سؤال: هل ورد في الباب دليل صحيح صريح؟
لم يرد في الباب سوى دليل واحد صريح إلا أنه ضعيف لا يثبت عن النبي ﷺ ونصه: «نهى النبي ﷺ عن بيع العربان» (١).
стр. 247
• حكم أخذ العربون:
اختلف أهل العلم في أخذ العربون على قولين:
القول الأول: عدم الجواز وهو قول الجمهور، فبه قال الحنفية والمالكية والشافعية، وهي إحدى الروايات عن أحمد، ونُقل هذا القول عن الثوري والأوزاعي والليث بن سعد.
стр. 248
القول الثاني: الجواز، وهو المشهور عند الحنابلة.
• أدلة أصحاب القول الأول (القائلين بعدم الجواز):
١ - استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩].
٢ - حديث نهي النبي ﷺ عن بيع العربان (١).
٣ - أن العربون اشتراط للبائع بغير عوض.
• أدلة أصحاب القول الثاني (القائلين بالجواز):
١ - أثر عبد الرحمن بن فروخ قال: إن نافع بن عبد الحارث اشترى لعمر من صفوان بن أمية دار السجن بأربعة آلاف، فإن رضي عمر ﵁، فالبيع جائز، وإن لم يرضى فلصفوان أربع مئة درهم (٢).
стр. 249
٢ - أثر زيد بن أسلم: أن النبي ﷺ أحل العربان في البيع (١).
٣ - عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: كان لا يرى بالعربون بأسًا (٢).
هذا وثَم أثار أخرى.
٤ - القياس على أنه لا بأس إذا كره المشتري السلعة أن يردها ويرد معها شيئًا.
• من أقوال الفقهاء في المسألة (القائلون بالتحريم):
قال مالك: وذلك فيما نوى والله أعلم أن يشتري الرجلُ العبد أو الوليدة أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشتراه منه أو تكارى منه: أُعطيك دينار أو درهمًا، أو أكثر من ذلك أو أقل على أني إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك، فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة،
стр. 250
أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك لك، باطل بغير شيء.
قال أبو عمر: على قول مالك هذا جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين، منهم الشافعي والثوري وأبو حنيفة (١) والأوزاعي والليث؛ لأنه من بيع القمار والغرر والمخاطرة وأكل المال بغير عوض ولا هبة، وذلك باطل (٢).
قال النووي: ولا يصح بيع العربون بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة وإلا فهبة (٣).
قال أيضًا: في مذاهب العلماء في بيع العربون قد ذكرنا أن مذهبنا بطلانه، إن كان الشرط في نفس العقد، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس، والحسن، ومالك، وأبي حنيفة، قال: وهو يشبه قول الشافعي (٤).
стр. 251
القول بالجواز:
قال ابن قدامة المقدسي: والعربون في البيع هو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع درهمًا أو غير على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع، يقال: عربون أو أربون وعربان وأربان، قال أحمد: لا بأس به (١).
الراجح: كما هو واضح رأي الجمهور لا يُحلونه وأحمد يخالف في ذلك، والخبر المرفوع في الباب لا يثبت، إلا أن قول الجمهور أقرب للصواب لما في هذا البيع من أكل المال بغير عوض ولا هبة، وإنما مخاطرة من المشتري، والله أعلى وأعلم.
ومما ينبغي أن ينبه عليه أن الحرمة إنما هي خاصة بالصورة التي بينتها في بداية المسألة وإلا فهنالك صور أخرى، نختار فيها القول بالجواز كعقود الإستصناع مثلًا، والله الموفِق والهادي إلى طريق الرشاد.
стр. 252
مسائل متعلقه بالمال الحرام
стр. 253
كيف يُتخلص من المال الحرام الذي لا يُعرف له مالك
إذ كان لزامًا على كل مَنْ ملك مالًا حرامًا لا يحل له أن يرده إلى صاحبه إن عرفه لحديث رسول الله ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» (١)، فكيف بمن عند مال حرام لا يعرف مالكه الحقيقي، كأن يكون جمعه من رِشًا كان تلقاها في مصلحة حكومية، أو كان قد اكتسبه من عمل محرم كالغناء والرقص وشهادة الزور والتعامل بالربا؟
هذا، الذي حصل مالًا محرمًا لا يعرف صاحبه، أو اكتسبه من عمل محرم يجب عليه أن يتنزه ويتخلص منه، ويكون هذا بأن ينفقه في مصالح المسلمين أو يتصدق به عن صاحبه الذي لا يعرفه على الفقراء والمساكين على الصحيح من قولي أهل العلم.
