المعنى: إن صَنِيعَهم كَيْدُ سِحْرٍ.
وَمَنْ قَرَأَ (كيدُ سَاحِرٍ) فهو على (فاعِل) ،
وكل ذلك جائز، أراد: كيد ساحِرٍ من السحرة.
* * *
وقوله جلُّ وعزَّ: (لاَ تَخَافُ دَرَكًا (٧٧)
قرأ حمزة وحده (لا تَخَفْ) جزمًا.
وقرأ الباقون (لاَ تَخَافُ دَرَكًا) بألف، على الخبر.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (لا تَخَفْ دَرَكًا) فهو نهي من الله لموسى عن
الخوف، كأنه قال: لا تَخَف أن يُدرِكَكَ فرعونُ وجنوده ولا تخشى
الغرقَ.
وَمَنْ قَرَأَ (لاَ تَخَافُ) فإن المعنى: لَسْتَ تَخَاف دَرَكًا؛ لأن فرعون
يغرق قبل خروجه من البحر.
والدَّرَك: اسم يوضع موضع الإدراك.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ (٨٠)
وَ (رَزَقناكمْ (٨١)
стр. 492
قرأ حمزة والكسائي (أنجيتكُمُ) (ووعَدْتُكُم) و: (رزقتكم) ثلاثتهن بالتاء،
وقرأ الباقون بالنون والألف.
قال أبو منصور: هذه الأفعال كلها للَّه، يجوز فيها التوحيد والجمع، فما
كان منه (فَعَلنا) فهو بأعْوَانِهِ، وما كان منه (فَعَلْتُ) فهو ماتفرد به.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ. (٨١)
قرأ الكسائي وحده (فَيَحُلَّ. . . ومن يَحْلُلْ) بضم الحاء واللام الأول من
(يَحلُلْ) وقرأ الباقون بكسر الحاء واللام.
قال أبو منُصور: مَنْ قَرَأَ (فَيَحُل) و (يَحْلُل) فهو من الحُلُول،
وهو: النزول،
وَمَنْ قَرَأَ (فَيَحِل و (يَحْلِل) فهو بمعنى: يَجبُ.
وقال الفراء: جاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع، قال: وكُلٌّ صَوَاب.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (مَا أخلفَنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا (٨٧)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب (بِمِلْكِنَا) بكسر الميم،
وقرأ نافع وعاصم (بِمَلْكِنَا) بفتح الميم.
وقرأ حمزة والكسائي (بِمُلكِنَا) بضم الميم.
стр. 493
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (بمُلكِنا) فإن الفراء قال: هو في التفسير: أنَّا لم
نملك الصوَابَ، إنَّما أخطأنا.
قال: وَمَنْ قَرَأَ (بِمَلْكِنا) فهو مَلْكُ الرجل، تقول لكل شىء ملكته: هذا مِلْكُ يميني.
وقال: المِلْك: ما ملكته مَلْكا ومَلكةً، مثل: غلبتُه غَلْبا وغَلَبَة، على
المصدر.
قال أبو مَعَاذ النحوي: مَنْ قَرَأَ (بمِلْكِنَا) فمعناه: بقُدْرتنا.
وَمَنْ قَرَأَ (بمُلْكِنا) فمعناه: بِسُلْطاننا.
وقال الزجاج نحْوًا منه.
وقال: يجوز الضم والكسر والفتح في الميم،
فأصل المُلك: السلطان والقدرة.
والمِلك: ما حَوَتْهُ اليدُ، والمَلكُ: مصدر قولك:
ملَكت الشيء أمْلِكه مَلْكا.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (حَمَلْنَا أوزَارًا (٨٧)
قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي مفتوحة الحاء والميم
خفيفة.
وقرأ الباقون (حُمِّلْنَا) بضم الحاء وتشديد الميم.
وَروَى أبو حَاتم الرازي عن أبي زيد عن أبي عمرو (حَمَلنا) و (حُمِّلْنَا) بالوجهين، وقال: هما سواء.
قال أبو منصُور: هما كما قال أبو عمرو سواء في مرجع المعنى إليه، غير أن
(حَمَلنا) فَعَلنا، و (حُمِّلْنَا) على لفظ فُعِّلنا، و (حُمِّلْنَا) بتشديد الميم على ما لم يسم فاعله، وفي التفسير: إنهم كانوا أخذوا من قوم فرعون مَنْ قذفهم البحر من الذهب
стр. 494
والفضة فألقوه في النَّار، فلما خلصت الفضةُ والذهب صوَّرهُ السامريُّ عجلاً
- وكان أخذ قبضة من أثر فرس كان تحت جبريل ﵇
قال السامري: قذِفَ في نفسي أني إن ألقَيْت تلك القبضة في أنف الثور حَيِي وخَارَ، كذلك قوله (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) .
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ تَبْصُرُوا بِهِ (٩٦)
قرأ حمزة والكسائي (بما لم تبصُرُوا به) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ بالتاء أرادْ بَصُرْتُ بالذي لم تَبْصُروا به أنتم،
خاطب أصحابه.
وَمَنْ قَرَأَ بالياء أراد: بَصرت بالذي لم ييْصِروا به. ويقال:
بَصُرَ الرجُل ييْصُرُ إذا صار عليمَا بالشيء، وأبصر يُبْصِر، إذا نظر,
والتأويل: علمتُ بما لم تعلموا به.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (مَوْعِدًا لَنْ تُخلفَهُ (٩٧)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (لَن تُخلِفَهُ) بكسر اللام،
وقرأ الباقون بفتح اللام.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (لن تُخلَفَهُ) بفتح اللام فالمعنى: يُكافئكَ اللَهُ على
ما فَعَلْت يوم القيامة، واللَّهُ لا يُخلف الميعاد.
وَمَنْ قَرَأَ (لنْ تُخلِفَهُ) فالمعنى: أنك تُبعثُ وتوافي يوم القيامة لا تقدر على غير ذلك ولا تُخلِفُه.
وكل ذلك جائز.
стр. 495
وقوله جلَّ وعزَّ: (يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ (١٠٢)
قرأ أبو عمرو وحده (يَوْمَ نَنْفُخُ) بالنون، وقرأ الباقون (يُنْفَخُ) بالياء.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ بالنون فالفعل للَّهِ، إما بأمره النافخ،
وإما بانفراده به.
وَمَنْ قَرَأَ (يُنْفَخُ) فهو على ما لم يسم فاعله، والمعنى واحد.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا ولاَ هَضْمًا (١١٢)
قرأ ابن كثير وحده (فَلاَ يَخفْ ظُلْمًا) ، وقرأ الباقون (فَلاَ يَخَافُ) .
