← Тараджим

Тараджим · id 819

البدور المضية في تراجم الحنفية

محمد حفظ الرحمن الكملائي

Полный текст (8 975 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.

стр. 7946

مؤرخ. ولد بـ "القاهرة" في شوال سنة ٨١٣ هـ، وكان أبوه من مماليك الظاهر برقوق ومن أمراء جيشه، ونشأ يوسف في حجر قاضي القضاة ناصر الدين بن العديم، وقاضي القضاة جلال الدين البلقيني. وأخذ عن التقي الشمني، والشهاب بن عربشاه، وأبي السعادات بن ظهيرة، وحضر على ابن حجر العسقلاني، وانتفع يه، ولازم مؤرخي عصره مثل العيني والمقريزي. وتوفي بـ "القاهرة" في ٥ ذي الحجة سنة ٨٧٤ هـ. من تصانيفه: "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، و"مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة"، و"حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور"، و"المنهل الصافي"، و"المستوفى بعد الوافي" في تراجم الأعيان، و"حلية الصفات في الأسماء والصناعات". * * *

стр. 7947

٥٩٤٢ - الشيخ الفاضل يوسف بن جبريل بن جميل بن محبوب أبو الحجّاج، ويلقّب بالبرهان القيسي اللَّوَاتي * ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: سمع بإفادة والده من السِّلَفي بـ "الإسكندرية". روى عنه الحافظان الزكي والرشيد، سأله الزكي الحافظ عن مولده، فذكر ما يدلّ على أنه فى صفر سنة سبع وخمسين وخمسمائة. وتوفي (١) آخر شعبان، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بقرية من قرى ظاهر "القاهرة". وقال الحافظ رشيد الدين فى ترجمة يوسف هذا: من أولاد المحدّثين، سمّعه (٢) أبوه من جماعة من الشيوخ، وكان أبوه مفيد الأصحاب في وقته، سمعنا بقراءته على فاطمة بنت سعد الخير، وأبي عبد الله بن ([حمد الأرتاحي]) (٣)، وغيرهما.

стр. 7948

وسمع يوسف معنا على فاطمة بنت سعد الخير، و ([تقدّم أبوه جبريل]) (١). * * * ٥٩٤٣ - الشيخ السيد الشريف العلامة يوسف بن الجمال الحسيني المتاني * ذكره العلامة عبد الحي الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد كبار الفقهاء الحنفية. قدم "الهند" أحد أسلافه من مشهد، وسكن بـ "الملتان"، وهو ولد، ونشأ بها. وقرأ العلم على مولانا جلال الدين الرومي، صاحب الشيخ قطب الدين الرازي، شارح "الشمسية"، ودخل دار الملك "دهلي"، فولاه السلطان فيروز شاه التدريس بالمدرسة الفيروزية، التي أسّسها على الحوض الخاص. وله مصنّفات، منها: "اليوسفي"، وهو شرح بسيط على "لب الألباب في علم الإعراب" للبيضاوي، ومنها: "توجيه الكلام"، هو شرح "منار الأصول" للنسفي. وكانت وفاته في سنة تسعين وسبعمائة، كما في "أخبار الأخيار". * * *

стр. 7949

٥٩٤٤ - الشيخ الفاضل يوسف بن جنيد التوقاني، الشهير بأخي جلبي * أخذ العلم أولا عن السيد أحمد القريمي، تلميذ حافظ الدين محمد البزازي، ثم على صلاح الدين معلم السلطان بايزيد، ثم على مولى خسرو محمد بن فراموز. وصار بعده مدرسا بالمدرسة القلندرية بـ "قسطنطينية"، ومات وهو مدرس بإحدى المدارس الثمان، وكان مشتغلا بالعلم، ومطالعة الكتب الفقهية. صنّف "حواشي شرح الوقاية"، و"رسالة"، جمع فيها المسائل المتعلقة بألفاظ الكفر، سماها "هدية المهتدين". قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد": قد طالعت حواشيه، وهي المتدوالة المسماة بـ "ذخيرة العقبى"، المشتهرة في ديارنا بـ "حاشية جلبي"، أولها: الحمد لله الذي شرح صدر الشريعة الغراء. إلخ. وذكر فيها اسم السلطان بايزيد خان بن محمد خان، وذكر في آخرها أن ابتداء تأليفها تقريبا كان سنة إحدى وتسعين وثمانمائة، ختامه في ثامن ذي الحجة سنة إحدى وتسعمائة، وقد زلّ قدم كثير ممن عاصرنا ومن سبقنا، فظنوا أن "ذخيرة العقبي" هذه لحسن جلبي، صاحب "حواشى التلويح"، وغيره، هو ظن نشأ من قصر النظر، فإن حسن جلبي صاحب "حواشي التلويح"، و"المطول"، و"شرح المواقف"، و"تفسير البيضاوي"، وغيرها هو حسن جلبي ابن محمد شاه بن صاحب "فصول البدائع" محمد بن حمزة الفناري، وصاحب "ذخيرة العقبي"

стр. 7950

أخي جلبي يوسف، وكلاهما تلميذان لمولانا خسرو، كما أفصح عنه صاحب "الكشف"، حيث قال عند ذكر حواشي "شرح الوقاية"، أجمعها حاشية يوسف بن جنيد المعروف باخي جلبي، سماها بـ "ذخيرة العقبي"، بدأ فيها سنة ٨٩١ هـ، وأتمها بعد عشر سنين. انتهى. وقال أيضا: ومن الحواشي على صدر الشريعة حاشية يوسف بن جنيد التوقاني، الشهير بأخي جلبي، المتوفى سنة خمس وتسعمائة، هي حاشية مقبولة متداولة. انتهى. ومن الحجة القاطعة على ما ذكرنا أن ختام "ذخيرة العقبي" كان سنة ٩٠١ هـ على ما نقلناه من نسخة صحيحة منه محشاة بمنهياته، ووفاة حسن جلبي كان قبل اختتام تسعمائة، كما مر في ترجمته، فأني تصح نسبته إليه؟ وأيضا قال صاحب "ذخيرة العقبي" في ديباجته بعد ما وصف "شرح الوقاية": وقد تصدّى بعض علماء الزمان نحو حل معضلاته، وصرفوا عنان العناية، تلقّاه كشف مشكلاته، ومع ذلك لا يفي زمان وسعهم لإتمامه، ولا يساعدهم المزاج والامتزاج لاختتامه. إلخ. وكتب على قوله بعض علماء الزمان منهية بهذه العبارة، أعني شيخنا مولانا خسرو ومولانا حسن جلبي الفناري، ومولانا عرب، تغمّدهم الله بغفرانه، انتهت. وهذا نصّ في أنه غير حسن جلبي. * * *

стр. 7951

باب من اسمه يوسف بن حسام، حسن، حسين ٥٩٤٥ - الشيخ الفاضل يوسف بن حسام الدين بن إلياس الأماسي، الرومي، الحنفي، الشهير بسنان المحشي، وبالمولى سنان، سنان الدين * مفسر، فقيه، من القضاة. ولد بقصبة "صونا"، ورحل في طلب العلم. وأخذ عن محيى الدين الفنارى وعلاء الدين الجمالي وغيرهما، ودرس في المدارس، وصار مفتشا بـ "بغداد"، ثم عزل، وولي قضاء "دمشق"، فقضاء "أدرنة"، فقضاء "القسطنطينية"، فقضاء الجند في ولاية "الأناضول"، ثم عزل، وتوفي بـ "القسطنطينية" في صفر سنة ٩٨٦ هـ، وقد أناف على التسعين. من تصانيفه: "حاشية على تفسير البيضاوي"، و"شرح كتاب الكراهية وكتاب الوصايا" من الهداية. * * *

стр. 7952

٥٩٤٦ - الشيخ الفاضل يوسف بن الحسن بن عبدالله بن المرْزُبان السِّيرافي، النحوي، اللغوي، أبو محمد * ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو الإمام ابن الإمام، تقدّم والده (١). قال القِفْطي: كان امرأ ديّنا، صإلحا، ورعا، نفيسا. وله تقدّم فى علم اللغة والعربية، وبضاعته قوية فى (٢) العلوم الباقية، تصدّر في مجلس أبيه بعد موته وخلفه على ما كان فيه، وكان يفيد الطلبة في حياته، وكمَّلَ بعض تصانيف أبيه في النحو، من ذلك "كتاب الإقناع". مات قبل إتمامه، فكمَّله يوسف هذا. قال القفطي: إذا نظر المنصف لم ير بين اللفظين والقصدين (٣) كثير تفاوت.

