هارون بحجب اللؤلؤي عنه.

стр. 7869

وعن الحسن بن زياد كنا يوما بباب أبي يوسف، ونحن ننتظره إذا أقبل من دار الرشيد، وهو يبتسم، فقال: حدثت مسألة في دار أمير المؤمنين اليوم، رفع إلى أمير المؤمنين أن قاضيا بـ "أرمينية" اختصم إليه جاريتان في جرّتين، وقد استقينا ماء من بعض المواضع، فوضعتا جرّتيهما لتستريحا، فسقطت جرّة كلّ واحدة على جرّة صاحبتها، فانكسرتا، فاختصمتا إلى القاضي، فقالت: كلّ واحدة منهما سقطت جرّة هذه على جرّتي، فانكسرت، فجعل القاضي ينظر إليهما، لا يعرف المدّعية منهما من المدّعى عليها، فقال: للقيّم أخّرهما عني، فأخّرهما، ثم صاحتا، فأدناهما، فلمّا اقتصتا قصّتهما عليه نظر إليهما، ثم قال للقيّم: أخّرهما عني، فصاحتا، فقال للقيّم: اذهب، فاشتر لهما جرّتين، وأرحني منهما، فلمّا كان العشي، قال لرجل كان يأنس به ويختلف إليه ماذا يقول الناس، ويخوضون فيه من أمرنا؟ قال: يقولون: إن القاضي لم يحسن يحكم في جرّتين، حتى غرمهما، فقال سبحان الله أو لا يرضون مني أن أحكم فيما أحسن، وأغرم فيما لا أحسن، قال أبو يوسف، فقلت: يا أمير المؤمنين! هذا رجل عاقل، فزدْه في أرزاقه للغرامات، فزاده ألف درهم في كلّ شهر. قال الحسن بن زياد: فقلنا لأبي يوسف: كيف الجواب في هذه المسألة؟ قال: إن كانت الجاريتان وضعتا الجرّتين في مستراح للمسلمين فكلّ واحدة منهما جاعلة جرّتها في حقّها غير جانية على صاحبتها، وإن كانتا وضعتا الجرّتين في غير مستراح المسلمين، فكلّ واحدة جانية على صاحبتها، وعلى كلّ واحدة قيمة جرّة صاحبتها، إن كانت إحداهما في مستراح، والأخرى في غير مستراح، فالتي في غير المستراح جانية على التي في المستراح.

стр. 7870

وعن أسد بن الفرات كان أبو يوسف ينظر بين خصمين بحضرة هارون الرشيد، فتوجّه القاضي على أحدهما، قال: فجثا الرشيد، وأقبل ببصره نحو أبي يوسف حتى أنفذ القضاء، ثم قال: هكذا أفعل أنا وسائر من معي، حتى ينفذ قضاء يعقوب. وذكر الصيمري ما رفع إلى أبي يوسف من قتل مسلم عمدا لذمّي، وقيام البينة على ذلك، وحبس القاتل، وهجو بعضهم لأبي يوسف بأبيات يرميه فيها بقتله المسلم بالكافر، وبلوغ الأمر إلى الرشيد، ورغبته في إسقاط القصاص، وإسقاط أبي يوسف القصاص بعدم تمكّن ولي الدم من إثبات أن القتيل كان يؤدي الجزية، ومنع القود لهذا السبب. وقتل المسلم بسبب قتله لذمّي مسألة خلافية أدخلتها مشروحة في الكتب المبسوطة، وقال القرتبي: إنما أمر بحبس القاتل لينظر في أمره هل يتبين من حال المقتول ما يوجب القصاص، فيقتصّ من قاتله، أو يظهر ما يسقط القصاص، فلا يقتصّ منه، فلمّا ظهر ما يسقط القصاص منع القصاص. اهـ. وأقام النكير على من يزعم من المخالفين إن كان ثبت عنده وجود القصاص، فكيف أسقطه بهذه الحيلة، وإن لم يثبت فكيف أوجبه أولا؟ وعدّ القرتبي هذا تهجّما على مقام الاجتهاد، ثم سرد أدلة المسألة بتوسّع، فأفاد، وأجاد. وغاية ما في الأمر موافقة رغبة الرشيد لحكم الشرع المسقط للقصاص، فلو كان أبو يوسف بت في القصاص لما حبسه، بل كان نفذ فيه الحكم في الحال. قال ابن عبد البر: أبو يوسف قاضي القضاة قضى لثلاثة من الخلفاء، ولي القضاء في بعض أيام المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، وكان الرشيد يكرمه، ويجلّه، وكان عنده حظيئا مكينا.

