ولذا قال البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) ﵀ في "معرفة السنن والآثار":
روينا عن شعبة قال: "كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش وأبي إسحاق وقتادة". (١)
ولهذا قال الحافظ ابن حجر في: " تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس":
"فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة: أنها إذا جاءت من طريق شعبة، دَلّت على السماع ولو كانت معنعنة" (٢).
ثانيًا: الراوي الثاني: أبو إسحاق السبيعي (٣)
الكلام على أبي إسحاق السبيعي:
وأبو إسحاق السبيعي هو: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني.
مشهور بالتدليس وهو تابعي ثقة، وثقه النسائي وابن معين وقال عنه العجلي: كوفي تابعي ثقة.
قال عنه ابن أبي حاتم الرازي (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀:
ثقة: وهو أحفظ من أبي إسحاق الشيباني، ويشبه الزهري في كثرة الرواية واتساعه.
وقال ابن حِبَّان الدارمي، البُستي (ت: ٣٥٤ هـ) ﵀ في كلامه عن الطبقة الثالثة من المدلسين:
"الثقات المدلسون الذين كانوا يدلسون في الأخبار مثل … والأعمش وأبو إسحاق و … ومن أشبههم ممن يكثر عددهم من الأئمة المرضيين وأهل الورع في الدين كانوا يكتبون عن الكل ويروون عمن سمعوا منه فربما دلسوا عن الشيخ بعد سماعهم عنه عن أقوام ضعفاء لا يجوز
الاحتجاج بأخبارهم، فما لم يقل المدلس وإن كان ثقة حدثني أو سمعت فلا يجوز الاحتجاج بخبره ..
стр. 317
قال يعقوب بن سفيان الفسوي الفارسي (ت: ٢٧٧ هـ) ﵀:
أبو إسحاق رجل من التابعين وهو ممن يعتمد عليه الناس في الحديث هو والأعمش إلا أنهما وسفيان يدلسون، والتدليس من قديم. (١)
وقال أيضًا:
حديث سفيان وأبي إسحاق، والأعمش، ما لم يعلم أنه مدلَّس، يقوم مقام الحجة. (٢)
وقال يعقوب بن شيبة السدوسي (ت: ٢٦٢ هـ) ﵀:
سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يقل " حدثنا "؟ قال:
إن كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا. (٣)
وابن المديني: كذلك يصرح أن المدلس لا يُقبل حديثه ولا يكون حجة إلا إذا صرح بصيغة من صيغ التصريح بالتحديث كـ"حدثنا" ونحوها، وهكذا سائر الأئمة.
اختلاط أبي إسحاق:
وقد سطر اختلاط أبي إسحاق أكثر من واحد من النقاد، منهم:
١ - الحافظ ابن حجر في: مقدمة "الفتح"، وفي " تقريب التهذيب ". (٤)
٢ - وبرهان الدين الحلبي في: " الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط". (٥)
٣ - والكيال في: "الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقاة ". (٦).
وأبو إسحاق، والأعمش- قد عنعنا- هنا- في هاتين الروايتين ولم يصرحا بالتحديث، ومع ذلك فهي مخالفة للرواية الأصح! وهي رواية البخاري التي ليس فيها التصريح بإنكار المعوذتين، وسيأتي معنا نص رواية البخاري وتوجيهها بإذن الله تعالى.
стр. 318
ثالثًا: الراوي الثالث: ابن سيرين . (١)
الكلام على ابن سيرين (ت: ١١٠ هـ) وأثره:
أما ابن سيرين والأثر المروي عنه: فابن سيرين لم يدرك ابن مسعود ولم يسمع منه (٢)، فالأثر مرسل، وبينه وبين ابن مسعود انقطاع، وهذه علة قادحة فيه.
فابن سيرين ولد في آخر سنتين من خلافة عثمان- ﵁.
وفي ذلك يقول-أخوه- أنس بن سيرين (ت: ١١٨ هـ) ﵀:
ولد أخي محمد لسنتين بقيتا من خلافة عمر وولدت بعده بسنة قابلة. (٣). وبهذا يتبنين عدم صحة أثر ابن سيرين. والحمد لله.
المحور الخامس: إيراد رواية إثبات قرآنية المعوذتين عند البخاري
عن زِرُّ بنُ حُبَيشٍ قال: سَأَلْتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ، قُلتُ: يا أبَا المُنْذِرِ إنَّ أخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يقولُ كَذَا وكَذَا، فَقالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِي: قيلَ لي فَقُلتُ قالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كما قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ . (٤)
فقول أُبَيٌّ: "سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ "، يعني عن المَعوِّذتَين، هل هُما مِن القُرآنِ؟! وقوله: "قيلَ لي"، فقلتُ، أي: رسول اللهِ ﷺ : قالَ: أي: قال لي أي:
стр. 319
جِبريلُ: قال إنَّهما مِن القُرآنِ، فقُلتُ كما قالَ لي جِبريلُ؛ وقول أُبَيٌّ "فنَحنُ نَقول كما قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ "، أي: نقول كما قال له جبريل أن المَعوِّذتَينِ مِن القُرآنِ.
وإن صح أن ابن مَسعودٍ ﵁ لم يثبت المعوذتين في مُصحَفِه، فإن ذلك لا يعني إنكاره لقرآنيتهما.
المحور السادس: جواب هذه الشبهة في ضوء رواية البخاري نفسها:
إذا تأملنا رواية البخاري هذه تحقق لدينا ما يلي:
أولًا: أن هذا الأثر قد رواه جمع من الأئمة غير البخاري، منهم الإمام أَحْمَد وَابْن حِبَّان وغيرهما، إذا فالرواية ليست مما تفرد البخاري بروايته.
ثانيًا: أن البخاري صرح بقول أُبَيّ ولم يبهمه.
ثالثًا: أن البخاري أبهم قول ابن مسعود ولم يصرح به كما صرح بقول أُبَيّ، بل رواه مبهمًا، وذلك والله أعلم مما يدلل على إنكار البخاري لهذا القول لكونه مخالفًا لما ثبت من تواتر قراءة ابن مسعود التي أقرأ بها، وهي لا شك تشتمل على المعوذتين، كما أن إنكار المعوذتين كذلك مخالف لما عليه جماهير المسلمين وإجماعهم.
رابعًا: فعل البخاري هذا يدل على فقهه وسعة علمه.
ومما يدلل على ما سبق ذكره- قول الحافظ ﵀ في الفتح-:
هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظ مُبْهَمًا، وَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة أَبْهَمَهُ اِسْتِعْظَامًا لَهُ .. إلى أن قال: وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا وَابْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَاصِم بِلَفْظِ: إِنَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود كَانَ لَا يَكْتُب الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفه، وَأَخْرَجَ أَحْمَد عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ عَاصِم بِلَفْظِ: إِنَّ عَبْد اللَّه يَقُول فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ إِبْهَام، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات الْمُسْنَد وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَحُكّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفه، وَيَقُول: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَاب اللَّه، قَالَ الْأَعْمَش: وَقَدْ حَدَّثَنَا عَاصِم عَنْ زِرّ عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث قُتَيْبَة الَّذِي فِي الْبَاب الْمَاضِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار، وَفِي آخِره يَقُول: إِنَّمَا أُمِرَ النَّبِيّ- ﷺ -أَنْ يَتَعَوَّذ بِهِمَا". (١)
فالبخاري أراد الاستدلال بقول أُبَيّ لا برأي ابن مسعود، ولذا لم يصرح به فأورده عرضًا لَمَّا ساق إسناده، وإن دل هذا على شيء ظاهر، فإنما يدل على أمرين:
الأول: فقهه الإمام البخاري من جهة.
والثاني: على عدم إقراره بذلك من جهة أخرى.
стр. 320
ومما يجلي ويعاضد رواية البخارية رواية ودراية ومعنى كذلك ما رواه حَيْدَرُ بْنُ عَلِيٍّ القَاشِيُّ (ت: ٧٧٦ هـ):
عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْتُ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لا يَكْتُبُ المُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ قَال: قُلْ (أَعُوذُ برَب الفَلَقِ) فَقُلْتُهَا، فَقَال: (قُلْ أَعُوذُ برَب النَّاسِ) فَقُلْتُهَا، فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ النَّبيُّ ﷺ . (١)
المحور السابع: أقوال العلماء فيما رُوي عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين
الفاتحة والمعوذتان من سور القرآن بإجماع الأمة سلفًا وخلفًا، ولا يشك في ذلك إلا أهل الكفر والجحود والنكران، أو من رفعت عنه التكاليف لذهاب عقله، فلا يدري ما ركوع وما سجود وما قرآن.
وقد ظهر لنا جليًا الحكم على الآثار الواردة في هذا الصدد، ولا حاجة في إعادته هنا، ومع ذلك نقول:
أما فاتحة الكتاب:
١ - فإن دعواهم عدم كتابة ابن مسعود لفاتحة الكتاب في مصحفه لا يدل على إنكارها.
٢ - وهل يَظُن خفاء قرآنية الفاتحة على مثله، وهو من هو في علمه وفضله وسبقه للإسلام، وتعلمه وتعليمه للقرآن.
٣ - أضف إلى ذلك قراءة رسول الله ﷺ لها في كل صلاة، وقوله لأصحابه، بل ولأمته: (لا صَلَاةَ إِلاَّ بِقِرَاءةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ. (٢)، وهكذا كل الأئمة من بعده- ﷺ -وقد عايشهم-﵁ زمنًا حتى وفاته عام ٣٢ هـ، ولا شك في أنه واحد منهم.
٤ - وقد علم المسلمون أن قراءة الفاتحةِ ركنٌ مِن أركانِ الصَّلاةِ للإمامِ والمنفردِ ولا تتم الصلاة إلا بها، وقد قال لهم رسول الله ﷺ : (من صلَّى صلاةً لم يقرأْ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ) (٣)، وقد اشتهر ذلك الحكم بين المسلمين، ومما يجلي هذا الأمر كذلك
стр. 321
حديث أنس- ﵁: "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). (الفاتحة: ١) (١).
٥ - فهل يخفى ذلك كله على أمثال أحد السابقين الأوليين، وهو سادس من أسلم.
٦ - وأضف إلى ذلك تواتر قراءة عاصم عنه- ﵁ وفيها فاتحة الكتاب، ٧ - وأضف إلى ذلك أيضًا كثرة الأحاديث الصحاح الواردة في فضائلها والتي لا يخفى مثلها على مثله ..
وأما دعوى إنكاره المعوذتين:
فقد سبق معنا بيان ضَعف ما ورد في ذلك من آثار، ومع ذلك نقول:
١ - إن عدم كتابته- ﵁ للمعوذتين لا يلزم إنكارهما، أو أنهما ليستا من القرآن، فهو لم يجحد كونهما قرآنًا يُتلى، وإنما ظن أنهما دعاءٌ وعوذة فحسب، هذا على افتراض صحة ذلك، مع أن لا يمكن ان يعتقد أنهما عوذتين وليستا من القرآن مع تضمنهما أوجه الإعجاز الظاهر الجلي الذي لا يخفى على أي أحد فضل عن مثله ﵁.
٢ - وإنه قد صح وثبت تواتر قراءة عاصم عنه- ﵁ وهي متضمنة للفاتحة والمعوذتين، ولو كانت قراء عاصم خالية منهما لعلمنا ذلك بالنقل الصريح، ولما لم يُنقل ذلك تيقنا كذبه وافتراءه، وإقرائه القرآن وتعليمه لطلابه وهو متضمن- للمعوذتين- كما أسلفنا- كافيًا وحده في رد هذه الشبهة وبيان فسادها وبطلانها.
