Полный текст (563 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
١٧٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَلَكُوا مَفَازَةً ⦗٨٥⦘ غَبْرَاءَ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَدْرُوا مَا سَلَكُوا مِنْهَا أَكْثَرُ أَوْ مَا بَقِيَ، أَنْفَدُوا الزَّادَ، وَحَسَرُوا الظَّهْرَ، وَبَقُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْمَفَازَةِ، لَا زَادَ، وَلَا حَمُولَةَ، فَأَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ فِي حُلَّةٍ يَقْطُرُ رَأْسُهُ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا قَرِيبُ عَهْدٍ بِرِيفٍ، وَمَا جَاءَهُمْ هَذَا إِلَّا مِنْ قَرِيبٍ. قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ، قَالُوا: يَا هَذَا، قَالَ: عَلَامَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: عَلَى مَا تَرَى. قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ هَدَيْتُكُمْ إِلَى مَاءٍ رُوَاءٍ وَرِيَاضٍ خُضْرٍ، مَا تَعْمَلُونَ؟ قَالُوا: لَا نَعْصِيكَ شَيْئًا. قَالَ: عُهُودَكُمْ وَمَوَاثِيقَكُمْ بِاللَّهِ، قَالَ: فَأَعْطُوهُ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ بِاللَّهِ لَا يَعْصُونَهُ شَيْئًا. قَالَ: فَأَوْرَدَهُمْ مَاءً رُوَاءً وَرِيَاضًا خُضْرًا " قَالَ: فَمَكَثَ فِيهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ، قَالُوا: يَا هَذَا، قَالَ: الرَّحِيلُ. قَالُوا إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى مَاءٍ لَيْسَ كَمَائِكُمْ، وَإِلَى رِيَاضٍ لَيْسَتْ كَرِيَاضِكُمْ. قَالَ: فَقَالَ جُلُّ الْقَوْمِ، وَهُمْ أَكْثَرُهُمْ: وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا هَذَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّا لَنْ نَجِدَهُ، وَمَا نَصْنَعُ بِعَيْشٍ خَيْرٍ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ وَهُمْ أَقَلُّهُمْ: أَلَمْ تُعْطُوا هَذَا الرَّجُلَ عُهُودَكُمْ وَمَوَاثِيقَكُمْ بِاللَّهِ أَلَّا تَعْصُوهُ شَيْئًا، وَقَدْ صَدَقَكُمْ فِي أَوَّلِ حَدِيثِهِ، فَوَاللَّهِ لَيَصْدُقَنَّكُمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَ: فَرَاحَ فِيمَنِ اتَّبَعَهُ، وَتَخَلَّفَ بَقِيَّتُهُمْ، فَنَذَرَ بِهِمْ عَدُوٌّ، فَأَصْبَحُوا مَا بَيْنَ أَسِيرٍ وَقَتِيلٍ "
стр. 177
١٧٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْمَاشِي فِي الْمَاءِ، هَلْ يَسْتَطِيعُ الَّذِي يَمْشِي فِي الْمَاءِ أَلَّا تَبْتَلَّ قَدَمَاهُ؟»
стр. 178
١٧٨ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ شَيْخٍ، لَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇: " بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ: كَمَا يَنْظُرُ الْمَرِيضُ إِلَى طَيِّبِ الطَّعَامِ فَلَا يَلْتَذُّ بِهِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ، كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا يَلْتَذُّ الْعِبَادَةَ، وَلَا يَجِدُ حَلَاوَتَهَا مَعَ مَا يَجِدُ مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا " بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الدَّابَّةَ إِذَا لَمْ تُرْكَبْ وَتُمْتَهَنْ تَصَعَّبَتْ وَتَغَيَّرَ خُلُقُهَا، كَذَلِكَ الْقُلُوبُ إِذَا لَمْ تُرَقَّقْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَيَنْصَبُهَا دَأَبُ الْعِبَادَةِ تَقْسُو وَتَغْلُظُ " بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الزِّقَّ إِذَا لَمْ يَتَخَرَّقْ أَوْ يَقْحَلْ، فَسَوْفَ يَكُونُ وِعَاءً لِلْعَسَلِ، وَكَذَلِكَ الْقُلُوبُ مَا لَمْ تَخْرِقْهَا الشَّهَوَاتُ، أَوْ يُدَنِّسُهَا الطَّمَعُ، أَوْ يُقَسِّيهَا النَّعِيمُ، فَسَوْفَ تَكُونُ أَوْعِيَةً ⦗٨٧⦘ لِلْحِكْمَةِ
стр. 179
١٧٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ لُقْمَانَ، قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ يَغْرَقُ فِيهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَحَشْوُهَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ، لَعَلَّكَ تَنْجُو وَمَا أَرَاكَ بِنَاجٍ
стр. 180
١٨٠ - حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ، سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، ﵇ قَالَ: وَيْلٌ لِصَاحِبِ الدُّنْيَا كَيْفَ يَمُوتُ وَيَتْرُكُهَا، وَتَغُرُّهُ وَيَأْمَنُهَا، وَتَخْذُلُهُ وَيَثِقُ بِهَا؟ وَيْلٌ لِلْمُغْتَرِّينَ كَيْفَ أَرَتْهُمْ مَا يَكْرَهُونَ، وَفَارَقَهُمْ مَا يُحِبُّونَ، وَجَاءَهُمْ مَا يُوعَدُونَ؟ وَيْلٌ لِمَنِ الدُّنْيَا هَمُّهُ، وَالْخَطَايَا عَمَلُهُ كَيْفَ يَفْتَضِحُ غَدًا بِذَنَبِهِ؟
стр. 181
