← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 824

الإعلام بأحكام المال الحرام

منصور بن عبد الحميد النجار

Полный текст (332 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَذَلِكَ الرِّبَا. قَالَ: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: السَّلَفُ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: سَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، فَلَكَ وَجْهُ اللَّهِ، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ صَاحِبِكَ، فَلَكَ وَجْهُ صَاحِبِكَ، وَسَلَفٌ تُسْلِفُهُ لِتَأْخُذَ خَبِيثًا بِطَيِّبٍ، فَذَلِكَ الرِّبَا. قَالَ: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَشُقَّ الصَّحِيفَةَ، فَإِنْ أَعْطَاكَ مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَ دُونَ الَّذِي أَسْلَفْتَهُ فَأَخَذْتَهُ أُجِرْتَ، وَإِنْ أَعْطَاكَ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْتَهُ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَكَ وَلَكَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْتَهُ» (١). عن عبد الله بن عمر أنه قال: «مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا فَلَا يَشْتَرِطْ إِلَّا قَضَاءَهُ» (٢). عن أبي بردة قال: أَتَيْتُ المَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ﵁، فَقَالَ: أَلَا تَجِيءُ فَأُطْعِمَكَ سَوِيقًا (٣) وَتَمْرًا، وَتَدْخُلَ فِي

стр. 177

بَيْتٍ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ (١)، إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ، فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ، أَوْ حِمْلَ قَتٍّ (٢)، فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا (٣). عن فضالة بن عبيد (٤) أنه قال: كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا (٥). عن عبد الله بن مسعود أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ اسْتَقْرَضَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَقْرِضَ أَفْقَرَ الْمُقْرِضَ ظَهْرَ دَابَّتِهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: مَا أَصَابَ مِنْ ظَهْرِ دَابَّتِهِ فَهُوَ رِبًا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ

стр. 178

مَنْفَعَةً (١). • نقلُ إجماع أهل العلم على تحريم القرض بفائدة: قال القرطبي: وأجمع المسلمون نقلًا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف (٢). قال ابن قدامة: وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرامٌ بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك - أن أخذ الزيادة على ذلك ربا (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حرامًا، وكذلك إذا تواطأ على ذلك في أصح قول العلماء (٤).

стр. 179

حرق الكاوتش وما يشبههُ من معاملات من المعاملات التي انتشرت في هذا الزمان ما يسميه عامة الناس يحرق الكاوتش، وصورته، أن يحتاج رجل إلى عَشَرة آلاف جنيه مثلًا، ولا يجد من يقرضه، فيذهب إلى تاجر من التجار (يعرف بصنيعه هذا بين الناس) فيشتري منه كاوتشًا أو أي بضاعة بخمسة عَشَر ألف جنيه على أن يسدد ثمنها مؤجلًا على أقساط، ثم يقوم ببيعها مرة أخرى له بعشرة ألاف فقط يأخذ ثمنها حالًا. هذه الصورة هي إحدى صور بيع العينة (١)، وهذا تحايل اخترعه من أراد أن يُلبس الربا ثوبًا غير ثوبه حتى لا يُعرف، وهذه المعاملة بصورتها التي قدمتُ محرمة شرعًا لما فيها من التواطؤ والتحايل على الربا.

стр. 180

• أدلة تحريم حرق الكاوتش «بيع العينة»: قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهذه المعاملة ليست بيعًا بل هي وسيلة من وسائل الربا (١). عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدرهم والدينار وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً، فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم» (٢).

стр. 181

وفي هذا الخبر بيان نبوي أن الناس لو تبايعوا بالعينة سيكون ذلك مؤذنًا بإنزال البلاء والذل بهم، والبلاء والذل عقوبة، والعقوبة لا تكون إلا بذنب، فوجب على عباد الله أن يبتعدوا عن هذه المعاملة لما فيها من وعيد شديد. حديث نهي النبي ﷺ عن سلف وبيع، وشرطين في بيع، وربح ما لم يضمن (١). وفي هذا الخبر نهي عن شرطين في بيع، ومن معاني هذا النهي أن يشترط شرطًا يخالف أصل البيع، وهذا حاصل في هذهِ المعاملة، إذ أن هناك اتفاقًا مضمرًا بين المتعاقدين على أن يرد المشتري البضاعة في الحال إلى البائع، وهذا مخالف لمعنى البيع. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا» (٢).

