Полный текст (563 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
٢١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ: يَا وَيْحَ الْعَابِدِينَ أَمَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ طَلَبِ الدُّنْيَا، وَقَدْ ضُمِنَ لَهُمُ الرِّزْقُ، وَكُفِيَ الرَّاغِبُ مِنْهَا الطَّلَبَ ، وَأُمِرُوا بِالطَّاعَةِ فَهُمْ يَطْلُبُونَ مِنْهَا مَا إِنْ فَاتَهُمْ سَلِمُوا، وَإِنْ وَجَدُوهُ نَدِمُوا، وَهَلِ الْخَيْرُ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَةِ، وَالْخَيْرُ فِي الدُّنْيَا مَعْدُومٌ، وَالْخَفْضُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالْمُقَصِّرُ عَنْ حَظِّهِ فِيهَا مَلُومٌ "
стр. 212
٢١٢ - وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ، حَدَّثَنِي عَمَّارُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُصَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ زَيْدٍ، يَحْلِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى: لَحِرْصُ الْمَرْءِ عَلَى الدُّنْيَا أَخْوَفُ عَلَيْهِ عِنْدِي مِنْ أَعْدَى أَعْدَائِهِ ⦗١٠٥⦘ قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا إِخْوَتَاهْ لَا تَغْبِطُوا حَرِيصًا عَلَى ثَرْوَةٍ، وَلَا سَعَةٍ فِي مَكْسَبٍ، وَلَا مَالٍ، وَانْظُرُوا إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْمَقْتِ لَهُ فِي فِعَالِهِ ، وَبِعَيْنِ الرَّحْمَةِ لَهُ فِي اشْتِغَالِهِ الْيَوْمَ بِمَا يَرِدُ بِهِ غَدًا فِي الْمَعَادِ. قَالَ: ثُمَّ يَبْكِي، وَيَقُولُ: الْحِرْصُ حِرْصَانِ، فَحِرْصٌ جَائِعٌ، وَحِرْصٌ نَافِعٌ، فَأَمَّا النَّافِعُ فَحِرْصُ الْمَرْءِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْفَاجِعُ فَحِرْصُ الْمَرْءِ عَلَى الدُّنْيَا، مُتَعَذِّبٌ مَشْغُولٌ لَا هُوَ يُسْرٌ، وَلَا يَلَذُّ بِجَمْعِهِ لِشُغْلِهِ، وَلَا يَفْرُغُ مِنْ مَحَبَّتِهِ لِلدُّنْيَا لِآخِرَتِهِ، كَدًّا كَدًّا لِمَا يَفْنَى، وَغَفْلَةً عَمَّا يَدُومُ وَيَبْقَى. قَالَ ثُمَّ يَبْكِي " حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَنْشَدَنِي ابْنَ أَبِي مَرْيَمَ:
[البحر البسيط]
لَا تَغْبِطَنَّ أَخَا حِرْصٍ عَلَى سَعَةٍ ... وَانْظُرْ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْمَاقِتِ الْقَالِي
إِنَّ الْحَرِيصَ لَمَشْغُولٌ لِشَقْوَتِهِ ... عَنِ السُّرُورِ بِمَا يَحْوِي مِنَ الْمَالِ
стр. 213
٢١٣ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أنا عَبْدَانَ بْنَ عُثْمَانَ، قَالَ: أنا عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: أنا الْأَسْوَدَ بْنَ شَيْبَانَ السَّدُوسِيَّ، قَالَ: قَالَ الْفَضْلُ بْنُ ثَوْرِ بْنِ شَقِيقِ بْنِ ثَوْرٍ، وَكَانَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ، قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ رَجُلَانِ: طَلَبَ أَحَدُهُمَا الدُّنْيَا بِحَلَالِهَا فَأَصَابَهَا، فَوَصَلَ فِيهَا رَحِمَهُ، وَقَدَّمَ فِيهَا لِنَفْسِهِ، وَجَانَبَ الْآخَرُ الدُّنْيَا ؟ فَقَالَ: أَحَبُّهُمَا إِلَيَّ الَّذِي جَانَبَ الدُّنْيَا، فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِثْلَهُ "
стр. 214
٢١٤ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أنا عَبْدَ اللَّهِ، قَالَ: ثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ، وَغَيْرَهُ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَصْحَابِ الصُّفَّةِ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] ، وَذَلِكَ ⦗١٠٦⦘ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أَنَّ لَنَا الدُّنْيَا فَتَمَنَّوُا الدُّنْيَا "
стр. 215
٢١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْأَخْرَمِ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، ﵁، قُلْ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : «لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا» . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَبِرَاذَانَ مَا بِرَاذَانَ وَبِالْمَدِينَةِ مَا بِالْمَدِينَةِ
стр. 216
