لَزِمَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ (قَوْلُهُ يَوْمَ غَصْبِهِ) أَيْ لَا يَوْمَ تَغَيُّرِهِ (١).
• قول الشافعية ﵏:
قال الماوردي:
والضرب الثاني: أن لا يكون له مثل، كالذي تختلف أجزاؤه من الثياب والعبيد، فعليه قيمته في أكثر أحواله قيمة، من وقت الغصب إلى وقت التلف، وبه قال جمهور الفقهاء (٢).
قال النووي:
وفي القيمة المعتبرة أحد عشر وجهًا، أصحها يجب أقصى القيم من يوم الغصب إلى الإعواز (٣).
• قول الحنابلة ﵏:
قال البهوتي:
ويضمن غير المثلي إذا تلف أو أتلف بقيمته يوم تلفه (٤).
стр. 283
قال المرداوي:
فإن اتصل بأن غصب ما قيمته مئة فارتفع السعر إلى مائتين وتلفت العين، ضمن المائتين وجهًا واحدًا إذ الضمان معتبر بيوم التلف (١).
قال ابن مفلح:
وإن تلف المغصوب ضمنه بمثله إن كان مكيالًا أو موزونًا، وإن أعوز المثل فعليه قيمة مثله يوم إعواز، وقال القاضي: يضمنه بقيمته يوم القبض. وعنه: تلزمه قيمتة يوم تلفه، وإن لم يكن مثليًّا ضمنه بقيمته يوم تلفه في بلده من نقده (٢).
• الراجح في المسألة:
ما ذهب إليه الشافعية ﵏ أن على الغاصب أن يرد إلى المغصوب منه قيمة هذا الشيء في أكثر أحواله قيمة من وقت الغصب إلى وقت أن تلف عنده، وذلك لأنه فوَّت على صاحبه الانتفاع به يوم أن كان في أعلى قيمة وصل إليها، والله المستعان.
стр. 284
من ورث مالًا حرامًا
هذه المسألة يكثر السؤال عنها، فيأتي سائل ويقول: إن لي تركة ورثتها عن أبي وكان أبي يقترض ويُقرض بالربا، فماذا أفعل؟
وآخر يقول: ورثت أموالًا عن أخى وليس له وارث غيري، وكان يتاجر في المسكرات، فهل هذا المال لي حرام أم حلال؟
وآخر يقول: كان والدي يأخذ الرشوة، وورثت ماله فهل هو حرام أم حلال؟
أسئلة كثيرة تأتي، تتعلق بهذا الباب، وكما هو معلوم فإن عمومات شريعتنا تأمرنا بتحري الطيب من المال والطعام؛ لذا نقول وبالله التوفيق، لهذه المسألة ثلاثة اتجاهات:
الأول: ورث مالًا حرامًا؛ وهو يعرف مالكه الحقيقي، كأن يكون مسروقًا أو مغتصبًا.
الثاني: ورث مالًا يعلم أنه كله حرام، ولكن لا يعرف صاحبه الحقيقي.
الثالث: ورث مالًا حلالًا اختلط بالحرام.
стр. 285
أما الاتجاه الأول: - وهو من ورث مالًا حرامًا وهو يعلم مالكه الحقيقي- فهذا يجب عليه أن يرد المال إلى صاحبه إن كان حيًّا، أو لورثته إن كان ميتًا، ولا نزاع في ذلك بين أهل العلم، وسيأتي بيان ذلك.
أما الاتجاه الثاني: - من ورث مالًا كله حرام وهو يعلم عين حرمته كأن يكون من ظلم أو سرقة أو ربا، ولا يعرف مالكه- فهذا يجب عليه أن يتخلص منه وأن يتنزه عنه، على الراجح من قول أهل العلم، ففي المسألة قولان:
القول الأول: - وهو المعتمد عند الحنفية، وقول عند المالكية، وقول الشافعية والحنابلة- يجب عليه أن يتخلص منه ويتخلى عنه فهو لا يحل له.
القول الثاني: - وهو رواية عند الأحناف وقول سحنون من المالكية- يحل له طالما أنه لا يعرف مالكه.