стр. 254
• أقوال أهل العلم في المسألة:
الأول: ينفق في مصالح المسلمين ويتصدق به على الفقراء والمساكين وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية.
١ - قول الأحناف ﵏:
قال صاحب تنوير الأبصار في فقه أبي حنيفة:
عليه ديون ومظالم جهل أربابها وآيس من معرفتهم، فعليه التصدق بقدرها من ماله وإن استغرقت جميع ماله (١).
قال الحصكفي في «الدر المختار»: هذا مذهب أصحابنا - يقصد ما ذكره صاحب «تنوير الأبصار» - لا نعلم بينهم خلافًا (٢).
قال ابن عابدين: كأنه والله تعالى أعلم لأنه بمنزلة المال الضائع، والفقراء مصرفه عند جهل أربابه، وبالتوبة يسقط إثم الإقدام على الظلم (٣).
стр. 255
٢ - قول المالكية ﵏:
قال ابن عبد البر: واختلفوا فيما يفعل بما غُل إذا افترق أهل العسكر ولم يصل إليهم: فقال جماعة من أهل العلم: يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، وهذا مذهب الزهري، ومالك، والأوزاعي، والليث، والثوري، وروى ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية بن أبي سفيان والحسن البصري وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس لأنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يُعرف صاحبه، وذكر بعض الناس عن الشافعي أنه كان لا يرى الصدقة بالمال الذي لا يعرف صاحبه، وقال: كيف يتصدق بمال غيره؟ (١)، وهذا عندي معناه فيما يمكن وجود صاحبه والوصول إليه أو إلى ورثته (٢).
قال القرافي: الأموال المحرمة من الغصوب وغيرها، إذا علمت أربابها رُدت إليهم، وإلا فهي من أموال بيت المال، تُصرف في مصارفها الأولى فالأولى من الأبواب والأشخاص على ما يقتضيه نظر الصارف من الإمام أو نوابه أو من حصل ذلك عنده من المسلمين، فلا تتعين الصدقة، قد يكون الغزو أولى في وقت أو بناء جامع أو قنطرة، فتُحرم الصدقة لتعيين غيرها من المصالح، وإنما يذكر
стр. 256
الأصحاب الصدقة في فتاويهم في هذه الأمور؛ لأنها الغالب (١).
هذا وقد جاء عن مالك ما يفيد بجواز الصدقة بالمال الذي لا يُعرف صاحبه، قال ابن رشد: سئل مالك عن الذي يوصى لرجل بدين فَيُطلب فلا يوجد ولا يُعرف، قال: يتصدق به. قال مالك: ويقول: اللهم عن فلان (٢).
٣ - قول بعض الشافعية ﵏:
قال النووي: قال الغزالي: إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءَة منه - فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتًا وجب دفعه إلى وارثه، وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة كالقناطر والرُّبُط والمساجد ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به (٣).
قال النووي معلقًا على كلام الغزالي: وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب، وهو كما قالوه (٤).
стр. 257
٤ - قول الحنابلة ﵏:
قال ابن مفلح: واختار شيخنا فيمن كسب مالًا حرامًا برضا الدافع ثم تاب كثمن خمر ومهر بغيٍّ وحلوان كاهن - أن له ما سلف .... قال أيضًا: لا ينتفع به، ولا يرده لقبضه عوضه، ويتصدق به، كما نص عليه أحمد في حامل الخمر، وقال في مال مكتسب من خمر ونحوهِ: يتصدق به، فإذا تصدق به، فللفقير أكله ولولي الأمر أن يعطيه أعوانه. وقال أيضًا فيمن تاب: إن علم صاحبه دفعه إليه، وإلا صرفه في مصالح المسلمين (١).
قال ابن قدامة المقدسي: فصل: إذا تاب الغالُّ قبل القسمة رد ما أخذه في المقسم بغير خلاف؛ لأنه حقٌّ تعين رده إلى أهله، فإن تاب بعد القسمة فمقتضى المذهب أن يؤدي خمسه إلى الإمام ويتصدق بالباقي، وهذا قول الحسن والزهري، ومالك والأوزاعي والثوري والليث (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مسألة: في الأموال التي يجهل مستحقيها مطلقًا أو مبهمًا، فإن هذه عامة النفع؛ لأن الناس قد يحصل في أيديهم أموال يعلمون أنها محرمة لحق الغير، إما لكونها قُبضت ظلمًا كالغصب وأنواعه من الجنايات، والسرقة والغلول، وإما لكونها قُبضت بعقد فاسد من ربا أو ميسر، ولا يعلم عين المستحق لها، وقد
стр. 258
يعلم أن المستحق أحد رجلين، ولا يعلم عينه، كالميراث الذي يعلم أنه لإحدى الزوجين الباقية دون المطلقة، والعين التي يراعيها اثنان فيقر بها ذو اليد لأحدهما:
فمذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة ومالك وعامة السلف، إعطاء هذه الأموال لأَوْلى الناس بها، ومذهب الشافعي أنها تحُفظ مطلقًا ولا تُنفق بحال، فيقول فيما جهل مالكه من الغصوب والعوارى والودائع: إنها تحفظ حتى يظهر أصحابها كسائر الأموال الضائعة، ويقول في العين التي عُرفت لأحد الرجلين: يوقف الأمر حتى يصطلحا، ومذهب أحمد وأبي حنيفة فيما جُهل مالكه أنه يُصرف عن أصحابه في المصالح: كالصدقة على الفقراء، وفيما استَبهم مالكه القرعة عند أحمد والقسمة عند أبي حنيفة (١).
