الله عنه- في أي مصر من الأمصار، وليس مصحف المدينة أو المصحف الخاص بالخليفة
فحسب، وربما تشمل أيضًا المصاحف الكبيرة التي كانت توضع في المساجد الجامعة للقراءة أو لنسخ المصاحف منها، والتي نسخت من المصاحف العثمانية الأصلية، ولعل ذلك يفسر لنا أيضًا ما يكتب في آخر بعض المصاحف من أنه بخط الخليفة عثمان، أي بنفس الهجاء الذي كتبت عليه المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان- ﵁.
وتوجد الآن في مكتبات العالم مجموعة كبيرة من المصاحف القديمة، أو قطع منها قد كتبت على الرق، وبالخط الكوفي القديم، مجردة من النقط والشكل، ومن كثير مما ألحق بالمصاحف من أسماء السور وعدد آيها وغير ذلك، بحيث تبدو أقرب إلى الصورة التي كانت عليها المصاحف الأولى.
ويثار السؤال القديم مرة أخرى في الوقت الحاضر، وهو: هل يمكن أن يكون واحد من هذه المصاحف القديمة الباقية أحد المصاحف العثمانية الأصلية؟
إن أغلب الباحثين أَمْيَل إلى استبعاد ذلك، إذ من المتعذر اليوم العثور على مصحف كامل كتب في القرن الهجري الأول أو الثاني وعليه تاريخ نسخه أو اسم ناسخه، وكذلك فإنها في الغالب غير مجردة تمامًا من العلامات التي أدخلت في وقت متأخر، إلى جانب أن إقرار ذلك يحتاج إلى أدلة تاريخية ومادية واضحة وقوية، ودراسة متعددة الوجود، وهو ما لم يتح للدارسين بعد القيام بها.
ومهما كان الرأي في تلك المصاحف فإنها - دون شك- قديمة ترجع إلى القرون الهجرية الأولى، بل ربما إلى القرن الأول بالذات، خاصة حين لا يظهر فيها أي أثر للإصلاحات التي أدخلت على الخط العربي في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، إلا بعض العلامات النادرة أحيانا، فهي بذلك أقرب إلى الفترة التي يحتمل أن تكون المصاحف العثمانية موجودة فيها، وربما نسخت منها أو من مصحف نسخ من أحدها، وهي لذلك خير ما يمثل واقع الرسم الذي نسخت به المصاحف العثمانية.
وتملك مكتبات التراث الإسلامية في مصر خير مجموعة من تلك المصاحف القديمة، كذلك يروى أن أحد تلك المصاحف القديمة كان موجودًا في الحرم النبوي في المدينة النبوية حتى الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨ م)، حيث نقله العثمانيون إلى الآستانة مع خروجهم من أراضي الحجاز، ويقال إنه انتقل إلى ألمانيا.
ومنها مصحف محفوظ الآن في مدينة طشقند في تركستان الإسلامية في روسيا، وقد قامت بنشره- في مطلع هذا القرن - جمعية الآثار القديمة الروسية، وطبعت منه خمسين نسخة، ومع ذلك فإن الدراسات عن تلك المصاحف القديمة وعددها في مكتبات العالم لا تزال قليلة ". (١)
стр. 352
وهذا الكلام قد يكون أقرب للصواب والتحقيق من غيره بكثير، لأن الجزم بزمان ومكان هذه المصاحف أمر فيه من التخرصات والتكهنات الشيء الكثير الذي يحتاج معه التحقيق والتدقيق والتثبت وذكر براهين ساطعات وحجج واضحات دامغات كوضوح الشمس في ربيعة النهار.