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (فَلاَ يَخَفْ) جزمَا فهو على النهي للغائب، ومن
قرأ (فَلاَ يَخَافُ) فهو على الخبر، المعنى: فإنه لا يَخاف.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (مِنْ قَبْل أنْ يُقْضَى إلَيْكَ وَحْيُه (١١٤)
قرأ الحضرمي وحده (من قبل أن نَقْضي إلَيْكَ) بالنون، (وَحيَهُ) نصبًا.
وقرأ الباقون (يُقْضَى إلَيْكَ وَحْيُه) رفعًا.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ بالنون نصبَ (وَحيَهُ) بالفعل،
وَمَنْ قَرَأَ (مِنْ قَبْلِ أنْ يُقْضَى إلَيْكَ وَحْيُه) فهو على ما لم يسم فاعله.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَإِنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)
стр. 496
قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم (وإِنَّكَ) بكسر الألف،
وقرأ الباقون (وَأَنَّكَ) بالفتح.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ) عطفه على قوله: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ) .
وَمَنْ قَرَأَ (وَإِنَّكَ لَا تَظْمَأُ) عطفهُ على قوله: (إِنَّ لَكَ) .
* * *
وأما قوله جلَّ وعزَّ: (لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)
قرأ أبو بكر عن عاصم والكسائي (تُرْضَى) بضم التاء، وفَخَمَها أبو بكر،
وأمالها الكسائي.
وقرأ الباقون (لَعَلَّكَ تَرْضَى) بفتح التاء.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ بفتح التاء فالخطاب للنبي ﷺ أى: تَرضى أنت يا محمد.
وَمَنْ قَرَأَ (تُرْضَى) فهو على ما لم يسم فاعله، والمعنى واحد.
* * *
قوله جلَّ وعزَّ: (لِمَ حَشَرتَنِي أعْمَى (١٢٥)
حَرَّك الياء ابن كثيرٍ ونافع، وأرسلها الباقون.
стр. 497
وقوله جلَّ وعزَّ: (زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنيا (١٣١)
قرأ يعقوب (زَهَرَة الحَياةِ الدُّنيا) بفتح الهاء،
وقرأ الباقون (زَهرة) بسكون الهاء.
قال أبو منصور: الزَّهْرَة والزَّهَرَة واحد.
وأخبرني المنذري عن الحرَّاني عن ابن السكيت قال: الزَّهَرَة: زَهْرَة النبت
والزَّهْرَة - بسكون الهاء - زَهْرَة الحياة الدنيا، وهى: غَضارَتُها وحُسْنُها.
قال أبو منصور: نُصبَ (زَهرةَ) بمعنى: متَّعنا، لأن معناه: تجعل لهم الحياة
زهرة.
* * *
(لِنَفْتِنَهُمْ فيْهِ) أى: لنجعل ذلك فتنة لهم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (أَوَلَمْ يَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ (١٣٣)
قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص والحضرمي (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ) بالتاء،
وقرأ الباقون (أَوَلَمْ يَأْتِهِمْ) بالياء.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ بالتاء فللفظ البينة.
وَمَنْ قَرَأَ بالياء فلأن معنى البينة: البيان.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (أَلَّا تَتَّبِعَنِي (٩٣)
стр. 498
وصلها الحضرمي وابن كثيرٍ ووقفا عليها بالياء، ووصلها نافع وأبو عمرو،
بياء، ووقفا بغير ياء.
ورَوى إسماعيل بن جعفر وابن جَمَّاز عن نافع (أَلَّا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ)
بحركة الياء.
قال أبو منصور: وهي لغات جائزة.
* * *
وأما قوله: (بالوادِ المقَدَّسِ) فقد اتفقوا كلُّهم على أنه
بغير ياء في وصل ولا وقف، إلا الكسائي فإنه وقف بياء،
وكذلك الحضرمي.
وكله جائز.
* * *
стр. 499
سورة الْأَنْبِيَاء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله جلَّ وعزَّ: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَولَ)
قرأ حفص عن عاصم، وحمزة الزيات، والكسائي (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ) بالألف.
وقرأ الباقون (قُلْ رَبِّي)
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ) فهو فعل ماض
وَمَنْ قَرَأَ (قُلْ ربِّي)
فهو أمر للنبي صلى الله عليه، واللام مدغمة في الراء عند جميع القراء على قراءة مَنْ قَرَأَ (قُل ربِّي) .
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا يُوحَى إِلَيْهِ.. (٢٥)
قرأ حفص وحمزة والكسائي (إِلَّا نُوحِي إلَيْهِ) بالنونِ " وقَرَأ البَاقُون
(إلاَّ يُوحَى إلَيْهِ) بالياء.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (إِلَّا نُوحِي إلَيْهِ) بالنون، فالفعل للَّهِ ، أي:
نحن نوحي إليه.
وَمَنْ قَرَأَ (إِلَّا يُوحَى إِلَيْهِ) فالمعنى واحد.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (هذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ (٢٤)
стр. 500
حرك الياء حفص وحده.
* * *
وقوله: (إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ. . (٢٩)
فتح الياء نافع وأبو عمرو.
* * *
وقوله : (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا (٣٠)
قرأ ابن كثير وحده (أَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بغير واو بين الألف واللام،
وكذلك هى في مصاحف أهل مكة.
وقرأ الباقون (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالواو.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فالواو واو نسق أدخل
عليها ألف الاستفهام، فتركت مفتوحة كما كانت.
وَمَنْ قَرَأَ (ألَمْ يَرَ الَّذين) فهو استفهام بالواو.
* * *
وقوله : (وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)
روى عباس عن أبي عمرو (وَإلَيْنَا يُرجَعُون) بالياء
وقرأ الباقون بالتاء.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ بالتاء فهو خطاب، أي: ترجِعون إلَيْنا وترَدون.
وَمَنْ قَرَأَ بالياء فللغيبة.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ (٤٢)
стр. 501
وقف حمزة على قوله (يَكْلَوكُمْ) أشار إلى الهمزة ولم يهمز.
وقرأ الباقون (يَكْلَؤُكُمْ) بالهمزة.
قال أبو منصور: أما قراءة حمزة فإنه رام ضمة الواو، وقد قال الفراء:
الهمزة المضمومة لا يبدل منها واو.
قال: ومن أبدل منها واوا مضمومة فقد لحن.
قال أبو منصور: وقال الفراء: ولو تركت همز قوله (يَكْلَؤُكُمْ) في غير القرآن.
قلت: (يكْلُوكُمْ) بواو ساكنة، أو (يكْلاَكُمْ) بألف ساكنة، مثل: يخشاكم.
ومن جعلها واوا ساكنة قال (كَلاَتُ) بألف، يُتْرك النَّبرَ منها، ومن قال (يكْلاَكُم) قال (كَلَيتُ) مثل قَضَيتُ.
