Полный текст (563 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
٤٩٠ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو مُسْهِرٍ، نا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّ عِيسَى ﵇ نَظَرَ إِلَى إِبْلِيسَ فَقَالَ: هَذَا أُرْكُونُ ⦗٢١٠⦘ الدُّنْيَا، إِلَيْهَا خَرَجَ، وَإِيَّاهَا سَأَلَ، لَا أُشْرِكُهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا حَجَرًا أَضَعُهُ تَحْتَ رَأْسِي، وَلَا أُكْثِرُ فِيهَا ضَاحِكًا حَتَّى أَخْرُجَ مِنْهَا
стр. 492
٤٩١ - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ، نا أَبُو سَعِيدٍ الْبَجَلِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: مَرَّ إِبْلِيسُ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ حَجَرًا، فَقَالَ لَهُ: يَا عِيسَى قَدْ رَضِيتَ مِنَ الدُّنْيَا بِهَذَا الْحَجَرِ؟ قَالَ: فَأَخَذَهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَقَذَفَ بِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «هَذَا لَكَ مَعَ الدُّنْيَا، لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ»
стр. 493
٤٩٢ - حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرَ بْنَ هَانِئٍ الْعَنْسِيَّ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَقُولُ فِينَا وَفِي هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا لَكُمْ بِحَامِدٍ، وَلَا لَهُمْ بِغَادِرٍ، أَنْتُمْ أَصْحَابُ دُنْيَا تَنَافَسْتُمُوهَا بَيْنَكُمْ، تَهَافَتُونَ فِي النَّارِ تَهَافُتَ الذُّبَابِ فِي الْمَرَقِ» قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ» ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَلَكَ رَحْلٌ؟ انْطَلِقْ إِلَى رَحْلِكَ
стр. 494
٤٩٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ: " الزُّهْدُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: وَاحِدٌ أَنْ يُخْلِصَ الْعَمَلَ لِلَّهِ وَالْقَوْلَ، وَلَا يُرَادُ بِشَيْءٍ مِنْهُ الدُّنْيَا ، وَالثَّانِي تَرْكُ مَا لَا يَصْلُحُ، وَالْعَمَلُ بِمَا يَصْلُحُ، وَالثَّالِثُ الْحَلَالُ أَنْ تَزْهَدَ فِيهِ، وَهُوَ تَطَوُّعٌ، وَهُوَ أَدْنَاهَا
стр. 495
٤٩٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ، نا قَطَرِيٌّ الْخَشَّابُ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صَارَتْ أُمَّتِي ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ لِلدُّنْيَا، وَفِرْقَةٌ يَعْبُدُونَهُ رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَفِرْقَةٌ يَعْبُدُونَهُ لِوَجْهِهِ وَلِدَارِهِ، فَيَقُولُ لِلَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ لِلدُّنْيَا: بِعِزَّتِي وَجَلَالِي وَمَكَانِي مَا أَرَدْتُمْ بِعِبَادَتِي؟ فَيَقُولُونَ: بِعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَمَكَانِكَ رِيَاءً وَسُمْعَةً قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَقْبَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى النَّارِ. قَالَ: وَيَقُولُ لِلَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ لِوَجْهِهِ وَلِدَارِهِ: بِعِزَّتِي وَجَلَالِي وَمَكَانِي مَا أَرَدْتُمْ بِعِبَادَتِي؟ فَيَقُولُونَ: بِعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَمَكَانِكَ لِوَجْهِكَ وَلِدَارِكَ، فَيَقُولُ: صَدَقْتُمْ، اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ "
стр. 496
٤٩٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، أنا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، نا مُوسَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالتَّرْكِ لِلدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ، وَإِنْ كُنْتُمْ لَا تُحِبُّونَ تَرْكَهَا، الْمُبْلِيَةِ أَجْسَامَكُمْ، وَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ تَجْدِيدَهَا، فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَمَثَلِ سَفْرٍ سَلَكُوا طَرِيقًا، فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ، أَوْ أَفْضَوْا إِلَى عَلَمٍ فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ، وَكَمْ عَسَى أَنْ يَجْرِيَ الْمُجْرَى حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْغَايَةِ؟ وَكَمْ عَسَى أَنْ يَبْقَى مَنْ لَهُ يَوْمٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَطَالِبٌ حَثِيثٌ يَطْلُبُهُ حَتَّى يُفَارِقَهَا؟ فَلَا تَجْزَعُوا لِبُؤْسِهَا وَضَرَّائِهَا، فَإِنَّهُ إِلَى انْقِطَاعٍ، وَلَا تَفْرَحُوا بِنَعِيمِهَا، فَإِنَّهُ إِلَى زَوَالٍ، عَجِبْتُ لِطَالِبِ الدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ، وَغَافِلٍ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ»