وقد كُتِبَت وسطرت في ذلك أبحاث يمكن الاستزادة منها في هذا المبحث الهام، وإن كانت تلك البحوث ما تزال تفتقر إلى تحقيق وتدقيق بصورة تليق بموضوع البحث ومكانته وأهميته. (١)
المطلب الثالث: ظهور طباعة المصحف العثماني وانتشاره في الآفاق في عصرنا الحاضر
المصحف الشريف ذلك الكتاب المعظم، ذو الحلة القشيبة والخط المزخرف، الذي يعكف المسلمون على قراءته وتدبره، لا شك أنه لم يصل إلينا بحلته البديعة وزخارفه المنمقة على طريق من الورد، وإذا كنا اليوم نحمل مصاحف مفسرة على هواتفنا المحمولة، ونستطيع أن نحصل على نسخة من المصحف الشريف في كل مكان وزمان، ونوقن تمامًا بأن جميع نسخ المصاحف اليوم في العالم كله مضبوطة ضبطًا تامًا ومطابقة لبعضها تمام المطابقة، لا تزيد حرفًا ولا تنقص حرفًا،
وإذا كنا اليوم نعرف المصحف على هذه الحالة فعلينا أن نعلم أنه مر بكثير من المراحل عبر عصور الإسلام الطويلة حتى وصل إلى هيئته المألوفة لنا.
ولكن ما هو مألوف ومعتاد لنا اليوم كان في زمن مضى مقصدًا يسعى المسلمون إلى تحقيقه، فهل نتخيل مقدار العناء والمشقة التي وجدها المسلمون الأوائل في تدوين القرآن الكريم حين كانت وسائل التدوين غير ميسورة، فكانت كتابتهم له في الجلود والعظام واللخاف، بحيث إذا أرادوا أن يحتفظوا بنسخة واحدة من القرآن الكريم -كما يقول الشيخ طاهر الكردي ﵀ المكتوب بالخط الكوفي الغليظ على هذه الأشياء الثقيلة لاحتاجوا إلى مكان واسع حتى يمكن حفظها فيه!
وهل نتصور أنه منذ أكثر من مائة عام -وهو عهد قريب في تاريخ المصاحف- كانت الجهات الرقابية في مصر تمنع دخول أي مصحف من خارج البلاد، نظرًا لوجود كثير من المصاحف المملوءة بالأخطاء في ذلك الوقت! وأنه منذ قرابة الستين عامًا كانت محاولات تحريف المصاحف لا تزال قائمة، خاصة في بعض البلاد الإسلامية النائية!
إنها رحلة طويلة مر بها المصحف الشريف حتى انتهى إلى صورته المشرقة وحلته القشيبة التي نعهده عليها اليوم، وهي رحلة تثبت تحقق الوعد الإلهي بحفظ القرآن الكريم، كما قال ربنا الكريم: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).
стр. 353
فما من عصر مر على هذا الكتاب إلا وقد استخدم الله فيه طائفة من المسلمين وغيرهم لخدمة القرآن وتحقيق الوعد الإلهي بحفظه، فكيف بدأت هذه الرحلة وإلى أين انتهت؟. (١) هذا ما يحاول الباحث بيانه عبر تلك السطور.
أول طبعات للمصحف الشريف:
إن اكتشاف عالم الطباعة عبر تلك الآلات الحديثة (٢) يُعد من أجل النعم التي سخرها الله لعباده المؤمنين ليستعينوا بها على طباعة ونشر كتابه الكريم في أرجاء الدنيا.
ولقد كان في طليعة طباعة المصحف الشريف ثلاث طبعات أوروبية، وكانت تلك الطبعات ما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين وهي على النحو التالي:
الطبعة الأولى: طبعة "البندقية" بإيطاليا
وقيل أنها كانت عام ١٥٣٧ م- أو ١٥٣٨ م، وقيل غير ذلك، كما اختلف في مكان طبعها فقيل البندقية (٣)، وقيل روما، كما اختلف في القائم على أمر طباعتها (٤)
وهذه صورة من أول نسخة مطبوعة من القرآن الكريم، بمدينة البندقية في إيطاليا حيث كان أول مصحف مطبوع في العالم. ولم يبق من نُسَخِهِ غير نسخة واحدة محفوظة في دير سانت ميشل بالبندقية في إيطاليا، كما هي في شكل (١)(٥)
стр. 354
|
صورة من أول نسخة مطبوعة من القرآن الكريم، بمدينة البندقية في إيطاليا
شكل: (١)
الطبعة الثانية: طبعة "هامبورغ" بألمانيا
وقيل أنها كانت عام ١٦٩٤ م، فقد قام بها مستشرق ألماني ينتمي إلى الطائفة البروتستنتية (١) وقد حدّد أن هدفه من هذه الطبعة ليس نشر الإسلام بين البروتستانت وإنما التعرف على العربية والإسلام فحسب، هكذا زعم.