قال أبو منصور: والقراءة المختارة (يَكْلَؤكُم) بهمزة مشبعة،
والمعنى: قل من يحفظكم من أمر الرحمن ومن بأسه، ومعنى الاستفهام ها هنا تقرير، ويكون نفيًا، أي: لاَ يَكْلَؤكُم مِنْ بأسه شىء.
* * *
وقوله جَلَّ ذِكْرُهُ: (وَلاَ يَسمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ (٤٥)
стр. 502
قرأ ابن عامر وحده (ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) نصبًا.
وقرأ الباقون:
(وَلاَ يَسمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ)
وقال الفراء: قرأ أبو عبد الرحمن السلمي (ولا يُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ)
ضم الياء من (يُسمع) ، ونصب (الصُّمَّ) بوقوع الفعل عليهم،
وضمّ (الدعاءُ) ؛ لأن الفعل له.
قال أبو منصور: القراءة المختارة (وَلاَ يَسمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ) بفتح الياء من
(يَسمع) و (الصمُّ) رفع و (الدعاءَ) نصبٌ.
وأما قراءة ابن عامر (ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) فالخطاب للنبي ﷺ المعنى: تُسْمِعُ أنت يا محمد.
الصمَّ، أي: المعرضين عما تتلوا عليهم، فهم بمنزلة من لا يسمعِ،
و (الدعاءَ) نصبٌ؛ لأنه مفعول ثان.
أى: لا تُسْمِعُهم دعاءك؛ لأنهم لا يَعُونه.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ (٤٧)
قرأ نافع وحده (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ) بالرفع
وقرأ الباقون (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ) بالنصب.
стр. 503
قال أبو منصور: من نصب (مِثْقَالَ حَبَّةٍ) فالمعنى: وإن كان العمل أو
الإيمان زنةَ حبةٍ من خردل.
ومن رفع فالمعنى: وإن حصل للعبد زنةُ حَبَّةٍ من خردل، وهذه تسمى (كان) المكتفية.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)
روى قُنْبل عن ابن كثير (وَضِئَاء) بهمزتين.
قال أبو منصور: القراء كلّهم على (ضِيَاء) بغير همز في الياء.
ومن همز الياء فقد لحن؛ لأن الهمزة في الياء من (ضياء) تقع موقع عين الفعل، وهذه الياء كانت في الأصل واوًا، فجعلت ياء لكسرة ما قبلها، والفعل منه ضَاءَ الشىء يَضُوءُ ضيئًا.
ألا ترى أنه لا همز في واو الضوء، وإنما الهمز بعد الواو في الذى هو لام الفعل؟!.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا (٥٨)
قرأ الكسائي وحده (جِذاذًا) بكسر الجيم.
وقرأ الباقون بضمها.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (جُذاذًا) بالضم فهو بمعنى مجذوذ، وبِنْيَةُ كل
ما كسر أو قطع أو حطم على (فُعَال) نحو: الجُذَاذ، والحُطام، والرُّفات،
стр. 504
والكُسَار، وما أشبهها.
وَمَنْ قَرَأَ (جِذاذً) فهو جمع جذيذ، كما يقال: خفيفٌ
وخِفَاف، وصغير وصِغَار، وثَقِيلٌ وثِقَالٌ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (لِيُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأسِكُمْ (٨٠)
قرأ ابن عامر وحفص (لتُحْصِنكم) بالتاء، وقرأ أبو بكر والحضرمي
(لِنُحْصِنَكُمْ) بالنون.
وقرأ الباقون (ليُحْصِنَكم) بالياء.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (لتحصنكم) بالتاء أراد الصنعة، علمناه صَنْعَةَ
لبوس لكُم لتُحصنكم.
ويجوز أن يكون اللبوس معناه: الدُّروع، وهي مؤنثة.
وَمَنْ قَرَأَ (ليُحصنكم) فله وجهان:
أحدهمما: ليُحصنكم الله.
والوجه الثاني: ليُحصنكم اللبوس، ذَكَّرَه للفظه.
وَمَنْ قَرَأَ (لنُحصنكم) فالله يقول: نحن، أي: لنقيكم به بأس السلاح.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ (٨٧)
قرأ يعقوب وحده (فَظَنَّ أَنْ لَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) بياء مضمومة،
وقرأ الباقون (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) بالنون
قال أبو منصور: القراءة بالنون والتخفيف، وله معنيان:
أحدهما: فظن يونس أن لن نقدر عليه ما قدَّرنا من التقام الحوت إياه، وحبسه في بطنه،
يقال: قدَرَ، وقدَّر بمعنى واحد ومنه قول أبي صخر الهذلي:
стр. 505
فَلَيْسَتْ عَشيات اللّوى بِرَوَاجِع ... لنا أبدًا مَا أوْرَقَ السَّلَمُ النَّضرُ
وَلاَ عَائِدًا ذَاكَ الزَّمَانُ الذي مَضَى ... تَبَارَكْتَ مَا تَقْدِّرُ يَقَعْ ولَكَ الشُكرُ
معناه: مَا تُقدِر يَقَعُ. وهو كلام فصيح.
ومنه قول الله جلَّ وعزَّ (فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القَادِرُونَ) أى: فنعم المقدرون.
والمعنى الثاني في قوله: (فظن أن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ)
فظن أن لن نُضيِّق عليه، ومنه قوله: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) ،
أي: يُضَيِّق على من يَشَاءُ، ويُوسغ على من يشاء.
فهذان وجهان عربيان، ولا يجوز أن يكون معنى قوله:
(فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) من القدرة؛ لأنه لا يجوز في صفة نبي من الأنبياء أن
يظن هذا الظن.
وَمَنْ قَرَأَ (فَظَنَّ أَنْ لَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ) فإنه جائز أن يفسر بالمعنيين اللَذين ذكرتهما، إلا أن القراءة المختارة ما اجتمع عليه قراء الأمصار.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ (٨٨)
стр. 506
قرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (وكذلك نُجي المُؤمِنِين) بنون واحدة،
مشددة الجيم، ساكنة الياء.
وقرأ الباقون (نُنجِي المؤمنين) بنونين الثانية ساكنة والجيم خفيفه.
وقال الفراء: القراءة بنونين، وإن كانت كتابتها بنون واحدة، وذلك أن
النون الأولى متحركة، والثانية ساكنة، فلا تظهر الساكنة على اللسان، فلما خفيت حذفت في الكتابة.
قال أبو منصور: وأما قراءة عاصم وابن عامر بنون واحدة فلا يعرف لها
وجهة؛ لأن ما لم يسم فاعله إذا خَلاَ باسمه رفعه.