стр. 497
٤٩٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا آدَمُ، نا أَبُو عَاصِمٍ، إِمَامُنَا بِعَبَّادَانَ، عَنْ سَلْمِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: إِنَّ الْحَوَارِيِّينَ قَالُوا لِعِيسَى ﵇: يَا رُوحَ اللَّهِ عَلِّمْنَا عَمَلًا وَاحِدًا يُحَبِّبُنَا إِلَى اللَّهِ قَالَ: «أَبْغِضُوا الدُّنْيَا يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ»
стр. 498
٤٩٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا هُرَيْمُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ سَلَّامِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَالنِّسَاءُ حِبَالَةُ الشَّيْطَانِ، وَالْخَمْرُ دَاعِيَةُ كُلِّ شَرٍّ»
стр. 499
٤٩٨ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الرَّقِّيِّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ، قَالَ: «مَنْ صَبَرَ عَلَى الْأَذَى، وَتَرَكَ الشَّهَوَاتِ، وَأَكَلَ الْخُبْزَ مِنْ حَلَالِهِ، فَقَدْ أَخَذَ بِأَصْلِ الزُّهْدِ»
стр. 500
٤٩٩ - وَحَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: سُئِلَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ عَنِ الزُّهْدِ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنْ أَدْنَى الزُّهْدِ أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِي مَنْزِلِهِ، فَإِنْ كَانَ قُعُودُهُ لِلَّهِ، وَإِلَّا خَرَجَ، وَيَخْرُجُ، فَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ لِلَّهِ رَضِيَ، وَإِلَّا رَجَعَ، فَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ لِلَّهِ رَضِيَ، وَإِلَّا سَاحَ، وَيُخْرِجُ دِرْهَمَهُ، فَإِنْ كَانَ إِخْرَاجُهُ لِلَّهِ رَضِيَ، وَإِلَّا حَبَسَهُ، وَيَحْسِبُهُ، فَإِنْ كَانَ حَبْسُهُ لِلَّهِ رَضِيَ، وَإِلَّا رَمَى بِهِ، وَيَتَكَلَّمُ، فَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ لِلَّهِ رَضِيَ، وَإِلَّا سَكَتَ، وَيَسْكُتُ، فَإِنْ كَانَ سُكُوتُهُ لِلَّهِ رَضِيَ، وَإِلَّا تَكَلَّمَ» فَقِيلَ لَهُ: هَذَا صَعْبٌ، فَقَالَ: «هَذَا الطَّرِيقُ إِلَى اللَّهِ ، وَإِلَّا فَلَا تَتْعَبُوا»
стр. 501
٥٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، نا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: كَتَبَ لَيْثٌ: " مِنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ طَرْخَانَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُتَّقِيَ يَنْفَعُهُ مِنْ عَمَلِهِ مَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ الْمُتَّقِينَ، كَتَبْتُ إِلَيْكَ وَنَحْنُ وَمَنْ قِبَلَنَا، أَهْلُنَا وَإِخْوَانُنَا عَلَى مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَعَافِيَتِهِ، فَلَهُ الْحَمْدُ، أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ مَا لَيْسَ يَخْفَى عَلَى ذِي عَقْلٍ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ الرُّسُلَ إِنَّمَا بُعِثَتْ بِهَدْمِ الدُّنْيَا وَبِنَاءِ الْآخِرَةِ، وَالنَّاسُ فِيهَا، حَدَّثَنِي مَنْ أَدْرَكَ أَصْحَابَ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُمْ قَالُوا: «كُنَّا إِذَا أَسْلَمْنَا أَقْبَلْنَا إِلَى الْآخِرَةِ، وَتَرَكْنَا الدُّنْيَا لِأَهْلِ الشِّرْكِ، وَإِنَّ النَّاسَ الْيَوْمَ أَقْبَلُوا عَلَى أَمْرِ دُنْيَاهُمْ، وَتَرَكُوا أَمْرَ آخِرَتِهِمْ»
стр. 502