وهذه صورة لأول مصحف طبع في هامبورغ بألمانيا عام ١٦٩٤ م، كما هي في شكل: (٢)
стр. 355
|
صورة لأول مصحف طبع في هامبورغ بألمانيا عام ١٦٩٤ م
شكل: (٢)
الطبعة الثالثة: طبعة "بتافيا " (١)
وقيل أنها كانت عام ١٦٩٨ م. وقد صدرت هذه الطبعة على قسمين:
أما القسم الأول: فيضم نص القرآن الكريم
وأما القسم الثاني: فالترجمة (٢) والتعليقات.
وقد قام بإعداد هذا القسم راهب إيطالي (٣) وقد تميزت طبعة "بتافيا"- هذه- عن سابقتيها بتطور حروفها. (٤)
стр. 356
وقد توالت بعد الطبعات الأوروبية الثلاث طبعات عدة منها:
الطبعة الرابعة: الطبعة الروسية: بـ "سانت بترسبورغ "
ففي روسيا طبع المصحف الشريف في سانت بترسبورغ عام ١٧٨٧ م وأشرف على هذه الطبعة مولاي عثمان و في عام ١٨٤٨ م ظهرت طبعة أخرى في قازان أشرف عليها محمد شاكر مرتضى أوغلي (١) التزم فيها بالرسم العثماني ولم يلتزم بذكر أرقام الآيات وكتبت علامات الوقف فوق السطور وقد ألحق بهذه الطبعة قائمة بما فيها من الأخطاء و بيان الصواب فيها.
الطبعة الخامسة: طبعة المستشرق الألماني "فلوجل" في مدينة "ليبزيغ" الألمانية
ففي عام ١٨٣٤ م ظهرت طبعة خاصة للمصحف الشريف في مدينة ليبزيغ أشرف عليها فلوجل (٢) ورغم اهتمام الأوروبيين بها وإقبالهم عليها إلا أنها لم تحظ بعناية المسلمين لمخالفتها قواعد الرسم العثماني الصحيح.
الطبعة السادسة: الطبعة الإيرانية
ففي إيران طبع المصحف طبعتين حجريتين في كل من طهران عام ١٢٤٤ هـ (١٨٢٨ م) و تبريز عام ١٢٤٨ هـ (١٨٣٣ م).
كما ظهرت طبعات أخرى في الهند و في الآستانة اعتبارًا من عام ١٨٨٧ م.
إلا أن الملاحظ على جميع تلك الطبعات عدم التزامها بقواعد الرسم العثماني الذي حظي بإجماع صحابة رسول الله- صلى الله عليه و سلم- و جرت على قواعد الرسم الإملائي الحديث إلا في نزر يسير من الكلمات كتبت بالرسم العثماني. (٣)
تنيه هام جدًا:
стр. 357
مع وجوب التنبيه إلى أن أغلب تلك الطبعات ليست لها أي قدر أو أي قيمة شرعية، كالطبعات الأوروبية الثلاث، وكذلك طبعة" فلوجل"، ومن سار على دربهم من بني ملتهم، وذلك لأسباب كثيرة.