وقال أبو إسحاق النحوي: من قال معناه: نُجِّيَ النجَاء المؤمنين، فهو خطأ
بإجماع من النحويين كلهم، لا يجوز (ضُربَ زيدًا) تريد: ضُرِبَ
الضربَ زَيدًا؛ لإنك إذا قلت: (ضُرِبَ زَيدٌ) فقد علم أن الذي ضَرَبهُ ضَرْبٌ فلا فائدة في إضماره وإقامته مقام الفاعل.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ)
قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي: (وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ)
بغير ألف، والحاء مكسورة.
وقال الأعشى: اختار أبو بكر (وحَرَام) بألف،
وأدخلها في قراءة عاصم، وقال: وهى في مصحف عليٍّ بألف.
وقرأ الباقون بألف.
стр. 507
قال أبو منصور: هما لغتان. حِرْم وحَرَام. بمعنىً واحد، كما يقال:
حِلُّ وحَلاَل، ونحو ذلك.
قال الفراء: ورُوي عن ابن عباس أنه قرأ (وحِرْمٌ على قرية أهلكناها)
وفسره: وجب عليها أن لا يرجع إلى دنياها.
ورُوي عن سعيد ابن جبير أنه قرأ (وحِرْمٌ على قرية) ،
فسئل عنها فقال: عَزمٌ عليها.
وقال أبو إسحاق في قوله: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أهلكناها) الآية،
هذا يحتاج إلى أن يبيَّن، ولم يبيَّن، وهو واللَّه أعلم: أنه لما قال:
(فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ)
أعلمنا أن اللَّه قد حرم قبول أعمال الكفار، فالمعنى: حَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أهلكناها أن يُتقبل منها عمل لأنهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون.
قال أبو منصور: وقد جَوَّد أبو إسحاق فيما بيَّن، وتصديقه ما حدثَنَاه
المنذري عن أبي جعفر بن أبي الدميل، قال: حدثنا حُمْيد بن مسعود، قال:
حدثنا يزيد ابن زُريع، قال: حدثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس في قوله:
(وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ)
قال: وجب على قريةٍ أهلكناها أنه لا يرجع منهم راجع، ولا يتوب منهم تائب.
حدثنا الحسين قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا صفيان بن عييْنة عن عمرو بن دينار، قرأ ابن عباس: (وَحِرْمٌ) قال عثمان: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن داود عن عكرمة
стр. 508
عن ابن عباس: (وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ) قال: [ ... ] ووكيع عن همام
عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قرأها: و (وَحِرْمٌ) .
قال: وحدثنا ابن فضيل عن داود عن عكرمة عن ابن عباس أنه قرأها: (وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) .
قال: لا يتوبون.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (حَتَّى إذَا فُتِحَتْ يَأجُوجُ ومَأجُوجُ (٩٦)
قرأ ابن عامر ويعقوب (فُتِّحَتْ) بالتشديد.
وخَففَها الباقون.
قال أبو منصور: التشديد في تاء (فُتِّحَتْ) للتكثير، ومن خَفف فهو فتح
واحد للسدِّ الذي سده ذو القرنين، وكان التخفيف أجود لوجهين؛ لأنه سَدٌّ
لا يُفتح إلا مرة واحدة ثم لا يُسَدُّ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ (١٠٤)
قرأ حفص وحمزة والكسائي (للكتب) جميعًا.
وقرأ الباقون (لِلْكِتَابِ) موحدًا.
واجتمعوا كلهم على تثقيل (السِّجِلِّ) .
стр. 509
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (الكتاب) واحدًا أجاز أن يكون بمعنى: الكتابة.
ويجوز أن يكون (الكتاب) بمعنى: الكُتُب.
والقراءة بالكتاب موحدًا أكثر، ومعناها واحد.
حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثنا ابن داود قال: حدثنا الأسود شاذان
قال: حدثنا نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ)
قال: السِّجِل: رَجَلٌ
وقيل: كاتب للنبي ﷺ .
وقال السُّدِّي: السِّجِلّ: مَلَكٌ.
وقيل: السِّجِلّ: الصحيفة التي فيها الكتابة.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (قُلْ رَّبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ (١١٢)
قرأ حفص عن عاصم (قَال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) بألفٍ.
وقرأ الباقون (قُلْ رَّبِّ احْكُمْ) بغير ألف.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (قَالَ ربِّ احكمْ) فالمعنى: قال النبي ﷺ (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) ، مسألة سألها ربَّه.
وَمَنْ قَرَأَ (قُلْ رَّبِّ) فهو تعليم من الله لنبيه ﷺ أن يسأله الحكم بالحقِّ.
وجاء في التفسير: أنه كان من مضى من الرسل يقولون:
(رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) .
ومعناه: احكم، فأمر الله نبيه ﷺ أن يقول:
(رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) .
стр. 510
وقوله جلَّ وعزَّ: (مَسَّنيَ الضُّرُّ (٨٣) و: (عباديَ الصَّالِحونَ (١٠٥)
أرسل الياء فيهما حمزة، وفتحها الباقون.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (عَلى مَا تَصِفُونَ (١١٢)
روى هشام بن عمار بإسناده عن ابن عامر (يصفون) بالياء
وقرأ الباقون بالتاء.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ بالتاء فهو خطاب للكفار،
أراد: على وصفكم أنتم.
وَمَنْ قَرَأَ بالياء فهو خبر عن الغائب.
وروي في التفسير في قوله (على ما تصفون)
أي: على ما تكذبون.
* * *
стр. 511
سورة الْحَجِّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله جلَّ وعزَّ: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى)
قرأ حمزة والكسائي (وترى الناس سَكْرَى وما هم بسَكْرَى) بغير ألِفٍ.
وقرأ الباقون (سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) .
قال أبو منصور: قال الفراء: مَنْ قَرَأَ (وترى الناس سَكْرَى وما هم
بسَكْرَى) بغير ألف فله وَجْهٌ جَيِّد في العربية لأنه بمنزلة الهَلكَى والجَرْحى
وليس هو بمنزلة النَّشْوَان والنشَاوَى.
قال: والعرب تذهب ب (فَاعِل) و (فَعِيل) إذا كان صاحبه (مُخَالَطا) كالمريض والصريع والجريح فيجمعونه على (فَعْلَى) ، فجعلوا (فَعْلَى) علامةً لجمع كل ذى زمانةٍ وضرَرٍ وهلاك ولا يبالون
أكان واحده (فَاعلاَ) أو (فَعِيلاً) أو (فَعْلان) فاختير (سَكْرَى) بطرح الألف من
هَوْل ذلك اليوم وفَزَعِه.
كما قيل: مَوْتَى - ولو قيل: (سَكْرَى) على أن الجمع يَقَعُ عليه التأنيث، فيكون كالواحدة، كان وجهًا.