стр. 7871

وروى ابن عبد البر عن ابن جرير، وأن أبا يوسف كان فقيها عالما حافظا كثير الحديث، تحامى حديثه قوم من أهل الحديث، من أجل غلبة الرأي عليه، وتفريعه الفروع والمسائل في الأحكام، مع صحبة السلطان، وتقلده القضاء. اهـ. ثم قال ابن عبد البر: كان يحيى بن معين يثني عليه، ويوثّقه، وأما سائر أهل الحديث فهم كالأعداء لأبي حنيفة وأصحابه، وحيث لم يرحل ابن عبد البر إلى الشرق، خفي عليه كثير من أقوال المشارقة في ذلك، وقد سبق نقل كثير منها، وضيق صدر النقلة نحوهم له أسباب مشروحة في "التأنيب". كلمة في المخارج والتدابير الفقهية في التخليص من المآزق: ينسب إلى أبي يوسف كثير من الحيل في تخليص الناس من الحرج، وذكرت فيما علّقت على "زغل العلم" للذهبي أن التحيّل المفضي إلى إلغاء الحكم في تشريع الأحكام لا يصدر إلا ممن ضعف دينه ومرض يقينه، وأما تطلّب المخلص من المآزق من غير إبطال حقّ وإحقاق باطل بتدابير لطيفة لا تصطدم مع النصوص فمما ندب الله ورسوله إليه، وجرى سلف الأئمة وخلفهم عليه، وتبيين وجوه ذلك يدلّ على براعة وقوة ذكاء بشرط أن لا يؤدّي إلى ما أسلفناه. وأجرأ المتفقّهين على التوسّع في التحيّل أدومهم صلة بالقضاء، ومن وجوه التحيل الذميم الإفتاء بأقوال شاذّة لا تدعمها الحجج، وبروايات ضعيفة، لا تقوي إمام النقد مهما يهرجها المموه وزخرفها، ومن يقع منه هذا بقلة ورع فالله حسيبه، أما ما يعزى لأبي يوسف من أنه اتصل بالرشيد بحيل شرعية أجابه بها، فولاه القضاء، فكذب مختلق عليه، -كتخصيص مالك الرشيد برخص (في كتاب السر المعزوّ إليه) -، لأنه ولي القضاء في عهد

стр. 7872

(المهدي) والهادي، واستمرّ عليه في زمن الرشيد، كما ذكره السمعاني وغيره، ولم يكن من خلاله المحاباة، كما يظهر من مقدمة "كتاب الخراج" له، ومن سيرته المعروفة. وقد ألّف الذهبي في ترجمته جزءا خاصا، يثني فيه على علمه وزهده وورعه، ويطريه، مع أن الذهبي عرف بالاقتصاد في تراجم هؤلاء، (حتى ذكر تلميذه التاج السبكي في الطبقات الكبرى) (١ - ١٩٧) استطالته على كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين، ويقول محمد بن الحسن في بيع العينة: هذا كأمثال الجبال عندي ذميم، وقد حملوا تجويز أبي يوسف هذا البيع على صورة عدم عود العين إلى صاحبه، فأصبحا على اتفاق في المسألة. ساق الخطيب بطريق المعافي النهرواني إفتاء أبي يوسف لأم جعفر كما تحب وتوارد هدايا منها وإباءه قسمتها بين الحضور، بسند فيه الحسين بن القاسم الكوكبي، وهو إخباري كثير الانفراد بالمناكير، يقول عنه ابن حَجَر في "اللسان": إخباري مشهور، رأيت في أخباره مناكير كثيرة بأسانيد جياد، ثم قال: منها ما ذكره المعافي عنه، وساق خبرا تالفا، وهذا ممن لم يعلم الخطيب من حاله إلا خيرا، فإنه يجد عنده ما يشاء، وساق المعافي أيضا بطريق محمد بن الحسن بن زياد النقّاش إباء أبي يوسف تقسيم هدية حضرت منها أيضا، والنقّاش كذّاب مشهور، وساق أيضا بطريق المعافي عن محمد بن أبي الأزهر إفتاء أبي يوسف في بيع نصف جارلة وهبة نصفها للرشيد تخليصا لصاحبها من الحنث في حلفه أنه لا يبيعها ولا يهبها مع حشد طرائف حول تلك الأحدوثة في صفحتين، مع أن ابن أبي الأزهر هذا يقول عنه الخطيب نفسه في (٣ - ٢٨٨): كان كذّابا قبيح الكذب ظاهره، وما ذكره العقيلي أنه كان يعطى أموال اليتامى مضاربة ليجعل الربح لنفسه،