ولعل من أبرزها ما يلي:
١ - أن الأيدي التي قامت عليها ليست يدًا أمينة، فالقائم عليها ما بين راهب ومستشرق وتاجر، ولاشك في جهل هؤلاء جميعًا، وكذلك فإن سلامتها من التحريف غير مأمون البتة
٢ - أن النسخ التي قُوبِلَت عليها تلك الطبعات مجهولة
٣ - وجود أخطاء جمة في تلك الطبعات
٤ - أن تلك الطبعات جرت على قواعد الرسم الإملائي، وقد خالفت كتابتها قواعد الرسم العثماني إلا في نزر يسير من كلمات معدودات.
الطبعة السابعة: طبعة مصحف" المخللاتي" (ت: ١٣١١ هـ)
واستمر الوضع على ذلك حتى عام (١٣٠٨ هـ- ١٨٩٠ م) عندما قامت المطبعة البهية بالقاهرة، لصاحبها (محمد أبو زيد) بطبع المصحف الذي كتبه الشيخ المحقق"رضوان بن محمد" الشهير بالمخللاتي، والتزم فيه بخصائص الرسم العثماني، واعتنى بأماكن الوقوف مميزًا كل وقف بعلامة دالة عليه، التاء للوقف التام، والكاف للكافي، والحاء للحسن، والصاد للصالح، والجيم للجائز، والميم للمفهوم، كما قدّم له بمقدمة ذكر فيها أنه حرر رسمه وضبطه على ما في كتاب "المقنع " لأبي عمرو الداني، وكتاب "التنزيل " لأبي داود (١)، ولخص فيها تاريخ كتابة القرآن في العهد النبوي، وجمْعه في عهدَي أبي بكر وعثمان ﵄، كما لخص فيها مباحث الرسم والضبط .. (٢).
عُرف هذا المصحف بمصحف المخللاتي، وكان المقدم على غيره من المصاحف، إلا أن رداءة ورقه، وسوء طباعته الحجرية، دفع مشيخة الأزهر إلى تكوين لجنة تضم: الشيخ محمد علي خلف الحسيني، الشهير بالحداد، والأساتذة: حفني ناصف، ومصطفى عناني، وأحمد الإسكندري؛ للنظر فيه، وفي ما ظهر من هنات في رسمه وضبطه، فكُتب مصحف بخط الشيخ محمد علي خلف الحسيني، على قواعد الرسم العثماني، وضُبط على ما يوافق رواية حفص عن عاصم، على حسب
стр. 358
ما ورد في كتاب الطراز على ضبط الخراز (١) للتَّنَسي (٢)، مع إبدال علامات الأندلسيين والمغاربة، بعلامات الخليل بن أحمد وتلاميذه من المشارقة، وظهرت الطبعة الأولى منه عام ١٣٤٢ هـ (١٩٢٣ م)، فتلقاها العالم الإسلامي بالرضا والقبول. (٣)
وبعد نفاذ هذه الطبعة كوِّنت لجنة بإشراف شيخ الأزهر، وعضوية عدد من علمائه: الشيخ عبد الفتاح القاضي، والشيخ محمد علي النجار، والشيخ علي محمد الضبّاع، والشيخ عبد الحليم بسيوني، راجعت المصحف على أمهات كتب القراءات والرسم والضبط والتفسير وعلوم القرآن، وصححت ما في الطبعة الأولى من هنات في الرسم والضبط، وطبع طبعة ثانية مدققة ومحققة (٤)
وهذه صورة لمصحف المخللاتي، وهو أول مصحف مطبوع في العالم العربي، وقد طبع في عام ١٨٩٠ م بالقاهرة. كما هي في شكل: (٣)
стр. 359
|
صورة مصحف المخللاتي
شكل: (٣)
الطبعة الثامنة: طبعة الملك فؤاد (ت: ١٣٥٥ هـ)
وفي عهد الملك فؤاد طُبِع المصحف مرة أخرى عام ١٩١٨ م وقام على تصحيحه وتدقيقه الشيخ محمد خلف الحسيني؛ شيخ المقارئ المصرية، تحت إشراف مشيخة الأزهر الشريف، وتمت مراجعته في م ١٩١٨، وتم جمعه وترتيبه في المطبعة الأميرية، وطبع في مصلحة المساحة عام ١٩٢٤ م.