٢١٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْحِمْصِيِّ، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ الْكُتُبَ، قَالَ: أَجِدُ فِيمَا أُنْزِلَ: أَيَحْزَنُ عَبْدِي أَنْ أَقْبِضَ عَنْهُ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَقْرَبُ لَهُ مِنِّي، أَوْ يَفْرَحُ عَبْدِي أَنْ أَبْسُطَ لَهُ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَبْعَدُ لَهُ مِنِّي. ثُمَّ قَرَأَ ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] "
стр. 217
٢١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ ⦗١٠٧⦘ الْوَلِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُرَّةَ التُّسْتَرِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا رَاحَةُ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ "
стр. 218
٢١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مَحْجُوبِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبُو رَبِيعَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ: " أَمَّا بَعْدُ: فَكَأَنَّ الْعِبَادَ قَدْ عَادُوا إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى، فَإِنَّهُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا يُنَازَعُ فِي أَمْرِهِ، وَلَا يُقَاطَعُ فِي حَقِّهِ الَّذِي اسْتَحْفَظَهُ عِبَادَهُ وَأَوْصَاهُمْ بِهِ، فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَحُثُّكَ عَلَى الشُّكْرِ فِيمَا اصْطَنَعَ عِنْدَكَ مِنْ نِعَمِهِ، وَآتَاكَ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَإِنَّ نِعَمَهُ يَمُدُّهَا شُكْرُهُ، وَيَقْطَعُهَا كُفْرُهُ. وَأَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ الَّذِي لَا تَدْرِي مَتَى يَغْشَاكَ، فَلَا مَنَاصَ وَلَا فَوْتَ. وَأَكْثِرْ ذِكْرَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَشِدَّتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُوكَ إِلَى الزَّهَادَةِ فِيمَا زَهِدْتَ فِيهِ، وَالرَّغْبَةِ فِيمَا رَغِبْتَ فِيهِ. ثُمَّ كُنْ مِمَّا أُوتِيتَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى وَجَلٍ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَحْذَرُ ذَلِكَ وَلَا يَتَخَوَّفُهُ، تُوشِكُ الصَّرْعَةُ أَنْ تُدْرِكَهُ فِي الْغَفْلَةِ. وَأَكْثِرِ النَّظَرَ فِي عَمَلِكَ فِي دُنْيَاكَ بِالَّذِي أُمِرْتَ بِهِ، ثُمَّ اقْتَصِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ فِيهِ - لَعَمْرِي - شُغْلًا عَنْ دُنْيَاكَ، وَلَنْ تُدْرِكَ الْعِلْمَ حَتَّى تُؤْثِرَهُ عَلَى الْجَهْلِ، وَلَا الْحَقَّ حَتَّى تَدْرَأَ الْبَاطِلَ. نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكَ حُسْنَ مَعُونَتَهُ، ⦗١٠٨⦘ وَأَنْ يَدْفَعَ عَنَّا وَعَنْكَ بِأَحْسَنِ دِفَاعِهِ بِرَحْمَتِهِ "
стр. 219
٢١٩ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ، قَالَ ثَنَا الْفَيْضُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو يَزِيدَ، قَالَ: أَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: نَزَلْنَا وَبَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَدَائِنِ فَرْسَخٌ، فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي، فَذَهَبَ بِي إِلَى الْجُمُعَةِ، فَإِذَا حُذَيْفَةُ يَخْطُبُ، فَقَالَ: أَلَا إِنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَإِنَّ الْقَمَرَ قَدِ انْشَقَّ، وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِفِرَاقٍ، وَإِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ وَغَدًا السِّبَاقَ. فَقُلْتُ: يَا أَبَهْ غَدًا يَسْتَبِقُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ مَا أَجْهَلَكَ إِنَّمَا يَعْنِي الْعَمَلَ. فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ مِثْلَهَا، وَإِنَّ الْغَايَةَ النَّارُ. وَالسَّابِقُ مَنْ سَبَقَ إِلَى الْجَنَّةِ "
стр. 220
٢٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَاتِمٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ ثَنَا سَعْدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كُلُّهُمْ عُرَاةً مَا خَلَا أَهْلَ الزُّهْدِ»
стр. 221
٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي ⦗١٠٩⦘ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: كَتَبَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ إِلَى أَخٍ لَهُ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: ارْفُضْ يَا أَخِي حُبَّ الدُّنْيَا، فَإِنَّ حُبَّ الدُّنْيَا يُعْمِي وَيُصِمُّ "
стр. 222
٢٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ، قَالَ، حَدَّثَنِي ابْنٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ، مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ لِثَقِيفٍ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ لَوْ وَعَظْتَنَا بِكَلِمَاتٍ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنَا بِهِنَّ؟ فَتَكَلَّمَ وَهُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّنَا لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ مَرْحَلَةٍ، وَجَعَلَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ فِيهَا فِتْنَةً لِأَهْلِهَا لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فَهُمْ يَتَقَلَّبُونَ فِيهَا بِسَعْيٍ مُخْتَلِفٍ فِي مُدَّةٍ مِنْ آجَالٍ مُنْقَطِعَةٍ، تَجْرِي عَلَيْهِمْ فِيهَا أَرْزَاقُهُمْ، وَيَأْكُلُونَهَا مَا صَحِبُوهَا، وَيَتْرُكُونَهَا عَنْ قَلِيلٍ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، كَمَا وَرِثُوهَا عَمَّنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، كَذَلِكَ حَتَّى تَلْفِظَ الدُّنْيَا أَهْلَهَا، وَتَبْلُغَ مَدَاهَا، وَتَفْنَى كَمَا فَنُوا، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ حَيَوَانٍ فِي جَنَّةٍ وَنَارٍ نَزَلَتَا بِخَتْمٍ مِنْ فَضَاءِ رَبِّهِمَا، الْخَيْرُ مِنَ الشَّرِّ بَعِيدٌ، وَالشَّرُّ مِنَ الْخَيْرِ بَعِيدٌ، فَنَسْأَلُ الَّذِي خَلَقَنَا لِمَا شَاءَ أَنْ يَجْعَلَ مُنْقَلَبَنَا وَمُنْقَلَبَكُمْ إِلَى دَارِهِ، دَارِ السَّلَامِ "
стр. 223
٢٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ مُوسَى أَبُو عُقْبَةَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: «الدُّنْيَا أَمَدٌّ، وَالْآخِرَةُ أَبَدٌ»
стр. 224
٢٢٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ يَعْلَى، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ مِنْ حُبِّكَ الدُّنْيَا طَلَبُكَ مَا يُصْلِحُكَ فِيهَا، وَمِنْ زُهْدِكَ فِيهَا تَرْكُ الْحَاجَةِ يَسُدُّهَا عَنْكَ تَرْكُهَا، وَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَسَرَّتْهُ ذَهَبَ خَوْفُ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِهِ
стр. 225
٢٢٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ لُقْمَانَ، قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ يَغْرَقُ فِيهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَحَشْوُهَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ لَعَلَّكَ تَنْجُو، وَمَا أَرَاكَ بِنَاجٍ وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَدَوِيُّ:
[البحر الطويل]
وَمَا زَالَتِ الدُّنْيَا يَخُونُ نَعِيمُهَا ... وَتُصْبِحُ بِالْأَمْرِ الْعَظِيمِ تَمَخَّضُ
مَحَلَّةُ أَضْيَافٍ وَمُنْزِلُ غُرْبَةٍ ... تَهَافَتُ مِنْ حَافَاتِهَا وَتَنَفَّضُ
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَدَوِيُّ أَيْضًا:
أَرَى النَّاسَ أَضْيَافًا أَنَاخُوا بِغُرْبَةٍ ... تَقَلِّبُهُمْ أَيَّامُهَا وَتُقَلِّبُ
بِدَارِ غُرُورٍ حُلْوَةٍ يَرْغَثُونَهَا ... وَقَدْ عَايَنُوا مِنْهَا الزَّوَالَ وَجَرَّبُوا
تَسُرُّهُمْ طَوْرًا وَطَوْرًا تُذِيقُهُمْ ... مَضِيضَ مَكَاوِي حَرُّهَا يَتَلَهَّبُ
يَذُمُّونَ دُنْيَا لَا يُرِيحُونَ دَرَّهَا ... فَلَمْ أَرَ كَالدُّنْيَا تُذَمُّ وَتُحْلَبُ ⦗١١١⦘
لَهَا دَرَّةٌ تُصْبِي الْحَلِيمَ وَتَحْتَهَا ... مِنَ الْمَوْتِ سُمٌّ مُجْهِزٌ حِينَ يُشْرَبُ
وَقَدِ اخْتَرْتُ ذَا الْجَمِيلِ لَا دَرَّ دَرُّهَا ... فَأَصْبَحَ فِي جَدٍّ وَأَصْبَحَ يَلْعَبُ
وَكُلُّهُمْ حَيْرَانُ يُكْذِبُ قَوْلَهُ ... بِفِعْلٍ وَخَيْرُ الْقَوْلِ مَا لَا يُكَذَّبُ