كما قال اللَّه جلَّ وعزَّ: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) و (القُرونَ الأولى) .
стр. 512
ومن قال: (سُكَارى وما هم بُسكَارى) فهو الشرط ما كان جمعًا لـ (فَعْلاَن) ، كما يقال: رَجُل أشْرار، وقوم أشَارى، وغضبان وقَوقٌ غِضَاب" وعطشان وقوم عطاشى.
قال: ويجوز (فَعَالى) في موضع (فُعَالى) ، إلا أن القراءة سُنَة لا تُتَعدى) ،
وإن جاز في الكلام والتفسير: أنك ترى الناس سُكارى من العذاب والخوف
يوم القيامة، وما هم بسكَارى من الشراب، ويدل على ذلك قوله
(وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) .
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (ثمَّ لْيَقْطعْ. . (١٥) (ثم لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ (٢٩)
قرأ أبو عمرو ويعقوب (ثم لِيقْطَعْ) (ثم لِيَقْضوا) بكسر اللام فيهما.
وقرأ ابن عامر (ثم لِيقْطع) (ثم لِيقْضُوا) . . . وليُوفُوا. . . ولِيَطوٌفوا)
بكسر اللام في الأربعة أحرف.
وروى ورشٌ وأبو بكر بن أبي أويس عن نافع مثل أبي عمرو.
وقال قُنبل عن ابن كثير (ثم لِيقْضُوا) بكسر اللام في هذه وحدها.
وقرأ الباقون بالجزم فيهن كلهن.
وقرأ أبو بكر عن عاصم (وليُوَفوا نذورهم) بتشديد الفاء،
وخففها الباقون.
قال أبو منصور: هذه اللامات في هذه المواضع مكسورة في الأصل،
وإنما سكنها من سكنها إذا وصلت بحروف العطف؛ لأن التسكين أخف كما
قال "وهْو على ذلك قدير" "وَهْى قالت ذلك" تُسكَّن الهاء إذا وصلت بحروف العطف، أعنى: الواو والفاء.
стр. 513
وأما من اختار كسر اللام في (ثُم لِيَقْضوا) فلأن الوقوف على (ثم) يَحْسُن،
ولا يحسن على الفاء والواو، وعلى أن أكثر القراءة على تَسْكين اللام.
وأفادني المنذري عن ابن اليزيدي عن أبي زيد أنه قال في قوله:
(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) .
* * *
قوله: (ولْيُوفوا. . . ولْيَطوفُوا)
مجزومتان مع الواو والفاء (١) .
فأما قوله: (ثم لِيَقْطَع) (ثُمَّ لِيَقْضُوا) فمكسورتان حين لم يكن لهما عماد:
واو ولا فاء.
والعماد: ما يُلزق باللام، و (ثُمَّ) لا يُلزق باللام.
وأنشد لـ لبيد:
فإنْ لم تَجدْ مِنْ دُونِ عَدْنانَ بَاقِيا ... ودُونَ مَعَا فَالْتَزَعْكَ العَوَاذِلُ
جزمت اللام بالعماد للأمر.
وقال: (وَلْيَكتبْ بَيْنَكُمْ) . (فلْيملِلْ وليُّهُ) ، (فَلتقُمْ طَائِفَة. . . ولتأتِ طائفة) مجزومات للواو والفاء.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلُؤْلُؤًا (٢٣) . . هُنا وفي فاطر .
стр. 514
قرأ نافع وعاصم (وَلُؤْلُؤًا) نصبًا في السورتين، وهمز أبو بكر عن عاصم
الثانية وطرح الأولى من (لُولُؤًا) حيث وقع.
وروى عنه مُعَلَّى بن منصور في همز الأولى وطرح الثانية في جميع القرآن.
وقرأ الحضرمي في الحج (ولُولؤا) نصبًا وفي فاطر (ولُولُؤ) خفضًا
وقرأ الباقون بالخفض في السورتين.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (لولؤا) بالنصب فعلى معنى: ويحلَّون لولؤا.
وَمَنْ قَرَأَ (ولُولُؤ) فعلى العطف على قوله: (من ذهبٍ ومن لؤلؤ) .
فأما من همز إحدى الهمزتين وحذف الأخرى فإنه كره الجمع بينهما في
كلمة واحدة.
وأما من نصب التي في الحج وجر التي في الملائكة فلأنَّ مصاحف أهل
البصرة وأهل الكوفة اجتمعت على الألف (ولولؤا) في الحج، وعلى حذف الألف من التي في سورة الملائكة فاتبعوا المصحف.
وأما من رأى جر (ولولؤ) في السورتين فإنهم اعتلوا بأن الهمزات قد كتبت بالألف على كل حال في مصحف ابن مسعود سواء كان ما قبلها واوًا مكسورة أو مفتوحة.
стр. 515
قال أبو منصور: وكل ما قرئ به من هذه الوجوه فهوَ جائز.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ والبَادِ (٢٥)
قرأ حفص وحده (سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ) بالنصب.
وقرأ الباقون (سواءٌ) رفعًا.
قال أبو منصور: من نصب (سَوَاءً) فعلى إضمار (جعلناه سَوَاء) .
ويرتفع (العاكف فيه والباد) بمعنى: سَوَاء، كما تقول: رأيت زيدًا قائمًا أبوه فأتبعت (قائما) (زيدًا) ، فهو في المعنى مرافع لقولك (أبوه) .
وهذا يسمى (التضمين) عند بعض أهل النحو.
وَمَنْ قَرَأَ (سواء) هو وقف التمام
(الذى جعلناه للناس) ، ومعنى (سواء العاكفُ) .
ف (سواء) مرفوع بالابتداء ومرافعه (العاكفُ) ، وإنما اختير الرفع في
(سواء العاكف فيه والباد) أي: سواء في تفصيله وإقامة المناسك العاكف فيه، أي: المقيم بالحرم، والنازع إليه من الآفاق.
وأخبرني المنذري عن اليزيدي عن أبي زيد في قوله (سَوَاءً العَاكِفُ) قال:
من أوقع عليه (جَعَلنا) نَصبَهُ، ويجوز رفعه، ومن ابتدأ لم يكن إلا رفعًا.
стр. 516
قال والعرب تقول: مررت برجُل سواءٍ عليه الخيرُ والشرُّ، وسواءٌ عليه
الخيرُ والشرُّ.
كلٌّ تقوله العرب.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ (٣١)
قرأ نافع وحده (فَتَخَطَّفُهُ الطَّيْرُ) ، بفتح الخاء وتشديد الطاء.
وقرأ الباقون (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ) .
قال أبو منصور: من قرأه (فَتَخَطَّفُهُ) فالأصل (فَتَختطهُ) فأدغم التاء في
الطاء، وألقيت حركة التاء على الخاء ففُتِحت.