وكانت تلك هي الطبعة الأولى، وسمي بالمصحف الملكي المصري، وجاء على أحسن وجه من حيث ترقيم الآيات وعلى أساس علمي قويم، فقد اُتبعت في عد الآيات طريقة الكوفيين عن عبد الله بن حبيب السلمي عن علي بن أبي طالب، وبحسب ما ورد في كتاب «ناظمة الزهر» للشاطبي.
وبحسب ما جاء في مؤلفات هؤلاء العلماء تم تحديد عدد آيات القرآن بـ (٦٢٣٦ آية)، والدائرة المُزخرفة بوسطها رقم الآية من السورة. عدد صفحاته ٨٢٦.
- ولكن في عهد الملك فاروق، وجد علماء الأزهر أخطاء في المصاحف التي طُبعت في عهد أبيه؛ فمنها أخطاء في الرسم العثماني وأخطاء في ضبط أواخر الكلمات في بعض السور القرآنية وكذلك
стр. 360
في الوقوف؛ حيث وجد العلماء أن هناك أخطاء واضحة في أكثر من ثمانمائة موضع، ثم طُبعت نسخ أخرى وقام بمراجعتها الشيوخ المصححون أنفسهم، وبالتالي وقعوا في الأخطاء السابقة نفسها، بالإضافة إلى طباعة مصاحف أخرى في المطابع الأهلية سواء كانت مطابع آلية أم حجرية على النسخة السابقة بمعرفة الشيخ محمد علي خلف الحسيني، وبموافقة اللجنة المعينة بقرار الملك فؤاد الأول بكل ما فيها من أخطاء سابقة.
- فلما تقررت إعادة طبع ذلك المصحف في عهد الملك فاروق، تألفت لجنة للمراجعة والتدقيق من الشيخ علي محمد الضباع؛ شيخ المقارئ المصرية، والشيخ عبد الفتاح القاضي المشرف على معهد القراءات، ومحمد علي النجار من كلية العلوم، والشيخ عبد الحليم بسيوني المراقب في الأزهر الشريف، فأتمت مراجعة المصحف وتصحيحه تحت إشراف مشيخة الأزهر وراجع عملها الشيخ عبد الرحمن حسن وكيل الجامع الأزهر وتم إعداد المصحف وطبعه بمصلحة المساحة، أما ترتيبه فتم في مطبعة دار الكتب المصرية، وكانت تلك الطبعة الثانية للمصحف الشريف وصدرت العام ١٣٧١ هـ/ ١٩٥٢ م وكانت أصح وأجمل الطبعات.
ثم توالت الطبعات في المطابع الأميرية وغيرها حتى اليوم، وعُرِف بمصحف بولاق، أو المصحف الأميري، أو المصحف المصري، أو مصحف دار المساحة، أو مصحف دار الكتب، فهي مسميات لمصحف واحد وهو الذي كتب حروفه الخطاط جعفر بك ﵀.
وتمت كتابته وضبطه بما يوافق رواية حفص عن عاصم وأُخذ هجاؤه مما رواه علماء الرسم عن المصاحف التي بعث بها الخليفة عثمان بن عفان إلى البصرة والكوفة والشام ومكة ومصحف المدينة المنورة ومصحفه. (١)
وهذه صورة لأول مصحف معتمد في العالم العربي: مصحف الملك فؤاد، عام ١٩٢٣ م كما هي في شكل: (٤)
стр. 361
|
صورة مصحف الملك فؤاد، عام ١٩٢٣ م
شكل: (٤)
الطبعة التاسعة: طبعة مصحف "مكة المكرمة "
وهي مرحلة جديدة من طباعة المصحف الشريف في بلاد الحرمين الشريفين، مهبط الوحي ومهد الرسالة "المملكة العربية السعودية ٠"
وتعود بداية طباعة المصحف الشريف في المملكة العربية السعودية إلى عام ١٣٦٩ هـ عندما ظهر المصحف المعروف بمصحف مكة المكرمة، الذي طبعته شركة مصحف مكة المكرمة. (١)
الطبعة العاشرة: طبعة مصحف مدينة "جدة "
وبعد ثلاثين عامًا من ظهور مصحف مكة، ظهر مصحف آخر في مدينة جدة، وذلك في عام ١٣٩٩ هـ، بمطابع الروضة، بعد مراجعته والموافقة عليه من الجهة المخولة بذلك في المملكة العربية السعودية. (٢).