• أقوال أهل العلم:
١ - مذهب الحنفية:
قال ابن عابدين: كذا لا يحل إذا علم عين الغصب مثلًا، وإن لم يعلم مالكه، لما في البزازية، أخذ مورثه رشوة، أو ظلمًا، إن علم ذلك بعينه لا يحل له أخذه، وإلا فله أخذه حكمًا، أما في الديانة، فيتصدق به بنية إرضاء الخصماء (١).
стр. 286
قال أيضًا: الحاصل إنْ عَلِم أرباب الأموال وجب رده عليهم، وإلا فإنْ عَلِم عين الحرام، لا يحل له، ويتصدق به بنية صاحبه (١).
ومما يجدر التنبيه عليه أن ثَم رواية وردت عن الحنفية أن من مات وكسبه حرام، فالميراث حلال، وهذه الرواية نقلها ابن عابدين عن الحصكفي صاحب «الدر المختار» عن المجتبى، ثم ذكر ابن عابدين أن الحصكفي رمز عليها، وقال: لا نأخذ بهذه الرواية، وهو حرام مطلقًا على الورثة فتنبه، ثم قال ابن عابدين: ومفاده الحرمة وإن لم يعلم أربابه، وينبغي تقييده بما إذا كان عين الحرمة» (٢).
٢ - مذهب المالكية:
قال القرافي: هل يسوغ للوارث - أي من ورث مالًا حرامًا - الوراثة أو لا؟ على قولين: يسوغ بالموارثة لا بالهبة، قاله سحنون. والثاني: لا يسوغ بالميراث كما لا يسوغ بالهبة، ويلزم الوارث التخلي عن هذا المال والصدقة به، كما كان يلزم الموروث (٣).
٣ - مذهب الشافعية:
قال النووي: من ورث مالًا ولم يعلم من أين كسبه مورثه أمن
стр. 287
حلال أم من حرام ولم تكن علامة، فهو حلال بإجماع العلماء، فإن علم أن فيه حرامًا وشَكَّ في قدره، أخرج قدر الحرام بالاجتهاد (١).
قال الغزالي: وإن علم أن بعض ماله - أي مورثه - كان من الظلم فيلزمه إخراج ذلك القدر بالاجتهاد (٢).
٤ - مذهب الحنابلة:
قال المرداوي: نقل الأثرم وغير واحد عن الإمام أحمد فيمن ورث مالًا فيه حرام إن عُرف شيء بعينه رده، وإن كان الغالب على ماله الفساد تنزه عنه أو نحو هذا، ونقل حرب في الرجل يخلف مالًا إن كان غالبه نهبًا أو ربًا، ينبغي لوارثه أن يتنزه عنه، إلا أن يكون يسيرًا لا يُعرف (٣).
أما الاتجاه الثالث: -إذا اختلط الحرام بالحلال ولم يعرف قدر الحرام، ولا لمن هو- فعليه أن يجتهد، ويُخرج قدرًا منه على ما يغلب في ظنه.
وهذه المسألة تابعة للتي قبلها، فالذين قالوا بأنه يسوغ له أن يأخذ مال مورثه الحرام - وهو القول المرجوح - على قاعدتهم سيكون هنا
стр. 288
أيضًا القول بالجواز، أما جمهور أهل العلم فعلى القول بأنه يجب التخلص من القدر الحرام على قدر الاستطاعة.
قال الغزالي: .... وإنْ عَلِم أن فيه حرامًا وشَكَّ في قدره، أخرج مقدار الحرام بالتحري، فإن لم يعلم ذلك ولكن علم أن مورثه كان يتولى أعمالًا للسلاطين، واحتمل أنه لم يكن أخذ في عمله شيئًا أو كان قد أخذ ولم يبق في يده منه شيء لطول المدة، فهذه شبهة يحسن التورع عنها ولا يجب (١).
قال النووي: فإن علم أن فيه حرامًا وشَكَّ في قدره، أخرج قدر الحرام بالاجتهاد (٢).
قال أبو محمد فوزان تلميذ أحمد: سمعت أحمد يقول: ..... فإن لم يعلم كم الحلال والحرام، يتصدق بقدر ما فيه من الحرام ويأكل الباقي (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقد سُئل: عن رجل مرابٍ خلف مالًا وولدًا وهو يعلم بحاله، فهل يكون المال حلالًا للولد بالميراث أو لا؟ -:
стр. 289
أما القدر الذي يعلم الولد أنه ربا فيخرجه إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن، وإلا تصدق به، والباقي لا يحرم عليه، لكن القدر المشتبه يستحب له تركه، إذ لم يجب صرفه في قضاء دين أو نفقة عيال، وإن كان الأب قبضه بالمعاملات الربوية التي يرخص فيها بعض الفقهاء (١)، جاز للوارث الانتفاع به، وإن اختلط الحلال بالحرام وجهل قدر كل منهما، جعل ذلك نصفين (٢).