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: يَا مَعْشَرَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا لَكُمْ فِي الظَّاهِرِ اسْمُ الْغِنَى، وَلِأَهْلِ التَّقَلُّلِ نَفْسُ هَذَا الْمَعْنَى، حُرِمْتُمُ التَّفَكُّهَ بِمَا حَوَتْهُ أَيْدِيكُمْ لِفَادِحِ التَّعَبِ، وَعُوِّضْتُمْ فِيهِ خَوْفَ نُزُولِ الْفَجَائِعِ بِهِ، وَارْتِقَابَ وُصُولِ الْآفَاتِ إِلَيْهِ، خُدِعْتُمْ وَمَالَتِ الْمَقَادِيرُ عَنْ حَظِّكُمْ، وَأَبَتِ الدُّنْيَا أَنْ تُسَوِّغَكُمْ حَلَاوَةَ مَا اسْتَدَرَّ لَكُمْ مِنْ ضَرْعِهَا، حَتَّى وَكَّلَتْكُمْ بِطَلَبِ سِوَاهُ، لِتُمَتِّعَكُمْ مِمَّا حَصَلَ مِنْهَا لَكُمْ، وَتَصُدَّكُمْ عَنِ التَّمَتُّعِ بِهِ بِإِشْغَالِكُمْ بِمُسْتَأْنَفٍ تُجْهِدُونَ فِيهِ أَنْفُسَكُمْ مِمَّا يَعِزُّ مَطْلَبُهُ عَلَيْكُمْ، وَتَبْذُلُونَ فِيهِ رَاحِلَتَكُمْ، فَإِنْ وَصَلْتُمْ إِلَيْهِ لَحِقَ بِالْأَوَّلِ مِنَ الْمُدَّخَرِ، وَأَنْشَأَتْ لَكُمْ وَطَرًا فِي غَيْرُهُ آخَرُ، كَذَلِكَ أَنْتُمْ وَهِيَ مَا صَحِبْتُمُوهَا بِالرَّغْبَةِ مِنْكُمْ فِيهَا
стр. 226
٢٢٦ - ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَا فِي أَيْدِيكُمْ أَسْلَابَ الْهَالِكِينَ، وَسَيَتْرُكُهَا الْبَاقُونَ كَمَا تَرَكَهَا الْمَاضُونَ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّكُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تُشَيِّعُونَ غَادِيًا أَوْ رَائِحًا إِلَى اللَّهِ ، وَتَضَعُونَهُ فِي صَدْعٍ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ فِي بَطْنِ صَدْعٍ غَيْرِ مُمَهَّدٍ، وَلَا مُوَسَّدٍ، قَدْ خَلَعَ الْأَسْلَابَ، وَفَارَقَ الْأَحْبَابَ، وَأُسْكِنَ ⦗١١٢⦘ التُّرَابَ، وَوَاجَهَ الْحِسَابَ، فَقِيرًا إِلَى مَا قَدَّمَ أَمَامَهُ، غَنِيًّا عَمَّا تَرَكَ بَعْدَهُ «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَقُولُ لَكُمْ هَذَا وَمَا أَعْرِفُ مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مِثْلَ مَا أَعْرِفُ مِنْ نَفْسِي» قَالَ: ثُمَّ مَالَ بِطَرْفِ ثَوْبِهِ عَلَى عَيْنِهِ فَبَكَى، ثُمَّ نَزَلَ فَمَا خَرَجَ حَتَّى أُخْرِجَ إِلَى حُفْرَتِهِ
стр. 227
٢٢٧ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: ثنا مَحْبُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّمَيْرِيُّ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُغِيرَةِ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ الْفَضْلُ بْنُ عِيسَى: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدَّارَ الَّتِي أَصْبَحْنَا فِيهَا دَارٌ بِالْبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالْفَنَاءِ مَوْصُوفَةٌ، كُلُّ مَا فِيهَا إِلَى زَوَالٍ وَنَفَادٍ ، بَيْنَا أَهْلُهَا مِنْهَا فِي رَخَاءٍ وَسُرُورٍ، إِذْ صَيَّرَتْهُمْ فِي وَعْثَاءٍ وَوُعُورٍ، أَحْوَالُهَا مُخْتَلِفَةٌ، وَطَبَقَاتُهَا مُتَصَرِّفَةٌ، يُضْرَبُونَ بِبَلَائِهَا، وَيُمْتَحَنُونَ بِرَخَائِهَا، الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، وَالسُّرُورُ فِيهَا لَا يَدُومُ، وَكَيْفَ يَدُومُ عَيْشٌ تَغَيُّرُهُ الْآفَاتُ، وَتَنُوبُهُ الْفَجِيعَاتُ، وَتَفَجَّعُ فِيهِ الرَّزَايَا، وَتَسُوقُ أَهْلُهُ الْمَنَايَا، إِنَّمَا هُمْ بِهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ، وَالْحُتُوفُ لَهُمْ مُسْتَشْرِفَةٌ، تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا، وَتَغْشَاهُمْ بِحِمَامِهَا، وَلَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ لُمُشَارِعِهِ، وَالْمُعَايَنَةِ لِفَظَائِعِهِ أَمْرٌ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ فِي قَضَائِهِ وَعَزَمَ عَلَيْهِ فِي إِمْضَائِهِ، فَلَيْسَ مِنْهُ مَذْهَبٌ، وَلَا عَنْهُ مَهْرَبٌ، أَلَا فَأَخْبِثْ بِدَارٍ يَقْلِصُ ظِلُّهَا، وَيَفْنَى أَهْلُهَا، إِنَّمَا هُمْ بِهَا سَفْرٌ نَازِلُونَ، وَأَهْلُ ⦗١١٣⦘ ظَعْنٍ شَاخِصُونَ، كَأَنْ قَدِ انْقَلَبَتْ بِهِمُ الْحَالُ، وَتَنَادَوْا بِالِارْتِحَالِ، فَأَصْبَحَتْ مِنْهُمْ قِفَارًا قَدِ انْهَارَتْ دَعَائِمُهَا، وَتَنَكَّرَتْ مَعَالِمُهَا، وَاسْتَبْدَلُوا بِهَا الْقُبُورَ الْمُوحِشَةَ الَّتِي اسْتُوطِنَتْ بِالْخَرَابِ، وَأُسِّسَتْ بِالتُّرَابِ، فَمُحِلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ بَيْنَ أَهْلٍ مُوحِشِينَ، وَذَوِي مَحَلَّةٍ مُتَشَاسِعِينَ، لَا يَسْتَأْنِسُونَ بِالْعُمْرَانِ، وَلَا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْإِخْوَانِ، وَلَا يَتَزَاوَرُونَ تَزَاوُرَ الْجِيرَانِ، قَدِ اقْتَرَبُوا فِي الْمَنَازِلِ، وَتَشَاغَلُوا عَنِ التَّوَاصُلِ، فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ جِيرَانَ مَحَلَّةٍ لَا يَتَزَاوَرُونَ عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِوَارِ وَتَقَارُبِ الدِّيَارِ، وَأَنَّى ذَلِكَ مِنْهُمْ؟ وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى، وَصَارُوا بَعْدَ الْحَيَاةِ رُفَاتًا، قَدْ فُجِعَ بِهِمُ الْأَحْبَابُ، وَارْتُهِنُوا فَلَيْسَ لَهُمْ إِيَابٌ، وَكَأَنْ قَدْ صِرْنَا إِلَى مَا إِلَيْهِ صَارُوا، فَنُرْتَهَنُ فِي ذَلِكَ الْمَضْجَعِ، وَيَضُمُّنَا ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ، نُؤْخَذُ بِالْقَهْرِ وَالِاعْتِسَارِ، وَلَيْسَ يَنْفَعُ مِنْهُ شَفَقُ الْحِذَارِ، وَالسَّلَامُ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَتَبْتَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: لَمْ أَقْدِرْ لَهُ عَلَى جَوَابٍ
стр. 228
٢٢٨ - حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَيْحٌ الْعَابِدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَا: سَمِعْنَا حَنْتَمَ بْنَ جَحْشَةَ الْعِجْلِيَّ أَبَا بَكْرٍ الْعَابِدَ، يَقُولُ: ⦗١١٤⦘
[البحر السريع]
يَا خَاطِبَ الدُّنْيَا عَلَى نَفْسِهَا ... إِنَّ لَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ خَلِيلْ
مَا أَقْتَلَ الدُّنْيَا لِخُطَّابِهَا ... تَقْتُلْهُمْ قِدْمَا قَبِيلًا قَبِيلْ
تَسْتَنْكِحُ الْبَعْلَ وَقَدْ وَطَّنَتْ ... فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ بَدِيلْ
إِنِّي لَمُغْتَرٌّ وَإِنَّ الْبِلَى ... يَعْمَلُ فِي جِسْمِي قَلِيلًا قَلِيلْ
تَزَوَّدُوا لِلْمَوْتِ دَارًا فَقَدْ ... نَادَى مُنَادِيهِ الرَّحِيلَ الرَّحِيلْ
стр. 229
٢٢٩ - ثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ إِبْلِيسُ لِشَيَاطِينِهِ: لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ فَانْظُرُوا مَا هُوَ، فَانْطَلَقُوا، ثُمَّ جَاءُوهُ فَقَالُوا: مَا نَدْرِي، قَالَ إِبْلِيسُ: أَنَا آتَيْتُكُمْ بِالْخَبَرِ، فَذَهَبَ قَالَ: بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: فَجَعَلَ يُرْسِلُ شَيَاطِينَهُ إِلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَجِيئُونَ بِصُحُفِهِمْ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ أَمَا تُصِيبُونَ مِنْهُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: مَا صَحِبْنَا قَوْمًا قَطُّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ، نُصِيبُ مِنْهُمْ ثُمَّ يَقُومُونَ إِلَى صَلَاتِهِمْ فَيُمْحَى ذَلِكَ. قَالَ إِبْلِيسُ: رُوَيْدًا لَهُمْ، عَسَى أَنْ تُفْتَحَ لَهُمُ الدُّنْيَا، هُنَالِكَ تُصِيبُونَ حَاجَتَكُمْ مِنْهُمْ
стр. 230
٢٣٠ - ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَا: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَوْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، يَقُولُ: " وَيْحِي كَيْفَ تَشْتَدُّ حَاجَتِي فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَتْ بِدَارِي؟ أَمْ كَيْفَ أَجْمَعُ لَهَا وَفِي غَيْرِهَا قَرَارِي وَخُلْدِي؟ أَمْ كَيْفَ يَشْتَدُّ حِرْصِي عَلَيْهَا وَلَا يَنْفَعُنِي مَا تَرَكْتُ مِنْهَا بَعْدِي؟ أَمْ كَيْفَ أُوثِرُهَا وَقَدْ ضَرَّتْ مَنْ آثَرَهَا قَبْلِي؟ أَمْ كَيْفَ لَا أُبَادِرُ بِعَمَلِي مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْصَرِمَ مُدَّتِي؟ أَمْ كَيْفَ لَا أَفْتَكُّ نَفْسِي مِنْ قَبْلِ أَنْ يُغْلَقَ رَهْنِي؟ ⦗١١٥⦘ أَمْ كَيْفَ أُعَرِّضُ نَفْسِي لِمَا لَا يَقْوَى لَهُ هَوَائِي؟ أَمْ كَيْفَ يَشْتَدُّ عَجَبِي بِهَا وَهِيَ مُزَايِلَتِي وَمُنْقَطِعَةٌ عَنِّي؟
стр. 231
٢٣١ - ثنا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الضَّبِّيُّ، قَالَ: ثنا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: " كَانَ مِنْ دُعَائِهِمْ: اللَّهُمَّ زَهِّدْنَا فِي الدُّنْيَا، وَوَسِّعْ عَلَيْنَا مِنْهَا، وَلَا تَزْوِ بِهَا عَنَّا وَتُرَغِّبْنَا فِيهَا "