стр. 7953

ومن تصانيف يوسف: "شرح أبيات سيبويه"، و"شرح أبيات إصلاح المنطق"، ولم يعمَّر بعد أبيه، ومات سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. * * * ٥٩٤٧ - الشيخ الفاضل يوسف بن حسن الحسيني، الشيرازي الرومي، الحنفي، المعروف بقاضي "بغداد"، قوام الدين * فقيه، أصولي، متكلم، فاضل، مشارك في بعض العلوم. سكن "بغداد"، وولي قضاءها مدة، ورحل إلى "أردبيل"، ثم ارتحل إلى "ماردين"، وسكن بها مدة، ثم رحل إلى بلاد الروم، فعين مدرسا في "بروسة" إلى أن توفي سنة ٩٢٢ هـ. من آثاره: "شرح نهج البلاغة"، و"كفاية الراوي والسامع"، و"حاشية في مبحث الأغلاط الحسية من كتاب المواقف" للإيجي في علم الكلام، و"رسالة في قوله يا أرض ابلعى ماءك"، و"حاشية التلويح" للتفتازاتي في الأصول. * * *

стр. 7954

٥٩٤٨ - الشيخ الفاضل يوسف بن حسين الكرماستى، الحنفي * ففيه، أصولي، متكلم، بياني، من القضاة. تولى التدريس، ثم القضاء في "بروسة"، فـ "القسطنطينية"، وتوفي في هذه سنة ٩٠٦ هـ. من آثاره: "شرح في فرع الفقه الحنفي"، و"وقاية الرواية في مسائل الهداية"، و"زبدة الوصول إلى علم الأصول"، و"المدارك الأصلية بالمقاصد الفرعية"، و"المختار في المعاني والبيان"، و"الوجيز" في أصول الفقه. * * * ٥٩٤٩ - الشيخ الفاضل الْمولى يُوسُف بن حُسَيْن الكرماسني * *

стр. 7955

ذكره صاحب "الشقائق" في كتابه، وقال: قَرَأَ رَحمَه الله تَعَالَى على عُلَمَاء عصره. مِنْهُم: الْمولى الْفَاضِل خوجه زَاده، وبرع فِي الْعُلُوم الْعَرَبيَّة والشرعية، وَصَارَ مدرسا بِبَعْض الْمدَارِس، ثمَّ انْتقل إلى إحدى الْمدَارِس الثمان، ثمَّ صَار قَاضِيا بِمَدِينَة "بروسه"، ثمَّ صَار قَاضِيا بِمَدِينَة "قسطنطينية"، وَكَانَ فِي قَضَائِهِ مرضِي السِّيرَة، ومحمود الطَّرِيقَة. وَكَانَ سَيْفا من سيوف الْحق، وَلَا يخَاف فِي الله تَعَالَى لومة لائم. رُوِيَ أنه ذهب يَوْمًا إلى الْمَسْجِد بعمامة صَغِيرَة، وَلما خرج من الْمَسْجد طلبه الْوَزير إِبْرَاهِيم باشا لمصْلحَة اقْتَضَت حُضُوره، فَلم يُبدل عمَامَته، خوفًا من تَرْجِيح جَانب الْوَزير على الْمَسْجِد، فَلَمَّا رَآهُ الْوَزير عَليّ تِلْكَ الْهَيْئَة سَأَلهُ عَنْهَا، قَالَ فِي جَوَابه: حضرت خدمَة الْخَالِق بِهَذِهِ الْهَيْئَة، وَلم أجد فِي نَفسِي رخصَة فِي تَغْيِير الْهَيْئَة لاجل الْوَزير، فَوَقع هَذَا الْكَلَام عِنْد الْوَزير موقع الْقبُول وَالرِّضَا. وَحَكَاهُ إلى السُّلْطَان بايزيد خان، فأرسل السُّلْطَان بايزيد خان إلى الْمولى الْمَذْكُور جوائز سنية لأجل فعله الْمَذْكُور. وَله عدَّة مصنّفات، مِنْهَا "حَاشِيَة شرح المطول" للتلخيص، وَ"شرح الْوِقَايَة" فِي الْفِقْه، وَله مُخْتَصر فِي علم أصول الْفِقْه، سَمَّاهُ "الْوَجِيز"، وَكتاب فِي علم الْمعَانِي. توفّي فِي حُدُود التسْعمائَة، وَدفن فِي جنب مكتبه الَّذِي بناه عِنْد جَاْمع السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بِمَدِينَة "قسطنطينية"، روّح الله تَعَالَى روحه وَنوّر ضريحه. * * *

стр. 7956

٥٩٥٠ - الشيخ الفاضل المولى سِنَان الدّين يُوسُف بن الْمولى حضر بك ابْن جلال الدّين، رَحِمهم الله تَعَالَى * ذكره صاحب "الشقائق" في كتابه، وقال: كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عَالما، فَاضلا، كثير الِاطِّلَاع على الْعُلُوم عقلياتها وشرعياتها. وَكَانَ ذكيا فِي الْغَايَة، يتوقد ذكاء وفطنة، وَكَانَ لحدّة ذهنه وَقُوَّة فطنته يغلب على طبعه الشريفْ إيراد الشكوك والشبهات، وقلما يلْتَفت إلى تَحْقِيق الْمسَائِل، وَلِهَذَا كَانَ يلومه وَالِده عَلَيْهِ. يرْوى أنه كَانَ يَأْكُل مَعَه اللَّحْم يَوْمًا فِي طبق، فلامه على ميله إلى الشكوك، وَقَال: بلغ بك الشكوك إلى مرتبَة يُمكن أن تشكّ فِي أن هَذَا الظّرْف من نُحَاس، قَالَ: يمُكن ذَلِك، لأن للحواسّ أغاليط، فَغَضب وَالِده عَلَيْهِ، وَضرب بالطبق على رَأسه. وَلما مَاتَ وَالِده كَانَ هُوَ فِي جوَار الْعشْرين من سنه، فَأعْطَاهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مدرسة بـ "أدرنه"، ثمَّ أعطاه مدرسة دَار الحَدِيث بـ "أدرنه"، ثمَّ جعله معلّما لنَفسِهِ، وَمَال إلى صحبته، وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ. وَلما جَاءَ الْمولى عَليّ القوشجي إلى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان حرض السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الْمولى سِنَان باشا على تعلم الْعُلُوم الرياضية مِنْهُ، فَأرْسل هُوَ الْمولى لطفى، وَكَانَ من تلامذته فِي ذَلِك الْوَقْت إلى الْمولى عَليّ القوشجي، فَقَرَأَ هُوَ على الْمولى عَليّ القوشجي الرياضية، وَأخْبر كل مَا سمع مِنْهُ للْمولى سِنَان باشا، حَتَّى أكمل الْعُلُوم الرياضية كلهَا.

стр. 7957

وَكتب بِأَمْر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان حَوَاشِي على "شرح الجغميني" لقَاضِي زَاده الرُّومِى، ثمَّ جعل السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الْمولى الْمَذْكُور وزيرا، وتقرب عِنْده غَايَة التَّقَرُّب، فَطلب السُّلْطَان مُحَمَّد خَان يَوْمًا رجلا من الْعلمَاء يكون أمينا على خَزَنَة كتبه، فَذكر عِنْده الْمولى لطفى، فَجعله أمينا على تِلْكَ الخزانة، ووقف هُوَ بواسطته على لطائف الْكتب وغرائب الْعُلُوم، مَعَ أنه وَقع بَينه وَبَين السُّلْطَان مُحَمَّد خَان أمْر كَانَ سَببا لعزله وحبسه. لما سَمعه عُلَمَاء الْبَلدة اجْتَمعُوا فِي الدِّيوَان العالي، وَقَالُوا: لَا بُد من إطلاقه من الْحَبْس إلا نحرق كتبنَا فِي الدِّيوَان العالي، ونترك مملكتك، فَأخْرجهُ، وَسلمهُ إليهم، وَلما سكنوا أعطاه قَضَاء سفر يحصار مَعَ مدرسته، وَأخرجه فِي ذَلِك الْيَوْم من "قسطنطينية"، فَخرج. وَلما وصل إلى "أزنيق" أرسل خَلفه طَبِيبا، ووقال عالجه، لقد اختلّ عقله، فَأعْطَاهُ الطَّبِيب الْمَذْكُور شربة، وَضرب كل يَوْم خمسين عَصا، فَلَمَّا سَمعه الْمولى ابْن حسام الدّين أرسل كتابا إلى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، وَقَالَ لَهُ: إما أن ترفع هَذَا الظُّلم، وإما أن أخْرُج من مملكتك، فَرفع عَنهُ الظُّلم الْمَذْكُور. وَذهب هُوَ إلى سفر يحصار، وَأقَام هُنَاكَ بِمَا لَا يمُكن شَرحه من الكآبة والحزن، وَمَات السُّلْطَان مُحَمَّد خَان، وَهُوَ فِيهَا. وَلما جلس السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة أعطَاهُ مدرسته دَار الحَدِيث بـ "أدرنه"، وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم، وَكتب هُنَاكَ حَوَاشِي على مبَاحث الْجَوَاهِر من "شرح المواقف"، وَأورد أسئلة كَثِيرَة على السَّيِّد الشريف، حَتَّى أنه يُورد سؤالين أوْ ثَلَاثَة فِي سطر وَاحِد، فنصحه بعض أصحابه.