وَمَنْ قَرَأَ (فَتَخْطَفُهُ) فهو من خَطِفَ يَخطِفُ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (مَنْسَكًا (٣٤)
قرأ حمزة والكسائي (مَنْسِكًا) بكسر السين في الحرفين،
وقرأ الباقون (مَنْسَكًا) بفتح السين فيهما.
стр. 517
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (مَنْسِكًا) جعله اسمًا، فمن جعله من نَسَكَ يَنْسِكُ
فلا سؤال فيه، ومن جعله من نَسَكَ يَنْسُكُ عدَّه في الحروف التي جاءت
على (مَفْعِل) من باب (فَعَلَ يَفْعُلُ) نحو: المْطلِع، والمشرِق، والمغرِب، والمفرِق.
وَمَنْ قَرَأَ (مَنْسَكًا) فهو القياس في هذا الباب مصدرًا كان أو اسمًا؛ لأن أكثر
الكلام في (المفعَل) الذي يكون من باب (فَعَلَ يَفْعُلُ) يجيء بفتح العين مثل:
المَحْضَر، المَقْعَد، المَخْرَج، إلا ما شَذَّ عنه.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ (٣٧)
قرأ يعقوب وحده (لَنْ تَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ تَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) بالتاء في الحرفين.
وقرأ الباقون بالياء فيهما.
قال أبو منصور: إذا تقدم فعل الجماعة فأنت بالخيار إن شئت أنَّثْتَ وإن
شئت ذكَّرْت.
فمن ذكَّره ذهب به إلى الجمع وهو مذكر، ومن أنَّثَ ذهب
به إلى الجماعة وهى مؤنثة.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا (٣٨)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (إن الله يَدْفَعُ) بغير ألف.
وقرأ الباقون (يُدافِعُ) بألف.
стр. 518
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (يدافع) فهو من دافع يُدافع، بمعنى: دفع.
وقد جاءت حروفٌ على (فاعل) للواحد، منها: قاتله اللَّه، وعافاه اللَّه،
وعاهدت الله.
وَمَنْ قَرَأَ (يدفع) فهو من دفع يدفع.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ (٣٩)
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (أَذِنَ لِلَّذِينَ) بفتح الألف (يُقاتِلُونَ)
بكسر التاء.
وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب (أُذِنَ لِلَّذِينَ) بضم الألف
(يُقَاتَلُونَ) بكسر التاء.
وقرأ ابن عامر (أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) بفتح الألف والتاء جميعًا.
وقرأ نافع وحفص: (أُذِنَ) - بضم الألف -، (يُقَاتَل) - بفتح التاء -.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (أَذِنَ) بفتح الألف فالمعنى: أذِنَ اللَّهُ للذين
يُقاِتلون أو: يقاتَلون، و (أنهم ظُلِمُوا) ، أي: أذِنَ لهم بسبب ما ظلِموا أن
يُقاِتلوا، وكذلك المعنى فيمن قرأ (أذِن) ، وإذا قرئ (يُقاتِلُونَ) فهم فاعلون،
وإذا قرئ (يقاتَلون) فهم مفعولون.
стр. 519
وقوله جلَّ وعزَّ: (لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ (٤٠)
قرأ ابن كثير ونافع (لَهُدِمَتْ) خفيفة الدال.
وقرأ الباقون (لهدمَتْ) مشددة.
قال أبو منصور: (لَهُدِّمَتْ) للتكثير، ومن خفف فهو جائز،
كقولك: قُتِل الرجالُ، وقُتِّلوا.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكتُهَا (٤٥)
قرأ أبو عمرو ويعقوب (أهْلَكتُهَا) بالتاء.
وقرأ الباقون (أَهْلَكْنَاهَا) بالنون.
قال أحمد بن يَحيَى: ما كان من هذا للَّه وحده دون أعوانه فهو على التوحيد، وما كان على لفظ الجمع فهو ما فعله بأعدائه، وجائز أن يكون اللفظ لفظ
الجميع، وقد تفرد به أبو عمرو.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ (٤٥)
أخبرني المنذري عن ابن السكيت قال: البئر أنثى، تصغيرها بؤيرة، وتجمع
ثلاث أبؤر، وتجمع أبئارا، ويقلب فيقال آبار، وتجمع أيضًا بيار وروي
لورش عن نافع، وابن جماز، ويعقوب، وخارجة (وَبِيرٍ مُعَطَّلَةٍ) بلا همزة.
стр. 520
قال الأصمعي: سألت نافعًا عن (البير) و (الذيب) أتهمز؟
فقال: إن كان العرب تهمزها فاهْمِزها.
والباقون يهمزون.
وكذلك قُرئ لنافع بالهمز.
قال أبو منصور: كلام العرب الجيد في (البئر) و (الذئب) الهمز.
ويقال للحفرة البؤرة وبأرت بئرَا، أي: احتفرت بئرًا.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء، وفي (السجدة) بالتاء.
وقرأ الباقون بالتاء في السورتين.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ بالتاء فهو مخاطب، وَمَنْ قَرَأَ بالياء فللغيبة.
والمعنى: إن يومَا عند ربك من أيام عذابهم في الآخرة كألف سنة مما تعدون
فى الدنيا.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (في آيَاتِنَا مُعَاجِزينَ (٥١)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (مُعَجِّزِينَ) بغير ألف، وكذلك في سورة سبأ.
وقرأ الباقون (مُعَاجِزينَ) حيث وقع.
стр. 521
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (مُعَجِّزِينَ) فمعناه: مثبِّطين.
وَمَنْ قَرَأَ (مُعَاجِزينَ) فإن الفراء قال: معناه معاندين.
وقال غيره: معنى (مُعَاجِزينَ) أي: ظانين أنهم يعجزوننا، أي: يفوتوننا؛ لأنهم ظنوا أنهم لا يبعَثون، وكانوا يقولون: لا بعثٌ ولا جنةٌ ولا نارٌ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا (٥٨)
قرأ ابن عامر وحده (ثُمَّ قُتِّلُوا) بتشديد التاء.
وخفف الباقون.
قال أبو منصور: وقد مرَّ الجواب عنهما آنفًا.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ. . (٦٢)
وأشباهه.
قرأ ابن كثير وابن عامر في رواية ابن الأخرم (وَأَنَّ مَا تَدْعُونَ) وفي
العنكبوت (إن الله يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ) وفي لقمان (وأنَّ مَا تَدْعُونَ)
بالتاء في هذه المواضع الثلاثة،
وفي المؤمن (والذين يَدْعُونَ مِنْ دُونهِ) عند رأس العشرين آية منها.
