← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 825

الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (640 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ثانيًا: الجواب عن كل أثرٍ على حدة جواب الأثر الأول: أن الرواية الواردة عن عائشة في ذلك ضعيفة لا تثبت: (١) قال أبو حيان في قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ): وذُكِر عن عائشة وأبان بن عثمان أنَّ كَتْبَهَا بالياء من خطأ كاتب المصحف، ولا يصح عنهما ذلك؛ لأنَّهما عربيان فصيحان، وقطع النعوت مشهورٌ في لسان العرب. (٢) وقال الزمخشري: (ت: ٥٣٨ هـ): ولا نلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنًا في خط المصحف، وربَّما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، (٣) ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وخفي عليه أن السابقين الأولين، الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همةً في الغيرة على الإسلام، وذبِّ الْمطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثُلمةً يسدها من بعدهم، وخرقًا يَرْفُوهُ من يلحق بِهم. (٤) أنه مِمَّا يدل على ضعف الرواية عن عائشة ﵂ في تخطئة الكاتب في رسم (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) (طه من آية: ٦٣) أن المصاحف العثمانية اتفقت على رسم (هذان) بغير ألف، ولا ياء، (٥) ليحتمل أوجه القراءة المختلفة فيها، وإذًا فلا يُعقل أن يُقال أخطأ الكاتب، فإن الكاتب لم يكتب ألفًا ولا ياءً. ولو كان هناك خطأٌ تعتقده عائشة- ﵂ ما كانت لتنسبه إلى الكاتب، بل كانت تنسبه إلى من قرأ بالتشديد في (إنَّ) مع القراءة بالألف في (هذان). (٦) أنه لم ينقل عن عائشة تخطئة من قرأ: (وَالصَّابِئُونَ) (المائدة من آية: ٦٩) بالواو، ولم ينقل عنها أنَّها كانت تقرؤها بالياء، فلا يعقل أن تكون خطَّأت من كتبها بالواو. (٧) أننا إذا سلَّمنا بصحة هذا

стр. 282

الخبر، فإنه يحتمل أن سؤال عروة لعائشة لم يكن عن اللحن (١) في الكتاب الذي هو الخطأ والزلل والوهم، وإنما سألها عن الحروف المختلفة الألفاظ، المحتملة للوجوه على اختلاف اللغات، وإنما سمَّى عروة ذلك لحنًا، وأطلقت عليه عائشة الخطأ على جهة الاتساع في الأخبار، وطريق المجاز في العبارة، إذ كان ذلك مخالفًا لمذهبهما، وخارجًا عن اختيارهما، وكان خلافه هو الأولى عندهما. (٢) أنه يحتمل أيضًا أن قول عائشة: " أخطأوا في الكتاب" أي في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه. أي أن الوجه الظاهر المعروف في هذه الحروف غير ما جاء به المصحف، وأن استعماله على ذلك الوجه غامضٌ أو غلطٌ عند كثير من الناس، ولحن عند من لا يعرف الوجه فيه، لا أن الذي كتبوه من ذلك خطأٌ خارج عن القرآن، والدليل على ذلك أن غير الجائز من كلِّ شيءٍ مردودٌ بإجماع، وإن طالت مدة وقوعه. (٣) جواب الأثر الثاني: أن كلام عائشة في قوله تعالى: (يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوْا) (المؤمنون من آية: ٦٠) ليس فيه إنكار هذه القراءة المتواترة، وإنما غاية ما فيه أن ما قرأت هي به كان مسموعًا عن رَسُول اللهِ ﷺ منَزَّلاً من عند الله. أن قولَها: "وَلَكِنَّ الْهِجَاءَ حُرِّفَ" يحتمل أن يكون المراد به أنه ألقي إلى الكاتب هجاءٌ غيرُ ما كان الأولى أن يُلْقَى إليه من الأحرف السبعة. أنه يحتمل أيضًا أن يكون مأخوذًا من الحرف، الذي هو بمعنى القراءة واللغة، وأنَّها أرادت أن هذه القراءة المتواترة التي رُسم بِها المصحف لغةٌ ووجهٌ من وجوه أداء القرآن الكريم. (٤) جواب الأثر الثالث: أن هذه الرواية غير ثابتة عن ابن عباس. قال أبو حيان: ومن روى عن ابن عباس أن قوله: (تستأنسوا) خطأ، أو وهم من الكاتب، وأنه قرأ: (حتى تستأذنوا)، فهو طاعنٌ في الإسلام، ملحدٌ في الدين، وابن عباسٍ بريءٌ من هذا القول، وتستأنسوا متمكنةٌ في المعنى، بيِّنَةٌ الوجه في كلام العرب. (٥)

стр. 283

أن ابن عباس قرأها (تستأنسوا) وفسرها بالاستئذان. فعن ابن عباس في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) (النور، من آية: ٢٧)، قال: الاستئناسُ: الاستئذانُ. (١) جواب الأثر الرابع: أن الرواية بذلك عن ابن عباس غير ثابت، قال أبو حيان: وأما قول من قال: إنَّما كتبه الكاتب وهو ناعسٌ، فسوَّى أسنان السين، فقول زنديقٍ ملحدٍ. (٢) أنه يحتمل أن قول ابن عباس: "كتبها وهو ناعس"، بِمعنى أنه لم يتدبر الوجه الذي هو أولى من الآخر، وهذا الرد محتمل في كثير من تلك الروايات. جواب الأثر الخامس: أنه قد استفاض عن ابن عباس أنه قرأ (وقضى) (الإسراء من آية: ٢٣) وذلك دليل على أن ما نسب إليه في تلك الروايات من الدسائس التي لفَّقها أعداء الإسلام. (٣) قال أبو حيان: والمتواتر هو: (وقضى)، وهو المستفيض عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم في أسانيد القراء السبعة. (٤) جواب الأثر السادس: في قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياءً) (الأنبياء من آية: ٤٨) فالرواية الواردة عن ابن عباس في تغيير موضع الواو ضعيفة، لا تصح. (٥). جواب الأثر السابع: أنه لم ينقل أحدٌ من رواة القراءة أن ابن عباس كان يقرأ: (مثل نور المؤمن)، وهذا يدل على عدم صحة هذا النقل عنه، إذ كيف يقرأ ما يعتقد أنه خطأ ويترك ما يعتقد أنه الصواب. على أنه قد روي أن أُبَيًّا كان يقرأ: (مثل نور المؤمن)، وهي قراءة شاذة مخالفة لرسم المصاحف، وينبغي أن تحمل على أنه أراد تفسير الضمير في القراءة المتواترة، أو على أنَّها قراءة منسوخة. (٦)

стр. 284

انتهى الكلام عن الشبهة الثانية وجوابها والحمد لله. الشبهة الثالثة: دعوى تغيير الحجاج بن يوسف (ت: ٩٥ هـ) مصحف عثمان ادعى بعض الطاعنين في القرآن الكريم أن الحجاج بن يوسف الثقفي غيَّر حروفًا من مصحف عثمان، وأسقط حروفًا كانت فيه، وأنه كتب ستة مصاحف وجه بِها إلى الأمصار، وجمع المصاحف المتقدمة، وأغلى لَها الخل حتى تقطعت، وأنه قصد بذلك التزلف إلى بني أمية بإثبات خلافتهم، وإبطال خلافة ولد عليٍّ والعباس (١). وتعلقوا في ذلك بنحو ما روي عن عوف بن أبي جميلة أن الحجاج بن يوسف غيَّر في مصحف عثمان أحد عشر حرفًا، قال: كانت في البقرة: (لم يتسنَّ وانظر)، بغير هاء، فغيَّرها) لَمْ يَتَسَنَّهْ ((البقرة من آية: ٢٥٩) بالهاء. (٢) وكانت في المائدة: (شريعة ومنهاجًا)، فغيَّرها:) شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (٣) وكانت في يونس:) يَنْشُرُكُم (، فغيَّرها:) يُسَيِّرُكُمْ (٤) وكانت في يوسف: (أَنَا آتِيكُم بِتَأْوِيلِهِ)، فغيَّرها:) أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ (٥) وكانت في المؤمنين: (سيقولون لله، لله، لله)، ثلاثتهن، فجعل الأخريين: (الله، الله) (٦).

стр. 285

وكانت في الشعراء، في قصة نوح: ﵇ (مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، وفي قصة لوط ﵇: (مِنَ الْمَرْجُومِينَ)، فغيَّر قصة نوح ﵇: (مِنَ الْمَرْجُومِينَ)، (الشعراء من آية: ١١٦) وقصة لوط ﵇:) مِنَ الْمُخْرَجِينَ ((الشعراء من آية: ١٦٧). وكانت في الزخرف: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعَايِشَهُم)، فغيَّرها) مَعِيشَتَهُمْ (١) وكانت في الذين كفروا (٢): (مِن مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ)، فغيَّرها:) مِن مَاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ (٣) وكانت في الحديد: (فالذين آمنوا منكم واتقوا لهم أجرٌ كبير)، فغيَّرها:) وَأَنْفَقُوا ((الحديد من آية: ٧) وكانت في إذا الشمس كُوِّرَتْ): وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ (، (٤) فغيَّرها:) بِضَنِينٍ (٥). وهذه شبهة باردة لا تستحق الردَّ؛ فإنَّها تحمل في طيَّاتِها أمارات بطلانِها وردها، ولكن نذكر ما أجاب به أهل العلم عن هذه الكذبة، وهي أجوبة كثيرة، منها: الجواب الأول: أن الروايات التي تعلقوا بِها في هذه الشبهة في غاية الضعف، ولا تقوم بمثلها حجة، فهذا الأثر المروي عن عوف بن أبي جميلة ضعيف جدًّا، ففيه عبّاد بن صهيب، وهو متروكٌ، ضعيف الحديث، وكان قدريًّا داعيةً، (٦) وكذلك عوف بن أبي جميلة، وإن كان ثقةً، إلا أنه متهم بالقدر والتشيع، وهذا الأثر -إن ثبت عنه- مما يؤيد دعوى الشيعة وقوع التحريف في القرآن، فهو متهم فيه. (٧) الجواب الثاني: أنه لو حصل مثل ذلك لنقل إلينا نقلاً متواترًا، لأنه مِمَّا تتوافر الدواعي على نقله وتواتره. فلما لم ينقل إلينا بالنقل الصحيح، علم أنه كذب لا أصل له.