стр. 290
لمن يكون الربح الناشئ عن استثمار المال الحرام؟
صورة هذه المسألة: أن يغتصب إنسان مالًا حرامًا سواء كان هذا المال أرضًا أم حيوانًا أم نقدًا كالذهب والفضة أم عملة، ثم يتاجر بهذا المال المغتصب ويربح فيه، ثم يتوب ويريد أن يرد الحق إلى أصحابه، فهل يتخلص من المال الذي كان قد اغتصبه فقط ويرده، أم يرد المال بكل ما نتج عنه من ربح؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على خمسة أقوال:
القول الأول: يتصدق بالربح، وعلى هذا فالربح ليس للغاصب ولا المغصوب منه، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وقول عند الحنابلة غير معتمد، وعللوا ذلك بأن هذا الربح خبيث حصل بسبب خبيث.
القول الثاني: الربح للغاصب؛ لأن الربح يتبع الجهد المبذول، ولأن الغاصب ضامن للتلف، قال بهذا أبو يوسف ومالك والليث والشافعي في الجديد.
القول الثالث: الربح يتبع رأس المال؛ لأنه سبب نمائه، قال بهذا الشافعي في القديم والحنابلة ورُوي عن الحنفية.
стр. 291
القول الرابع: التفصيل، وهذا القول يتفرع عنه قولان: وكلاهما لبعض المالكية:
١ - التفصيل بين المعسر والموسر، وهذا قول ابن حبيب وسحنون.
٢ - التفصيل بين ما إذا كان صاحب المال سيتاجر به وعطله الغاصب عن التجارة أو لا. وهذا قول سحنون.
القول الخامس: أن الغاصب يقتسم الربح مع صاحب المال وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وهو منسوب إلى رواية عن الإمام أحمد.
هذا الذي ذكرتُ إجمالٌ وإليك التفصيل إن شاء الله تعالى:
• القول الأول (يتصدق بالربح):
دليله: عن عبد الواحد بن زياد قال: قلت لأبي حنيفة: من أين أخذت؟ هذا الرجل يعمل في مال أخيه بغير إذنه إنه يتصدق به؟ قال: أخذته من حديث عاصم بن كليب (١).
بعض النقول عن المذهب الحنفي:
قال المرغيناني: ومن غصب ألفًا اشترى بها جارية فباعها بألفين ثم اشترى بالألفين جارية فباعها بثلاثة آلاف درهم، فإنه يتصدق بجميع الربح وهذا عندهما وأصله أن الغاصب أو المودع إذا تصرف في المغصوب أو الوديعة وربح، لا يطيب له الربح عندهما خلافًا لأبي يوسف (١).
قال السرخسي: ولو أن أرضًا غصبها رجل فزرعها فالزرع له ويتصدق بالفضل على ما أنفق فيها في قول أبي حنيفة تعالى، ولا يتصرف في قول أبي يوسف بشيء (٢).
قال الكاساني: (وأمَّا) التصدق بالغَلَّة - يقصد: غلة المغصوب) وهي الأجرة عندهما فلأنها خبيثة لحصولها بسبب خبيث، فكان سبيلها التصدق، ولأبي يوسف أنه ﵊ نهي عن ربح ما لم يضمن، وهذا ربح مضمون، والجواب أن التحريم لعدم الضمان يدل على التحريم لعدم الملك من طريق الَأْولى؛ لأن الملك فوق الضمان (٣).
стр. 294
نقلٌ عن رواية في المذهب الحنبلي:
قال المرداوي: وعنه يتصدق (١).
قلت: وهذه الرواية غير معتمدة في المذهب على ما يأتي تفصيله.
قال ابن قدامة: قال الشريف: وعن أحمد أنه يتصدق به (٢).
• القول الثاني (الربح من حق الغاصب):
دليله: حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ غُلَامًا فَأَقَامَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَخَاصَمَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِ اسْتَغَلَّ غُلَامِي!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (٣).