стр. 362
وهذه صورة لأول مصحف طبع في الهند، وذلك عام ١٨٥٦ م، كما هي في شكل: (٥)
|
صورة لأول مصحف طبع في الهند
شكل: (٥)
وهذه صورة لأول مصحف مفسر مطبوع ملون في العالم. عام ١٩٦٤ م، كما هي في شكل: (٦)
|
أول مصحف مفسر مطبوع ملون
شكل: (٦)
ثم توالت طبعات المصحف الشريف في مدن مختلفة من العالم الإسلامي مع تطور آلات الطباعة وانتشارها، بما فيها المغرب العربي، الذي لم يتأخر كثيرًا في طباعة المصحف الشريف عن
стр. 363
المشرق، وإن لم يُعرف على وجه الدقة تاريخ بدء الطباعة فيها، إلا أنها التزمت في علامات الضبط بما جاء عند الخراز (١).
مسك الختام:
الطبعة الحادية عشر: طبعة مصحف "المدينة النبوية " (٢)
بـ "مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف" بالمملكة العربية السعودية.
لقد أصبح لعناية المملكة العربية السعودية واهتمامها بطباعة القرآن الكريم ونشره في أرجاء المعمورة منهجًا وسبيلًا متميزًا جديرًا بالتقدير والإجلال والإكبار؛ لما امتاز به من أسس واضحة المعالم، ومظاهر كثيرة متعددة.
ففي شهر المحرم من عام ١٤٠٥ هـ (١٩٨٤ م) أُعلن في المملكة العربية السعودية عن افتتاح أعظم وأكبر مطبعة في العالم لم يشهد التاريخ مثلها على مر العصور تقوم على خدمة القرآن الكريم في المدينة النبوية، وهو أول عمل حكومي رسمي لطباعة القرآن الكريم، وفتح عظيم نفع الله به ملايين المسلمين في مختلف بقاع الأرض.
ويُعَدُّ إنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة النبوية من أجلّ صورة العناية بالقرآن الكريم حفظًا، وطباعةً، وتوزيعًا على المسلمين في مختلف أرجاء المعمورة.
كما يُعد مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة النبوية أكبر أحد المعالم المشرقة التي تقدمها المملكة العربية السعودية لخدمة الإسلام والمسلمين في مختلف أرجاء العالم.
فقد وضع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ﵀ حجر الأساس للمجمع عام ١٤٠٣ هـ وافتتحه عام ١٤٠٥ هـ. وتبلغ طاقة المجمع الإنتاجية ١٨ مليون نسخة سنويًا موزعة بين مصاحف كاملة وأجزاء وترجمات وتسجيلات وكتبٍ لعلوم القرآن وغيرها، وقد أنتج أكثر من ٣٦١ إصدارًا و ٣٠٠ مليون نسخة حتى عام ١٤٤٠ هـ. ويجري المجمع دراسات وأبحاثًا مستمرة لخدمة الكتاب والسنة ويضم أحدث ما وصلت إليه تقنيات الطباعة في العالم. (٣)
وكان من أهم أهداف المجمع ما يلي:
١ - طباعة المصحف الشريف بالروايات المشهورة في العالم الإسلامي.
стр. 364
٢ - تسجيل تلاوة القرآن الكريم بالروايات المشهورة بأصوات مشاهير القراء.
٣ - ترجمة وطباعة معاني القرآن الكريم وتفسيره إلى أهم وأوسع اللغات انتشارًا.
٤ - العناية بعلوم القرآن الكريم.