стр. 7873

ففى سنده أحمد بن علي الأبار، وله تعصّب غريب ضدّ أصحابنا، كما يظهر من رواياته عند الخطيب، ورواية المتعصّب مردودة عندهم، على أن يد القاضي في أموال اليتامي يد أمانة، فلا تضمن عند هلاكها من غير تعدّ كذلك أموال اليتامى تأكلها الزكاة في مذهبه، فإذا ضارب بها تكون يده يد ضمان، فيكون ضامنا إذا هلكت، وتكون الزكاة عليه دون اليتيم، فإذا تفضل بالربح عليه يكون إحسانا على إحسان، كما هو عادته، على أن التصرّف في مال اليتيم، وأكله بالمعروف مدركهما مما هو مشروح في شروح البخاري أخذا من الكتاب والسنَّة، والخلاف في ذلك مشهور، فلا لوم على فرض ثبوب ذلك التصرف إلا عند من ضاق أفق اطلاعه بقصر باعه. وعند الموفّق أنه سئل عمَّن حلف ماله صدقة إن لم يفعل كذا، قال: يخرج ماله إلى من يثق به في فعل الشيء، فيردّه صاحبه عليه، فقال قائلا: لعنت اليهود، حرّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، فقال أبو يوسف: يا لكع! أين هذا من ذاك، إن اليهود أرادوا أن يحتالوا لما حرم الله عليهم، حتى يحلّوا لأنفسهم، وهذا ماله هو له حلال، يريد أن يحتال، حتى لا يحرم عليه. اهـ. ودفع الحرج على منازل، إنما يفقهها الفقهاء. وقد محَّض هذا البحث تمحيضا شاملا فضيلة الأستاذ المبدع النابغة السيّد محمد أبي زهرة (١) أستاذ الشريعة في كلية الحقوق بـ "القاهرة" في كتابه عن أبي حنيفة، كما هو شأنه فى بحوثه.

стр. 7874

ومما قلت في تعليقي على "زغل العلم": روى الذهبي في "جزئه" الذي ألّفه في ترجمة محمد بن الحسن بطريق الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران عن محمد بن سماعة أنه قال: سمعت محمد بن الحسن، يقول: هذا الكتاب ليس من كتبنا، وإنما ألقي فيها، يريد كتابا في الحيل كان يتداوله من قل ورعهم من الناس في ذلك العهد (١)، ولم يكن اسم المؤلّف مذكورا في الكتاب، فظنّوا أنه من كتب أصحاب أبي حنيفة، وليس كذلك. وقال شمس الأئمة السرخسي في "المبسوط" (٣٠ - ٢٠٩): كان أبو سليمان الجوزجاني ينكر ذلك، ويقول: من قال: إن محمد ﵀ صنّف كتابا سماه "الحيل"، فلا تصدقه، وما في أيدي الناس فإنما جمعه، وراقوا "بغداد"، وقال: إن الجهّال ينسبون علماءنا ﵏ إلى ذلك على سبيل التغيير، فكيف يظنّ بمحمد ﵀ أنه سمى شيئا من تصاينفه بهذا الاسم، ليكون ذلك عونا للجهّال على ما يتقوّلون. وأما أبو حفص ﵀، فكان يقول: هو من تصنيف محمد ﵀، وكان يروي ذلك عنه، وهو الأصحّ، وأطال السرخسي الكلام في التدليل على جواز التخليص من المآزق من الكتاب والسنَّة، -والحيلة ليست بمعنى المكر عندهم،

