• من قال بجواز كراء عسب الفحل؟
قال بهذا القول المالكية، وهو وجه عند الشافعية (١) وآخر عند الحنابلة (٢).
جاء في المدونة:
قلت: أرأيتَ إن استأجرت فحلًا لإنزاء فرس أو حمار أو تيس أو بعير أو غير ذلك، أيجوز هذا في قول مالك أم لا؟ قال: قال مالك: إذا استأجره ينزيه أعوامًا معروفة بكذا وكذا، فهذا جائز، وإن استأجره ينزيه شهرًا بكذا وكذا، فذلك جائز، وإن استأجره ينزيه حتى تَعْلق الرَّمَكة فذلك فاسد لا يجوز.
قلت: من أي وجه جوز مالك إجارة الفحل، قد بلغك أن بعض العلماء كرهوه، وذكروه عن النبي ﷺ وهذا من الغرر في القياس. قال: إنما جوزه مالك؛ لأنه ذكر أن العمل عندهم عليه، وأدرك الناس يجيزونه بينهم فلذلك جوزه مالك (٣).
стр. 212
• مسألة: هل يجوز إعارة الفحل؟
الجواب: نعم، إعارة الفحل جائزة بل ومندوب إليها، وفي حديث رسول الله ﷺ ما يدل على ذلك، ففي «صحيح مسلم» من حديث جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه « … قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: «إِطْرَاقُ فَحْلِهَا .... » (١)، وهذا الذي نص عليه الحديث، اتفق عليه أئمة المذاهب الأربعة ومن تابعهم (٢)، والحمد لله رب العالمين.
• مسألة: هل يجوز أن يعطي صاحبُ الأنثى صاحبَ الفحل شيئًا على سبيل الهدية؟
الجواب: نعم يجوز، من باب أن صاحب الفحل فَعَل معروفًا، فجاز أن يجازى عليه - شريطة أن لا يكون ذلك مشروطًا أو بالاتفاق.
دل على الجواز الحديث الذي أخرجه الترمذي في «سننه» من حديث أنس بن مالك أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِلَابٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُطْرِقُ الفَحْلَ فَنُكْرَمُ.
بيع الغرر
من الكسب غير المشروع في دين الإسلام الذي ينبغي للتاجر المسلم أن يحذره ويتوقى شره - بيعُ الغرر، والغرر عنوان جامع لكثيرٍ من المعاملات المحرمة، فكل معاملة بيع قامت على أساس من التغطية والتعمية لأمر السلعة تدخل تحت بيع الغرر.
قال أبو السعادات الجزري: هو ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول (١).
وصور بيع الغرر كثيرة جدًّا، منها بيع السمك في الماء، وبيع الطير في الهواء أو بيع كرتونة طعام لا يدرى ما بداخلها من حيث الكم والنوع (٢)، كذلك بيع ثمر الأرض لمدة أعوام محددة. وغير ذلك، وهذا كله داخل تحت مسمى بيع الغرر لوجود الجهالة في المُثمن.
стр. 215
كذلك يندرج تحت بيع الغرر ما كانت فيه الجهالة في الثمن، كأن تقول: اشتريت منك هذا الكتاب بما في جيبي من النقود. هذا أيضًا داخلٌ في الغرر.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ (١)، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (٢).
قال الإمام النووي:
وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع؛ ولهذا قدمه مسلم ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع وبيع الحمل في البطن وبيع بعض الصبرة مبهمًا، وبيع ثوب من الأثواب وشاة من الشياة، ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة (٣).
стр. 216
قال الثعلبي المالكي (١): يجمع بيع الغرر ثلاثة أوصاف:
أحدهما: تَعَذُّر التسليم غالبًا.
والثاني: الجهل.
والثالث: الخطر والقمار.
فأما ما يرجع إلى تعذر التسليم فكالآبق (٢)، والضالة والشارد، والمغصوب والطير في الهواء والسمك في الماء، وبيع الأجنحة واستثنائها، وحبل الحبلة وهو نتاج ما تنتج الناقة، والمضامين. وهي ما في ظهور الفحول.