٥ - العناية بالسنة والسيرة النبوية.
٦ - العناية بالبحوث والدراسات الإسلامية.
٧ - الوفاء باحتياجات المسلمين في داخل المملكة وخارجها من إصدارات المجمع المختلفة.
٨ - نشر إصدارات المجمع على الشبكات العالمية
اللَّجنة العلميَّة لمراجعة المصحف الشَّريف "مصحف المدينة النبوية":
لقد وضعت إدارة المجمع لجنة علمية متخصصة مكونة من أبرز كبار علماء العصر الثقات الأثبات المتخصصين في القراءات وعلوم القرآن.
وتعنى هذه اللجنة بمراجعة المصاحف حال خط خطاط المجمع (١) لها وخلال الضبط وبعده على أمهات كتب القراءات، والرسم، والضبط، والفواصل، والوقف، والابتداء، والتفسير. وتظل المراجعة مستمرة من قبل اللجنة العلمية في جميع مراحل الإعداد والتحضير حتى تأذن اللجنة بالبدء بطباعة المصحف، كما تبدي رأيها في المصاحف المخطوطة والمطبوعة التي ترسل إلى المجمع من الجهات الرسمية.
المصاحف "الأصول" التي أنتجها المجمع
تُعنى اللَّجنة العلميَّة في المجمع بمراجعة المصاحف التي انتاجها خطوة بخطوة.
وللمجمَّع أربعة عشر مصحفاً أصولاً، نبينها فيما يلي:
أولًا: منها ما هو بخطِّ خطَّاط المجمَّع د. عثمان طه.
ثانيًا: ومنها ما هو معالجٌ.
وقد أُعدَّت كلُّها في المجمَّع، وروجعت من قبل اللَّجنة العلميَّة لمراجعة المصحف الشَّريف بالمجمَّع.
ثالثًا: ثلاثةٌ منها "أي من هذه المصاحف" وفق رواية حفص عن عاصم الكوفي، وهي على النحو التالي:
أ- واحد منها تنتهي صفحاته بنهاية الآية (٢)
стр. 365
ب- والثَّاني لا تنتهي صفحاته بنهاية الآية
ج- والثَّالث معالج بالمجمَّع.
رابعًا: واثنان "منها" وفق رواية ورش عن نافع المدني،
وهي على النحو التالي:
أ- أحدهما مخطوطٌ لا تنتهي صفحاته بنهاية الآية
ب- والآخر معالجٌ بالمجمَّع وتنتهي صفحاته بنهاية الآية.
خامسًا: ومصحفان وفق رواية قالون عن نافع المدني، على النحو التالي:
أ- أحدهما تنتهي صفحاته بنهاية الآية
ب- والآخر لا تنتهي صفحاته بنهاية الآية.
سادسًا: وثلاثة مصاحف وفق رواية الدُّوري عن أبي عمرو البصري،
وهي على النحو التالي:
أ- أحدها لا تنتهي صفحاته بنهاية الآية
ب- والآخر تنتهي صفحاته بنهاية الآية
ج- والثالث معالجٌ بالمجمَّع تنتهي صفحاته بنهاية الآية.
سابعًا: ومصحف وفق رواية شعبة عن عاصم الكوفي، تنتهي صفحاته بنهاية الآية.
ثامنًا: كما تم إصدار مصحف وفق رواية السوسي عن أبي عمرو البصري، تنتهي صفحاته بنهاية الآية.
تاسعًا: كما تمَّ أيضًا إصدار المصحف الحاسوبي، وهو على النحو التالي:
أ- المصحف الحاسوبي الأول وفق رواية البزي عن ابن كثير المكي
ب- المصحف الحاسوبي الثاني وفق رواية قنبل عن ابن كثير المكي، وكلٌّ منهما معالج بالمجمَّع، وتنتهي صفحاتهما بنهاية الآية.
