← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 824

الإعلام بأحكام المال الحرام

منصور بن عبد الحميد النجار

Полный текст (332 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الخدري وغيرهما مبين، فوجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه (١)، وهذا جواب الشافعي (٢). قال ابن الجوزي: هذا الحديث محمول على أن أسامة سمع بعض الحديث، كأن رسول الله ﷺ سُئل عن بعض الأعيان الربوية ببعض كالثمر بالشعير والذهب بالفضة متفاضلًا، فقال: إنما الربا في النسيئة. وإنما حملناه على هذا لإجماع الأمة على خلافه، وإلى هذا المعنى ذهب أبو بكر الأثرم، وقد زعم قوم أنه منسوخ، وليس بشيء، قال أبو سليمان: النسخ إنما يقع في أمر قد كان في الشريعة، فأما إذا لم يكن مشروعًا. فلا يطلق عليه اسم نسخ. قال: وقد يغلط قوم فيقولون: شرب الخمر منسوخ. وهذا ما كان في شريعة قط فينسخ، وإنما كانوا يشربونها على عادتهم فحرمت (٣). • هل ربا الفضل يلحق الأصناف الستة المذكورة في حديث أبي سعيد فقط أو يلحق ما عداها من أصناف؟ مما سبق ذكره يتضح أن الأصناف الستة الواردة في حديث أبي سعيد - الذهب، والفضة، والبُر، والشعير، والتمر، والملح - يحرم

стр. 142

التفاضل فيها عند اتحاد الجنس، فلا يحل لمسلم أن يبيع ذهبًا بذهب مع زيادة أو فضة بفضة مع زيادة. أما غير هذه الأصناف الستة المذكورة من سائر أنواع الأصناف كاللحوم والفواكه وغير ذلك فهذا قد وقع فيها خلاف: فذهب الأئمة الأربعة إلى أن الربا لا يختص بالأصناف الستة فقط، بل يتعدى إلى الأصناف الأخرى المشتركة مع هذه الأصناف في العلة، إلا أنهم اختلفوا في العلة في الأصناف الستة على ما سيأتي. بينما ذهب فريق آخر من العلماء إلى قصر الربا على هذه الأصناف الستة التي ورد بها النص وعدم تعديه إلى غيرها من الأصناف، وهم أهل الظاهر، وحُكي هذا عن طاووس وعثمان البتي من الحنفية وابن عقيل من الحنابلة، وذهب إلى هذا أيضًا الصنعاني في كتابه «سبل السلام». هذا الذي ذكر إجمالٌ، وفيما ياتي التفصيل.

стр. 143

• أدلة الجمهور القائلين بأن الربا يلحق ما عدا الأصناف الستة: ١ - حديث سعيد بن المسيب أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الأَنْصَارِيَّ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الجَمْعِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ المِيزَانُ» (١). قالوا: في هذا الخبر دليل على أن الحكم يتعدى الأصناف الستة إلى كل ما يوزن بالميزان.

стр. 144

٢ - حديث معمر بن عبد الله: كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْل» قَالَ: وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ (١). قالوا: في هذا الخبر عمم الطعام كله، ولم يقتصر على البُر والتمر والملح والشعير. ٣ - قالوا: حديث أبي سعيد لا يفيد الحصر، بدليل أن رسول الله ﷺ اقتصر في بعض الأحاديث على النقدين فقط، وفي بعضها على أربعة أصناف فقط. واستدلوا بحديث عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ» (٢)، وبحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» (٣). ٤ - حديث: «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ

стр. 145

بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ؛ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ - وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا -» (١). قالوا: قوله: «ولا الصاع بالصاعين» لم يقصد به عين الصاع، وإنما يقصد كل ما دخل تحت الصاع. ٥ - القياس قالوا: بأن في الأصناف الستة أوصافًا لها أثر في التحريم فيجب مراعاة هذه الأوصاف، واستخراج علة هذه الأحكام، والنظر في بقية الأصناف المشتركة في نفس العلة لتضمنها نفس الحكم، إذ أن القياس دليل شرعي. • بعض النُقول عن أصحاب المذاهب الأربعة: قال السرخسي: اتفق فقهاء الأمصار على أن حكم الربا غير مقصور على الأشياء الستة وإن فيها معنى يتعدى الحكم بذلك المعنى إلى غيرها من الأموال، إلا داود من المتأخرين وعثمان البتي من المتقدمين، فإن داود يقول: حكم الربا مقصور على هذه الأشياء

стр. 146

الستة؛ لأنه لا يجوز قياس غير المنصوص على المنصوص لإثبات الحكم، وعند فقهاء الأمصار - رحمهم الله تعالى- القياس حجة لتعدية الحكم الثابت بالنص، والبتي يقول: بأن القياس حجة ولكن من أصله أن لا يجوز القياس على الأصول إلا أن يقوم دليل في كل أصل على جواز القياس عليه … (١). قال ابن رشد: وأما الجمهور من فقهاء الأمصار فإنهم اتفقوا على أنه من باب الخاص أريد به العام، بخلاف غيرهم، فإنهم جعلوا النهي المتعلق بالأعيان الستة من باب الخاص أريد به الخاص (٢). قال الشافعي: وإنما حرمنا غير ما سمَّى رسول الله ﷺ من المأكول والمكيل لأنه في معنى ما سمى رسول الله ﷺ منه (٣). قال الماوردي: أما المنصوص عليه في الربا فستة أشياء، وردت السنة بها وأجمع المسلمون عليها، وهي الذهب والفضة والبُر والشعير والتمر والملح.