стр. 7958

وَقَالَ: لَا بُدْ من انتخاب تِلْكَ الأسئلة، لأن السَّيِّد رفيع الشَّأْن، فَأذن للطلبة أن يطالعوا تِلْكَ الأسئلة، فأسقط مِنْهَا مَا أجابوا عَنهُ. ثمَّ تقاعد عَن المناصب فِي شهر رَمَضَان الْمُبَارك فِي سنة سبع وَثَمانِينَ وَثَمَانمِائَة، وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم عَن محصول سرخانه، ثمَّ أعطاه فِي شهر ذِي الْقعدَة فِي السّنة الْمَذْكُورَة تيمارا على وَجه الضميمة، ثمَّ صَار فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة أمير "كليبولي". وَله كتاب بالتركية فِي مُنَاجَاة الْحق ، وإنه إنشاء لطيف، أظهر فِيهِ شوقه الْعَظِيم إلى جَانب الحْق ، وَكتاب آخر بالتركية أيضا فِي مَنَاقِب الأولياء. ثمَّ إنه مَاتَ بـ "قسطنطينة"، وَدفن بجوار أبي أيوب الأنصاري، عَلَيْهِ رَحْمَة الْملك الْبَارِي فِي سنة إحدى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة، وَلم يُوجد لَهُ فِي بَيته حطب يسخن بِهِ الماء، وَذَلِكَ لإفراطه فِي السخاء، ووصوله إلى حد السَّرف. وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى محبا للمشايخ، يلازمهم، ويستمدّ مِنْهُم، سِيمَا الشَّيْخ ابْن الْوَفَاء، قدّس سرّه الْعَزِيز. وَحكي أن الشَّيْخ ابْن الْوَفَاء كَانَ يجْهر بالبسملة، وَكَانَ حَنَفِيّ الْمَذْهَب، فَجمع الْمولى الكوراني عُلَمَاء "قسطنطينية" فِي الْجَامِع، وَهُوَ مفت بها، ليحضروا الشَّيْخ ابْن الْوَفَاء، ويمنعوه عَن الْعَمَل بِخِلَاف الْمَذْهَب، فَاجْتمعُوا، وَكَانُوا ينتظرون الْمولى سِنَان باشا، فَلَمَّا حضر هُوَ قَالَ: مَا الدَّاعِي إلى هَذَا الِاجْتِمَاع، فَبين الْمولى الكورني سَببه، فَقَالَ هُوَ: إِذا حضر الرجل وَقال: إني اجتهدت فِي هَذِه المسئلة، فَأدى اجتهادي إلى الْجَهْر بالبسملة احضروا لَهُ الْجَواب، قَالَ لَهُ الْمولى الكوراني: أمجتهد هُوَ؟ قَالَ: نعم، إنه يعلم التَّفْسِير بالبطون السَّبْعَة، ويحفظ من السّنة الصِّحَاح السِّتَّة،

стр. 7959

وَهُوَ عَارِف بشرائط الِاجْتِهَاد وَالْقَوَاعِد الأصولية، قَالَ الْمولى الكوراني: أنت تشهد بِهَذَا؟ قَالَ: نعم، قَالَ للحاضرين: قومُوا، فَمن كَانَ لَهُ مثل هَذَا الشَّاهِد لَا يَنْبَغِي أن يُعَارض، فَتَفَرَّقُوا عَن الْمجْلس. * * * ٥٩٥١ - الشيخ الفاضل يوسف بن حيدر أبو يعقوب الخُمَيشيني الفرائضي الحيضي * ذكره الحافظ عبد القادر القرشى في "الجواهر"، وقال: هو من أهل "سمرقند"، تقدّم ولده محمد فى بابه (١)، وتقدّم هناك ضبط نسبته. إمام فاضل، له اليد الطولى فى علم الفرائض والحيض. قال السمعاني: كان إماما فاضلا في الفرائض، وغيرها، سمع أبا الفضل عبد السلام بن عبد الصمد البزاز (٢)، وغيره. روى عنه ابنه محمد بن يوسف. * * *

стр. 7960

٥٩٥٢ - الشيخ الفاضل يوسف بن خالد بن عمر أبو خالد السمتي * ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو أحد أصحاب الإمام أبي حنيفة. قال الصيمري: كان قديم (١) الصحبة لأبي حنيفة، كثير الأخذ عنه. روى عنه هلال بن يحيى، قال: وزعم لنا يوسف بن خالد أن كتب أبي حنيفة، كانت تعرض على سفيان الثوري، فيقول: هذا قولي، فعُرض عليه "كتاب الرهن"، وفيه المسائل الدقاق، فقال: هذا قولي، ولو سئل عن تفسير مسئلة منها ليشرحها ما قدر على ذلك. قال الطحاوي: سمعت المزني يقول (٢): سمعت الشافعي يقول: كان يوسف بن خالد رجلا من الخيار.

стр. 7961

قال محمد ابن المثنى (١): مات يوسف بن خالد سنة تسع وثمانين ومائة في رجب. روى له ابن ماجه. روى (٢) عنه ابنه خالد، وتقدّم (٣). قال علي ابن المديني: كنا عند يوسف بن خالد، فجاء هلال بن يحيى، فدخل عليه، فسأله يوسف عن عدة مسائل، منها: ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق ([واحدة فى أول يوم من آخر الشهر، وواحدة في آخر يوم من أول الشهر]) (٤)؟ فأجاب هلال، فقال: الشهر ثلاثون يوما، وإذا كان يوم خمسة عشر وقع عليها واحدة، وهو آخر يوم من أول الشهر، فإذا كان يوم ستة عشر يقع عليها أخرى، وهو أول يوم من آخر الشهر. قال الإمام اللكنوي ﵀ في "الفوائد": هو عند المحدثين مجروح، كما قال السمعاني: السمتي بكسر السين، وسكون الميم، آخره تاء، هذه النسبة إلى السمت والهيئة، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، قيل: ليوسف بن خالد السمتي لحسن سمته، وكان صاحب رأي، والمشهور بالانتساب إليها أبو خالد يوسف بن خالد ابن عمر السمتي من أهل "البصرة" عن زياد بن سعد، والأعمش. مات سنة ١٨٩ هـ، وكان يضع الحديث على الشيوخ،

стр. 7962

لا تحل الرواية عنه، ولا الاحتجاج به. وكان ابن معين يقول: يوسف بن خالد يكذب، وقال مرة: هو كذاب خبيث، وقال مرة: كذاب زنديق، لا يكتب حديثه. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن يوسف ابن خالد، فقال: أنكرت قول ابن معين فيه أنه زنديق، حتى حمل إلى كتاب صنعه في التجهيم، فرأيته ينكر الميزان يوم القيامة، فعلمت أن يحيى بن معين لا يتكلم إلا عن بصيرة، وابنه أبو الربيع خالد بن يوسف بن خالد السمتي، قال أبو حاتم: يعتد بحديثه من غير روايته عن أبيه، مات سنة ٢٤٩ هـ. انتهى. * * * ٥٩٥٣ - الشيخ الفاضل يوسف بن الخضر بن عبد الله الحلبي * ذكره الحافظ عبد القادر القرشي في "الجواهر"، وقال: هو والد محمد المعروف ولده بابن الأبيض، الآتي ذكره (١). وتقدّم في المحمدين (٢). وتقدّم أيضا أحمد وعبد الله ابنا محمد بن يوسف (٣).

стр. 7963

و ([هذا يوسف]) (١) يعرف بالبدر الأبيض، يأتي في الألقاب (٢). * * * ٥٩٥٤ - الشيخ الصالح يوسف بن داود، الحنفي، الملتاني * ذكره العلامة عبد الحى الحسني في "نزهة الخواطر"، وقال: هو أحد رجال العلم والطريقة. أخذ عن الشيخ جلال الدين التهانيسري، ولازمه مدة من الزمان. ثم سكن بـ "آكره"، أدركه الشيخ رفيع الدين الشيرازي المحدث، واستفاض منه. مات، ودفن بـ "آكره" في حياة الشيخ رفيع الدين المذكور. ذكره محمد بن الحسن. * * * ٥٩٥٥ - الشيخ الفاضل مولانا يوسف بن زاهد علي المومنشاهوي * * ولد في "مومنشاهي" سنة ١٣٥٩ هـ.