стр. 295
ودلالة هذا الحديث عندهم أن النبي ﷺ لم يقضِي لصاحب العبد بمقابل لاستنفاع الآخر به؛ لأن الآخر كان سيضمنه إن مات عنده أو حصل له عيب، وعلى هذا قاسوا فقالوا: إن الغاصب ضامن لهذا المال عند تلفه، فطالما أنه يضمنه إذًا فالربح يكون من حقه.
• بعض النقول عن أصحاب القول الثاني:
١ - المالكية:
قال القرافي: إذا قلنا يرد الغلة إذا غصب دراهم أو دنانير فربح فيها، فثلاثة أقوال:
قال مالك وابن القاسم: لا شيء لك إلا رأس المال لتقَرُّر الضمان عليه بالتصرف، استنفقها أو اتجر فيها، وعن ابن حبيب: إن اتجر فيها موسرًا فله الربح لقبول ذمته للضمان أو معسرًا فلك لعدم قبولها في الولي يتجر في مال يتيمه، وعن سحنون: لك ما كنت تتجر
стр. 296
فيها، أي لو كانت في يديك (١).
قال الخرشي: اعلم أن اللخمي حكى فيمن غصب دراهم أو دنانير هل يغرم ما يربح منها أو ما كان يربح فيها صاحبها؟ ثلاثة أقوال:
فقيل: لا شيء للمغصوب منه إلا رأس ماله، استنقصها الغاصب أو اتجر فيها فربح، وهو قول مالك وابن القاسم، وقيل: إن اتجر فيها وهو موسر كان الربح له، وإن كان معسرًا فالربح لصاحبها وهو قول مسلمة وابن حبيب … ثم قال: والراجح أن الربح للغاصب مطلقًا كما أفاده بعض الشيوخ، خصوصًا وقد علمت أنه كلام مالك والقاسم، وحكى الاتفاق عليه ابن رشد (٢).
٢ - الشافعية:
قال الشيرازي: فصلٌ: وإن غصب دراهم فاشترى سلعة في الذمة، ونقد الدراهم في ثمنها وربح، ففي الربح قولان: قال في القديم هو للمغصوب منه؛ لأنه نماء ملكه فصار كالثمرة والولد، فعلى هذا يضمنه الغاصب إذا تلف في يده كالثمرة والولد. وقال في الجديد: هو للغاصب؛ لأنه بدل ماله فكان له (٣).
стр. 297
قال الشربيني: إذا اتجر الغاصب في المال المغصوب فقولان: الجديد أنه إن باعه أو اشترى بعينه فالتصرف باطل وإن باع سلمًا أو اشترى في الذمة وسلم المغصوب فيه فالعقد صحيح والتسليم فاسد فلا تبرأ ذمته مما التزم ويملك الغاصب ما أخذ وأرباحه له.
القديم أن بيعه والشراء بعينه ينعقد موقوفًا على إجازة المالك، فإن أجاز فالربح له (١).
٣ - قول أبي يوسف من الحنفية:
قال المرغيناني: الغاصب أو المودع إذا تصرف في المغصوب أو الوديعة وربح، لا يطيب له الربح عندهما خلافًا لأبي يوسف (٢).
• القول الثالث (الربح يتبع رأس المال):
أدلة هذا القول:
١ - قول رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ
لَرَبِحَ فِيهِ (١).
٣ - حديث صاحب فَرْق الأرز، وهو أحد الثلاثة الذين آواهم المبيت في غار، إذ قال: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرْقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ عَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُهُ لَهُ حَتَّى جَمَعْتُ لَهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا، فَلَقِيَنِي فَقَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا فَخُذْهَا. فَذَهَبَ فَاسْتَاقَهَا (٢).
• بعض النقول عن أهل العلم في هذا القول:
• الشافعية (في القديم):
قال الشافعي: وإذا ابتضع الرجل ببضاعة وتعدى فاشترى بها شيئًا، فإن هلكت فهو ضامن، وإن وضع فيها فهو ضامن، وإن ربح فالربح لصاحب المال كله إلا أن يشاء تركه (٣).
قال الشربيني: والقديم - أي: القول القديم في مسألة إذا اتجر الغاصب في المال المغصوب - أن بيعه والشراء بعينه ينعقد موقوفًا على إجازة المالك، فإن أجاز فالربح له، وكذا التزم في الذمة وسلم
стр. 300
المغصوب تكون الأرباح للمالك (١).