وكذلك روى الأعشى عن أبي بكر عن عاصم،
وقرأهن نافع كلهن بالتاء.
وقرأهن أبو عمرو وحفص ويعقوب بالياء.
وقرأ أبو بكر عن عاصم في رواية يَحيَى عنه هنا وفي لقمان بالتاء، وفى العنكبوت والمؤمن بالياء.
وقرأ حمزة والكسائي بالتاء في العنكبوت، والباقي بالياء.
стр. 522
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ بالتاء فللمخاطب، وَمَنْ قَرَأَ بالياء فللغيبة، وكل
ذلك جائز.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ (٢٦)
حرك الياء نافع وحفص عن عاصم.
وأسكنها الباقون.
* * *
وقد حذف من هذه السورة ثلاث ياءات:
قوله: (وَالبَادِ (٢٥) ، (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ (٥٤) ، (فكَيْفَ كَانَ نَكِير (٤٤) .
وقرأ ابن كثيرٍ (والبادي) بالياء في الوصل والوقف.
ووصلها أبو عمرو بياء.
وكذلك روى ورش والأصمعي وإسماعيل ويعقوب وابن جماز عن نافع مثل
أبي عمرو، وروى قالون والمسيبى وابنا أبي أويس عن نافع بغير ياء في وصل
ولا وقف، ووقف يعقوب على الثلاث بياء، وحذفها من قوله
(لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا) في الوصل لاجتماع الساكنين.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ بغير ياء، فللاكتفاء بالكسرة الدالة على
الياء.
وَمَنْ قَرَأَ بالياء فهو الأصل.
* * *
стр. 523
سورة الْمُؤْمِنِينَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله جلَّ وعزَّ: (لِأَمَانَاتِهِمْ)
قرأ ابن كثير (لأمَانَتِهِمْ) واحدة، وكذلك في سورة واقع.
وقرأ الباقون (لأمَانَاِتهمْ) جماعة في السورتين.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (لأمَانَتِهمْ) فهي واحدة تنوب عن الجماعة.
وَمَنْ قَرَأَ (لأمَانَاِتهِمْ) فهي جمع الأمانة، وكل ذلك جائز.
* * *
قرأ حمزة والكسائي (صَلاَتِهمْ)
الباقون (صَلَوَاتِهِمْ)
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا)
قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم (عَظْمًا فَكَسَوْنَا الْعَظْمَ لَحْمًا)
بغير ألف.
وقرأ الباقون (عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) على الجمع.
стр. 524
قال أبو منصور: العظم واحد، والعظام جماعة، وقد ينوب العظم عن
العظام - وكل ما قرئ به فهو جائز، والمعنى واحد، وقد يجوز من التوحيد
إذا كان في الكلام دليل على الجمع ما هو أشد من هذا،
قال الراجز:
في حَلْقِكمْ عَظم وقد شَجِينَا
يريد: في حُلوقكم عظام.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (مِنْ طُورِ سِيْنَاءَ (٢٥)
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (سِيناء) بكسر السين.
وقرأ الباقون (سَيْنَاء) بفتح السين.
* * *
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (تُنْبِتُ) بضم التاء وكسر الباء.
وقرأ الباقون (تَنْبُتُ) بفتح التاء وضم الباء.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (سَيْنَاء) فهو اسم للمكان على وزن (صَحْرَاء)
لا يجرى.
وَمَنْ قَرَأَ بكسر السين فليس في الكلام على وزن (فِعْلاء) بناء
على أن الألف للتأنيث؛ لأنه ليس في الكلام ما فيه ألف التأنيث على وزن
стр. 525
(فِعْلاَء) ، وما كان في الكلام نحو: حِرباء، وعِلْبَاء، وخْرِشاء.
فهو منصرف مذكر، فكأنَّ من قرأها (سِينَاء) جعلها اسمًا للبقعة، ولم يصرفها.
وقيل: (سَيْناء) : حجارة.
والله أعلم بما أراد.
وأما مَنْ قَرَأَ (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)
فإن الفراء قال: نبت وأنبتَ بمعنًى واحد،
وأنشد قول زهير:
رأيتَ ذوي الحاجاتِ حولَ بيوتِهمْ ... قَطِيناً لهم حتى إذا أَنْبَتَ البَقْلُ
ويروى: "حَتى إذَا نَبَتَ".
ومعنى (تَنْبُت بالدهن) : تَنْبُتُ وفيها دهن.
كقولك: جاءني زيدٌ بالسيف، أي: جاءني ومعه السيف.
وأخبرني المنذري عن ابن فهم عن محمد بن سلام قال: سمعت حاد بن سلمة
يقرأ (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)
فسألته فقال: (تُنبِتُ الدهْنَ) ، و (تَنبُتُ بالدُّهن) .
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (مُنْزَلًا مباركًا. . (٢٩)
قرأ عاصم في رواية أبي بكر (مَنْزِلًا) بفتح الميم، وبكسر الزاي.
وقرأ الباقون (مُنْزَلًا) بضم الميم وفتح الزاي.
стр. 526
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (مَنْزِلاً) فهو موضع النزول، من نَزَل يَنْزِلُ.
وَمَنْ قَرَأَ (مُنزَلاً) فله وجهان:
أحدهما: مصدر أنزله إنزالاً ومُنْزَلاً.
والوجه الثاني: الموضع الذي ينزلون فيه.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (رُسُلَنَا تَتْرَا. . (٤٤)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو (تَتْرًا) منونة، ووقفا بألف.
وقرأ الباقون (تَتْرَا) غير منونة.
ووقف حمزة والكسائي بياء.
قال أبو منصور: قال أبو العباس: مَنْ قَرَأَ (تَتْرًا) فهو مثل شكوت شكوى،
و (تَتْرًا) كان في الأصل: وتْرَا: فقلبت الواو تاء، فقيل: تَتَرتُ تَتْرًا.
قال وهكذا قال أبو عمرو، وهو من (تَتِرْتُ) .
قال أبو العباس: وَمَنْ قَرَأَ (تَتْرَا) فهو على (فَعْلى) ، كقولك شكوتُ شكوَى، غير منونة؛ لأن فَعْلى لا تنون، ونحو ذلك.
قال أبو إسحاق مَنْ قَرَأَ بالتنوين فمعناه: وَترًا، فأبدل التاء من الواو،
كما أبدلت في: تَوْلَجُ وتُرَاث، أصلهما: وَوْلَج ووُرَاث.
وَمَنْ قَرَأَ (تَتْرَا) فهو ألف التأنيث. .
وأخبرني المنذري عن ابن فهم عن محمد بن سلام قال: سألت يونس عن
قوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) ؟
قال: منقطعة متفاوتة، وجاءت الخيل تترا، إذا جاءت متقطة، وكذلك الأنبياء بين كل نبيين دهر طويل.