стр. 182

ويفسر هذا الخبر ابنُ القيم بقوله: وللعلماء في تفسيره قولان: أحدهما: أن يقول: بعتك بعشرة نقدًا، أو عشرين نسيئة. وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك ففسره في حديث ابن مسعود، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة» (١)، قال سماك: الرجل يبيع الرجل فيقول: هو على نَساء بكذا، وبنقد بكذا. وهذا التفسير ضعيف، فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. والتفسير الثاني: أن يقول: أبيعكها بمئة إلى سنة، على أن أشتريها

стр. 183

منك بثمانين حالة. وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله: «فله أو أوكسهما أو الربا»، فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي، أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين، فإن هو أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا (١). • أقوال أهل العلم في هذه المعاملة من بيع العينة: ابتداءً، لأهل العلم في المسألة قولين: أولهما: حرمة بيع العينة وأنها تحايل على الربا، وهذا مذهب جمهور أهل العلم كأبي حنيفة ومالك وأحمد ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهذا هو الراجح. وثانيها: جواز ذلك ما لم يكن هنالك شرط في العقد الأول يلزم الدخول في العقد الثاني، وهذا مذهب الشافعية والظاهرية وأبي يوسف من الحنفية.

стр. 184

• أصحاب القول الأول (التحريم): المذهب الحنفي: قال السرخسي: وذُكر عن الشعبي أنه كان يكره أن يقول الرجل للرجل أقرضني. فيقول: لا حتى أبيعك. وإنما أراد بهذا إثبات كراهة العينة، وهو أن يبيعه ما يساوي عشرة بخمسة عشرة؛ ليبيعه المستقرض بعشرة فيحصل للمقرض زيادة، وهذا في معنى قرضٍ جر منفعة والإقراض مندوب إليه في الشرع والغرر حرام، إلا أن البخلاء من الناس تطرقوا بهذا إلى الامتناع مما يدنوا إليه والإقدام على ما نُهوا عنه من الغرور، وبنحوه ورد الأثر: «إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ذللتم حتى يطمع فيكم» (١). قال ابن عابدين: اختلف المشايخ في تفسير العينة التي ورد النهي عنها: قال بعضهم: تفسيرها أن يأتي الرجل المحتاج إلى آخر ويستقرضه عَشَرة دراهم ولا يرغب المقرض في الإقراض طمعًا في فضل لا يناله بالقرض، فيقول: لا أقرضك، ولكن أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشر درهمًا. وقيمته في السوق عشرة ليبيعه في السوق بعشرة، فيرضى به المستقرض فيبيعه كذلك، فيحصل لرب الثوب درهمان وللمشتري قرض عشرة، وقال بعضهم: هي أن يُدخلا بينهما

стр. 185

ثالثًا فيبيع المقرض ثوبه من المستقرض باثنى عشر درهمًا ويسلمه إليه، ثم يبيعه المستقرض من الثالث بعشرة ويسلمه إليه، ثم يبيعه الثالث من صاحبه وهو المقرض بعشرة ويسلمه إليه ويأخذ منه العشرة، ويدفعها للمستقرض، فيحصل للمستقرض عشرة، ولصاحب الثوب عليه اثنا عشر درهمًا - كذا في المحيط، وعن أبي يوسف: العينة جائزة مأجور مَنْ عَمِل بها. كذا في مختار الفتاوى الهندية، وقال محمد: هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم، اخترعه أكلة الربا (١). المذهب المالكي: قال أبو عمر بن عبد البر: أما بيع العينة فمعناه أنه تحيل في بيع دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل بينهما سلعة مُحلِلَة، وهو أيضًا من باب بيع ما ليس عندك، وقد نهى عنه رسول الله ﷺ ، فإن كانت السلعة المبيعة في ذلك طعامًا، دخله مع ذلك أيضًا بيع الطعام قبل أن يستوفى، مثال ذلك أن يطلب رجل من آخر سلعة ليبيعها منه بنسيئة وهو يعلم أنها ليست عنده، ويقول اشترها من مالكها هذا بعشرة، وهي عليَّ باثني عشر أو بخسمة عشر إلى أجل كذا. فهذا لا يجوز لما ذكرنا (٢).