وأما ما يرجع إلى الجهل فيتنوع: فمنه الجهل بجنس المبيع كقوله: بعتك ما في كمي، أو ما في صندوقي أو ما في يدي، ومنه ما يرجع إلى الجهل بصفاته كقوله: بعتك ثوبًا في بيتي أو فرسًا في إصطبلي ومنه الجهل بالثمن في جنسه أو مقداره أو أجله، مثل أن يقول: بعتك بما يخرج به سعر اليوم، أو بما يبيع به فلان متاعه، أو بما يحكم به زيد. ومنه البيعتان في بيعه وهو قوله: بعتك هذا الثوب بعشرة نقدًا أو بخمسة عشر إلى أجل على أنه قد وجب بأحد الثمنين، ومنه
стр. 217
بيع اللحم في جلده والحنطة في تبنها، ومنه شرط الخيار الممتد، والأجل المجهول نحو قدوم زيد وموت فلان، وما أشبه ذلك.
وأما الخطر فبيع ما لا ترجى سلامته كالمريض في السياق، وما لا يدرى أيسلم أم يتلف ولا ظاهر ولا أمارة تغلب على الظن معهما سلامته، كبيع الثمرة قبل بُدُو صلاحها، وأما القمار فكبيع الملامسة، وهو أن يلمس الرجل الثوب فيلزمه البيع بلمسه ولم يبينه، وبيع المنابذة هو أن ينبذ أحدهما ثوبًا إلى الآخر وينبذ الآخر ثوبه إليه فيجب البيع بذلك، ومنه بيع الحصاة، وصفته أن تكون بيده حصاة فيقول: إذا سقطت من يدي فقد وجب البيع. وقيل: تكون ثياب عدة فيقول: على أيهما سقطت الحصاة فقد وجب البيع، ومنه المزابنة (١)، وقد ذكرناها.
وهذه كلها بيوع الجاهلية وكثير منها ما يتداخل فيجتمع الجهل وتعذر التسليم كالآبق والشارد، فإن انضم إلى ذلك جهل بالثمن أو بالأجل تأكد الغرر لكثرة أسبابه (٢).
стр. 218
• مسألة: هل استثنى العلماء من التحريم بعض صور الغرر؟
الجواب: نعم قد استثنى العلماء من الغرر ما دعت الحاجةُ إليه، كبيع الدار بأساسها، فلا شك أن الأساس غير معلوم ولكن يصعب اشتراط رؤيته، وكذلك الوسائد المحشوة بالقطن، القطن فيها غير معلوم ويصعب رؤيته، ونظائر هذا كثيرة.
قال النووي:
أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منها أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم يُرى حشوها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز، وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهرًا مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يومًا وقد يكونُ تسعة وعشرين، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم، وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين (١).
стр. 219
هل يجوزُ بيع السلع التجارية اعتمادًا على الصفة عند تعذر عرضها كاملة للمشتري؟
أقول وبالله التوفيقُ هذه المسألة منتشرة وكثر السؤال عنها، فتجد كثيرًا من المحلات، خاصة محلات الملابس والمفروشات إذا ذهب المشتري إليها فإنها لا تعرض السلعة أمامه ليعاينها تعيينًا تامًّا، وإنما تبيعها في غلافها معتمدة على الوصف المكتوب في الورقة التي أُلصقت بها، مما يدفع بعض الناس إلى سؤال وهو: هل هذا من بيع الغرر المنهي عنه أو لا؟
والجواب على هذا السؤال يتمثل فيما يلي: هذه المسألة راجعة لمسألة أخرى تكلم عليها العلماء في كتب الفقه، وهي مسألة: هل يجوز بيع العين الغائبة على الوصف أو لا؟
• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
الأول: يجوز، وهو قول الحنفية (١) والمالكية ورواية الحنابلة.
стр. 220
الثاني: لا يجوز، وهو قول الشافعية وقول الإمام أحمد.
ولكلٍّ من أصحاب هذين القولين دليله، والقائلون بالجواز (١) يرون أنه ليس من الغرر؛ إذ أن المشتري لو وجد السلعة مخالفة للوصف فله حق الخيار في إنفاذ البيع من عدمه، وأيضًا الضرورة دعت إلى ذلك، فهنالك أشياء يشق على البائع عرضها كاملة كأثواب القماش والمطعومات المعلبة وغير ذلك، ثم إن الإمام مالك حكى أنه وجد الناس يتعاملون بذلك ويجيزونه وسيأتي، أما القائلون بالبطلان وعدم الجواز، فيجعلونه من باب البيع بالغرر، وتقدم ذكر النهي عن بيع الغرر.