٣ - وثبت أن النبي- ﷺ قد قرأ بهما في صلاته ورغب كثيرًا في قراءتهما، وقد أُثبتتا في المصحف الإمام.
٤ - وإجماع الصحابة مُنْعَقِد على أن المعوذتين من القرآن الكريم، والمُصحف الإمام، إمامُ لكلِّ المصاحف بإجماع الصحابة كلهم-﵃ أجمعين-
٥ - وهل تابعه على هذا الكلام أحد من الصحابة- ﵃؟! - بل لو أنهم علموا ذلك لأنكروه، ولنقل للأمة إنكارهم وشاع خبره وذاع.
٦ - وقول القائل: إنه كان يَحكهما، ويقول: " لا تخلطوا به ما ليس منه ". يعني المعوذتين، فهذا تفسير من الراوي، ويحتمل أنه كان يَحكُّ الفواتح والفواصل. (٢)، بدليل قوله- ﵁: لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس منه. (٣)
стр. 322
ولو فرضنا ذلك جدلًا- يعني أنه حكَّ المعوذتين-، فنقول:
لعله رآها كُتِبَت على غير وجهها الصحيح، أو أنها وُضِعَت في غير ترتيبها المصحفي الذي استقرت عليه العرضة الأخيرة، والتي وافقها المصحف الإمام.
٧ - وأخيرًا فإن رجوعه- ﵁ لمصحف الجماعة يبطل كل قول، ويدحض كل شبهة، ويرد كل فرية.
والحمد لله الذي له- سبحانه- وحده الأمر من قبل ومن بعد.
ولذا فقد أنكر جمعٌ غفيرٌ من أهل العلم ثبوت أي شيء عن ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) بصدد ذلك.
ومن أبرز من أنكر ذلك إجمالًا كل من:
١ - أبو محمد عبد الله بن عبد المجيد بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت: ٢٧٦ هـ)
٢ - أبو بكر أَحمد بن عمرو بن عبد الخالق الْبَزَّار (ت: ٢٩٢ هـ)
٣ - أَبو اللَّيْثِ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ (ت: ٣٧٥ هـ)
٤ - أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر القاضي الباقلاني (ت: ٤٠٢ هـ)
٥ - أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حَزْمٍ الأندلسي (ت: ٤٥٦ هـ)
٦ - أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ الشافعي (ت: ٤٧٧ هـ)
٧ - الفخر الرازي: أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي الطبرستاني (ت: ٦٠٦ هـ)
٨ - أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (ت: ٦٧٦ هـ)
٩ - مُحَمَّد صِدِّيق حَسَن خَان القِنَّوْجِيُّ (ت: ١٣٠٧ هـ)
١٠ - محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (ت: ١٣٧٦ هـ)
١١ - عَطِيَّة بن مُحَمَّد سَالِم (ت: ١٤٢٠ هـ)
١٢ - عبد الرحمن بن محمد القماش (م)
١٣ - عبيدِ بن عبدِ اللهِ بنِ سُلَيمانَ الجابريّ (م)
وننقل أقوال الأئمة دحضًا لتلك الشبهة، وتجلية للأمر وإثباتًا لعدم نفي ابن مسعود لقرآنية الفاتحة والمعوذتين، بشيء من التفصيل والإيضاح على النحو التالي:
القول الأول: قول أبي محمد عبد الله بن عبد المجيد بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت: ٢٧٦ هـ)
القول الأول: قول ابن قتيبة- (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀-
стр. 323
قال ابن قتيبة ﵀:: وأما فاتحة الكتاب فإني أشك فيما روي عن عبد الله من تركه إثباتها في مصحفه، فإن كان هذا محفوظًا فليس يجوز لمسلم أن يظن به الجهل بأنها من القرآن، وكيف يظن به ذلك وهو من أشد الصحابة عناية بالقرآن، وأحد الستة الذين انتهى إليهم العلم … ، ولكنه ذهب فيما يظن أهل النظر إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان، والزيادة والنقصان، ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد لقصرها، فلما أمن عليها العلة التي من أجلها كتب المصحف؛ ترك كتابتها، وهو يعلم أنها من القرآن. (١).
ولا شك أن توجيه ابن قتيبة ﵀ من أجل التوجيهات، لموافقته للحق من جهة، ولعلو كعبه في التأدب مع الصحابي الجليل-ابن مسعود- ﵁ من جهة أخرى.
القول الثاني: قول أَبي بكر أَحمد بن عمرو بن عبد الخالق الْبَزَّار (ت: ٢٩٢ هـ)
قال أبو بكر الْبَزَّار ﵀:
وَلَمْ يُتَابِع اِبْن مَسْعُود عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَة. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَرَأَهُمَا فِي الصَّلَاة .. وَقَدْ تَأَوَّلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر الْبَاقِلَّانِيّ (ت: ٤٠٢ هـ) فِي كِتَاب الِانْتِصَار وَتَبِعَهُ عِيَاض وَغَيْره مَا حُكِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود فَقَالَ: لَمْ يُنْكِر اِبْن مَسْعُود كَوْنهمَا مِنْ الْقُرْآن، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ إِثْبَاتهمَا فِي الْمُصْحَف، فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ لَا يَكْتُب فِي الْمُصْحَف شَيْئًا إِلَّا إِنْ كَانَ النَّبِيّ- ﷺ أَذِنَ فِي كِتَابَته فِيهِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغهُ الْإِذْن فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَهَذَا تَأْوِيل مِنْهُ وَلَيْسَ جَحْدًا لِكَوْنِهِمَا قُرْآنًا. (٢)
وَأَخْرَجَ مُسَدَّدٌ وَابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعِكْرِمَةَ: إِنِّي أُصَلِّي بقَوْمٍ فَأَقْرَأُ بـ (قُلْ أَعُوذُ برَب الفَلَقِ) وَ (قُلْ أَعُوذُ برَب النَّاسِ) فَقَالَ: اقْرَأْ بهِمَا فَإِنَّهُمَا مِن القُرْآنِ. (٣).
وصحة هذا الأثر تغني عن كل خبر.
القول الثالث: قول أَبي اللَّيْثِ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ (ت: ٣٧٥ هـ)
قال السَّمَرْقَنْدِيّ-﵀:
ورَوَى أبو مُعاوِيَةَ، عن عُثمانَ بنِ واقِدٍ قالَ: أَرْسَلَنِي أبي إلى مُحمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ أَسألُه عَنِ المُعَوِّذَتَيْنِ: أَهُمَا مِن كتاب اللهِ تعالى؟
قالَ: مَن لم يَزْعُمْ أنهما مِن كتاب اللهِ تعالى فعَلَيْهِ لَعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أَجمعينَ. (٤)
стр. 324
وقول ابنِ المُنْكَدِرِ-هنا- يظهر جليًا فيه شدة الإنكار من جهة، وبيان حكم إنكارهما من جهة أخرى.
القول الرابع: قول أبي بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر القاضي الباقلاني (ت: ٤٠٢ هـ)
وقد أحسن الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) ﵀: في تقريره، حيث يقول:
ولو كان قد أنكر السورتين على ما ادعوا، لكانت الصحابة تناظره على ذلك، وكان يظهر وينتشر، فقد تناظروا في أقل من هذا، وهذا أمر يوجب التكفير والتضليل، فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه؟! وقد علمنا إجماعهم على ما جمعوه في المصحف، فكيف يقدح بمثل هذه الحكايات الشاذة المولدة في الإجماع المقرر، والاتفاق المعروف.!. (١)
وتوجهيه الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) -هنا- من أحسن ما قيل في ذلك، وقد تضمن كلامه ما يلي:
١ - الإجماع السكوتي من الصحابة ﵃ على سلامة القرآن وكماله وعدم نقصانه، إذ لو أنكر ابن مسعود- ﵁ المعوذتين - وحاشاه- لتصدوا لمناظرته، ولمَّا لم يكن ذلك، دل هذا على كماله وتمامه.
٢ - أن إنكار المعوذتين أمر يوجب التكفير والتضليل، وإن الصحابة عمومًا بمنأى عنه، فكيف بعلمائهم وفضلائهم وسابقيهم كابن مسعود- ﵁.
٣ - أن الشبهات والمطاعن في خلو مصحف ابن مسعود- ﵁ من المعوذتين، إنما هي أقول شاذة مخالفة لإجماع الصحابة ﵃.
القول الخامس: قول أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حَزْمٍ الأندلسي (ت: ٤٥٦ هـ)
وقد أنكر اَبْنُ حَزْمٍ ﵀: ما نسب لابن مسعود بقوله:
كُلُّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِنْ أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَأُمَّ الْقُرْآنِ لَمْ تَكُنْ فِي مُصْحَفِهِ؛ فَكَذِبٌ مَوْضُوعٌ لَا يَصِحُّ؛ وَإِنَّمَا صَحَّتْ عَنْهُ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِيهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَالْمُعَوِّذَتَانِ. (٢)
واَبْنُ حَزْمٍ ﵀ تابع قَولُهُ ووافق أقوالَ من سبقه من العلماء المنصفين.
القول السادس: ما نقل عن أبي نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ الشافعي: (ت: ٤٧٧ هـ) (٣) بعد كلامه عن مانعي الزكاة:
стр. 325
قال ابن الصباغ ﵀:
وكذلك ما نقل عن ابن مسعود في المعوذتين، يعني أنه لم يثبت عنده القطع بذلك، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك.
وقد استشكل هذا الموضع الفخر الرازي، فقال: إن قلنا: إن كونهما من القرآن كان متواترًا في عصر ابن مسعود لزم تكفير من أنكرهما، وإن قلنا: إن كونهما من القرآن كان لم يتواتر في عصر ابن مسعود لزم أن بعض القرآن لم يتواتر. قال: وهذه عقدة صعبة.
وأجيب باحتمال أنه كان متواترًا في عصر ابن مسعود، لكن لم يتواتر عند ابن مسعود، فانحلت العقدة بعون الله تعالى. (١)
القول السابع: قول الفخر الرازي: وهو: أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي الطبرستاني (ت: ٦٠٦ هـ)
وقال الرازي ﵀: مكذبًا ومبطلًا لتك الشبهة:
الأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود، نقل كاذب باطل. (٢)
القول الثامن: قول أبي زكريا يحيى بن شرف النووي: (ت: ٦٧٦ هـ)
قال النووي ﵀: في "المجموع ":
أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن، وأن من جحد شيئًا منه كفر، وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح عنه قال ابن حزم في أول كتابه المجاز هذا كذب على ابن مسعود موضوع، وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر عن ابن مسعود، وفيها الفاتحة والمعوذتان. (٣)
وردُّ النوويِ كذلك ردٌ قيمٌ مقنعٌ، وفيه التأدب مع ابن مسعود- ﵁ وإنزاله
منزلته.
стр. 326
وقد أحسن النووي واختصر، وجمع فأوعى في أمور ثلاثة:
الأول: أنه حكى فيه الإجماع بقوله: " أجمع المسلمون ".
والثاني: أنه قد شدد النكير في ذلك وحذر بقوله: "وأن من جحد شيئًا منه كفر".
والثالث: أنه قد رد هذه الشبهة وأبطلها، بقوله: "وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح عنه".