وقال أبو هريرة:
стр. 527
لا بأس بقضاء رمضان (تترى) ، أن تصوم يومًا وتفطر يومًا، ولا يُسْردُ
القُوم سَردًا.
قال أبو منصور: القراءة بـ (تَتْرًا) جائزة بمعنى: وترًا.
* * *
وقوله جلَّ وعزََّ: (وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ (٥٢)
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب (وَأَنَّ هَذِهِ) بفتح الألف وتشديد
النون.
وقرأ الكسائي وعاصم وحمزة (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ) بكسر الألف وتشديد
النون.
وقرأ ابن عامر (وَأَنْ هَذِهِ) بفتح الألف ساكنة النون.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (وَإِنَّ هَذِهِ) بكسر الألف جعله مستأنفًا.
وَمَنْ قَرَأَ بفتح الألف فالمعنى: ولأن هذه أمتكم، أي: لأن دينكم دين واحد، وهو الإسلام، أعْلَمَ الله أن قومًا جعلوا دينهم أديانًا
فقال (فَتَقَطَّعُوا أمْرهُمْ بينَهُمْ) .
وأما قراءة ابن عامر (وأنْ هذه) بفتح الألف ساكنة النون فإنه خفف
النون وأعملها، فجعل (هذه) في موضع النصب، وجائر أن يجعل (هذه) في
موضع الرفع إذا خفف (أنْ) .
стр. 528
وقال الزجاج: مَنْ قَرَأَ (وأن هذه أمتكم أمة واحدة) (أمتكم)
رفع خبر هذه.
المعنى: وأنَّ هذه أمتكم في حال اجتماعها على الحق، فإذا
افترقت لم تكن على الحق.
قال: وقرئت (أمةٌ واحدةٌ) على أنه خبرٌ بعد خبرٍ، ومعناه: وأن هذه أمة
واحدة ليست أممًا.
قال: ويجوز (أُمَّتكم) على معنى التوكيد، كأنه قال:
"إنَّ أمتكم كلَّها أمة واحدة"
وقال الفراء: من نَصب (أمة) فعلى القطع.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)
قرأ نافع وحده (تُهْجِرون) وقرأ الباقون (تَهْجُرون) بفتح التاء وضم
الجيم.
قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (تَهْجُرون) فالمعنى: إنكم إذا سَمَرْتُم هجرتم النبي ﷺ والقرآن، من الهِجْراَن.
وجائز أن يكون معنى (تَهْجُرون) : تهْذِرون، من قولك: هجر الرجل في منامه إذا هذى، والمعنى: أنكم تقولون فيه ماليس فيه، وما لا يضره، فهو كالهذيان.
وَمَنْ قَرَأَ (تُهْجِرُون) فمعناه: تُفْحِشُون، من أهجرت.
والاسم: الهُجْرُ، وكانوا يسبّون النبي ﷺ
إذا خَلَوْا حول البيت ليلاً، حدثنا الحسين عن عثمان عن
стр. 529
عفان قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا حميد الأعرج عن مجاهد عن ابن
عباس قال: كان يقرأ (سَامِرًا تَهْجُرُونَ) يقول: الهجرُ في القول.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لما تُوعَدُون (٣٦)
اتفقوا على فتح التاء في الإدارج، ووقف الكسائي وحده على (هَيْهَاه) .
ووقف الباقون على الأولى بالتاء وعلى الثانية بالهاء.
قال أبو منصور: أما ما قاله الكسائي من الوقوف عليهما معًا بالهاء فلأن
تاءهما في الأصل هاء، فإذا تحركت صارت تاء، وإذا وقفت عليها كانت هاء
كهاء المؤنثات، مثل هاء الرحمة، والصلاة، والحسنة،
وأمَّا من وقف على الأولى بالتاء وعلى الثانية بالهاء فلأن الأولى الإدراج فيها أكثر؛ لأنها وكدَت بالثانية فصارتا شيئا واحدا، وجعلوا الثانية هاء في الوقف على الأصل.
وقال أحمد بن يحيى: من جعلهما كالحرف الواحد ولا يُفْردُ لم يقف على
الأولى ووقف على الثانية بالهاء؛ كما يقف على اثنتي عشرة بالهاء،
ومن نوى الإفراد وقف عليهما بالهاء، لأن الأصل الهاء، فقف كيف شئت. قال: وكأني أستحب الوقوف على التاء؛ لأن من العرب من يخفضُ التاء على كل حال.
قال أبو منصور: والقراء كلهم على فتح التاءين في المُضي.
стр. 530
ودخول اللام في قوله (لِمَا تُوعَدُون) كإدخالهم اللام في (هَلُمَّ لَكَ) ، والعرب
تقول: هَيْهَاتَ أنتَ مِنا، وَهَيْهَاتَ لَكَ، وهَيْهَات لأرضِكَ، وهَيْهَاتَ
لأهلِكَ.
جعلوا (هَيْهَاتَ) أداة ليست مأخوذة من فعل، ولذلك جاز إدخال اللام
في (لِمَا) .
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ (٨٥) ، ٨٧، ٨٩)
قرأ أبو عمرو ويعقوب الأول (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) ، والثاني والثالث
(سَيَقُولُونَ اللَّهُ) (اللَّهُ) .
وقرأ الباقون (لِلَّهِ) (لِلَّهِ) (لِلَّهِ) .
قال أبو منصور: أما الأولى فلم يختلف القراء فيها؛ لأن جواب الاستفهام
في (لِمَن الأرْض؟) (لِلَّهِ) فرجعت في خبر المستفهم باللام أيضًا.
وأما الأخريان فإنَّ أبا عمرو جعل خبر المستَفهم (اللَّهُ) (اللَّهُ) ، لأنه لا لام في قوله (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ) ،
وهذا الذي اختاره أبو عمرو في العربية أبين: لأنه مردود مرفوع،
فجرى جوابه على مبتدأ به،
وأما مَنْ قَرَأَ الثانية والثالثة باللام فعلَّته أن الجواب خرج على المعنى لا على اللفظ.
ألا ترى أنك لو قلت لرجل: من مَولاَكَ؟ .
فقال: أنا لِفُلان. كفاك من أن يقول: مولاي فلان "
فلما كان المعنيان واحد جرى ذلك في كلامهم،
وقد جاء في الشعر مثله، أنشد الفراء لبعض العامريين:
وأعْلمُ أنني سَأكُونُ رَمْسًا ... إذَا سَارَ النواجِعُ لاَ أسيرُ
فَقَال السائِلُونَ لِمَنْ حَفَرْتُم ... فَقَال المُخبِرونَ لَهُمْ وَزِيرُ