• وإليك أقوال الأئمة ﵏:
قال الكاساني (الحنفي):
وأما العلم بأوصاف المبيع والثمن فهل هو شرط لصحة البيع بعد العلم بالذات، والجهل بها هل هو مانع من الصحة؟ قال أصحابنا: ليس بشرط الصحة، والجهل بها ليس بمانع من الصحة لكنه شرط اللزوم فيصح بيع ما لم يره المشتري لكنه لا يلزم، وعند الشافعي: كون المبيع معلوم الذات والصفة من شرائط الصحة حتى لا يجوز بيع ما لم يره المشتري عنده.
стр. 221
قال الإمام مالك:
وبيع الأعدال (١) على البرنامج (٢) مخالف لبيع الساج (٣) في جرابه والثوب في طيه وما أشبه ذلك، فَرْقُ بين ذلك الأمر المعمول به، ومعرفة ذلك في صدور الناس، وما مضى من عمل الماضين فيه، وأنه لم يزل من بيوع الناس الجائزة، والتجارة بينهم التي لا يرون بها بأسًا؛ لأن بيع الأعدال على البرنامج على غير نشر لا يراد به الغرر، وليس يشبه الملامسة (٤).
جاء في المدونة: وقول مالك في الرجل يقدم له أصناف من البز فيحضره السوام، ويقرأ عليهم برنامجه، ويقول: في عدل كذا وكذا ملحفة بصرية، وكذا وكذا رايطة سابرية وذرعها كذا وكذا، فيسمى أصناف تلك البزوز لهم بأجناسه وذرعه وصفاته، ثم يقول: اشتروا على هذا، فيشترون، ويخرجون الأعدال على ذلك، فيفتحونها فيشتغلون ويبرمون أن ذلك لهم إذا كان موافقًا للبرنامج الذي باعه عليه.
стр. 222
قال: قال مالك: فهذا لم يزل الناس يجيزونه بينهم إذا لم يكن المتاع مخالفًا لصفة البرنامج فكفى بقول مالك حجة، فكيف وقد أخبر أنه فِعل الناس مع ما ذكر من الآثار في ذلك؟ (١).
قال النووي الشافعي:
(فرع) في مذاهب العلماء في بيع العين الغائبة، قد ذكرنا أن أصح القولين في المذهب بطلانه وبه قال الحكم وحماد، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وابن المنذر وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم يصح، نقله البغوي وغيره عن أكثر العلماء، قال ابن المنذر: فيه ثلاثة مذاهب عن الشافعي: الأول: أنه لا يصح، والثاني: يصح البيع إذا وصفه وللمشتري الخيار إذا رآه، سواء كان على تلك الصفة أم لا، وهو قول الشعبي والحسن والنخعي والثوري، وأبي حنيفة وغيرهم من أهل الرأي، والثالث: يصح البيع وللمشتري الخيار إن كان على غير ما وصف وإلا فلا خيار، قاله ابن سيرين وأيوب السختياني ومالك وعبيد الله بن الحسن وأبو ثور وابن نصر، قال ابن المنذر: وبه أقول (٢).
стр. 223
قال ابن قدامة الحنبلي:
وإذا وصف المبيع للمشتري فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلم، صح بيعه في ظاهر المذهب، وهو قول أكثر أهل العلم، وعن أحمد لا يصح حتى يراه؛ لأن الصفة لا تحصل بها معرفة البيع فلم يصح البيع بها كالذي لا يصح السلم فيه، ولنا أنه بيع بالصفة فصح كالسلم، ولا نُسلم أنه لا تحصل به معرفة المبيع فإنها تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهرًا (١).