стр. 186

قال الدسوقي في حاشيته: وأشار إلى القسم الثالث مخرجًا له من الجواز بقوله: بخلاف قول الآمر: اشترها بعشرة نقدًا وأنا آخذها منك باثنتى عشر لأجل كشهر فلا يجوز لما فيه من سلفٍ جرَّ نفعًا (١). المذهب الحنبلي: قال أبو محمد بن قدامة: فأما بيع العينة فهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن حالًا، فلا يجوز لما روى سعيد عن غندر عن شعبة عن أبي إسحاق عن امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل، قالت: دخلتُ على عائشة أنا وأم ولد زيد بن أرقم، فقالت أم ولد زيد إني بعت غلامًا لزيد بن أرقم بثمان مئة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بست مئة درهم. فقالت لها: بئس ما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب (٢). ولا تقول مثل هذا إلا توقيفًا سَمِعَتْه من

стр. 187

النبي ﷺ ولأن ذلك ذريعة إلى الربا؛ لأنه أدخل السلعة ليستبيح بيعة ألف بخمس مئة والذرائع معتبرة، فإن اشتراها بسلعة جاز؛ لأنه لا ربا بين الأثمان والعروض (١). قال المرداوي: قوله: (ومن باع سلعة بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها نقدًا إلا أن تكون قد تغيرت صفتها) هذه مسألة العينة،

стр. 188

فِعلها محرم على الصحيح من المذهب، نص عليه وعليه الأصحاب (١). • أصحاب القول الثاني (الجواز): قول الحنفية: قال أبو يوسف: العينة جائزة مأجور من عمل بها (٢) (٣). قول الشافعية: قال الإمام النووي: فصل: ليست من المناهي بيع العينة (بكسر العين المهملة، وبعد الياء نون) وهو أن يبيع غيره شيئًا بثمن مؤجل ويسلمه إليه ثم يشتريه قبل قبض الثمن بأقل من ذلك الثمن نقدًا، وكذا يجوز أن يبيع بثمن نقدًا ويشتري بأكثر منه إلى أجل، سواء قبض الثمن الأول أم لا، وسواء صارت العينة عادة له غالبة في البلد أم لا، هذا هو الصحيح المعروف في كتب الأصحاب، وأفتى الأستاذ أبو إسحاق

стр. 189

الإسفراييني والشيخ أبو محمد بأنه إذا صار عادة له صار البيع الثاني كالمشروط في الأول، فيبطلان جميعًا (١). قلت: والذي يظهر من الكلام السابق عن الشافعية أنهم لا يُجوزون العينة بصورتها التي هي عليها الآن (حرق الكاوتش) فكلامهم عن رجل اشترى شيئًا لم يتفق مع بائعه أن يبيعه له مرة أخرى ثم بدا له أن يبيعه له. الراجح في المسألة: حرمة هذه المعاملة التي انتشرت بين التجار الآن (حرق الكاوتش) لما فيها من تحايل واضح على الربا، ولكن لزامًا أن نفرق بين هذه المعاملة بصورتها التي قدمتُ والمعروفة بين عامة الناس وبين صورة أخرى حلال، وهي أن يشتري رجل من رجلٍ سلعة نسيئة، ثم بعد ذلك بمدة ودون اتفاق ولا نية مبيتة بدا له أن يبيعها له مرة أخرى، فهذه لا حرج فيها إن شاء الله، والله أعلى وأعلم.

стр. 190

من به حاجة ماسة إلى المال (المضطر) مسألة: رجل في حاجة ماسة إلى مال، ولا يجد من يقرضه قرضًا حسنًا، فاشترى سلعة نسيئة بألف جنيه، ثم باعها بعد ذلك لرجل آخر بتسع مئة جنيه حالًا، فما الحكم في هذه المعاملة؟ هذه المسألة يسميها بعض أهل العلم «بيع التورق» (١) والبعض الآخر يجعلها صورةً من صور العينة. والناظر في هذه المسألة يجد أن العلماء ﵏ اختلفوا فيها على قولين: أحدهما: على التحريم، وثانيهما: على الجواز، وكل له وجهته، ولا حرج في هذا الخلاف، وذلك لانعدام النص الصريح الصحيح في المسألة. • أدلة القائلين بالتحريم: ١ - استدلوا بكل الأخبار التي استدل بها القائلون بتحريم العينة وقالوا: هذه المعاملة (التورق) إحدى صور العينة.