стр. 147

واختلف الناس في ثبوت الربا فيما عداها: فحُكي عن طاوس وقتادة ومسروق والشعبي وعثمان البتي وداود بن علي الظاهري ونفاة القياس بأسرهم - أنه لا ربا فيما عدا الستة المنصوص عليها، فلا يجوز التخطي عنها إلا ما سواها تمسكًا بالنص ونفيًا للقياس واطراحًا للمعاني، وذهب جمهورالفقهاء ومثبتوا القياس إلى أن الربا يتجاوز المنصوص عليه إلى ما كان في معناه (١). قال ابن قدامة: فهذه الأعيان المنصوص عليها يثبت الربا فيها بالنص والإجماع، واختلف أهل العلم فيما سواها، فحُكي عن طاوس وقتادة أنهما قصرا الربا عليها، وقالا: لا يجري في غيرها. وبه قال داود ونفاة القياس، وقالوا: ما عداها على أصل الإباحة لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، واتفق القائلون بالقياس على أن ثبوت الربا فيها بعلة، وأنه يثبت في كل ما وجدت فيه علتها؛ لأن القياس دليل شرعي فيجب استخراج علة هذا الحكم وإثباته في كل موضعٍ وجدت علة فيه، وقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، يقتضي تحريم كل زيادة، إذ الربا في اللغة الزيادة، إلا ما أجمعنا على تخصيصه، وهذا يعارض ما ذكروه (٢).

стр. 148

• وجهة القائلين بأن الربا مقصور على الأصناف الستة فقط: قالوا: إن في الحديث تخصيصًا للآية، ففيه تخصيص لأربعة أشياء فقط من المكيلات والمطعومات والأقوات، وقالوا: لو كان الحكم ثابتًا في كل المكيلات والمطعومات لبينه النبي ﷺ بأن يقول: (لا تبيعوا المكيل بالمكيل) أو (لا تبيعوا الموزون بالموزون)، وبما أن النبي ﷺ لم يقل ذلك فالحكم مقصور على ما ذُكر فقط. هذا وليعلم أن منهم من يرد القياس مطلقًا، ومنهم من يقبله ويقره ولكن لا يعمل به في هذه المسألة لعدم ورود دليل متفق عليه يُثبت علة التحريم. قال الصنعاني: ولكن لما لم يجدوا علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا يقوي للناظر العارف أن الحق ما ذهب إليه الظاهرية من أنه لا يجري الربا إلا في الستة المنصوص عليها (١). • الراجح في المسألة: هو ما ذهب إليه الأئمة الأربعة وغيرهم من جماهير أهل العلم القائلين بأن الربا غير مقصور على الأصناف المذكورة الستة فقط، بل يتعداها لغيرها مما اشترك معها في العلة أو المعنى؛ وذلك لقوة أدلتهم التي ذكرت والله أعلم.

стр. 149

• علة تحريم الربا في الأصناف الستة: اختلف العلماء في العلة التي هي سبب تحريم الربا في الأصناف الستة، ومع اختلافهم هذا إلا أنهم اتفقوا في أصل واحد، وهو أن الحديث ينقسم قسمين أو يتعلق بموضوعين: الأول: النقدان، والثاني: الأصناف الأربعة ماعدا النقدين؛ لذلك نجدهم يختلفون في علة الربا في النقدين على حدة ثم يختلفون في علة الأصناف الأربعة الأخرى على حدة. • علة تحريم الربا في النقدين: اختلف العلماء في علة تحريم الربا في النقدين على ثلاثة أقوال: الأول: العلة فيهما الوزن مع الجنس، وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد في المشهور عنه، وهو قول الثوري والزهري. الثاني: العلة فيهما غلبة الثمنية أو جوهر الثمنية، وإلى هذا ذهب الإمام مالك والإمام الشافعي في المشهور عنهما، وهو رواية عن الإمام أحمد. الثالث: العلة فيهما مطلق الثمنية وهذا قول للمالكية غير مشهور، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم. وعلى هذه الأقوال الثلاثة تخرج الأحكام مختلفة: فعلى القول الأول فإن الحكم بالربا سيتعدى إلى كل موزون. وعلى القول الثاني

стр. 150

فإن الحكم بالربا سيكون مقصورًا على الذهب والفضة فقط. وعلى القول الثالث سيتعدى الحكم إلى كل ما هو ثمني. هذا الذي ذُكر إجمالٌ وإليك التفصيل: • أدلة القول الأول: (العلة فيهما الوزن مع الجنس) ١ - حديث سعيد بن المسيب أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الأَنْصَارِيَّ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ، فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الجَمْعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا، وَكَذَلِكَ المِيزَانُ» (١). ومحل الشاهد في هذا الحديث «وكذلك الميزان». ووجه الحجة أنه اشتراط المماثلة، ولا يتحقق إلا بالكيل، ثم قاس عليه الميزان، أي ما يدخل تحته الوزن (٢). وقد أجيب على هذا الاستدلال بأن معنى قوله ﷺ : «وكذلك الميزان» أي: (لا يجوز التفاضل فيه فيما كان ربويًّا