الحاصل: أن العلماء يرحمهم الله اختلفوا في مسألة البيع بالصفة دون الرؤية على قولين: الراجح فيهما والله أعلم قول الجمهور القائلين بالجواز، إذ أن هذا هو الموافق للقواعد الكلية من الشريعة والمشقة تجلب التيسير، فالضرورة والحاجة تدعو إلى ذلك، فليس بمعقول أن يقال لبائع السمن: افتح صفيحة السمن أولًا كي يراها المشتري. فماذا لو لم تعجبه، كيف يردها البائع على حالتها الأولى، أليس هذا مما يضر بالسلعة نفسها؟ ويقوي هذا القول أمران:
أولهما: ما نقله مالك من أنه وجد الناس يتعاملون بهذه المعاملة ويجيزونها. ثانيهما: أن القائلين بهذا القول قالوا: بأنه إذا وجد السلعة على غير ما وصفت له، فله ردها للبائع، هذا والله أعلم.
стр. 224
لا تبع ما ليس عندك
من الأمور المنهي عنها أن يبيع الرجل ما لا يملك، أو ما ليس عنده، وقد دل على ذلك جملة أخبار عن نبينا محمد ﷺ .
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضى الله عنه، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ فَقَالَ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» (١).
وعن ابن عباس ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا اشْتَرَى أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ (٢).
وعن ابن عمر ﵁ عن النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ
لا تبع الزرع في الأرض قبل بدو صلاحه (نضجه)
نهى النبي ﷺ التجار والزراع أن يبيعوا الثمار قبل بدو صلاحها، أي قبل أن تطيب وتصلح للأكل، وفي هذا حِرص من الشرع على دوام المحبة والألفة والإخاء بين المسلمين، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يُحدث الفُرقة بينهم، فلو أنه تعاقد البائع والمشتري على نوع من الثمار وهو ما زال في الأرض لم ينضج بعد، فلربما جاءت آفة من السماء، تصيب الثمر، فيخسر المشتري ماله الذي دفعه، ولربما ينضج الثمر ويحلو في عين البائع ويجد البائع أن سعره قد ارتفع عن يوم التعاقد، فيحدث في نفسه من المشتري شيئًا، مما يؤدي إلى التباغض؛ لذا فإن الإسلام قد نهى عن هذا كله، فعن ابن عمر ﵁ قال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا (١)، ومثل هذا الخبر ورد عن جابر أيضًا (٢)، وعن
стр. 227
أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ (١).
وعن أنس بن مالك ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ. قِيلَ: وَمَا يَزْهُو؟ قَالَ: «يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ» (٢)، وعن أبي البختري الطائي، قال: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، قَالَ: نَهَى النَّبِي ﷺ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُوكَلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ (٣).
وعن ابن عمر ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ» (٤).
وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ، وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إِلَّا العَرَايَا (٥).
وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يتعدى كل هذه النصوص النبوية الصحيحة ليوقع نفسه في المحرم، ويأسرها بالمعصية.
стр. 228
قال ابن قدامة:
لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يشتريها بشرط التبقية (١)، فلا يصح البيع إجماعًا (٢)؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع. متفق عليه (٣)، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث.
القسم الثاني: أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح بالإجماع؛ لأن المنع إنما كان خوفًا من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها، بدليل ما روى أنس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّه الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» رواه البخاري (٤)، وهذا مأمون فيما يقطع، فصح بيعه كما لو بدا صلاحه.
стр. 229
القسم الثالث: أن يبيعها مطلقًا ولم يشترط قطعًا ولا تبقية، فالبيع باطل، وبه قال مالك والشافعي وأجازه أبو حنيفة؛ لأن إطلاق العقد يقتضي القطع، فهو كما لو اشترطه، قال: ومعنى النهي أن يبيعها مدركة قبل إدراكها، بدلالة قوله: «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ» فلفظة المنع تدل على أن العقد يتناول معنىً هو معقودٌ في الحال يتصور المنع، ولنا [القائل: ابن قدامة] أن النبي ﷺ أطلق النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، فيدخل فيه محل النزاع (١).
مسألة: رجلٌ يريدُ أن يبيع أرضه بما فيها من زرع فما الحكم حيث أن الثمر لم يظهر صلاحه بعد؟
الجواب: هذه المسألة على خلاف ما قد سبق، فلا يضر هنا احتمال الغرر وذلك للحاجة الداعية إلى ذلك، كما أنه تحتمل جهالة أساس الدار، وجهالة بيع اللبن في الضرع مع بيع الشاة.