стр. 286

الجواب الثالث: أنه من الْمحال عقلا وعادةً سكوت جميع الأمة عن تغيير شخص لكتابِها الذي تدين الله به، وأئمة الدين والحكم إذ ذاك متوافرون، فكيف لا ينكرون، ولا يدافعون عن كتاب ربِهم. الجواب الرابع: أن الحَجاج لم يكن إلا عاملاً على بعض أقطار الإسلام، ومن المحال أن يقدر على جمع المصاحف التي انتشرت في بلاد المسلمين شرقها وغربِها، فذلك مِمَّا لا يقدر عليه أحدٌ لو أراده. الجواب الخامس: أن الحجاج لو فرض أنه استطاع جمع كل المصاحف وإحراقها، فإنه من المحال أيضًا أن يتحكم في قلوب الآلاف المؤلفة من الحفاظ، فيمحو منها ما حفظته من كتاب الله. (١) ويدل على ذلك أن أكثر المواضع التي ادُّعي أن الحجاج غيَّرها هي في جميع المصاحف على تلك الصورة التي زعموا أن الحجاج غيرها إليها، وقرأها القراء بِهذا الوجه، وبعضها رسم على الصورتين في المصاحف وقرئ بقراءتين، كما نقله إلينا القراء وعلماء الرسم العثماني، كما أن جل هذه المواضع لم ينقل إلينا نقلاً متواترًا قراءة أحد من القراء بِما يوافق الوجه الذي يزعمون أنه كان ثم غُيِّر، مثل: (شريعة ومنهاجًا)، و (أَنَا آتِيكُم بِتَأْوِيلِهِ)، و (مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، في قصة نوح عليه السلام، و (مِنَ الْمَرْجُومِينَ) في قصة لوط ﵇، و (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعَايِشَهُم)، فلو صحَّ هذا النقل لنُقِل إلينا من القراءات في هذه المواضع ما يوافق ما كانت مكتوبةً به أوَّلاً. الجواب السادس: أنه بفرض أن الحجاج كان له من الشوكة والمنعة ما أسكت به جميع الأمة على ذلك التعدي المزعوم على الكتاب الكريم، فما الذي أسكت المسلمين بعد انقضاء عهده. (٢) الجواب السابع: أنه يحتمل أن الحجاج إنَّما غيَّر حروفًا من بعض المصاحف التي تخالف مصحف عثمان، فقد روي أنه لَمَّا قدم العراق وجد الناس يكتبون في مصاحفهم أشياء، كانوا يكتبون: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما)، و (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج) وأشياء غير هذا، فبعث إلى حفاظ البصرة وخطاطها، فأمر نصر بن عاصم وأبا العالية وعليَّ بن أصمعَ ومالك بن دينار والحسن البصري وأمرهم أن يكتبوا مصاحف ويعرضوها على مصحف عثمان. (٣)

стр. 287

وقد كان - فيما روي- من أشد الأمراء نظرًا في المصاحف، وكان شديد الحرص على أن يتَّبع الناس مصحف عثمان، فوكَّلَ عاصمًا الجحدري وناجية ابن رُمْحٍ وعليَّ بن أصمعَ بتتَبُّع المصاحفِ، وأمرهم أن يقطعوا كل مصحفٍ وجدوه مخالفًا لمصحف عثمان، ويعطوا صاحبه ستين درهمًا. (١) الجواب الثامن: أن الحروف التي زعموا أن الحجاج غيَّرها ليس فيها حرفٌ واحد في إثبات خلافة بني أمية وإبطال خلافة بني العباس. (٢) وبهذا ينتهى الكلام عن الشبهة الثالثة وجوابها والحمد لله. الشبهة الرابعة: حول قول عمر ﵁: "كنت أقرأ (فامْضوا إلى ذكر الله) بدلاً من (فاسعوا) في سورة الجمعة (الجمعة من آية: ٩) ". (٣) وقد ورد في الفصل الخامس من كتاب "تدوين القرآن" لـ " علي الكوراني العاملي الرافضي" (معاصر) (٤) تحت عنوان "قراءات شخصية ومحاولات تحريف قراءات للخليفة لم يطعه فيها المسلمون" قال عليه من الله ما يستحق: ١ - فامضوا إلى ذكر الله! اتفقت مصادر إخواننا السنة (٥) على أن الخليفة عمر كان يقرأ فاسعوا إلى ذكر الله في الآية التاسعة من سورة الجمعة (فامضوا إلى ذكر الله) حتى في صلاته، وأنه كان يصر على ذلك ويأمر بمحو (فاسعوا) ويقول إنها منسوخة!! فما هو سبب ذلك؟ ثم ما هو السبب في أن جميع المفسرين وفقهاء المذاهب السنية لم يطيعوا الخليفة ولم يكتبوها في المصاحف، ولم يقرؤوا بها، مع أنهم يتعصبون لأقوال الخليفة عمر ويتشبثون بها؟! جواب هذه الشبهة: قراءة عمر- ﵁ لآية سورة الجمعة (فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ الله) قد رواها الإمام البخاري عنه في صحيحه معلَّقة بصيغة الجزم، ورواها مسندةً الإمامُ ابن جرير الطبري بإسناد صحيح، وهي

стр. 288

ليست موافقة لرسم المصحف العثماني، وليست قراءة سبعية، وقد ذهب بعض العلماء إلى عدِّها وجهًا تُقرأ به الآية، وقال آخرون إنها قراءة تفسيرية، وأنه أراد تفسير " السعي " في الآية وأنه ليس " المشي بسرعة "، وقد وُجد في مصاحف بعض الصحابة مثل هذا فكانوا يفسرون بعض ألفاظ الآية بشرح تفسيري لها، ويرويها بعض تلامذتهم على أنها قراءة للآية، وإن كان الأظهر في هذه أنها قراءة لعمر ﵁، كان يقرأ بها الآية، وصح إسنادها إليه؛ لكن ذلك لا يعني أنها بدل عن الآية التي أجمع أصحاب النبي ﷺ على إثباتها في مصحف عثمان، وتواتر النقل بها بين المسلمين تواترًا ضروريًا قطعيًا، بل هي حرف كان يقرأ به عمر، مع أنه لا ينكر ما سواه، وما أثبت في المصحف هو حرف آخر في الآية، وكل شاف واف، لكن المثبت في المصاحف هو المقطوع بنقله وثبوته. (١). وللقراءة الصحيحة المتواترة شروط معتبرة متفق عليها عند أئمة القراءات: شروط القراءة المتواترة: يشترط في القراءة المتواترة تحقق ثلاثة شروط متفق عليها: الشرط الأول: صحة السند واتصاله وتواتره. الشرط الثاني: موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا. الشرط الثالث: موافقة العربية ولو بوجه. فالقراءة الصحيحة إذًا هي: ما صح سنده، ووافق العربية ولو بوجه، ووافق الرسم العثماني ولو احتمالًا. وإنما تسمى القراءة الشاذة اليوم كذلك، لكونها شذت عن رسم المصحف العثماني المجمع عليه وإن كان إسنادها صحيحًا. وشروط القراءة المتواترة قد ذكرها ابن الجزريِّ (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀، في طيِّبةِ النشر حيث يقول: فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ … وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي وَصَحَّ إسْنادًا هُوَ الْقُرآنُ … فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأَرْكَانُ

стр. 289

وحَيثُما يَخْتَلَّ رُكْنٌ أَثْبِتِ … شُذُوذَهُ لَوْ أنَّهُ فِي السَّبعَةِ. (١) أركان القراءة الصحيحة فيقول في " النشر"- أيضًا: ثم هو يفصل ويجلي عن "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه". (٢) ويستحيل وجود قراءة متواترة تتناقض مع قراءة أخرى أبدًا، بل تتكامل في معناها. وفي ذلك يقول ابن الجزريِّ (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀ في طيِّبةِ النشر أيضًا: " مع كثرة اختلاف القراءات وتنوعها، لم يتطرق إليه [أي القرآن الكريم] تضاد ولا تناقض ولا تخالف، بل كله يصدق بعضه بعضًا، ويُبيِّن بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض. على نمط واحد، وأسلوب واحد. وما ذاك إلا آية بالغة، وبرهان قاطع، على صدق ما جاء به النبي ﷺ ". (٣) ومما يدلل على ذلك ويؤكده ويؤيده أن القراءات المتواترة معلومة ومبيَّنة في كل ما كتبه المتقدمون والمتأخرون، ومع كثرة بحوث ودراسات الطاعنين في القرآن على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم على مر العصور والدهور، إلا أنهم لم يتمكنوا من إظهار قراءة واحدة متواترة، تتناقض مع قراءة أخرى مثلها أبدًا. ومع ذلك فإن كل قراءة لها سند متصل إلى رسول الله ﷺ ، بأسانيد متواترة ثابتة ومعلومة، لجمع من الرواة معروفين ومشتهرين ومجتمعين، يستحيل تواطؤهم جميعًا على الكذب.

стр. 290

وفي نحو ذلك يقول ابن حزم الأندلسي (ت: ٤٥٦ هـ) ﵀: أما قولهم: إننا مختلفون في قراءة كتابنا، فبعضنا يزيد حروفًا وبعضنا يسقطها فليس هذا اختلافًا، بل هو اتفاق مِنَّا صحيح؛ لأن تلك الحروف وتلك القراءات كلها مبلَّغ بنقل الكوافِّ إلى رسول الله ﷺ أنها نزلت كلها عليه، فأيُّ تلك القراءات قرأنا فهي صحيحة، وهي محصورة كلها مضبوطة معلومة لا زيادة فيها ولا نقص، فبَطُل التعلُّق بهذا .. إلى أن يقول ﵀: بل الأحرف السبعة كلها موجودة عندنا، قائمة كما كانت، والحمد لله رب العالمين. (١) وكان أولى لـ" على الكوراني العاملي" أن تتوجه مطاعنه على ما كتبه بنو جنسه كالطبرسي الذي ألف كتابه: " فَصْلُ الخِطابِ في إِثْبَاتِ تَحريفِ كِتابِ رَبِّ الأربابِ "، كالطبرسي هو: ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي: (ت: ١٣٢٠ هـ) وكان قد فرغ من كتابه هذا في النجف في ختام شهر جمادى الأخرى من عام ١٢٩٢ هـ، وكان ذلك عند القبر المنسوب لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- ﵁ -وقد جمع فيه الطبرسي الهالك مئات النصوص عن علماء الرافضة ليثبت اعتقادهم بوجود النقص والتحريف التغير والتبديل في القرآن الكريم، وقد طبع كتابه هذا في إيران عدة طبعات. (٢) وهو يقول في مستهل كتابه ما نصه: "هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان نسميه: " فصلَ الخِطابِ في إِثْبَاتِ تَحريفِ كِتابِ رَبِّ الأربابِ ". ثم هو يؤيد فعله وجرمه فيعدد كُتبًا قد شاركته في نفس الجريمة الشنعاء النكراء ويذكرها مرتبة على النحو التالي: ١ - كتاب: "التحريف. " ٢ - كتاب: "التنزيل والتغيير". ٣ - كتاب: "التنزيل من القرآن والتحريف".