قال ابن رجب الحنبلي: من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه، أو إلى ورثته فهذا جائز عند أكثر العلماء منهم: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد (٢)، وغيرهم.
стр. 259
تنبيه: ورد في المسألة قول أخر وهو:
أن هذه الأموال تحفظ لأربابها أبدًا حكمها حكم الأموال الضائعة، وقد عزى هذا القول غير واحد من أهل العلم إلى الإمام الشافعي (١)، ولم أقف عليه من كلام الشافعي في هذه المسألة التي نحن بصددها تحديدًا.
• أدلة التصدق بالمال الحرام الذي لا يُعرف له مالك:
استدل أهل العلم لذلك بجملة أدلة منها الضعيف ومنها الصحيح، وإليك بيان بعضها:
١ - حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ: «أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ»، فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَةٍ فَجَاءَ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ، فَأَكَلُوا، فَنَظَرَ آبَاؤُنَا
стр. 260
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا»، فَأَرْسَلَتِ الْمَرْأَةُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى الْبَقِيعِ يَشْتَرِي لِي شَاةً، فَلَمْ أَجِدْ فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً، أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا بِثَمَنِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَطْعِمِيهِ الْأُسَارَى» (١).
والشاهد من هذا الخبر قوله ﷺ «أطعميه الأسارى».
قال الطيبي: وهم كفار [الأسارى] وذلك أنه لما لم يوجد صاحب الشاة ليستحلوا منه، وكان الطعام في صدد الفساد، ولم يكن بد من إطعام هؤلاء، فأمر بإطعامهم (٢).
٢ - عن حوشب بن سيف قال: غزا الناس في زمان معاوية وعليهم عبد الرحمن بن خالد، فغل رجل من المسلمين مئة دينار رومية. فلما
стр. 261
قفل الجيش قدم الرجل فأتى عبد الرحمن بن خالد فأخبره خبره وسأله أن يقبلها منه فأبى وقال: قد تفرق الجيش فلن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة!! فجعل يستقرئ أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون له مثل ذلك، فلما قدم دمشق دخل على معاوية فذكر ذلك له فقال له مثل ذلك، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال: أمطيعي أنت يا عبد الله؟ قال: نعم. قال: فانطلِقْ إلى معاوية فقل له: اقبل مني خمسك، فادفع إليه عشرين دينارًا، وانظر الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش؛ فإن الله يقبل التوبة عن عباده وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم. ففعل الرجل، فقال معاوية: لأن أكون أفتيته بها أحبُّ إليَّ من كل شيء أملكه (١).
стр. 262
٣ - عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: «اشْتَرَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً بِسِتِّ مِئَةٍ أَوْ بِسَبْعِ مِئَةٍ، فَنَشَدَهُ سَنَةً لَا يَجِدُهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِهَا إِلَى السُّدَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِهَا مِنْ دِرْهَمٍ وَدِرْهَمَيْنِ عَنْ رَبِّهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا خَيِّرْهُ، فَإِنِ اخْتَارَ الْأَجْرَ، كَانَ الْأَجْرُ لَهُ، وَإِنِ اخْتَارَ مَالَهُ، كَانَ لَهُ مَالُهُ»، ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «هَكَذَا افْعَلُوا بِاللُّقَطَةِ» (١).
٤ - عن ابن عباس في الغلول يصيبه الرجل، وقد تفرق الجيش قال: يرده إلى مغنم المسلمين (٢).
٥ - أيضًا استدلوا بالقياس على اللقطة ومن مات ولا وارث له، كذلك استدلوا بالعمومات الواردة في حرمة إتلاف وإضاعة المال.
стр. 263
قال أبو حامد الغزالي: أما قول القائل: لا نتصدق إلا بالطيب، فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا، ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر (١).