стр. 7875

بل بمعنى التدبير اللطيف المخلص من مصادمة النصّ والمخرج من الحرج-، فالجوزجاني، وأبو حفص الكبير البخاري ركنان عظيمان في رواية كتب محمد بن الحسن، والذي أرى أن نفي ذلك وإثبات هذا غير متواردين على كتاب واحد، فالمنفي هو كتاب مزور، فيه مسائل تنافي حكمة التشريع، فأصحابنا براء منه، والمثبت هو ما تلقّاه أبو حفص الكبير من محمد بن الحسن من مسائل في المخارج، تخلص من المآزق بدون إبطال حق ولا إحقاق باطل، ومن غير إخلال بحكمة التشريع، فالجوزجاني صادق في نفي نسبة الكتاب المزور إلى محمد، وأبو حفص صادق في إثبات المسائل الحكمية المخلصة من المآزق على الوجه المشروع، وأبو حفص الكبير أحمد بن حفص بن زبرقان العجلي البخاري من لدات الإمام الشافعي ﵁، رحل من "بخارى" إلى "العراق" قديما، فسمع من محمد ما لم يسمعه الجوزجاني، وسمع الجوزجاني من محمد ما لم يسمعه أبو حفص -مثل كتاب "السير الكبير"- لتقدّم عوده إلى "بخارى" على إخراج هذا الكتاب للناس، فيكون النفي والإثبات غير متواردين على كتاب واحد، ويظهر بن المسائل التي يرويها شمس الأئمة عن أبي حفص أنه ليس فيها ما يجافي الحكمة والسداد، وأبو حفص هذا إمام عظيم، رحل قديما إلى "العراق"، كما سَبَقَ، وحمل علما جما إلى "بخارى"، ونشر العلم بها، حتى أصبحت "بخارى" بيمن مسعاه قبة الإسلام في العلوم، حيث سمعوا منه "جامع الثوري" ومصنّفات ابن المبارك، ووكيع، وتفقّهوا عليه، حتى أصبحت كلّ قرية من قرى "بخارى" فيها جماعة من الفقهاء من أصحابة، وذكر السمعاني في باب الخيزاخزي أنها نسبة إلى "خيزاخز"-قرية بـ "بخاري"- فيها جماعة من الفقهاء من أصحاب أبي حفص الكبير، وهو من أوائل شيوخ البخاري صاحب "الصحيح" في مبدأ أمره قبل رحلاته، ففي "تاريخ الخطيب" في (٢ -

стр. 7876

٧) أنه حفظ كتب ابن المبارك، وكتب وكيع، وعرف كلام هؤلاء -يعني فقه أهل الرأي-، وهو ابن ست عشرة سنة. وفيه أيضا (٢ - ١١) أنه سمع "جامع الثوري" من أبي حفص هذا، وذكر حكاية تشهد للبخاري بجودة الحفظ، وهو شاب، وابنه أبو عبد الله محمد المعروف بأبي حفص الصغير من الذين رافقهم البخاري في الطلب، وقد أثنى عليه الذهبي في "سير النبلاء"، وترجم له اللكنوي في "الفوائد البهية"، وهو صاحب القصّة في إخراج البخاري من "بخارى"، لا أبوه لتقدّم وفاته، وله مؤلّفات، منها: "كتاب الرد على أهل الأهواء" (١). قال أبو بكر محمد بن جعفر النرشخي في "تاريخ بخارى" الذي ألّفه سنة ٣٣٢ هـ لنوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني عند وصفه لموضع في "بخارى"، يقال له: (در حقره) بمعنى باب سبيل الحق: كان أبو حفص الكبير البخاري يسكن في هذا المحل، وكان رحل منه إلى "بغداد"، وعاد بعد أن تفقّه على محمد بن الحسن الشيباني، وكان جامعا بين العلم والزهد، ولم يكن له مثيل في تلك الديار، وكان من مفاخر "بخارى"، وبه انتشر العلم في "بخاري"، حتى أصبحت قبة الإسلام، وبه نال الأئمة وعلماء الأمة هناك غاية الاحترام، ثم ذكر كيف كان الأمراء يهابونه، وحكى ما جرى للأمير محمد بن طالوت من زيارته له ودخوله عليه بعد الاستئذان وخروجه، من غير أن يقدر أن يكلَّمه بكلمة أمامه من مهابته، وقوله: إني دخلت إلى الخليفة وغيره من العظماء، لكني لم أهب أحدا من الخلفاء هيبتي له، وذكر كثرة تلاوته للقرآن الكريم، حتى إنه لم تنقص تلاوته من نصف ختمة كلّ يوم إلى وفاته.