стр. 291

٤ - كتاب: "التحريف والتبديل". ٥ - كتاب: "التنزيل والتحريف". (١) وبعد طبع كتابه وظهوره قامت ضجة كبيرة من علماء الرافضة حوله، ولم تقم إلا تَّقِيَّة ليبقى الطعن في القرآن أمرًا خفيًا مكتومًا، وليبقى كما هو مبثوثًا ومفرقًا في كتبهم المعتبرة عندهم، وليس مجموعًا في كتاب واحد، حتى لا يُدانوا به وتقوم به الحجة عليهم. ورغم الردود التي توالت عليه من بني جلدته فقد ازدادًا طغيانًا وعنادًا وبهتانًا فألف كتابًا آخر وسمه بـ " رد بعضِ الشبهاتِ عَنْ فصلِ الخِطابِ في إِثْبَاتِ تَحريفِ كِتابِ رَبِّ الأربابِ " دافع فيه عن ما أودعه في كتابه السابق " فصل الخِطابِ "، و قد كتب هذا الكتاب قبل هلاكه بسنتين فقط. (٢). وأما " على الكوراني العاملي": فقد ازدادًا زورًا وبهتانًا فشارك اثنين هو ثالثهما من الرافضة في التقديم لكتاب مشابه لكتاب الطبرسي، لمؤلف من القوم وهو معاصر، والكتاب هو: " فصل الخِطابِ في تَحريفِ كِتابِ رَبِّ الأربابِ" لمؤلفه: "محمد زكريا اللامِردي"، وقد قدمه له بالترتيب على النحو التالي كل من: ١ - على الكوراني العاملي ٢ - حمزة حسن الحواج ٣ - رفيق لطف الموسوي. (٣). مصحف فاطمة خير شاهد: وما مصحف فاطمة عنا ببعيد، ويعتقد الشيعة الإثنا عشرية بأنه كتاب أملته الملائكة على فاطمة وأنه كان موجودًا لدى أئمتهم الاثني عشر متناقل لديهم حسب ما دلت عليه الروايات المروية عنهم أي أنه الآن عند المهدي ولا يملكه أي أحد آخر. (٤)

стр. 292

وتصديقًا لما نقوله ما ثبت في كتاب الكافي للكليني حيث يروي ويقول: - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن الحجال، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله ﵇: … وإن عندنا لمصحف فاطمة-﵍ وما يدريهم ما مصحف فاطمة ﵍؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة-﵍؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله العلم قال: إنه لعلم وما هو بذاك … (١). ونختم بكلام الكليني في أصح كتاب عند الرافضة ألا وهو كتاب" الكافي". وبهذا ينتهى الكلام عن الشبهة الرابعة وجوابها والحمد لله. الشبهة الخامسة: دعوى الطاعنين بالقول بنقص القرآن على وجه العموم ، ومن تلك الدعاوى الباطلة الزائفة: الدعوى بأن القرآن ليس كاملاً، وأن هناك ما يثبت ذلك، ومنه ما يلي: ١ - ما كان من قول عمر في السقيفة: " كان القرآن ١٠٢٧٠٠ حرفًا ". (٢) ٢ - وما كان من قول عمر كذلك: " لا يدّعيّن أحدٌ أن القرآن مكتمل لأنه قد فُقد معظمه ". (٣) وقد نُسِبَ عزو ذلك القول للسيوطي في الإتقان. وجواب هذه الشبهة على النحو التالي: وأما نسبة هذا القول لعمر في السقيفة: " كان القرآن ١٠٢٧٠٠ حرفًا ". فباطل من وجهين: وهما: الخطأ والتدليس أما الوجه الأول: فهو من جهة الخطأ فيه فأما الخطأ فيه: ففي كتابة عدد حروف القرآن، حيث أن الوارد في عددها هو: " مليون وسبعة وعشرون ألف حرف ". أما الوجه الثاني: فهو من جهة التدليس فيه وأما التدليس: فمن جهتين- كذلك - أما الجهة الأولى: فمن جهة زيادة كلمة " كان " في المتن

стр. 293

فإن ذكر المتن بزيادة لفظة " كان " لتوهم وجود نقصان في القرآن، وبذكر الخبر بصيغة توهم أن السيوطي ﵀ نقل هذا وأيَّده أو صححه، وهو خلاف الواقع، بل إن الرواية عن عمر مكذوبة وقد تكلم السيوطي نفسه على إسنادها ناقلاً نقد الذهبي لها. وقد قال الذهبي في ميزان الاعتدال: عن الخبر أنه: " خبر باطل ". (١) ووافقه الحافظ ابن حجر العسقلاني في: " لسان الميزان "- كذلك -. (٢) - ولم يكن ثمة حاجة لتفسير الخبر وهذه حاله. أما الجهة الثانية: فمن جهة نكارة المتن نفسه وأما عن نكارة متنه: فهي غاية في النكارة؛ فإن عدَّ حروف القرآن لم يثبت في حديث، ولا كان من عمل الصحابة ﵃. قال السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀: وأخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: "القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف فمن قرأه صابرًا محتسبًا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين". رجاله ثقات إلا شيخ الطبراني محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس تكلم فيه الذهبي لهذا الحديث ". (٣) وقال الألباني (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: لوائح الوضع على حديثه ظاهرة، فمثله لا يحتاج إلى كلام ينقل في تجريحه بأكثر مما أشار إليه الحافظ الذهبي ثم العسقلاني؛ من روايته لمثل هذا الحديث وتفرده به!. (٤) وفي أصل مسألة عد حروف القرآن قال السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀: " وقد قال السخاوي: لا أعلم لعدد الكلمات والحروف من فائدة؛ لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان، والقرآن لا يمكن فيه ذلك ". (٥) وأما قول عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁: " لا يدّعيّن أحدٌ أن القرآن مكتمل لأنه قد فُقد معظمه ". (٦)

стр. 294

فالرد عليه وجوابه: أنه لا أصل لهذه الجملة بهذا اللفظ في كتاب السيوطي " الإتقان " ولا في غيره من كتب المسلمين، وأصل ورود هذه الجملة فيما رواه سعيد بن منصور في " تفسيره " قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: " لا يقولن أحدكم: أخذت القرآن كله، وما يدريه ما كله، قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن يقول: أخذنا ما ظهر منه ". (١) والمقصود من كلام ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄: أنه لا يستطيع أحد الجزم بإحاطته بحفظ كل ما نزل من القرآن؛ لأنه ثمة آيات نزلت ثم رفعت، وهو ما يسمى " نسخ التلاوة "، وقد صرَّح ابن عمر بذلك بنفسه في قوله: " كان يكره أن يقول الرجل قرأت القرآن كله؛ إنَّ منه قرآنًا قد رُفع " كما في رواية " ابن الضرِّيس " عنه، ولذا فقد روى هذا الأثر الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاَّم وبوَّب عليه: " باب ما رُفع من القرآن بعد نزوله ولم يثبت في المصاحف "، وذكره السيوطي في كتابه " الإتقان " في " باب نسخ التلاوة". (٢) وأثر ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄: إنما يُستدل به على أن ما نُسِخَ من القرآن يسمى قرانًا، وأما قوله: " قد ذهب منه قرآن كثير" فإنما قصد بـ " القرآن" - هنا- المنسوخ منه، أي قد رُفِعَ منه قرآن كثير بالنسخ .. ولقد أورد صاحب "الإتقان" أثر ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ في باب "ما نسخ تلاوته دون حكمه"، حيث يُوضح ويقول ﵀: الضَّرْبُ الثَّالِثُ مَا نُسِخَ: تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُهُمْ فِيهِ سُؤَالًا وَهُوَ مَا الْحِكْمَةُ فِي رَفْعِ التِّلَاوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ وَهَلَّا بَقِيَتِ التِّلَاوَةُ لِيَجْتَمِعَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهَا وَثَوَابِ تِلَاوَتِهَا:

стр. 295

وَأَجَابَ صَاحِبُ الْفُنُونِ: بِأَنَّ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ بِهِ مِقْدَارُ طَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْمُسَارَعَةِ إِلَى بَذْلِ النُّفُوسِ بِطَرِيقِ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ لِطَلَبِ طَرِيقٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَيُسْرِعُونَ بِأَيْسَرِ شَيْءٍ كَمَا سَارَعَ الْخَلِيلُ إِلَى ذَبْحِ وَلَدِهِ بِمَنَامٍ وَالْمَنَامُ أَدْنَى طَرِيقِ الْوَحْيِ وَأَمْثِلَةُ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرَةٌ. وختام القول في أثر ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄: أنه يتعلق بالنسخ كما بينه صاحب" الإتقان"، ولاشك أن النسخ له أحكامه المعروفة، وقد سطر علماء وأئمة أهل السنة والجماعة أحكامه وأملوها مفصلة في مصنفاتهم، وللاستزادة من أحكامه مفصلة فليرجع إليها في مظانها. وبهذا ينتهى الكلام عن الشبهة الخامسة وجوابها والحمد لله. الشبهة السادسة: دعوى الطاعنين بالقول بنقص القرآن على وجه الخصوص ومن تلك الدعاوى الباطلة الزائفة: دعوى وجود سورتي الخلع والحفد عند أُبَيِّ بنِ كعبٍ (ت: ٣٠ هـ) ﵁ فقد وردت بعض الآثار التي توحي بأن أُبَيَّ بنَ كعبٍ كان يقرأ دعاء القنوت المعروف بسورتي أُبَيِّ بن كعبٍ على أنه من القرآن: وهما سورتا "الخلع والحفد" وأما قول أبيّ بن كعب أن لديه في مصحفه سورتين زائدتين، " الخَلع " و "الحَفد". (١) وفيما يلي نبين ما يُقصد بسورتي " الخَلع " و " الحَفد ": أما المقصود بما يسمَّى سورة " الخلع " فهو دعاء: " بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجُرك " أما المقصود بما يسمَّى سورة " الحفد " فهو دعاء: " بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفِد نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك الجِدَّ بالكفار مُلحِق " ومعنى " وإليك نسعى ونحفِد " أي: نُسرع في طاعتك. كما ورد أن بعض الصحابة كان يقنت بِهاتين السورتين:

стр. 296

فعن الأعمش (ت: ١٤٧ هـ): ﵀ أنه قال: في قراءة أُبَيِّ بن كعبٍ: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك. (١) اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفد. نرجو رحمتك ونخشى عذابك. إن عذابك بالكفار ملحِق. (٢) كما ورد أنه كان يكتبهما في مصحفه. فعن ابن سيرين (ت: ١١٠ هـ) ﵀ قال: كتب أُبَيُّ بن كعبٍ في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين، واللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد، وتركهن ابن مسعودٍ، وكتب عثمان منهن فاتحة الكتاب والمعوذتين. (٣) وعن أُبَيِّ بن كعبٍ (ت: ٣٠ هـ) ﵁: أنه كان يقنت بالسورتين، فذكرهما، وأنه كان يكتبهما في مصحفه. (٤) وعن عَبْدَ الرَّحمنِ بنَ أبْزَى (ت: ٧٠ هـ) ﵀ أنه قال: في مصحف ابن عباس قراءةُ أُبَيِّ بن كعبٍ وأبي موسى: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. ونثني عليك الخير ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك. وفيه: اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفِد. نخشى عذابك ونرجو رحمتك. إن عذابك بالكفار ملحِق. (٥) وعن عطاءٍ (ت: ١١٤ هـ) ﵀: أنَّه سمِعَ عُبيدَ بنَ عُمَيرٍ يأثُرُ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ في القنوتِ (في الوتر) أنَّه كان يقولُ: ( … بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، اللهمَّ إنَّا نَستعينُك ونَستغفِرُك، ونُثني عليكَ ولا نَكفُرك، ونَخْلَعُ ونَترُك مَن يَفْجُرك، بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، اللهمَّ إيَّاك نَعبُد، ولكَ نُصلِّي ونَسجُد، وإليك نَسعَى ونَحفِد، نَرجو رَحمتَك ونخافُ عذابَك؛ إنَّ عذابَك بالكفَّارِ مُلحِق) (٦) وهو مروي كذلك عن عُروةَ بنِ الزُّبَير (ت: ٩٤ هـ) ﵀ بلفظ:

стр. 297

كان الناسُ يقومون أوَّلَه، وكانوا يَلْعَنونَ الكَفرةَ في النِّصفِ: … الحديث بطوله، إلى أن ذكر الدعاء بقوله: ( … اللهمَّ إيَّاك نَعبُدُ، ولك نُصلِّي ونَسجُد، وإليكَ نَسعَى ونَحفِد، ونرجو رحمتَك ربَّنا، ونخاف عذابَك الجِدَّ؛ إنَّ عذابَك لِمَن عاديتَ مُلحِق) (١). قال ابن جريج (٢) ﵀: حكمة البسملة أنَّهما سورتان في مصحف بعض الصحابة (٣). فزعم بعض الطاعنين أن ما روي من إثبات أُبَيٍّ القنوت في مصحفه يطعن على جمع الصحابة للقرآن، ويدل على أنَّهم نقصوا منه، وزعموا أن اشتباه القنوت بالقرآن عند أُبَيٍّ دليلٌ على عدم اشتهار أمر القرآن وعدم انتشاره، وإمكانية التباسه بغيره من الكلام، إذ قد التبس على أُبَيِّ بن كعبٍ، مع كونه من أعلم الناس به، وأحفظهم له. (٤) ويجاب عن هذه الشبهة بوجوه: الوجه الأول: أن الروايات التي وردت عن أُبَيٍّ في أمر القنوت غير مسلَّم بصحتها، وهي معارَضة بِما عُرِف من فضل أُبَيٍّ، وعقله، وحسن هديه، وكثرة علمه، ومعرفته بنظم القرآن. (٥) الوجه الثاني: أن القنوت ليس من القرآن، لأنه لو كان منه لأثبته الرَّسُول- ﷺ وأظهره. ولأن نظمه قاصر عن نظم القرآن، يعلم ذلك أهل البلاغة والفصاحة، فلعل أبيًّا إن كان قال ذلك أو كتبه في مصحفه، إنَّما قاله أو كتبه سهوًا، ثم استدرك وأثبت أنه ليس من القرآن. وقد يعترض على هذا بأن يقال كيف يُشْكِل على أُبَيٍّ أمر هذا الدعاء، وبأنه يلزم من ذلك أنه لم يكن على معرفةٍ بوزن القرآن من غيره من الكلام. ويجاب عن ذلك بأنه: قد يكون قد ظنَّ أن القنوت- وإن قصر عن رتبة باقي السور في الجزالة والفصاحة، إلا أنه يجوز أن يكون قرآنًا، وأنه يبعد أن يُؤتى بمثله، وإن كان غيره من القرآن أبلغ منه، كما قيل: قد يكون بعض القرآن أفصح من بعضٍ. (٦)

стр. 298

الوجه الثالث: أنه مِمَّا يدل على ضعف هذا الخبر عن أُبَيٍّ ما عُلِم من أن عثمان تشدد في قبض المصاحف المخالفة لمصحفه، وتحريقها، والعادة توجب أن مصحف أُبَيٍّ كان من أول ما يُقبض، وأن تكون سرعة عثمان إلى مطالبته به أشدَّ من سرعته إلى مطالبة غيره بِمصحفه؛ لأنه كان مِمَّن شارك في ذلك الجمع. (١) وقد صحت الرواية بِما يدل على أن عثمان قد قبض مصحف أُبَيٍّ: فعن محمد بن أُبَيٍّ أن ناسًا من أهل العراق قدموا إليه، فقالوا: إنَّما تحمَّلْنا إليك من العراق، فأخْرِجْ لنا مصحفَ أُبَيٍّ. قال محمدٌ: قد قبضَه عثمان. قالوا: سبحان الله! أخْرِجْه لنا. قال: قد قبضَه عثمان. (٢) الوجه الرابع: أن ما روي عن أُبَيٍّ ليس فيه أن دعاء القنوت قرآنٌ منَزَّل، وإنَّما غاية ما فيه أنه أثبته في مصحفه. فإن صحَّ أنه أثبته في مصحفه، فلعله أثبته لأنه دعاءٌ لا استغناء عنه، وهو سنة مؤكدة يجب المواظبة عليه، وأثبته في آخر مصحفه أو تضاعيفه لأجل ذلك، لا على أنه قرآن منَزل قامت به الحجة، وقد كان الصحابة يثبتون في مصاحفهم ما ليس بقرآن من التأويل والمعاني والأدعية، اعتمادًا على أنه لا يُشكل عليهم أنَّها ليست بقرآن. (٣) الوجه الخامس: أنه يحتمل أن يكون بعض هذا الدعاء كان قرآنًا منَزلاً، ثم نُسخ، وأُبيح الدعاء به، وخُلط به ما ليس بقرآنٍ، فكان إثبات أُبَيٍّ هذا الدعاء أولاً فنُقِل عنه. (٤). وممن رجح النسخ السيوطي (ت: ٩١١ هـ) حيث يقول- ﵀: " قال الحسين بن المنادي في كتابه " الناسخ والمنسوخ ": " ومما رُفع رسمُه من القرآن ولم يُرفع من القلوب حفظه سورتا " القنوت في الوتر " وتُسمَّى سورتي الخلع والحفد ". (٥) وممن رجح النسخ كذلك العلامة محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) حيث يقول- ﵀:

стр. 299

" ومثال نسخ الكتاب بالسنَّة: نسخ آية عشر رضعات تلاوة وحكماً بالسنة المتواترة، ونسخ سورة " الخَلع " وسورة " الحَفد " تلاوة وحكمًا بالسنة المتواترة، وسورة الخلع وسورة الحفد: هما القنوت في الصبح عند المالكية، وقد أوضح صاحب " الدر المنثور "، وغيره تحقيق أنهما كانتا سورتين من كتاب الله ثم نُسختا ". (١) الوجه السادس: أنه على فرض التسليم بأن أُبَيًّا كان يرى أن القنوت من القرآن، وأنه استمر على ذلك الرأي، فليس ذلك بِمطعنٍ في صحة نقل القرآن، فإنه على هذا الفرض كان منفردًا بذلك الرأي، ويدل على ذلك عدم إثباته في صحف أبي بكر، ولا في مصاحف عثمان، إذ كانت كتابة القرآن في عهد أبي بكر في غاية الدقة والالتزام، بحيث لم تقبل قراءة إلا بشاهدين، فلما كانت قراءته? فردية لم تقبلْ، كما رُدَّت قراءة عمر في آية الرجم. (٢) فلو سلَّمنا أن أُبَيًّا ظنَّ دعاء القنوت قرآنًا، فأثبته في مصحفه، فإن ذلك لا يطعن في تواتر القرآن، لأنه انفرد به، وقد حصل الإجماع على ما بين الدفتين وتواتره، فلا يضر بعد ذلك مخالفة من خالف. الوجه السابع: أننا لو سلَّمنا أن أُبَيًّا كان يعتقد أن القنوت من القرآن، فقد ثبت أنه رجع إلى حرف الجماعة، واتفق معهم، والدليل على ذلك قراءته التي رواها نافع وابن كثير وأبو عمرو، وغيرهم، وليس فيها سورتا الحفد والخلع -كما هو معلوم، كما أن مصحفه كان موافقًا لمصحف الجماعة. قال أبو الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤ هـ) ﵀: قد رأيت أنا مصحف أنسٍ بالبصرة، عند قومٍ من ولدِه، فوجدتُه مساويًا لمصحف الجماعة، وكان ولد أنسٍ يروي أنه خطُّ أنسٍ وإملاء أُبَيٍّ. (٣). وخلاصة ما يُقال في سورتي الحفد والخلع: أولًا: قد ثبت ضعف الروايات الواردة في خبر أُبَيٍّ في شأن القنوت، وإن عدم التحقق من صحتها وثبوتها كاف شاف في نفي قرآنية الدُعَاءَيْنِ. ذلك لأن تحقق ثبوتها محل نظر، والقول بثبوتها يفتقر لنقل بإسناد ثابت صحيح. ثانيًا: إن مما يؤيد ويؤكد نفي قرآنية الدُعَاءَيْنِ عدم إثبات النبي ﷺ له وعدم إظهاره وتعليمه على أنه من القرآن كذلك.