• هل يجوز التخلص من المال الحرام الذي لا يُعرف صاحبه في بناء المساجد؟
المال المحرم لعينه كالمال المغصوب والمسروق، ولا يدرى من صاحبه وكذلك المال المحرم لكسبه - الذي اكتسبه إنسان بطريق محرم - كبيع الخمر أو التعامل بالربا، أو أجرة الغناء والزنا، ونحو ذلك - فهذا يجوز أن ينفق في مصالح المسلمين، أما المساجد فقد قال بعض أهل العلم بالجواز، وبعضهم مَنَع ذلك، والأَوْلى أن تُصرف في مصالح المسلمين العامة غير المساجد.
قال القرافي: الأموال المحرمة من الغصوب وغيرها، إذا عُلمت أربابها رُدت إليهم، وإلا فهي من أموال بيت المال تُصرف في مصارفها الأَوْلى فالأَوْلى من الأبواب والأشخاص على ما يقتضيه نظر الصارف من الإمام أو نوابه أو مَنْ حصل ذلك عنده من المسلمين، فلا تتعين الصدقة قد يكون الغزو أولى في وقت، أو بناء جامع أو قنطرة، فتحرم الصدقة لتعيين غيرها من المصالح (٢).
стр. 264
قال النووي: قال الغزالي: إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه - فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتًا وجب دفعه إلى وارثه، وإن كان لمالك لا يعرفه يئس من معرفته، فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة، كالقناطر، والرُّبُط والمساجد ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به (١).
قال النووي معلقًا على كلام الغزالي: وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب، وهو كما قالوه (٢)(٣).
هذا والأولى أن يتورع في بناء المساجد عن المال المحرم إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، فقد رُوي أن العرب كانت في جاهليتها تحرص أشد الحرص على أن تبقي الكعبة المشرفة وهي بيت الله الحرام بعيدة عن أي درهم حرام، فلقد ذكر ابن هشام في سيرته أن قريشًا لما أرادوا أن يهدموا الكعبة ويعيدوا بناءها، قام أبو وهب عائذ
стр. 265
بن عمران بن مخزوم خال أبي الرسول ﷺ فتناول من الكعبة حجرًا فوثب في يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس. فاتفقوا على ذلك فقصرت بهم النفقة أن يبنوها على قواعد إبراهيم (١).
стр. 266
مَنْ غَصَب عينًا ثم هلكت وأراد أن يتوب ويرد الحق لصاحبه
هذه المسألة يكثر سؤال الناس عنها لانتشارها، فقد يأتي سائل ويقول: كنت أعمل في مصنع عصائر، وكنت آخذ كثيرًا من المعلبات دون إذن صاحب المصنع (١)، وقد استُهلكت هذه المعلبات، فماذا أصنع؟
وآخر يقول: أخذت منذ زمن بعيد سيارة ليست لي بحق، وقد استُهلكت وتغير حالها وأنا أريد أن أتوب إلى الله تعالى، فماذا أفعل؟
أسئلة كثيرة على غرار هذه الأسئلة يحتاج الناس إلى الإجابة عليها.
فنقول وبالله التوفيق: الغصب وهو الاستيلاء على مال الآخر بغير حق- حرام بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
стр. 267
وقال رسول الله ﷺ : «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (١).
وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» (٢)، وغير هذا من الآيات والأحاديث.
أما الإجماع فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على تحريم الغصب (٣) ولا خلاف بين أهل العلم (٤) على أن من أخذ شيئًا بغير إذن صاحبه وأراد أن يتوب إلى الله تعالى وعنده هذا الشيء - أن عليه أن يؤديه أولَا إلى صاحبه.
• واستدل العلماء بوجوب رد المغصوب إلى صاحبه بجملة أحاديث عن النبي ﷺ منها:
١ - قوله ﷺ : «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ» (٥).
стр. 268
٢ - وأيضًا استدلوا بحديث السائب بن يزيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ صَاحِبِهِ لَاعِبًا ولا جَادًّا، وَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ عَصَا صَاحِبِهِ فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ» (١).
٣ - واستدلوا أيضًا بحديث آخر عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ» (٢).
أما إن اسْتُهلك المغصوب كأن يكون طعامًا، أو هلك كأن يكون حيوانًا، فالغاصب ضامن له، وعليه أن يرد قيمته أو مثله، على خلاف (٣) بين أهل العلم كما سيأتي.
стр. 269
• الأدلة على أن صاحب الملك - المغصوب منه - له المثل:
١ - قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
٢ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَالَ: «كُلُوا» وَحَبَسَ الرَّسُولَ (١) وَالقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ (٢).