• قول الحنابلة:
قال المرداوي: قوله: «وإن اتجر بالدراهم فالربح لمالكها»، يعني إذا أتجر بعين المال أو بثمن الأعيان المغصوبة، فالمال وربحه لمالكها، وهذا هو الصحيح من المذهب ونص عليه ونقله الجماعة وعليه الأصحاب (٢).
قال ابن قدامة: فصل: وإذا غصب أثمانًا فاتجر بها أو عروضًا فباعها واتجر بثمنها، فقال أصحابنا: الربح، والسلع المشتراة له (٣).
قال البهوتي: وإن اتجر الغاصب بعين المال المغصوب بأن كان دنانير أو دراهم فاتجر بها أو اتجر بثمن عين المغصوب بأن غصب عبدًا فباعه واتجر بثمنه وحصل ربح، فالربح والسلع المشتراة للمالك، نقله الجماعة، واحتج بخبر عروة بن الجعد (٤)، قال أيضًا: لكن نصوص أحمد متفقة على أن الربح للمالك (٥).
стр. 301
• القول الرابع (التفصيل):
قال القرافي: وعن ابن حبيب: إن اتجر فيها موسرًا فله الربح لقبول ذمته للضمان، أو معسرًا فله لعدم قبولها في الولي يتجر في مال يتيمه، وعن سحنون: لك ما كنت تتجر فيها، أي لو كانت في يديك.
قال: وأستحسن أن تقسم المسألة لأربعة أقسام:
إن كنت لا تتجر فيها لو كانت في يديك، ولم يتجر فيها الغاصب بل قضاها في دين أو أنفقها، فرأس المال لعدم تعيين تضيع ربح عليك، وإن كنت تتجر فيها ولم يتجر الغاصب فلك ما كنت تربح في تلك المدة؛ لأنه حرمك إياه،؟ إذا أغلق الدار، إلا أن يُعلم أن التجارة في تلك المدة كانت غير مربحة.
وإن كنت لا تتجر فيها وتجر فيها الغاصب وهو موسر بغيرها ولم يعامل لأجلها، له الربح لتقررها في ذمته بالتصرف، وإن كان فقيرًا عومل لأجلها فالربح لك لقوة شبهة تحصيل ملك للربح كالولد في الحيوان.
وإن كنت تتجر فيها وهو فقير، فعليه الأكثر مما ربح أو ما كنت تربح (١).
نِتَاجِهَا لِلْغَاصِبِ، وَبَيْنَ أَخْذِ نِتَاجِهَا وَتَرْكِ قِيمَتِهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ الرَّاجِحِ يَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَلَهُ نِصْفُ النِّتَاجِ، وَاللَّه أَعْلَمُ (١).
• الراجح في المسألة:
هو أن الربح يتبع رأس المال؛ لأنه سبب نمائه، على ما اختاره الشافعي في مذهبه القديم والحنابلة، وهو أيضًا قول ابن حزم (٢) والشوكاني (٣). وذلك لقوة استدلالاتهم ومطابقتها للمسألة.
أما من قال بالصدقة، ففي قوله مضرة لصاحب رأس المال بغير وجه حق، وليس هناك دليل صحيح صريح يُلزمه بذلك، أما استدلالهم بحديث عاصم بن كليب - راجِعْه عند ذكر أصحاب هذا القول بدليلهم- فليس في محله كما أسلفت. وكذلك الذين قالوا: (إن الربح للغاصب) فقولهم بعيد؛ إذ لا ينكر أحد أنه ظالم في غصبه وظالم في تصرفه فيه؛ إذ إنه حرم صاحبه منه مدة من الزمن ربما كان اتجر به تجارة عظيمة يفهم هو فيها تُدر عليه دخلًا كبيرًا، وكما قال رسول الله ﷺ على وجه من حسن الحديث-: «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٤).