стр. 151

موزونًا) (١) (٢). ٢ - حديث حيان بن عبيد الله العدوي قال: سُئل لاحق بن حميد أبو مجلز - وأنا شاهد - عن الصرف فقال: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ، مَا كَانَ مِنْهُ عَيْنًا، يَعْنِي يَدًا بِيَدٍ، فَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ. فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ لَهُ: يَا بْنَ عَبَّاسٍ أَلَا تَتَّقِي الله؟ إِلَى مَتَى تُوَكِّلُ النَّاسَ الرِّبَا؟ أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ: «إِنِّي لَأَشْتَهِي تَمْرَ عَجْوَةٍ» فَبَعَثَتْ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ بَدَلَ صَاعَيْنِ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ عَجْوَةٍ، فَقَامَتْ فَقَدَّمَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُ أَعْجَبَهُ، فَتَنَاوَلَ تَمْرَةً، ثُمَّ أَمْسَكَ، فَقَالَ: «مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟» فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: بَعَثْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَتَانَا بَدَلَ صَاعَيْنِ هَذَا الصَّاعُ الْوَاحِدُ، وَهَا هُوَ كُلْ فَأَلْقَى التَّمْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «رُدُّوهُ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، يَدًا بِيَدٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ رِبًا» ثُمَّ قَالَ: «كَذَلِكَ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ أَيْضًا».

стр. 152

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَزَاكَ اللَّه يَا أَبَا سَعِيدٍ الْجَنَّةَ، فَإِنَّكَ ذَكَّرْتَنِي أَمْرًا كُنْتُ نَسِيتُهُ، أَسْتَغْفِرُالله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ. فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ (١). ووجه الاستدلال: «هنا قوله وكل ما يكال أو يوزن» فالحنفية ﵏ يرون أنه حكم بأن كل ما يكال أو يوزن يجري فيه الربا. وقد يجاب عليهم أيضًا بأن المعنى أنه لا يجوز التفاضل فيما كان ربويًّا موزونًا، وبأن الخبر هنا لا يصح، أو بما أجاب به البيهقي بأن لفظة «كل ما يكال أو يوزن» من كلام أبي سعيد الخدري ﵁. ٣ - ما أخرجه الدارقطني في «سننه» من طريق أبي بكر بن عياش عن الربيع بن صبيح عن الحسن عن عبادة وأنس بن مالك عن النبي ﷺ : «مَا وُزِنَ مِثْلٌ بِمِثْلٍ إِذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، وَمَا كَيْلَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ» (٢).

стр. 153

• من كلام الأحناف والحنابلة ﵏: قال السرخسي: ثم اختلفوا بعد ذلك في المعنى الذي يتعدى الحكم به إلى سائر الأموال، قال علماؤنا رحمهم الله تعالى (١): الجنسية والقدر، عرفت الجنسية بقوله ﷺ : «الذهب بالذهب والحنطة بالحنطة»، والقدر بقوله ﷺ : «مثل بمثل» ويعني بالقدر الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن (٢). قال المرداوي: قوله: «فأما ربا الفضل فيحرم في الجنس الواحد من كل مكيل أو موزون» هذا هو الصحيح من المذهب (٣) بلا ريب، وعليه جماهير الأصحاب وجزم به في «الوجيز» وغيره وقَدَّمه في «الفروع» وغيره وقال هذا المذهب. قال الشارح (٤): هذا أشهر الروايات وذكره الخرقي وابن أبي موسى وأكثر الأصحاب قال القاضي: اختراها الخرقي وشيوخ أصحابنا، قال الزركشي: هي الأشهر عنه ومختار عامة أصحابه، قال في «الرقائق»: اختاره الأكثرون، فعليها علة الربا في الذهب والفضة

стр. 154

كونهما موزون جنس (١). • وجهة أصحاب القول الثاني (العلة فيهما غلبة الثمنية أو جوهر الثمنية): قال الشيخ عمر بن عبد العزيز المترك: احتج من قال بغلبة الثمنية بأن النقدين جوهران نفيسان بهما تُقدر الأموال، ويُتوصل بهما إلى سائر الأشياء، فهما أثمان المبيعات غالبًا وقيم المتلفات في جميع أقطار الدنيا ولهما المكانة العالمية والقيمة العالية، فهما رائجان عند كل الأمم ولدى كل الدول قديمًا وحديثًا، وذلك لخصائص ومزايا اعتبرت في هذين المعدنين في الأوصاف والندرة كانا بهما أثبت من سواهما ليكونا أساسًا للتمويلات ومقياسًا لقيم سائر الأشياء وواسطة بين الإنسان وحاجاته؛ ولهذا قال بعض الفقهاء: إنهما يعتبران أثمانًا بالخلقة ولو غير مسكوكين، ولم يجعلا سلعًا يتجر فيهما (٢) (٣).