стр. 300

ثالثًا: الإعجاز اللفظي لكلمات القرآن وجزالة أسلوبه واضح وجلى في كل سوره وآياته، ومن تأمل الدُعَاءَيْنِ ونظمهما وجدهما قاصرين عن نظم القرآن، ويعلم ذلك أهل البلاغة والبيان. رابعًا: إن إثبات أُبَيٍّ للدُعَاءَيْنِ في مصحفه لا يدل على أنهما قرآنٌ منَزَّل، لأن الصحابة- ﵃ كانوا يثبتون في مصاحفهم ما يحتاجون إليه من إيضاح مبهم، أو بيان غامض، وما يحتاجون إليه من معاني التفسير على مصاحفهم الخاصة كذلك، معتمدين على عدم وقوع إشكال لديهم في أن ما أثبتوه ليس بقرآن. خامسًا: أم دعوى النسخ فقد يُقال بها حين اعتبار ثبوت ما نُسِب لأُبَيٍّ بن كعب أنه عدَّ دعاءي "الحفد والخلع" سورتين من القرآن. سادسًا: إن مما يؤيد ويؤكد نفي قرآنية الدُعَاءَيْنِ كذلك عدم إثباتهم في الصحف البكرية، ولا في الصحف العثمانية التي أجمع عليها الصحابة- ﵃ ووافقة العرضة الأخيرة، الموافقة لما هو مثبت في اللوح المحفوظ. سابعًا: إن مما يؤيد ويؤكد نفي قرآنية الدُعَاءَيْنِ رجوع أُبَيٍّ إلى حرف الجماعة، وقد ثبت أن مصحفه كان مساويًا لمصحف الجماعة. ثامنًا: أضف إلى ذلك أن الأعمش أحد رواة هذا الأثر مدلس كما سيأتي بيان ذلك بالتفصيل عند الكلام على الشبهة الثامنة والأخيرة بإذن الله تعالى. تاسعًا: قول ابن سيرين: " … وتركهن ابن مسعودٍ" فابن سيرين لم يدرك ابن مسعود ولم يسمع منه (١)، فهو أثر مرسل، وفيه انقطاع، وذلك لأن ابن سرين لم يدرك ابن مسعود، وسيأتي بيان ذلك بشيء من الإيضاح والبيان عند الكلام على الشبهة الثامنة والأخيرة بإذن الله تعالى. يقول الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀: " قال صاحب " الانتصار " ما نصه: " إن كلام القنوت المروي أن " أبيّ بن كعب " أثبته في مصحفه: لم تقم الحجة بأنه قرآن منزَّل، بل هو ضرب من الدعاء، وأنه لو كان قرآنًا لنُقل إلينا نقل القرآن وحصل العلم بصحته ". ثم يتابع- ﵀ ويقول: " ويمكن أن يكون منه كلام كان قرآنًا منزلاً ثم نسخ، وأبيح الدعاء به وخلط بما ليس بقرآن.

стр. 301

ولم يصح ذلك عنه، إنما روي عنه أنه أثبته في مصحفه، وقد أثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء أو تأويل ا. هـ. وهذا الدعاء هو القنوت الذي أخذ به السادة الحنفية، وبعضهم ذكر أن أبيًّا- ﵁ كتبه في مصحفه وسماه سورة " الخَلع والحَفد " لورود مادة هاتين الكلمتين فيه، وقد عرفت توجيه ذلك. وختامًا: فإن بعض الصحابة الذين كانوا يكتبون القرآن لأنفسهم في مصحف أو مصاحف خاصة بهم ربما كتبوا فيها ما ليس بقرآن مما يكون تأويلاً لبعض ما غمض عليهم من معاني القرآن، أو مما يكون دعاء يجري مجرى أدعية القرآن في أنه يصح الإتيان به في الصلاة عند القنوت أو نحو ذلك، وهم يعلمون أن ذلك كله ليس بقرآن، ولكن ندرة أدوات الكتابة، وكونهم يكتبون القرآن لأنفسهم وحدهم دون غيرهم، هوَّن عليهم ذلك؛ لأنهم أمنوا على أنفسهم اللبس واشتباه القرآن بغيره، فظن بعض قصار النظر أن كل ما كتبوه فيها إنما كتبوه على أنه قرآن، مع أن الحقيقة ليست كذلك، إنما هي ما علمت ". (١). وبهذا ينتهى الكلام عن الشبهة السادس وجوابها والحمد لله. الشبهة السابعة: المطاعن الوارد بشأن استنكار ابن مسعود تولي زيد الجمع دونه زعموا أن اختيار الصديق لزيد بن ثابت ل قد أثار حَفِيظَةَ ابن مسعود وأغضبه، وكان هذا الاختيار بتقديم زيد عليه هو منطلق طعن الطاعنين على اعتراض ابن مسعود، وقد ارتكز الطاعنون واعتمدوا على روايات عدة. أولًا: معرفة قدر ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ومكانته ﵁: قبل رد هذه الشبهة لابد أولًا من معرفة قدر ومكانة ابن مسعود-﵁ وعلمه عمومًا، وعلو قدره وعلمه بالقرآن خصوصًا (٢).

стр. 302

ثانيًا: عرض الشبهة

стр. 303

ورد أن بن مسعود- رضي الله- قال: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَيَتَوَلاَّهَا رَجُلٌ وَاللَّهِ لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. (١) ثالثًا: رد الشبهة إن مكانة وقدر ابن مسعود - رضي الله- عنه وسبقه للإسلام وعلمه بكتاب الله وتفسيره وأسباب نزوله، ومكانته من رسول الله- ﷺ -عمومًا، ومن الصّحابة خصوصًا لا تخفى اعتراض ابن مسعود لتولية أمر الجمع لزيد بن ثابت: كان ابن مسعود ﵁ في الكوفة حين شرع عثمان في جمع المصحف، وكان عثمان قد اقتدى بالشّيخين قبله أبي بكر وعمر- ﵃ أجمعين- في اختيار زيد بن ثابت لهذه المهمّة، لكن أغضب ذلك عبد الله بن مسعود، حتّى قال: على قراءة من تأمرونّي أقرأ؟ لقد قرأت على رسول الله- ﷺ بضعًا وسبعين سورة وإنّ زيدًا لصاحب ذؤابتين يلعب مع الصّبيان. وفي رواية عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسديّ (ت: ٨٢ هـ) ﵀، قال: لمّا أمر عثمان-﵁ في المصاحف بما أمر به، قام عبد الله بن مسعود خطيبًا، فقال: أتأمروني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت؟ فو الّذي نفسي بيده، لقد أخذت من فِيِ رسول الله- ﷺ بضعًا وسبعين سورة وزيد بن ثابت عند ذلك يلعب مع الغلمان، ثمّ استحيا ممّا قال، فقال: وما أنا بخيرهم، ثمّ نزل. قال شقيق: فقعدت في الحلق فيها أصحاب رسول الله- ﷺ -وغيرهم، فما سمعت أحدًا ردّ ما قال (٢). فهذا الخبر واضح في غضب ابن مسعود-﵁ من تقديم زيد بن ثابت عليه في هذه الوظيفة، وأنا أحيل غضب ابن مسعود-﵁

стр. 304

على أمرين مهمّين: أوّلهما: ما يعلمه من نفسه من العناية بالقرآن كما يدلّ عليه قوله المذكور، مع التّزكية النّبويّة له في ذلك. فتقدّم ذكره في الحديث فيمن أمر النّبيّ ﷺ أن يؤخذ عنهم القرآن من أصحابه (١)، وكذلك ما ثبت عن علقمة بن قيس النّخعيّ، قال: جاء رجل إلى عمر، ﵁ وهو بعرفات، فقال: جئتك من الكوفة، وتركت بها رجلًا يملي المصاحف عن ظهر قلبه، قال: فغضب عمر وانتفخ حتّى كاد يملأ ما بين شعبتي الرّحل، وقال: ويحك، من هو؟ قال: عبد الله بن مسعود، قال: فو الله ما زال يطفأ ويذهب عنه الغضب حتّى عاد إلى حاله الّتي كان عليها، ثمّ قال: والله ما أعلم من النّاس أحدًا هو أحقّ بذلك منه، وسأخبركم عن ذلك، كان رسول الله - ﷺ يسمر عند أبي بكر اللّيلة كذلك في الأمر من أمور المسلمين، وأنّه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فلمّا دخل المسجد إذا رجل قائم يصلّي، فقام رسول الله- ﷺ يستمع قراءته، فما كدنا نعرف الرّجل، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من سرّه أن يقرأ القرآن رطبًا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد» وذكر بقيّة الحديث (٢). فهذا رسول الله ﷺ يزكّي قراءته، وهذا عمر من بعده يعدّه أولى النّاس بإقراء القرآن يومئذ.

стр. 305

وقال أبو وائل شقيق بن سلمة (ت: ٨٢ هـ) ﵀: خطبنا عبد الله بن مسعود، فقال: والله، لقد أخذت من في رسول الله- ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النّبيّ ﷺ أنّي من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم (١). فهذه التّزكية والقبول عند النّبيّ- ﷺ وعامّة أصحابه أعطى ابن مسعود الحقّ في الاعتراض: أن يختار زيد بن ثابت ويقدّم عليه، وقد أسلم ابن مسعود وحفظ عن النّبيّ- ﷺ -الكثير من القرآن وزيد يومئذ صبيّ لم يعرف الإسلام بعد فضلًا عن القرآن. وثانيهما: شهوده العرضة الأخيرة على النّبيّ ﷺ . - فعن ابن عبّاس، ﵄، قال: أيّ القراءتين تعدّون أوّل؟ قالوا: قراءة عبد الله، قال: لا، بل هي الآخرة (وفي رواية: قراءتنا القراءة الأولى، وقراءة عبد الله قراءة الأخيرة)، كان يعرض القرآن على رسول الله- ﷺ في كلّ عام مرّة، فلمّا كان العام الّذي قبض فيه عرض عليه مرّتين، فشهده عبد الله، فعلم ما نسخ منه وما بدّل (٢). ورد هذه الشبهة يكون من وجوه كثيرة، من أبرزها ما يلي: الوجه الأول: إن ابن مسعود- ﵁ لم يشك في جمع زيد ولا في أهليته لذلك، ولا في الصحف العثمانية، وكل في ما في الأمر أنه يرى أهليته لذلك، ولم يطعن في أهلية زيد وقدره ومكانته، وقد أمضى الخليفتان أهليته لذلك وقَرَّرَاها. واعتراضه- ﵁-لا ينافي عدم أهلية زيد لهذه المهمة، ولاشك في إصابة اختيار الخليفتين لزيد، وقد علما مؤهلاته وقدراته التي أهلته لتلك المهمة.