القول التاسع: قول مُحَمَّد صِدِّيق حَسَن خَان القِنَّوْجِيُّ (ت: ١٣٠٧ هـ)
قال القِنَّوْجِيُّ ﵀:
وَقَالَ بعضُ الناسِ: لمْ يَكْتُبْ عَبْدُ اللَّهِ المعوذتَيْنِ؛ لأنَّهُ أَمِنَ عَلَيْهِمَا مِنَ النسيانِ فَأَسْقَطَهُمَا وَهوَ يَحْفَظُهُمَا، كما أَسْقَطَ فاتحةَ الكتاب مِنْ مُصْحَفِهِ. (١)
هذا القول: مجمل، وقد مر معنا تفصيل ذلك ولله الحمد.
القول العاشر: قول محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (ت: ١٣٧٦ هـ)
قال الزُّرْقاني ﵀:
يحتمل أن إنكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين والفاتحة على فرض صحته كان قبل علمه بذلك، فلما تبين له قرآنيتهما بعد تم التواتر وانعقد الإجماع على قرآنيتهما كان في مقدمة من آمن بأنهما
من القرآن، قال بعضهم: يحتمل أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي- ﷺ ، ولم تتواترا عنده فتوقف في أمرهما، وإنما لم ينكر ذلك عليه لأنه كان بصدد البحث والنظر، والواجب عليه التثبت في هذا الأمر، ولعل هذا الجواب هو الذي تستريح إليه النفس؛ لأن قراءة عاصم عن ابن مسعود ﵁ ثبت فيها المعوذتان والفاتحة، وهي صحيحة، ونقلها عن ابن مسعود صحيح، وكذلك إنكار ابن مسعود ﵁ للمعوذتين جاء من طريق صححه ابن حجر؛ إذا فليحمل هذا الإنكار على أولى حالات ابن مسعود جمعًا بين الروايتين. (٢)
стр. 327
نقول قد أحسن الزُّرْقاني ﵀ ولكن يجاب عما نقل من أقوال بطريقة "الفنقلة" بما يلي: (١):
١ - قوله: يحتمل أن إنكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين والفاتحة على فرض صحته كان قبل علمه بذلك.
قلنا بأنه: كيف يحتمل ذلك من أعلم الناس بكتاب الله.
٢ - قوله: فلما تبين له قرآنيتهما بعد تم التواتر وانعقد الإجماع على قرآنيتهما كان في مقدمة من آمن بأنهما من القرآن.
قلنا بأنه: لو صح ذلك لثبتت تلك الشبهة وهذا الطعن ولو في أول الأمر، وقد مر معنا تفنيد هذه الشبهة وضعف الآثار المروية فيها.
٣ - وقوله: قال بعضهم: يحتمل أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي- ﷺ .
قلنا بأنه: كيف لم يسمعهما مع ما مر بنا من سعة علمه ومكانته وفضله وسبقه وحرصه وملازمته لرسول الله- ﷺ .
٤ - وقوله قال بعضهم: ولم تتواترا عنده فتوقف في أمرهما.
قلنا بأنه: كيف لم تتواتر عنده وسنده المثبت لهما بقراءة عاصم خير شاهد- وقد أجاب الزرقاني بذلك-
٥ - وقوله عن بعضهم "كان بصدد البحث والنظر".
قلنا إنه: أمر مستبعد تمامًا من مثله- ﵁ ولا نعلم قرينة تدل عليه، فهل ثبتت قرآنيتهما عند الصحابة ولم يثبت ذلك عنده بعد حتى يبحث وينظر في شأن قرآنيتهما.
٦ - وقوله: ولعل هذا الجواب هو الذي تستريح إليه النفس.
قلنا إنه: ﵀ مؤيد للردود والاحتمالات السابق ذكرها-على فرض صحة ما ذُكِر من الشبه-، ولم يسند تلك الجوابات لقائليها.
٧ - وقوله: وإنكار ابن مسعود ﵁ للمعوذتين جاء من طريق صححه ابن حجر.
стр. 328
قلنا: كان عليه ﵀ أن يثبت هنا أمرين:
الأمر الأول: إثبات ما نقله عن الحافظ-ابن حجر- من تصحيحه لأثر إنكار ابن مسعود ﵁ للمعوذتين-.
فقد اكتفى ﵀ بقوله هذا، ولم يسند هذا القول، بل عزاه فقط لابن حجر دون ذكر أي مصدر له.
الأمر الثاني: كان عليه في حال ثبوت هذا الأثر لديه، التحقيق والنظر والتأمل فيه ومناقشته ومدارسته وتفنيده ودحضه وإبطاله.
ولكنه اكتفى بقوله: إذا فليحمل هذا الإنكار على أولى حالات ابن مسعود جمعًا بين الروايتين.
وقد مر بحمد الله معنا إثبات حجتين منافيتين لما ذكره الزُّرْقاني ﵀:
الحجة الأولى: تعليق الحافظ -ابن حجر- نفسه- في جوابه عن رواية حديث المعوذتين عند البخاري، بقوله: " هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظ مُبْهَمًا "، وقوله: " وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ إِبْهَام ". وقول الحافظ هذا مناف لما نسبه إليه الزرقاني له هنا.
الحجة الثاني: كما أنه قد مر معنا ولله الحمد كذلك مناقشة أبرز تلك الآثار والكلام على رواتها ومروياتهم، وقد تأكد لدينا ولله الحمد بطلان نسبة ذلك كله لابن مسعود ﵁ ولو احتمالًا.
وكان المأمول من الزُّرْقاني ﵀ في مثل هذا الصدد ما يلي:
أ- عرض الآثار الواردة في هذا الصدد أولًا، - فهو- قد اكتفى بالإشارة فحسب ولم يذكر الآثار.
ب- عقد مناقشة لتلك الآثار رواية ودراية، ومناقشتها في ضوء ما سبق ذكره ومناقشته لمثلها مما سبق بيانه ومدارسته وتفنيده لتك الآثار الواهية.
وكررنا الأمر هنا ليتقرر.
ولو اكتفى الزُّرْقاني ﵀ بما صَدَّرَ به كلامه بقوله: "على فرض صحته"، -وله كلام بعده نفيس جدًا لم ننقله لطوله- فلو انتهى إلى ذلك لكان حسنًا منه، وقد قيل: "قَدْ أَحْسَنَ مَنْ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ". (١)
القول الحادي عشر: قول العلامة عَطِيَّة بن مُحَمَّد سَالِم ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ)
стр. 329
قال العلامة عَطِيَّة سَالِم ﵀:
يَذْكُرُ المُفَسِّرُونَ، عن ابنِ مسعودٍ أنَّه كانَ يَرَاهُما مُعَوِّذَتَيْنِ مِن غيرِ القرآنِ، ولكنَّ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ قالَ: أَشْهَدُ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أخْبَرَنِي: ((أنَّ جِبريلَ ﵇ قالَ له: (قُلْ أَعُوذُ برَب الفَلَقِ) فقُلْتُها، وقالَ: (قُلْ أَعُوذُ برَب النَّاسِ) فقُلْتُها. فنَحنُ نقولُ ما قالَه النبيُّ ﷺ . ذَكَرَه ابنُ كَثِيرٍ عن الإمامِ أحمدَ.
وذَكَرَ نحوَه عن البُخَارِيِّ ثُمَّ قالَ: ثُمَّ قد رَجَعَ عن قولِه إلى قولِ الجماعةِ؛ فإنَّ الصحابةَ- ﵃ أثْبَتُوهُما في المَصاحِفِ الأَئِمَّةِ، ونَفَذُوهَا إلى سائرِ الآفاقِ.
ورُوِيَ عن الإمامِ أحمدَ أنَّ النبيَّ ﷺ قَرَأَ بهما في الصلاةِ، وساقَ عِدَّةَ طُرُقٍ في إثباتِ أنَّهما قُرآنٌ؛ ممَّا يَنْفِي أيَّ خِلافٍ بعدَ ذلك في إثباتِهما.
وقد اعْتَذَرَ القُرْطُبيُّ عن ابنِ مَسعودٍ بأنَّه لم يَسْمَعْهُما مِن النبيِّ ﷺ -على أنَّهما قُرآنٌ، وسَمِعَهما فظَنَّهُما أنَّهما دُعاءٌ مِن الأَدْعِيَةِ؛ كقولِه ﷺ : ((أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)) (١). ولَمَّا بَلَغَه إثباتُهما عن رسولِ اللَّهِ ﷺ -رجَعَ إلى قولِ الجُمهورِ. (٢).
والشيخ عطية سالم ﵀ قد جَلَّى الأمر، ورد جُلَّ الشبهِ الواردة حول المعوذتين بأبلغ عبارة وأقصر إشارة.
القول الثاني عشر: قول عبد الرحمن بن محمد القماش (م) صاحب "الحاوي في التفسير"
قال القماش:
المسألة الخامسة عشرة: هل أنكر ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن؟
نقل في الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة من القرآن، وكان ينكر كون المعوذتين من القرآن، واعلم أن هذا في غاية الصعوبة، لأنا إن قلنا إن النقل المتواتر كان حاصلًا في عصر الصحابة بكون سورة الفاتحة من القرآن فحينئذٍ كان ابن مسعود عالمًا بذلك فإنكاره يوجب الكفر أو نقصان العقل، وإن قلنا إن النقل المتواتر في هذا المعنى ما كان حاصلًا في ذلك الزمان فهذا يقتضي أن يقال إن نقل القرآن ليس بمتواتر في الأصل وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة
стр. 330
يقينية، والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب باطل، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة، والله الهادي للصواب. (١).
ولم يقف الباحث على عزو من القماش في كتابه "الحاوي في التفسير"، ولكن قد مر معنا قبل قليل كلام الرازي وقوله" الأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود، نقل كاذب باطل" (٢)، وهو من كلام الرازي، لكن الباحث لم يقف على عزو له عند القماش، فلذا جرى التنبيه.
القول الثالث عشر: قول الشيخ عبيدِ بن عبدِ اللهِ بنِ سُلَيمانَ الجابريّ (م):
قال الشيخ الجابريّ:
قوله: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عاصِمٍ وعَبْدَةَ، عَنْ زِرٍّ بْنِ حُبَيْشٍ قالَ: " سَالتُ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ عَنِ المُعَوِّذَتَيْنِ، فَقَالَ سالتُ النَّبيَّ ﷺ ، فَقَالَ: قِيلَ لِي فَقُلْتُ. فنَحْنُ نَقُولُ كما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . "
فيهِ ثلاثُ مَسَائِلَ:
المسألة الأُولَى: قَوْلُهُ: " سَالتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ المُعَوِّذَتَيْنِ " في الرِّوَايَةِ الآتيةِ "سَالتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: يا أَبَا المُنْذِرِ، إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وكَذَا وأَبُو المُنْذِرِ كُنْيَةُ أُبَيٍّ- ﵁، ولَهُ كُنْيَةٌ أُخْرَى وهي أَبُو الطُّفَيْلِ. "
وقولُهُ: " كَذَا وَكَذَا " هَكَذَا وَقَعَ هذا اللفظُ مُبْهَمًا عِندَ البُخَارِيِّ والنَّسَائِيِّ في التَفْسيرِ وغَيْرِهِمَا، وكَأَنَّ بَعضَ الرُّوَاةِ أَبْهَمَهُ استِعْظَامًا له، وقدْ صَرَّحَ بهِ سُفْيَانُ عِندَ أَحْمَدَ، ولَفْظُهُ: (قُلْتُ لأُبَيٍّ: إِنَّ أَخَاكَ يَحُكُّهَا مِنَ المُصْحَفِ)، وقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ في المسند (٣) وابنُ حِبَّانَ: في صحيحه (٤)، كِلاهُما مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ عاصِمٍ، عَنْ زِرِّ قالَ قُلْتُ: لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لا يَكْتُبُ في مُصْحَفِهِ المُعَوِّذَتَيْنِ.