ثم إن المسألة فيها نص عن النبي محمد ﷺ ، فعن ابن عمر ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ (٢)، فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ
стр. 230
عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» (١)، قوله ﷺ : «إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ» فيه دليل على أن المشتري له أن يشترط الثمر لنفسه، وقد حكى ابن قدامة الإجماع على جواز هذا فقال: وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يبيعها مفردة لغير مالك الأصل، فهذا الضرب الذي ذكرنا حكمه وبيان بطلانه.
الثاني: أن يبيعها مع الأصل فيجوز بالإجماع؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (٢)، وَلِأَنَّهُ إذَا بَاعَهَا مَعَ الْأَصْلِ حَصَلَتْ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ، فَلَمْ يَضُرَّ احْتِمَالُ الْغَرَرِ فِيهَا، كَمَا احْتَمَلَتْ الْجَهَالَةُ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ بَيْعِ الشَّاةِ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ مَعَ التَّمْرِ، وَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ فِي بَيْعِ الدَّارِ ..
الثَّالِثُ: أَنْ يَبِيعَهَا مُفْرَدَةً لِمَالِكِ الْأَصْلِ، نَحْوُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَائِعِ وَلَا يَشْتَرِطُهَا الْمُبْتَاعُ، فَيَبِيعَهَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ يُوصِيَ لِرَجُلٍ بِثَمَرَةِ نَخْلَتِهِ، فَيَبِيعَهَا لِوَرَثَةِ الْمُوصِي، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَهُوَ
الغش التجاري
من المصائب التي ظهرت في زماننا بين التجار انعدام الأمانة حتى أن الثقة أصبحت منعدمة بين جُلِّ البائعين والمشترين، فإذا أراد الرجل أن يشتري شيئًا فكَّر واستشار وبحث عن الأمين، وما هذا إلا لندرة الأمناء الذين لا يلجئون إلى صور الغش والمخادعة في تجاراتهم، وصدق رسول الله محمد ﷺ لما حدَّث عن رفع الأمانة فقال: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ فَيُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلاً أَمِينًا وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» (١).
стр. 233
وإن كان حذيفة صاحب رسول الله ﷺ قال: وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ (١) لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ الإِسْلَامُ وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلاَّ فُلَانًا وَفُلَانًا (٢).
فماذا نقول نحن؟! إن الغش التجاري انتشر في هذه الآونة بصورة مذهلة، بل وأصبحت له طرائق متعددة كلها تدور حول مخادعة الآخر وكتمان عيب السلعة، والنبي ﷺ هو القائل: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (٣).
الذي يغش الناس في البيع والشراء إنما هو آكل لأموال الناس بالباطل، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾] النساء [.
وفي هذه الآية إشارة إلى أن أكل مال المسلم عن غير تراض هو أكل لماله بالباطل، والغش والتدليس ينافيان التراضي.
стр. 234
الغش من صفات اليهود، فلقد قال رسول الله ﷺ : «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا» (١)، ومعنى جملوها، أي أذابوها.
حذر النبي محمد ﷺ من الغش في البيع والشراء ففي الصحيحين أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ». قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَىْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى» (٢).
والتجارة التي تقوم على الغش ممحوقة البركة، وقد صدق رسول الله محمد ﷺ إذ قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (٣).
قال ابن حجر الهيتمي: وضابط الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائعٍ أو مشترٍ فيها شيئًا لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل، فيجب عليه أن يعلمه به ليدخل في أخذه على بصيرة (٤).
стр. 235
• بعض صور الغش في التجارة:
التلاعب بالموازين سواء كان ذلك بالتطفيف أو بإفساد مؤشر الميزان أو بوضع معدن أسفل الكفة التي توضع عليها البضاعة وغير ذلك مما ابتكره الغشاشون.
إبدال وعاء السلعة الخفيف بوعاء ثقيل وذلك في السلع التي تباع معلبة، بحيث يثقل الوزن.