стр. 306

لكن ابن مسعود ﵁ يرى في نفسه كمال وتمام الأهلية لذلك. و ابن مسعود- ﵁ لم يكن اعتراضه على الجمع نفسه وعلى طريقته، وإنما كان على عدم إشراكه وقيامه به مع أهليته لذلك كما أسلفنا. الوجه الثاني: أن زيد لم ينفرد بمهمة الجمع وحده، بل شاركه فيها القرشيون الثلاثة وشارك فيه جمع غفير من جمهور الصحابة-﵃-كذلك، وقد تم ذلك كله تحت إشراف مباشرة من الخليفة الراشد- عثمان- ﵁. الوجه الثالث: ولو سلمنا جدلًا وافتراضًا للطعن الوارد في هذه الشبهة، من أنه كان على الجمع نفسه لا على اختيار زيدِ، فإنه ثبت بما لا يدع مجال للشك رجوعه- ﵁ لرأي الجماعة ولزومها ويؤيد ذلك أمران: الأمر الأول: تقديم مصحفه للحرق وذلك لما علم أنه الحق، ورجوعه لإجماع الصحابة- ﵃ على فعل عثمان في تحريق المصاحف وجمعهم على المصحف الإمام، وسيأتي ذلك بتفصيل وإيضاح أكثر في موضعه من المبحث القادم بإذن الله. الأمر الثاني: ومما يؤيد رجوعه لو كان ذلك الطعن في الجمع نفسه كما افترضنا ذلك جدلًا، قراءة عاصم بن أبي النَّجود المنقولة بالتواتر، فقد ثبت تواترها عن ابن مسعود من طريق أصحابه من أهل الكوفة، فإنه- ﵁ قد أقرأ بالكوفة زمنًا، وقد تلقى هذه القراءة أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زِرِّ بن حُبَيْش وأبي عمرو سعد بن إياس الشيباني عن ابن مسعود رضِى الله عنه-. ونسوق سند قراء عاصم بن أبي النَّجود من طريق "النشر" لابن الجزري: فقد قرأ عاصم بن أبي النَّجود على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلميّ الضرير، وأبي مريم زِرِّ بن حُبَيْش بن حُباشة الأسديّ، وأبي عمرو سعد بن إياس الشيباني، وقرأ هؤلاء الثلاثة على عبد الله بن مسعود. (١) ولا شك في أن سند قراءة عاصم المتواترة والتي ينتهي سنده فيها إلى ابن مسعود- ﵁ دليل ساطع قاطع على رجوعه ولزومه أمر الجماعة، هذا إن ثبت الطعن في الجمع نفسه كما افترضنا ذلك جدلًا.

стр. 307

الوجه الرابع: إن في عهديه الثاني والثالث- البكري والعثماني- قد ثبت تواتره، وقد أقره جمع غفير من الصحابة- بل كلهم- وهم يستحيل تواطؤهم على الكذب، وإن هذا التواتر يكفي قطعًا بصحته وثبوته، فلو طعن طاعن أو قدح قادح في هذا الجمع الذي ثبت بالتواتر فإنه لا يؤثر أبدًا كائنًا من كان، وقد ثبت هذا التواتر في عهدي رجلين هما من خيرة طليعة هذه الأمة وهما خليفتا رسول الله- ﷺ ، وكان في طليعة المشاركين بالقول الرشيد والرأي السديد في الجمع الأول الخليفة الراشد الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وذلك بإجماع خير هذه الأمة من المهاجرين والأنصار ومن شاركهم من خير جيل التابعين-﵁ أجمعين-. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: والقرآن الذي بين لوحي المصحف متواتر؛ فإن هذه المصاحف المكتوبة اتفق عليها الصحابة، ونقلوها قرآنا عن النبي- ﷺ -وهي متواترة من عهد الصحابة، نعلم علمًا ضروريًا أنها ما غيرت، والقراءة المعروفة عن السلف الموافقة للمصحف تجوز القراءة بها بلا نزاع بين الأئمة، ولا فرق عند الأئمة بين قراءة أبي جعفر ويعقوب، وخَلَف، وبين قراءة حمزة والكسائي، وأبي عمرو ونعيم، ولم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها: إن القراءة مختصة بالقراء السبعة. (١) وقال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: " … فإن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وكل واحدة من السبع متواترة، هذا هو الصواب الذي لا يعدل عنه، ومن قال غيره فغالط أو جاهل ". (٢) وقال ابن النجار الفتوحي (ت: ٩٧٢ هـ) ﵀: " وَالْقِرَاءاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الأَئِمَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ، نَقَلَهُ السَّرَخْسِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ "الْغَايَةِ"، وَقَالَ: قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: آحَاد ". (٣) وقال الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀: " والتحقيق الذي يؤيده الدليل هو أن القراءات العشر كلها متواترة، وهو رأي المحققين من الأصوليين والقراء كابن السبكي وابن الجزري والنويري ". (٤)

стр. 308

الوجه الخامس: لما رأى حذيفة- ﵁ من اختلاف القراء في العراق وقت فتح إرمنية وأذربيجان، ركب إلى المدينة وأخبر الخليفة الرشد عثمان لتدارك الأمر، فقال: يا أمير المؤمنين أدرك الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. وقد روى البخاري هذا الخبر بسنده عن ابن شهاب أن أنس بن مالك- ﵁ حدثه: " أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشأم في فتح إرمنية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق … ". (١) فهذا الأمر الجلل قد هال الخليفة الراشد وأفزعه وسارع لتدارك الأمر، وهو بالمدينة وابن مسعود يومئذ بالكوفة، فالأمر جلل لا يحتمل التأخير لحضور ابن مسعود، فلتعجيل الأمر وانقاذًا لكتاب الله من اختلاف القراء وتنازعهم في أوجه القراءة عجل عثمان لتدرك الأمر بتكليف زيدِ لهذه المهمة العظيمة والتي هو خليق لها، فقد حمل زيد مقومات عظيمة أهلته لهذه المهمة الجسيمة وقدمته على غيره، وكان من أبرز تلك المقومات ما يلي: ١ - أنه كان من كتاب الوحي ٢ - قيل أنه كان ممن شهد العرضة الأخيرة ٣ - أنه هو الذي قام بمهمة الجمع الشاقَّة الأولى في عهد الصديق ﵁. ٤ - فقد توافر الدواعي الداعية لاختياره للقيام بالمهمة المنوطة به على الوجه المطلوب وذلك لتحقق الخبرة السابقة المطلوبة فيه من الجهات السابق ذكرها كلها.

стр. 309

الوجه السادس: نؤكد هنا على أن اعتراض ابن مسعود- ﵁ لم يكن أبدًا على حرف زيد وقد تلقى من فِيِ رسول الله ﷺ مثله، فكيف يترك حرفه لحرف غيره، وليس في فعله وقوله هذا أي طعن على حرف زيد. وفي نحو ذلك يقول الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) ﵀: ليست شهادة عبد الله لحرفه وأنه أخذه من فم رَسُول اللهِ ﷺ طعنًا على حرف غيره، ولكنه عنده حجةٌ في أنه لا يَجِب عليه تركه، وتحريق مصحف هو فيه. (١) الوجه السابع: إن مكانة ابن مسعود من القرآن لا يختلف فيها اثنان، وأما كونه أعلم الصحابة- ﵃ بكتاب الله على الإطلاق، كما أخبر هو بذلك عن نفسه، فهو محل اجتهاد منه- ﵁ وذلك لما نال من تزكيات النبي- ﷺ ولسبقه في هذا الفضل العظيم، وهذا لاشك اجتهاده منه له وجهته ووجاهته لعظيم قدره وفضل سبقه وعلمه بكتاب الله تعالى. وفي نحو ذلك يقول الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) ﵀: أن قول ابن مسعود: وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ -أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ. ليس قطعًا على أنه ليس فيهم من هو أعلم منه بكتاب الله، وإنما هو اعتقاد ابن مسعود، وهو غير معصوم في هذا الاعتقاد. (٢) فهو- ﵁ قد ذكر ما أداه إليه اجتهاده، ونقول ذلك تأدبًا مع إمام من أئمة الهدى ومصباح من مصابيح الدجى، ولكونه من طليعة خيرة أمة أخرجت للناس ومن السابقين الأولين، ولكونه من خيرة علماء الصحابة ومن حملة الوحي وحفاظه، ولكونه في طليعة من نالوا تزكية الرب العظيم جل في علاه المذكورة في قوله سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ١٠٠). وأخيرًا فلاشك في: أن الاستنكار المروي عن ابن مسعودٍ- ﵁ لم يكن طعنًا في زيد، ولا استنكارًا لفعل الصحابة، وإنَّما كان استنكارًا لاختيار من يقوم بِهذا الجمع، إذ كان يرى في نفسه أنه الأولى أن يسند إليه هذا الجمع، طمعًا في هذا الفضل العظيم والأجر الجزيل والثواب العميم، مع كمال ثقته في زيدٍ وأهليتِه للنهوض بِما أسند إليه.