стр. 7964

قرأ مبادئ العلم في قريته، ثم التحق بالمدرسة الحكومية "فولباريه"، وقرأ فيها إلى "مشكاة المصابيح"، ثم التحق بالجامعة الإمدادية كشورغنج، وقرأ فيها كتب الحديث، ثم التحق بالمدرسة العالية داكا، وقرأ فيها كتب قسم الفقه الإسلامي سنة ١٣٧٨ هـ. وبعد إتمام الدراسة التحق بالمدرسة الواقعة بـ "فولباريه". من شيوخه "مولانا محمد علي"، وغيره. ثم التحق بالمدرسة العالية بـ "هيبت نغر"، وعين محدّثا لها. * * * ٥٩٥٦ - الشيخ الفاضل محدّث العصر الفقيه الضليع السيّد محمد يوسف بن محمد زكريا بن مير مزّمّل شاه بن مير أحمد شاه بن مير موسى بن غلام حبيب بن رحمة الله بن عبد الأحد ابن حضرة محمد أولياء بن السيّد آدم البنوري بن إسماعيل بن بهوا بن حاجي يوسف بن يعقوب بن حسين بن دولت بن قليل بن سعدي بن قلندر بن حضرة محمد العلوي بن علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى كاظم بن جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن سيّدنا الحسين بن أمير المومنين سيّدنا علي ابن أبي طالب، رضى الله تعالى عنه وعنهم *

стр. 7965

وقد ترجم له تلميذه البار وختنه العلامة الدكتور حبيب الله الشهيد ﵀، وقال ما نصّه: ولد رحمه الله تعالى ليلة الخميس، السادس من ربيع الآخر، وقت السحر، سنة ألف وثلاثمائة وست وعشرين هجرية الموافق سنة ألف وتسعمائة وثمانية ميلادية في قرية "مهابت آباد"، من مديرية "مردان" "باكستان"، وكان جدّه الأعلى السيّد آدم رحمه الله تعالى أقام في قرية "بنور" (١) من مديرية "أنباله" (الهند)، ولذا تنسب هذه الأسرة الكريمة إلى "بنور"، وقد ارتحل بعض من عشيرته من "بنور" إلى محافظة الحدود، وذلك عند ما تغلب الشيخ في تلك البلاد، ورحب رؤساه قبائل الأفغان في محافظة الحدود هذه الأسرة الكريمة، واستفادوا من علومها الظاهرة والباطنة، وكافح الأسرة البنورية الآراء الهدَّامة والتقاليد الجاهلية الرائجة السائدة في تلك البقاع، ولهم جهود مشكورة في هذا الصدد، وبعد مرور الأيام انتقل بعض هذه الأسرة إلى "كوهات"، والآخرون إلى "بشاور". هذا، وقد كان جدّ الشيخ ﵀ السيّد مير أحمد شاه رجلا يشار إليه بالأصابع في عشيرته، ورزقه الله من التقوى والصلاح حظا كبيرا، وأسّس في "بشاور" حيا سمى باسمه "كرهى مير أحمد شاه"، وماكان يسمح للإقامة به لأحد لا يصلّي الصلوات الخمس، وقد أنجب السيّد مير مزمل شاه السيّد محمد زكريا، الذي شرفه الله تعالى بنفس زكية، ونجل تقي سمي بمحمد يوسف البنوري.

стр. 7966

والأسرة النبورية أسرة، جمع الله فيها العلم والعمل، والتقوى والورع، والخير والصلاح، والزهد والقناعة، والإعراض عن الدنيا، والإقبال إلى الآخرة. كان والده رحمه الله تعالى عالما، ورعا، زاهدا، تقيا، عابدا، قضى عمره في الرياضات والمجاهدات، وقضى نحبه، وهو مكبّ فيما يقربه إلى الله جلّ وعلا، وورث كل ذلك ابنه الصالح البار، ورزق مع حسن الصورة حسن السيرة، رزق مع العلم الزخار عملا متواصلا، قضى عمره وشبابه في الجهد لإعلاء كلمة الله، لا يخاف في ذلك لومة لائم، ولا يصدّه عن كلمة الحق ذو سلطان أو صاحب حكومة، كان عالما، عابدا، زاهدا، بكَّاء لخشية الله، تهمر عيونه ديمة مدرارا، ولسانه عبرا ومواعظا. رحلته للعلم: تعلم القرآن الكريم والمبادئ على والده السيّد محمد زكريا، وخاله الشيخ فضل صمداني البنوري، والشيخ عبد الله في "بشاور"، وكانت جدّة الشيخ رحمها الله من أسرة ملكية لـ "كابُل"، وقد وهب لوالده الأمير محبت خان بعض الأراضي في "رشكي"، ولكن الشيخ زكريا لم يترك لنفسه سوى بيت يظلّه، وخرج في سبيل العلم، وبهذه المناسبة درس الشيخ ﵀ كتب الصرف والنحو في مكتب ببلدة "كابُل" (أفغانستان) في عهد الأمير حبيب الله خان، ومن أشهر من انتفع به في هذه الفرصة الشيخ عبد الله بن خير الله البشاوري المتوفى سنة ١٣٤٠ هـ. وقرأ الكتب المتوسّطة من الفنون المختلفة من الفقه وأصوله والمنطق والمعاني والأدب وغيرها على علماء "بشاور" و"كابل"، ومن أكبر مشايخه في هذه الفنون: الشيخ عبد القدير اللمقاني الأفغاني، قاضي محكمة الرافعة في

стр. 7967

"جلال آباد" من بلاد "أفغانِسْتَان" والشيخ محمد صالح القيلغوي الأفغاني، وغيرهما، وكان له ذوق خاص في الأدب العربي، وولوع شديد باللغة العربية، وكان للأمير أمان الله خان وزيرا، له شغف بالأدب العربي، ولما رأى هيام الشيخ البنوري بالأدب العربي وذكاءه المفرط أهدى إليه بعض الكتب الأدبية للأدباء المصريين. وحضّه هيمانه بالعلم وشوقه فى الاستزادة من العلوم إلى السفر إلى الديار الهندية للالتحاق بجامعتها الغراء أزهر الهند دار العلوم الديوبندية، فالتحق بها سنة ١٣٤٥ هـ، وكمل فيها الدراسة العالية في التفسير والحديث والفقه وأصولهما على مشايخها، وبقى فيها إلى سنة ١٣٤٧ هـ، ومن أكبر مشايخه في الحديث محقّق العصر الشيخ شبير أحمد العثماني أول شيخ الإسلام في "باكستان"، صاحب "فتح الملهم شرح صحيح مسلم" رحمه الله تعالى، وإمام العصر المحدّث الكبير الشيخ محمد أنور شاه الكشميري، ثم الديوبندي، رحمه الله تعالى. هذا، وعند ما عزم الشيخ العلامة محمد أنور شاه الكشميري، والشيخ المحقّق العثماني على الرحيل من دار العلوم الديوبندية، ونزلا بالجامعة الإسلامية بـ "دابيل" "سورت"، تبعهما الشيخ البنوري وزملاءه قضاء لواجبهما ووفاء، لصلتهم بهما، ومن الجامعة الإسلامية تخرج الشيخ البنوري، وعلى يدي الشيخ الكشميري كمل دراسة كتب الحديث، وعليه تخرج، وهو الذي انتفع به إلى الغاية، وبقي له خادما في أسفاره ليلا ونهارا ما يزيد على عام. وقضى أربعة أعوام من عمره في "بشاور" في السياسة تحت راية جمعية العلماء، وانتخب رئيسا لها، ولكن بعد قليل استقال عن السياسة حفظا

стр. 7968

لأوقاته الثمينة، وصرفا لها في ما هو الأهم من هذا، وأمثل، وقد قام أثناء قيامه بـ "بشاور" بتدريس العلوم والفنون في مدرسة رفيع الإسلام في "بهانه ماري"، بكل تحقيق وتدقيق. ونظرا إلى أنه من أشهر تلاميذ الشيخ الكشميري الذى لازمه، ورافقه، حتى صار أمينا لعلومه، وشارحا لثروته العلمية وتراثه الحديثية، واعترافا لمكانته العلمية والمواهب الربّانية انتخب مدرّسا في الجامعة الإسلامية بـ "دابيل" في مقاطعة "بومباي" بـ "الهند" بعد وفاة شيخه ﵀، إلى أن صار فيها شيخ الحديث ورئيس المدرسين، وانتخب عضوا للمجلس العلمي في الجامعة الإسلامية، والمجلس العلمي هو الذي بعثه مندوبا إلى "القاهرة" برفاقة الشيخ أحمد رضا، ختن الشيخ الكشميري، للإشراف على طبع عدة كتب، وذلك عام ١٩٣٧ ميلادية، وتحت إشرافه طبع كتاب "نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية" للزيلعي، و"فيض الباري شرح صحيح البخاري" للكشميري، كما نشر له مقالات قيمة في موضوعات عديدة في المجلات المصرية من: الإسلام الأسبوعية ومجلة الهدى النبوي، وقد سبق لنا أن نشرنا من هذه المجموعة الذهبية في رسالة باسم "جامعة ديوبند الإسلامية في ضوء المقالات البنورية"، ما يتعلق منها بدار العلوم الديوبندية. هذا، وقد عين رئيسا لجمعية علماء الهند في بلاد "كجرات" ومقاطعة "بومباي" بـ "الهند"، وعضوا للجنة أوقاف "بومباي"، وما زال شيخ الحديث بالجامعة الإسلامية في "دابيل" إلى أن هاجر إلى "باكستان"، وعند ما عقد مؤتمر "فلسطين" في "القاهرة" سنة ١٣٥٧ هـ، الموفق ١٩٣٨ م كان الشيخ رحمه الله تعالى مساعدا لحضرة الشيخ كفاية الله الدهلوي مفتي "الهند" الأكبر