٣ - حديث جريج، وفيه: «فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ» (٣)، وقد بوب الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: «باب إذا هدم حائطًا فليبنِ مثله».
٤ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ»،
стр. 270
فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ»، فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللَّه بِكَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» (١).
٥ - ما رُوي عن ابن مسعود وعثمان بن عفان أنهما قضيا على من استهلك فصلانًا بفصلان مثلها (٢).
٦ - ما ورد عن شريح في أنه اختصم إليه رجل في قَصَّار (٣) شق ثوبًا فقال شريح: من شق ثوبًا فهو له. فقال رجل: أو ثمنه. فقال: إنه كان أحب إليه من ثمنه يوم أن اشتراه (٤).
بهذه الأدلة قال فريق من أهل العلم بوجوب المثل لا القيمة، إلا أن المسألة لا تخلو من خلاف؛ وذلك لغياب الأدلة الصريحة الأشد التصاقًا بالباب، وإليك بيان اختلاف العلماء:
القول الأول: أن الواجب القيمة في غير المكيل والموزون، فالمكيل والموزون يجب فيهما أن يُرد المثل، وهذا قول الحنفية
стр. 271
والمالكية والشافعية والحنابلة، وسيأتي دليلهم.
القول الثاني: أن الواجب المثل في الجميع سواء كان مكيلًا أو غير مكيل، وسواء كان حيوانًا أوغيره، إلا إذا فقد وجود المثل، وهو وجه عند الحنابلة ورجحه ابن حزم وابن تيمية وابن القيم.
• النقول عن بعض أهل العلم في المسألة:
١ - قول الأحناف ﵏:
قال السرخسي: المغصوب إذا كان من ذوات الأمثال كالمكيل والموزون فعليه المثل عندنا … وإن كان المغصوب من العدديات المتفاوتة كالثياب والدواب فالواجب على الغاصب ضمان القيمة إذا تعذر رد العين عندنا (١).
٢ - قول المالكية ﵏:
قال ابن عبد البر: والأعيان التي يحب رد مثلها عند فقدها كل مكيل أو موزونٍ أو معدود من الطعام كله والأدام، وكذلك الذهب والفضة، مضروبًا كان أو مسبوكًا، وكذلك كل مكيل أو موزون من غير الطعام كالنوى والعصفر والحديد والرصاص والقطن وما شاكل ذلك كله، ولا يؤخذ منه في شيء من هذا كله قيمته إلا أن لا يوجد
стр. 272
مثله، فإن لم يوجد مثله انصرف إلى قيمته يوم غصبه … وأما العروض كلها سوى ما تقدم وصفه، فعلى مغتصب شيء منها إن أفسده إفسادًا يسيرًا رُد ما نقصه الإفساد، وإن أفسده إفسادًا يُذهب جل منافعه أو جماله أو استهلاكه بأسره فهو ضامن لقيمته كاملة يوم اغتصبه (١).
٣ - قول الشافعية ﵏:
قال الماوردي: وأما الحال الثانية: وهو أن يكون المغصوب تالفًا فهو مضمون عليه، سواء تلف لفعله، أو غير فعله، إذا كان لقوله: «يكون على اليد ما أخذت حتى تؤدى» (٢)، ثم هو على ضربين:
أحدهما: أن يكون له مثل المغصوب، كالذي تتساوى أجزاؤه من الحبوب، والأدهان والدراهم والدنانير، فعليه رد مثله جنسًا ونوعًا وصفةً وقدرًا؛ لأن مثل الشيء أخص به بدلًا من القيمة؛ لأنه مثل في الشرع واللغة، والقيمة مثل في الشرع دون اللغة، فإن طلب أحدهم القيمة لم يُجب إليها، سواء كان طالبها الغاصب أو المغصوب منه؛ لأنها غير المستحق، فأما أن تراضيا بالقيمة مع القدرة على المثل ففي جوازه وجهان بناءً على اختلاف الوجهين في جواز أخذ أرش العيب مع القدرة على رد المعيب.
стр. 273
والضرب الثاني: أن لا يكون له مثل، كالذي تختلف أجزاؤه من الثياب، والعبيد، فعليه قيمته في أكثر أحواله قيمةً من وقت الغصب إلى وقت التلف، وبه قال جمهور الفقهاء (١).