١٨١ - حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْطَاكِيَّ، قَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا لَنَا مِنْ أَنْ لَا نَمْتَحِنَ بِالدُّنْيَا
стр. 182
١٨٢ - حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَادَةُ أَبُو مَرْوَانَ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ ⦗٨٨⦘ إِلَى مُوسَى: يَا مُوسَى مَا لَكَ وَلِدَارِ الظَّالِمِينَ؟ إِنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ بِدَارٍ، أَخْرِجْ مِنْهَا هَمَّكَ، وَفَارِقْهَا بِعَقْلِكَ، فَبِئْسَتِ الدَّارُ هِيَ، إِلَّا لِعَامِلٍ فِيهَا، فَنِعْمَتِ الدَّارُ هِيَ. يَا مُوسَى إِنِّي مُرْصَدٌ لِلظَّالِمِ حَتَّى آخُذَ مِنْهُ لِلْمَظْلُومِ
стр. 183
١٨٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُحْرِزٍ الطُّفَاوِيُّ: كَلِفَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَلَمْ يَنَالُوا مِنْهَا فَوْقَ قِسْمَتِهِمْ، وَأَعْرَضُوا عَنِ الْآخِرَةِ، وَبِبُغْيَتِهَا يَرْجُو الْعِبَادُ نَجَاةَ أَنْفُسِهِمْ " قَالَ: قَالَ أَبُو مُحْرِزٍ: لَمَّا بَانَ لِلْأَكْيَاسِ أَعْلَى الدَّارَيْنِ مَنْزِلَةً، طَلَبُوا الْعُلُوَّ بِالْعُلُوِّ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَعَمِلُوا أَنَّ الشَّيْءَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِأَكْثَرَ مِنْهُ، فَبَذَلُوا أَكْثَرَ مَا عِنْدَهُمْ، بَذَلُوا وَاللَّهِ لِلَّهِ الْمُهَجَ؛ رَجَاءَ الرَّجَاءِ لَدَيْهِ وَالْفَرَجِ فِي يَوْمٍ لَا يَخِيبُ فِيهِ لَهُ طَالِبٌ
стр. 184
١٨٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: ثنا مِسْعَرٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، قَالَ: كَانَ مَسْرُوقٌ يَرْكَبُ بَغْلَتَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ، وَيَحْمِلُنِي خَلْفَهُ، فَنَأْتِي كُنَاسَةً بِالْحِيرَةِ قَدِيمَةً، فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا بَغْلَتَهُ، وَيَقُولُ: «الدُّنْيَا تَحْتَنَا»
стр. 185
١٨٥ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أنا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ ⦗٨٩⦘ بْنُ نَشِيطٍ، قَالَ: ثنا كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ مَسْعُودٍ التُّجِيبِيُّ: إِذَا رَأَيْتَ الْعَبْدَ دُنْيَاهُ تَزْدَادُ وَآخِرَتُهُ تَنْقُصُ، مُقِيمًا عَلَى ذَلِكَ، رَاضِيًا بِهِ فَذَلِكَ الْمَغْبُونُ الَّذِي يَلْعَبُ بِوَجْهِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
стр. 186
١٨٦ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ، قَالَ: أنبأ عَبْدُونُ، قَالَ: أنبأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا وُهَيْبٌ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ﵇: " أَرْبَعٌ لَا تَجْتَمِعُ فِي أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا تَعَجَّبَ: الصَّمْتُ وَهُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ، وَالتَّوَاضُعُ لِلَّهِ ، وَالزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا، وَقِلَّةُ الشَّيْءِ
стр. 187
١٨٧ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أنا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أنا حُرَيْثُ بْنُ السَّائِبِ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَزْبَلَةٍ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْمَزْبَلَةِ» ، ثُمَّ قَالَ: «وَلَوْ أَنَّ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ ذُبَابٍ مَا أَعْطَى كَافِرًا مِنْهَا شَيْئًا» . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ مِنَ الشُّعَرَاءِ:
[البحر البسيط]
أَمَا مَرَرْتَ بِسَاحَاتٍ مُعَطَّلَةٍ ... فِيهَا الْمَزَابِلُ كَانَتْ قَبْلُ مَغْشِيَّهْ
أَمَا نَظَرْتَ إِلَى الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ... بِزُخْرِفٍ مِنْ غُرُورِ اللَّهْوِ مَوْشِيَّهْ
أَعْظِمْ بَحَمْقَةِ نَفْسٍ لَا تَكُونُ بِمَا ... تُعْنَى بِهِ صُرُوفِ الدَّهْرِ مَعْنِيَّهْ
لِلَّهَ دَرُّ أَذَى عَيْنٍ تَقَرُّ بِهَا ... وَإِنَّهَا لَعَلَى التَّنْغِيصِ مَبْنِيَّهْ ⦗٩٠⦘
أَمْلَى عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ هَذِهِ الرِّسَالَةَ: أَمَّا بَعْدُ عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ شَرِّ دَارٍ قَدْ أَدْبَرَتْ، وَالنُّفُوسُ عَلَيْهَا قَدْ وَلِهَتْ، وَرُزِقْتُ وَإِيَّاكَ خَيْرَ دَارٍ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَالْقُلُوبِ عَنْهَا قَدْ غُلِقَتْ، وَكَأَنَّ الْمَعْمُورَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ قَدْ تَرَحَّلَ عَنْ أَهْلِهِ، وَكَأَنَّ الْمَغْفُولَ عَنْهُ مِنْ تِلْكِ الدَّارِ قَدْ أَنَاخَ بِأَهْلِهِ، فَغَنِمَ غَانِمٌ، وَنَدِمَ نَادِمٌ، وَاسْتَقْبَلَ الْخَلْقُ خُلْدًا لَا يَزُولُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِمْ جَبَّارٌ لَا يَجُورُ، فَهُنَالِكَ قُطِعَ الْهُمُومُ، وَصَغُرَ مَا دُونَهُ مِنْ مَتَاعِ هَذَا الْغُرُورِ، وَالسَّلَامُ
