← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

٧) أنه حفظ كتب ابن المبارك، وكتب وكيع، وعرف كلام هؤلاء -يعني فقه أهل الرأي-، وهو ابن ست عشرة سنة. وفيه أيضا (٢ - ١١) أنه سمع "جامع الثوري" من أبي حفص هذا، وذكر حكاية تشهد للبخاري بجودة الحفظ، وهو شاب، وابنه أبو عبد الله محمد المعروف بأبي حفص الصغير من الذين رافقهم البخاري في الطلب، وقد أثنى عليه الذهبي في "سير النبلاء"، وترجم له اللكنوي في "الفوائد البهية"، وهو صاحب القصّة في إخراج البخاري من "بخارى"، لا أبوه لتقدّم وفاته، وله مؤلّفات، منها: "كتاب الرد على أهل الأهواء" (١). قال أبو بكر محمد بن جعفر النرشخي في "تاريخ بخارى" الذي ألّفه سنة ٣٣٢ هـ لنوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني عند وصفه لموضع في "بخارى"، يقال له: (در حقره) بمعنى باب سبيل الحق: كان أبو حفص الكبير البخاري يسكن في هذا المحل، وكان رحل منه إلى "بغداد"، وعاد بعد أن تفقّه على محمد بن الحسن الشيباني، وكان جامعا بين العلم والزهد، ولم يكن له مثيل في تلك الديار، وكان من مفاخر "بخارى"، وبه انتشر العلم في "بخاري"، حتى أصبحت قبة الإسلام، وبه نال الأئمة وعلماء الأمة هناك غاية الاحترام، ثم ذكر كيف كان الأمراء يهابونه، وحكى ما جرى للأمير محمد بن طالوت من زيارته له ودخوله عليه بعد الاستئذان وخروجه، من غير أن يقدر أن يكلَّمه بكلمة أمامه من مهابته، وقوله: إني دخلت إلى الخليفة وغيره من العظماء، لكني لم أهب أحدا من الخلفاء هيبتي له، وذكر كثرة تلاوته للقرآن الكريم، حتى إنه لم تنقص تلاوته من نصف ختمة كلّ يوم إلى وفاته.

стр. 7877

ونقل عن محمد بن سلام البيكندي حافظ "بخارى" أنه رأى في المنام رسول الله ﷺ قادما إلى "بخارى" هو يركب جملا كما وصف في الخبر، وعلى رأسه قلنسوة بيضاء، والناس في غاية الفرح من مقدمه ﵇، فأنزلوه في دار أبي حفص، وأنه رأى أبا حفص قاعدا أمام رسول الله يقرأ عليه كتابا، والرسول ﷺ يستمع إليه، ويصدقه، ثم نصّ على أن أبا حفص توفي سنة ٢١٧ هـ، ودفن في تل، يقال له: "تل أبي حفص"، وأن هناك مساجد وصوامع يسكنها المجاورون، وأن الناس يتبرّكون بتلك البقعة، وأن علماء "العراق" كانوا يحيلون مشكلات المسائل عليه، وعلى أصحابه، وذكر مبلغ إقباله على العلم والتعليم والعبادة، وذكر أيضا مبلغ علوّ كعب ابنه أبي حفص الصغير في العلم، وقد ترجم أبو نصر أحمد بن محمد بن نصر القباوي هذا التاريخ إلى الفارسي سنة ٥٢٢ هـ، ولخّصه محمد بن زفر بن عمر سنة ٥٧٤ هـ، والترجمة الفارسية مطبوعة في باريز سنة ١٨٩٢ م، وقطعة من الأصل العربي مطبوعة هناك أيضا، ومن يجهل مبلغ جلالة هذا الإمام في العلم والورع يجب أن لا يجعل جهله معيارا لمعرفة منازل العلماء، فليراجع الأصل، والترجمة في ذلك (٥٤ - ٥٦) من شاء. وفاة الإمام أبي يوسف ﵁: أخرج ابن أبي العوام عن محمد بن أحمد بن حماد عن أحمد بن القاسم البرتي عن بشر بن الوليد: توفي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي ﵀ يوم الخميس وقت الظهر، لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة، وحكى الخطيب عن خليفة بن خيّاط، ويعقوب بن سفيان، وأبي حسّان الزيادي الاتفاق على هذه السنة، إلا أن يعقوب ذكر ربيع الآخر بدل ربيع الأول، والعمدة ما ذكره بشر بن الوليد، لأنه كان من أصحابه

стр. 7878

الملازمين له، بخلاف يعقوب الفسوي، وأما ذكر سنة في كلام الهيثم بن عدي كتاريخ وفاة له فسبق قلم، وكذا ذكر فيما يعزي عند الصيمري إلى شباب العصفري، -وهو خليفة بن خيّاط-، وحكى الصيمري عن الواقدي بطريق ابن سعد أنه يقول: توفي سنة ١٨٢ هـ، فيكون مع الجمهور. وأخرج الخطيب بطريق البرقاني عن عبد الرحمن الخلال عن محمد بن أحمد بن يعقوب، عن أبيه سمعت شجاع بن مخلد، يقول: حضرنا جنازة أبي يوسف القاضي، ومعنا عباد بن العوام، فسمعت عبادا يقول: ينبغي لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضا بأبي يوسف. وساق ابن أبي العوام عن الطحاوي (١)، عن ابن أبي عمران، عن داود بن وهب، قال: حدّثني عبد الرحمن القواس، قال ابن أبي عمران: سمعت ابن الثلجي، ويقول: ما كان بـ "بغداد" أفضل منه، يعني القواس، قال: قال معروف الكرخي: ما خبر أبي يوسف القاضي؟ قلت له: مريض، فقال لي: إن حدث به حدث فأخبرني، ولا تخفه عني، فقال: فمضيت من ساعتي لأتعرف خبر أبي يوسف، فلمّا صرت عند باب دار الرقيق إذا بجنازة أبي يوسف والناس معها، فمضيت مع الجنازة، وقلت: إن رجعت إلى أبي محفوظ فاتتني الجنازة، ولم يدركها هو لبعد ما بينهما، فلما انصرفت أتيت معروفا الكرخي، فأخبرته، وقلت له: لو رجعت إليك لم تدركها، فرأيته قد اغتمَّ على تخلّفه

стр. 7879

عنها، فقلت: وما يغمّك من هذا، قال: إني رأيت فى ليلتي هذه كأني أدخلت الجنة، فرأيت قصرا، ووصف من حسنه، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: ليعقوب القاضي، فقلت: بأيّ شيء استحقّ هذا؟ قالوا: بتعليمه العلم، وبكثرة وقيعة الناس فيه. وساقه الخطيب بسند آخر. وآخره: ثم أتيت معروفا، فأخبرته، فاشتدّ ذلك عليه، وجعل يسترجع، فقلت له: يا أبا محفوظ! ما أسفك على ما فاتك من جنازته، فقال: رأيت كأني دخلت الجنة، فإذا قصر قد بني، وتم شرفه وجصص، وعلّقت أبوابه وستوره، وتم أمره، فقلت لمن هذا؟ فقالوا: لأبي يوسف القاضي، فقلت لهم: وبم نال هذا؟ فقالوا: بتعليمه الناس الخير، وحرصه على ذلك، وبأذى الناس له. وفي مبشرة لأبي رجاء عند ابن عبد البر والخطيب والصيمري وابن أبي العوام وغيرهم: ورأيت محمد بن الحسن في المنام، فقلت: ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: وأبو يوسف، قال: هو أعلى درجة مني، قلت: فما صنع أبو حنيفة، قال: هيهات، هو في أعلى علّيين. وأخرج ابن أبي العوام، عن الطحاوي، عن ابن أبي عمران، عن الحسين بن عبدويه الورّاق، قال: لما أخرجت جنازة أبي يوسف كان فيمن شهدها أبو يعقوب الحريمي، فجعل الناس يقولون: مات الفقه، مات الفقه، فأنشأ أبو يعقوب يقول: يا ناعى الفقه إلى أهله … إن مات يعقوب وما يدري لم يمت الفقه، ولكنه … حول من صدر إلى صدر ألقاه يعقوب إلى يوسف … فزال من طهر إلى طهر