٤ - قول الحنابلة ﵏:
قال ابن قدامة: لما تَعَّذر ردُّ العين وجب رد ما يقوم مقامها في المالية، ثم يُنظر فإن كان مما تتماثل أجزاؤه وتتفاوت صفاته كالحبوب والأدهان وجب مثله؛ لأن المثل أقرب إليه من القيمة وهو مماثل له من طريق الصورة والمشاهدة والمعنى، والقيمة مماثلة من طريق الظن والاجتهاد، فكان ما طريقه المشاهدة مقدمًا، كما يقدم النص على القياس لكون النص طريقه الإدراك بالسماع والقياس طريقه الظن والاجتهاد، وإن كان غير متقارب الصفات وهو ماعدا المكيل والموزون وجبت قيمته في قول الجماعة، وحُكي عن العنبري: يجب في كل شيء مثله (٢).
стр. 274
من هذا الذي يتقدم يتضح أن ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن ما له مثل (المكيل والموزون) وجب أن يُرد مثله وأنه لا يُنتقل إلى القيمة إلا إذا تعذر وجود المثل.
هذا وقد استدل العلماء على جواز القيمة فيما لا تتماثل أجزاؤه بحديث ابن عمر قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، أَوْ شِرْكًا، أَوْ قَالَ: نَصِيبًا، وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ فَهُوَ عَتِيقٌ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» (١)، وجه الدلالة من هذا الخبر أن النبي ﷺ أرشده إلى أن يُقَوم النصف أو النصيب الذي له.
وقد تعقب أصحاب القول الثاني هذا الاستدلال بأنه في غير محله، وسيأتي الكلام هنالك (في كلام ابن حزم ﵀.
القول الثاني: يجب المثل في الجميع، سواء كان مكيلًا أو غير مكيل، موزونًا أو غير موزون، حيوانًا أو جمادًا، إن أمكن، وهذا القول هو وجه في مذهب الإمام أحمد، قال به العنبري ورجحه ابن تيمية وابن القيم، وقال به ابن حزم ﵏.
قال ابن قدامة: وحُكي عن العنبري: يجب في كل شيء مثله (٢).
قال ابن حزم: وهذا هو الحق الذي لا يجوز خلافه - يقصد أن
стр. 275
المثل في كل شيء - وما نعلم لمن قضى بالقيمة حجة أصلًا، إلا أن بعضهم أتى بطامة، فقال: إن رسول الله ﷺ قضى على من أعتق شريكًا له في عبد بأن يُقوم عليه باقيه لشريكه، قالوا: فقضى رسول الله ﷺ على من استهلك حصة غيره من العبد بالقيمة.
قال: وهذا من عجائبهم فإنهم أفحشوا الخطأ في هذا الاحتجاج من وجهين:
أحدهما: احتجاجهم به فيمن استهلك، والمعتق نصيبه من عبد بينه وبين آخر لم يستهلك شيئًا، ولا غصب شيئًا ولا تعدى أصلًا، بل أعتق حصته التي أباح الله تعالى له عتقها، وإنما هو حكم من الله تعالى أنفذه لا لتعدٍ من المعتق أصلًا.
والثاني: عجيب تناقضهم لأنه يلزمهم إن كان المعتق المذكور مستهلكًا حصة شريكه ولذلك يضمن القيمة بأن يوجبوا ذلك عليه، معسرًا كان أو موسرًا كما يفعلون في كل مستهلك وهم لا يفعلون هذا (١).
قال ابن تيمية: ويضمن المغصوب بمثله مكيلًا أو موزونًا أو غيرهما حيث أمكن وإلا فالقيمة (٢).
стр. 276
قال ابن القيم: واختلفوا في الجدار يهدم هل يضمن بقيمته أو يعاد مثله؟ على قولين وهما للشافعي، والصحيح ما دلت عليه النصوص وهو مقتضى القياس الصحيح، وما عداه فمناقض للنص والقياس؛ لأن الجميع يضمن بالمثل تقريبًا، وقد نص الله على ضمان الصيد بمثله (١) من النَّعَم، ومعلوم أن المماثلة بين بعير وبعير أعظم من المماثلة بين النعامة والبعير، وبين شاة وشاة أعظم منها بين طير وشاه (٢)، وقد رد النبي ﷺ بدل البعير الذي أقرضه مثله دون قيمته (٣)، وَرَدّ عوض القصعة التي كسرتها بعض أزواجه قصعتها نظيرها (٤)، وقال: «إناء بإناء وطعام بطعام» (٥)، فسَوَّى بينهما في الضمان.