المسألة الثانيةُ: قولُهُ: "سَالتُ رسولَ ﷺ ، فَقَالَ: (قِيلَ لِي فَقُلْتُ) وفي رِوَايَةِ عاصِمٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ: (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) قَالَ لِي جِبْرِيلُ: (قُلْ أَعُوذُ برَب الفَلَقِ)، فَقُلْتُهَا، وَقَالَ لِي: (قُلْ أَعُوذُ برَب النَّاسِ)، فَقُلْتُهَا.
стр. 331
المسألة الثالثةُ: قَوْلُهُ: " فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ " عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ: "فَنَحْنُ نَقُولُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ ".
قُلْتُ: وقدْ أَخْرَجَ مسلمٌ في باب فَضْلِ قِرَاءةِ المُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ كتاب صَلاةِ المُسافِرِينَ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ، لمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ: (قُلْ أَعُوذُ برَب الفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ برَب النَّاسِ) زادَ ابْنُ حِبَّانَ: إِنَّكَ لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ (قُلْ أَعُوذُ برَب الفَلَقِ)، وعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((اقْرَأْ يَا جَابرُ)) قالَ: قُلْتُ: ما أَقْرَأُ بأَبي وأُمِّي أَنْتَ؟ قالَ: (قُلْ أَعُوذُ برَب الفَلَقِ)، وَ (قُلْ أَعُوذُ برَب النَّاسِ)، فَقَرَأْتُهُما، فقَالَ ﷺ : ((اقْرَأْ بهِمَا وَلَنْ تَقْرَأَ بمِثْلِهِمَا)) قُلْتُ: فَصَحَّ بهَذَا أَنَّ المُعَوِّذَتَيْنِ سُورَتَانِ مِنْ سُوَرِ القُرْآنِ. (١).
قال العلامة ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ في "الكافية الشافية":
ورَسولُه قد عَاذ بِالكلماتِ مِن … لَدْغٍ ومِن عينٍ ومِن شيطانِ
أيُعاذُ بِالمخلوق؟! حاشاهُ مِنَ الـ … إشراكِ وهو مُعَلِّمُ الإيمانِ
بل عَاذ بالكلماتِ وهي صفاتُه … سبحانه ليست مِن الأكْوانِ". (٢).
المحور الثامن: وقفات هامة مع العرضة الأخيرة
العرضة في المفهوم اللغوي:
والعرضة: من العرض، وهو مأخوذ من المعارضة:
و من معاني العرض: الإبراز والظهور، ويقال: عَرَضَ الجُنَدَ: جعلهم يمرون عليه واحدًا واحدًا، وعَرَضَ له من حقه شيئًا: أعطاه إياه مكان حقه، وَعَرَضَ القومَ على النارِ: أَحْرَقَهُمْ بِهَا. (٣)
أما المعارضة: فهي: من المفاعلة: عارض الشيء معارضة، قابله، يُقال: فلان يعارضني أي: يباريني. (٤)
قَالَ ابْنُ الأَثير (ت: ٦٠٦ هـ) في بيان معنى المُعارَضةِ:
أَي كَانَ يُدارِسُه جمِيعَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ مِنَ المُعارَضةِ المُقابلةِ. ومنه عرضتُ الكتابَ بالكتابِ أي قبلتُه به. (٥).
стр. 332
ومنه ما يقوم به الباحثون من مقابلة نص كتاب على نص كتاب آخر، ومقابلة النسخ بين بعضها البعض، وأكثر ما يكون ذلك في مقابلة النسخ المطبوعة على نسخ أخرى مخطوطة.
وأما المدارسة: فهي: من المفاعلة: - كذلك- ودارستُ الكُتُبَ وتَدَارَسْتُها، أي: دَارَسْتُها، وأصلُ الدِرَاسةِ الرياضة والتَّعَهُدُ للشيء. (١)
ففي المفهوم اللغوي: نجد أن العرضة مأخوذة من المعارضة التي هي على وزن مُفَاعَلَة، وهي بذلك تتضمن معني المبادلة والمقابلة والمدارسة بين جانبين، وهي مُفَاعَلَة - يعني من طرفين-أو بين طرفين.
مفهوم المُعارَضةِ في الاصطلاح:
فيكون معنى المُعارَضةِ فيما نحن بصدده ههنا من جهة الاصطلاح هو "المقابلة":
وهو: مقابلة كل ما نزل به جبريل من القرآن الذي أوحاه الله إليه، على كل ما سبق نزوله به على رسول الله- ﷺ ، فتكون المقابلة على ما سبق نزوله من الوحي الذي أوحاه الله إليه، فهي بمثابة المراجعة الخاتمة والأخيرة لتأكيد تثبيت حفظ القرآن في صدره الشريف-صلى
الله عليه وسلم- وهذا في رمضان من كل عام، وكانت المقابلة والمعارضة في آخر رمضان مرتين، لكونها المراجعة النهائية والمدارسة الختامية التي ليس بعدها مراجعة أو مدارسة.
وفي هذا المعنى يقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) في " الفتح ":
والمعارضة مفاعلة من الجانبين، كأن كلا منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع (٢)
و لفظ المعارضة يدل على المشاركة كذلك.
وأما العرضة "الأخيرة" فسميت بذلك لكونها المعارضة الأخيرة بالقرآن بين جبريل-﵇-وبين رسول الله- ﷺ .
والعرض عند أهل الإقراء والإتقان والتحمل والأداء هو:
تلاوة القرآن على شيخ، وهو أحد أنواع التحمل والأخذ عن المشايخ. (٣)
وهو أن يعرض الطالب قرأته على شيخٍ ومُعَلِمٍ متقنٍ، كما درج على ذلك سلف الأمة، لأن القراءة سنة ماضية يأخذها الآخر عن الأول، وذلك هو المتبع منذ نزول القرآن إلى وقتنا، وإلى ما شاء الله.
стр. 333
والحفظ والتلقي والعرض من خصائص هذه الأمة:
وفي نحو ذلك يقول ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀:
"ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط الْمصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لِهَذِهِ الأمة". (١)
ولذا نجد أهل الصدر الأول يحذرون من تشيخ الصحيفة:
قال بعض السلف: " من أعظم البليَّة تشيُّخ الصَّحيفَة ". (٢)
وفي هذا الصدد يقول سليمان بن موسى الأشدق (ت: ١١٩ هـ) ﵀:
"لا تأخذوا الحديثَ عن الصُّحُفيِّين، ولا تقرؤوا القرآنَ على الْمُصْحَفِيِّين". (٣)
وفي مثله يقول سعيد بن عبد العزيز التَّنُوخِيّ (ت: ١٦٧ هـ) ﵀:
" لا تأخذوا العلم عن صُحُفِيٍّ، ولا القرآن مِنْ مُصْحَفِيٍّ ". (٤)
وفي نحوه يقول الوليد بن مسلم القرشي (ت: ١٩٥ هـ) ﵀:
" لا تأخذوا العلم من الصُّحُفيِّين ولا تقرؤوا القرآن على الْمُصَحَفِيِّين؛ إلا مِمَّن سمعه مِن الرجال وقرأَ على الرجال. (٥).
أما معنى "الصُّحُفيِّين": فهم الذين يشيخون الصحيفة ويأخذون العلم عنها مكتفين بها عن العلماء.
وأما معنى "الْمُصَحَفِيِّين": فهم الذين يلحنون في القول فيغيرون القول عن معناه المراد، وهذا يشمل القرآن، كما يشمل ما سواه من العلوم.
وأصل التصحيف هُوَ: تغيير في نقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط (٦).
وحول مفهوم التصحيف يقول الحافظ السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ) ﵀:
هو تحويل الكلمة عن الهيئة المتعارفة إلى غيرها. (٧)
стр. 334
يقول أبو شامة المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ) ﵀:
روينا عن … - وذكر جملة من الصحابة والتابعين- … قالوا: القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول فاقرؤوا كما علمتموه.
ولذلك كان الكثير من أئمة القراءة كنافع وأبي عمرو يقولون لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرأت لقرأت حرف كذا كذا وحرف كذا كذا ". (١)، ولهذا حذر السلف من هذا وأمثاله.
ويقول الحافظ السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ) ﵀:
" والأخذ للأسماء والألفاظ من أفواههم - أي العلماء بذلك، الضابطين له ممن أخذه أيضًا عمن تقدم من شيوخه وهلم جرَّا - لا من بطون الكتب والصُّحُف من غير تدريب المشايخ: أَدْفَع للتَّصحيف، وأَسْلَم من التبديل والتحريف … ". (٢)
ومن أمثلة ونماذج العرض على أهل الإقراء والإتقان والتحمل والأداء الذي هو من خصائص هذه الأمة:
قراءة مُجاهِد بْن جَبْر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀ على الحبر ابن عباس- ﵄.
وفي ذلك يقول مُجاهِد ﵀:
"عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها (٣). وثلاث عرضات أي: ثلاث ختمات
وقد أخذه عن ابن عباس- ﵄ كذلك- جماعة من التابعين، غير مجاهد، كسعيد بن جبير، وعكرمة، وطاووس اليماني وغيرهم.
وَأَخْذُ الآخرِ عن الأولِ يكون وفق ضوابط وشروط يجب توافرها فيمن يُؤْخَذُ عنه، وهي معروفة عند أهل الأداء ومبسوطة في مظانها.
وقد أشار إلى جملة من تلك الشروط أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) في "أرجوزته المنبهة" فقال ﵀:
وقيّد الجميعَ بالمعاني وبَذَلَ المجهود في البيانِ
عن كل أصلٍ ظاهرٍ جلِي وكلِّ فرعٍ غامضٍ خفي
من غير إطنابٍ ولا إكثارِ ولا تكلُّفٍ ولا تَكرارِ
стр. 335
على الذي رواهُ عن أيمَّته من مُدُنِ المشرقِ وقتَ رحلتهِ
من مُقرئٍ منتصبٍ إمام وعالمٍ بالنحو ذي تمامِ
وماهرٍ في العلم بالتأويلِ وقدوةٍ في مُحكم التنزيلِ
وفي العُقُودِ وأصولِ الدينِ والفقهِ والحديثِ ذي تمكينِ
وباصرٍ بالنقلِ والرواية مُشهَّر بالفهم والدراية
وضابطٍ للأحرفِ المشهورةِ وحافظٍ للطرق المنشورة
وصادقِ اللهجةِ غيرِ مُتَّهمْ لسُنن الماضينَ قبلُ ملتزِمْ. (١)
تعريف مصطلح "العرضة الأخيرة ":
ويقصد بمصطلح "العرضة الأخيرة": آخر قراءة أقرأها جبريلُ-﵇ رسولَ الله- ﷺ ، في رمضان الذي هو آخر رمضان أدركه- ﷺ ولم يدرك رمضان بعده حتى لحق بالرفيق الأعلى.