بعض بائعي الفواكه والخضروات يضعون في نهاية القفص المعد للسلعة ورقًا كثيرًا، ثم يجعلون أفضل وأجود الفاكهة أعلى القفص، وبهذا يُخدع المشتري من جهتين، الجهة الأولى: أنه يظن أن الفاكهة كلها بنفس الجودة، والجهة الثانية: أنه يظن أن القفص ممتلئ كله.
الغشاشون من تجار الملابس يأتون بالملابس المستعملة ثم يغسلونها ويقومون بكيها مستخدمين مادة النشا في الكي مما يوهم المشتري أنها ملابس جديدة قوية.
في تجارة الأغنام والمواشي يعمد بعض التجار ممن لا خلاق لهم إلى تغذيتها بالذرة أو طعام مالح آخر لتشرب الكثير من الماء لعرضها للبيع فينتفخ جانبيها فيحسبها المشتري تحمل لحمًا كثيرًا وهي ليست كذلك، ومنهم من يمتنع عن حلب بهيمته عددًا من المرات فيمتلئ ضرعها لبنًا فيظهر للمتشري أنها حلوب، ومنهم من لا يبيع الماشية إلا أثناء حملها ليُخفي بذلك عيبًا فيها.
стр. 236
في مجال تجارة السيارات المستعملة تجد عجبًا، فمن تجار السيارات من يأتي بالسيارة الممتهنة فيحسن سمكرتها ويصلح ما في ماكينتها من عطب ثم يرشها بالبوية، وعند بيعها لا يُظهر ذلك كله للمشتري لينال بذلك مبلغًا كبيرًا، ولو علم المشتري ماذا حدث بهذه السيارة، وكيف كانت لما دفع له، ومنهم من يعمد إلى عداد الكيلو في السيارة الذي يدل على أنها سارت كثيرًا فينقصه بحيلة، ليتوهم المشتري أنها لم تسر إلا قليلًا.
في أوساط تجار الذهب تجد غشاشين أيضًا، فمنهم من يخلط الذهب بالنحاس ويعرضه للبيع على أنه كله ذهب، ومنهم من يعمد إلى شراء الذهب المستعمل النظيف ليبيعه دون صياغة، ويكتم أنه مستعمل ويأخذ مِصنَاعِية الذهب الجديد.
بعض تجار العطور يبيعون زجاجة العطر على أنها كلها خام، وغالب ما فيها زيت.
السماسرة المخادعون خاصة المهنيون، فقد تأتي بسباك أو كهربائي أو نجار أو نقاش لبيتك ثم توكله ليشتري لك المؤن والخامات فإذا به يتفق مع التاجر ليأتي لك بفاتورة مغايرة من حيث السعر الحقيقي ليستفيد هو بالفارق المالي، وهذا غش وخيانة من التاجر والصانع.
стр. 237
في محلات الأزياء وكذا السجاد والمفروشات يستخدم بعضهم الأضواء الخافتة بألوانها المختلفة، كذلك يستخدمون أشعة الليزر لإظهار القبيح حسنًا.
كذلك من صور الغش والاحتيال:
التلاعب في ماركة السلعة، فيأتي هذا الرجل الغاش للناس فيصنع جهازًا أو يقوم بتعبئة سلعة من السلع ثم يلصق على كارتونة الجهاز أو على وعاء السلعة علامة ماركة عالمية مشهورة؛ لينخدع الناس فيُقبِلون على جهازه أو سلعته.
هذا الذي ذكرت إشارة إلى بعض صور الغش التجاري إجمالًا، وما لم أذكر أكثر مما ذكرت وسأفصل القول في بعض طرائق الغش المحرمة فيما يلي.
• التطفيف في الميزان:
نزلت سورةٌ في كتاب الله تعالى تحذر من التطفيف في الميزان، قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾] المطففين: ٢ [.
والتطفيف: هو التلاعب في الموازين ومنع صاحب الحق من حقه، فمن البائعين من إذا اكتال لنفسه وفاها حقها، وإذا كال لغيره بخسه حقه، فتجد بعض الجزارين مثلًا يزن مع اللحم عظمًا وشحمًا
стр. 238
أضعاف ما يزن من اللحم، أو يلعب في عداد الميزان أو يضع ورقة سميكة أعلى الكفة ليزن عليها اللحم وغير ذلك.
إن تطفيف الميزان شأنه عند الله عظيم، ولنا في مدين قوم شعيب عبرة، قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾] هود: ٨٥ [.
لقد حثنا رسول الله ﷺ إذا وزنا لإخواننا شيئًا أن نوفِّيهم حقهم فقال رسول الله ﷺ : «إِذَا وَزَنْتُمْ فَأَرْجِحُوا» (١)، وليتق الله التجار وليعلموا أن الحقوق إن لم تؤدى في الدنيا فهي مؤداة في الآخرة، نسأل الله السلامة والعافية.
• تأجير بعض الأفراد ليتظاهروا بالشراء ثم يقومون برفع ثمن السلعة ليقع فيها غيرهم (التناجش):
وهذا من سوء الخلق وقلة الدين، ولقد حذر النبي ﷺ من هذه الخديعة، وهو المعبر عنه في السنة بمصطلح التناجش،
стр. 239
والتناجش هو: (أن يزيد في السلعة ولا رغبة له في شرائها بل ليغُرَّ غيره في شرائها) (١).
عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ : «نَهَى عَنِ النَّجْشِ» (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» (٣).
وعن عمرو بن مهاجر أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِبَعَثَ عميرة بْنَ يزِيد الْفِلَسْطِينِيَّ يَبِيعُ السَّبْيَ فِيمَنْ يَزِيدُ، فَلَمَّا فَرَغَ جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: عُمَرُ: كَيْف كَانَ الْبَيْعُ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ كَاسِدًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْلَا أَنِّي كُنْتُ أَزِيدَ عَلَيْهِمْ فَأُنْفِقُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: كُنْتُ تَزِيدُهُ عَلَيْهِمْ، وَلَا تُرِيدُ أَنْ تَشْتَرِيَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ عُمَرُ هَذَا النَّجْشُ لَا يَحِلُّ، ابْعَثْ يَا عميرة مُنَادِيًا يُنَادِي أَلَا إنَّ الْبَيْعَ مَرْدُودٌ إِنَّ النَّجْشَ لَا يَحِلُّ (٤).
قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله،
стр. 240
واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، فذهب أهل الظاهر إلى أن البيع في النجش مفسوخ؛ لأنه طابق النهي ففسد، وقال مالك: المشتري بالخيار وهو عيب من العيوب، وحجته أن النبي ﷺ نهى عن التصرية (١)، ثم يجعل المشتري بالخيار إذا علم أنها مصراة، ولم يقض بفساد البيع، ومعلومة أن التصرية غش وخديعة، فكذلك النجش يصح فيه البيع ويكون المشتري بالخيار، وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: البيع في النجش لازم ولا خيار للمبتاع في ذلك؛ لأنه ليس بعيب في نفس البيع، وإنما هي خديعة في الثمن، وقد كان على المشتري أن يتحفظ ويحضر من يميز إن لم يكن ممن يميز (٢).
• الاعتماد على الحلف الكاذب:
بعض الناس يعتمدون في مخادعة الناس على الأيمان، فهم يروجون تجاراتهم بالحلف الكاذب، فمنهم من يقول والله هذه السلعة عليَّ بكذا، ومنهم من يقول: والله لقد عرض لي فيها كذا، ومنهم من يقول: والله هذا الثمن لم يوفِّ حقها، وهكذا، وهذا كله يضر بالمسلم، ويشينه بين يدي ربه .
قال الله : ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلَا تَشْتَرُوا
стр. 241
بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾] النحل: ٩٥ [.
قال ابن كثير: حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلًا أي خديعة ومكرًا؛ لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به، لم يبق له وثوق بالدين، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام؛ ولهذا قال: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤].
ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أي: لا تعتاضوا عن الأيمان بالله عَرَض الحياة الدنيا وزينتها، فإنها قليلة، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له (١).
عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» (٢).
والمقصود باليمين الغموس، الحلف الكاذب، وسميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في النار.
стр. 242
عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ» (١).
وفي رواية: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالاً وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (٢).
عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (٣).
عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ أَنَّ رَجُلاً أَقَامَ سِلْعَةً وَهُوَ فِي السُّوقِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ (٤).
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلاَّ
стр. 243
لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ» (١).