стр. 7880

فهو مقيم فإذا ما ثوى … حل وحل الفقه في قبر وعن محمد بن أحمد بن حماد بن يعقوب بن الفرجي، عن أبي حسَّان الزيادي الحسن بن عثمان، قال: كان هارون الرشيد قاضيه أبو يوسف، وكان أبو يوسف قد استخلف ابنه يوسف على القضاء، فكان يقضى إلى أن مات يوسف. وعن محمد بن جعفر ابن الإمام على الحسن بن حماد الحضرمي سجادة يقول: سمعت يوسف بن أبي يوسف يقول: وليت القضاء، وولي أبي من قبلي، وكان ولايتنا ثلاثين سنة ما بلينا أن نقضي بين جد وأخ. اهـ. وقال وكيع القاضي: أخبرني أحمد بن أبي خيثمة عن المفضَّل بن غسَّان عن علي بن صالح: استقضى أبو يوسف لموسى (الهادي)، فكان يقضي في كلّ شيء، وكان شريك بـ "الكوفة"، فشكاه أبو يوسف وعافية إلى المهدي، وقالوا: إنه لا ينفذ كتبنا، ولا يلتفت إلينا، فهذا يدلّ على أن أبا يوسف استقضى في أيام المهدي لموسى على بابه. قال علي بن صالح: وقد كان أبو يوسف خرج معنا مع موسى أيام المهدي إلى "جرجان"، فولي المهدي يوسف القضاء مكان أبيه، ونحن بـ "جرجان". وقال وكيع القاضي: أخبرني إبراهيم بن أبي عثمان عن عبد الله بن عبد الكريم الحواري، كان يوسف بن أبي يوسف عفيفا مأمونا صدوقا، قرأ عليه أبو يوسف أكثر كتبه، وكان أعلم بتدبير القضاء، وأضبط له من أبي يوسف، ولم يكن له اتساع في النظر، ولا الحفظ. قال القاضي: وقد حمل عن أبي يوسف الحديث، ومشى الرشيد أمام جنازة أبي يوسف، وصلى عليه بنفسه، دفنه في مقبرة أهله، وقال حين دفن:

стр. 7881

ينبغى لأهل الإسلام أن يعزي بعضهم بعضا، ومدفنه في مقابر قريش بـ "كرخ بغداد"، وبقربه دفن محمد الأمين وزبيدة، كما دفن الإمام موسى الكاظم رضى الله عنه فيما بعد، وضريح أبي يوسف عامر، يزار في "الكاظمية" ﵁ وأرضاه، وابنه يوسف القاضي توفي في رجب سنة اثنتين وتسعين ومائة، كما في "الثقات" لابن حبّان ﵀ وأرضاه، وترجم له الخطيب. وقال الحافظ عبد القادر القرشي: روى "كتاب الآثار" عن أبيه عن أبي حنيفة، وهو مجلّد ضخم، وهو مطبوع من نسخة منقوصة، في ترجمته رسالة مطبوعة في "بغداد" لشاب أديب، لكن لم أظفر بها لأتمتع بها، وهذا عمل مشكور منه، حفظه الله، وكافاه على مسعاه. وأبو يوسف هذا واحد من تلاميذ أبي حنيفة الأئمة وقد قال ابن حجر المكي الشفعي تلمذ له كبار من الأئمة المجتهيدن والعلماء الراسخين عبد الله بن المبارك والليث بن سعد والإمام مالك بن أنس وقلا أيضا قال بعض الأئمة لم يظهر لأحد من أئم الإسلام المشهورين مثل ما ظهر لأبي حنيفة من الأصحاب والتلاميذ ولم ينتفع العلماء وجميع الناس بمثل ما انتفعوا به وقال المجد بن الأثير في جامع الأصول شطر الأمة على مذهبه من أقدم عهد وقالل على القاري في شرح المشكاة إن ثلثي الأمة المحمدية على مذهبه ودلل على هذا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وصية أبي حنيفة لأبي يوسف وهي من عيون الوصايا: يروي أبو يوسف عن أبي حينفة وصية في اعتقاد أهل السنة، يتداولها المتكلّمون من أصحابنا، كما يتداولون من روايات أبي يوسف عن أبي حنيفة رسالته إلى عثمان بن مسلم البتي عالم "البصرة" في مسألة الإرجاء، ولأبي

стр. 7882

حنيفة وصية أخرى، وجّهها إلى أبي يوسف بعد أن ظهر له منه الرشد وحسن السيرة والإقبال على الناس، يعرفه فيها كيف يسوس الناس، وقد ذكرت بنصّها في "مناقب الموفّق المكّي" و"مناقب صاحب الفتاوى البزازية"، وفي "الأشباه والنظائر" لابن نجيم وغيرها، وقد رسم له أستاذه فيها طريق المعاملة مع الناس على أحكم أسس وأتم جمع ونفع، ولا تزال ترشد المجتمع العلمي إلى طريق النجاح والتوفيق في التعليم والإرشاد، فلم أرض إخلاء الكتاب من تلك الوصية (١) القيّمة للغاية، وأبو حنيفة يقول فيها: يا يعقوب! وقّر السلطان، وعظّم منزلته، وإياك والكذب بين يديه، ولا تدخل عليه في كلّ وقت، وفي كل حال ما لم يدعك لحاجة علمية، فإنك إن أكثرت الاختلاف إليه تهاون، واستخف بك، وصغرت منزلتك في عينه، فكن منه ما أنت من النار تنتفع بها، وتتباعد عنها، ولا تدن منها، فإنك تحترق، وتتأذى منها، فإن السلطان لا يرى لأحد ما يرى لنفسه. وإياك وكثرة الكلام بين يديه، فإنه يأخذ عليك ما تفوّه به ليري من نفسه بين يدي حاشيته أنه أعلم منك، وأنه يخطئك، فتصغر بذلك في أعين قومه، ولتكن إذا دخلت عليه تعرف قدرك وقدر غيرك، ولا تدخل عليه وعنده من أهل العلم من لا تعرفه، فإنك إن كنت أدون حالا منه، لعلّك تترفع عليه فيضرّك، وإن كنت أعلم منه لعلّك تنحطّ عنه، فتسقط بذلك من عين السلطان، وإذا عرض عليك شيئا من أعماله، فلا تقبل منه، إلا بعد أن تعلم أنه يرضاك ويرضى مذهبك في العلم، والقضايا، كيلا تحتاج إلى ارتكاب مذهب غيرك في الحكومات، ولا تواصل أولياء السلطان، وحاشيته، بل تقرب

стр. 7883

إليه فقط، وتباعد عن حاشيته، ليكون محلّك وجاهك باقيا، ولا تتكلم بين يدي العامة، إلا بما تسأل عنه. وإياك والكلام في المعاملة والتجارة، إلا بما يرجع إلى العلم، كيلا يوقف منك على رغبة في المال، فإنهم يسيئون الظنّ بك، ويعتقدون ميلك إلى أخذ الرشوة منهم، وبسط اليد إليها، ولا تضحك، ولا تتبسَّم فيما بين العامة، ولا تكثر الخروج إلى الأسواق، ولا تكلّم الصبيان المراهقين، فإنهم فتنة، ولا بأس أن تكلّم الأطفال، وتمسح رءوسهم، ولا تمش في قارعة الطريق مع المشايخ من العامة، فإنك إن قدمتهم أزرى ذلك بعلمك، وإن أخّرتهم ازدرى بك، من حيث إنهم أسنّ منك، فإن النبي ﷺ قال: من لم يوقّر كبيرنا، ولم يرحم صغيرنا، فليس منا، ولا تقعد على قوارع الطريق، وإذا دعاك ذلك فاقعد في المسجد. ولا تقعد على الحوانيت، ولا تأكل في الأسواق والمساجد، ولا تشرب من السقايات ومن أيدي السقّائين، ولا تلبس الديباج والحلي وأنواع الإبريسم، فإن ذلك يفضي إلى الرعونة، ولا تكثر الكلام في بيتك مع أهلك في الفراش، إلا وقت حاجتك إليها بقدر ذلك، ولا تكثر لمسها ومسّها ولا تتقرّب بها، إلا أن تذكر الله تعالى، وتستخير فيه، ولا تتكلم بأمر نساء الغير بين يديها، ولا بأمر الجواري، فإنها تنسط إليك في كلامك، ولعلّك إذا تكلّمت عن غيرها تكلمت عن الرجال الأجانب، ولا تتزوّج امرأة كان لها بعل أو أب وأم أو بنت إذا قدرت إلا بشرط أن لا يدخل عليها أحد من أقاربها، فإن المرأة إذا كانت ذات مال يدّعي أبوها أن جميع مالها له، وأنه عارية في يدها، ولا تدخل بيت أبويها ما قدرت. وإياك أن ترضى أن تزف في بيتهم، فإنهم يأخذون أموالك، ويطمعون فيك غاية الطمع.