стр. 188
١٨٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا جُعِلَتْ قَلِيلًا فَمَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا قَلِيلٌ مِنْ قَلِيلٍ أَنْشَدَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الثَّقَفِيُّ:
[البحر الهزج]
فَتًى مَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا ... وَغَرَّتْهُ بِبَارِقِهَا
فَلَاذَ بِهَا وَعَانَقَهَا ... وَبِئْسَتْ عُرْسُ عَاشِقِهَا
غَدَا يَوْمًا لِضَيْعَتِهِ ... لِيُصْلِحَ مِنْ مَرَافِقِهَا
فَلَمَّا جَاءَهَا وَالشَّمْسُ ... تُزْهِرُ فِي مَشَارِقِهَا
تَلَقَّتْهُ جَدَاوِلُهَا ... تَفَجَّرُ فِي حَدَائِقِهَا
وَأَطْرَفَ مِنْ طِرَائِفِهَا ... جَنِيًّا مِنْ بَوَاسِقِهَا
وَجِيءَ بِخَيْرِهَا ثَمَرًا ... وَأَطْيَبَهَا لِذَائِقِهَا
وَأَطْعِمَةٍ مُؤَلَّفَةٍ ... تَبَايَنَ فِي مَذَائِقِهَا ⦗٩١⦘
فَأَمْعَنَ فِي ثَرَايِدِهَا ... وَأَكْثَرَ مِنْ شَرَائِقِهَا
وَجِيءَ بِقْهَوَةٍ صِرْفٍ ... تُسَاقُ بِكَفِّ سَائِقِهَا
بِكَفِّي طَفْلَةٍ خَوْدٍ ... تُثَنَّى فِي مَخَانِقِهَا
فَحَدَّثَ نَفْسَهُ كَذِبًا ... وَزُورًا غَيْرَ صَادِقِهَا
وَمَنَّاهَا الْخُلُودَ بِهَا ... عَمِيًّا عَنْ بَوَائِقِهَا
فَأَصْبَحَ هَالِكًا فِيهَا ... عَلَى أَدْنَى نَمَارِقِهَا
وَلَاذَ بِنَعْشِهِ عُصَبٌ ... تَسِيرُ عَلَى عَوَاتِقِهَا
إِلَى دَارِ الْبِلَى فَرْدًا ... وَحِيدًا فِي مَضَايِقِهَا
أَلَا إِنَّ الْأُمُورَ غَدًا ... تَصِيرُ إِلَى حَقَائِقِهَا
أَنْشَدَنِي أَبِي ﵀:
[البحر الهزج]
دَعِ الدُّنْيَا لِنَاكِحِهَا ... يَسْتَصْبِحُ مِنْ ذَبَائِحِهَا
وَلَا تَغْرُرْكَ رَائِحَةٌ ... تُصِيبُكَ مِنْ رَوَائِحِهَا
أَرَى الدُّنْيَا وَإِنْ عُشِقَتْ ... تَدُلُّ عَلَى فَضَائِحِهَا
مُصَدِّقَةٌ لِعَايِبِهَا ... مُكَذِّبَةٌ لِمَادِحِهَا ⦗٩٢⦘
أَنْشَدَنِي عَامِرُ بْنُ عَامِرٍ الْهَمْدَانِيُّ:
إِنَّمَا الدُّنْيَا إِلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ طَرِيقُ
وَاللَّيَالِي مَتْجَرُ الْإِنْسَانِ وَالْأَيَّامُ سُوقُ
أَنْشَدَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ:
[البحر الطويل]
إِذَا لَمْ يَعِظْنِي وَاعِظٌ مِنْ جَوَارِحِي ... بِنَفْعٍ فَمَا شَيْءٌ سِوَاهُ بِنَافِعِي
أُؤَمِّلُ دُنْيَا أَرْتَجِي مِنْ رَخَائِهَا ... غِلَالَةَ سُمٍّ مُورِدِ الْمَوْتِ نَاقِعِ
وَمَنْ يَأْمَنِ الدُّنْيَا يَكُنْ مِثْلَ آخِذٍ ... عَلَى الْمَاءِ خَانَتْهُ فُرُوجُ الْأَصَابِعِ
وَكَالْحَالِمِ الْمَسْرُورِ عِنْدَ مَنَامِهِ ... بِلَذَّةٍ أَصْغَاثٍ مِنَ لِأَحْلَامِ هَاجِعِ
فَلَمَّا تَوَلَّى اللَّيْلُ وَلَّى سُرُورُهُ ... وَعَادَتْ عَلَيْهِ عَاطِفَاتُ الْفَجَائِعِ
أَنْشَدَنِي الْحَسَنُ بْنُ السَّكَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ:
[البحر المتقارب]
حَيَاتُكَ بِالْهَمِّ مَقْرُونَةٌ ... فَمَا تَقْطَعُ الْعَيْشَ إِلَّا بِهَمِّ
لَذَاذَاتُ دُيْنَاكَ مَسْمُومَةٌ ... فَمَا تَأْكُلُ الشَّهْدَ إِلَّا بِسُمِّ
إِذَا تَمَّ أَمْرٌ بَدَا نَقْصُهُ ... تَوَقَّعْ زَوَالًا إِذَا قِيلَ تَمِّ
стр. 189
١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أنا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: خَطَبَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْمٍ، وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ ⦗٩٣⦘ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ، وَإِنَّكُمْ مُفَارِقُوهَا لَا مَحَالَةَ، فَانْتَقِلُوا مِنْهَا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَانَتْ قَبْلَكُمْ نُبُوَّةٌ إِلَّا تَنَاسَخَتْ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُهَا مُلْكًا، وَسَتُبْلَوَنَّ الْأُمَرَاءُ بَعْدَنَا» قَالَ الْحَسَنُ: فَلَقِيَنَا بَعْدُ عِبَرًا «وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا، وَعِنْدَ اللَّهِ صَغِيرًا. وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا مَا نُصِيبُ مِنْ وَرِقِ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا مِنْ أَكْلِ الشَّجَرِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي الْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَمَا عَلِمْتُ مِنَ السَّبْعَةِ حَيًّا الْيَوْمَ إِلَّا قَدْ أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ، أَعَجَبْتُمْ؟ فَمَا بَعْدَكُمْ أَعْجَبُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ حَجَرًا قُذِفَ فِي شَفِيرِ جَهَنَّمَ مَا بَلَغَ قَعْرَهَا سَبْعِينَ سَنَةً. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُمْلَأَنَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ سَاعَةٌ وَهُوَ كَظِيظٌ»