• حبس اللبن في ضروع البهائم حتى تظهر ممتلئة باللبن فيغتر بها المشتري:
هذا الأمر من صور الغش القديمة والتي ما زالت فاشية حتى الحين ولقد نهى عنها النبي الكريم محمد ﷺ حيث قال: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ» (٢).
ومعنى قوله ﷺ : «لا تصروا» أي لا تحبسوا اللبن في ضروع الإبل أو الغنم وتمسكونها عن الحلب حتى تظهر أمام المشتري أنها مليئة باللبن.
وعنه ﷺ أنه قال: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ (٣)، وَلَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ
стр. 244
وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» (١).
فحبس اللبن في ضرع الدابة تدليس وغش فضلًا عن أن فيه تعذيب للدابة وقد أمر الله بالإحسان إليها.
стр. 245
أخذ العربون
مما هو ذائع بين كثير من التجار اليوم أَخْذ العربون، وصورته أن يتفق المشتري مع البائع على شراء سلعة معينة ثم يدفع له جزءًا من المال على أنه إن تم البيع احتسب من الثمن، وإن لم يتم كان للبائع ولا يرد منه شيء (١).
قال الأصمعي: العربون أعجمي معرب (٢).
قال مالك: (العربون) أن يشتري الرجلُ العبدَ أو الوليدة أو يتكارى الدابة ثم يقول للذي اشترى منه أو تكارى منه: أعطيك دينارًا أو درهمًا أو أكثر من ذلك أو أقل على أني إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك لك (٣).
стр. 246
سؤال: هل ورد في الباب دليل صحيح صريح؟
لم يرد في الباب سوى دليل واحد صريح إلا أنه ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ ونصه: «نهى النبي ﷺ عن بيع العربان» (١).
стр. 247
• حكم أخذ العربون:
اختلف أهل العلم في أخذ العربون على قولين:
القول الأول: عدم الجواز وهو قول الجمهور، فبه قال الحنفية والمالكية والشافعية، وهي إحدى الروايات عن أحمد، ونُقل هذا القول عن الثوري والأوزاعي والليث بن سعد.
стр. 248
القول الثاني: الجواز، وهو المشهور عند الحنابلة.
• أدلة أصحاب القول الأول (القائلين بعدم الجواز):
١ - استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩].
٢ - حديث نهي النبي ﷺ عن بيع العربان (١).
٣ - أن العربون اشتراط للبائع بغير عوض.
• أدلة أصحاب القول الثاني (القائلين بالجواز):
١ - أثر عبد الرحمن بن فروخ قال: إن نافع بن عبد الحارث اشترى لعمر من صفوان بن أمية دار السجن بأربعة آلاف، فإن رضي عمر ﵁، فالبيع جائز، وإن لم يرضى فلصفوان أربع مئة درهم (٢).
стр. 249
٢ - أثر زيد بن أسلم: أن النبي ﷺ أحل العربان في البيع (١).
٣ - عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: كان لا يرى بالعربون بأسًا (٢).
هذا وثَم أثار أخرى.
٤ - القياس على أنه لا بأس إذا كره المشتري السلعة أن يردها ويرد معها شيئًا.
• من أقوال الفقهاء في المسألة (القائلون بالتحريم):
قال مالك: وذلك فيما نوى والله أعلم أن يشتري الرجلُ العبد أو الوليدة أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشتراه منه أو تكارى منه: أُعطيك دينار أو درهمًا، أو أكثر من ذلك أو أقل على أني إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك، فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة،
стр. 250
أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك لك، باطل بغير شيء.
قال أبو عمر: على قول مالك هذا جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين، منهم الشافعي والثوري وأبو حنيفة (١) والأوزاعي والليث؛ لأنه من بيع القمار والغرر والمخاطرة وأكل المال بغير عوض ولا هبة، وذلك باطل (٢).
قال النووي: ولا يصح بيع العربون بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهبة (٣).
قال أيضًا: في مذاهب العلماء في بيع العربون قد ذكرنا أن مذهبنا بطلانه، إن كان الشرط في نفس العقد، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس، والحسن، ومالك، وأبي حنيفة، قال: وهو يشبه قول الشافعي (٤).