стр. 7884

وإياك أن تتزوج بذات البنين والبنات، فإنها تدّخر جميع المال لهم، وتسرق من مالك، وتنفق عليهم، فإن الولد أعزّ عليها منك، ولا تجمع بين امرأتين في دار واحدة، ولا تتزوّج إلا بعد أن تعلم أنك تقدر على القيام بجميع حوائجها، واطلب العلم أولا، ثم اجمع المال من الحلال، ثم تزوّج، فإنك إن اشتغلت بطلب المال في وقت التعلّم عجزت عن طلب العلم، ودعاك المال إلى شراء الجواري والغلمان، وتشتغل بالدنيا. وإياك أن تشتغل بالنساء قبل تحصيل العلم، فيضيع وقتك، ويجتمع عليك الولد، ويكثر عيالك، فتحتاج إلى القيام بحوائجهم، وتترك العلم، واشتغل بالعلم في عنفوان شبابك، ووقت فراغ قلبك وخاطرك، ثم اشتغل بالمال ليجتمع عندك، فإن كثرة الولد والعيال تشوّش البال، فإن جمعت المال، فاشتغل بالتزوّج. وعليك بتقوى الله وأداء الأمانة والنصحية لجميع الخاصة والعامة، ولا تستخف بالناس، ووقّرهم، ولا تكثر معاشرتهم، إلا بعد أن يعاشروك، وقابل معاشرتهم بذكر المسائل، فإنه إن كان من تعاشره من أهله اشتغل بالعلم، وإن لم يكن من أهله اجتنبك. وإياك أن تكلّم العامة في أصول الدين والكلام، فإنهم قوم يقلّدونك، فيشتغلون بذلك، ومن جاءك يستفتيك في المسائل، فلا تجب إلا عن سؤاله، ولا تضمّ إليه غيره، فإنه يتشوّش عليه جواب سواله، وإن بقيت عشر سنين بلا كسب ولا قوت فلا تعرض عن العلم، فإنك إذا أعرضت عنه كانت معيشتك ضنكا على ما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، وأقبل على متفقّهتك، كأنك اتخذت كلّ واحد منهم ابنا وولدا، لتزيدهم رغبة في العلم، ومن ناقشك من العامة والسوقة فلا تناقشه، فإنه

стр. 7885

يذهب ماء وجهك، ولا تحتشم أحدا عند ذكر الحق، وإن كان سلطانا، ولا ترض لنفسك من العبادات، إلا بأكثر مما يفعله غيرك، ويتعاطاها، فإن العامة إذا لم يروا منك الإقبال عليها بأكثر مما يفعلونها اعتقدوا فيك السوء، وقلة الرغبة فيها، واعتقدوا أن علمك لا ينفعك إلا ما نفعهم الجهل الذي هم فيه، وإذا دخلت بلدة فيها أهل العلم فلا تتخذها لنفسك، بل كن كواحد من أهلها، ليعلموا أنك لا تقصد جاههم، وإلا يخرجون عليك بأجمعهم، ويطعنون في مذهبك، والعامة يخرجون عليك، وينظرون إليك بأعينهم، فتصير مطعونا عندهم بلا فائدة، ولا تفت إن استفتوك في المسائل، ولا تناقشهم في المناظرات والمطارحات، ولا تذكر لهم شيئا إلا عن دليل واضح، ولا تطعن في أساتذتهم، فإنهم يطعنون فيك، وكن من الناس على حذر، وكن لله تعالى في سرّك، كما أنت له في علانيتك، ولا يصلح أمر العالم إلا بأن يجعل سرّه كعلانيته، وإذا ولاك السلطان عملا مما يصلح لك فلا تقبل ذلك منه، إلا بعد أن تعلم أنك لو لم تقبل قبله غيرك، ويتضرّر به الناس، وبعد أن تعلم أنه إنما يوليك ذلك لعلمك. وإياك أن تتكلّم في مجلس النظر على خوف أو وجل، فإن ذلك مما يورث الخلل في الألفاظ واللكن في اللسان. وإياك أن تكثر الضحك، فإنه يميت القلب، ولا تكثر محادثة النساء، ومجالستهم، فإنه يميت القلت أيضا، ولا تمش إلا على الطمأنينة والسكون، ولا تكن عجولا في الأمور، ومن دعاك من خلفك، فلا تجبه، فإن البهائم تنادي من خلف، وإذا تكلّمت فلا تكثر صياحك، ولا ترفع صوتك، واتخذ لنفسك السكون وقلة الحركة عادة، كي يتحقق عند الناس ثباتك، وأكثر ذكر الله تعالى فيما بين الناس، ليتعلّموا ذلك منك، واتخذ

стр. 7886

لنفسك وردا خلف الصلوات، تقرأ فيه القرآن، وتذكر الله تعالى، وتشكره على ما أودعك من الصبر، وما أولاك من النعم، واتخذ لنفسك أياما معدودة من كلّ شهر، تصوم فيها ليقتدي غيرك بك في ذلك، ولا ترض لنفسك من العبادات بما ترضى به العامة. وراقب نفسك، وحافظ على العلم، لتنتفع في دنياك وآخرتك بعلمك، ولا تشتر بنفسك، ولا تبع، بل اتخذ لك غلاما مصلحا يقوم بأشغالك، وتعتمد عليه في أمورك، ولا تطمئنّ إلى دنياك، وإلى ما أنت فيه، فإن الله تعالى سائلك عن جميع ذلك، ولا تشتر الغلمان المرد، ولا تظهر من نفسك التقرّب إلى السلطان إن قرّبوك، فإنهم يرفعون إليك الحوائج، فإن قمت بها أهانواك، وإن لم تقم بها عابوك، ولا تتبع الناس في خطاياهم، بل اتبعهم في صوابهم، وإذا عرفت إنسانا بالشرّ فلا تذكره به، بل اطلب له خيرا، فاذكره به، إلا في باب الدين، فإنك إن عرفت في دينه ذلك فاذكره للناس، كيلا يتبعوه، ويحذروه. قال ﵊: اذكروا الفاجر بما فيه، حتى يحذره الناس (١)، وإن كان ذا جاه ومنزلة الذي ترى منه الخلل في الدين، فاذكر ذلك، ولا تبال من جاهه، فإن الله تعالى معينك وناصرك وناصر الدين، فإذا فعلت ذلك مرة هابوك، ولم يتجاسر أحد على إظهار البدعة في الدين. وإذا رأيت من سلطانك ما لا يوافق العلم، فاذكر ذلك مع طاعتك إياه، فإن يده أقوى من يدك، تقول له: أنا مطيع لك في الذي أنت مسلط فيه عليَّ، غير أني أذكر من سيرتك ما لا يوافق العلم، فإذا فعلت ذلك مع

стр. 7887

السلطان مرة كفاك، لأنك إذا واظبت عليه ودمت، لعلهم يقمعونك، فيكون في ذلك قمع للدين، وافعل ذلك مرة أو مرتين، ليعرف منك الجدّ في الدين، والحرص في الأمر بالمعروف، فإذا فعل ذلك مرة أخرى فادخل عليه وحدك في داره، وانصح في الدين، وناظره إن كان مبتدعا، وإن كان سلطانا فاذكر له أن يحضرك من كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﵊، فإن قبل ذلك منك وإلا فاسأل الله تعالى أن يحفظك منه. واذكر الموت، واستغفر لأساتذتك، ومن أخذت عنهم العلم، وداوم على تلاوة القرآن، وأكثر من زيارة القبور والمشايخ والمواضع المباركة، واقبل من العامة ما يعرضون عليك من رؤياهم في النبي ﷺ ، وفي رؤيا الصالحين في المساجد والمنازل المباركة والمقابر، ولا تجالس أحدا من أهل الأهواء إلا على سبيل الدعوة إلى الدين والصراط المستقيم. ولا تكثر اللعن والشتم، وإذا أذّن المؤذن فتأهب لدخول المسجد، كيلا يتقدّم عليك العامة، ولا تتخذ دارك في جوار السلطان، وما رأيت على جارك فاستره عليه، فإنه أمانة عندك، ولا تظهر أسرار الناس، ومن استشارك في شيء فأشر عليه بما تعلم أنه يقربك إلى الله تعالى، وأقبل وصيتي هذه، فإنك تنتفع بها في أولاك وأخراك، إن شاء بالله تعالى. وإياك والبخل، فإنه يفتضح به المرء، ولا تك طمّاعا ولا كذّابا، ولا صاحب تخاليط، بل احفظ مروءتك في الأمور كلّها، والبس من الثياب البيض في الأحوال كلّها، وكن غني القلب مظهرا من نفسك قلة الحرص والرغبة في الدنيا، وأظهر من نفسك الغنى، ولا تظهر الفقر، وإن كنت فقيرا، وكن ذا همة، فإن من ضعفت همته ضعفت منزلته، إذا مشيت في الطريق فلا تلتفت يمينا وشمالا، بل دوام النظر إلى الأرض.