стр. 7969

في مشروعات المؤتمر، وجميع ما ألقى منه في الاحتفال، وما شاع في الجرائد من خطاباته، كل ذلك كان بقلمه، حيث أصبح الشيخ الدهلوي مريضا لم يستطع القيام بأعبائه. هجرته إلى باكستان: إن حكم الله تعالى عجيبة، ولا يمكن لبشر أن يبلغ كنهها، وقد سبقت المشية الأزلية على أن يسافر هذا العالم الكبير، وهذه الداعية إلى أرض "باكستان"، وينتفع بعلومه أهالي "باكستان"، وينور به أقطار المسلمين، فهيأ له أسبابا للهجرة، وألح عليه الشيخ شبير أحمد العثماني، والشيخ بدر عالم المدني، رحمهما الله تعالى، للهجرة إلى "باكستان"، فامتثالا لأمرهما ونزولا على رغبتهما هاجر إلى "باكستان" في السادس عشر من يناير سنة ١٩٥١ م، وقد استقبله بعض الوزراء عند قدومه، وتلبية لرغبة الشيخ العثماني، والمدني أقام كشيخ التفسير في دار العلوم الإسلامية بـ "تندو الله يار" بـ "السند"، وقضى فيه ثلاثة أعوام، يشفى غليل ضيوف الرحمن طلبة التفسير والحديث، ولكن رحمة الله أرادت أن تمطر هذه الديمة، ويهطل هذا المزن على "كراتشي" وأهاليها، فسافر شيخنا رحمه الله تعالى إلى "كراتشي"، وأسّس في "نيو تاؤن" (التي تسمى الآن بـ "علامة محمد يوسف البنوري تاؤن" تقديرا لجهوده العظيمة في سبيل العلم والدين) جامعة باسم المدرسة العربية الإسلإمية، تواضعا لله جلّ وعلا، وتحرّزا عن الأسماء، التي تدلّ على جلالته أو مكانة جامعته، وفتح في هذا المعهد العلمي فرعا للتخصّص للطلبة، الذين تخرّجوا من المدارس، وحصلوا على الشهادات العالية، وهكذا بدأ هذا المركز العلمي، ولكن نزولا على رغبة الطلاب الوافدين إليها من كل فج عميق، ونظرا إلى إصرار المخلصين فتح فيه القسم الثانوي والعالي أيضا.

стр. 7970

المكانة العلمية: وبم أن الله منحه ملكات في كل فن، ورزقه ذهنا وقّادا، وبصيرة ثاقبة، وعلما وهبيا، وذاكرة قوية، وقدرة على كل فن من العلوم الدينية، ومهارة تامة في التدريس والتصنيف والوعظ والإرشاد، وكان كل ذلك يتجلى في كلامه وتدريسه، وكتابه وخطابه، ووعظه وإرشاده، قدره أصحاب الفراسة وأرباب الإدارات العلمية، ولما كان شيخنا رحمهما الله في "دابيل" عرض عليه الشيخ العثماني، والشيخ حسين أحمد المدني رحمهما الله، والشيخ القارئ محمد طيّب، حفظه الله منصب الإفتاء، وكذا مسند تدريس القسم العالي في جامعة ديوبند الإسلامية، التي هي أكبر معهد علمي ديني في القارة الهندية، والتي لا نظير لها في العالم في خصوصياتها الفذة، والتي لا تأخذ من الحكومة أيّ معونة مادية، وتمشى على نفقات المسلمين وأهل الخير، وهي التي أضاءت مصابيح الهداية في تلك البقاع المظلمة، وبإخلاص عباد الله الصلحاء، الذين أسّسوها لم تزل ولا تزال، إن شاء الله تعالى في رقى وازدهار، وتسعى سعيا حثيثا لنشر العلوم الإسلامية، وتثقيف العلماء بسلاح العلم لمكافحة الآراء الهدّامة ومقاومة الفرق الضالة. هذا، وقد دعاه الشيخ السيّد سليمان الندوي إلى الجامعة الأحمدية بولاية "بوفال" "الهند" لمنصب شيخ الحديث، ولكنه أحبّ البقاء بـ "دابيل" رعاية لغرس شيخه الكشميري، وحفظا لأمانته، وعند ما هاجر إلى "باكستان"، وخدم دار العلوم الإسلامية في "السند" مدة أراد الله بقاءه بها، ولما امتطى صهوة الرحيل منها، وعزم على الاستقالة تواردت عليه دعوات من أكثر مشاهير المعاهد العلمية في "باكستان الغربية" من "كراتشي" إلى "بشاور" لرياسة التدريس فيها، ولمسند شيخ الحديث فيها، ولكنه لم يقلبها

стр. 7971

على ظن أنه بقي قدر قليل من عمره، ولا ينبغي إضاعته في تجارب جديدة، وسنح له أن يؤسّس مدرسة دينية، يقوم فيها بعربية للطلبة كما يريد، وتدريس للعلوم تحت ضوء إفادته التجارب الدراسية بمنهاج خاص، يكون نافعا لأبناء الأمة. وكان ﵀، يقول دائما: إن أمثال هذه الأمور العظيمة تحتاج إلى إخلاص عظيم، وهمة عالية، وجهد متواصل، وصبر واستقامة، ومساعدة من رفقاء مساعدة روحية، ومساعدة مادية مالية، وكان يقول: تواضعا كدأب العلماء الربّانيين من هذا الشأن: وإني أدركت أنها لم تجتمع لي هذه الأمور ودون هذا آمال فارغة، وضرب في حديد بارد، ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، فأحبّ أن يسافر إلى الحرمين الشريفين، هذه الديار المقدسة، التي هي مهبط الوحي، فعزم على السفر للحج والزيارة، ليستخير الله تعالى، ويدعوه في أماكن الإجابة أن يلهمه ما هو اللائق به من خدمة للدين والعلم، فسافر يوم الجمعة الرابعة من ذي الحجَّة سنة ١٣٧٣ هـ، وكان من أهم دعواته في تلك البقاع المقدسة أمكنة الإجابة وأوقاتها الدعاء لهذا المقصد الشريف، ومكث في الحج عشرين يوما، ثم سافر إلى "المدينة المنوَّرة"، ومكث بها اثني وثلاثين يوما، فوقع العزم على الاستقالة من دار العلوم الإسلامية، وتأسيس معهد علمي مستقل تحت إدارته، ووصل إلى المسجد الجامع بـ "نيو تاؤن"، وكان المسجد قد وضع له الأساس فقط، ولم يكن هناك شئ من الحوائج الضرورية ومرافق الخياة اللازمة، واتفق مع لجنة المسجد وأرباب الحي أن يفوّضوا إليه أمر عمارة المدرسة وبنائها، وصرّح لهم أنه لا يريد منهم أيّة مساعدة مالية في هذا الصدد.

стр. 7972

هذا وكان المسجد الجامع آنذاك في بدء عمارتها، فلم يك هناك إلا الأساس والهيكل، لم يكن له متوضؤ، ولا حمام ولا غرفة، ولا أيّ شيء من مرافق الحياة، ولما بدأ هذا المعهد استقرض ثلاثمائة روبية من تاجر، وقسم منه المكافأة الشهرية على الطلاب، وهكذا كانت البداية السعيدة لهذا المعهد في غاية التوكّل على الله جلّ وعلا. المدرسة العربية الإسلامية: وهكذا أسّس المغفور له جامعة كبيرة باسم المدرسة العربية الإسلامية، وأصبح هذا المعهد في عهد طفولته قبل شبابه ممتازا بمناهجه وحسن تعليمه ونظامه وتربيته، وهذه الميزات جعلت تهوي إليه نفوس وأفئدة، ولم تمض عليه إلا أعوام عديدة، وقد حوت في مكتبته النفيسة أمّهات كتب الفنون والعلوم الدراسية والغير الدراسية، التي قلما توجد مثلها في المعاهد الدينية المعاصرة له وأخواته من المدارس العربية، ويزداد هذا الكنز الثمين يوما فيوما، والحمد لله. وأنشئ له عمارات وبنايات وفصول دراسية ومساكن الطلبة حسب الإمكانيات، وفيها فروع آتية: ١ - فرع تحفيظ القرآن الكريم. ٢ - فرع المعهد الابتدائي. ٣ - الدرجة الإعدادية. ٤ - القسم الثاني. ٥ - القسم العالي. ولما يتخرج الدارس من القسم العالي يتخرج، وقد أكمل دراسة أمّهات كتب العلوم والفنون والحديث وأصوله والفقه وأصوله، ويمنح عند التخرج شهادة العالي بعد النجاح في اختبار، ينعقد تحت إشراف وفاق المدارس العربية، بـ "ملتان" "باكستان".