стр. 155

• من كلام المالكية والشافعية ﵏: قال الخرشي المالكي: واختلف على أنه معلل هل علته غلبة الثمنية وهو المشهور، وقوله: (ومطلق الثمنية) وهو خلاف المشهور (١). قال النووي: واختلفوا في العلة التي هي سبب تحريم الربا في الستة: فقال الشافعي: العلة في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان، فلا يتعدى الربا منهما إلى غيرهما من الموزونات وغيرها لعدم المشاركة. قال: والعلة في الأربعة الباقية كونها مطعومة، فيتعدى الربا منها إلى كل مطعوم. وأما مالك فقال في الذهب والفضة كقول الشافعي ﵁ (٢). • وجهة أصحاب القول الثالث (العلة فيهما مطلق الثمنية): إن التعليل بمطلق الثمنية هو التعليل الذي يتناسب مع المقصد من تحريم جريان الربا في الذهب والفضة، إذ أن المقصد في تحريم جريان الربا في الذهب والفضة (أن تكون معيارًا للأموال يتوصل بها

стр. 156

إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها، فمتى بِيع بعضها ببعض إلى أجل قُصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية، واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوصل بها إلى تحصيل المطالب] (١)، [فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير مثل أن يُعطى صحاحًا ويأخذ مكسرة، أو خفافًا ويأخذ ثقالًا أكثر منها، لصارت متجرًا، وجر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولابد، فالأثمان لا تُقصد لأعيانها بل يُقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في نفسها سلعًا تُقصد لأعيانها فسد الأمر، وهذا معنى معقول يختص بالنقود ولا يتعدى إلى سائر الموزونات) (٢). الراجح: هو القول القائل بأن العلة فيهما مطلق الثمنية وعلى هذا يتعدى الحكم إلى كل ما اتخذه الناس سكةً بينهم وراج رواج النقدين، كالأوراق النقدية (٣)، إذ أن الأوراق النقدية صارت عملة

стр. 157

رائجة تحمل خصائص الأثمان من كونها مقياسًا للقيم وتعتبر قوة شرائية مطلقة، إذ أن معنى الثمنية هو المعنى الذي يميز النقدين عن غيرهما، فالذهب والفضة هما الأصل في المعاملات المتبادلة بين الناس في عصر النبوة. وعلى هذا الذي رجُحَ يكون القول بأن العلة الوزن قولًا مرجوحًا إذ أن هذا التعليل ينافي الإجماع المنعقد على جواز إسلام النقدين في الموزونات من النحاس والحديد ولو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل، ثم إن الوزن ليس وصفًا ملازمًا للأموال بل هو أمر عارض، فعلةُ التحريم لا تؤخذ من أداة التقدير للشيء، إنما علة التحريم تكون في ذات الشيء. كذلك القول القائل بأن العلة غلبة الثمنية أو جوهر الثمنية مرجوح إذ أن فيه مفسدة تنافي المقصد من تحريم الربا؛ لأن معاملات الناس اليوم أصبحت بغير النقدين، وعلى هذا القول سيفتح الباب للربا ويغلق باب الزكاة لكون القائل بهذا سيقول إنما النصاب في الذهب والفضة فقط ولا يكون في الأوراق النقدية.

стр. 158

• علة تحريم الربا في الُبر والشعير والتمر والملح: اختلف أهل العلم في تحديد العلة من تحريم الربا في الأصناف الأربعة (البُر والشعير والتمر والملح). إلى أقوال كثيرة متشعبة، أشهرها أربعة أقوال: القول الأول: العلة فيها الجنس والقدر، ويعنون بالقدر الكيل الوزن، أي إن الربا يجري في مكيل أو موزون بجنسه، مطعومًا كان أو غير مطعوم كالحبوب والقطن والصوف والكتان، ولا يجري الربا عند أصحاب هذا القول في مطعوم لا يكال ولا يوزن، وهذا قول الحنفية وهو المشهور من أقوال الإمام أحمد. القول الثاني: العلة فيها الجنس والطعم، أي إن الربا تجري في كل مطعوم بجنسه ولا يجري فيما عدا ذلك، وهذا قول الشافعي، والرواية الثانية عند أحمد. القول الثالث: العلة فيها القوت أو ما يصلح به القوت من جنس واحد من المدخرات، وهذا قول المالكية (١). القول الرابع: العلة فيها الطعم والجنس مكيلًا كان أو موزونًا وعلى هذا يجري الربا في كل ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من

стр. 159

جنس واحد، أما ما انعدم فيه الكيل والوزن والطعم فلا ربا فيه. وهذا قول الشافعي في القديم والرواية الثالثة عند أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. • أدلة أصحاب القول الأول (العلة فيها الجنس والقدر): استدلوا بنفس الاستدلالات المتقدمة في كون العلة في النقدين الوزن مع الجنس ومنها حديث الجنيب وقول رسول الله ﷺ فيه: «لا تفعلوا إلا مثلًا بمثلٍ، أو بيعوا هذا، واشتروا بثمنه من هذا وكذلك الميزان» (١). واستدلوا أيضًا على كون الربا لا يجري في كل مطعوم لا يكال ولا يوزن بالآتي: ١ - حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ؛ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ» - وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا - فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الْفَرَسَ بِالْأَفْرَاسِ، وَالنَّجِيبَةَ (٢) بِالْإِبِلِ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (٣).