стр. 7888

وإذا دخلت الحمام، فلا تساوي الناس في أجرة الحمام والمجلس، بل أرجح على ما تعطي العامة لتظهر مروءتك بينهم، فيعظّمونك، ولا تسلم الأمتعة إلى الحائك وسائر الصنّاع، بل اتخذ لنفسك ثقة يفعل ذلك، ولا تماكس بالحبّات والدوانق، ولا تزن الدراهم، بل اعتمد على غيرك، وحقّر الدنيا المحقّرة عند أهل العلم، فإن ما عندك خير منها، وولّ أمورك غيرك ليمكنك الإقبال على العلم، فذلك أحفظ لجاهك. وإياك أن تكلّم المجانين، ومن لا يعرف المناظرة والحجّة من أهل العلم، والذين يطلبون الجاه، ويتسوقون بذكر المسائل فيها بين الناس، فإنهم يقصدون تخجيلك، ولا يبالون منك، وإن عرفوك على الحق، وإذا دخلت على قوم كبار فلا تترفّع عليهم ما لم يرفعوك، لئلا يلحق بك منهم أذية، وإذا كنت في قوم فلا تتقدّم عليهم في الصلاة ما لم يقدّموك على وجه التعظيم، ولا تدخل الحمّام إلا وقت الظهيرة، أو بالغدوات، ولا تخرج إلى النظّارات، ولا تحضر مظالم السلاطين، إلا إذا عرفت أنك إذا قلت شيئا ينزلون على قولك في الحق، فإنهم إن فعلوا ما لا يحلّ وأنت عندهم، ربما لا تملك منعهم، ويظنّ الناس أن ذلك حق لسكوتك فيما بينهم وقت الإقدام عليه. وإياك والغضب في مجلس العلم، ولا تقصَّ على العامة، فإن القاصَّ لا بدّ له أن يكذب، وإذا أردت اتخاذ مجلس العلم لأحد من أهل العلم، فإن كان مجلس فقه فاحضر بنفسك، واذكر فيه ما تعلمه، كيلا يغترّ الناس بحضورك، فيظنّون أنه على صفة من العلم، وليس هو على تلك الصفة، فإن كان يصلح للفتاوى فاذكر منه ذلك، وإلا فلا تقعد أنت ليدرس بين يديك، بل اترك عنده من أصحابك ليخبرك بكيفية كلامه وكمية علمه.

стр. 7889

ولا تحضر مجالس الذكر أو من يتخذ مجلس عظة بجاهك وتزكيتك له، بل وجّه أهل محلتك وعامتك الذين تعتمد عليهم مع واحد من أصحابك، وفوّض أمر الخطبة في المناكح إلى خطيب ناحيتك، وكذا صلاة الجنائز والعيدين، ولا تنسى من صالح دعائك، واقبل هذه الموعظة مني، وإنما أوصيك لمصلحتك ومصلحة المسلمين. وهذه من أبدع الوصايا وأجمع العظات، تعم شؤون الحياة كلّها، كما تشمل جميع ما به صلاح أمور الآخرة، وهي أحسن وصية جامعة من عالم لتلميذه، فلم أرض إخلاء الكتاب منها، اكتفاء بشهرتها بين أهل العلم. تعقب الشهاب المرجاني لكلام ابن الكمال في طبقات الفقهاء: سبق أن ذكرنا نصّ رسالة ابن الكمال الوزير في طبقات الفقهاء في هامش (٢٥ - ٢٧)، ووعدنا في صلب هذا الكتاب هناك نقل نصّ تعقّب المرجاني في آخر الكتاب لما في ذلك من الفوائد، فها أنا ذا أفي بوعدي، وأعرض ذلك تعقّبا لأنظار الباحثين، وأقول: قال الشهاب المرجاني في كتابه: اعلم أن المجتهد ضربان: أحدهما المجتهد المطلق، وهو صاحب الملكة الكاملة في الفقه والنياهة وقرط البصر، والتمكّن من الاستنباط المستقل به من أدلته، كأبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، ومالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وثانيهما: المجتهد في مذهب إمام، قالوا: هو الذي يتحقق لديه أصول إمامه وأدلّته، ويتخذ نصوصه أصولا، يستنبط منها الفروع، وينزل عليها الأحكام نحو ما يفعله بنصوص الشرع فيما لم يقدر على استنباطه من الأدلة، وهذه الطائفة وإن لم يبلغوا رتبة الاجتهاد المطلق،

стр. 7890

وتقاصروا في الفقه عن شأو أولئك لكنّهم ليسوا بمقلّدين، بل هم أصحاب النظر، والاستدلال والبصارة في الأصول والخبرة التامة بالفقة، ولهم محلّ رفيع في العلم وفقاهة النفس ونباهة الفكر، وقدرة وافية في الجرح والتعديل، والتمييز بين الصحيح والضعيف، وقدم عالية في الحفظ للمذهب والنضال عنه والذبّ وتلخيص المسألة وبسط الأدلة وتقرير الحجّة وتزييف الشبهة، وكانوا يفتون، ويخرجون، ثم من بعدهم طوائف متفاوت في العلم بين ثقة وضعيف في الرواية، وكامل وقاصر في الفقه والدراية، وقد جعل أحمد بن سليمان الرومي، المعروف بابن الكمال (١) أحد الفضلاء المشاهير في الدولة العثمانية فقهاء الأصحاب على سبع طبقات. الطبقة الأولي: المجتهدون في الشرع، كلأئمة الأربعة، ومن يحذو حذوهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة من غير تقليد لأحد، لا في الفروع ولا في الأصول. الثانية: المجتهدون في المذهب، كأصحاب أبي حنيفة الثلاثة، ومن سلك مسلكهم في استخراج الأحكام على القواعد، التي قرّرها شيخهم وأستاذهم، فهم وإن خالفوه في بعض الأحكام، لكنّهم يقلّدونه في قواعد الأصول، به يمتازون عن المخالفين له في الأصول والفروع. والثالثة: المجتهدون في المسائل، كالخصّاف، والطحاوي، والكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضيخان، وأمثالهم، الذين لا يقدرون على المخالفة، لا في الأصول ولا في الفروع، إنما يستنبطون الأحكام فيما لا نصّ فيها عن المجتهد في الشرع، على حسب أصول قرّرها ومقتضى قواعد بسطها.

стр. 7891

والرابعة: المقلّدون الذين لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم المآخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين، منقول عن أحد المجتهدين، وهم أصحاب التخريج، كالرازي وأضرابه. والخامسة: أصحاب الترجيح، كأبي الحسين القدروي، وصاحب "الهداية"، وشأنهم تفضيل بعض الراويات على بعض بقولهم: هذا أصحّ رواية، وهذا أوفق للقياس، وأرفق بالناس. والسادسة: المقلّدون القادرون على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر المذهب وظاهر الرواية، وغيرها، كصاحب "الكنز"، و"المختار"، و"الوقاية"، و"المجموع"، وغيرهم. والسابعة: المقلدون الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرّقون بين الغثّ والسمين، ولا يميّزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون، كحاطب ليل، فالويل لهم ولمن قلّدهم كلّ الويل. هذا ما ذكره، وقد أورده التميمي في "طبقاته" بحروفه، ثم قال: وهو تقسيم حسن جدا، وأقول: بل هو بعيد عن الصحة بمراحل، فضلا عن حسنه جدا، فإنه تحكّمات باردة، وخيالات فارغة، وكلمات، لا روح لها، وألفاظ غير محصلة المعنى، ولا سلف له في ذلك المدعى، ولا سبيل له في تلك الدعوى، وإن تابعه من جاء من عقبه من غير دليل يتمسّك به، وحجة تلجئه إليه، ومهما تسامحنا معهم في عدّ الفقهاء والمتفقّهة على هذه المراتب السبع، وهو غير مسلّم لهم، فلا يتخلّصون من فحض الغلط والوقوع في الخطأ المفرط في تعيين رجال الطبقات وترتيبهم على هذه الدرجات فليت شعري ما معنى قوله: إن أبا يوسف ومحمدا وزفر وإن خالفوا أبا حنيفة في الأحكام

стр. 7892

لكنّهم يقلّدونه في قواعد الأصول، ما الذي يريد من الأصول، فإن أراد منه الأحكام الإجمالية التي يبحث عنها في كتب أصول الفقه، فهي قواعد عقلية، وضوابط برهانية، يعرفها المرء من حيث إنه ذو عقل وصاحب فكر ونظر، سواء كان مجتهدا أو غير مجتهد، ولا تعلق لها بالاجتهاد قط، وشأن الأئمة الثلاثة أرفع وأجلّ من أن لا يعرفوها، كما هو اللازم من تقليد غيرهم فيها، فحاشاهم، ثم حاشاهم عن هذه النقيصة، وحالهم في الفقه إن لم يكن أرفع من مالك والشافعي وأمثالهما، فليسوا بدونهما، وقد اشتهر في أفواه الموافق والمخالف، وجرى مجرى الأمثال قولهم: أبو حنيفة أبو يوسف بمعنى أن البالغ إلى الدرجة القصوى في الفقاهة هو أبو يوسف، ليس إلا وقولهم: أبو يوسف أبو حنيفة بمعني أن أبا يوسف بلغ الدرجة القصوى من الفقاهة، ولم يقصر عنها، والقصر على كلا التقديرين إفرادي. وقال الخطيب البغدادي: قال طلحة بن محمد بن جعفر أبو يوسف مشهور الأمر، ظاهر الفضل، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدّمه أحد في زمانه، وكان على النهاية في العلم والحكم والرياسة والقدر، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل، ونشرها، وبثّ علم أبي حنيفة في أقطار الأرض، وقال محمد بن الحسن: مرض أبو يوسف، وخيف عليه، فعاده أبو حنيفة، فلمّا خرج من عنده، قال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من على الأرض، وكذلك محمد بن الحسن قد بالغ الشافعي في مدحه والثناء عليه، وقال الربيع بن سليمان: كتب إليه الشافعي، وقد طلب منه كتبا فأخّره، فكتب إليه: قل للذي لم تر عيـ … ن من رآه مثله