стр. 190
١٩٠ - ثنا عُثْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ رَبَاحٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ قَوْمًا قَطُّ أَرْغَبَ فِيمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزْهَدُ فِيهِ مِنْكُمْ، تَرْغَبُونَ فِي الدُّنْيَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزْهَدُ فِيهَا، وَاللَّهِ مَا مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثٌ مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي لَهُ
стр. 191
١٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أنا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُنَادَةَ الْمَعَافِرِيُّ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ، فَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ»
стр. 192
١٩٢ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أنبأ عَبْدَانُ، قَالَ: أنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: الدُّنْيَا جُنَّةُ الْكَافِرِ، وَسِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ حِينَ تَخْرُجُ نَفْسُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ فِي سِجْنٍ فَأُخْرِجَ مِنْهُ، فَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ فِي الْأَرْضِ وَيَتَفَسَّحُ فِيهَا
стр. 193
١٩٣ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أنا ⦗٩٥⦘ عَبْدَانُ، قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ رَبِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا بَلَاءً وَفِتْنَةً، وَإِنَّمَا مَثَلُ عَمَلِ أَحَدِكِمْ كَمَثَلِ الْوِعَاءِ، إِذَا طَابَ أَعْلَاهُ طَابَ أَسْفَلُهُ ، وَإِذَا خَبُثَ أَعْلَاهُ خَبُثَ أَسْفَلُهُ»
стр. 194
١٩٤ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أنا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أنا الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورِ﴾ [لقمان: ٣٣] قَالَ: مَنْ قَالَ ذَا؟ قَالَ: مَنْ خَلَقَهَا، وَمَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِهَا
стр. 195
١٩٥ - قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ: إِيَّاكُمْ وَمَا شَغَلَ مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا كَثِيرَةُ الْأَشْغَالِ، لَا يَفْتَحُ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ شُغْلٍ إِلَّا أَوْشَكَ ذَلِكَ الْبَابُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَبْوَابٍ
стр. 196
١٩٦ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ، قَالَ: أنا عَبْدَانُ، قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أنبا طَلْحَةُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " الْمُؤْمِنُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَا قَالَهُ اللَّهُ كَمَا قَالَ، وَالْمُؤْمِنُ أَحْسَنُ النَّاسِ عَمَلًا، وَأَشَدُّ النَّاسِ خَوْفًا ، لَوْ أَنْفَقَ جَبَلًا مِنْ مَالٍ مَا أَمِنَ دُونَ أَنْ يُعَايِنَ، وَلَا يَزْدَادُ صَلَاحًا وَبِرًّا وَعِبَادَةً إِلَّا ازْدَادَ فَرَقًا، يَقُولُ: وَلَا أَنْجُو، ⦗٩٦⦘ وَالْمُنَافِقُ يَقُولُ: سَوَادُ النَّاسِ كَثِيرٌ وَسَيُغْفَرُ لِي، وَلَا بَأْسَ عَلَيَّ، يَسِيئُ فِي الْعَمَلِ وَيَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
стр. 197
١٩٧ - ثنا أَبُو سَعِيدٍ الْمَدِينِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ مَنْظُورٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَتَبَ إِلَى أَخٍ لَهُ: يَا أَخِي إِنَّكَ قَدْ قَطَعْتَ عَظِيمَ السَّفَرِ وَبَقِيَ أَقَلُّهُ، فَاذْكُرْ يَا أَخِي، الْمَصَادِرَ وَالْمَوَارِدَ، فَقَدْ أُوحِيَ إِلَى نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْوُرُودِ، وَلَمْ يُخْبِرْكَ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الصَّدْرِ وَالْخُرُوجِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَغُرَّكَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ «أَيْ أَخِي إِنَّ أَجَلَكَ قَدْ دَنَا، فَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ، وَلَا تَجْعَلِ الرِّجَالَ أَوْصِيَاءَكَ»
стр. 198