стр. 232
٢٣٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: " أَلَا حُرٌّ كَرِيمٌ يَغْضَبُ عَلَى الدُّنْيَا ؟
стр. 233
٢٣٣ - ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا أَكْيَاسًا، عَمِلُوا صَالِحًا، وَأَكَلُوا طَيِّبًا، وَقَدَّمُوا فَضْلًا، لَمْ يُنَافِسُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَلَمْ يُنَافِسُوهُمْ فِي عِزِّهَا، وَلَمْ يُجْزَعُوا لِذُلِّهَا، أَخَذُوا صَفْوَهَا ، وَتَرَكُوا كَدَرَهَا، وَاللَّهِ مَا تَعَاظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَنَةٌ عَمِلُوهَا، وَلَا تَصْغُرُ فِي أَنْفُسِهِمْ سَيِّئَةٌ
стр. 234
٢٣٤ - ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَتِ الدُّنْيَا مُقْبِلَةً عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَفِرُّونَ مِنْهَا، وَلَهُمْ مِنَ الْقِدَمِ مَا لَهُمْ، وَإِنَّكُمْ تَطْلُبُونَ الدُّنْيَا وَهِيَ مُدْبِرَةٌ عَنْكُمْ، وَلَكُمْ مِنَ الْإِحْدَاثِ مَا لَكُمْ، فَقِيسُوا أَمْرَكُمْ وَأَمْرَهُمْ»
стр. 235
٢٣٥ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أنبأ عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ ⦗١١٦⦘ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ﵁ قَالَ: " أَنْتُمْ أَطْوَلُ جِهَادًا، وَأَكْثَرُ صَلَاةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ، قَالُوا: وَلِمَ؟ قَالَ: «كَانُوا أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا وَأَرْغَبَ فِي الْآخِرَةِ مِنْكُمْ»
стр. 236
٢٣٦ - أنا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ شُرَيْحٌ: «تَهُونُ عَلَى الدُّنْيَا الْمَلَامَةُ، إِنَّهُ حَرِيصٌ عَلَى اسْتِخْلَاصِهَا مَنْ يَلُومُهَا» أَنْشَدَنِي أَبُو إِسْحَاقَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ:
[البحر الطويل]
تُنَافِسُ فِي الدُّنْيَا وَنَحْنُ نَعِيبُهَا ... وَقَدْ حُذُّرُتْنَا لَعَمْرِي خُطُوبُهَا
وَمَا نَحْسُبُ الْأَيَّامَ تَنْقُصُ مُدَّةً ... عَلَى أَنَّهَا فِينَا سَرِيعًا دَبِيبُهَا
كَأَنِّي بِرَهْطٍ يَحْمِلُونَ جِنَازَتِي ... إِلَى حُفْرَةٍ يُحْثَىعَلَيَّ كَثِيبُهَا
فَكَمْ ثَمَّ مِنْ مُسْتَرْجِعٍ مُتَوَجِّعٍ ... وَنَائِحَةٍ يَعْلُو عَلَيَّ نَحِيبُهَا
وَبَاكِيَةٍ تَبْكِي عَلَيَّ وَإِنَّنِي ... لَفِي غَفْلَةٍ عَنْ صَوْتِهَا مَا أُجِيبُهَا
أَيَا هَادِمَ اللَّذَّاتِ مَا مِنْكَ مَهْرَبٌ ... تُحَاذِرُ نَفْسِي مِنْكَ مَا سَيُصِيبُهَا
وَزَادَ غَيْرُ أَبِي إِسْحَاقَ:
وَإِنِّي لَمِمَّنْ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ... وَيُعْجِبُهُ رَوْحُ الْحَيَاةِ وَطِيبُهَا
فَحَتَّى مَتَى، حَتَّى مَتَى، وَإِلَى مَتَى ... يَدُومُ طُلُوعُ الشَّمْسِ لِي وَغُرُوبُهَا
رَأَيْتُ الْمَنَايَا قُسِّمَتْ بَيْنَ أَنْفُسٍ ... وَنَفْسِي سَيَأْتِي بَعْدَهُنَّ نَصِيبُهَا
стр. 237
٢٣٧ - ثنا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ ⦗١١٧⦘ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَوْ غَيْرِهِ قَالَ: " إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَقِيَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: عَلِّمْنِي عِلْمًا أَزْدَدْ بِهِ إِيمَانًا وَيَقِينًا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ لَا تَطِيقُ ذَلِكَ قَالَ: لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُطَوِّقَنِي قَالَ: لَا تَغْتَمَّ لِغَدٍ، وَاعْمَلْ فِي الْيَوْمِ لِغَدٍ، وَإِنْ آتَاكَ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا سُلْطَانًا أَوْ مَالًا فَلَا تَفْرَحْ بِهِ، وَإِنْ صَرَفَ عَنْكَ فَلَا تَأْسَ عَلَيْهِ، وَكُنْ حَسَنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ ، وَضَعْ يَدَكَ عَلَى قَلْبِكَ فَمَا أَحْبَبْتَ أَنْ تَصْنَعَ بِنَفْسِكَ فَاصْنَعْهُ بِأَخِيكَ، وَلَا تَغْضَبْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَقْدَرُ مَا يَكُونُ عَلَى ابْنِ آدَمَ حِينَ يَغْضَبُ، وَرُدَّ الْغَضَبَ بِالْكَظْمِ، وَسَكِّنْهُ بِالتُّؤَدَةِ، وَإِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ، فَإِنَّكَ إِذَا عَجِلْتَ أَخْطَأْتَ حَظَّكَ، وَكُنْ سَهْلًا لَيِّنًا لِلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَلَا تَكُنْ جَبَّارًا عَنِيدًا "