стр. 7893

حتى كأن من رآ … هـ قد رأى من قبله العلم ينهي أهله … أن يمنعوه أهله لعله يبذله … لأهله لعله فأنفذ إليه الكتب، وقال إبراهيم الحربي: قلت لأحمد بن حنبل: من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟ قال: من كتب محمد بن الحسن، وقال الحسن بن أبي مالك: لم يكن أبو يوسف يدقّقها التدقيق الشديد، قال عيسى بن أبان: هو أفقه من أبي يوسف. قد قال عبد الرحمن بن خلّدون المالكي في "مقدمته": إن الشافعي رحل إلى "العراق"، ولقي أصحاب الإمام أبي حنيفة، وأخذ عنهم، ومزج طريقة أهل "الحجاز" بطريقة أهل "العراق"، واختصّ بمذهب. وكذلك أحمد بن حنبل أخذ عن أصحاب أبي حنيفة مع وفور بضاعته في الحديث واختص بمذهب. اهـ. ألا ترى أنه لما ادعى بعض الشافعية ترجّح القول بمفهوم الصفة على القول بنفيه عنهم بكون الشافعي قائلا به مع سلامة طبعه واستقامة فهمه وغزارة علمه وصحة النقل عنه لكثرة أتباعه، ردّه ابن الهمام وآخرون، بأن هذه الكمالات كلّها متحقّقة في محمد بن الحسن مع تقدّم زمانه، وعلوّ شأنه، وهو قائل بنفيه (١). وأما زفر، فقد قال فيه أبو حنيفة: ﵀ هذا إمام من أئمة المسلمين، وإنه أقيس أصحابي، وقال المزني: هو أحدّهم قياسا، وكفى بذلك شهادة له، ولكلّ واحد منهم أصول مختصّة به، تفرّدوا بها عن أبي حنيفة، وخالفوه فيها، ومن ذلك أن الأصل في تخفيف النجاسة تعارض الأدلة عند

стр. 7894

أبي حنيفة ﵀، واختلاف الأئمة عندهما، بل قال الغزالي: إنهما خالفا أبا حنيفة في ثلثي مذهبه، ونقل النووي في كتابه "تهذيب الأسماء واللغات" عن أبي المعالي الجويني أن كلّ ما اختاره المزني أرى أنه تخريج ملتحق بالمذهب، فإنه لا يخالف أقوال الشافعي، لا كأبي يوسف ومحمد، فإنهما يخالفان أصول صاحبهما، وأحمد بن حنبل لم يذكره الإمام أبو جعفر الطبري في عداد الفقهاء، وقال: إنما هو من حفّاظ الحديث، وذلك مشهور. وقال ابن خلدون: وأما أحمد بن حنبل فمقلّده قليل بعد مذهبه عن الاجتهاد، وقال: إن الحنيفية أهل البحث والنظر، وأما المالكية فليسو بأهل نظر. انتهى. فكيف يكون هو من المجتهدين في الشرع، بدون أبي يوسف ومحمد وزفر، ﵏ ضراغم غابات الفقه، وليوث غياض النظر، غير أنهم لحسن تعظيمهم للأستاذ، وفرط إجلالهم لمحلّه ورعايتهم لحقه تشمّروا على تنويه شأنه، وتوغّلوا في انتصاره والاحتجاج لأقواله وروايتها للناس ونقلها لهم وردّهم إليها والإفتاء عند وقوع الحوادث بها، وتجرّدوا لتحقيق فروعها وأصولها، وتعيين أبوابها وفصولها، وتمهيد قواعد محكمة ومقاييس متقنة، يستفاد بها الأحكام، واستنباط قوانين صحيحة، وطرائق قويمة، يتعرّف بها المعاني في تضاعيف الكلام، وأرجو ذلك في تصحيح مذهبه وبيانه لمن يتمسّك به الاعتقاد من أنه أعلم وأروع وأحقّ للاقتداء به والأخذ بقوله وأوثق للمفتي وأرفق للمستفتي (١) على ما قال مسعر بن كدام: مَنْ جعل أبا حنيفة بينه وبين الله تعالى رجوت أن لا يخاف عليه، ولم يكن فرط على نفسه في الاحتياط. انتهى.

стр. 7895

مقامه في الفقه مقام لا يلحق، شهد له بذلك أهل جلدته وخصوصا مالك والشافعي، ومن ذلك الوجه امتازوا عن المخالفين، كالأئمة الثلاثة، والأوزاعي، وسفيان، وأمثالهم، لا لأنهم لم يبلغوا رتبة الاجتهاد المطلق في الشرع، ولو أنهم أولعوا بنشر آرائهم بين الخلق وبثّها في الناس والاحتجاج لها بالنصّ والقياس، لكان كلّ ذلك مذهبا منفردا عن مذهب الإمام أبي حنيفة، مخالفا له. هذا وإن أراد منه الأدلة الأربعة وأصول الشريعة من الكتاب والسنّة والإجماع والقياس في الأخذ عنها والاستنباط منها، فلا سبيل إلى ذلك، لأن أصول الشريعة مستند كلّ الأئمة وملجأهم في أخذ الأحكام، فلا يتصوّر مخالفة غيره له فيها. فإن قيل: لعل مراده أنهم يقلّدون أبا حنيفة في كون قول الصحابي والمراسيل حجّة دون الاستصحاب والمصالح المرسلة وأمثال ذلك. قلت: هذا ليس من التقليد في شيء، بل إنما وافق رأيهم في ذلك رأيه، وقامت الحجّة وعندهم، كما قامت عنده، ألا ترى أن مالكا لا يلزمه تقليد أبي حنيفة من قوله بحجّية المراسيل، ولا الشافعي من القول بنفي الحجّية عن المصالح المرسلة، ولا تقليد بعضهم لبعض من الاتفاق في كون الإجماع وخبر الواحد والقياس حجّة، فإنه إنما أنكر حجّية الإجماع بعض المبتدعة وحجّية القياس داود الظاهري وغيره من الشذوذ. وقد نقل عن أبي بكر القفّال وأبي علي بن خيران، والقاضي حسين من الشافعية أنهم قالوا: لسنا مقلّدين للشافعي، بل وافق رأينا رأيه، وهو الظاهر من حال الإمام أبي جعفر الطحاوي في أخذه بمذهب أبي حنيفة ﵀ واحتجاجه له، وانتصاره لأقواله على ما قال من أول "كتاب شرح الآثار": أذكر في كلّ كتاب ما فيه من الناسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء، واحتجاج

стр. 7896

بعضهم على بعض، وإقامة الحجّة لمن صحّ عندي قوله منهم، ريثما يصحّ فيه مثله من كتاب أو سنة أو إجماع أو تواتر من أقاويل الصحابة أو تابعيهم ﵃، ثم إن قوله في الخصّاف والطحاوي والكرخي: إنهم لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة، لا في الأصول ولا في الفروع ليس بشيء، فإن ما خالفوه فيه من المسائل لا يعدّ ولا يحصى، ولهم اختيارات في الأصول والفروع، وأقوال مستنبطة بالقياس والمسموع واحتجاجات بالمنقول والمعقول، على ما لا يخفى على من تتبَّع كتب الفقه والخلافيات والأصول، وقد انفرد الكرخي ﵀ عن أبي حنيفة ﵀ وغيره في أن العام بعد التخصيص لا يبقى حجَّة أصلا، وأن خبر الواحد الوارد في حادثة تعمّ بها البلوى ومتروك المحاجّة عند الحاجة ليس بحجّة قط. وانفرد أبو بكر الرازي ﵀ في أن العام المخصوص حقيقة إن كان الباقي جمعا، وإلا فمجاز، أفليس هذا من مسائل الأصول؟ ثم إنه عدّ أبا بكر الرازي الجصّاص من المقلّدين الذين لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، وهو ظلم عظيم في حقّه، وتنزيل له عن رفيع محلّه، وغضّ منه، وجهل بين بجلالة شأنه في العلم، وباعه الممتدّ في الفقه، وكعبه العالي في الأصول، ورسوخ قدمه، وشدّة وطأته، وقوة بطشه في معارك النظر والاستدلال، ومن تتبّع تصانيفه والأقوال المنقولة عنه علم أن الذين عدّهم من المجتهدين من شمس الأئمة ومن بعده كلّهم عيال لأبي بكر الرازي. ومصداق ذلك دلائله التي نصبها لاختياراته وبراهينه التي كشف فيها عن وجوه استدلالته، نشأ بـ "بغداد" التي هي دار الخلافة ومدار العلم والرشاد