стр. 7973

٦ - فرع التخصص في الحديث وعلومِه، يقبل فيه من نجح بتقدير ممتاز نجاحا باهرا في الاختبار النهائي من وفاق المدارس العربية، ويكلف الطالب أن يطالع في هذه الفترة كتب أسماء الرجال والمصطلح، والجرح والتعديل، ومشكلات الحديث وشروح الحديث، ويشرف عليهم عالم جليل متخصّص في هذا الموضوع، ويكتب الطالب مقالة في موضوع من إحدى مواضع الحديث حسب المنهج المقرّر لهم، ويتم ذلك في حولين، ثم يمنح شهادة التخصّص في الحديث لمن يفوز في الاختبار النهائي، وذلك بتقديم المقالة عدا اختبارات الفترات الأولى والثانية والنهائية، ويشرف على هذا الفرع من التخصّص فضيلة الشيخ المحدث محمد إدريس الميرتهي، حفظه الله، أستاذ الحديث والتفسير بالجامعة. ٧ - فرع التخصّص في الفقه الإسلامي، وهو على المنوال المذكور آنفا في تخصّص الحديث من مطالعة أمّهات كتب الفقه وأصوله، والتدريب على الإفتاء والقضاء، وكتابة مقالات في حلّ النوازل والحوادث، ويمنح الطالب الشهادة حسب مقالته، ويشرف عليه فضيلة الشيخ المحدّث المفتي ولي حسن خان التونكي، رئيس دار الإفتاء للجامعة وشيخ الحديث بها. ٨ - فرع التخصّص في الدعوة والإرشاد لمكافحة الفرق الباطلة الهدّامة، والدفاع عن الدين الحنيف، والملة البيضاء، والسنّة المحمدية، وطلاب هذا التخصّص يجتازون هذه المرحلة نحو طلاب التخصّص في الحديث والفقه، ومشرفه فضيلة الداعية الشيخ محمد إسحاق الصدّيقي، عضو مجلس الدعوة والتحقيق الإسلامي بـ "كراتشي" "باكستان". هذا، وكان شيخنا ﵀، يودّ أن يفتح فروعا أخرى للتخصّصات من: التخصّص في علوم القرآن ومشكلاته، والتخصّص في علم الكلام

стр. 7974

والتوحيد، والتخصص في الأدب العربي واللغة، والتخصص في التاريخ الإسلامي، والتخصّص في العلوم العصرية من الاقتصاد والمعيشة والسياسة والاجتماع وعلوم الطبيعة الحديثة، ولكن: ما كل ما يتمنى المرأ يدركه … تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. وكم حسرات في بطون المقابر، التحق شيخنا بالرفيق الأعلى بعد ما فتح ثلاثة فروع للتخصّصات، فرحمه الله رحمة واسعة، وأفاض عليه من شآبيب رحمته وغوادي مزنه، ونوّر قبره، وبرّد مضجعه. ويربو عدد الطلاب في هذا المعهد في أقسامه المختلفة على ألف ومائتي طالب، وينتمو إلى نحو خمس وعشري دولة من دول العالم، وقد تخرّج منه آلاف العلماء والقراء والحفاظ والدعاة والمدرسين والمفتين في هذه المدة القصيرة في شرخ شبابه، وأبان فتوته، فهذه في المدرسة العربية الإسلامية سابقا، وجامعة العلوم الإسلامية حالا، ورضي المغفور له باسم الجامعة في آخر أيام حياته لبعض الظروف، التي اقتضت تغيير اسمها بهذا الاسم. ٩ - دار التصيف. كمل فيها الشيخ رحمه الله تعالى الجزء السادس من كتابه اللطيف، "معارف السنن شرح جامع الترمذي"، وجزءا من مقدمته الثمينة "عوارف المنن لمعارف السنن"، وكتب مقدّمات نفيسة على عدّة كتب لأهل العلم، وكان يرافقه في عمله ذلك الشيخ الأستاذ محمد أمين الأوركزئي وراقم هذه الأسطر، وكان يقول: أنتما بمنزلة الجناح للطائر، فأنتما كالجناحين لي، وسيكمل قريبا تخريج أحاديث "شرح معاني الآثار" للطحاوي بقلم هذا الشيخ الأوركزئي حفظه الله، مع تلخيص لكلام الطحاوي، واستخراج مذاهب الأئمة من

стр. 7975

أمهات كتبهم، مع بيان رأي الإمام الطحاوي ونظره، كما قد وصل تخريج أحاديث "جامع الترمذي" إلى أبواب الجمعة بقلم الراقم، والحمد لله أولا وآخرا، وبه الاعتناء بدءا ونهاية، وهو المستعان، وهو ولي التوفيق. ١٠ - دار الإفتاء: يتشغل فيها أربعة من أرباب الفتوى، يفتون الأمة المسلمة في النوازل والاستفتاءات، التى تصل إليها من أنحاء المعمورة، ويرأسها فضيلة الشيخ العلامة المفتي ولي حسن التونكي، حفظه الله. ١١ - مجلة "بينات" الشهرية باللغة الأردية السائدة في هذه البلاد، ورئيس التحرير لها الشيخ محمد يوسف اللدهيانوي، وهي كاسمها بينات، والحمد لله، في الدفاع عن الدين المتين، والقضاء على كل إلحاد وزندقة، وكان الشيخ ﵀ يكتب كلمة التحرير فيها بعنوان، "بصائر وعبر"، إلى أن توفي، وسنقدم مجموعها قريبا، إن شاء الله تعالى في صورة كتاب مرتبا على ثلاثة فصول من: المقالات العلمية، وما كتب عن الأحوال الراهنة، وما كتب عن أفذاذ الأمة الراحلين إلى ديار الآخرة. الهيئة الإدارية: ويرأس الجامعة الآن فضيلة الشيخ المفتي أحمد الرحمن، وكان نائب الرئيس في حياة الشيخ، ﵀، وفضيلة الشيخ الدكتور عبد الرزاق إسكندر مدير التعليم لها، كما أن لها هيئة إدارية تتكون من رئيس الجامعة، والأخ السيّد محمد البنوري، وراقم الحروف. الشيخ ومناصبه: قد سلف أن ذكرنا أنه انتخب رئيسا لجمعية العلماء بـ "بشاور"، ورئيسا لجمعية علماء الهند في بلاد "كجرات" ومقاطعة "بومباي" بـ "الهند"، وعضوا

стр. 7976

بارزا في لجنة أوقاف بـ "بومباي"، وعضوا فعّالا للمجلس العلمي بـ "دابيل" ورئيس المدرّسين بالجامعة الإسلامية بـ "دابيل"، وشيخ الحديث بها، وشيخ التفسير لدار العلوم الإسلامية بـ "تندو الله يار"، وكان مؤسّسا ومديرا للمدرسة العربية الإسلامية سابقا، وجامعة العلوم الإسلامية حالا، وشيخ الحديث بها، وعضوا للمجمع العلمي العربي بـ "دمشق"، وعضوا لمجمع البحوث الإسلامية بـ "القاهرة" وعضوا لجامعة كراتشي في لجنتها الخاصة لانتخاب المدرّسين لكليتي العلوم الإسلامية والأدب العربي، ورئيسا لمجلس تحفظ ختم النبوة "باكستان"، ورئيسا لوفاق المدارس العربية بـ "باكستان"، ورئيسا لمجلس العمل لتحفظ عقيدة ختم النبوة، واتفقت على قيادته جميع الأحزاب الدينية والسياسية اتفاقا، لا يوجد له نظير في هذه الأيام، ومؤسّسا ورئيسا لمجلس الدعوة والتحقيق الإسلامي، ومشرفا للمجلس العلمي، الذي انتشرت فروعها في كل من "كراتشي" وجوها نسبرغ و"الهند"، ورئيسا لجميعة اتحاد المدارس العربية. الشيخ والعالم الإسلامي: كان عضوا لمجمع البحوث الإسلامية بـ "القاهرة"، يلبي دعوتهم للحضور في المؤتمرات السنوية للمجمع، وقد انتخب عضوا في المؤتمر الأول، الذي انعقد في سنة ١٣٨٣ هـ الموافق ١٩٦٤ ام، وقد اشترك في ست مؤتمرات من مؤتمراتها، وعند ما قال للأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية: أرجوكم رخصة عدم الاشتراك في المؤتمرات الآتية، أجابه الدكتور قائلا: مثلكم لا يستغني عنه، ولما زار شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود ﵀، "باكستان" شرف جامعة العلوم الإسلامية بقدومه، وقال في كلمته التي ألقاها في رحاب الجامعة:

стр. 7977

إني سعيد بأني ألتقي بالأخ الفاضل الكريم الشيخ محمد يوسف البنوري، هذا الرجل المجاهد الذي يأتينا إلى "مصر"، فنسبقبله باعتباره عالما من كبار العلماء، وقمة من القمم الإسلامية الكبرى، نستقبله كمحدث، وقد قلّ المحدثون في هذا العصر، ونستقبله كعالم، لا يقول عن ظن، ولا يتحدث عن تخمين، وإنما يتحدث عن دراية، ويتحدث عن علم، ويتحدث عن دليل، ويتحدث عن مزاولة مستمرة للعلوم الدينية، ولعلكم أعلم أن فضيلة الأستاذ شاعر أيضا، هو محدث، وهو مفسّر، وهو أيضا شاعر، ولم تك دعوته بالعمل فحسب، وإنما كانت دعوته أيضا بخلقه هذا الكريم، الذي يتجلى فيه شكر الله له عالما، وشكر الله له محدثا، شكر الله له داعيا إلى الله . هذا، وقد اشترك في مؤتمر رسالة المسجد بـ "مكة المكرمة"، وألقى فيه كلمة قيمة باسم المسجد محور للنشاط، ومركز للتوجيه الروحي والفكري للأمة، حرّرها في رمضان ١٣٩٥ هـ، الموافق سبتمبر ١٩٧٥ م. وقد رجا منه جامعة الرياض الحضور في مؤتمرها باسم الفقه الإسلامي، ولكن حالت دون اشتراكه في هذا المؤتمر الحكومة السائدة آنذك، وكانت له روابط قوية وصلات ودية وأخوية مع مشايخ الحرمين الشريفين وعلمائهما، وكان كل واحد منهم يجله، ويعترف بفضله، ونبله، كما كان هو أيضا يعطي لكل منهم مقامه اللائق به، ويقدر جهودهم المشكورة. وقد اشترك في مؤتمر الدعوة الإسلامية بـ "طرابلس" سنة ١٣٩٠ هـ، الموافق ١٩٧٠ م، وكان رئيس الوفد الباكستاني، ووجه المؤتمر بتوجيهاته القيمة، كما قد انتقد على بعض المحاضرين حسب دأبه في كل المؤتمرات التي كان يساهم فيها، كما كان عضوا مراسلا من "باكستان" لمجمع اللغة العربية

стр. 7978

بـ "دمشق"، وقد كتب الشيخ ﵀ مقالا قيما عن الإمام الترمذي وكتابه في مجلته، وقوبل ذلك بنظر الاستحسان من العلماء والكتاب. وقد وصلته الدعوة من وزارة الأمور الدينية والأوقاف العراقية للحضور في مؤتمرها، ولكنه اعتذر عن الحضور لكثرة الشواغل وبعض الأمراض، كما أنه استلم دعوة من الملك حسن ملك "المراكش" لإلقاء المحاضرات على الموضوعات العلمية، ولكن حكومة "باكستان" آنذاك حالت دون عزمه، وقد ساهم في عديد من المؤتمرات المنعقدة في "باكستان"، وقد حضرها أعيان العلماء من العالم الإسلامي، وكان من دأبه أن يقول الحق، ويصرح به عند سلطان جائر، لا يصدّه عن ذلك شيء، ولا يخاف في ذلك لومة لائم، ولنضرب لذلك مثلا: حضر رحمه الله تعالى في مؤتمر انعقد فى "رَاوَلْبِنْدي" "باكستان" بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرآن الكريم، وقد حضر في هذا المؤتمر علماء البلاد العربية والإسلامية، فوقف أحد من وزراء "باكستان" لإلقاء كلمته، وهذى فيه بكلمات تخالف الإسلام والدين، وكان الشيخ أمين الحسيني مفتي "فلسطين" رئيسا لهذه الجلسة، فبدأ الوزير المذكور في هفواته، والمشتركون فيه لم يجترء أحد منهم أن يتكلم بشيء، ولكن الشيخ ﵀ لم يملك نفسه، وقام قائلا بكل صراحة وشدة: أيها السيّد الرئيس! ألجم هذا الخطيب، فقد خرج عن موضوعه، وأجابه الرئيس قائلا: سنمكنكم للرد عليه، فقام بعده، ورد عليه ردا بليغا، وقضى ما كان عليه من واجب الدين في هذا الصدد. وأيّ وفد من وفود العلماء أو أيّ قمة من قمم الدين يزور "باكستان"، يستدعى من الحكومة الاجتماع واللقاء مع الشيخ ﵀، فهؤلاء شيوخ

стр. 7979

الأزهر وأئمة المسجد الحرام والمسجد النبوي، وآخرون من الجهابذة كلهم يزورنه عند زيارتهم لـ "باكستان" وكان ﵀ أحد العلماء الواحد والثلاثين، الذين دوَّنوا النقاطَ المتفقة الدستورية تحت قيادة الشيخ السيّد سليمان الندوي، وبم أنه رجل علم ودين كان لا يحب أية وظيفة حكومية أو منصب حكومي من المناصب الدنيوية، ولذلك لما أراد المرحوم الشهيد لياقت علي خان رئيس الوزراء سابقا لجمهورية "باكستان" إرساله كنائب سفير إلى "مصر" أو "السعودية" أو "أفغانستان" من دول المسلمين، لكي يكون ممثلا صحيحا للأمة الباكستانية المسلمة رفضه، واعتذر عن قبوله. الشيخ ورحلاته: كان من دأبه السفر إلى الديار المقدَّسة (الحرمين الشريفين) مرتين في كلّ سنة، مرة في شهر رمضان المبارك للعمرة والاعتكاف، ومرة في ذي الحجّة الحرام للحج، ويكون مدة بقائه بـ "السعودية" مرجعا للعلماء الوافدين إليها من كل قطر، ولعلماء البلاد، تراهم يأتون جماعة وفرادى، يأتون لزيارته ولقائه، ولكشف ما خفى عليهم، وحلّ ما صعب عليهم، أو لأخذ إجازة الحديث، أو الاطلاع على المهمات الدينية. وقد سافر إلى "القاهرة" مرات: أولا في سنة ١٩٣٧ م، لطبع بعض الكتب الحديثية، ثم للحضور في مؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية لـ "لأزهر الشريف"، كما أنه قد سافر إلى "إستانْبول" وبلاد "الآستانة" و"بيروت"، و"الأردن"، و"فلسطين"، و"العراق"، و"ليبيا"، و"سوريا"، و"إيران"، و"أفغانستان"، و"تنزانية"، و"نائجيريا"، و"كينيا"، و"يوغندا"، و"موزَمْبِيق"، و"زَمْبيا"، "يونان" و"فرنْسَا"، و"بريطانيا" و"الإفريقيا الجنوبية"، و"سوئزَرْلندا"، و"أسبانيا"، و"الهند"، وغيرها من بلاد العالم، وهذا ملخص أسفاره، ولو فصلناه لاحتاج إلى أسفار.

стр. 7980

شيوخه: من المعلوم أن من خصائص هذه الأمة الإسناد، فلولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فميّز الله جلّ وعلا هذه الأمة بأنها كلما تروي أمرا من الأمور الدينية ترويها بواسطة معتمدة، وتذكر هذه الوسائط التي بين الراوي من روى عنه إلى القائل الأول لتلك الرواية، وهذه ميزة للأمة المحمدية، لا توجد في أية أمة من الأمم بهذه الصفة وبهذه الكيفية، وقد وقف العلماء أعمارهم لذلك، وبذلوا مهجهم في هذا السبيل، وبذلك قد حفظوا للمسلمين الثروة الكبيرة ثروة الحديث الشريف، وقد بشّر النبى ﷺ بفضل هؤلاء العلماء بقوله: "يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"، وقد صدق رسولنا الكريم عليه صلوات الله وسلامه، فخلق الله لذلك نفوسا قدسية، أفنوا أعمارهم في ذلك، وسافروا لمعرفة حديث واحد من الشرق إلى الغرب، وهؤلاء علماء الحديث يضرب الناس أكباد الإبل إليهم، ليظفروا عندهم بسند عال للحديث، ونظرا لأهمية ذلك كان العلماء يستجيزون أساتذتهم في رواية الحديث. وفيما يلى نذكر أسانيد شيخنا ﵀ تعالي، وقد استجاز من البعض من هؤلاء أثناء تعلمه منهم، كما استجاز من الآخرين في بعض رحلاته عند الاجتماع بهم، فمنهم: ١ - الشيخ محمد أنور شاه الكشميري عن شيخه محمود الحسن الديوبندي، الملقّب بشيخ الهند، ولإسناد شيخ الهند طرق آتية:

стр. 7981

الأول: عن الحجّة العارف الشيخ محمد قاسم النانوتوي، عن الشيخ الحجّة الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، كلاهما عن الشيخ المحدث الشاه عبد الغني الدهلوي، نزيل "المدينة المنورة". الثاني: عن الشيخ المحدث مولانا أحمد علي السهارنفوري، محشّي "صحيح البخاري". الثالث: عن الشيخ العارف محمد مظهر النانوتوي. الرابع: عن الشيخ المحدث القاري عبد الرحمن الفاني فتي. وهؤلاء الأعلام: الشاه عبد الغني، والمحدث السهارنفوري، والمظهر النانوتوي، والمحدث الفاني فتي، كلهم عن الشيخ الأجلّ المحدث الشاه محمد إسحاق الدهلوي، عن حبر الأمة المحدّث العارف الشيخ عبد العزيز الدهلوي، عن والده الشيخ الإمام الحجّة قطب الدين أبي الفيّاض أحمد المدعو بـ الشاه ولي الله الدهلوي، عن الشيخ أبي طاهر المدني، عن والده الشيخ إبراهيم الكردي، عن الشيخ المزاحي، عن الشهاب أحمد السبكي، عن الشيخ النجم الغيطي، عن الشيخ زين الدين زكريا، عن عز الدين الشيخ عبد الرحيم، عن الشيخ عمر المراغي، عن الفخر بن البخاري، عن عمر بن طبرزد البغدادي بإسناده إلى الحافظ الحجة أبى عسيى الترمذي، صاحب "الجامع". ومن شاء الاطلاع على أسانيد الشيخ عبد الغني، وأحوال رجالها فليراجع إلى "اليانع الجني في أسانيد الشيخ عبد الغني"، وقد طبع بـ "حيدر آباد" مرة، وأخرى بـ "ديوبند". ٢ - عن الشيخ محمد أنور شاه الكشميري، عن شيخه الشيخ المحدّث الصالح محمد إسحاق الكشميري المتوفى بـ "المدينة" مهاجرا سنة ١٣٢٢ هـ، عن الشيخ السيّد نعمان الآلوسي، عن والده الشيخ الحبر محمود الآلوسي