ويمكن ان يُقال أن العرضة الأخيرة:
١ - هي القراءة الأخيرة التي أقرأها جبريلُ-﵇ رسولَ الله- ﷺ ، في آخر رمضان أدركه- ﷺ في حياته من عمره المبارك.
٢ - وهي القراءة التي جُمِعَ عليها المصحفُ الإمام ووافقها، وهي القراءة التي أجمع عليها الصحابة- ﵃.
٣ - وهي القراءة الموافقة والمطابقة لما هو مثبتٌ في اللوح المحفوظ.
٤ - وهي القراءة التي نقلت بالتواتر عن جمع كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة.
٥ - وهي القراءة التي أجمع عليها السلف والخلف.
٦ - وهي القراءة المحفوظة في صدور الأولين والآخرين.
٧ - وهي القراءة المثبتة في المصاحف التي بين أيدي الناس حتى اليوم في مشارق الأرض ومغاربها، والتي لا يختلف فيها حرف واحد في أي منها عن الآخر، وذلك إلى أن يُرفعَ القرآنُ في آخر الزمان، فلا يبقى منه حرف مكتوبٌ في السطور، ولا آية محفوظةٌ في الصدور، وذلك تحقيقًا لوعد الله تعالى الذي لا يتخلف أبدًا، الذي قال فيه سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).
٨ - وهي القراءة التي رفع منها ما نسخ، وبقى منها ما ثبت قرآنيته من كل ما نزل به الوحي ولم ينسخ.
стр. 336
٩ - وهي القراءة التي ثبت في الصحيحين خبرها من حديث أم المؤمنين عائشة- ﵂:
" أن فاطمة ﵂ قالت: أخبرني (أي: رسول الله ﷺ ) (فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الْآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ). (١) وهذه رواية مسلم.
وفي رواية البخاري: (إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي القُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي) فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: (أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ) فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ. (٢).
وثبت عند البخاري-أيضًا-: من حديث منْ أَبِي هُرَيْرَةَ- ﵁ قَالَ: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ- ﷺ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ. (٣)
مكانة العرضة الأخيرة وعظم قدرها:
كان جبريلُ-﵇ يُعارض رسولَ الله- ﷺ بالقرآن في رمضان من كل عام مرة، فلما عارضه مرتين في آخر عام من عمره المبارك، شعر النبيُ- ﷺ بدنوا أجله، فكانت العرضة الأخيرة كالتوديع للوحي لِيُرفع ما نسخ منه، ويبقى ما ثبت قرآنيته من كل ما نزل به الوحي ولم ينسخ، وليبقى محفوظًا في صدره الشريف، وليبقى ما شاء الله بقاءه منه لآخر الزمان.
وفي نحو ما تقرر آنفًا يقرر ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ذلك فيقول ﵀:
والمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة: مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى، ليبقي ما بقي، ويذهب ما نسخ، توكيدًا، أو استثباتًا وحفظًا؛ ولهذا عرضه في السنة الأخيرة من عمره -عليه
الصلاة السلام-، على جبريل مرتين، وعارضه به جبريل كذلك؛ ولهذا فَهِمَ-﵇ اقتراب أجله، وعثمانُ-رضي الله- عنه جمع المصحف الإمام على العرضة الأخيرة. (٤)
ويُجلي الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) الحكمة من المعارضة فيقول-رحمه الله تعالى-:
جبريل كان يعارض النبي ﷺ بالقرآن في شهر رمضان، وفي ذلك حكمتان: إحداهما: تعاهده.
стр. 337
والأخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ. (١)
فكانت تلك العرضة المباركة:
١ - بمثابة وداع للوحي الذي آنس به- ﷺ في حياته، وعاش من أجل القيام بحقه فيما بينه وبين ربه سبحانه أولًا، ثم فيما بينه وبين أمته ثانيًا.
٢ - وكانت العرضة الأخيرة بمثابة كمال وتمام أدائه- ﷺ لأمانة البلاغ عن ربه- ، حيث أمره ربه بذلك في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) (المائدة: ٦٧). وذلك بتثبيت القرآن في صدره، ليعييه قلبه، ويحفظه له في صدره تحقيقًا لوعده سبحانه: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)
(القيامة: ١٧ - ١٩) وهي المعارضة والْمراجعة والمُدَارَسَة الختامية للوحي المنزل، والتي عُرِضَ فيها القرآنُ الكريم مرتين اثنتين.
٣ - العرضة الأخيرة أُثبِتَتْ فيها جميع أوجه القراءة الثابتة المتواتر التي لم تنسخ، وتُرِكَت كلُ قراءةٍ منسوخة، وهذا لا يعني أنها كانت على أكثر من حرف، بل المعني هو مراجعة كل ما نزل وبقي، ورفع كل ما نسخ مما أراد الله تعالى رفعه ونسخه ..
٤ - كل ما ثبت في العرضة الأخيرة فهو: القرآن الكريم، الذي هو كلام الله تعالى (٢) المُنَزَّل على نبيِّه-محمَّد- ﷺ -المعجِز بلفظه، المتعبَّد بتلاوته، المُتحدى به، المنقول إلينا
стр. 338
بالتواتر، المكتوب في المصاحف والسطور، المحفوظ في القلوب والصدور، المفتتح بأول سورة "الفاتحة المختتم بسورة "الناس.
٥ - كل ما لم ثبت في العرضة الأخيرة فهو إما أن يكون منسوخًا، وإما أنه ليس من القرآن الذي أنزله الله وتعبدنا به سبحانه.
وكلاهما ليس له حكم القرآن: من جهة التعبد، ومن جهة الإعجاز على حد سواء.
وعلى هذا فأي وجه من أوجه القراءة لم يثبت في العرضة الأخيرة علمنا نسخه، وما ثبت فيها علمنا أنه القرآن الذي تعبدنا الله به.
٦ - كذلك لابد أن يُعلم أن العرضة الأخيرة كانت على حرف واحد فيما يعلم الباحث،
ومن قال غير ذلك فليأت بدليل قاطع وبرهان ساطع، لأن العرضة الأخيرة كانت لتأكيد الحفظ وإثبات مالم ينسخ من بعض آي القرآن، وليس وراء ذلك من شيء أبدًا.
وقد سبق معنا كلام الحافظ في الفتح عن الحكمة من العرضة الأخيرة حيث قال: وفي ذلك حكمتان،
إحداهما: تعاهده، والأخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ. (١) ولا يُعلم في ذلك قول له اعتباره قام على الحجة والبرهان وساطع البيان يخالف قول الحافظ ومن وافقه.
وَفي صدد ما تقرر لدينا آنفًا يقرر - ذلك - عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ (٢) ﵀ بقوله:
القراءة التي عُرِضَت على رسول الله ﷺ في العام الذي قبض فيه- هي القراءة التي يقرأها الناس. (٣)
ومن أحسن ما قيل في وجهة التناسب بين كون العرضة من كل عام في رمضان، وبين بدء نزوله فيه كذلك، قول أبي شامة (ت: ٦٦٥ هـ) في "المرشد الوجيز"،
حيث يقول ﵀:
وكأنه نَزَّلَ عرضه وإحكامه في رمضان من كل سنة منزلة إنزاله فيه، مع أنه قد لا ينفك من إحداث إنزال ما لم ينزل أو تغيير بعض ما نزل بنسخ أو إباحة تغيير بعض ألفاظه. (٤)
стр. 339
وقد وافق قولُ ابن كثير قولَ أبي شامة، حيث يقول ﵀:
وخص بذلك رمضان من بين الشهور؛ لأن ابتداء الإيحاء كان فيه؛ ولهذا يستحب دراسة القرآن وتكراره فيه، ومن ثم اجتهاد الأئمة فيه في تلاوة القرآن. (١)
نزول القرآن بعد العرضة الأخيرة:
وأما ما نزل بعد رمضان الأخير من زمن النبي- ﷺ وهو رمضان سنة عشر من الهجرة، وتوفي النبي- ﷺ في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وقد نزل قرآن فيما بعد ذلك الرمضان، فكأن الذي نزل بعد تلك العرضة لَمَّا كان قليلاً اغتفر أمر معارضته. (٢)
وقد شهد العرضة الأخيرة من الصحابة، عبد الله بن مسعود، وقيل زيد بن ثابت-﵄.
فعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُلميّ ﵀ (٣) قال:
قرأ زيد بن ثابت على رَسُول اللهِ- ﷺ في العام الذي توفَّاه الله فيه مرتين، وإنَّما سمِّيَت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرَسُول اللهِ- ﷺ ، وقرأها عليه وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بِها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف. (٤)
ويقول السُلميّ ﵀ أيضًا:
كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة (٥) كانوا يقرءون القراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله ﷺ -على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان زيد قد شهد العرضة الأخيرة وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده الصديق في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصحف. (٦)
стр. 340
وفي نحو قول السُلميّ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀:
والعرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بكتابتها. (١).
وإنما عنيا: -السُلميّ، وشيخ الإسلام- بقراءة زيد هنا " حرف زيد ".
والباحث: لا يعلم دليلًا صحيحًا صريحًا يدلل على أن المعارضة كانت بأكثر من حرف.
ولاشك في أن من أبين مظاهر ودواعي العرضة الأخيرة تثبيت حفظ القرآن في صدره الشريف- ﷺ وفق ما أوحاه الله إليه بواسطة جبريل، ونسخ ما أراد الله نسخه، وتثبيت ما أراد الله بقاءه. وهذا ما عليه عامة أهل العلم، ولا نعلم صوابًا سواه، وقد تكرر ذلك ليتقرر.
ولذا قال ابن قتيبة (ت: ٢٦٧ هـ) ﵀: في "تأويل مشكل القرآن":
"فيحدث الله من ذلك ما يشاء وينسخ ما يشاء، وييسر على عباده ما يشاء". (٢)
ويؤكد نفس المعنى أبو شامة في "المرشد الوجيز" فيقول ﵀:
ويقال: إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله ﷺ على جبريل وهي التي بُيِّن فيها ما نسخ وما بقي. (٣)
والعرضة الأخيرة كانت كالعرضة من كل عام، غير أنها كانت في العام الأخير مرتين، وقد سبق معنا بيان أنها -العرضة الأخيرة- مما أستدل به النبي- ﷺ على دنوا أجله وانتهاء مهمته في الأرض.
وقد روى البخاري ﵀: بسنده في "خلق أفعال العباد" قال:
حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: أي القراءتين تعدون أول؟ قلنا: قراءة عبدالله. قال: لا، إِنَّ رسول الله- ﷺ كان يُعرَضُ عليه القرآنُ في كل رمضان مرةً إلا العام الذي قُبض فيه فإِنَّه عُرِضَ عليه القرآنُ مرتين فحَضَرَهُ عبدُالله فشهدَ ما نُسِخَ وما بُدِّلَ. (٤).
стр. 341
وقد سبق معنا التحقق من تدليس الأعمش إذا عنعن، وقد عنعن هنا، وبعد تتبع طرق هذا الأثر تبين ضعفه، ولكن له طرق أخرى يتقوى بها ويشهد لذلك تصحيح الحافظ ابن حجر في "الفتح" بقوله: إسناده صحيحٌ. (١)
ولذا يقول ابن مسعود عن نفسه: "لو أعلمُ أحدًا أعلمَ بالعرْضة الأخيرة منِّي لأتيتُه. (٢)
إن ثبت هذا الأثر، فلا شك إنه إن دل على شيء فإنما يدل على حرصه واجتهاده- ﵁ ولما يعلم هو من نفسه.