٥٠١ - حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَجَاءٍ، ⦗٢١٤⦘ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ السَّمَّاكِ، يَقُولُ: " النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: زَاهِدٌ، وَصَابِرٌ، وَرَاغِبٌ، فَأَمَّا الزَّاهِدُ: فَأَصْبَحَ قَدْ خَرَجَتِ الْأَفْرَاحُ وَالْأَحْزَانُ مِنْ صَدْرِهِ عَنِ اتِّبَاعِ هَذَا الْغُرُورِ، فَهُوَ لَا يَفْرَحُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا أَتَاهُ، وَلَا يَحْزَنُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا فَاتَهُ، لَا يُبَالِي عَلَى عُسْرٍ أَصْبَحَ أَمْ عَلَى يُسْرٍ، فَهَذَا الْمُبَرِّزُ فِي زُهْدِهِ، وَأَمَّا الصَّابِرُ فَرَجُلٌ يَشْتَهِي الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَيَتَمَنَّاهَا بِنَفْسِهِ، فَإِذَا ظَفِرَ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَلْجَمَ نَفْسَهُ عَنْهَا، كَرَاهَةَ شَتَاتِهَا وَسُوءِ عَاقِبَتِهَا، فَلَوْ تَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ عَجِبْتَ مِنْ نَزَاهَتِهِ وَعِفَّتِهِ، أَمَّا الرَّاغِبُ فَلَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ أَتَتْهُ الدُّنْيَا، وَلَا يُبَالِي دَنَّسَ فِيهَا عِرَضَهُ، أَوْ وُضِعَ فِيهِ حَسَبَهُ، أَوْ جُرِحَ دِينُهُ، فَهَؤُلَاءِ فِي غَمْرَةْ يَضْطَرِبُونَ، وَهَؤُلَاءِ أَنْتَنُ مِنْ أَنْ يُذْكَرُوا " أَنْشَدَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ:
[البحر البسيط]
وَطَالِبًا حَاجَةَ الدُّنْيَا قَدِ اخْتَلَفَا ... وَطَالَمَا اخْتَلَفَتْ بِالنَّاسِ حَالَاتُهَا
فَطَالِبٌ لِيُرِيحَ النَّفْسَ أَوْبَقَهَا ... وَطَالِبٌ لِيُرِيحَ النَّفْسَ عَنَّاهَا
стр. 503
٥٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ طُفَيْلٍ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «دُخُولُكَ عَلَى أَهْلِ السَّعَةِ مَسْخَطَةٌ»
стр. 504
٥٠٣ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ بَهْرَامَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «مَا بُسِطَتِ الدُّنْيَا لِأَحَدٍ إِلَّا اغْتِرَارًا» أَنْشَدَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ:
[البحر الوافر]
كَفَلْتُ لِطَالِبِ الدُّنْيَا بِهَمٍّ ... طَوِيلٍ لَا يَئُولُ إِلَى انْقِطَاعِ
وَذُلٍّ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ عِزٍّ ... وَفَقْرٍ لَا يَئُولُ إِلَى اتِّسَاعِ ⦗٢١٥⦘
وَشُغْلٍ لَيْسَ يُعْقِبُهُ فَرَاغٌ ... وَسَعْيٌ دَائِمٌ مِنْ كُلِّ سَاعِ
وَحِرْصٍ لَا يَزَالُ عَلَيْهِ عَبْدًا ... وَعَبْدُ الْحِرْصِ لَيْسَ بِذِي ارْتِفَاعِ
стр. 505
٥٠٤ - حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قِيلَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا الزُّهْدُ؟ قَالَ: «وَاللَّهِ مَا هُوَ بِالتَّقَشُّفِ، وَلَا بِخُشُونَةِ الْمَطْعَمِ، وَلَكِنَّهُ طَلْقُ النَّفْسِ عَنْ مَحْبُوبِ الشَّهْوَةِ»
стр. 506
٥٠٥ - وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، وَكَانَ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: قَدِمَ أَعْرَابِيٌّ الْمَدِينَةَ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ، فَسَمِعَ الْخُطْبَةَ فَأَعْجَبَهُ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا صَلَّى انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَدَخَلَ الْأَعْرَابِيُّ مَعَ مَنْ دَخَلَ، فَأُتِيَ بِطَعَامٍ، فَرَأَى مِنْ أَلْوَانِ الطَّعَامِ مَا لَمْ يُشْبِهْ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
[البحر الطويل]
لَقَدْ رَابَنِي مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ أَنَّهُمْ ... يُهِمُّهُمُ تَقْوِيمُنَا وَهُمُ عُصْلُ
وَذَمُّوا لَنَا الدُّنْيَا وَهُمْ يَرْضَعُونَهَا ... أَفَاوِيقَ حَتَّى مَا يَدِرُّ بِهَا ثُعْلُ ⦗٢١٦⦘
إِذَا رَكِبُوا الْأَعْوَادَ قَالُوا فَأَحْسَنُوا ... وَلَكِنَّ حُسْنَ الْقَوْلِ يُفْسِدُهُ الْفِعْلُ
стр. 507
٥٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرْكَانِيُّ، نا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَوْسَجَةَ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَهَانَتْ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، وَلَآثَرْتُمُ الْآخِرَةَ» ثُمَّ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَبْكُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا حَارِسَ لَهَا، وَلَا رَاجِعَ إِلَيْهَا، إِلَّا مَا لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَغِيبُ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الْآخِرَةِ، وَحَضَرَهَا الْأَمَلُ فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلِكَ بِأَعْمَالِكُمْ، وَصِرْتُمْ كَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، فَبَعْضُكُمْ شَرٌّ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَدَعُ هَوَاهَا