стр. 7897

ومدينة السلام ومعقل الإسلام، ورحل في الأقطار، ودخل الأمصار، ولقي العلماء أولي الأيدي والأبصار، وأخذ الفقه والحديث عن المشايخ الكبار. وقال شمس الأئمة الحلواني فيه: هو رجل كبير معروف في العلم، وإنا نقلّده ونأخذ بقوله. اهـ. فكيف يصحّ تقليد المجتهد للمقلّد؟ وذكر في "الكشف الكبير" ما يدلّ على أنه أفقه من أبي منصور الماتريدي، وقال قاضيخان في التوكيل بالخصومة: يجوز للمرأة المخدّرة أن توكّل، وهي التي لم تخالط الرجال بكرا، كانت أو ثيبا، كذا ذكره أبو بكر الرازي، ﵀. وفي "الهداية": ولو كانت المرأة مخدّرة قال الرازي: يلزم التوكيل منها، ثم قال: وهذا شيء استحبّه المتأخّرون. قال ابن الهمام ﵀: هو الإمام الكبير أبو بكر الجصّاص أحمد بن علي الرازي ﵀ يعني أنه على ظاهر إطلاق الأصل وغيره عن أبي حنيفة ﵀ لا فرق بين البكر والثيب المخدّرة والمبرّزة، والفتوى على ما اختاروه من ذلك، وحينئذ فتخصيص الرازي، ثم تعميم المتأخّرين ليس إلا لفائدة أنه المبتدئ بتفريع ذلك، وتبعوه. انتهى كلامه. وقد أكثر شمس الأئمة السرخسي في كتبه النقل عن أبي بكر الرازي والاستشهاد به، والمتابعة لآرائه، ثم الحلوائي ومن ذكر بعده وعدّهم من المجتهدين في المسائل كلّهم تنتهي سلسلة علومهم إلى أبي بكر الرازي (١)، فقد

стр. 7898

تفقّه عليه أبو جعفر الأستروشني، وهو أستاذ القاضي أبي زيد الدبوسي، وأبو علي حسين بن خضر النسفي، وهو أستاذ شمس الأئمة الحلوائي، ومعلوم أن السرخسي من تلاميذه، وقاضيخان من أصحاب أصحابه، فلعله نظر إلى قولهم: إنه كذلك في تخريج الرازي، فظنّ أن وظيفته في الصناعة هي التخريج فحسب، وأن غاية شأوه هذا القدر. وقد خرّج أبو حنيفة وأصحابه قول ابن عبّاس ﵄ في تكبيرات العيدين أنها ثلاث عشرة تكبيرة، بحمل أنها على هذا العدد بإضافة التكبيرات الأصلية، والشافعي وأتباعه بحملها على الزوائد، وخرّج أبو يوسف قول الشعبي ﵀: إن للخنثى المشكل من الميراث نصف النصيبين، بأن ذلك ثلاثة من سبعة، ومحمد بأنه خمسة من اثني عشرة. خرّج أبو الحسن الكرخي قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله في تعديل الركوع والسجود، وجعله واجبا، وأبو عبد الله الجرجاني خرّجه، وحمله على السنة، ونظائر ذلك كثير، وقعت من كبار المجتهدين، فما ضرّهم ذلك في اجتهادهم، ولا نزلهم من شأنهم، فكيف ينزل أبا بكر الرازي إلى الرتبة النازلة عن منزلته.

стр. 7899

ثم إنه جعل القدوري وصاحب "الهداية" من أصحاب الترجيح، وقاضيخان من المجتهدين، مع تقدّم القدروي على شمس الأئمة زمانا، وكونه أعلى منه كعبا، وأطول باعا، فكيف لا من قاضيخان. وأما صاحب "الهداية" فهو المشار إليه في عصره، والمعقود عليه الخناصر في دهره، وفريد وقته، ونسيج وحده، وقد ذكر في "الجواهر" وغيره أنه أقرّ له أهل عصره بالفضل والتقدّم، كالإمام فخر الدين قاضيخان، والإمام زين الدين العتابي، وغيرهما، وقالوا: إنه فاق على أقرانه، حتى على شيوخه في الفقه، وأذعنوا له به، فكيف ينزل شأنه عن قاضيخان بمراتب؟ بل هو أحقّ منه بالاجتهاد، وأثبت في أسبابه، وألزم لأبوابه. هذا. ثم لم يحصل من بيانه فرق بين أهل الطبقة الخامسة والسادسة، وليت شعري بأيّ قياس قاسهم، ووجد هذا التفاوت بينهم، وهو قليل الممارسة في الباب، قليل المؤاسنة بمن ذكره في الكتاب، ولا يعرف كثرا منهم، وربما يجعل الواحد اثنين، ويعكس الأمر، ويقدّم على ما هو عليه، ويؤخّر، وينسب كثيرا من الكتب إلى غير أصحابها، فكيف يعرف طبقاتهم، ويميز في الفقه درجاتهم، والحال أن العلم بهذه الكلية كالمتعذّر بالنسبة إلى أجلّة الفقهاء وأئمة العلماء، فإنهم كالحلقة المفرغة، لا يدر أين طرفاها، على ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾. (الزخرف الآية ٤٨) يريد والله أعلم أن كلّ آية إذا جرّد النظر إليها قال الناظر: هي أكبر الآيات، وإلا فلا يتصوّر أن يكون كلّ آية أكبر من الأخرى من كلّ جهة للتناقض، ولكن لما كان الغالب على فقهاء "العراق" السذاجة في الألقاب وعدم التلوّن في العنوانات والجدّ في الجري على منهاج السلف في التجافي عن الألقاب الهائلة والأوصاف الحافلة، والتحاشي عن الترفّع وتنويه النفس

стр. 7900

وإعجاب الحال تديّنا وتصلّبا وتورّعا وتأدّبا، كما كان الغالب عليهم الخمول والاجتناب عن ولاية القضاء وتناول الأعمال السلطانية، لأن منازع الأتباع ما كانت مفارقة عنهم، ولا شعارهم متحوّلا إلى شعار غيرهم، فكانوا يذهبون مذهبهم في الاكتفاء بالتميّز عن غيرهم بأسماء ساذجة، يتبذّلها العامة، ويمتهنها السوقة، من الانتساب إلى الصناعة أو القبيلة أو القرية أو المحلّة أو نحو ذلك، كالخصّاف، والجصّاص، والقدوري، والثلجي، والطحاوي، والكرخي، والصيمري، فجاء المتأخّرون منهم على منهاجهم في الاكتفاء بها، وعدم الزيادة عليها في الحكاية عنهم. وأما الغالب على أهل "خراسان" ولا سيّما "ما وراء النهر" في القرون الوسطى والمتأخّرة فهو المغالاة في الترفّع على غيرهم، وإعجاب حالهم، والذهاب بأنفسهم عجبا وكبرياء، والتصنّع بالتواضع سمعة ورياء، يستصغرون الأحاديث عمن سواهم، ولا يستكرمون في معمورة الأرض مثوى غير مثواهم، قد تصوّر كلّ منهم في خلده أن الوجود كلّه يصغر بالإضافة إلى بلده، فلا جرم جرى عرق منهم في علمائهم، فلقّبوا بالألقاب النبيلة، ووسّموا بالأوصاف الجليلة، مثل شمس الأئمة، وفخر الإسلام، وصدر الشريعة، واستمرّت الحال في أخلافهم على ذلك المنوال من الإتراف والغلوّ في تنويه أسلافهم والغضّ من غيرهم، فإذا ذكروا واحدا من أنفسهم بالغوا في وصفه، وقالوا: الشيخ الإمام الأجلّ الزاهد الفقيه، ونحو ذلك، وإذا نقلوا كلاما عن غيرهم، فلا يزيدون على مثل قولهم: قال الكرخي والجصّاص، وربما يقتدي بهم من عداهم ممن يتلقّى منهم الكلام. فيظنّ الجاهل بأحوال الرجال ومراتبهم في الكمال وطبقات العلماء ودرجات الفقهاء ظنّ السوء، فيأخذ بالاستدلال بنباهة الأوصاف على نباهة

стр. 7901

الموصوف، فيحمله ذلك على الإنكار لمن عداهم، واستخفاف رجال الله سواهم، وقد كان ابن الكمال على ولاية عمل الإفتاء من جهة الدولة، فأحوجه ذلكَ إلى مراجعة كتب الفتاوى والإكثار من مطالعة ما فيها في تحصيل أربه والتخلّص عن كربه، ووقع في نظره فيما سار به أهل "ما وراء النهر" من رفع أنفسهم، والوضع من غيرهم، فنزع إليهم، وصار ذلك طبيعة له، وسببا لاندفاعه إلى هذه التحكّمات الباردة والتعسّفات الشاردة، فكان ما فعله حدا لمن بعده من المقلّدة، فلا يجاوزون ما ذكره، ولا يتعدّون طوره في تنزيل العالي عن درجته، ورفع غيره فوق رتبته، فلو نقل إليهم شيء عن كبار العلماء ربما يقولون: إنه ليس من المجتهدين، لأنه ليس بمذكور في طبقاتهم. وغير مستور عن أهل الشأن أن ما أورده الرجل منهم في كتابه كنغبة من دماء وتربة في يهماء. عن عائشة ﵂، قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم. صحّحه الحاكم وغيره، وكلّهم أئمة الدين ودعاة الحق في الأرض، ولكن الله فضّل بعضهم على بعض، وهذه فوائد، وفصول وقواعد وأصول لأرباب البصيرة والتحصيل، والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبي، ونعم الوكيل (١).