стр. 7982

البغدادي، صاحب "روح المعاني"، بالإسناد المثبت في "ثبته"، وهذا هو الاسناد الذى يقول لأجله شيخ شيخنا الأنور ﵀ في بعض مؤلّفاته: قال شيخي بواسطتين محمود الآلوسي في "روح المعاني"، فاغتنمْه. ٣ - عن الشيخ إمام العصر الكشميري، عن الشيخ حسين الطرابلسي الجسر، صاحب "الرسالة الحميدية"، و"الحصون الحميدية" بإسناده إلى الشيخ السيّد أحمد الطحطاوى المصري، شارح "الدر المختار"، و"مراقي الفلاح"، استجاز عنه شيخ الشيخ ﵀ بـ "المدينة المنورة"، زادها الله شرفا وتعظيما. ٤ - عن الشيخ عبد الرحمن الأمروهوي. ٥ - عن الشيخ حسين أحمد المدني، صدر المدرسين بدار العلوم الديوبندية. ٦ - عن الشيخ شبير أحمد العثماني. ٧ - عن الشيخ المفتي عزيز الرحمن، مفتي دار العلوم الديوبندية. ٨ - عن الشيخ حسين بن محمد الطرابلسي. ٩ - عن الشيخ البحّاثة محمد زاهد الكوثري، وكيل اللجنة الدراسية لشيخ الاسلام بـ"إستانبول إلى أن صار فيما بعد رئيسا لهذه اللجنة، ولكنه انزوى من "تركيا"، وأقام بـ"مصر"، وكان إماما في معرفة المخطوطات والكتب النادرة في مكاتيب البلاد الإسلامية، وبالأخصّ لخزانات "الآستانة". ١٠ - الشيخ عمر بن حمدان المقدسى المالكى المغربى. ١١ - الشيخ محمد بن حبيب الله مايأبي الجكني الشنقيطي، مدرس الحديث بكلية أصول الدين بـ "مصر".

стр. 7983

١٢ - الشيخ خليل الخالدي المقدسى. ١٣ - الشيخ أمة الله بنت الشيخ عبد الغني المحدث، صاحب "اليانع الجني"، وغيرهم، رحمهم الله تعالى جميعا. هذه نبذه إجمالية عن مشايخه، ولا تسع هذه المقدمة التفصيل، فنكتفى بهذا القدر، وقد حصل لي الإجازة عن شيخي ﵀ عن هذه الطرق جميعها، فلله الحمد والشكر والمنة، كما أنه حصل لي الإجازة عن: ١ - الشيخ محمد طيّب الديوبندي، عن الشيخ الكشميري إلخ. ٢ - الشيخ محمد طيّب الديوبندي، عن والده الشيخ محمد أحمد النانوتوي، عن الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، عن الشيخ عبد الغني. ٣ - الشيخ محمد طيّب الديوبندي، عن الشيخ خليل أحمد السهارنفوري، عن الشيخ عبد القيّوم البدهانوي، عن الشماه محمد إسحاق، عن الشاه عبد العزيز الدهلوي، عن الشاه ولي الله الدهلوي. ٤ - الشيخ عبد العزيز الرائفوري، عن الشيخ خليل أحمد السهارنفوري إلخ. ٥ - الشيخ حسن مشَّاط المالكي المكى، وأسانيده مطبوعة في رسالته "الإرشاد بذكر بعض ما لي من الإجازة والإسناد". هذه نبذة إجمالية عن مشايخه وأساتذته في الحديث الشريف، ولا تسع هذه العُجَالة التفصيل، فنكتفى بهذا القدر. تلاميذه: أما تلاميذه فهم لا يحصون كثرة، ولا يخلو بلد من البلاد الإسلامية إلا وتوجد فيها جماعة من تلامذته أو تلامذة تلاميذه، ونذكر فيما يلى بعض النابغين ممن استجاز منه في الحديث النبوي الشريف من مشاهير عصرنا:

стр. 7984

١ - الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الصنيع، رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بـ "مكة المكرمة". ٢ - الشيخ المحدث حسن المشَّاط المالكى المدرّس بالمدرسة الصولتية بـ "مكة المكرمة". ٣ - العالم الصالح الشيخ إبراهيم الحنفى المهاجر المدني. ٤ - الشيخ عبد العزيز عيون السود الحمصى السورى. ٥ - الشيخ على محمد مراد الحموي. ٦ - الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة، المحقق البحّاثة، وغيرهم ممن يطول بذكرهم الكلام في هذا المقام. الشيخ وتدرسيه للعلوم: قام بتدريس العلوم طيلة حياته السعيدة المليئة بالطاعات وخدمة الدين، درس كتب الفقه والحديث الشريف، ومن أهمها: الأمّهات الست، كان يدرّسها تدريس بحث وتحقيق، ولا سيّما "سنن أبي داود"، و"جامع الترمذي"، و"صحيح البخاري"، وكان لا يترك مسئلة يحتاج إلى التحقيق، حتى يقتلها بحثا، ودرس "موطأ مالك"، و"موطأ محمد"، و"مقدمة ابن الصلاح"، كما كان له ملكة راسخة في التفسير، وكان يأتي بنكات تفسيرية دقيقة، يدهش أرباب العلم سماعها، ويطرب أرباب البصيرة الوقوف عليها، ولم يزل مدرّسا للحديث النبوي، إلى أن ارتحل إلى الديار الآخرة، ووهبه الله جلّ وعلا قدما راسخا في علم الحديث، وكان ذلك من ميزاته من بدء تدريسه. ومن الطرائف: أنه عند ماكان مدرسا في الجامعة الإسلامية بـ"دابيل"، كان مدرسوا الحديث أنذاك ثلاتة من العلماء: الشيخ عبد الرحمن

стр. 7985

الأمروهوي، والشيخ بدر عالم الميرتهي، ثم المدني، وشيخنا البنوري ﵏ جميعا، فتفرق الأمر فيمن يقوم بتدريس "جامع الترمذي"، حيث إنه و"صحيح البخاري"، و"سنن أبي داود" من الكتب الأساسية في الصف النهائي لطلبة الحديث، فاتفق أرباب المجلس للجامعة على أن يؤخذ رأي الطلبة في ذلك، فثلاثة من الطلاب أبدوا رأيهم لدراسته عند الشيخ بدر عالم، وسبعة منهم ذهبوا إلى تدريسه إلى الشيخ عبد الرحمن الأمروهوي، وسبعة وعشرون أيَّدوا رأي من يقدم الشيخ البنوري لتدريسه، ويودّ الدراسة منه. ودرس "جامع الترمذي" بكل تحقيق وتدقيق، وشرح ذلك الكتاب باسم "معارف السنن"، كما أنه قام بتدريس "سنن أبي داود"، وحلّ مغامضه ومشكلاته، ولا يزال يذكره كل من درس منه ذلك الكتاب. كما قد تتلمذ عليه الطلاب لدراسة "الإتقان"، و"مقدمة ابن خلدون"، كتب أخرى كثيرة. الشيخ وكفاحه: إنه رحمه الله تعالى مع قيامه بالتدريس والتصنيف ما زال يكافح الفرق الزائغة، والمذاهب الهدّامة، والأفكار الإلحادية، والآراء اللادينية، وله جهود جبّارة في سبيل إخماد هذه الفتن، واشترك في جهاد الحرية واستخلاص الوطن من أيد غاصبة، وما ذلك إلا لكون صلته بالله قوية، وإيمانه راسخا، تجد فيه غيرة إيمانية، وشجاعة دينية، وحماسا في سبيل الإيمان والدين، وفيما يلى نبذة إجمالية لمكافحة الفرق الهدّامة الضالة: ١ - فتنة عناية الله المشرقي: وكان المشرقي صاحب لواء حزب خاكساران، وقد كافحه الشيخ كفاحا شديدا، لما رأى سكّان "بشاور" يتأثرون بأكاذيبه ومختلقاته، فناظره، وبَاهَله، وبين للناس دجله، ولما سافر
следующие страницы →