مَخَافَةً مِمَّا فِي عَاقِبَتِهِ، مَا لَكُمْ لَا تَحَابُّونُ، وَلَا تَنَاصَحُونَ، وَأَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينٍ، مَا فَرَّقَ بَيْنَ أَهْوَائِكُمْ إِلَّا خُبْثُ سَرَائِرِكُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى الْبِرِّ لَتَحَابَبْتُمْ، مَا لَكُمْ تَنَاصَحُونَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، ⦗٢١٧⦘ وَلَا تَنَاصَحُونَ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، لَا يَمْلِكُ أَحَدُكُمُ النَّصِيحَةَ لِمَنْ يُحِبُّهُ وَيُعِينُهُ عَلَى أَمْرِ آخِرَتِهِ، مَا هَذَا إِلَّا مِنْ قِلَّةِ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، لَوْ كُنْتُمْ تُوقِنُونَ بِخَيْرِ الْآخِرَةِ وَشَرِّهَا، كَمَا تُوقِنُونَ بِالدُّنْيَا، لَآثَرْتُمْ طَلَبَ الْآخِرَةِ، لِأَنَّهَا أَمْلَكُ لِأُمُورِكُمْ، فَإِنْ قُلْتُمْ: حُبُّ الْعَاجِلَةِ غَالِبٌ، فَإِنَّا نَرَاكُمْ تَدَعُونَ الْعَاجِلَ مِنَ الدُّنْيَا لِلْآجِلِ مِنْهَا، تَكُدُّونَ أَنْفُسَكُمْ بِالْمَشَقَّةِ وَالِاحْتِرَاقِ فِي أَمْرٍ لَعَلَّكُمْ لَا تُدْرِكُونَهُ، فَبِئْسَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ، مَا حَقَّقْتُمْ إِيمَانَكُمْ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ الْإِيمَانُ الْبَالِغُ فِيكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ فَأْتُونَا فَلَنُبَيِّنُ لَكُمْ وَلِنُرِيَكُمْ مِنَ النُّورِ مَا تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَنْتُمْ بِالْمَنْقُوصَةِ عُقُولُكُمْ فَنَعْذِرَكُمْ، إِنَّكُمْ لَتُبَيِّنُونَ صَوَابَ الرَّأْيِ فِي دُنْيَاكُمْ، وَتَأْخُذُونَ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِكُمُ، مَا لَكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُصِيبُونَهُ؟ وَتَحْزَنُونَ عَلَى الْيَسِيرِ مِنْهَا يَفُوتُكُمْ؟ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ، وَيَظْهَرَ عَلَى أَلْسِنَتِكُمْ، وَتُسَمُّونَهَا الْمَصَائِبَ، وَتُقِيمُونَ فِيهَا الْمَآتِمَ، وَعَامَّتُكُمْ قَدْ تَرَكُوا كَثِيرًا مِنْ دِينِهِمْ بِمَا لَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ، وَلَا يَتَغَيَّرُ حَالُكُمْ، إِنِّي لَأَرَى اللَّهَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنْكُمْ، يَلْقَى بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالسُّرُورِ، وَكُلُّكُمْ يَكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ صَاحِبَهُ بِمَا يَكْرَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ صَاحِبُهُ بِمِثْلِهِ، فَأَصْبَحْتُمْ عَلَى الْغِلِّ، وَنَبَتَتْ مَرَاعِيكُمْ عَلَى الدِّمَنِ، وَتَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الْأَجَلِ، لَوَدِدْتُ ⦗٢١٨⦘ أَنَّ اللَّهَ أَرَاحَنِي مِنْكُمْ، وَأَلْحَقَنِي بِمَنْ أُحِبُّ رُؤْيَتَهُ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَمْ يُصَابِرْكُمْ، فَإِنْ كَانَ فِيكُمْ خَيْرٌ أَسْمَعْتُكُمْ، وَإِنْ تَطْلُبُوا مَا عِنْدَ اللَّهِ تَجِدُوهُ يَسِيرًا، وَبِاللَّهِ أَسْتَعِينُ عَلَى نَفْسِي وَعَلَيْكُمْ "
стр. 508
٥٠٧ - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ، نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَخِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ أَقْبَلَ وَعَلَيْهِ نَمِرَةٌ مَا تَكَادُ تُوَارِيهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ نَكَّسُوا، لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يُعْطُونَهُ قَالَ: فَأَثْنَى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا قَالَ: فَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقَدْ رَأَيْتُهُ عِنْدَ أَبَوَيْهِ، وَمَا فَتًى مِنْ فَتَيَانِ قُرَيْشٍ مِثْلَهُ، يُكْرِمَانِهِ وَيُنَعِّمَانِهِ، فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَنُصْرَةَ رَسُولِهِ، أَمَا إِنَّكُمْ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ إِلَّا كَذَا حَتَّى تَفْتَحُوا فَارِسَ وَالرُّومَ، فَيَغْدُو أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ، وَيَرُوحُ فِي حُلَّةٍ، وَيُغْدَى عَلَيْكُمْ بِقَصْعَةٍ، وَيُرَاحُ عَلَيْكُمْ بِأُخْرَى»
стр. 509