стр. 191

٢ - قالوا بأن هذه المعاملة تدخل تحت بيع المضطر، والنبي ﷺ نهى عن بيع المضطر (١). • أدلة القائلين بالجواز: ١ - أن هذا من جملة البيع والشراء، وأحل الله البيع وحرم الربا. ٢ - أن الأصل في البيوع الحل والإباحة إلا بدليل، ولا يوجد دليل يمنع من هذه المعاملة. ٣ - حديث النهي عن بيع المضطر ضعيف. ٤ - لا يقال: إن هذه حيلة، بدليل أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاء بتمر جنيب، فقال رسول

стр. 192

الله ﷺ : «أكل تمر خيبر هكذا؟» قال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بصاعين والصاعين بالثلاث. فقال رسول الله ﷺ : «لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا» (١)، ولا يقال: إن هذه حيلة بل هذه توسعة من النبي ﷺ وحلٌّ للبعد عن المناهي والمحرمات. ٥ - أن كل عقد صح ظاهره لا يجوز إبطاله بالتهمة المجردة عن اليقين. • من قال من الأئمة بالتحريم؟ قال بالتحريم المالكية على مذهبهم في تحريم بعض المعاملات التي ظاهرها الجواز سدًّا للذرائع، وهو قول للحنابلة وقول شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم ﵏. قال ابن القيم: وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهو التورق، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الربا، والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون، وأخفها التورق، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز، وقال: هو أخو الربا. وعن أحمد فيه روايتان،

стр. 193

وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وهذا من فقهه ﵁، قال: فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر. وكان شيخنا يمنع من مسألة التورق، وروجع فيها مرارًا وأنا حاضر فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حُرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه (١). • من قال بالجواز من الأئمة؟ قال بالجواز الحنفية والشافعية وقول عند الحنابلة. قول الحنفية: قال ابن عابدين: وقال محمد: هذا البيع (٢) في قلبي كأمثال الجبال ذميم، اخترعه أكلة الربا، وقد ذمهم رسول الله ﷺ فقال: «إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر ذللتم وظهر عليكم عدوكم» (٣) أي اشتغلتم

стр. 194

بالحرث عن الجهاد، وفي رواية «سلط عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لكم» (١)، وقيل: إياك والعينة فإنها لعينة، ثم قال في «الفتح» ما حاصله: إن الذي يقع في قلبي أنه إن فعلت صورة يعود فيها إلى البائع جميع ما أخرجه أو بعضه كعود الثوب إليه في الصورة المارة، وكعود الخمسة في صورة إقراض الخمسة عشر، فيكره يعني تحريمًا، فإن لم يعد كما إذا باعه المديون في السوق فلا كراهة فيه، بل خلاف الأولى، فإن الأجل قابلة قسط من الثمن، والقرض غير واجب عليه دائمًا، بل هو مندوب، وما لم ترجع إليه العين التي خرجت منه لا يسمى بيع العينة؛ لأن من العين المسترجعة لا العين المطلقة، وإلا فكل بيع بيع العينة اهـ، وأقره في البحر والنهر والشر نبلالية، وهو ظاهر وجعله السيد أبو السعود محمل قول أبي يوسف وحمل قول محمد والحديث على صورة العود (٢). أما الشافعية فهم كما تقدم النقل عنهم في حكم العينة أنهم يجوزونها.

стр. 195

الحنابلة: ورد عن الإمام أحمد في المسألة الوجهان. قال المرداوي: فائدة: لو احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مئة بمئة وخمسين، فلا بأس، نص عليه، وهو المذهب وعليه الأصحاب، وهي مسألة التورق، وعنه يُكره، وعنه يحرم، اختاره الشيخ تقي الدين (١). • من فتاوى اللجنة الدائمة: سؤال: نرجو إفادتنا عن مسألة التورق وما حكمها؟ الجواب: مسألة التورق هي أن تشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم تبيعها بثمنٍ حال على غير من اشتريتها منه بالثمن المؤجل؛ من أجل أن تنتفع بثمنها، وهذا العمل لا بأس به عند جمهور العلماء. وبالله التوفيق وصلي الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢) الشيخ بكر أبو زيد "عضو" الشيخ صالح الفوزان "عضو" الشيخ عبد الله بن غديان "عضو"