стр. 7902

وهنا انتهى ببعض تصرّف ما وعدت بنقله من "ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق" للمحقّق الشهاب المرجاني، والكتاب مطبوع في "قزان" (البلغار القديم شمالي وولجا) سنة ١٢٨٧ هـ، لكن مطبوعات تلك الجهات أعزّ من كثير من المخطوطات، والعشور عليها غير ميسور منذ أمد بعيد، فرأيت عرض هذا البحث الممتع لأنظار الباحثين على طوله، لما فيه من الفوائد الجمّة والتحقيقات المهمّة، مع ازدياد أهمية هذا الموضوع، موضوع طبقات الفقهاء على مضي الزمن لكثرة الطامحين غير الواقفين عند حدودهم الجامحين المحوجين إلى كبح جماحهم بلجام من حجج توقفهم عند طورهم، حتى أصبح التفرّغ لتمحيص هذا البحث المتشعّب ضروريا للم شتاته وتنسيق متفرّقاته، وذلك مرهون بتوفيق الله ، وهو الموفّق لإخراج كلّ أمل إلى ساحة الفعل والعمل. ومؤلّف الكتاب هو العلامة النظّار الجوّالة في فيافي الحديث والأنظار العالم البحَّاثة المغوار الفقيه الأصولي المتكلّم المؤرّخ الشيخ شهاب الدين بن بهاء الدين المرجاني، ولد في قرية "مرجان" في "قزان" سنة ١٢٣٣ هـ، وتلقّى العلم من والده، ثم رحل إلى "سمرقند" و"بخارى" سنة ١٢٥٣ هـ، وتخرّج في العلوم على شيوخ تلك البلاد، ففاز بنيل المراد، واستفاد من خزاناتها العامرة أيام ازدهارها بالكتب النادرة، حتى تمكّن من تأليف كثير من الكتب النافعة في الفقه والأصول والتوحيد والتاريخ، طبع كثير منها في "قزان" و"إسطنبول" و"القاهرة"، وتوفي في بلده ٢٧ شعبان سنة ١٣٠٦ هـ، تغمّده الله برضوانه، وأسكنه فسيح جنانه، وكان له صولات وجولات في العلم، وبعض شذوذ في الفهم، مغمور في بحر إجادته لكثير من البحوث المهمّة، مما بهم علماء هذه

стр. 7903

الأمة، وكان لا يتقيّد في اللغة بالمسموع، بل كان يطلق عنان قلمه كما يشاء في كلّ موضوع، سامحه الله وإيانا بمنه وكرمه. * * * ٥٩٠٤ - الشيخ الفاضل يعقوب بن إدريس بن عبد الله الرومي الحنفي، النكدي، الشهير بقرا يعقوب * فقيه، أصولي، نحوي، بياني، مفسر. ولد بـ "نكدة" من بلاد "القرامان" ٧٨٩ هـ، ودخل البلاد الشامية، وحج، ثم رجع، وأقام بـ "لارندة"، يدرس، ويفتي، ثم قدم "القاهرة"، فاجتمع بمدير المملكة ططر، فأكرمه، ووصله بمال جزيل، فاقتنى كتبا، ورجع إلى بلاده، فأقام بـ "لارندة"، وتوفي بها في ربيع الأول سنة ٨٣٣ هـ. من آثاره: "شرح مشكاة المصابيح" للبغوي، و"حواش على الهداية" في فروع الفقه الحنفي، و"حواش على تفسير البيضاوي". * * *

стр. 7904

٥٩٠٥ - الشيخ الفاضل الْمولى يَعْقُوب بن إدريس ابْن عبد الله النكيدي، الْحَنَفِيّ، الشهير بقرًا يَعْقُوب، نِسْبَة الى "نكيدة" من بِلَاد "قرامان " * ذكره صاحب "الشقائق" في كتابه، وقال: ولد ﵀ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة، واشتغل فِي بِلَاده، وَمهر فِي الأصول والعربية والمعاني. وَكتب على "المصابيح" شرحا، وعَلى "الْهِدَايَة" حَوَاشِي. وَدخل إلى البلاد الشامية و"القاهرة". ثمَّ رَجَعَ إلى بِلَاده، فأقام بلارنده إلى أن مَاتَ فِي شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائة، رَحمَه الله تَعَالَى. * * * ٥٩٠٦ - الشيخ الفاضل يعقوب بن إسحاق بن البهلول ابن حسّان بن سنان أبو يوسف، التنوخي، الأنباري * *

стр. 7905

ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: قال الخطيب: حدّثني علي بن المحسّن القاضي، عن أبي الحسن أحمد ابن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البهلول، عن أبيه، قال: يعقوب ابن إسحاق بن البهلول التنوخي يكنى أبا يوسف. وكان من حفّاظ القرآن [العالمين بقراءته] (١)، وكان حجّاجا، متنسّكا. وحدّث حديثا كثيرا عن جماعة من مشايخ أبيه إسحاق وغيرهم، ولم يُنْشَر (٢) حديثه. وولد بـ "الأنبار" في سنة سبع وثمانين ومائة. ومات بـ "بغداد" لتسع (٣) ليال بقين من شهر (٤) رمضان، سنة إحدى وخمسين ومائتين. ومات فى حياة أبيه، فوجد عليه وجدا شديدا، وخلَّف ابنه يوسف الأزرق، وابنه إبراهيم يتيمين، وبنات، وزوجة حاملا، وولدت (٥) بعد موته ابنا، سمي إسماعيل، فرباهم جدّهم إسحاق بن البهلول، وكان يؤثرهم جدّا. قال أبو الحسن: حدّثني عمّي إسماعيل بن يعقوب، قال: أخبرت عن جدّى إسحاق بن البهلول أنه كان يقول: ودّي (٦) أن لي ابنا آخر مثل يعقوب في مذهبه، وأني لم أرزق سواه.

стр. 7906

ولما توفي يعقوب أغمي على أبيه، وفاتته صلوات، فأعادها بعد ذلك، وكان يقول: أن ابنى يعقوب أكمل مني (١). قال الخطيب: وقد روى إسحاق بن البهلول عن ابنه يعقوب عن محمد ابن بكّار بن الريّان حديثين، ذكرتهما في كتاب "رواية الآباء عن الأبناء". * * * ٥٩٠٧ - الشيخ الفاضل مولانا يعقوب بن المولوي جان محمد السلهتي * ولد ١٣٠٣ هـ في قرية "سترو بور" من مضافات "كَنَايْغَات" من أعمال "سِلْهِت". قرأ مبادئ العلم في قريته، ثم ارتحل إلى "الهند" سنة ١٣٢٣ هـ، والتحق بالمدرسة العالية رامبُور، ثم التحق بدار العلوم ديوبند. ثم ارتحل إلى "دهلي" سنة ١٣٢٥ هـ، والتحق بمدرسة عبد الرب، وقرأ فيها كتب الصحاح الستة، وغيرها، من الكتب الحديثية. وبعد إتمام الدراسة رجع إلى وطنه المألوف سنة ١٣٢٧ هـ، وعين رئيسا للمدرسة الواقعة في غاسْبَاري من "سِلْهِت". * * *

стр. 7907

٥٩٠٨ - الشيخ الفاضل يعقوب بن حسن العاصمي، الكشميري الحنفي * مفسر، محدث، أخباري، مشارك في بعض العلوم. من آثاره: "تفسير القرآن"، و"حاشية على التوضيح والتلويح"، و"سلك الأخبار"، و"شرح الجامع الصحيح"، و"الأذكار". ولد ٩٠٨ هـ، توفي سنة ١٠٠٣ هـ. * * * ٥٩٠٩ - الشيخ الفاضل يعقوب بن خضر بن جلال الدين الحنفي * * فقيه، أصولي. عين مدرسا بسلطانية "بروسة"، وولي القضاء بـ "بروسة"، وتوفي وهو قاض بها سنة ٨٩١ هـ.