٥٠٨ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ حُلَيْسِيُّ ⦗٢١٩⦘ الضُّبَعِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ: «إِنِّي لَعَالِمٌ بِخِلَافِكَ، وَلَكِنْ عَلَى ذَلِكَ احْفَظْ» ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَقَالَ:
[البحر الطويل]
حَتَّى مَتَى تُسْقَى النُّفُوسُ بِكَأْسِهَا ... رَيْبَ الْمَنُونِ وَأَنْتَ لَاهٍ تَرْتَعُ
أَحْلَامُ نَوْمٍ أَوْ كَظِلٍّ زَائِلٍ ... إِنَّ اللَّبِيبَ بِمِثْلِهَا لَا يُخْدَعُ
فَتَزَوَّدَنْ مِنْ قَبْلِ يَوْمِكَ دَائِبًا ... أَمْ هَلْ لِغَيْرٍ لَا أَبَا لَكَ تَجْمَعُ
стр. 510
٥٠٩ - حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ مَالِكٍ، نا أَبُو عُبَيْدَةَ النَّاجِيُّ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: «طَالِبَانِ يَطْلُبَانِ، فَطَالِبُ الْآخِرَةِ مُدْرِكٌ بِمَا طَلَبَ، لَا فَوْتَ بِهِ عَلَيْهِ، وَطَالِبُ الدُّنْيَا عَسَى أَنْ يُصِيبَ مِنْهَا قَلِيلًا، وَمَا يَفُوتُهُ مِنْهَا أَكْثَرُ، إِنَّ الدُّنْيَا لَمَّا فُتِحَتْ عَلَى أَهْلِهَا كَلِبُوا وَاللَّهِ أَشَدَّ الْكَلَبِ، حَتَّى عَدَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالسَّيْفِ، وَحَتَّى اسْتَحَلَّ بَعْضُهُمْ حُرْمَةَ بَعْضٍ، فَيَا لِهَذَا فَسَادًا مَا أَكْثَرَهُ»
стр. 511
٥١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو عَمْرٍو النَّجْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ صَالِحًا الْمُرِّيَّ، يَقُولُ فِي كَلَامِهِ: «وَكَيْفَ تَقَرُّ بِالدُّنْيَا ⦗٢٢٠⦘ عَيْنُ مَنْ عَرَفَهَا؟» قَالَ: ثُمَّ بَكَى، وَيَقُولُ: «خَلَفُ الْمَاضِينَ، وَبَقِيَّةُ الْمُتَقَدِّمِينَ، رَحِّلُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْهَا قَبْلَ الرَّحِيلِ، فَكَأَنَّ الْأَمْرَ عَنْ قَرِيبٍ قَدْ نَزَلَ» قَالَ: ثُمَّ بَكَى وَأَنْشَدَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ:
[البحر البسيط]
إِنَّا عَلَى قُلْعَةٍ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ ... نُسَاقُ عَنْهَا بِإِمْسَاءٍ وَإِبْكَارِ
نَبْكِي وَنَنْدُبُ آثَارَ الَّذِينَ مَضَوْا ... وَسَوْفَ تَلْحَقُ آثَارٌ بِآثَارِ
طَالَتْ عِمَارَتُنَا الدُّنْيَا عَلَى غَرَرٍ ... وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّا غَيْرُ عُمَّارِ
يَا مَنْ تُحَثُّ بِتِرْحَالٍ عَلَى عَجَلٍ ... لَيْسَ الْمَحَلَّةُ غَيْرَ الْفَوْزِ وَالنَّارِ
فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي مَهَلٍ ... غَدًا تَفُوزُ وَيَشْقَى كُلُّ مُخْتَارِ
وَاتْرُكْ مُفَاخَرَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَوْمُ الْفَخْرِ وَالْعَارِ
وَأَنْشَدَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ أَيْضًا:
[البحر السريع]
هَلْ غَايَةُ الدُّنْيَا وَإِنْ نِلْتَهَا ... إِلَّا ثَرَى قَبْرٍ وَمَلْحُودِ
فَاعْمَلْ لِمَا تَرْجُو وَمَا يَبْقَى ... وَالْحَبْلُ بِالْمُهْلَةِ مَمْدُودُ
стр. 512
٥١١ - حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْكَلْبِيِّ، نا شَرْقِيُّ بْنُ قُطَامِيٍّ، حَدَّثَنِي مَشَايِخُنَا، أَنَّهُمْ سَمِعُوا حُرْقَةَ بِنْتَ النُّعْمَانِ، ⦗٢٢١⦘ تُنْشِدَ:
[البحر الطويل]
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالْأَمْرُ أَمْرُنَا ... إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
فَأُفٍّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا ... تَقَلُّبَ تَارَاتٌ بِنَا وَتَصَرَّفُ
стр. 513
٧٠١ - وَدَفَعَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ كِتَابًا فِيهِ: سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: مَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَتَكَرَّمَ عَنْهُ؟ قَالَ: «يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَتَكَرَّمَ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَيَرْفَعَ نَفْسَهُ عَنِ الدُّنْيَا، فَلَا تَكُونُ مِنْهُ عَلَى بَالٍ» وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ، قِيلَ: مَا يَنْبَغِي أَنْ نَجْعَلَ عَظِيمَ شُكْرِنَا لَهُ؟ قَالَ: «زِيَادَةُ آخِرَتِكُمْ، وَنُقْصَانُ دُنْيَاكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ زِيَادَةَ آخِرَتِكُمْ لَا تَكُونُ إِلَّا بِنُقْصَانِ دُنْيَاكُمْ، وَزِيَادَةُ دُنْيَاكُمْ لَا تَكُونُ إِلَّا بِنُقْصَانِ آخِرَتِكُمْ»
стр. 514