стр. 196

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ "نائب الرئيس" الشيخ عبد العزيز بن باز "الرئيس" • الحاصل في المسألة: … أن أهل العلم اختلفوا على قولين، أكثرهم على الجواز وهذا الراجحُ من أقوالهم، ولكن ينبغي للمسلم أن يحتاط لدينه، وأن يجنح دائمًا إلى جانب الورع، وألا يتعامل بمثل هذه المعاملات إلا إذا اشتد به الأمر وألجأته الضرورة لذلك، هذا والله أعلم. * * *

стр. 197

حكم البيع بالتقسيط مسألة: ما حكم البيع بالقسط، وهل يجوز للبائع أن يزيد في ثمن السلعة مقابل الأجل؟ البيع بالتقسيط جائز ودلت عليه أدلة كثيرة، منها ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ٢ - أمرُ الله من له عبد أن يكاتبه إن أراد ذلك، إن علم فيه خيرًا، والمكاتبة بين العبد وسيده أن يدفع العبد ثمنًا لسيده على أقساط، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. وفي الصحيحين من حديث عائشة بسم الله الرحمن الرحيم ﵌ المحتويات ﵁ ﵂ ﵂ ﷺ ﷺ ﵃ ﷺ ﵁ قالت: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ. فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ ،

стр. 198

فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١). والشاهد من هذا الخبر أن بريرة كانت قد كاتبتهم على تسع أواقٍ، في كل عام أوقية، وعَلِمه النبي ﷺ ولم ينكره. ٣ - صح عن النبي ﷺ أنه اشترى بالأجل، فعن عائشة بسم الله الرحمن الرحيم ﵌ المحتويات ﵁ ﵂ ﵂ ﷺ ﷺ ﵃ ﷺ ﵁ قالت: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ (٢). وعنها أيضًا رضى الله عنها أنها قالت: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ (٣)، هذا وقد بوب الإمام البخاري بابًا في صحيحه سماه «باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة»، وقال الحافظ ابن حجر عند شرحه هذا الباب: قلت (ابن حجر): لعل المصنف - يقصد البخاري - تخيل أن أحدًا يتخيل أنه ﷺ لا يشتري بالنسيئة لأنها دين فأراد دفع ذلك التخيل.

стр. 199

٤ - ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ أَمَره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل، فأمَره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى أجل (١).

стр. 200

٥ - قياسًا على بيع السلم، والسلم بيع جائز بالكتاب والسنة وهو بيع شيء موصوف في الذمة مؤجلًا بعوض معجل، وفي حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (١). • هل يجوز للتاجر أن يزيد الثمن مقابل المدة المؤجلة (كأن يقول: هذا الجهاز بمائتي ألف نقدًا، وبمائتي وخمسين قسطًا)؟ لا بأس بزيادة قيمة السلعة مقابل زيادة الأجل شريطة أن يكون ذلك في البداية عند إنشاء العقد، وألا يفترقا دون تحديد ثمن معين، وإليك الأدلة التى يستدل بها الفقهاء على ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والشاهد من هذه الآية أن المحرم من المعاملات الربا، وهذا ليس بربا، إنما هو سعر زاده المشتري من أجل الانتفاع ولأجله رضي بأن

стр. 201

يبيع مؤجلًا. ٢ - لم يشترط ربنا في آية الدين أن يكون ذلك بسعر الوقت الحاضر إذ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، كذلك قال النبي ﷺ : «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (١)، ولم يشترط أن يكون ذلك بسعر الوقت الحالي. ٣ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ أمَره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل، فأمره أن يشتري البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة إلى إبل الصدقة (٢). ٤ - عن ابن مسعود قال: صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ رِبًا، إلاَّ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: إِنْ كَانَ بِنَقْدٍ فَبِكَذَا، وَإِنْ كَانَ بِنَسِيئَةٍ فَبِكَذَا (٣). ٥ - ما روي عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسًا أن يقال للسلعة هي بنقد كذا، وبنسيئة بكذا، ولكن لا يفترقا إلا عن رضا (٤).