стр. 238
٢٣٨ - ثنا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، فِي قَوْلِ السَّائِلِ: أَيْنَ الزَّاهِدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَالرَّاغِبُونَ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ مَسْرُوقٌ: مَا كُنْتُ لِأُعْطِيَ عَلَيْهِمَا شَيْئًا "
стр. 239
٢٣٩ - ثنا أَبُو كُرَيْبٍ، عَنِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: أَيْنَ الزَّاهِدُونَ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُونَ فِي الْآخِرَةِ؟ فَأَرَاهُ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقَالَ: «عَنْ هَؤُلَاءِ فَسَلْ»
стр. 240
٢٤٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا أَبُو سُلَيْمَانَ النَّصِيبِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زُرْعَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الدُّنْيَا دَارُ ⦗١١٨⦘ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ»
стр. 241
٢٤١ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: ثنا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَسْعُودِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «لَوَدِدْتُ أَنِّي مِنَ الدُّنْيَا فَرْدٌ كَالرَّاكِبِ الْغَادِي الرَّائِحِ»
стр. 242
٢٤٢ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أنا عَبْدَانُ، قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ أَبُو هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ رُزِقَ رِزْقًا يَوْمًا بِيَوْمٍ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ خُيِّرَ لَهُ إِلَّا عَاجِزٌ» ، أَوْ قَالَ: «غَبِيُّ الرَّأْيِ»
стр. 243
٢٤٣ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ، قَالَ: أنا عَبْدَانُ، قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أنا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ ، وَمَا أَدَّى إِلَيْهِ»
стр. 244
٢٤٤ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ، قَالَ: أنا عَبْدَانُ، قَالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أنا بَعْضُ، أَهْلِ الْبَصْرَةِ: أَنَّ مُطَرِّفَ بْنَ الشِّخِّيرِ، مَاتَتِ امْرَأَتُهُ، أَوْ بَعْضُ أَهْلِهِ، فَقَالَ أُنَاسٌ مِنْ إِخْوَانِهِ: انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَخِيكُمْ مُطَرِّفٍ حَتَّى لَا يَخْلُوَ بِهِ الشَّيْطَانُ فَيُدْرِكَ بَعْضَ حَاجَتِهِ مِنْهُ، فَأَتَوْهُ، فَخَرَجَ ⦗١١٩⦘ عَلَيْهِمْ دَهِينًا فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالُوا: خَشِينَا شَيْئًا، فَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَصَمَكَ مِنْهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِالَّذِي قَالُوا. فَقَالَ مُطَرِّفٌ: «لَوْ كَانَتْ لِي الدُّنْيَا كُلُّهَا فَسَلَبَنِيهَا بِشَرْبَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَافْتَدَيْتُ بِهَا» أَنْشَدَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الثَّقَفِيُّ:
[البحر الهزج]
دَعِ الدُّنْيَا لِمُفْتَتِنٍ ... وَإِنْ أَبْدَتْ مَحَاسِنَهَا
وَخُذْ مِنْهَا بِأَيْسَرِهَا ... وَإِنْ بَسَطَتْ خَزَائِنَهَا
فَإِنَّ الدَّارَ دَارُ بِلًى ... يَنَالُ الْمَوْتُ آمِنَهَا
وَقَدْ قَلَبَتْ لَكَ الْأَيَّامَ ... ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا
وَحَسْبُكَ مِنْ صِفَاتِ الْوَاصِفِينَ ... بِأَنْ تُعَايِنَهَا
أَلَيْسَ جَدِيدُهَا يَبْلَى ... وَيُفْنِي الْمَوْتُ سَاكِنَهَا
أَنْشَدَنِي أَبُو نَصْرٍ الْمَدِينِيُّ:
هَذِهِ الدَّارُ مَلَكَهَا قَبْلَنَا ... عُصْبَةٌ بَادُوا وَخَلَّوْهَا لَنَا
فَمَلَكْنَاهَا كَمَا قَدْ مَلَكُوا ... وَسَيَمْلِكُهَا أُنَاسٌ بَعْدَنَا
ثُمَّ تُفْنِيهِمْ وَتَفْنَى بَعْدَهُمْ ... لَيْسَتِ الدُّنْيَا لِحَيٍّ وَطَنَا
عَجَبًا لِلدَّارِ كَمْ تَخْدَعُنَا ... حَسْرَةً يَا حَسْرَةً يَا حُزْنَا
стр. 245