٥١٢ - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ، عَنْ عَبْدَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا فِي الْقَلْبِ، وَالذُّنُوبُ قَدِ احْتَوَشَتْهُ، فَمَتَى يَصِلُ الْخَيْرُ إِلَيْهِ ؟»
стр. 515
٥١٣ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَلْتَقِطُ النَّوَى، وَيَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
[البحر الوافر]
أَرَى الدُّنْيَا لِمَنْ هِيَ فِي يَدَيْهِ ... عَذَابًا كُلَّمَا كَثُرَتْ لَدَيْهِ
تُهِينُ الْمُكْرِمِينَ لَهَا بِصُغْرٍ ... وَتُكْرِمُ كُلَّ مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ
إِذَا اسْتَغْنَيْتُ عَنْ شَيْءٍ فَدَعْهُ ... وَخُذْ مَا كُنْتَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ
стр. 516
٥١٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ ⦗٢٢٢⦘ مُعَاوِيَةَ، عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَى الدُّنْيَا: «مَنْ خَدَمَكِ فَأَتْعِبِيهِ، وَمَنْ خَدَمَنِي فَاخْدُمِيهِ»
стр. 517
٥١٥ - حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، يُنْشِدُ:
[البحر الرجز]
لَوْ كُنْتَ بِالْيَوْمِ الْعَظِيمِ تُعْنَى
لَكَانَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ سِجْنَا
وَلَمْ تَكُنْ بِالْعَيْشِ مُطْمَئِنًّا
أَمَا عَلِمْتَ يَا ضَعِيفُ أَنَّا
يَوْمًا مُجَازَونَ بِمَا قَدِمْنَا
لَوْ قَدْ بُعِثْنَا ثُمَّ قَدْ سُئِلْنَا
عَنْ سَالِفِ الْأَعْمَالِ مَا أُقِلْنَا
مَا أَعْظَمَ الْقَوْلَ إِذَا وَقَفْنَا
وَأَنْشَدَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ:
[البحر الطويل]
إِذَا لَمْ يَعِظْنِي وَاعِظٌ مِنْ جَوَارِحِي ... لِنَفْعٍ فَمَا شَيْءٌ سِوَاهُ بِنَافِعِي
أُؤَمِّلُ دُنْيَا أَرْتَجِي مِنْ حِلَابِهَا ... غِلَالَةَ سُمٍّ مُورِدِ الْمَوْتِ نَاقِعِ
وَمِنْ قَابِضِ الدُّنْيَا يَكُنْ مِثْلَ آخِذٍ ... عَلَى الْمَاءِ خَانَتْهُ فُرُوجُ الْأَصَابِعِ
وَكَالْحَالِمِ الْمَسْرُورِ عِنْدَ مَنَامِهِ ... بِلَذَّةِ أَضْغَاثٍ لِأَحْلَامِ هَاجِعِ
فَلَمَّا تَوَلَّى اللَّيْلُ وَلَّى سُرُورُهُ ... وَعَادَتْ عَلَيْهِ عَاطِفَاتُ الْفَجَائِعِ
стр. 518
٥١٦ - حَدَّثَنِي مَنْ، سَمِعَ ابْنَ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي صَفْوَانَ الرُّعَيْنِيِّ بِمَكَّةَ، وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَجِيءُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَيَقِفُ عَلَيْهِ: مَا الدُّنْيَا الَّتِي ذَمَّهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ، الَّتِي يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَجَنَّبُهَا؟ قَالَ: «كُلُّ مَا أَصَبْتَ مِنَ الدُّنْيَا تُرِيدُ بِهِ الدُّنْيَا فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَكُلُّ مَا أَصَبْتَ فِيهَا تُرِيدُ بِهِ الْآخِرَةَ فَلَيْسَ مِنْهَا»
стр. 519
٥١٧ - وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ أَبِي الْحَوَارِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ⦗٢٢٣⦘ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو مُسْلِمٍ، قَائِدُ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «كَانُوا يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا، فَإِذَا بَلَغُوا الْأَرْبَعِينَ طَلَبُوا الْآخِرَةَ» فَحَدَّثْتُ بِهِ الْمُعَافَى بْنَ عِمْرَانَ فَأَعْجَبَهُ ، قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِأَيِّ شَيْءٍ طَلَبُ الْآخِرَةِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ؟ قَالَ: «قُوتُ يَوْمٍ بِيَوْمٍ»
стр. 520
٥١٨ - حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُؤَدِّبًا لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ أَبُو غَسَّانَ، وَجَاءَهُ شَابٌّ، فَقَالَ: يَا أَبَا غَسَّانَ قَالَ: «إِلَيْكَ يَا حَبِيبِي» قَالَ: مَتَى تَرْتَحِلُ الدُّنْيَا مِنَ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «إِذَا وَقَعَتِ الْعَزِيمَةُ رَحَلَتِ الدُّنْيَا مِنَ الْقَلْبِ، وَدَرَجَ الْقَلْبُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ، وَإِذَا لَمْ تَقَعِ الْعَزِيمَةُ اضْطَرَبَ الْقَلْبُ، وَرَجَعَ إِلَى الدُّنْيَا»
стр. 521
٥١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ: أَوْصِنِي قَالَ: «تَجَافَ عَنِ الدُّنْيَا مَا اسْتَطَعْتَ»
стр. 522