стр. 160

٢ - حديث أنس أن النبي ﷺ قال: «مَا وُزِنَ مِثْلٌ بِمِثْلٍ إِذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، وَمَا كَيْلَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ» (١). قال ابن قدامة المقدسي: ولأن قضية البيع المساواة، والمؤثر في تحقيقها الكيل والميزان والجنس، فإن الوزن أو الكيل يسوي بينهما صورةً، والجنس يسوي بينهما معنى، فكانا علة، ووجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في الطعم، بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة إنه جائز إذا تساويا في الكيل (٢). • دليل أصحاب القول الثاني (العلة فيها الجنس والطعم): ١ - حديث معمر بن عبد الله قال: كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (٣).

стр. 161

وحجتهم أن الحكم إذا عُلق باسم مشتق دل على أن المعنى الذي اشتق منه الاسم هو علة الحكم، مثل قوله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ففهم أن السرقة هي علة قطع اليد، وعلى هذا فقد جاء في هذا الحديث «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ»، فتبين أن الطعم هو علة الحكم؛ لأن الطعام مشتق من الطعم. وأجاب ابن حزم على هذا الاستدلال فقال: ولا حجة لهم في الخبر المذكور؛ لأنه إنما فيه الطعام بالطعام مثلًا بمثل، وليس فيه المنع عنه مثلًا بأكثر، ولا إباحة، إنما هو مسكوت عنه، فوجب طلبه من غير هذا الخبر. وأيضًا: فإن لفظة الطعام لا تُطلق في لغة العرب إلا على البُر وحده، كما روينا من طريق أبي سعيد الخدري وهو حجة في اللغة: «كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعَ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعَ أَقِطٍ» (١)، فلم يوقع اسم الطعام إلا على البُر وحده. وأيضًا: فإذا كان قول رسول الله ﷺ : «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» موجبًا عندكم للمنع من بيع الطعام بالطعام أكثر من مثل بمثل، فاجعلوا ولابد اقتصاره ﵇ على ذكر الأصناف الستة مانعًا

стр. 162

من وقوع الربا فيما عداها وإلا فقد تناقضتم (١). قلت: وهذا الذي ذكره ابن حزم غريب جدًّا!! فقوله: («الطعام بالطعام مثلًا بمثل» ليس فيه المنع عنه مثلًا بأكثر ولا إباحة إنما هو سكوت عنه) فهذا قول مردود إذ أن أهل اللغة يعرفون أن هذا من باب الخبر الذي يراد به الأمر، والأمر يأتي في صورة الخبر للتأكيد: مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ١٠ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف: ١٠، ١١]، والمعنى آمِنوا بالله ورسوله. فهو خبر في معنى الأمر، ويأتي الخبر بمعنى الأمر إيذانًا بوجوب الامتثال، فكأن المخاطب امتثل وبدأ في تنفيذ المطلوب، ومثله في الدعاء قول القائل: «رحمك الله» فهي جملة خرجت في صورة الخبر ثقة بالإجابة، وكأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها، والأمثلة على إيراد الخبر بمعنى الأمر كثيرة في القرآن والسنة. وأما قوله: (لفظة الطعام لا تطلق في لغة العرب إلا على البُر وحده) فهو أيضًا غريب، إذ أن الطعام في لغة العرب: كل ما يؤكل وبه قوام البدن، فهو عام لكل ما يطعم من مأكول ومشروب، قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، وقال

стр. 163

تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٤، ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ٨ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٨، ٩]، وقول رسول الله ﷺ عن زمزم: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» (١)، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ، فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (٢)، وقال ﷺ أيضًا: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ» (٣)، وفي حديث عبد الله بن عمرو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (٤). وفي الحديث أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بنْتَ مِحْصَنٍ أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 164

- ﷺ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ (١). وغير ما ذكر الكثير. وعلى هذا فكلمة (الطعام) يراد بها لغة وعرفًا وشرعًا كل ما يؤكل ويطلق أحيانًا على ما يُشرب، أما ما قاله ابن حزم من أن اسم الطعام لا يقع إلا على البُر خاصة، فنحن لا نخالفه في أنها لغة أهل الحجاز والعراق، فكانوا يطلقون على البر الطعام، ولكن هذا يحتاج إلى النظر إلى سياق كلامهم، فالنظر إلى السياق يوصل إلى المعنى، أما إذا أطلقت كلمة (طعام) فهي على عمومها. وأما قوله: (فإذا كان قول رسول الله ﷺ : «الطعام بالطعام مثلًا بمثل» موجبًا عندكم للمنع من بيع الطعام بالطعام أكثر من مثل بمثل، فاجعلوا ولابد اقتصاره ﵇ على ذكر الأصناف الستة مانعًا من وقوع الربا فيما عداها، وإلا قد تناقضتم) فنقول بأن هذا ليس تناقضًا إنما هو فهم دقيق لمدلولات الخطاب، وقد سبق بيان أن هذا من قبيل الخبر الذي يراد منه الأمر تأكيدًا لوجوب امتثاله. • وجهة أصحاب القول الثالث (العلة فيها القوت أو ما يصلح به القوت): قالوا: لو كان المقصود الطعم وحده لاكتفى النبي ﷺ