стр. 306
أما ما ذهب إليه الشيخان ابن تيمية وتلميذه ابن القيم فهو أيضًا بعيد؛ إذ قاسوا هذا الأمر على أثر عمر، والقياس هنا باطل، إذ أن ابني عمر لم يكونا قد اغتصبا المال إنما أخذاه سلفًا، هكذا حدد لهما أبو موسى، وإنما كان إنكار عمر أنه خصهما بالسلف دون سائر الجيش، ولا يخفى أن من استلف مالًا لأجل معين، وحق له أن يفعل به ما يشاء، فإن قيل: إن كان هذا سلفًا مباحًا فلماذا وافق أمير المؤمنين على جعله قراضًا ومن قبل كان يريد الربح كله للمسلمين؟ فالجواب على ذلك أن هذا للشبهة التي أتت عليه من كونه ليس ملكًا لأبي موسى إنما هو ملك للمسلمين.
стр. 307
حكم أموال الكافر إذا أسلم هل تحل له أو لا؟
إذا أسلم الكافر وله مال فمن المؤكد أن يسأل هذا السؤال: ما حكم هذه الأموال التي امتلكتها وقت كفري؟ (ولا شك أن كثيرًا من معاملات الكافرين محرمة في شريعة رب العالمين) والجواب على هذا السؤال يسير بفضل الله .
نقول وبالله التوفيق: المال الذي اكتسبه قبل إسلامه لا يخلومن حالتين:
إما أن يكون قبضه فأسلم وهو معه، كأموال نقدية أو عقارات أو أطيان أو غير ذلك.
أو أن يكون تعاقد عليه ولم يقبضه بعد.
ولكل من هاتين الحالتين حكمها عند الفقهاء:
• الحالة الأولى: المال الحرام المكتسب إذا تم قبضه قبل الدخول في الإسلام:
في هذه الحالة يكون المال حلالًا لا شيء فيه، وصاحبه حر التصرف فيه، سواء أكان اكتسبه من معاملات حرمتها الشريعة الإسلامية أم لا.
стр. 308
استدل أهل العلم على ذلك بالأدلة الآتية:
أ- قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]
ب- وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ٢٧٩﴾ [البقرة].
ج- حديث: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مَالٍ فَهُوَ لَهُ» (١).
د- قصة المغيرة بن شعبة لما صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال له النبي ﷺ : «أَمَّا الإِسْلَامَ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا المَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ» (٢). قالوا: فيه دلالة على أنه تملك المال والنبي ﷺ إنما لم يأخذه تورعًا؛ لأنه أُخذ غدرًا، وإنما أقره معه في حوزته.
стр. 309
هـ- دخول الكثيرين في دين الإسلام، ولم يعلم أن النبي ﷺ سأل أحدًا منهم عن ماله من أين اكتسبه، ولا طلب منه أن يتخلص منه.
و- قبول النبي ﷺ وصية مخيريق اليهودي (١)، وكانت سبعة حوائط في بني النضير.
ز- أنهم - أي الكفار - اكتسبوا هذا المال معتقدين حله (٢).
ح- حديث سويد بن غفلة أن بلالًا قال لعمر: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال: لا تأخذوها منهم، ولكن ولوهم بيعها وخذوا أنتم الثمن (٣)(٤).
стр. 310
• بعض أقوال أهل العلم في المسألة:
قال يحيى: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ إِمَامٍ قَبِلَ الْجِزْيَةَ مِنْ قَوْمٍ فَكَانُوا يُعْطُونَهَا، أَرَأَيْتَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ أَتَكُونُ لَهُ أَرْضُهُ أَوْ تَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَكُونُ لَهُمْ مَالُهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ: أَمَّا أَهْلُ الصُّلْحِ فَإِنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَهُوَ أَحَقُّ بِأَرْضِهِ وَمَالِهِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْعَنْوَةِ الَّذِينَ أُخِذُوا عَنْوَةً فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَإِنَّ أَرْضَهُ وَمَالَهُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعَنْوَةِ قَدْ غُلِبُوا عَلَى بِلَادِهِمْ وَصَارَتْ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا أَهْلُ الصُّلْحِ فَإِنَّهُمْ قَدْ مَنَعُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ حَتَّى صَالَحُوا عَلَيْهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ (١).
قال ابن عبد البر: ما ذكره مالك ﵀ في هذا الباب عليه جماعة العلماء (٢).
قال الباجي: قوله من أسلم من أهل الصلح فَمَا لُهُ لَهُ قول جماعة الفقهاء (٣).