٥٢٠ - وَحَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ فَزَارَةَ قَالَ: " كَانَ يُقَالُ: الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ فِيهَا رَخَاءٌ فَلْيُنْكِرْهُ "
стр. 523
٥٢١ - حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قِيلَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ: أَيُّ شَيْءٍ أَجِدُهُ أَدْفَعَ لِلْفَاقَةِ؟ قَالَ: «الزُّهْدُ» قِيلَ: وَمَا الزُّهْدُ؟ قَالَ: «الْعِلْمُ، ثُمَّ يُفَرِّقُ مَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ثُمَّ طَلَبُ الرَّفِيعِ بِالْخَسِيسِ» قِيلَ: فَأَيُّهُمَا أَجْدَى؟ قَالَ: «تَرْكُ إِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا» أَنْشَدَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَنْشَدَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دَاوُدَ:
[البحر الخفيف]
لَا يَكُونُ الْمُغْتَابُ ذُو الْوَجْهَيْنِ ... عِنْدَ الْمَلِيكِ يَوْمًا وَجِيها
لَا وَلَا طَالِبَ الْفُضُولِ مِنَ الدُّنْيَا ... وَلَذَّاتِهَا يَكُونُ فَقِيهَا ⦗٢٢٤⦘
أَدْرَكَ الزَّاهِدُونَ كُلَّ نَعِيمٍ ... إِذْ أَبَاحُوا النُّفُوسَ مَا يَكْفِيهَا
وَاسْتُرِقَّ الْحَرِيصُ فِيهَا فَمَا يُغْنِيهِ ... مِنْهَا كُلُّ الَّذِي ظَلَّ فِيهَا
هِيَ دَارٌ تَزِيدُ مَنْ صَدَغَهَا ... مِقَةً وَالذَّلِيلُ مَنْ يُصْفِيهَا
стр. 524
٥٢٢ - وَحَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: «يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ ارْضَوْا بِدَنِيءِ الدُّنْيَا مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ، كَمَا رَضِيَ أَهْلُ الدُّنْيَا بِدَنِيءِ الدِّينِ مَعَ سَلَامَةِ الدُّنْيَا» قَالَ زَكَرِيَّا: وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
[البحر البسيط]
أَرَى رِجَالًا بِأَدْنَى الدِّينِ قَدْ قَنَعُوا ... وَلَا أَرَاهُمْ رَضُوا فِي الْعَيْشِ بِالدُّونِ
فَاسْتَغْنِ بِالدِّينِ عَنْ دُنْيَا الْمُلُوكِ كَمَا ... اسْتَغْنَى الْمُلُوكُ بِدُنْيَاهُمْ عَنِ الدِّينِ
стр. 525
٥٢٣ - حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَمَا بَلَوْتُمُ الدُّنْيَا؟ فَمَا زَالَتْ تُؤَنِّبُكُمْ عَسْفًا، وَتَسُومُكُمْ خَسْفَا، فِي كُلِّ يَوْمٍ لَكُمْ فِيهَا شُغْلٌ جَدِيدٌ وَحُزْنٌ عَتِيدٌ ، إِنَّمَا صَدَقْتُمُ الْأَمَلَ فَكَذَبَكُمْ، وَأَطَعْتُمُ الْهَوَى فَأَوْبَقَكُمْ، فَكَيْفَ تَفِرُّونَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْمَوْتِ الَّذِي لَا تَدْرُونَ أَنَّ مَا فِيهِ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ؟ فَهَؤُلَاءِ لَكُمْ مَفْظَعًا، أَمَّا قَبْلَهُ مِنْ تَخَوُّفِ بَغَتَاتِهِ الَّتِي لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ حَالَاتِكُمْ تُوَافِيكُمْ، أَمَّا الَّذِي تَرَوْنَهُ مِنْ أَسْبَابِهِ فَمَا يَعْرُوكُمْ مِنَ الِانْتِقَاصِ ضَعْفًا بَعْدَ قُوَّةٍ، وَأَخْلَاقًا بَعْدَ جِدَّةٍ، وَهَرَمًا بَعْدَ شَبَابٍ، وَسَقَمًا بَعْدَ صِحَّةٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ يَمُوتُ مِنْ أَجْسَادِكُمْ مَيِّتٌ يَنْعَى لَكُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ فَنَائِكُمْ، حَتَّى يَهْجُمَ عَلَيْكُمْ بِمَرَارَةِ كَأْسِهِ، وَفَظَاعَةِ مَذَاقِهِ، فَتَصِيرُوا رَهَائِنَ الْمَوْتِ، وَوَدَائِعَ الْحُفَرِ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ "
стр. 526
٥٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ، نا حَسَنُ بْنُ حُسَيْنٍ الْعُرَنِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ بَكْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: «مَنْ فَرِحَ مِنْ قَلْبِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا فَقَدْ أَخْطَأَ الْحِكْمَةَ، وَمَنْ جَعَلَ شَهْوَتَهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ يَفْرَقُ شَيْطَانُهُ مِنْ ظِلِّهِ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ فَهُوَ الْغَالِبُ»
стр. 527