٢٤٥ - حَدَّثَنِي أَبُو سُلَيْمَانَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ هِلَالٍ، وَكَانَ يَنْزِلُ فِي بَنِي هِزَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونًا الْمَرَئِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يَتَمَثَّلُ: ⦗١٢٠⦘
[البحر الوافر]
هِيَ الدُّنْيَا تُعَذِّبُ مَنْ هَوَاهَا ... وَتُورِثُ قَلْبَهُ حُزْنًا وَدَاءَ
فَإِنْ أَبْغَضْتَهَا نُجِّيتَ مِنْهَا ... وَإِنْ أَحْبَبْتَهَا تَلْقَى الْبَلَاءَ
стр. 246
٢٤٦ - ثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ كَانَ يَتَمَثَّلُ:
[البحر الطويل]
أَرَى أَشْقِيَاءَ النَّاسِ لَا يَسْأَمُونَهَا ... عَلَى أَنَّهُمْ فِيهَا عُرَاةٌ وَجُوَّعُ
أَرَاهَا وَإِنْ كَانَتْ تُحَبُّ كَأَنَّهَا ... سَحَابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَلِيلٍ تَقَشَّعُ
كَرَكْبٍ قَضَوْا حَاجَاتِهِمْ وَتَرَحَّلُوا ... طَرِيقُهُمْ بَادِي الْعَلَامَةِ مَهْيَعُ
стр. 247
٢٤٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: كَيْفَ يَفْرَحُ بِالدُّنْيَا مَنْ يَوْمُهُ يَهْدِمُ شَهْرَهُ، وَشَهْرُهُ يَهْدِمُ سَنَتَهُ، وَسَنَتُهُ تَهْدِمُ عُمْرَهُ؟ كَيْفَ يَفْرَحُ بِالدُّنْيَا مَنْ يَقُودُهُ عُمْرُهُ إِلَى أَجَلِهِ، وَتَقُودُهُ حَيَاتُهُ إِلَى مَوْتِهِ؟
стр. 248
٢٤٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: «الْأَيَّامُ سِهَامٌ وَالنَّاسُ أَغْرَاضٌ، وَالدَّهْرُ يَرْمِيكَ كُلَّ يَوْمٍ بِسِهَامِهِ وَيَتَخَرَّمُكَ بِلَيَالِيهِ وَأَيَّامِهِ، حَتَّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ أَجْزَائِكَ. فَكَمْ بَقَاءُ سَلَامَتِكَ مَعَ وُقُوعِ الْأَيَّامِ بِكَ، وَسُرْعَةِ اللَّيَالِي فِي بَدَنِكَ؟ لَوْ كُشِفَ لَكَ عَمَّا أَحْدَثَتِ الْأَيَّامُ فِيكَ مِنَ النَّقْصِ، وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ هَدْمِ مَا بَقِيَ مِنْكَ ⦗١٢١⦘ لَاسْتَوْحَشْتَ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ يَأْتِي عَلَيْكَ، وَاسْتَثْقَلْتَ مَمَرَّ السَّاعَاتِ بِكَ، وَلَكِنْ تَدْبِيرُ اللَّهِ فَوْقَ الِاعْتِبَارِ، وَبِالسُّلُوِّ عَنْ غَوَائِلِ الدُّنْيَا وُجِدَ طَعْمُ لَذَّتِهَا وَإِنَّهَا لَأَمَرُّ مِنَ الْعَلْقَمِ إِذَا عَجَنَهَا الْحَكِيمُ، وَأَقَلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُسَمَّى بِقَلِيلٍ، وَقَدْ أَغْنَتِ الْوَاصِفَ لِعُيُوبِهَا بِظَاهِرِ أَفْعَالِهَا، وَمَا تَأْتِي بِهِ مِنَ الْعَجَائِبِ أَكْثَرُ مِمَّا يُحِيطُ بِهِ الْوَاعِظُ، نَسْتَوْهِبُ اللَّهَ رُشْدًا إِلَى الصَّوَابِ»
стр. 249
٢٤٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: قِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: صِفْ لَنَا الدُّنْيَا وَمُدَّةَ الْبَقَاءِ. فَقَالَ: «الدُّنْيَا وَقْتُكَ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَيْكَ فِيهِ طَرْفُكَ، لِأَنَّ مَا مَضَى عَنْكَ فَقَدْ فَاتَكَ إِدْرَاكُهُ، وَمَا لَمْ يَأْتِ فَلَا عِلْمَ لَكَ بِهِ، وَالدَّهْرُ يَوْمٌ مُقْبِلٌ تَنْعَاهُ لَيْلَتُهُ، وَتَطْوِيهِ سَاعَاتُهُ وَأَحْدَاثُهُ تَنْتَضِلُ فِي الْإِنْسَانِ بِالتَّغَيُّرِ وَالنُّقْصَانِ، وَالدَّهْرُ مُوَكَّلٌ بِتَشْتِيتِ الْجَمَاعَاتِ، وَانْخِرَامِ الشَّمْلِ وَتَنَقُّلِ الدُّوَلِ، وَالْأَمَلُ طَوِيلٌ، وَالْعُمْرُ قَصِيرٌ، وَإِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ» أَنْشَدَنِي مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ قَوْلَهُ:
[البحر الكامل]
الْمَرْءُ دُنْيَا نَفْسِهِ ... فَإِذَا انْقَضَى فَقَدِ انْقَضَتْ
تَفْنَى لَهُ بِفِنَائِهِ ... وَيَعُودُ فِيمَنْ حَصَّلَتْ ⦗١٢٢⦘
مَا خَيْرُ مُرْضِعَةٍ بِكَأْسِ ... الْمَوْتِ تَفْطِمُ مَنْ غَذَتْ
بَيْنَا تَرُبُّ صَلَاحَهُ ... إِذْ أَفْسَدَتْ مَا أَصْلَحَتْ
стр. 250
٢٥٠ - حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْعَبَّاسِ، أنا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، وَيُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَجَاءَهُ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ؟» قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكُكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»
следующие страницы →