١٩٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْجَنْبِيُّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ نَاجَى مُوسَى ﵇، فَقَالَ: يَا مُوسَى إِنَّهُ لَمْ يَتَصَنَّعْ لِي الْمُتَصَنِّعُونَ بِمِثْلِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يَتَقَرَّبْ إِلَيَّ الْمُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ الْوَرَعِ عَمَّا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ "
стр. 199
١٩٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، قَالَ: أُخْبِرْتُ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُنَا؟ قَالَ: «أَزْهَدُكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبُكُمْ فِي الْآخِرَةِ»
стр. 200
٢٠٠ - ثنا عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ بْنُ هِلَالٍ النَّصِيبِيُّ، قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ ﵇: يَا دُنْيَا مَا أَهْوَنَكِ عَلَى الْأَبْرَارِ الَّذِينَ تَصَنَّعْتِ لَهُمْ، وَتَزَيَّنْتِ لَهُمْ إِنِّي قَدْ قَذَفْتُ فِي قُلُوبِهِمْ بُغْضَكِ وَالصُّدُودَ عَنْكِ ، مَا خَلَقْتُ خَلْقًا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْكِ، كُلُّ شَأْنِكِ صَغِيرٌ، وَإِلَى الْفَنَاءِ تَصِيرِينَ، قَضَيْتُ عَلَيْكِ يَوْمَ خَلَقْتُ الْخَلْقَ أَلَّا تَدُومِي لِأَحَدٍ، وَلَا يَدُومُ لَكِ أَحَدٌ، وَإِنْ بَخِلَ بِكِ صَاحِبُكِ وَشَحَّ عَلَيْكِ، طُوبَى لِلْأَبْرَارِ الَّذِينَ أَطْلَعُونِي مِنْ قُلُوبِهِمْ عَلَى الرِّضَا، وَأَطْلَعُونِي مِنْ ضَمِيرِهِمْ عَلَى الصِّدْقِ وَالِاسْتِقَامَةِ، طُوبَى لَهُمْ مَا لَهُمْ عِنْدِي مِنَ الْجَزَاءِ إِذَا وَفَدُوا إِلَيَّ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَّا النُّورُ يَسْعَى أَمَامَهُمْ، وَالْمَلَائِكَةُ حَافُّونَ بِهِمْ حَتَّى أَبْلُغَ بِهِمْ مَا يَرْجُونَ مِنْ رَحْمَتِي
стр. 201
٢٠١ - حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: أَهْدَيْتُ إِلَى صَدِيقٍ لِي سُكَّرًا، فَكَتَبَ إِلَيَّ: لَا تَعُدْ وَدَعِ الْإِخَاءَ عَلَى حَالِهِ حَتَّى نَلْتَقِيَ وَلَيْسَ فِي الْقُلُوبِ شَيْءٌ. ثُمَّ كَتَبَ فِي أَسْفَلِ كِتَابِهِ: مَا طَالِبُ الدُّنْيَا مِنْ حَلَالِهَا وَجَمِيلِهَا وَحَسَنِهَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْمَحْمُودِ وَلَا الْمَغْبُوطِ، فَكَيْفَ مَنْ طَلَبَهَا مِنْ أَيْدِي ⦗٩٨⦘ الْمَخْلُوقِينَ وَمَنْ قَذَّرَهَا وَنَكَّدَهَا بِالْعَارِ وَالْمَنْقَصَةِ
стр. 202
٢٠٢ - حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ، أَحْسَبُهُ عَنْ حُصَيْنٍ، قَالَ: جَاءَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ مِنْ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَقَدْ صَلَّى بِهِمُ الْعَتَمَةَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْمِهِ وَجَدَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ، فَقَالَ: فِيمَ كُنْتُمْ؟ قَالُوا: كُنَّا نَتَذَاكَرُ مَوْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْمُصِيبَةَ بِهِ، فَقَالَ: أَنْتُمْ تُرِيدُونَ بَقَاءَ الدُّنْيَا وَقَدْ أَبَى اللَّهُ إِلَّا فَنَاءَهَا، وَإِنَّمَا فَنَاءُ الدُّنْيَا بِذَهَابِ الصَّالِحِينَ
стр. 203
٢٠٣ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعِجْلِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ﵁ خَطَبَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأُومِنُ بِهِ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدْى وَدِينِ الْحَقِّ لِيَزِيحَ بِهِ عِلَّتَكُمْ، وَلِيُوقِظَ بِهِ غَفْلَتَكُمْ. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَيِّتُونَ وَمَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ، وَمَوْقُوفُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، وَمَجْزِيُّونَ بِهَا، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا دَارٌ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْفَنَاءِ مَعْرُوفَةٌ، وَبِالْغَدْرِ مَوْصُوفَةٌ، فَكُلُّ مَا فِيهَا إِلَى زَوَالٍ، وَهِيَ بَيْنَ أَهْلِهَا دُوَلٌ وَسِجَالٌ، لَا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلَنْ يَسْلَمَ مِنْ شَرِّهَا نُزَّالُهَا، بَيْنَا أَهْلُهَا مِنْهَا فِي رَخَاءٍ وَسُرُورٍ، إِذَا هُمْ مِنْهَا فِي بَلَاءٍ وَغُرُورٍ، أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَتَارَاتٌ ⦗٩٩⦘ مُتَصَرِّفَةٌ، وَالْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالرَّخَاءُ فِيهَا لَا يَدُومُ، وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا، وَتُغَصِّصُهُمْ بِحِمَامِهَا، وَكُلٌّ حَتْفُهُ فِيهَا مَقْدُورٌ، وَحَظُّهُ فِيهَا مَوْفُورٌوَاعْلَمُوا - عِبَادَ اللَّهِ - أَنَّكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ زَهْرَةِ هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى، مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَارًا، وَأَشَدَّ مِنْكُمْ بَطْشًا، وَأَعْمَرَ دِيَارًا، وَأَبْعَدَ آثَارًا، فَأَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً خَامِدَةً مِنْ بَعْدِ طُولِ تَقَلُّبِهَا، وَأَجْسَادُهُمْ بَالِيَةً، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً، وَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ، وَالسُّرُرِ وَالنَّمَارِقِ الْمُمَهَّدَةِ الصُّخُورَ وَالْأَحْجَارَ الْمُسْنَدَةَ فِي الْقُبُورِ اللَّاطِئَةَ الْمُلْحَدَةَ الَّتِي قَدْ بُنِيَ بِالْخَرَابِ فَنَاؤُهَا، وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا، فَمُحِلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ بَيْنَ أَهْلِ عِمَارَةٍ مُوحِشِينَ، وَأَهْلِ مَحَلَّةٍ مُتَشَاغِلِينَ، لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْعُمْرَانِ، وَلَا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيرَانِ وَالْإِخْوَانِ عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ وَدُنُوِّ الدَّارِوَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَوَاصُلٌ وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى، فَأَصْبَحُوا بَعْدَ الْحَيَاةِ أَمْوَاتًا، وَبَعْدَ غَضَارَةِ الْعَيْشِ رُفَاتًا، فُجِعَ بِهِمُ الْأَحْبَابُ، وَسَكَنُوا التُّرَابَ، وَظَعَنُوا فَلَيْسَ لَهُمْ إِيَابٌ. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ⦗١٠٠⦘ ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنَ الْبِلَى وَالْوَحْدَةِ فِي دَارِ الْمَوْتَى، وَارْتُهِنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْمَضْجَعِ، وَضَمَّكُمْ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ، فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ قَدْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ، وَبُعْثِرَتِ الْقُبُورُ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، وَأَوْقِفْتُمْ لِلتَّحْصِيلِ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْجَلِيلِ، فَطَارَتِ الْقُلُوبُ لِإِشْفَاقِهَا مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ، وَهُتِكَتْ عَنْكُمُ الْحُجُبُ وَالْأَسْتَارُ، وَظَهَرَتْ مِنْكُمُ الْغُيُوبُ وَالْأَسْرَارُ؟ هُنَالِكَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] جَعَلْنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ عَامِلِينَ بِكِتَابِهِ، مُتَّبِعِينَ لِأَوْلِيَائِهِ، حَتَّى يُحِلَّنَا وَإِيَّاكُمْ دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ "
стр. 204
٢٠٤ - حَدَّثَنِي أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ، يَقُولُ: بِقَدْرِ مَا تَفْرَحُ لِلدُّنْيَا كَذَلِكَ تُخْرِجُ حَلَاوَةَ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِكَ "
стр. 205
٢٠٥ - وَحَدَّثَنِي أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ، يَقُولُ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ لِلْحَوَارِيِّينَ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ كُلُوا خُبْزَ الشَّعِيرِ، وَالْمَاءَ الْقَرَاحَ وَنَبَاتَ الْأَرْضِ، فَإِنَّكُمْ لَا تَقُومُونَ بِشُكْرِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ حَلَاوَةَ الدُّنْيَا مُرَارَةُ الْآخِرَةِ "
стр. 206
٢٠٦ - ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الْعُجَيْفِيُّ، قَالَ: ⦗١٠١⦘ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَعْطَى اللَّهُ الدُّنْيَا مَنْ أَعْطَاهَا إِيَّاهَا إِلَّا اخْتِبَارًا، وَلَا زَوَاهَا عَمَّنْ زَوَاهَا عَنْهُ إِلَّا اخْتِبَارًا ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاعَ وَشَبِعْتُمُ، ابْنَ آدَمَ تَهَيَّأْ لِلْجَدَلِ وَلِنَشْرِ حِسَابِكَ، وَانْظُرْ مِنْ مَوْقِفِكَ عَلَى مَنْ يَسْأَلُكَ عَنِ النَّقِيرِ وَالْفَتِيلِ وَالْقِطْمِيرِ، وَمَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْبَرُ، وَمَا تُغْنِي حَيَاةٌ بَعْدَهَا الْمَوْتُ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَنْ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: وَمَنْ يُحْسِنُ يَقُولُ هَذَا إِلَّا الْحَسَنُ ﵀ " أَنْشَدَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ:
[البحر الكامل]
يَا عَاشِقَ الدُّنْيَا وَلِلدُّنْيَا ... سَمَادِيرٌ وَسُكْرُ
اسْمَعْ لَمَوْعِظَةِ الزَّمَانِ ... فَمَا بِسَمْعِكَ عَنْهُ وَقْرُ
كَمْ قَدْ مَضَى مَلِكٌ لَهُ ... نَظَرٌ إِلَى الْجُلَسَاءِ شَزْرُ
وَلَهُ مُبَاهَاةٌ بِمَا لَمْ ... يَبْقَ فِيهِ لَهُ فَخْرُ