стр. 202

• من قال بذلك من الأئمة؟ قال بهذا القول أصحاب المذاهب الأربعة، وإليك نقل كلامهم: المذهب الحنفي: قال السرخسي: وإذا عقد العقد على أنه إلى أجل كذا بكذا وبالنقد بكذا، أو قال إلى شهر بكذا أو إلى شهرين بكذا، فهو فاسد؛ لأنه لم يعاطه على ثمن معلوم، ولنهي النبي ﷺ عن شرطين في بيع، وهذا هو تفسير الشرطين في بيع، ومطلق النهي يوجب الفساد في العقود الشرعية، وهذا إذا افترقا على هذا، فإن كان يتراضيان بينهما ولم يتفرقا حتى قاطعه على ثمن معلوم وأتما العقد عليه فهو جائز لأنهما ما افترقا إلا بعد تمام شرط صحة العقد (١). المذهب المالكي: قال أبو عمر بن عبد البر: وقال مالك فيمن قال أبيعك هذا الثوب بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر إلى أجل: إذا كان البائع والمبتاع كل واحد منهما إن شاء أن يترك البيع ترك ولا يلزمه، فلا بأس بذلك، ولا يجوز عند مالك الشافعي وأبي حنيفة إن افترقا على ذلك بالالتزام حتى يفترقا على وجه واحد، وهو قول الثوري.

стр. 203

وقال الأوزاعي: إن افترقا على ذلك وقبض السلعة فهي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين، وقال ابن شبرمة: إذا فارقه على ذلك فضاع فعليه أقل الثمنين نقدًا، وبيان ذلك أنه إذا افترق على إلزام إحدى البيعتين بغير عينها فلا يجوز عند جميعهم؛ لأنه من باب بيعتين في بيعة، وافترقا على غير ثمن معلوم، فإن افترقا على البيعتين معًا على غير التزام بثمن يلزم أحدهما بعد ذلك، فأجازه مالك وجعله من باب بيع الخيار، وعند أبي حنيفة والشافعي لا يجوز إذا افترقا على غير ثمن معلوم ولا بالتزام ولا بغير التزام لأنهما قد افترقا على ثمن مجهول ودخلا تحت نهي النبي ﷺ بيعتان في بيعة (١). المذهب الشافعي: قال الشافعي: وهما وجهان: أحدهما: أن يقول: (قد بعتك هذا العبد بألف نقدًا أو بألفين إلى سنة قد وجب لك بأيهما شئت أنا، وشئت أنت)، فهذا بيع الثمن فهو مجهول. والثاني: أن يقول: (قد بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك بألف فإذا وجب لك عبدي وجبت لي دارك)؛ لأن ما نقص من كل

стр. 204

واحد منهما مما باع ازداده فيما اشترى، فالبيع في ذلك مفسوخ ونهى النبي ﷺ عن النجش (١). المذهب الحنبلي: قال ابن قدامة: وقد روي في تفسير بيعتين وجه آخر وهو أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر نسيئة، أو بعشرة مكسرة أو بتسعة صحاحًا. هكذا فسره مالك والثوري وإسحاق، وهو أيضًا باطل، وهو قول الجمهور؛ لأنه لم يجزم له ببيع واحد، فأشبه ما لو قال: بعتك هذه أو هذا، ولأن الثمن مجهول فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول؛ ولأن أحد العوضين غير معين، ولا معلوم فلم يصح، كما لو قال: (بعتك أحد عبيدي)، وقد روي عن طاووس والحكم وحماد أنهم قالوا: لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا فيذهب على أحدهما، وهذا محمول على أنه جرى بينهما بعدما يجري في العقد، فكأن المشتري قال: أنا آخذه بالنسيئة بكذا، فقال: خذه أو قد رضيت، ونحو ذلك فيكون عقدًا كافيًا وإن لم يوجد ما يقوم مقام الإيجاب أو

стр. 205

يدل عليه فلم يصح؛ لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجابًا لما ذكرناه (١). من فتاوى الشيخ عبد الحليم محمود: قال: لقد أباح جمهور الفقهاء أن يكون الثمن المؤجل أعلى من الثمن المدفوع فورًا؛ وذلك لأن الثمن المدفوع فورًا يمكن الانتفاع به في معاملات تجارية أخرى، أما الثمن المؤجل فإنه لا يتأتى فيه ذلك (٢).

стр. 206

تأجير ذكران البهائم لغرض إتيان إناثها (كراء عَسْب الفحل) من الأمور المنتشرة بين الزراع والقائمين على تربية المواشي تأجير ذكران الحيوانات، فتجد الرجل عنده كبش أو ثور أو فرس أو حمار فيقوم بتأجيره لفلان من الناس لأجل أن يأتي نوعه من الإناث عنده، ويجعلها مهنة يتكسب من ورائها، وهذا نهى عنه رسول الله ﷺ . عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال: نهى النبى ﷺ عن عَسْب الفحل (١)، وعَسْب الفحل هو ماء الذكر من الحيوان، وسيأتي بيانه. عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ وَالْأَرْضِ لِتُحْرَثَ»، فَعَنْ ذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ (٢).