стр. 7877

ونقل عن محمد بن سلام البيكندي حافظ "بخارى" أنه رأى في المنام رسول الله ﷺ قادما إلى "بخارى" هو يركب جملا كما وصف في الخبر، وعلى رأسه قلنسوة بيضاء، والناس في غاية الفرح من مقدمه ﵇، فأنزلوه في دار أبي حفص، وأنه رأى أبا حفص قاعدا أمام رسول الله يقرأ عليه كتابا، والرسول ﷺ يستمع إليه، ويصدقه، ثم نصّ على أن أبا حفص توفي سنة ٢١٧ هـ، ودفن في تل، يقال له: "تل أبي حفص"، وأن هناك مساجد وصوامع يسكنها المجاورون، وأن الناس يتبرّكون بتلك البقعة، وأن علماء "العراق" كانوا يحيلون مشكلات المسائل عليه، وعلى أصحابه، وذكر مبلغ إقباله على العلم والتعليم والعبادة، وذكر أيضا مبلغ علوّ كعب ابنه أبي حفص الصغير في العلم، وقد ترجم أبو نصر أحمد بن محمد بن نصر القباوي هذا التاريخ إلى الفارسي سنة ٥٢٢ هـ، ولخّصه محمد بن زفر بن عمر سنة ٥٧٤ هـ، والترجمة الفارسية مطبوعة في باريز سنة ١٨٩٢ م، وقطعة من الأصل العربي مطبوعة هناك أيضا، ومن يجهل مبلغ جلالة هذا الإمام في العلم والورع يجب أن لا يجعل جهله معيارا لمعرفة منازل العلماء، فليراجع الأصل، والترجمة في ذلك (٥٤ - ٥٦) من شاء. وفاة الإمام أبي يوسف ﵁: أخرج ابن أبي العوام عن محمد بن أحمد بن حماد عن أحمد بن القاسم البرتي عن بشر بن الوليد: توفي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي ﵀ يوم الخميس وقت الظهر، لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة، وحكى الخطيب عن خليفة بن خيّاط، ويعقوب بن سفيان، وأبي حسّان الزيادي الاتفاق على هذه السنة، إلا أن يعقوب ذكر ربيع الآخر بدل ربيع الأول، والعمدة ما ذكره بشر بن الوليد، لأنه كان من أصحابه

стр. 7878

الملازمين له، بخلاف يعقوب الفسوي، وأما ذكر سنة في كلام الهيثم بن عدي كتاريخ وفاة له فسبق قلم، وكذا ذكر فيما يعزي عند الصيمري إلى شباب العصفري، -وهو خليفة بن خيّاط-، وحكى الصيمري عن الواقدي بطريق ابن سعد أنه يقول: توفي سنة ١٨٢ هـ، فيكون مع الجمهور. وأخرج الخطيب بطريق البرقاني عن عبد الرحمن الخلال عن محمد بن أحمد بن يعقوب، عن أبيه سمعت شجاع بن مخلد، يقول: حضرنا جنازة أبي يوسف القاضي، ومعنا عباد بن العوام، فسمعت عبادا يقول: ينبغي لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضا بأبي يوسف. وساق ابن أبي العوام عن الطحاوي (١)، عن ابن أبي عمران، عن داود بن وهب، قال: حدّثني عبد الرحمن القواس، قال ابن أبي عمران: سمعت ابن الثلجي، ويقول: ما كان بـ "بغداد" أفضل منه، يعني القواس، قال: قال معروف الكرخي: ما خبر أبي يوسف القاضي؟ قلت له: مريض، فقال لي: إن حدث به حدث فأخبرني، ولا تخفه عني، فقال: فمضيت من ساعتي لأتعرف خبر أبي يوسف، فلمّا صرت عند باب دار الرقيق إذا بجنازة أبي يوسف والناس معها، فمضيت مع الجنازة، وقلت: إن رجعت إلى أبي محفوظ فاتتني الجنازة، ولم يدركها هو لبعد ما بينهما، فلما انصرفت أتيت معروفا الكرخي، فأخبرته، وقلت له: لو رجعت إليك لم تدركها، فرأيته قد اغتمَّ على تخلّفه