стр. 277
وهذا عين العدل ومحض القياس، وتأويل القرآن، وقد نص الإمام أحمد على هذا في مسائل إسحاق بن منصور، قال إسحاق: قلت لأحمد: قال سفيان: من كسر شيئًا صحيحًا فقيمته صحيحًا، فقال أحمد: إن كان يوجد مثله فمثله، وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته (١)، ونص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد فقال: سألت أحمد عن الرجل يكسر قصعة الرجل أو عصاه أو يشق ثوبًا لرجل، قال: عليه المثل في العصا والقصعة والثوب: فقلت: أرأيت إن كان الشق قليلًا؟ فقال: صاحب الثوب مخير في ذلك قليلًا كان أو كثيرًا. وقال في رواية إسحاق بن منصور من كسر شيئًا صحيحًا فإن كان يوجد مثله فمثله، وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته، فإذا كسر الذهب فإنه يصلحه إن كان خلخالًا، وإن كان دينارًا أعطى دينارًا آخر مكانه: قال إسحاق كما قال (٢)، وقال في رواية موسى بن سعيد: وعليه المثل في العصا والقصعة إذا كسر وفي الثوب، ولا أقول في العبد والبهائم والحيوان (٣).
стр. 278
الحاصل في المسألة:
من غصب شيئًا وهلك عنده وأراد التوبة وأن يرد الحق إلى أهله، فعليه أن يرد مثل الشيء الذي هلك إن كان مثليًّا، فإن لم يستطع الإتيان بمثله رد قيمته.
أما الخلاف الذي حدث بين أهل العلم: فهو خلاف حاصل عن تصور كل فريق منهم لما يصلح أن يكون مثليًّا وما لا يصلح، والمثلي هو الذي تتماثل أفراده، فجمهور العلماء على أن المثلي لا يكون إلا في الكيل أو الموزون، وزاد المالكية المعدود الذي لا تختلف أفراده، بينما يرى غيرهم من أهل العلم أن المثلية تصلح في كل شيء.
وعلى هذا كان هذا الخلاف اليسير، فالجمهور لا يرون أن الحيوان مثلي، فقالوا: تجب فيه القيمة، وغيرهم يرون أنه مثلي ولكل وجهته، ثم إنهم جميعهم متفقون على أنه إذا تعذر وجود المثل كانت القيمة، فالكلام إذًا في هذا الأمر يُرجع إليه عند التنازع، بحيث لو اختلفا، هذا يقول بالقيمة وهذا يقول لا بالمثل، فهنا يحكم الحاكم إن كان المثل متوفرًا، فهو من حق المغصوب منه، وإن لم يكن متوفرًا يحكم بالقيمة.
والسؤال الآن: إن تعذر المثل ولجأنا إلى القيمة، فعلى أي وقت تحُسب؟ هل تحُسب قيمة الشيء وقت أن غصبت أو وقت القضاء؟ هذا ما يأتي في المبحث القادم، إن شاء الله تعالى.
стр. 279
رجل اغتصب متاعًا فهلك عنده
وليس له مثل فهل يُحسب قيمته يوم أن اغتصبه
أو يوم قضائه، أو ماذا؟
أقول وبالله التوفيق: هذه المسألة ليس فيها دليل بخصوصها لا في الكتاب الحميد ولا في السنة النبوية؛ ولأجل ذلك نشأ الخلاف بين أهل العلم في الجواب عليها، فمن قائل بأن على الغاصب قيمة المتاع يوم أن غصبه. ومن قائل بأن عليه قيمته يوم قضائه، وثَم أقوال أخرى وإليك التفصيل:
• أقوال العلماء في المسألة:
القول الأول: على الغاصب قيمته يوم غصبه، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية وقول المالكية.
القول الثاني: على الغاصب قيمته يوم أن هلك عنده، وهذا قول الحنابلة (١).
стр. 280
القول الثالث: على الغاصب دفع أقصى قيمة وصل إليها من يوم أن غصبه إلى يوم أن هلك عنده أو تعذر الإتيان بمثله إن كان مثليًّا، وهذا قول الشافعية.
القول الرابع: التفصيل بين إن كان هذا المتاع مثليًّا (١) أو لا: فإن لم يكن مثليًّا فيجب على الغاصب دفع قيمته يوم غصبه، وإن كان مثليًّا وجب عليه دفع قيمته يوم انقطاعه - أي: يوم انقطاع تداوله-، وهو قول محمد بن الحسن ووجه عند الحنابلة، بينما ذهب أبو حنيفة في المثلي إلى أنه يجب عليه قيمته يوم قضائه.
هذا الذي ذكرت إجمالٌ، وإليك النقل عن أهل العلم.
• قول الحنفية ﵏:
قال الموصلي الحنفي:
وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَفَاوِتِ وَالْمَزْرُوعِ (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ)؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْمَالِيَّةُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ دَفْعًا لِلظُّلْمِ وَإِيصَالًا لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ. وَسَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ رَدِّهِ بِفِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْغَصْبِ صَارَ مُتَعَدِّيًا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَقَدِ امْتَنَعَ فَيَجِبُ الضَّمَانُ، وَتَجِبُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ، وَبِهِ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ. (وَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ النُّقْصَانَ) اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ.
لَزِمَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ (قَوْلُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ) أَيْ لَا يَوْمَ تَغَيُّرِهِ (١).
• قول الشافعية ﵏:
قال الماوردي:
والضرب الثاني: أن لا يكون له مثل، كالذي تختلف أجزاؤه من الثياب والعبيد، فعليه قيمته في أكثر أحواله قيمة، من وقت الغصب إلى وقت التلف، وبه قال جمهور الفقهاء (٢).
قال النووي:
وفي القيمة المعتبرة أحد عشر وجهًا، أصحها يجب أقصى القيم من يوم الغصب إلى الإعواز (٣).
• قول الحنابلة ﵏:
قال البهوتي:
ويضمن غير المثلي إذا تلف أو أتلف بقيمته يوم تلفه (٤).
стр. 283
قال المرداوي:
فإن اتصل بأن غصب ما قيمته مئة فارتفع السعر إلى مائتين وتلفت العين، ضمن المائتين وجهًا واحدًا إذ الضمان معتبر بيوم التلف (١).
قال ابن مفلح:
وإن تلف المغصوب ضمنه بمثله إن كان مكيالًا أو موزونًا، وإن أعوز المثل فعليه قيمة مثله يوم إعواز، وقال القاضي: يضمنه بقيمته يوم القبض. وعنه: تلزمه قيمتة يوم تلفه، وإن لم يكن مثليًّا ضمنه بقيمته يوم تلفه في بلده من نقده (٢).
• الراجح في المسألة:
ما ذهب إليه الشافعية ﵏ أن على الغاصب أن يرد إلى المغصوب منه قيمة هذا الشيء في أكثر أحواله قيمة من وقت الغصب إلى وقت أن تلف عنده، وذلك لأنه فوَّت على صاحبه الانتفاع به يوم أن كان في أعلى قيمة وصل إليها، والله المستعان.
стр. 284
من ورث مالًا حرامًا
هذه المسألة يكثر السؤال عنها، فيأتي سائل ويقول: إن لي تركة ورثتها عن أبي وكان أبي يقترض ويُقرض بالربا، فماذا أفعل؟
وآخر يقول: ورثت أموالًا عن أخى وليس له وارث غيري، وكان يتاجر في المسكرات، فهل هذا المال لي حرام أم حلال؟
وآخر يقول: كان والدي يأخذ الرشوة، وورثت ماله فهل هو حرام أم حلال؟
أسئلة كثيرة تأتي، تتعلق بهذا الباب، وكما هو معلوم فإن عمومات شريعتنا تأمرنا بتحري الطيب من المال والطعام؛ لذا نقول وبالله التوفيق، لهذه المسألة ثلاثة اتجاهات:
الأول: ورث مالًا حرامًا؛ وهو يعرف مالكه الحقيقي، كأن يكون مسروقًا أو مغتصبًا.
الثاني: ورث مالًا يعلم أنه كله حرام، ولكن لا يعرف صاحبه الحقيقي.
الثالث: ورث مالًا حلالًا اختلط بالحرام.
стр. 285
أما الاتجاه الأول: - وهو من ورث مالًا حرامًا وهو يعلم مالكه الحقيقي- فهذا يجب عليه أن يرد المال إلى صاحبه إن كان حيًّا، أو لورثته إن كان ميتًا، ولا نزاع في ذلك بين أهل العلم، وسيأتي بيان ذلك.
أما الاتجاه الثاني: - من ورث مالًا كله حرام وهو يعلم عين حرمته كأن يكون من ظلم أو سرقة أو ربا، ولا يعرف مالكه- فهذا يجب عليه أن يتخلص منه وأن يتنزه عنه، على الراجح من قول أهل العلم، ففي المسألة قولان:
القول الأول: - وهو المعتمد عند الحنفية، وقول عند المالكية، وقول الشافعية والحنابلة- يجب عليه أن يتخلص منه ويتخلى عنه فهو لا يحل له.
القول الثاني: - وهو رواية عند الأحناف وقول سحنون من المالكية- يحل له طالما أنه لا يعرف مالكه.
• أقوال أهل العلم:
١ - مذهب الحنفية:
قال ابن عابدين: كذا لا يحل إذا علم عين الغصب مثلًا، وإن لم يعلم مالكه، لما في البزازية، أخذ مورثه رشوة، أو ظلمًا، إن علم ذلك بعينه لا يحل له أخذه، وإلا فله أخذه حكمًا، أما في الديانة، فيتصدق به بنية إرضاء الخصماء (١).