стр. 207

قال ابن الأثير: عَسْب الفحل: ماؤه، فرسًا كان أو بعيرًا أو غيرهما، وعَسْبه أيضًا ضرابه، يقال: عَسَب الفحلُ الناقة يَعْسِبها عَسْبًا، ولم ينه عن واحد منهما، وإنما أراد النهي عن الكراء الذي يؤخذ عليه، فإن إعارة الفحل مندوب إليها، وقد جاء في الحديث (ومن حقها إطراقُ فحلها) (١)، ووجه الحديث أنه نهى عن كراء عَسْب الفحل، فحذف المضاف وهو كثير في الكلام (٢). وعلى هذا يتبين أن النبي ﷺ نهى عن إجارة الفحل إذ أن ماءه ليس محلًاّ للعقود والمعاوضات وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية إذ أن النبي ﷺ نهى عن المعاوضة عليه بالثمن واستحب إعارته لتدوم المحبة والمودة بين المسلمين، ومما ينبغي

стр. 208

الإشارة إليه أن بعض أهل العلم جعلوا هذا النهي للتنزيه، وبناء عليه أجازوا بيع عَسْب الفحل؛ لذا رأيت أن أنقل قول كل فريق لتتم الفائدة، مع ترجيحنا للقول القائل بأن النهي للتحريم. • من قال من العلماء بتحريم كراء عسب الفحل: قال بالتحريم أبو حنيفة والشافعي وأحمد. وإليك نقل الأقوال من كتب مذاهبهم: قال الكاساني (الحنفي): ولا يجوز استئجار الفحل للضراب؛ لأن المقصود منه النسل، وذلك بإنزال الماء، وهو عين، وقد رُوي عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن عسب الفحل، أي كرائه؛ لأن العسب في اللغة وإن كان اسمًا للضِّراب لكن لا يمكن حمله عليه؛ لأن ذلك ليس بمنهي عنه لما في النهي عنه من قطع النسل، فكان المراد منه كراء عسب الفحل إلا أنه حذف الكراء وأقام العسب مقامه، كما في قوله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ونحو ذلك (١). قال محمد بن محمد البابرتي الحنفي: ولا يجوز أخذ أجرة عسب الفحل، أي ضرابه، وهو أن يؤجر

стр. 209

فحلًا لينزو على الإناث، وخَرَّج بعض الشافعية والحنابلة بجوازه وجهًا، وهو أنه انتفاع مباح؛ ولهذا جاز بطريق الاستعارة، والحاجة تدعو إليه، فكان جائزًا كاستئجار الظئر للإرضاع، قلنا: وهو مخالف لقوله ﷺ : «إن من السحت عسب التيس» رواه البخاري (١)، ومراده أخذ الأجرة عليه (٢). قال النووي الشافعي: اختلف العلماء في إجارة الفحل وغيره من الدواب للضراب، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور وآخرون: استئجاره لذلك باطل وحرام، ولا يستحق فيه عوض، ولو أنزاه المستأجر لا يلزمه المسمى من أجره ولا أُجرة مثل، ولا شيء من الأموال. قالوا: لأنه غرر مجهول وغير مقدور على تسليمه (٣). قال الماوردي الشافعي: فقد حكى ابن أبي هريرة اختلاف أصحابنا في معنى هذا النهي على وجهين: أحدهما: أن النهي عنه نهي تنزيه؛ لدناءته واتباع الجاهلية في فعله.