لما لا وقد قال ﵊: (خُذوا القرآنَ من أربعة: مِن ابن أمِّ عبد … )، فبدأ به. (٣)
وفي نحو ذلك يقول أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀ في " أرجوزته المنبهة":
وعن نبي الله قد أتانا … بأنه قال خذوا القرانا
من نفر أربعة قراء … من ابن مسعود أخي العلياء
ومن أُبَيّ ومعاذ بن جبل … وسالم يَهْنِيهِمُ هذا المحل
إذ خصهم نبيهم بذاكا … ولم يسم غيرهم إذ ذاكا
وليس من أصحابه إنسان … إلا وقد فضله الرحمن
وكلهم أئمة في الدين … وفي الكتاب المنزل المبين (٤)
وأخيرًا: المصحف الإمام وموافقته للعرضة الأخيرة
يجب أن يُعْلَمَ أن استقرار أمر المصحف الإمام على موافقة العرضة الأخيرة:
١ - كان عن علم وإجماع من الصحابة- ﵃ وأرضاهم أجمعين-.
٢ - وإن البعض منهم كان له مصحفه الخاص به، ومصاحفهم الخاصة هي تلك المصاحف التي كتبوها، أو كُتِبَتْ لهم، قبل أن يجمع عثمانُ الناسَ على المصحف الإمام، وإذا كانت خاصة فلابد وأنها غير متطابقة تمام التطابق مع المصحف الإمام، فالقرآن المنزل كان محلا للنسخ، هذا من
стр. 342
جهة، ومن جهة أخري فإن القرآن نزل على سبعة أحرف، وقد يكون أحدهم مصحفه على حرف من تلك الأحرف المنزل بها القرآن والمرخص في القراءة بها.
٣ - وقد كانت مصاحفهم عندهم ليرجع أحدهم لمصحفه الخاص من أجل ذلك، وكل منهم له اجتهاده في حدود ما بلغه علمه من تلك الأحرف.
٤ - لما جمع عثمانُ الصحابةَ على المصحف الإمام وأمر الناس بتحريق المصاحف كان ذلك الأمر من الخليفة الراشد الحاكم والآمر لزامًا عليهم جميعًا الاستجابة له ولأمره، وذلك لأمرين اثنين:
أما الأمر الأول: فلأنه الحق الذي أجمعوا عليه جميعًا وتم بمشورتهم ومشاركتهم، فلا يحل لأحد منهم مخالفته.
وأما الثاني: فلأن الذي فعل ذلك وجمع الناس عليه هو الخليفة الراشد حاكم المسلمين والقائم على أمرهم، فلا يحق لأحد شق عصى الطاعة والخروج عن لزوم أمره الموافق لإجماع الصحابة أجمعين.
٥ - ومما يدلل على ما سبق ذكره إجمالًا: ما ثبت عند البخاري من حديث أنس بن مالك-﵁:
أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ، قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَةَ، وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ، قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الكِتَابِ اخْتِلَافَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: " أَنْ
أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ"، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْر، وَسَعِيدَ بْنَ العَاص، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: " إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ"، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ، أَنْ يُحْرَقَ. (١).
وبهذا يتبين لنا ما يلي:
١ - أن الصحابة ﵃ كانت لهم مصاحفهم الخاصة.
٢ - كما يدل على أنه تم إحراق تلك المصاحف جميعًا.
стр. 343
٣ - كما يدل ضمنًا على إجماعهم، فلم يمتنع أحد منهم على تقديم مصحفه للحرق، إلا ما كان من ابن مسعود ﵁-أول الأمر، فما لبث أن ثاب إلى أمر الجماعة.
٤ - كما يدل أخيرًا على أن:
" العرضة الأخيرة للقرآن الكريم كانت هي المرجع والأساس لقراءة أصحاب النبي ﷺ ، كما كانت الفيصل بينهم إذا تنازعوا في شيء من كتاب الله تعالى، ولَمَّا أرادوا الكريم
كانت هي أيضًا أساس هذا الجمع، فقد اتفقوا على كتابة ما تحققوا أنه قرآن مستقرٌّ في العرضة الأخيرة، وتركوا ما سوى ذلك. (١)
وسيأتي معنا في المبحث الرابع الذي يلي هذا المبحث، الكلام على تحريق المصاحف الأخرى غير المصحف الإمام بشيء من الإيضاح والتفصيل، بإذن الله تعالى.
وقد طال بنا التطواف مع هذه الشبهة ومناقشتها ومدارستها والرد عليها وإبطالها وتفنيدها وتكذيبها، وذلك أمرين:
الأول: لعظم خطبها وخطورة شأنها
الثاني: لكثرة ما ورد حولها من مطاعن وشبه قد تلتبس على بعض طلاب العلم المتخصصين فضل عن غيرهم.
وختامًا لمبحث الشبه الواردة على المصحف العثماني:
وبعد عرض نماذج منها ومناقشتها ودحضها وتكذيبها وبيان زيفها وبطلانها بحجج دامغات واضحات، وأجوبة صحيحة مسكتات، لا يسع الباحث إلا أن يحمد الله تعالى ويشكره، راجيًا أن يكون قد وفق لما كان يرجوه ويأمله من الذب عن حياض دينه عمومًا، ودفاعًا عن كتاب ربه خصوصًا، راجيًا وآملًا أن يشمله رَبُهُ الكريمُ الرحمنُ الرحيمُ بعفوه ومغفرته ورحمته التي وسعت
كل شيء، وأن يجعل هذا العمل مما يُتزلف به لديه سبحانه وحده، وأن يجعله مما تُرفع به الدرجات، وتُضاعف به الحسنات، وتُقال به العثرات، ويُعفى به عن السيئات، إنه قريب مجيب.
ويصلى ويسلم على من قام بواجب البلاغ عن ربه- نبينا محمد- ﷺ ، ويسأله- سبحانه-أن يجزي أصحابه الكرام- خير أصحاب لخير رسول- ﵃ الجزاء الأوفى على ما قاموا به من حق كتاب ربهم عليهم، فلقد كفَوْا الأمة بعدهم الخَطْب العظيم في حفظهم لكتاب الله الكريم بكل ما تحمل كلمة الحفظ من معانٍ كبيرةٍ عظامٍ، وجزى الله علماء الإسلام سلفًا وخلفًا عما قدموا لدينهم عمومًا ولكتاب ربهم خصوصًا ولا سيما في سد ثلمة الدفاع عن
стр. 344
كتاب ربهم المجيد، الذي: (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤٢).
وبهذا تنتهي الشبهة الثامنة ودحضها وإبطالها، وبها ينتهي المطلب الرابع: الشبهات الواردة حول الجمع العثماني ودحضها. والحمد لله رب العالمين.
المطلب الخامس: تحريق المصاحف الأخرى غير المصحف الإمام وغير ما نسخ منه، وبيان دواعي ذلك
أولًا: تحريق المصاحف الأخرى غير المصحف الإمام
بعد أن أنهت لجنة الجمع العثماني عملها برئاسة زيد بن ثابت ومشاركة الرهط القرشيين الثلاثة- ﵃ أجمعين-، وقامت بنسخ المصاحف التي سترسل للأمصار، والتي كانت كتابتها موافقة لما استقرت عليه العرضة الأخيرة التي - قيل- شهدها زيد، والتي هي موافقة لما هو مثبت في اللوح المحفوظ وترك ما سوى ذلك، عزم عثمان- ﵁ على تحريق المصاحف التي في أيدي الناس وجمع الأمة على مصحفٍ إمام واحد يجتمع عليه المسلمون في كل الأقاليم الإسلامية درءًا للفتنة وهي في مهدها.
ولذا فإنه لما حدث اختلاف فى قراءة القران بين الغلمان والمتعلمين فى المدينة فى زمن عثمان- ﵁، قام خطيبًا في الناس فقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عنى من الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد، فاكتبوا للناس إمامًا. (١)
"حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحفِ ردَّ عثمانُ الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق". (٢)
"واجتمعوا جميعًا على المصاحف العثمانية، حتى عبد الله بن مسعود الذي نقل عنه أنه أنكر أولًا مصاحف عثمان، وأنه أبى أن يحرق مصحفه، رجع وعاد إلى
حظيرة الجماعة، حين ظهر له مزايا تلك المصاحف العثمانية، واجتماع الأمة عليها، وتوحيد الكلمة بها". (٣)
ثانيًا: موقف الصحابة من تحريق المصاحف
استشار عثمان الصحابة في ذلك فأيَّدوه وعاضدوه وناصروه واستجابوا له وأثنوا على فعله واستجابوا لندائه وأمره وأعانوه وأقروا ما عمله-عثمان-؛ واتفقت كلمتهم على فعله، فحرقوا
стр. 345
مصاحفهم استجابة منهم لهذا الفعل العظيم، صيانة لكتاب الله وجمعًا لكلمة الأمة على أمر سواء، وقد مر معنا ذكر ذلك مرارًا في ثنايا البحث.
ومن أبرز ذلك قول علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁:
"يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف .. فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منّا جميعًا، .. إلى أن قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف … ، قلنا: فنعم ما رأيت .. قال على: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل". (١) وقد مر عنا ذكر هذا الخبر قبل قليل بطوله فناسب ذكره هنا مقتضبًا.
ويقول- ﵁ أيضًا:
دعانا-عثمان-فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضكم يقول: قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرًا، وإنكم إن اختلفتم اليوم كان لمن بعدكم أشد اختلافًا. قلنا: فما ترى؟ قال: أن أجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت. (٢)
وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص (ت: ١٠٣ هـ) قال:
أدركت الناس متوافرين حين حرّق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك- أو قال- لم ينكر ذلك منهم أحد. (٣)
وإن إقرار جميع الصحابة- ﵃ لفعل عثمان يُعد إجماعًا منهم، وإقرار على بن أبي طالب، وبعده قول مصعب بن سعد يقرر الإجماع السكوتي كذلك. ويكفي أن عثمان-﵁ قد فعل ذلك والصحابة متوافروِن، فلم ينكر عليه أحد منهم أبدًا.
والأهم من هذا كله أن بعض الصحابة ممن كان له مصاحف خاصة كأبي بن كعب وابن مسعود وعلى بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري والمقداد بن الأسود وأبي الدرداء وابن عباس وغيرهم- لم يعترض منهم أي أحد-، بل إنهم قد أجمعوا على صحة فعل عثمان في تحريق المصاحف، و تمت ذلك أمام أعين كبراء الصحابة وفضلائهم- ﵃ أجمعين-.
وقد رضي الصحابة - رضى الله عنهم - ما صنعه عثمان - رضى الله عنه - وأجمعوا على صحته وسلامته، وقال زيد بن ثابت - رضى الله عنه - "فرأيت أصحاب محمد ﷺ يقولون: أحسن والله عثمان، أحسن والله عثمان". (٤)
стр. 346
ثالثًا: بواعث تحريق عثمان للمصاحف
لابد وأن يُعلم أولًا:
أن كلمة: " المُصحف" في الصدر الأول لم يكُن يُقصد بها "القرآن الكريم" وإنما يُقصد بها مجموع الصحف التي كتب فيها القرآن، ولِذا حين يُقال أن عُثمان قد حرق المصاحِف فلا يعني ذلك أنه قد حرق القرآن، بل حرق الصحف التي كُتب فيها.