стр. 165

بصنف واحد ينبه عليه، أما كونه ﷺ ذكر أربعة أصناف ففيه بيان أنه والله أعلم له مقصد في كل صنف من هذه الأصناف، فنبه ﷺ بالبُر على كل ما يقتات في حال الرفاهية، ونبه بالشعير على كل ما يحتاج ويقتات في حال الشدة كالذرة، ونبه بالتمر على كل ما يقتات وفيه حلاوة كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على كل ما يدخر لإصلاح الطعام كالتوابل، وقالوا أيضًا ما يفيد أن هذا هو المناسب للمقصد من تحريم الربا. قال ابن رشد: فإنهم قالوا لما كان معقول المعنى في الربا إنما هو أن لا يغبن بعض الناس بعضًا وأن تحفظ أموالهم فواجب أن يكون ذلك في أصول المعايش وهي الأقوات (١). • وجهة أصحاب القول الرابع (العلة فيها الطعم والجنس مكيلًا أو موزونًا: وجهتهم أن الأصناف التي بينها رسول الله ﷺ في الحديث اجتمع فيها الطعم مع الكيل أو الوزن، والأصل في البيع والشراء الحل، ولا يحق أن نحرم إلا ما تبين بالدليل حرمته والعلة الظاهرة والمشتركة بين الأصناف الأربعة هي الطعم مع الكيل أو الوزن.

стр. 166

واستدلوا أيضًا بالأحاديث التي فيها ذكر الكيل والوزن وقد تقدمت (١). فجَمَع أصحاب هذا القول بين القول القائل بالوزن أو الكيل مع الجنس، والقول بالطعم مع الجنس. هذا الذي ذكر إظهار بعض أدلة القوم ووجهاتهم وإليك نقل يسير عن أصحاب المذاهب التي تقدمت من كتبهم: • قول الأحناف: قال السرخسي: قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: الجنسية والقدر - يقصد العلة -عُرفت الجنسية بقوله ﷺ : «الذهب بالذهب، والحنطة بالحنطة»، والقدر بقوله ﷺ : «مثل بمثل»، ويعني بالقدر الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن، وظن بعض أصحابنا رحمهم الله تعالى أن العلة مع الجنس الفضل على القدر، وذلك محكي عن الكوفي ولكنه ليس بقوي فإنه لا يجوز إسلامُ قفيز حنطة في قفيز شعير ولا تثبت حرمة النَّساء إلا بوجود أحد الوصفين، ولو كانت العلة هي الفضل لما حرم النساء هنا لانعدام، الفضل فعرفنا

стр. 167

أن العلة نفس القدر مع الجنس (١). • قول المالكية: قال الحطاب المالكي: وإنما اختلفوا في العلة المقتضية للمنع حتى يقاس عليها، وقد اختُلف فيها على عَشَرة أقوال، ذكر المصنف منها قولين: الأول: أنها الاقتيات والادخار، قال ابن الحاجب: وعليه الأكثر، قال بعض المتأخرين: وهو المعول عليه في المذهب، وتأول ابن رشد المدونة عليه، قال بعض المتأخرين: وهو المشهور من المذهب، ومعنى الاقتيات أن يكون الطعام مقتاتًا، أي تقوم به البنية، ومعنى الادخار أن لا يفسد بتأخيره إلا أن يخرج التأخير عن العادة. والقول الثاني: أن العلة الاقتيات والادخار، وكونه متخذًا للعيش غالبًا، وهذا القول للقاضيين أبي الحسن بن القصار وعبد الوهاب، وعَبَّر عنه صاحب التنبيهات بالمقتات المدخر الذي هو أصل للمعاش غالبًا، ونسبه للبغداديين، قال: وتأول أبو جعفر بن زرب المدونة عليه، ثم ذكر القول الأول، فقال: وذهب كثير من شيوخنا إلى أنه لا يلزم التعليق بكونه أصلًا للعيش، وإنما المراد ادخاره غالبًا وكونه قوتًا. قال: وعلى اختلاف التعليلين اختلف أهل المذهب في البيض والتين؛

стр. 168

لأنهما مدخران، بأن يُشوى ويُجعل في خلٍّ أو غيره، وقيل: غير مدخر، وقيل غير مقتات، وقيل: مقتات (١). • قول الشافعية: قال الشافعي: ولا نخالف في شيء من أحكام ما نصت السنة، من المأكول وغيره، وكل ما كان قياسًا عليها مما هو في معناها وحكمه حكمها، لم نخالف بين أحكامها وكل ما كان قياسًا عليها مما هو في معناها حكمنا له حكمها، من المأكول والمشروب والمكيل والموزون وكذلك ما في معناها عندنا والله أعلم، كل مكيلٍ ومشروبٍ بيع عددًا؛ لأنا وجدنا كثيرًا منها يوزن ببلدة ولا يوزن بأخرى، ووجدنا عامة الرطب بمكة إنما يباع في سلالة جزافًا، ووجدنا عامة اللحم إنما يباع جزافًا، ووجدنا أهل البدو إذا تبايعوا لحمًا أو لبنًا لم يتبايعوه إلا جزافًا، وكذلك يتبايعون السمن والعسل والزبد وغيره، وقد يوزن عند غيرهم ولا يمتنع من الوزن والكيل في بيع من باعه جزافًا أو عددًا فهو في معنى الكيل والوزن من المأكول والمشروب عندنا والله أعلم، وكل ما يبقى منه ويدخر وما لا يبقى ولا يُدخر سواء، لا يختلف، فلو نظرنا الذي يبقى منه ويدخر ففرقنا بينه وبين ما لا يبقى ولا يدخر، وجدنا التمر كله يابسًا يبقى غايةً، ووجدنا الطعام كله لا يبقى ذلك البقاء، ووجدنا اللحم لا يبقى ذلك البقاء،