٥٢٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ حُجْرِ ابْنُ بِنْتِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: وَجَدْتُ فِي كُتُبِ جَدِّكَ الْأَوْزَاعِيِّ بِخَطِّ يَدِهِ: «ابْنَ آدَمَ اعْمَلْ لِنَفْسِكَ وَبَادِرْ، فَقَدْ أُوتِيتَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَاعْوِلْ كَعَوِيلِ الْأَسِيرِ الْمُكَبَّلِ، وَلَا تَجْعَلْ بَقِيَّةَ عُمُرِكَ لِلدُّنْيَا وَطَلَبِهَا فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ، حَسْبُكَ مَا بَلَغَكَ مِنْهَا، سَتُسَلِّمُ طَائِعًا، وَتَعَزَّ بِيَوْمِ فَقْرِكَ وَفَاقَتِكَ، وَاذْكُرْ سَهَرَ أَهْلِ النَّارِ فِي خُلْدٍ أَبَدًا، وَتَخَوَّفْ أَنْ يُنْصَرَفَ بِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ آخِرَ الْعَهْدِ بِاللَّهِ، وَمُنْقَطَعَ الرَّجَاءِ، وَاذْكُرْ أَنَّكَ قَدْ رَاهَقْتَ الْغَايَةَ، وَإِنَّمَا بَقِيَ الرَّمَقُ، فَسَدِّدْ تَصَبُّرًا وَتَكَرُّمًا، وَارْغَبْ بِبَقِيَّةِ عُمُرِكَ أَنْ تُفْنِيهِ لِلدُّنْيَا، وَخُذْ مِنْهَا مَا يُوصِلُكَ لِآخِرَتِكَ، وَدَعْ مِنْهَا مَا يَشْغَلُكَ»
стр. 528
٥٢٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ، قَالَ: كَتَبَ زُهَيْرُ بْنُ نُعَيْمٍ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ⦗٢٢٦⦘ عَبْدِ الْغَفَّارِ: " سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهُ إِلَّا هُوَ، وَأَوْصِي نَفْسِي وَإِيَّاكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا، فَإِنَّمَا الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّمَا يُجْزَى كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَكْتُبُ إِلَيْكَ يَا ابْنَ أَخِ ، وَأَنَا فِي عَافِيَةٍ وَمَسِيرٍ إِلَى الْمَوْتِ عَلَى أَيِّ الْحَالَاتِ، كَذَا مَحْفُوظٌ عَلَيْنَا مَا قَدَّمَتْ أَيْدِينَا، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ يَا ابْنَ أَخِ أَكْثِرِ الْفِكْرَةَ فِي مَصْرَعِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، وَابْعُدْ عَنْ فُضُولِ الدُّنْيَا، وَارْضَ مِنْهَا بِالْيَسِيرِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ فِي طَلَبِ فُضُولِ الدُّنْيَا، رَضَّانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْهَا بِالْأَقَلِّ، وَرَزَقَنَا فِيهَا الْعَمَلَ الْأَكْثَرَ لِدَارِ الْآخِرَةِ حَتَّى يُخْرِجَنَا وَإِيَّاكَ مِنْهَا بِالْأَقَلِّ، وَرَزَقَنَا فِيهَا الْعَمَلَ الْأَكْثَرَ لِدَارِ الْآخِرَةِ حَتَّى يُخْرِجَنَا وَإِيَّاكَ مِنْهَا وَهُوَ عَلَيْنَا غَيْرَ سَاخِطٍ، بِمَنِّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَمُنُّ بِذَلِكَ غَيْرُهُ. وَإِنِ اسْتَطَعْتَ يَا ابْنَ أَخِ، فَلَا تَنْسَ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]
стр. 529
٥٢٧ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، فَكَانَ فِي كِتَابِهِ: «إِنَّا أَصْبَحْنَا فِي دَهْرِ حَيْرَةٍ، تَضْطَرِبُ عَلَيْنَا أَمْوَاجُهُ بِغَلَبَةِ الْهَوَى، الْعَالِمِ مِنَّا وَالْجَاهِلِ، فَالْعَالِمُ مِنَّا مَفْتُونٌ بِالدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْجَاهِلُ مِنَّا عَاشِقٌ لَهَا، مُسْتَمْلَأٌ مِنْ فِتْنَةِ عَالِمِهِ، فَالْمُقِلُّ لَا يَقْنَعُ، وَالْمُكْثِرُ لَا يَشْبَعُ، فَكُلٌّ قَدْ شَغَلَ الشَّيْطَانُ قَلْبَهُ بِخَوْفِ الْفَقْرِ، فَأَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ قَبُولِنَا عِدَةَ إِبْلِيسَ وَتَرْكِنَا عِدَةَ رَبِّ الْعَالَمِينَ. يَا أَخِي لَا تَصْحَبْ إِلَّا مُؤْمِنًا يَعِظُكَ بِفِعْلِهِ وَمَصَادِيقِ قَوْلِهِ، أَوْ مُؤْمِنًا تَقِيًّا، فَمَتَى صَحِبْتَ غَيْرَ هَؤُلَاءِ وَرَّثُوكَ النَّقْصَ فِي دِينِكَ، وَقُبْحَ السِّيرَةِ فِي أُمُورِكَ، وَإِيَّاكَ وَالْحِرْصَ وَالرَّغْبَةَ، فَإِنَّهُمَا يَسْلُبَانِكَ الْقَنَاعَةَ وَالرِّضَا. وَإِيَّاكَ وَالْمَيْلَ إِلَى هَوَاكَ، فَإِنَّهُ يَصُدُّكَ عَنِ الْحَقِّ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُظْهِرَ أَنَّكَ تَخْشَى اللَّهَ ⦗٢٢٧⦘ وَقَلْبَكَ فَاجِرٌ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُضْمِرَ مَا إِنْ أَظْهَرْتَهُ أَخْزَاكَ، وَإِنْ أَضْمَرْتَهُ أَرْدَاكَ، وَالسَّلَامُ»
стр. 530
٥٢٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَامِرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ الْمَدَائِنِيُّ، أنا شَيْخٌ، مِنَ الْبَصْرِيِّينَ، يُقَالُ لَهُ أَبُو الدَّرْقَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: أَيْنَ الزَّاهِدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَالرَّاغِبُونَ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ: أُولَئِكَ أَهْلُ بَدْرٍ "
следующие страницы →