ولقد أمر عثمان- ﵁ بتحريق المصاحف لمصالح كبرى وعظمى والتي كان من أبرزها ما يلي:
الباعث الأول: المصحف الإمام مصحف جامع للأمة قاطبة، وسائر المصاحف مصاحف فردية، كتبها كل واحد لنفسه فحسب، والصحابة ربما لم يُدوِّن أحدهم القرآن الكريم كامِلاً في مصحفه وإنما دوّن ما يحتاج إلى حِفظِهِ ومراجعته، لذا احتاج الناس لمصحف واحد إمام.
الباعث الثاني: المصحف الإمام نال عناية ودقة فائقة في الضبط والتحري والاستيثاق وإجماع الصحابة، والمصاحف الأخرى حظها من هذا الإتقان والتحري والدقة دون ذلك، لذا احتاج الناس لمصحف واحد إمام.
الباعث الثالث: المصحف الإمام لم يجمع عثمان بين دفتيه إلا ما كان قرآنًا فحسب، أما المصاحف الأخرى فقد حوت زيادات أُخر من بيان لمعان مبهمة أو تفسير لبعض الآيات، أو بيان لناسخ ومنسوخ، أو نحو ذلك، وذلك لأن تلك المصاحف الّتي عند الناس إنما انتسخوها لأنفسهم، والصحابة حفظة مهرة لا يخشى عليهم من التباس القرآن بغيره مما احتاجوا لكتابته، وقد تقع تلك المصاحف الخاصة بين أيدي أحد من غيرهم ممن يأتي بعدهم فيعتقد أنها قرآن، لذا احتاج الناس لمصحف واحد إمام مجرد من كل ما ليس قرآنًا، وقد مر معنا في طيات البحث ذكر طرف من هذا فلا حاجة لإعادته هنا.
الباعث الرابع: المصحف الإمام كان على حرف ولسان قريش ابتداءً، كما أنه جمع باقي الأحرف الثابتة في العرضة الأخيرة، والمصاحف الأخرى حوت أحرفًا أخرى يختلف بعضها عن بعض، وذلك بحسب الحرف الذي تلقاه الصحابي من رسول الله- ﷺ فحسب، فقد كان رسول الله- ﷺ يُقرِئ كل صحابي القرآن بحرف ولسان قومه ولهجتهم، فبعضهم قد أثبت في مصحفه هذا الحرف الذي تلقاه وسمِعه من رسول الله ﷺ
- وهو يختلف عن الحرف الآخر الذي تلقاه وأثبته غيره في مصحفه، وجائز على تلك المصاحف الاختلاف، بسبب اختلاف الحر ف المكتوب فيها وهو الحرف الذي بلغ كل منهم من القرآن
стр. 347
وتلقاه وتعلمه من رسول الله- ﷺ فأثبته في مصحفه، لذا فقد كتب عثمان تلك المصاحف ورسمها بطريقة تحتمل جميع أوجه القراءة وفق جميع الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن وذلك بعدم إعجامها وشكلها، وتم توزيع وجوه القراءات على المصاحف إذا لم يحتملها الرسم الواحد، فوجب حينئذ اجتماعهم جميعًا على مصحف واحد، لذا احتاج الناس لمصحف واحد إمام.
الباعث الخامس: المصحف الإمام اعتمد فيه ما ثبت قرآنيته وفق العرضة الأخيرة وتُرِكَ وأُهْمِلَ ما نسخت تلاوته ولم يستقر فيها، وأما المصاحف الأخرى فقد حوت ما لم ينسخ من الآيات لأنها مصاحف خاصة، فجائز الاختلاف عليها، فلذا احتاج الناس لمصحف واحد إمام يتضمن ما ثبت قرآنيته وفق العرضة الأخيرة المعتمدة التي أُثْبِتَ فيها ما تحقق قرآنيته مما لم ينسخ، وترك وإهمال كل ما نسخ، والاقتصار على ما ثبت بالتواتر فحسب، وإهمال ما كانت روايته آحادًا كذلك.
وإن بقاء هذه المصاحف الخاصة بين أيدي الصحابة وفيها ما نسخت تلاوته يُخْشى من وقوعها بين يدي من لم يطلع على النسخ فيعتقد قرآنيته وهي ليست من القرآن، فاحتيجت للحرق، ولذا احتاج الناس لمصحف واحد إمام.
وبانتهاء المطلب الرابع: تحريق المصاحف الأخرى غير المصحف الإمام وغير ما نسخ منه، وبيان دواعي ذلك. ينتهي المبحث الثاني. والحمد لله رب العالمين.
المبحث الثالث: قضايا مهمة حول المصاحف العثمانية ومصيرها
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أهم نتائج جمع هذه المصاحف وفوائد جمعها
كان لجمع عثمان للمصحف الإمام ونسخه وبعثه للأمصار آثار عظيمة ومنافع جمة كشف الله بها الغمة ونفع بها عموم الأمة.
وكان من أبرز ما نتج عن صدور المصحف الإمام ما يلي:
١ - نتج عن صدور المصحف الإمام وأد الفتنة التي وقعت وقطع دابرها في مهدها، وحسم مادة الخلاف التي وقعت بسبب اختلاف المتعلمين في أوجه القراءة
٢ - ومما نتج عن صدوره - كذلك- اجتماع كلمة المسلمين على أمر سواء
٣ - ومما نتج عن صدوره - كذلك- أن منحه صفة الاعتماد الشرعية الصادرة عن خليفة المسلمين وأمير المؤمنين
٤ - ومما نتج عن صدوره - كذلك- أن ألغيت كل المصاحف فيما سواه، فلا يلتفت لغيره أبدًا
٥ - ومما نتج عن صدوره - كذلك- أن أصبح محل الثقة والقبول عند عموم أهل الأمصار
стр. 348
٦ - ومما نتج عن صدوره - كذلك- أن بمجرد وصوله للأمصار تم اعتماد الطريقة العثمانية في الرسم بما يوافق ما تتحمله من أوجه القراءات
٧ - ومما نتج عن صدوره - كذلك- أنه لما أُثْبِتَت الوجوهُ الثابتة من الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية علم الناس أن سبب الفتنة التي وقعت كان بسبب عدم معرفتهم بتلك الحروف، فتعلموها واتقنوها
٨ - ومما نتج عن صدوره - كذلك- أن المصاحف الخاصة التي كانت بين أيدي الصحابة فيها بعض ما نسخ من القرآن، لم يكن لبعضهم معرفة بنسخها، فلما صدر المصحف الإمام بإثبات واعتماد ما ثبت قراءته بالتواتر ووافق العرضة الأخيرة، وإهمال كل ما نسخ، تعرف الناس من جراء ذلك على وجوه وآيات متعددة منسوخة التلاوة.
٩ - ومما نتج عن صدوره - كذلك- إضافة لما سبق ذكره، وبغيره، يكون عثمان- ﵁ بحسن صنيعه هذا قد حصَّن القرآن، وحفظه الله - تعالى- به من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والنقصان أو التحريف والتغير والتبديل على مر العصور وتعاقب الأزمان.
المطلب الثاني: وجود هذه المصاحف بين الناس في الزمن الحاضر
أين المصاحف العثمانية الآن في الزمن الحاضر؟
لقد تلقى أهلُ الأمصار المصاحفَ العثمانية بالقبول والرضا والتسليم، لعلمهم بعظم وقدر ما بذل فيها من جهد وتحقيق وتدقيق، ولما اشتملت عليه من مزايا وخصائص، ولعلمهم بإجماع الصحابة- ﵃ وتلقيهم لها بالقبول، وثنائهم على فعل عثمان- ﵁ ومشاركتهم له فيها وتأييدهم ومعاضدتهم ومناصرته له، ولذا كان للمصاحف العثمانية مكانة خاصة عند عموم المسلمين، وقد مر بنا مرارًا ثناء الصحابة ﵃ على صنيع عثمان-﵁ في المصاحف
ومن ذلك قول عليّ- ﵁: لو لم يَصنَعه عثمان لصنعتُه. (١).
وكذلك ما روي عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص (ت: ١٠٣ هـ) أنه قال:
أدركتُ الناسَ متوافِرين حين حرق عثمان المصاحفَ، فأعجبهم ذلك، وقال: لم ينكر ذلك منهم أحد. (٢)
وأما " المصاحف التي كتبها عثمان "فـ" لا يكاد يوجد منها مصحف واحد اليوم. والذي يُرْوَى عن ابن كثير في كتابه "فضائل القرآن" أنه رأى واحدًا منها بجامع دمشق بالشام، في رقّ يظنه من
стр. 349
جلود
الإبل، ويُرْوَى أن هذا المصحف الشامي نُقِلَ إلى إنجلترا بعد أن ظل في حوزة قياصرة الروس في دار الكتب في لينينجراد فترة، وقيل أنه احترق في مسجد دمشق سنة (١٣١٠) هجرية". (١).
فلنتأمل فيها ما يلي:
أ- تكرار عبارة: "يُرْوَى" بصيغة التمريض
ب- وكذلك عبارة: "قيل".
يتبين لنا أن كون ذلك من أضراب الظن والتخرص أقرب إلى كونه من أمر التحقيق.
وفي نحو ذلك يقرر الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀ فيقول:
" ليس بين أيدينا دليل قاطع على وجود المصاحف العثمانية الآن، فضلا عن تعيين أمكنتها، وقصارى ما علمناه أخيرًا أن ابن الجزري رأى في زمانه مصحف أهل الشام، ورأى في مصر مصحفًا أيضًا.
أما المصاحف الأثرية التي تحتويها خزائن الكتب والآثار في مصر ويقال عنها إنها مصاحف عثمانية: فإننا نشك كثيرًا في صحة هذه النسبة إلى عثمان- ﵁؛ لأن بها زركشة ونقوشًا
موضوعة كعلامات للفصل بين السور، ولبيان أعشار القرآن، ومعلوم أن المصاحف العثمانية كانت خالية من كل هذا، ومن النقط والشكل أيضًا.
نعم إن المصحف المحفوظ في خزانة الآثار بالمسجد الحسيني والمنسوب إلى عثمان- ﵁ مكتوب بالخط الكوفي القديم، مع تجويف حروفه وسعة حجمه جدًا، ورسمه يوافق رسم المصحف المدني أو الشامي، حيث رسم فيه كلمة: (من يرتدد) من سورة المائدة بدالين اثنين مع فك الإدغام، وهي فيها بهذا الرسم.
فأكبر الظن أن هذا المصحف منقول من المصاحف العثمانية على رسم بعضها.
وكذلك المصحف المحفوظ بتلك الخزانة، ويقال إن علي بن أبي طالب- ﵁ كتبه بخطه، يلاحظ فيه أنه مكتوب بذلك الخط الكوفي القديم، بَيِدَ أنه أصغر حجمَا، وخطه أقل تجويفَا من سابقه، ورسمه يوافق غير المدني والشامي من المصاحف العثمانية حيث رسمت فيه الكلمة السابقة: (من يرتد) بدال واحدة مع الإدغام، وهي في غيرهما كذلك.
فمن الجائز أن يكون كاتبه عليًا، أو يكون قد أمر بكتابته في الكوفة. (٢)
стр. 350
ثم يقرر ﵀ ويقول:
ثم إن عدم بقاء المصاحف العثمانية قاطبة لا يضرنا شيئًا، ما دام المعول عليه هو النقل والتلقي ثقة عن ثقة، وإمامًا عن إمام، إلى النبي- ﷺ ، وذلك متواتر مستفيض على أكمل وجه في القرآن حتى الآن.