• الحالة الثانية: المال الحرام المتعاقد عليه قبل الإسلام إذا لم يتم قبضه إلا بعد الإسلام: في هذه المسألة اختلف أهل العلم على قولين:
الأول: قول بعدم جواز حوزته والانتفاع به بل يجب التخلص منه.
الثاني: أنه حلالٌ يجوز الانتفاع به.
والراجح: إن كان هذا العقد مما أحله الإسلام، يكون المال حلالا له، وإن كان مما حرمه الإسلام؛ يكون حرامًا عليه أخذه، ويجب عليه التخلص منه في مصالح المسلمين.
ويُستدل لهذه المسألة بحديث عائشة ﵂ قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر الصديق، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه. فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه (١).
стр. 313
هل يصح الحج من المال الحرام؟
• سؤال يتردد على ألسنة التائبين، بل يتردد أيضًا على ألسنة غيرهم، وهو ما الحكم في رجل كان يتكسب من الحرام ثم أدى فريضة الحج بهذا المال الحرام، فهل يصح حجه، بحيث تكون حجة الفريضة قد سقطت عنه أو لا؟
• والجواب على هذا السؤال يكون بما يلي:
ليس في كتاب الله ولا في صحيح السنة نص صريح يتعلق بهذه المسألة، إنما يستدل الفقهاء في هذه المسألة بنصوص عامة، إلا أنه ورد في المسألة حديثان منسوبان إلى النبي ﷺ ننبه على عدم ثبوتهما:
الأول: «من حج بمالٍ حرام، فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله : لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك» (١).
стр. 314
الثاني: «مَنْ أَمَّ هذا البيت من الكسب الحرام شخص في غير طاعة الله، فإذا أَهَلَّ ووضع رجله في الغرز أو الركاب وانبعثت به راحلته، قال: لبيك اللهم لبيك؛ ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، كسبك حرام وزادك حرام وراحلتك حرام فارجع مأزورًا غير مأجور وأبشر بما يسوءك، وإذا خرج الرجل حاجًّا بمال حلال ووضع رجله في الركاب وانبعثت به راحلته قال: لبيك اللهم لبيك؛ ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك قد أجبتك، راحلتك حلال وثيابك حلال وزادك حلال فارجع مأجورًا غير مأزور وأبشر بما يسرك» (١).
стр. 315
• أقوال أهل العلم في المسألة:
بادئ ذي بدئ أقول: كلمة أهل العلم متفقة على عدم جواز الحج من المال الحرام؛ إذ أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ثم إنهم اختلفوا في صحة حج من فعل ذلك، بمعنى هل تسقط عنهم حجة الإسلام أو لا؟ ونتج عن خلافهم هذا قولان:
الأول: وهو قول الجمهور (الحنفية، والشافعية، وأحد القولين في مذهب المالكية، كذلك احد القولين في مذهب الحنابلة) - أن الحج صحيح مع كونه آثمًا متحملًا جرم هذا المال الحرام.
واستدلوا لذلك بما يلي:
١ - الحج عبادة مستقلة بنفسها لا تضرها معصية أخرى. وقاسوا ذلك على الصيام، فقالوا: لو صام رجل ثم هو في نهار رمضان ارتكب معصية الغيبة أو أخذ رشوة هل يفسد صومه؟
٢ - قاسوا على الصلاة في الأرض المغصوبة، على قول من قال بصحتها، إذ أن المحرم اغتصاب الأرض فقط.
٣ - قالوا: توفر المال شرط وجوب ليس شرط صحة.
الثاني: - وهو قول عند المالكية وآخر عند الحنابلة - قالوا: لا يجزئ.
стр. 316
واستدلوا بما يلي:
١ - قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].
٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
٣ - قول رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» (١).
٤ - الحديثان الضعيفان اللذان تقدما في بداية المسألة.
ويلاحظ على أدلة هذا الفريق أنها أدلة عامة غير متعلقة بالباب عدا الحديثين وقد تبين ضعفهما.
• النقول عن الأئمة الفقهاء:
قال ابن عابدين الحنفي:
إنَّ الْحَجَّ نَفْسَهُ الَّذِي هُوَ زِيَارَةُ مَكَان مَخْصُوصٍ … إلَخْ لَيْسَ حَرَامًا، بَلِ الْحَرَامُ هُوَ إنْفَاقُ الْمَالِ الْحَرَامِ، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ تَقَعُ فَرْضًا، وَإِنَّمَا الْحَرَامُ شَغْلُ الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُ الْفِعْلِ صَلَاةً لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِالْحُرْمَةِ، وَهُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ الْحَجَّ فِي نَفْسِهِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ حَيْثُ الْإِنْفَاقُ (٢).