стр. 310

ومسألة اختيار من يقوم بالجمع تقديرية، ولا شكَّ أن تقدير عثمان، ومن قبله أبو بكر وعمر أن زيدًا أكفأ من غيره للقيام بِهذا العمل -أصدق من تقدير ابن مسعودٍ له، كما مرَّ بنا قريبًا في تصويب اختيار عثمان زيدًا على غيره. (١) وبهذا ينتهى عرض الشبهة السابعة وجوابها. والحمد لله رب العالمين. الشبهة الثامنة: موقف ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵀: ﵁ من الفاتحة والمعوذتين وسنتناول في ضوئها ثمان محاور رئيسة على النحو التالي: المحور الأول: مضمون هذه الشبهة وفحواها: وهي شبهة: خلو مصحفه من فاتحة الكتاب، وقوله بأن المعوذتين ليستا من القرآن الكريم. وحول فحوى هذه الشبه يقول الزُّرْقاني (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀ في "مناهله": طعن بعض الطاعنين على بأن عبد الله بن مسعود-﵁ أنكر أن المعوذتين من القرآن، وكان يَمحوهما من المصحف، وأنه لم يكتب فاتحة الكتاب في مصحفه، وزعموا أن في ذلك قدحًا في تواتر القرآن. (٢) المحور الثاني: القول بأنَّ المعوذتين دُعَاءٌ تَعَوَّذَ بهِما ولَيْسَتَا مِن القرآنِ ورد هذه الشبهة خاصة ذكر جملة من تلك الأقوال ومناقشتها: القول الأول: قول المَاوَرْدِيُّ: وهو: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبيبٍ المَاوَرْدِيُّ (ت: ٤٥٠ هـ) قال: وزَعَمَ ابنُ مسعودٍ أنَّهما دُعَاءٌ تَعَوَّذَ بهِ ولَيْسَتَا مِن القرآنِ، وهذا قولٌ خالَفَ به الإجماعَ مِن الصحابةِ وأهلِ البيتِ .. (٣) القول الثاني: قول السَّخَاوِيُّ: وهو: علمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت: ٦٤٣ هـ) قال: وَهَاتَانِ السُّورَتانِ منَ القُرآنِ بإجْمَاعِ الأمَّةِ، وَيُرْوَى عنِ ابنِ مَسْعودٍ أنَّه كانَ يَحُكُّهُمَا مِنَ المصَاحِفِ وَيقُول: (لا تزيدوا في كِتَابِ اللهِ ما ليسَ منه)، فإنْ كانَ هذَا صَحِيحًا عنهُ فَسَبَبُهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يُعَوِّذُ بهمَا سِبْطَيهِ فَظَنَّ أنهما عُوذَتانِ. والمسلمون كلهم على خلاف ذلك. (٤) القول الثالث: قول العزُ بن عَبْدِ السلامِ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ السُّلَمِيُّ (ت: ٦٦٠ هـ)

стр. 311

قال: وَخَالَفَ ابنُ مسعودٍ-رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عنهُ- الإِجماعَ بقولِهِ: هُمَا عُوْذَتَانِ، وَلَيْسَتَا مِن القرآنِ الكريمِ. (١) رد هذه الشبهة خاصة: أولًا: ما الذي يمنع من التعوذ بالمعوذتين مع كونهما من القرآن؟! ثانيًا: هل التعوذ بها ينفي كونهما من القرآن، وقد قال الله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (الإسراء: ٨٢) ثالثًا: صح عند النسائي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يتعوَّذُ من عينِ الجانِّ، وعينِ الإنسِ، فلما نزلتِ المُعوِّذتانِ، أخذ بهم، وترك ما سوى ذلك. (٢) وقوله: (فلما نزلتِ المُعوِّذتانِ، أخذ بهم، وترك ما سوى ذلك) فلم ينف قرآنيتهما مع كونهما عوذتين. رابعًا: لا يستدل بهذا الحديث وما في نحوه على أنه- ﷺ ترك كل ما كان يتعوذ به من التعوذات الشرعية الدالة على توحيد الله تعالى وحسن الظن به سبحانه والثقة به والتوكل عليه والإنابة إليه سبحانه؛ اكتفاء بالمعوذتين. خامسًا: إن التعوذ بهما يُحمل على أنه مقدم على ما سوهما، تعظيمًا لشأنيهما وما ورد فيهما، ولكونهما من القرآن الذي هو كلام الله تعالى، وفضل كلام الله على سائر الكلام لا يخفى. سادسًا: أن الإعجاز اللفظي وجزالته وحسن البيان والتماسك النصي الظاهر في المعوذتين يكفي لتأكيد قرآنيتهما. وفي نحو ما سبق تقريره يقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ التَّعَوُّذِ بِغَيْرِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ ثُبُوتِ التَّعَوُّذِ بِغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا اجْتَزَأَ بِهِمَا لِمَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ جَوَامِعِ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الرُّقَى عِنْدَ اجْتِمَاعِ ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: الأول: أَنْ يَكُونَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. الثاني: وَأَنْ يَكُونَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ. الثالث: وَأَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ الرُّقْيَةَ لَا تُؤَثِّرُ بِذَاتِهَا، بَلْ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 312

وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله: (فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا) يدل على أنهما أولى من غيرهما في التعوذ من الجان وعين الإنسان خاصة، لا في مطلق الاستعاذة. (١) وفي نحو قول الحافظ يقول الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀ أيضًا: فِي الحَدِيث دَلِيل على أن الِاسْتِعَاذَة بِهَاتَيْنِ السورتين: أولى من الِاسْتِعَاذَة بِغَيْرِهِمَا، لَكِن لَا فِي مُطلق الِاسْتِعَاذَة، بل فِي التَّعَوُّذ من الجان وَعين الْإِنْسَان. (٢) وهذا التوجيه الذي عزاه الحافظ لبعض أهل العلم، توجيه له وجاته وقوته، وإن لم يكن الأرجح ولذا أخره الحافظ، وَذِكْرُ الشوكانيِ له هنا كذلك، يقويه ويعلى مناره. ووما يؤكد ما سبق ذكره وما ضُم إليه قولي الحافظ، والشوكاني، فإنه- ﷺ كان يعوذ بهما سبطيه، كما كان يعوذهما بغيرهما كذلك، ما ثبت عند البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ- ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: (إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ. (٣) يقرر الباحث فيقول: إن في القول بمكية المعوذتين خلاف مشهور، وقد قال به جمع من أهل العلم، وهو قول له قوته واعتباره، وبعد البحث والتنقيب تميل النفس إليه ولا تجزم به. (٤) فعلى القول بمكتيهما فإن النبي ﷺ قد عوذ سبطيه بغيرهما، وكان ذلك بعد نزولهما، وإن سبطيه قد ولدا بعد الهجرة بالمدينة، فقد ولد الحسن في السنة الثالثة من الهجرة، وولد الحسين بعده بسنة واحدة. والرد والمناقشة هنا كان على اعتبار القول بأنهما عوذتين- فحسب- وسيأتي الرد الشافي الكافي الوافي بالتفصيل والتأصيل في رد عموم الشبهة الوارد في شأن القول بأن المعوذتين ليستا من القرآن الكريم. المحور الثالث: أبرز الآثار الواردة في شبهة الفاتحة والمعوذتين ومناقشتها: وفي صدد الطعن الوارد في مصحف ابن مسعود وخلوه من الفاتحة والمعوذتين فقد وردت في ذلك آثار وروايات كثيرة ومتعددة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: الأثر الأول: ما رواه الأعمش (ت: ١٤٧ هـ): عن إبراهيم (٥) أنه قال:

стр. 313

قيل لعبد الله بن مسعود: لِمَ لمْ تكتب فاتحة الكتاب في مصحفك؟ فقال: لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة. (١). فإن قيل: لو كانت الفاتحة من القرآن لأثبتها ابن مسعود في مصحفه، ولمّا لم يثبتها دلّ على أنّها ليست من القرآن. قلنا: يجيب عن هذا المعنى ويجليه ابن الأنباري حيث يقول ﵀: يعني أن كل ركعة سبيلها أن تفتتح بأم القرآن قبل السورة المتلوة بعدها، فقال: اختصرتُ بإسقاطها، ووثقتُ بحفظ المسلمين لها، ولم أثبتها في موضع فيلزمني أن أكتبها مع كل سورة إذا كانت تتقدمها في الصلاة. (٢) الأثر الثاني: ما رواه أبو عُبيدٍ القاسم بن سلاّم (ت: ٢٢٤ هـ) عن ابن سيرين قال: كتب أُبَيُّ بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب، وتركها ابن مسعود. (٣) الأثر الثالث: ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبي شَيْبَةَ العَبْسيُّ (ت: ٢٣٥ هـ): قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَال: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لا يَكْتُبُ المُعَوِّذَتَيْنِ. (٤) الأثر الرابع: ما رواه عليُّ بنُ أبي بكرِ بنِ سُليمَانَ الهَيْثَميُّ (ت: ٨٠٧ هـ): عن عبدِ الرحمنِ بنِ يَزِيدَ - يعني: النَّخَعِيَّ- قالَ: كانَ عبدُ اللهِ يَحُكُّ المُعَوِّذَتَيْنِ مِن مَصاحِفِه ويقولُ: إِنَّهُما ليسَتا مِن كِتاب اللهِ ﵎. (٥) وقد رواه كذلك أحمد في المسند من طريق أبي إسحاق السبيعي والأعمش كذلك. (٦) المحور الرابع: أبرز رواة الآثار الواردة في هذه الشبهة في الميزان: أولًا: الراوي الأول: الأعمش الكلام على الأعمش: الأعمش هو: سليمان بن مهران الأسدي. (٧)

стр. 314

وهو وإن كان أحد الحفاظ الأعلام إلا أنه موصوف بالتدليس. وهو- موصوف بالتدليس عند النسائي والدار قطني كما في " طبقات المدلسين ". (١). وقال ابن أبي حاتم الرازي (ت: ٣٢٧ هـ) في "الجرح والتعديل: وسُئل أبي عن الأعمش ومنصور فقال: الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصور أتقن، لا يدلس ولا يخلط. (٢) وقال سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ الشَّاذَكُوْنِيّ (ت: ٢٣٤ هـ): (٣) من أراد التديّن بالحديث، فلا يأخذ عن الأعمش ولا عن قتادة، إلا ما قالا: سمعناه. (٤). والشَّاذَكُوْنِيُّ: يعني أنه لا يأخذ عنه إلا إذا صرح بالتحديث بصيغة سمعنا أو ما يقوم مقامها، وأنه إذا عنعن دلس.