стр. 210

والثاني: أنه نهي تحريم - وهو الصحيح - لأن ذلك الماء مما تحرم المعاوضة عليه، ولا يصح أخذ البدَل عنه، والله أعلم (١). قال ابن قدامة الحنبلي: عَسْب الفحل: ضرابه، وبيعه: أَخْذ عوضه، وتسمى الأجرة عسب الفحل مجازًا، وإجارة الفحل للضراب حرام والعقد فاسد، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وحُكي عن مالك جوازه، قال ابن عقيل: ويحتمل عندي الجواز؛ لأنه عقد على منافع الفحل ونزوه، وهذه المنفعة مقصودة، والماء تابع والغالب حصوله عقيب نزوه فيكون كالعقد على الظئر ليحصل اللبن في بطن الصبي، ولنا ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع عسب الفحل. رواه البخاري، وعن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل. رواه مسلم، ولأنه مما لا يقدر على تسليمه، فأشبه إجارة الآبق، ولأن ذلك متعلق باختبار الفحل وشهوته؛ ولأن المقصود هو الماء، وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد، وهو مجهول، وإجارة الظئر خولف فيه الأصل لمصلحة بقاء الآدمي، فلا يقاس عليه ما ليس مثله. فعلى هذا إذا أعطى أجرة لعسب الفحل فهو حرام على الآخذ لما ذكرنا، ولا يحرم على المعطي؛ لأنه بذل ماله لتحقيق مباح يحتاج إليه (٢).

стр. 211

• من قال بجواز كراء عسب الفحل؟ قال بهذا القول المالكية، وهو وجه عند الشافعية (١) وآخر عند الحنابلة (٢). جاء في المدونة: قلت: أرأيتَ إن استأجرت فحلًا لإنزاء فرس أو حمار أو تيس أو بعير أو غير ذلك، أيجوز هذا في قول مالك أم لا؟ قال: قال مالك: إذا استأجره ينزيه أعوامًا معروفة بكذا وكذا، فهذا جائز، وإن استأجره ينزيه شهرًا بكذا وكذا، فذلك جائز، وإن استأجره ينزيه حتى تَعْلق الرَّمَكة فذلك فاسد لا يجوز. قلت: من أي وجه جوز مالك إجارة الفحل، قد بلغك أن بعض العلماء كرهوه، وذكروه عن النبي ﷺ وهذا من الغرر في القياس. قال: إنما جوزه مالك؛ لأنه ذكر أن العمل عندهم عليه، وأدرك الناس يجيزونه بينهم فلذلك جوزه مالك (٣).

стр. 212

• مسألة: هل يجوز إعارة الفحل؟ الجواب: نعم، إعارة الفحل جائزة بل ومندوب إليها، وفي حديث رسول الله ﷺ ما يدل على ذلك، ففي «صحيح مسلم» من حديث جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه « … قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: «إِطْرَاقُ فَحْلِهَا .... » (١)، وهذا الذي نص عليه الحديث، اتفق عليه أئمة المذاهب الأربعة ومن تابعهم (٢)، والحمد لله رب العالمين. • مسألة: هل يجوز أن يعطي صاحبُ الأنثى صاحبَ الفحل شيئًا على سبيل الهدية؟ الجواب: نعم يجوز، من باب أن صاحب الفحل فَعَل معروفًا، فجاز أن يجازى عليه - شريطة أن لا يكون ذلك مشروطًا أو بالاتفاق. دل على الجواز الحديث الذي أخرجه الترمذي في «سننه» من حديث أنس بن مالك أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِلَابٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُطْرِقُ الفَحْلَ فَنُكْرَمُ.

стр. 213

فَرَخَّصَ لَهُ فِي الكَرَامَةِ (١).

стр. 214

بيع الغرر من الكسب غير المشروع في دين الإسلام الذي ينبغي للتاجر المسلم أن يحذره ويتوقى شره - بيعُ الغرر، والغرر عنوان جامع لكثيرٍ من المعاملات المحرمة، فكل معاملة بيع قامت على أساس من التغطية والتعمية لأمر السلعة تدخل تحت بيع الغرر. قال أبو السعادات الجزري: هو ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول (١). وصور بيع الغرر كثيرة جدًّا، منها بيع السمك في الماء، وبيع الطير في الهواء أو بيع كرتونة طعام لا يدرى ما بداخلها من حيث الكم والنوع (٢)، كذلك بيع ثمر الأرض لمدة أعوام محددة. وغير ذلك، وهذا كله داخل تحت مسمى بيع الغرر لوجود الجهالة في المُثمن.

стр. 215

كذلك يندرج تحت بيع الغرر ما كانت فيه الجهالة في الثمن، كأن تقول: اشتريت منك هذا الكتاب بما في جيبي من النقود. هذا أيضًا داخلٌ في الغرر. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ (١)، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (٢). قال الإمام النووي: وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع؛ ولهذا قدمه مسلم ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع وبيع الحمل في البطن وبيع بعض الصبرة مبهمًا، وبيع ثوب من الأثواب وشاة من الشياة، ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة (٣).
следующие страницы →