وَتَمُرُّ أَزْمِنَةٌ بِنَا ... يَمْضِي بِهَا شَهْرٌ وَشَهْرُ
وَتَمُرُّ فِينَا الْحَادِثَاتُ ... لَهَا بِنَا طَيٌّ وَنَشْرُ
وَيَكُونُ مَنْ يَبْنِي الْقُصُورَ ... يَضُمُّهُ مِنْ بَعْدُ قَبْرُ
وَالدَّهْرُ فِيهِ عَجَائِبٌ ... مِنْ صَرْفِهِ شَفْعٌ وَوَتْرُ ⦗١٠٢⦘
وَالْمَوْتُ فِيهِ عَلَى الذَّهَابِ ... بِأَنْفُسِ الثَّقَلَيْنِ نَذْرُ
وَعَوَابِرُ الدُّنْيَا تَمُرُّ عَلَيْكَ ... وَأَنْتَ لَهُنَّ جِسْرُ
وَلَرُبَّ حَالٍ بَيْنَ صَاحِبِهَا ... وَبَيْنَ الْمَوْتِ قَبْرُ
وَمَتَى يُفَكُّ لِعَاشِقِ الدُّنْيَا ... مِنَ الشَّهَوَاتِ أَسْرُ
وَقَالَ بَعْضُ حُكَمَاءِ الشُّعَرَاءِ:
[البحر البسيط]
خَطَبْتُ يَا خَاطِبَ الدُّنْيَا مُشَمِّرَةً ... فِي ذَبْحِ أَوْلَادِهَا الصِّيدِ الْغَرَانِيقِ
كَمْ مِنْ ذَبِيحٍ لَهَا مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهَا ... زُفَّتْ إِلَيْهِ بِمِعْزَافٍ وَتَصْفِيقِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو الْحَسَنِ الْبَاهِلِيُّ أَوْ غَيْرُهُ:
[البحر السريع]
يَا خَاطِبَ الدُّنْيَا إِلَى نَفْسِهَا ... تَنَاهَ عَنْ خِطْبَتِهَا تَسْلَمِ
إِنَّ الَّتِي تَخْطُبُ قَتَّالَةٌ ... قَرِيبَةُ الْعُرْسِ مِنَ الْمَأْتَمِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنْشَدَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ:
[البحر المتقارب]
وَكَمْ نَائِمٍ نَامَ فِي غِبْطَةٍ ... أَتَتْهُ الْمَنِيَّةُ فِي نَوْمَتِهْ
وَكَمْ مِنْ مُقِيمٍ عَلَى لَذَّةٍ ... دَهَتْهُ الْحَوَادِثُ فِي لَذَّتِهْ
وَكُلُّ جَدِيدٍ عَلَى ظَهْرِهَا ... سَيْأَتِي الزَّمَانُ عَلَى جِدَّتِهْ
стр. 207
٢٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَمَا يَكْفِي أَهْلَ الدُّنْيَا مَا يُعَايِنُونَ مِنْ كَثْرَةِ الْفَجَائِعِ وَتَتَابُعِ الْمَصَائِبِ فِي الْمَالِ وَالْإِخْوَانِ، وَالنَّقْصِ فِي الْقُوَى وَالْأَبْدَانِ؟
стр. 208
٢٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنَا أَبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ⦗١٠٣⦘ الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ حَبِيبِي فُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ، يَقُولُ: " خَمْسَةٌ مِنْ عَلَامَةِ الشَّقَاءِ: قَسْوَةُ الْقَلْبِ، وَجُمُودُ الْعَيْنِ، وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ، وَالرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا، وَطُولُ الْأَمَلِ. وَخَمْسَةٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْيَقِينُ فِي الْقَلْبِ، وَالْوَرَعُ فِي الدِّينِ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا، وَالْحَيَاءُ، وَالْعِلْمُ "
стр. 209
٢٠٩ - وَكَتَبَ إِلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ صَالِحٍ الْكُوفِيُّ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ عُمَرَ الْأُسَيِّدِيُّ، عَنْ بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا عُثْمَانُ فِي جَمَاعَةٍ: إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَعْطَاكُمُ الدُّنْيَا لِتَطْلُبُوا بِهَا الْآخِرَةَ، وَلَمْ يُعْطِكُمُوهَا لِتَرْكَنُوا إِلَيْهَا، إِنَّ الدُّنْيَا تَفْنَى، وَالْآخِرَةَ تَبْقَى، لَا تَبْطَرَنَّكُمُ الْفَانِيَةُ، وَلَا تُشْغِلَنَّكُمْ عَنِ الْبَاقِيَةِ، آثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ، وَإِنَّ الْمَصِيرَ إِلَى اللَّهِ ، اتَّقُوا اللَّهَ، وَالْزَمُوا جَمَاعَتَكُمْ، وَلَا تَصِيرُوا أَحْزَابًا، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ "
стр. 210
٢١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ مُعَاذٍ الْحَذَّاءِ، قَالَ: سَمِعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ﵇ رَجُلًا يَسُبُّ الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُ: ⦗١٠٤⦘ إِنَّهَا لَدَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَّقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا، وَمَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَهْبِطُ وَحْيِهِ، وَمُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَائِهِ، اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَرَبِحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ، فَمَنْ ذَا يَذُمُّ الدُّنْيَا، وَقَدْ آذَنَتْ بِفِرَاقِهَا، وَنَادَتْ بَيْنَهَا، وَنَعَتْ نَفْسَهَا وَأَهْلَهَا، فَمَثَّلَتْ بِبَلَائِهَا الْبَلَاءَ، وَشَوَّقَتْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ، فَذَمَّهَا قَوْمٌ عِنْدَ النَّدَامَةِ، وَحَمِدَهَا آخَرُونَ حَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا، وَذَكَّرَتْهُمْ فَذَكَرُوا، فَيَا أَيُّهَا الْمُعْتَلُّ بِالدُّنْيَا، الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا مَتَى اسْتَهْوَتْكَ الدُّنْيَا، بَلْ مَتَى غَرَّتْكَ ألِمَضَاجِعِ آبَائِكَ مِنَ الثَّرَى؟ أَمْ بِمَصَارِعِ أُمَّهَاتِكَ مِنَ الْبِلَى؟ كَمْ قَدْ قَلَّبْتَ بِكَفَّيْكَ وَمَرِضْتَ بِيَدَيْكَ، تَطْلُبُ لَهُ الشِّفَاءَ، وَتَسْأَلُ لَهُ الْأَطِبَّاءَ، لَمْ تَظْفَرْ بِحَاجَتِكَ، وَلَمْ تُسْعَفْ بِطَلِبَتِكَ، قَدْ مَثَّلَتْ لَكَ الدُّنْيَا بِمَصْرَعِهِ مَصْرَعَكَ غَدًا، يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْكَ بُكَاؤُكَ، وَلَا يَنْفَعُكَ أَحِبَّاؤُكَ