стр. 7879

عنها، فقلت: وما يغمّك من هذا، قال: إني رأيت فى ليلتي هذه كأني أدخلت الجنة، فرأيت قصرا، ووصف من حسنه، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: ليعقوب القاضي، فقلت: بأيّ شيء استحقّ هذا؟ قالوا: بتعليمه العلم، وبكثرة وقيعة الناس فيه. وساقه الخطيب بسند آخر. وآخره: ثم أتيت معروفا، فأخبرته، فاشتدّ ذلك عليه، وجعل يسترجع، فقلت له: يا أبا محفوظ! ما أسفك على ما فاتك من جنازته، فقال: رأيت كأني دخلت الجنة، فإذا قصر قد بني، وتم شرفه وجصص، وعلّقت أبوابه وستوره، وتم أمره، فقلت لمن هذا؟ فقالوا: لأبي يوسف القاضي، فقلت لهم: وبم نال هذا؟ فقالوا: بتعليمه الناس الخير، وحرصه على ذلك، وبأذى الناس له. وفي مبشرة لأبي رجاء عند ابن عبد البر والخطيب والصيمري وابن أبي العوام وغيرهم: ورأيت محمد بن الحسن في المنام، فقلت: ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: وأبو يوسف، قال: هو أعلى درجة مني، قلت: فما صنع أبو حنيفة، قال: هيهات، هو في أعلى علّيين. وأخرج ابن أبي العوام، عن الطحاوي، عن ابن أبي عمران، عن الحسين بن عبدويه الورّاق، قال: لما أخرجت جنازة أبي يوسف كان فيمن شهدها أبو يعقوب الحريمي، فجعل الناس يقولون: مات الفقه، مات الفقه، فأنشأ أبو يعقوب يقول: يا ناعى الفقه إلى أهله … إن مات يعقوب وما يدري لم يمت الفقه، ولكنه … حول من صدر إلى صدر ألقاه يعقوب إلى يوسف … فزال من طهر إلى طهر

стр. 7880

فهو مقيم فإذا ما ثوى … حل وحل الفقه في قبر وعن محمد بن أحمد بن حماد بن يعقوب بن الفرجي، عن أبي حسَّان الزيادي الحسن بن عثمان، قال: كان هارون الرشيد قاضيه أبو يوسف، وكان أبو يوسف قد استخلف ابنه يوسف على القضاء، فكان يقضى إلى أن مات يوسف. وعن محمد بن جعفر ابن الإمام على الحسن بن حماد الحضرمي سجادة يقول: سمعت يوسف بن أبي يوسف يقول: وليت القضاء، وولي أبي من قبلي، وكان ولايتنا ثلاثين سنة ما بلينا أن نقضي بين جد وأخ. اهـ. وقال وكيع القاضي: أخبرني أحمد بن أبي خيثمة عن المفضَّل بن غسَّان عن علي بن صالح: استقضى أبو يوسف لموسى (الهادي)، فكان يقضي في كلّ شيء، وكان شريك بـ "الكوفة"، فشكاه أبو يوسف وعافية إلى المهدي، وقالوا: إنه لا ينفذ كتبنا، ولا يلتفت إلينا، فهذا يدلّ على أن أبا يوسف استقضى في أيام المهدي لموسى على بابه. قال علي بن صالح: وقد كان أبو يوسف خرج معنا مع موسى أيام المهدي إلى "جرجان"، فولي المهدي يوسف القضاء مكان أبيه، ونحن بـ "جرجان". وقال وكيع القاضي: أخبرني إبراهيم بن أبي عثمان عن عبد الله بن عبد الكريم الحواري، كان يوسف بن أبي يوسف عفيفا مأمونا صدوقا، قرأ عليه أبو يوسف أكثر كتبه، وكان أعلم بتدبير القضاء، وأضبط له من أبي يوسف، ولم يكن له اتساع في النظر، ولا الحفظ. قال القاضي: وقد حمل عن أبي يوسف الحديث، ومشى الرشيد أمام جنازة أبي يوسف، وصلى عليه بنفسه، دفنه في مقبرة أهله، وقال حين دفن:
следующие страницы →