стр. 315

تقسيم تدليس الأعمش: قسم الذهبي تدليس الأعمش في "ميزان الاعتدال" فقال: وهو- الأعمش - يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال: أخبرنا فلان- فلا كلام-، ومتى قال: "عن" تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال. (١) والذهبي هنا: يتفق تمامًا مع الشَّاذَكُوْنِيُّ أنه إذا حدث بالتصريح بصيغة أخبرنا فلان، أو بما يقوم مقامها من صيغ التصريح بالتحديث- فلا كلام-، يعني: أن حديثه مقبول، وهو يعني كذلك: أنه إذا عنعن دلس كذلك. والبخاري قد أعل خبرًا للأعمش: والإمام البخاري قد أعل في "التاريخ الصغير" خبرًا رواه الأعمش عن سالم، يتعلق بالتشيع، فقال ﵀: "والأعمش لا يُدرَى سمع هذا من سالم أم لا؛ قال أبو بكر بن عياش عن الأعمش أنه قال: نستغفر الله من أشياء كنا نرويها على وجه التعجب، اتخذوها دينًا". (٢) موقف شعبة بن الحجاج الأزدي (ت: ١٦٠ هـ)، من مرويات المدلس: وهذا شعبة بن الحجاج الأزدي إمام المحدثين في العراق: يرد جميع مرويات المدلس التي لم يصرّح فيها بالسماع ولو كان قتادة. فيقول ﵀: "كنتُ أتَفَطَّن إلى فَمِ قتادة: فإذا قال "حدَّثَنا "، كتبتُ. وإذا قال "حَدَّثَ"، لم أكتب". (٣) وقد أسند ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" عن عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت شعبة يقول: «كنتُ أنظرُ الى فم قتادة: فإذا قال للحديث "حدَّثنا" عنيت به، فوقفته عليه. وإذا لم يقل "حدثنا" لم أعْنَ به". (٤)

стр. 316

ولذا قال البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) ﵀ في "معرفة السنن والآثار": روينا عن شعبة قال: "كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبي إسحاق وقتادة". (١) ولهذا قال الحافظ ابن حجر في: " تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس": "فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة: أنها إذا جاءت من طريق شعبة، دَلّت على السماع ولو كانت معنعنة" (٢). ثانيًا: الراوي الثاني: أبو إسحاق السبيعي (٣) الكلام على أبي إسحاق السبيعي: وأبو إسحاق السبيعي هو: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني. مشهور بالتدليس وهو تابعي ثقة، وثقه النسائي وابن معين وقال عنه العجلي: كوفي تابعي ثقة. قال عنه ابن أبي حاتم الرازي (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀: ثقة: وهو أحفظ من أبي إسحاق الشيباني، ويشبه الزهري في كثرة الرواية واتساعه. وقال ابن حِبَّان الدارمي، البُستي (ت: ٣٥٤ هـ) ﵀ في كلامه عن الطبقة الثالثة من المدلسين: "الثقات المدلسون الذين كانوا يدلسون في الأخبار مثل … والأعمش وأبو إسحاق و … ومن أشبههم ممن يكثر عددهم من الأئمة المرضيين وأهل الورع في الدين كانوا يكتبون عن الكل ويروون عمن سمعوا منه فربما دلسوا عن الشيخ بعد سماعهم عنه عن أقوام ضعفاء لا يجوز الاحتجاج بأخبارهم، فما لم يقل المدلس وإن كان ثقة حدثني أو سمعت فلا يجوز الاحتجاج بخبره ..

стр. 317

قال يعقوب بن سفيان الفسوي الفارسي (ت: ٢٧٧ هـ) ﵀: أبو إسحاق رجل من التابعين وهو ممن يعتمد عليه الناس في الحديث هو والأعمش إلا أنهما وسفيان يدلسون، والتدليس من قديم. (١) وقال أيضًا: حديث سفيان وأبي إسحاق، والأعمش، ما لم يعلم أنه مدلَّس، يقوم مقام الحجة. (٢) وقال يعقوب بن شيبة السدوسي (ت: ٢٦٢ هـ) ﵀: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يقل " حدثنا "؟ قال: إن كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا. (٣) وابن المديني: كذلك يصرح أن المدلس لا يُقبل حديثه ولا يكون حجة إلا إذا صرح بصيغة من صيغ التصريح بالتحديث كـ"حدثنا" ونحوها، وهكذا سائر الأئمة. اختلاط أبي إسحاق: وقد سطر اختلاط أبي إسحاق أكثر من واحد من النقاد، منهم: ١ - الحافظ ابن حجر في: مقدمة "الفتح"، وفي " تقريب التهذيب ". (٤) ٢ - وبرهان الدين الحلبي في: " الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط". (٥) ٣ - والكيال في: "الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقاة ". (٦). وأبو إسحاق، والأعمش- قد عنعنا- هنا- في هاتين الروايتين ولم يصرحا بالتحديث، ومع ذلك فهي مخالفة للرواية الأصح! وهي رواية البخاري التي ليس فيها التصريح بإنكار المعوذتين، وسيأتي معنا نص رواية البخاري وتوجيهها بإذن الله تعالى.

стр. 318

ثالثًا: الراوي الثالث: ابن سيرين . (١) الكلام على ابن سيرين (ت: ١١٠ هـ) وأثره: أما ابن سيرين والأثر المروي عنه: فابن سيرين لم يدرك ابن مسعود ولم يسمع منه (٢)، فالأثر مرسل، وبينه وبين ابن مسعود انقطاع، وهذه علة قادحة فيه. فابن سيرين ولد في آخر سنتين من خلافة عثمان- ﵁. وفي ذلك يقول-أخوه- أنس بن سيرين (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ولد أخي محمد لسنتين بقيتا من خلافة عمر وولدت بعده بسنة قابلة. (٣). وبهذا يتبنين عدم صحة أثر ابن سيرين. والحمد لله. المحور الخامس: إيراد رواية إثبات قرآنية المعوذتين عند البخاري عن زِرُّ بنُ حُبَيشٍ قال: سَأَلْتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ، قُلتُ: يا أبَا المُنْذِرِ إنَّ أخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يقولُ كَذَا وكَذَا، فَقالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِي: قيلَ لي فَقُلتُ قالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كما قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ . (٤) فقول أُبَيٌّ: "سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ "، يعني عن المَعوِّذتَين، هل هُما مِن القُرآنِ؟! وقوله: "قيلَ لي"، فقلتُ، أي: رسول اللهِ ﷺ : قالَ: أي: قال لي أي:

стр. 319

جِبريلُ: قال إنَّهما مِن القُرآنِ، فقُلتُ كما قالَ لي جِبريلُ؛ وقول أُبَيٌّ "فنَحنُ نَقول كما قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ "، أي: نقول كما قال له جبريل أن المَعوِّذتَينِ مِن القُرآنِ. وإن صح أن ابن مَسعودٍ ﵁ لم يثبت المعوذتين في مُصحَفِه، فإن ذلك لا يعني إنكاره لقرآنيتهما. المحور السادس: جواب هذه الشبهة في ضوء رواية البخاري نفسها: إذا تأملنا رواية البخاري هذه تحقق لدينا ما يلي: أولًا: أن هذا الأثر قد رواه جمع من الأئمة غير البخاري، منهم الإمام أَحْمَد وَابْن حِبَّان وغيرهما، إذا فالرواية ليست مما تفرد البخاري بروايته. ثانيًا: أن البخاري صرح بقول أُبَيّ ولم يبهمه. ثالثًا: أن البخاري أبهم قول ابن مسعود ولم يصرح به كما صرح بقول أُبَيّ، بل رواه مبهمًا، وذلك والله أعلم مما يدلل على إنكار البخاري لهذا القول لكونه مخالفًا لما ثبت من تواتر قراءة ابن مسعود التي أقرأ بها، وهي لا شك تشتمل على المعوذتين، كما أن إنكار المعوذتين كذلك مخالف لما عليه جماهير المسلمين وإجماعهم. رابعًا: فعل البخاري هذا يدل على فقهه وسعة علمه. ومما يدلل على ما سبق ذكره- قول الحافظ ﵀ في الفتح-: هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظ مُبْهَمًا، وَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة أَبْهَمَهُ اِسْتِعْظَامًا لَهُ .. إلى أن قال: وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا وَابْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَاصِم بِلَفْظِ: إِنَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود كَانَ لَا يَكْتُب الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفه، وَأَخْرَجَ أَحْمَد عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ عَاصِم بِلَفْظِ: إِنَّ عَبْد اللَّه يَقُول فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ إِبْهَام، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات الْمُسْنَد وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَحُكّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفه، وَيَقُول: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَاب اللَّه، قَالَ الْأَعْمَش: وَقَدْ حَدَّثَنَا عَاصِم عَنْ زِرّ عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث قُتَيْبَة الَّذِي فِي الْبَاب الْمَاضِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار، وَفِي آخِره يَقُول: إِنَّمَا أُمِرَ النَّبِيّ- ﷺ -أَنْ يَتَعَوَّذ بِهِمَا". (١) فالبخاري أراد الاستدلال بقول أُبَيّ لا برأي ابن مسعود، ولذا لم يصرح به فأورده عرضًا لَمَّا ساق إسناده، وإن دل هذا على شيء ظاهر، فإنما يدل على أمرين: الأول: فقهه الإمام البخاري من جهة. والثاني: على عدم إقراره بذلك من جهة أخرى.

стр. 320

ومما يجلي ويعاضد رواية البخارية رواية ودراية ومعنى كذلك ما رواه حَيْدَرُ بْنُ عَلِيٍّ القَاشِيُّ (ت: ٧٧٦ هـ): عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْتُ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لا يَكْتُبُ المُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ قَال: قُلْ (أَعُوذُ برَب الفَلَقِ) فَقُلْتُهَا، فَقَال: (قُلْ أَعُوذُ برَب النَّاسِ) فَقُلْتُهَا، فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النَّبيُّ ﷺ . (١) المحور السابع: أقوال العلماء فيما رُوي عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين الفاتحة والمعوذتان من سور القرآن بإجماع الأمة سلفًا وخلفًا، ولا يشك في ذلك إلا أهل الكفر والجحود والنكران، أو من رفعت عنه التكاليف لذهاب عقله، فلا يدري ما ركوع وما سجود وما قرآن. وقد ظهر لنا جليًا الحكم على الآثار الواردة في هذا الصدد، ولا حاجة في إعادته هنا، ومع ذلك نقول: أما فاتحة الكتاب: ١ - فإن دعواهم عدم كتابة ابن مسعود لفاتحة الكتاب في مصحفه لا يدل على إنكارها. ٢ - وهل يَظُن خفاء قرآنية الفاتحة على مثله، وهو من هو في علمه وفضله وسبقه للإسلام، وتعلمه وتعليمه للقرآن. ٣ - أضف إلى ذلك قراءة رسول الله ﷺ لها في كل صلاة، وقوله لأصحابه، بل ولأمته: (لا صَلَاةَ إِلاَّ بِقِرَاءةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ. (٢)، وهكذا كل الأئمة من بعده- ﷺ -وقد عايشهم-﵁ زمنًا حتى وفاته عام ٣٢ هـ، ولا شك في أنه واحد منهم. ٤ - وقد علم المسلمون أن قراءة الفاتحةِ ركنٌ مِن أركانِ الصَّلاةِ للإمامِ والمنفردِ ولا تتم الصلاة إلا بها، وقد قال لهم رسول الله ﷺ : (من صلَّى صلاةً لم يقرأْ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ) (٣)، وقد اشتهر ذلك الحكم بين المسلمين، ومما يجلي هذا الأمر كذلك
следующие страницы →