стр. 317
قال الدردير المالكي:
وصح الحج فرضًا أو نفلًا بالحرام من المال، فيسقط عنه الفرض والنفل وعصى؛ إذ لا منافاة بين الصحة والعصيان (١).
قال الدسوقي المالكي في حاشيته:
قوله: (وعصى) قال ح (٢): الحج الحرام لا ثواب فيه وإنه غير مقبول.
واعترضه الشيخ أبو علي المسناوي بأن مذهب أهل السنة أن السيئة لا تحبط ثواب الحسنة، بل يثاب على حجه، ويأثم من جهة المعصية. ا هـ كلامه.
قال ابن العربي: مَنْ قَاتَل على فرس غصبَه فله الشهادة وعليه المعصية، أي له أجر شهادته، وعليه إثم معصيته.
وإذا علمت هذا، فقول المصنف: (وعصى) معناه أنه لا يثاب عليه كثواب فعله بحلال، فلا ينافي أنه يثاب عليه، وليس المراد نفي الثواب عنه بالمرة كما هو ظاهره (٣).
стр. 318
قال النووي الشافعي:
إذَا حَجَّ بِمَالٍ حَرَامٍ أَوْ رَاكِبًا دَابَّةً مَغْصُوبَةً، أَثِمَ وَصَحَّ حَجُّهُ وَأَجْزَأَهُ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ومَالِكٌ والعَبْدَريُّ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُجْزِئُهُ: وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْحَجَّ أفعَالٌ مْخصُوصَةٌ والتَّحْرِيمُ لمِعْنًى خَارجٍ عَنْهَا (١).
• الراجح في المسألة:
ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الحج صحيح، فيجزئه الحج، ويتحمل إثم معصيته؛ وذلك لقوة أدلة الجمهور التي تقدمت، وضعف أدلة أصحاب القول الثاني.
стр. 319
مَنْ استدان مالًا لإنفاقه في الحرام هل يجوز قضاؤه عنه من الزكاة؟
هذه صورة تتكرر كثيرًا، فنجد مثلًا رجلًا يشتري قناة من القنوات الفضائية التي تقوم على بث الفسق والفجور، ثم تخسر القناة وتتراكم عليها الديون، ويقول: إني تبت إلى الله. أو مثلًا امرأة تقترض قروضًا كثيرة، وتنفقها في معصية الله ثم تقول: إني تبت إلى الله. هل في مثل هذه الحالات يجوز إعطاء أمثال هؤلاء من زكاة المال بغرض قضاء الدين أو لا؟
وللجواب على هذه المسألة نقول: لم يرد في كتاب ربنا ولا في سنة نبينا ﷺ نص خاص يتعلق بهذه المسألة، إلا ما ورد من عمومات في الحث على إعطاء الغارمين من الصدقات، كقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
لذلك نجد أن أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
الأول: مذهب المالكية وهو المعتمد عند الشافعية والحنابلة: يجوز سداد الدين عن المدين في معصية إن تاب وظهرت توبته، وذلك
стр. 320
لأنه يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، ولأن في ذلك عونًا له على الطاعة والتوبة.
الثاني: وجه عند الشافعية وبعض الحنابلة: لا يجوز أن يُسد عن الغارم في معصية وإن تاب؛ لأن في ذلك عونًا على المعصية، فكل من أراد أن يستدين في معصية سَيُقدم وهو يعلم أن دينه سَيُقضى.
• نص كلامهم ﵏:
قول المالكية:
قال العدوي في حاشيته: ويشترط أن يكون الدين مما يحبس فيه، كحقوق الآدميين، فإن كان كالزكاة والكفارات فلا يعطى شيئًا، وأن لا يكون استدانه في فساد إلا أن يتوب (١).
قال العلامة خليل بن إسحاق في مختصره (في فصل في مصرف الزكاة):
« … ومدين، ولو مات، يحبس فيه لا في فساد، ولا لأخذها إلا أن يتوب على الأحسن» (٢).