стр. 169

ووجدنا اللبن لا يبقى ولا يُدخر، فإن قال قد يوقط، قيل: وكذلك عامة الفاكهة الموزونة قد تيبس وقشر الأترج بما لصق فيه ييبس، وليس فيما يبقى وما لا يبقى معنى يفرق بينه إذا كان مأكولًا أو مشروبًا فكله صنف واحد، والله أعلم (١). • قول الحنابلة: قال ابن قدامة: واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما؛ فَرُوي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات، أشهرهن أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس، نقلها عن أحمد الجماعة، وذكرها الخرقي وابن أبي موسى، وأكثر الأصحاب، وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي، فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه، مطعومًا كان أو غير مطعوم، كالحبوب والأشنان، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن؛ لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ؛ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ - وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا -». فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ

стр. 170

الْفَرَسَ بِالْأَفْرَاسِ، وَالنَّجِيبَةَ بِالْإِبِلِ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (١) (٢). الحاصل: أن الفقهاء ﵏ اختلفوا في العلة من تحريم الربا في الأصناف الأربعة، نشأ هذا الخلاف عن الأقيسة، فكل فريق ينظر إلى علة واحدة جمعتها الأصناف الأربعة ثم يقيس عليها، توسع هذا الخلاف إلى إيراد أقوال كثيرة منها ما هو معتبر ومنها ما هو غير معتبر وأشهر هذه الأقوال وأقواها أربعة أقوال: أولها: العلة هي الجنس والقدر. ثانيها: العلة هي الجنس والطعم. ثالثها: العلة هي القوت والادخار. رابعها: العلة هي الطعم والجنس مكيلا كان أو موزونًا. وإذا نظرنا إلى هذه الأقوال مجتمعة، وجدنا أن القول بأن العلة هي الجنس والقدر بعيد عن الصواب وفيه تعسير على المسلمين بما لم ينزل الله ولم يشرع رسوله ﷺ إذ أن القائل بهذا القول سيجعل حكم الربا جاريًا في كل مكيل وكل موزون سواء كان مطعومًا أم غير مطعوم، وهذا ليس عليه دليل ولا برهان.

стр. 171

وإذا نظرنا إلى قول القائل بأن العلة القوت والادخار، نجده غير واضح إذ أن مطعومات كثيرة كانت لا تقتات ولا تدخر، أصبحت الآن تقتات وتدخر، وأصبح إدخار الطعام سهلًا ميسورًا، فهل الحكم سيتغير في الصنف الواحد من عصر إلى عصر؟ هذا محال إذ أن الحكم لا يتغير بينما الفتوى هي التي تتغير أحيانًا. أما قول القائل بأن العلة هي الطعم والجنس مكيلًا كان أو موزونًا، فأرى التقييد بالكيل والوزن أيضًا غير سديد، إذ أن أشياء تكال في بلد لا تكال في بلد أخرى، وأشياء أخرى كانت لا تكال ولا توزن، أصبحت الآن تكال وتوزن بل تباع بالجرامات وأخرى تباع بالسنتيمترات، ثم ما الفارق بين ما يكال أو يوزن وبين ما يعد؟ أليس المقصد من تحريم الربا المماثلة وعدم الظلم؟ فإذا سألنا عن حكم البرتقال هل يجري فيه الربا أم لا؟ ستكون على قاعدتهم يجري إذ هو مطعوم موزون، فإذا أبدلنا البرتقال بالبطيخ هل يجري فيه الربا أم لا؟ سيكون الجواب لا إذ هو معدود، فليس بموزون ولا مكيل، فيأتي هنا السؤال بداهة! ما الفارق بين البطيخ والبرتقال، أليس البرتقال فاكهة، والبطيخ فاكهة؟! لذا أرى والله أعلى وأعلم أن القول الراجح من هذه الأقوال هو قول الإمام الشافعي والرواية الثانية عن الإمام أحمد، أن الربا يجري في كل مطعوم بجنسه، دون تعصب لهذا الرأي، فالخلاف في هذه المسألة واسع يسع أهل العلم فيه الخلاف ولمن اجتهد وأصاب أجران ولمن اجتهد وأخطأ أجر، وأسأل الله جل وعلا أن يجنبنا الشطط والزلل.