стр. 211
٢١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ: يَا وَيْحَ الْعَابِدِينَ أَمَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ طَلَبِ الدُّنْيَا، وَقَدْ ضُمِنَ لَهُمُ الرِّزْقُ، وَكُفِيَ الرَّاغِبُ مِنْهَا الطَّلَبَ ، وَأُمِرُوا بِالطَّاعَةِ فَهُمْ يَطْلُبُونَ مِنْهَا مَا إِنْ فَاتَهُمْ سَلِمُوا، وَإِنْ وَجَدُوهُ نَدِمُوا، وَهَلِ الْخَيْرُ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَةِ، وَالْخَيْرُ فِي الدُّنْيَا مَعْدُومٌ، وَالْخَفْضُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالْمُقَصِّرُ عَنْ حَظِّهِ فِيهَا مَلُومٌ "
стр. 212
٢١٢ - وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ، حَدَّثَنِي عَمَّارُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُصَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زَيْدٍ، يَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى: لَحِرْصُ الْمَرْءِ عَلَى الدُّنْيَا أَخْوَفُ عَلَيْهِ عِنْدِي مِنْ أَعْدَى أَعْدَائِهِ ⦗١٠٥⦘ قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا إِخْوَتَاهْ لَا تَغْبِطُوا حَرِيصًا عَلَى ثَرْوَةٍ، وَلَا سَعَةٍ فِي مَكْسَبٍ، وَلَا مَالٍ، وَانْظُرُوا إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْمَقْتِ لَهُ فِي فِعَالِهِ ، وَبِعَيْنِ الرَّحْمَةِ لَهُ فِي اشْتِغَالِهِ الْيَوْمَ بِمَا يَرِدُ بِهِ غَدًا فِي الْمَعَادِ. قَالَ: ثُمَّ يَبْكِي، وَيَقُولُ: الْحِرْصُ حِرْصَانِ، فَحِرْصٌ جَائِعٌ، وَحِرْصٌ نَافِعٌ، فَأَمَّا النَّافِعُ فَحِرْصُ الْمَرْءِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْفَاجِعُ فَحِرْصُ الْمَرْءِ عَلَى الدُّنْيَا، مُتَعَذِّبٌ مَشْغُولٌ لَا هُوَ يُسْرٌ، وَلَا يَلَذُّ بِجَمْعِهِ لِشُغْلِهِ، وَلَا يَفْرُغُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِلدُّنْيَا لِآخِرَتِهِ، كَدًّا كَدًّا لِمَا يَفْنَى، وَغَفْلَةً عَمَّا يَدُومُ وَيَبْقَى. قَالَ ثُمَّ يَبْكِي " حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَنْشَدَنِي ابْنَ أَبِي مَرْيَمَ:
[البحر البسيط]
لَا تَغْبِطَنَّ أَخَا حِرْصٍ عَلَى سَعَةٍ ... وَانْظُرْ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْمَاقِتِ الْقَالِي
إِنَّ الْحَرِيصَ لَمَشْغُولٌ لِشَقْوَتِهِ ... عَنِ السُّرُورِ بِمَا يَحْوِي مِنَ الْمَالِ
стр. 213
٢١٣ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أنا عَبْدَانَ بْنَ عُثْمَانَ، قَالَ: أنا عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: أنا الْأَسْوَدَ بْنَ شَيْبَانَ السَّدُوسِيَّ، قَالَ: قَالَ الْفَضْلُ بْنُ ثَوْرِ بْنِ شَقِيقِ بْنِ ثَوْرٍ، وَكَانَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ، قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ رَجُلَانِ: طَلَبَ أَحَدُهُمَا الدُّنْيَا بِحَلَالِهَا فَأَصَابَهَا، فَوَصَلَ فِيهَا رَحِمَهُ، وَقَدَّمَ فِيهَا لِنَفْسِهِ، وَجَانَبَ الْآخَرُ الدُّنْيَا ؟ فَقَالَ: أَحَبُّهُمَا إِلَيَّ الَّذِي جَانَبَ الدُّنْيَا، فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِثْلَهُ "
стр. 214
٢١٤ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أنا عَبْدَ اللَّهِ، قَالَ: ثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ، وَغَيْرَهُ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَصْحَابِ الصُّفَّةِ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] ، وَذَلِكَ ⦗١٠٦⦘ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أَنَّ لَنَا الدُّنْيَا فَتَمَنَّوُا الدُّنْيَا "
стр. 215
٢١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْأَخْرَمِ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، ﵁، قُلْ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا» . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَبِرَاذَانَ مَا بِرَاذَانَ وَبِالْمَدِينَةِ مَا بِالْمَدِينَةِ
следующие страницы →