على أن المصاحف العثمانية نسخت على غرارها الآلاف المؤلفة في كل عصر ومصر، مع المحافظة على الرسم العثماني. (١)
و" مسألة مصير المصاحف العثمانية الأصلية، وهل من المحتمل أن يكون قد بقي منها شيء: هي مسألة تاريخية كبيرة، ليس من اليسير - هنا - الإلمام بكل جوانبها، ونكتفي بالإشارة إلى أن العلماء قد رووا- في وقت مبكر - ذهاب تلك المصاحف، ولا شك أن من روى ذلك كانت روايته بقدر ما عرفه، ولا ينفي أن تكون المصاحف العثمانية قد بقيت لعدة قرون بعد ذلك:
فبينما نجد الإمام مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ) يسأله ابن وهب عن مصحف عثمان-﵁، فيقول: بأنه ذهب، نجده يخرج لهم مصحفًا قديمًا كان قد كتبه جده إذ كتب عثمان المصاحف.
ويُروى أن أبا عبيد قال: إنه رأى الإمام- مصحف عثمان-، استخرج له من بعض خزائن الأمراء، وأنه رأى فيه أثر دمه.
ويشير الداني (ت: ٤٤٤ هـ) كثيرًا إلى تتبعه بعض الحروف في المصاحف العتق، فيقول- مثلا - إنه رأى مصحفًا جامعًا عتيقًا كتب في أول خلافة هشام بن عبد الملك سنة عشر ومائة كان تاريخه في آخره.
كذلك يَروي ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) وابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) أنهما رأيا بعض المصاحف القديمة المكتوبة على الرق في جامع دمشق وفي مصر كذلك.
فهذه الروايات تشير إلى احتمال أن تكون المصاحف العثمانية الأصلية قد ظلت موجودة دهرًا طويلًا في المساجد الجامعة، خاصة إذا تصورنا ما حظيت به تلك المصاحف من الرعاية والاحترام، فهي المصاحف الأئمة التي نسخ الناس عنها مصاحفهم في الأمصار بعد إجماع الأمة على المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان- ﵁.
ومن الملاحظ أن أئمة رواية الرسم كثيرًا ما يقولون إنهم رأوا كلمة معينة في المصحف الإمام-مصحف عثمان-، كالذي يروى عن أبي عبيد، وعاصم الجحدري، ويحيى بن الحارث، وأبي حاتم، ولعل كلمة المصحف الإمام كانت تشمل جميع المصاحف التي كتبت بأمر عثمان- رضي
стр. 351
الله عنه- في أي مصر من الأمصار، وليس مصحف المدينة أو المصحف الخاص بالخليفة
فحسب، وربما تشمل أيضًا المصاحف الكبيرة التي كانت توضع في المساجد الجامعة للقراءة أو لنسخ المصاحف منها، والتي نسخت من المصاحف العثمانية الأصلية، ولعل ذلك يفسر لنا أيضًا ما يكتب في آخر بعض المصاحف من أنه بخط الخليفة عثمان، أي بنفس الهجاء الذي كتبت عليه المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان- ﵁.
وتوجد الآن في مكتبات العالم مجموعة كبيرة من المصاحف القديمة، أو قطع منها قد كتبت على الرق، وبالخط الكوفي القديم، مجردة من النقط والشكل، ومن كثير مما ألحق بالمصاحف من أسماء السور وعدد آيها وغير ذلك، بحيث تبدو أقرب إلى الصورة التي كانت عليها المصاحف الأولى.
ويثار السؤال القديم مرة أخرى في الوقت الحاضر، وهو: هل يمكن أن يكون واحد من هذه المصاحف القديمة الباقية أحد المصاحف العثمانية الأصلية؟
إن أغلب الباحثين أَمْيَل إلى استبعاد ذلك، إذ من المتعذر اليوم العثور على مصحف كامل كتب في القرن الهجري الأول أو الثاني وعليه تاريخ نسخه أو اسم ناسخه، وكذلك فإنها في الغالب غير مجردة تمامًا من العلامات التي أدخلت في وقت متأخر، إلى جانب أن إقرار ذلك يحتاج إلى أدلة تاريخية ومادية واضحة وقوية، ودراسة متعددة الوجود، وهو ما لم يتح للدارسين بعد القيام بها.
ومهما كان الرأي في تلك المصاحف فإنها - دون شك- قديمة ترجع إلى القرون الهجرية الأولى، بل ربما إلى القرن الأول بالذات، خاصة حين لا يظهر فيها أي أثر للإصلاحات التي أدخلت على الخط العربي في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، إلا بعض العلامات النادرة أحيانا، فهي بذلك أقرب إلى الفترة التي يحتمل أن تكون المصاحف العثمانية موجودة فيها، وربما نسخت منها أو من مصحف نسخ من أحدها، وهي لذلك خير ما يمثل واقع الرسم الذي نسخت به المصاحف العثمانية.
وتملك مكتبات التراث الإسلامية في مصر خير مجموعة من تلك المصاحف القديمة، كذلك يروى أن أحد تلك المصاحف القديمة كان موجودًا في الحرم النبوي في المدينة النبوية حتى الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨ م)، حيث نقله العثمانيون إلى الآستانة مع خروجهم من أراضي الحجاز، ويقال إنه انتقل إلى ألمانيا.
ومنها مصحف محفوظ الآن في مدينة طشقند في تركستان الإسلامية في روسيا، وقد قامت بنشره- في مطلع هذا القرن - جمعية الآثار القديمة الروسية، وطبعت منه خمسين نسخة، ومع ذلك فإن الدراسات عن تلك المصاحف القديمة وعددها في مكتبات العالم لا تزال قليلة ". (١)
стр. 352
وهذا الكلام قد يكون أقرب للصواب والتحقيق من غيره بكثير، لأن الجزم بزمان ومكان هذه المصاحف أمر فيه من التخرصات والتكهنات الشيء الكثير الذي يحتاج معه التحقيق والتدقيق والتثبت وذكر براهين ساطعات وحجج واضحات دامغات كوضوح الشمس في ربيعة النهار.
وقد كُتِبَت وسطرت في ذلك أبحاث يمكن الاستزادة منها في هذا المبحث الهام، وإن كانت تلك البحوث ما تزال تفتقر إلى تحقيق وتدقيق بصورة تليق بموضوع البحث ومكانته وأهميته. (١)
المطلب الثالث: ظهور طباعة المصحف العثماني وانتشاره في الآفاق في عصرنا الحاضر
المصحف الشريف ذلك الكتاب المعظم، ذو الحلة القشيبة والخط المزخرف، الذي يعكف المسلمون على قراءته وتدبره، لا شك أنه لم يصل إلينا بحلته البديعة وزخارفه المنمقة على طريق من الورد، وإذا كنا اليوم نحمل مصاحف مفسرة على هواتفنا المحمولة، ونستطيع أن نحصل على نسخة من المصحف الشريف في كل مكان وزمان، ونوقن تمامًا بأن جميع نسخ المصاحف اليوم في العالم كله مضبوطة ضبطًا تامًا ومطابقة لبعضها تمام المطابقة، لا تزيد حرفًا ولا تنقص حرفًا،
وإذا كنا اليوم نعرف المصحف على هذه الحالة فعلينا أن نعلم أنه مر بكثير من المراحل عبر عصور الإسلام الطويلة حتى وصل إلى هيئته المألوفة لنا.
ولكن ما هو مألوف ومعتاد لنا اليوم كان في زمن مضى مقصدًا يسعى المسلمون إلى تحقيقه، فهل نتخيل مقدار العناء والمشقة التي وجدها المسلمون الأوائل في تدوين القرآن الكريم حين كانت وسائل التدوين غير ميسورة، فكانت كتابتهم له في الجلود والعظام واللخاف، بحيث إذا أرادوا أن يحتفظوا بنسخة واحدة من القرآن الكريم -كما يقول الشيخ طاهر الكردي ﵀ المكتوب بالخط الكوفي الغليظ على هذه الأشياء الثقيلة لاحتاجوا إلى مكان واسع حتى يمكن حفظها فيه!
وهل نتصور أنه منذ أكثر من مائة عام -وهو عهد قريب في تاريخ المصاحف- كانت الجهات الرقابية في مصر تمنع دخول أي مصحف من خارج البلاد، نظرًا لوجود كثير من المصاحف المملوءة بالأخطاء في ذلك الوقت! وأنه منذ قرابة الستين عامًا كانت محاولات تحريف المصاحف لا تزال قائمة، خاصة في بعض البلاد الإسلامية النائية!
إنها رحلة طويلة مر بها المصحف الشريف حتى انتهى إلى صورته المشرقة وحلته القشيبة التي نعهده عليها اليوم، وهي رحلة تثبت تحقق الوعد الإلهي بحفظ القرآن الكريم، كما قال ربنا الكريم: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).
стр. 353
فما من عصر مر على هذا الكتاب إلا وقد استخدم الله فيه طائفة من المسلمين وغيرهم لخدمة القرآن وتحقيق الوعد الإلهي بحفظه، فكيف بدأت هذه الرحلة وإلى أين انتهت؟. (١) هذا ما يحاول الباحث بيانه عبر تلك السطور.
أول طبعات للمصحف الشريف:
إن اكتشاف عالم الطباعة عبر تلك الآلات الحديثة (٢) يُعد من أجل النعم التي سخرها الله لعباده المؤمنين ليستعينوا بها على طباعة ونشر كتابه الكريم في أرجاء الدنيا.
ولقد كان في طليعة طباعة المصحف الشريف ثلاث طبعات أوروبية، وكانت تلك الطبعات ما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين وهي على النحو التالي:
الطبعة الأولى: طبعة "البندقية" بإيطاليا
وقيل أنها كانت عام ١٥٣٧ م- أو ١٥٣٨ م، وقيل غير ذلك، كما اختلف في مكان طبعها فقيل البندقية (٣)، وقيل روما، كما اختلف في القائم على أمر طباعتها (٤)
وهذه صورة من أول نسخة مطبوعة من القرآن الكريم، بمدينة البندقية في إيطاليا حيث كان أول مصحف مطبوع في العالم. ولم يبق من نُسَخِهِ غير نسخة واحدة محفوظة في دير سانت ميشل بالبندقية في إيطاليا، كما هي في شكل (١)(٥)
стр. 354
|
صورة من أول نسخة مطبوعة من القرآن الكريم، بمدينة البندقية في إيطاليا
شكل: (١)
الطبعة الثانية: طبعة "هامبورغ" بألمانيا
وقيل أنها كانت عام ١٦٩٤ م، فقد قام بها مستشرق ألماني ينتمي إلى الطائفة البروتستنتية (١) وقد حدّد أن هدفه من هذه الطبعة ليس نشر الإسلام بين البروتستانت وإنما التعرف على العربية والإسلام فحسب، هكذا زعم.
وهذه صورة لأول مصحف طبع في هامبورغ بألمانيا عام ١٦٩٤ م، كما هي في شكل: (٢)
стр. 355
|
صورة لأول مصحف طبع في هامبورغ بألمانيا عام ١٦٩٤ م
شكل: (٢)
الطبعة الثالثة: طبعة "بتافيا " (١)
وقيل أنها كانت عام ١٦٩٨ م. وقد صدرت هذه الطبعة على قسمين:
أما القسم الأول: فيضم نص القرآن الكريم
وأما القسم الثاني: فالترجمة (٢) والتعليقات.
وقد قام بإعداد هذا القسم راهب إيطالي (٣) وقد تميزت طبعة "بتافيا"- هذه- عن سابقتيها بتطور حروفها. (٤)