стр. 172

القرض بفائدة القرض بفائدة نوع من أنواع الربا، أو هو داخل في ربا النسيئة، على قول بعض أهل العلم، والفرق بين القرض بفائدة وربا النسيئة على قول من فرق بينهما: أن الزيادة في ربا النسيئة لا تُطلب إلا عند عجز المدين عن سداد الدين، أما القرض بفائدة، فإن الزيادة فيه تشترط حالًا، أي في وقت الإقراض. • الأدلة على تحريم القرض بفائدة: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. والشاهد من هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ففي هذا بيان واضح أن الدائن ليس له شرعًا إلا رأس المال فقط إذ أن المقصود من القرض معاونة المقترض والإحسان إليه وليس مقصده الربح. ما رواه عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ نهى عن

стр. 173

سلف وبيع وشرطين في بيع وربح ما لم يضمن (١). ومعنى هذا الخبر أن يقول الرجل للرجل: آخذ سلعتك بكذا

стр. 174

وكذا على أن تسلفني كذا وكذا (١). والشاهد من هذا الخبر أن النبي ﷺ حرم عقد البيع مع القرض؛ لأنه سيحدث ولاشك محاباة من المدين في عقد البيع مقابل القرض، والشرع لا يبيح القرض بزيادة أية منفعة إذ أن القرض عمل برٍّ وإحسان، فإن كان هذا في البيع فمن باب أَوْلى أن تحرم الفائدة التي يشترطها المقرض. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فمن تدبر هذا علم أن كل معاملة كان مقصود صاحبها أن يقرض قرضًا بربح، واحتال على ذلك بأن اشترى من المقترض سلعة بمئة حالة تم باعه إياها بمئة وعشرين إلى أجل، أو باعه سلعته بمئة وعشرين إلى أجل، ثم ابتاعها بمئة حالة، أو باعها سلعة تساوي عشرين بخمسين وأقرضه مع ذلك خمسي، أو واطأ مخادعًا ثالثًا على أن يشتري منه سلعة بمئة ثم يبيعها المشتري للمقترض بمئة وعشرين ثم يعود المشتري المقترض فيبيعها للأول بمئة إلا درهمين وما أشبه هذه العقود، يقال فيها ما قاله النبي ﷺ : «أَفَلا أَفْردَتَ أَحَدَ الَعْقدَينِ عَنِ الآخَرِ ثُمَّ نَظَرْتَ؟» (٢) هل كنت مبتاعها أو بايعه بهذا الثمن

стр. 175

أو لا، فإذا كنت إنما نقصت هذا وزدت هذا لأجل هذا، كان له قسط من العوض، وإذا كان كذلك فهو ربا (١). ويستدل أهل العلم في هذا الباب بخبر يصح معناه ولا يثبت عن النبي ﷺ وهو: «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً، فَهُوَ رِبًا» (٢). هذا وقد رُوي معناه موقوفًا عن غير واحد من الصحابة رضوان الله عليهم، كعبد الله بن عمر، وفضالة بن عبيد الله، وعبد الله بن مسعود، وأُبي بن كعب، وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عباس. عن مالك أنه بلغه أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي أَسْلَفْتُ رَجُلًا سَلَفًا، وَاشْتَرَطْتُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتُهُ. فَقَالَ عَبْدُ

стр. 176

اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَذَلِكَ الرِّبَا. قَالَ: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: السَّلَفُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ، فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ، فَذَلِكَ الرِّبَا. قَالَ: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ، فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ، وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَكَ وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ» (١). عن عبد الله بن عمر أنه قال: «مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ إِلَّا قَضَاءَهُ» (٢). عن أبي بردة قال: أَتَيْتُ المَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ﵁، فَقَالَ: أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا (٣) وَتَمْرًا، وَتَدْخُلَ فِي

стр. 177

بَيْتٍ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ (١)، إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ، فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ، أَوْ حِمْلَ قَتٍّ (٢)، فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا (٣). عن فضالة بن عبيد (٤) أنه قال: كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا (٥). عن عبد الله بن مسعود أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ اسْتَقْرَضَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَقْرِضَ أَفْقَرَ الْمُقْرِضَ ظَهْرَ دَابَّتِهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: مَا أَصَابَ مِنْ ظَهْرِ دَابَّتِهِ فَهُوَ رِبًا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ

стр. 178

مَنْفَعَةً (١). • نقلُ إجماع أهل العلم على تحريم القرض بفائدة: قال القرطبي: وأجمع المسلمون نقلًا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف (٢). قال ابن قدامة: وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرامٌ بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك - أن أخذ الزيادة على ذلك ربا (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حرامًا، وكذلك إذا تواطأ على ذلك في أصح قول العلماء (٤).

стр. 179

حرق الكاوتش وما يشبههُ من معاملات من المعاملات التي انتشرت في هذا الزمان ما يسميه عامة الناس يحرق الكاوتش، وصورته، أن يحتاج رجل إلى عَشَرة آلاف جنيه مثلًا، ولا يجد من يقرضه، فيذهب إلى تاجر من التجار (يعرف بصنيعه هذا بين الناس) فيشتري منه كاوتشًا أو أي بضاعة بخمسة عَشَر ألف جنيه على أن يسدد ثمنها مؤجلًا على أقساط، ثم يقوم ببيعها مرة أخرى له بعشرة ألاف فقط يأخذ ثمنها حالًا. هذه الصورة هي إحدى صور بيع العينة (١)، وهذا تحايل اخترعه من أراد أن يُلبس الربا ثوبًا غير ثوبه حتى لا يُعرف، وهذه المعاملة بصورتها التي قدمتُ محرمة شرعًا لما فيها من التواطؤ والتحايل على الربا.

стр. 180

• أدلة تحريم حرق الكاوتش «بيع العينة»: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهذه المعاملة ليست بيعًا بل هي وسيلة من وسائل الربا (١). عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدرهم والدينار وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً، فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم» (٢).
следующие страницы →