стр. 7908

من آثاره: "حواش على شرح الوقايه" لصدر الشريعة في فرع الفقه الحنفي، و"حاشية على منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل". * * * ٥٩١٠ - الشيخ الفاضل خواجه يعقوب بن صادق الحنفي، النقشبندي، الدهلوي * ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد الأفاضل المشهورين بـ "دهلي". له مصنّفات، منها: كتابه في أخبار المشايخ الذين أدركهم، ذكره السنبهلي في "الأسرارية". * * * ٥٩١١ - الشيخ الفاضل يعقوب بن أبي نصر عابد الكُشَاني * * ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو والد إبراهيم، تقدّم (١). روى عنه ابنه إبراهيم. * * *

стр. 7909

٥٩١٢ - الشيخ الفاضل المولى يَعْقُوب بن سَيِّدي عَليّ * ذكره صاحب "الشقائق" في كتابه، وقال: قرأ على عُلَمَاء عصره، ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة حَمْزَة بك بِمَدِينَة "بروسه". ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة ابْن الْملك بِولَايَة "آيدين"، ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة السُّلْطَان بايزيد خان بِمَدِينَة "بروسه"، ثمَّ صَار مدرسا بسلطانية "بروسه"، ثمَّ بمدرسة السُّلْطَان مرادخان بِالْمَدِينَةِ المزبورة، ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة السُّلْطَان بايزيد خان بـ "أدرنه". ثمَّ صَار قَاضِيا بهَا، ثمَّ أعيد إلى الْمدرسَة الْمَذْكُورَة، ثمَّ صَار مدرسا بإحدى الْمدَارِس الثمان، وَعين لَهُ كل يَوْم ثَمَانُون درهما، ثمَّ عزل، وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم بطرِيق التقاعد. وَمَات فِي سنة ثَلَاثِينَ أوْ إحدى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة، رَاجعا من سفر الْحَج، وصنّف شرحا لطيفا جَامعا للفوائد الشَّرِيفَة لكتاب "شرعة الإسلام"، وَكَانَ السُّلْطَان بايزيد خان لقبه بشارح "الشرعة" لميله إلى الشَّرْح الْمَذْكُور. وَله حواش على "شرح ديباجة الْمِصْبَاح" فِي النَّحْو، وَهِي متداولة بَين الطّلبَة، وَله أيضا شرح لكتاب "كلستان" للشَّيْخ سعدي الشِّيرَازِيّ، وَالْكتاب الْمَذْكُور بِالْفَارِسِيَّةِ، وَقد كتب الشَّرْح الْمَذْكُور بِالْعَرَبِيَّةِ، ليسهل معرفَة اللِّسَان الْفَارِسِي على الطّلبَة، روّح الله روحه، وَنوَّر ضريحه. * * *

стр. 7910

٥٩١٣ - الشيخ العالم الصالح يعقوب بن كريم الله الحنفي الدهلوي * ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد العلماء المبرزين في الفقه والأصول والعربية. ولد، ونشأ بـ "دهلي". وقرأ العلم على والده، وصحبه مدَّة من الزمان، ولما مات والده قام مقامه في التدريس والتذكير، فحصل له القبول العظيم من أهل البلدة. وانتهت إليه الفتيا والتدريس ببلدة "دهلي". مات بها يوم الخميس لتسع خلون من ربيع الأول سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وألف. فدفن عند والده بمقبرة الشيخ الأجل خواجه عبد الباقي بن عبد السلام النقشبندي الدهلوي. * * * ٥٩١٤ - الشيخ الفاضل يعقوب بن محمد بن إسحاق بن يزيد أبو يوسف المذكِّر النيسابوري * *

стр. 7911

ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو والد أبي عبد الرحمن الصيدلاني. سمع منه الحاكم، وقال: كان من مشايخ أصحاب أبي حنيفة، وكان من الصالحين. * * * ٥٩١٥ - الشيخ الفاضل يعقوب بن محمد بن علي، أبو يوسف، الخوارزمي * ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: روى عن أحمد بن محمد بن سلَّام. روى عنه (١) هبة الله بن موسى السَّقطي (٢) فى "معجمه" حديثا، أقام بـ "بغداد" زمنا، وقرأ العلم، وكان شَهْما. * * * ٥٩١٦ - الشيخ الفقيه القاضي يعقوب بن أبي يعقوب الحنفي

стр. 7912

القاضي كمال الدين المانكبوري * ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: كان من العلماء المبرزين في الفقه والأصول. ولي القضاء بعد ما توفي صهره القاضي فضيلة، وتقرّب إلى أكبر شاه التيموري، فولّاه قضاء العسكر، فصار قاضي قضاة "الهند"، واستقلّ به زمانا، ثم عزل، وولي القضاء الأكبر بأرض "بنكاله". وكان فيه دعابة، وخفة روح، بشوشا، لطيف الطبع، ينشئ الأشعار العربية في البحور الهندية، ويأكل المعاجين المقوية المبهية، ويكثر منها، ذكره البدايوني. وقال لما خرج محمد معصوم الكابلي في "بنكاله" على أكبر شاه المذكور وافقه في البغي والخروج، فعزله عن القضاء الأكبر، وأمر بحبسه في قلعة "كواليار"، فمات قبل أن يصل إلى القلعة. انتهى. وقال بعض أهل الأخبار: إن أكبر شاه المذكور أمر بإتلافه، فقتلوه، وكان ذلك نحو سنة ثمان وتسعين وتسعمائة. ومن آثاره الباقية أبنية رفيعة، وأنهار حياض، وبساتين، منها حوض كبير، في "هنسوه"، وهي قرية جامعة من أعمال "فتحبور" (١). * * *

стр. 7913

٥٩١٧ - الشيخ العالم المحدث أبو يوسف يعقوب البناني، اللاهوري * ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد الرجال المشهورين في الفقه، والحديث، والفنون الحكمية. ولد، ونشأ بـ "لاهور". وقرأ العلم على أساتذة عصره، وبرع في كثير من العلوم والفنون، جعله شاهجهان مير عدلا في معسكره، كما في "مرآة آفتاب نما". وقال رزق الله في الطبقة التاسعة من كتابه "الأفق المبين" في أخبار المقربين: إنه كان عالما عارفا، جمع بين المعقول والمنقول بن الفروع والأصول، ولي التدريس في المدرسة الشاهجهانية، فانتفع به كثير من الناس. وكان له باع طويل في الحديث، وإني رأيت في أثناء دروسه يتعقّب على الفاضل السيالكوتي بتعريضات. ومن مصنفاته: كتابه "الخير الجاري في شرح صحيح البخاري"، وكتابه "المعلم في شرح صحيح الإمام مسلم"، وكتابه "المصفّى في شرح الموطّأ"، وله شرح على "تهذيب الكلام"، و"شرح على الحسامي"، و"شرح على شرعة الإسلام"، وكتابه "أساس العلوم" في التصريف، وله "حاشية على الرضي"، و"حاشية على العضدي"، و"حاشية على البيضاوي".

стр. 7914

وكانت وفاته ببلدة "دهلي"، دفن بها في داره، وقبره مشهور. انتهى. وقال بختاور خان في "مرآة العالم": إن عالمكير بن شاهجهان جعله ناظر المحاكم العدلية في معسكره، وكان مع ذلك يدرّس، ويفيد. له "حاشية على البيضاوي"، وتعليقات كثيرة على الكتب الدراسية، انتهى. مات سنة ثمان وتسعين وألف، صرّح به المفتي ولي الله الفرخ آبادي في بعض التعاليق. * * * ٥٩١٨ - الشيخ الفاضل المحدث الكبير يعقوب الجاتجامي * ولد سنة ١٣١٥ هـ في قرية "جيري" من مضافات "فتيه" من أعمال "جاتجام". قرأ مبادئ العلم في قريته، ثم التحق بالجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، وقرأ فيها كتب الدرجة الابتدائية والمتوسطة، ثم ارتحل إلى دار العلوم ديوبند، والتحق بها، وقرأ كتب الفنون العالية، والصحاح الستة، وغيرها من الكتب الحديثية فيها. من شيوخه: العلامة أنور شاه الكشميري، وغيره، من أفاحل العلماء، وأماثل النبلاء.

стр. 7915

ثم رجع إلى وطنه المألوف، واشتغل بالتدريس والتعليم، والتحق بالجامعة العربية جِيْري، ثم بعد مدّة التحق بدار العلوم معين الإسلام هاتهزاري، بعد مدة فاز على منصب صدر المدرسين فيها، درس مدة مديدة "صحيح الإمام البخاري"، وبعد رجوع العلامة إبراهيم البلياوي إلى دار العلوم ديوبند أقيم على منصبه. وكان ذكيا فطنا، محدّثا جليلا، أديبا لبيبا، ودرّس فيها كتب الحديث، والتفسير، والكلام، وغيرها من الفنون. سجن ظلما مرة، وأقام في السجن ستة أشهر، فحفظ القرآن الكريم في هذه المدة اليسيرة. توفي سنة ١٣٧٧ هـ، ودفن بعد أن صلي جنازته في مقبرة بجوار الجامعة العربية جيري. * * * ٥٩١٩ - الشيخ الفاضل المولى يَعْقُوب الحْميدِي، المشتهر باجه خليفه * ذكره صاحب "الشقائق" في كتابه، وقال: قَرَأَ على علماء عصره، ثمَّ وصل إلى خدمَة الْمولى الْفَاضِل عَلَاء الدّين عَليّ الفناري. ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة آق شهر، ثمَّ صَار مدرّسا بـ "قونيه" بمدرسة نعلنجي، ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة أغراس، ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة بسلطانية "مغنيسا"، وَهُوَ أول مدرس بهَا.
следующие страницы →