أسلوب العمل في كتابة مصحف المدينة النَّبويَّة:
تُكتب مصاحف المدينة النَّبويَّة بيد خطَّاط متمرِّس، مشهود له بالتَّفوق في كتابة المصاحف، هو الخطَّاط الدُّكتور عثمان طه. -كما أسلفنا- وتشرف على كتابة المصاحف وطبعها لجنة علميَّة مختارة بعناية من المختصِّين في علوم التَّجويد، والقراءات، والرَّسم، والضَّبط، وعدِّ الآي، والوقوف، والتَّفسير، والفقه، واللُّغة، والنَّحو والصَّرف-كما مر معنا ذكر ذلك إجمالًا-، وهي برئاسة فضيلة الشَّيخ الدُّكتور علي بن عبد الرَّحمن الحذيفي إمام وخطيب المسجد النَّبوي
стр. 366
الشَّريف، وعضويَّة أصحاب الفضيلة: الشيخ عبد الرَّافع رضوان علي، والشَّيخ محمَّد الإغاثة ولد الشيخ، والشَّيخ محمد عبد الرحمن أطول عمر.
وتسير اللَّجنة في عملها وفق خطَّة دقيقة، وتراجع العمل خطوةً خطوةً، فكلُّ عضو فيها يطالع نسخة من أصل المصحف المخطوط على انفراد، ويقرؤها ويدقِّق فيها آيةً آيةً، وكلمةً كلمةً، وحرفًا حرفًا، وحركةً حركةً، إضافةً إلى المصطلحات والرُّموز، مستعينًا في ذلك بآلة تكبير حسب الحاجة، ويدوِّن ما يقف عليه من ملحوظات في بيان معدّ لذلك، ويوقِّع عليه باسمه، ثمَّ تجتمع اللَّجنة لمناقشة ما دُوِّن في البيانات، وتُصاغ الملحوظات في بيان واحد بعد حذف المكرَّر، ثمَّ
يجتمع أعضاء اللَّجنة لمناقشة هذا البيان بكلِّ جزئياته، فما أُجمع عليه يُوقَّع من الجميع، ويعتمد عليه في تصحيح الأصل، الذي يُعاد مرَّة أخرى للَّجنة، وتتبع الأسلوب نفسه حتى تطمئنَّ اللَّجنة على سلامة ما كُتب. ثمَّ تأذن اللَّجنةُ بالبدء بالتَّحضير للطِّباعة، وتقوم بمراجعة العمل في هذه المرحلة بدقَّة متناهية، حتَّى تطمئن على سلامة التَّحضير للطباعة النِّهائية للمصحف الشَّريف.
الضوابط الدقيقة لعمل اللَّجنة:
وتتلخَّص الضَّوابط التي تسير عليها اللَّجنة في مراجعتها للمصحف الشَّريف فيما يلي:
أولًا: اشتراط الإجماع في كلِّ خطوة، والمصادر الأساسيَّة من كتب المتقدِّمين وكتب المتأخِّرين هي المرجع في حسم أي خلاف.
ثانيًا: التَّمسك بالحجَّة إن ظهرت، وإسقاط ما عداها، والحجَّة مبنيَّة على الرِّواية وكلام الأئمَّة، ولا دخل للرَّأي والاستحسان فيها.
ثالثًا: اتباع قواعد الرَّسم العثماني الذي حظي بإجماع الصَّحابة ﵃ والتَّابعين.
رابعًا: تجريد المصحف ممَّا عدا القرآن الكريم لقوله ﷺ كما جاء في صحيح مسلم: (لا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ) (١) وذلك خشية اختلاط نص القرآن بغيره والتباس ذلك على النَّاس، ممَّا قد يكون مدخلاً وسببًا للتَّحريف والزِّيادة، متأسِّية في ذلك بما
سار عليه الصَّحابة ﵃ في تجريد المصاحف العثمانيَّة ممَّا سوى القرآن الكريم، ممَّا لم يَحظَ بالتَّواتر والقطع واليقين كترقيم السُّور، وعدد آياتها وبيان المكي والمدني منها، ممَّا هو داخلٌ في نطاق النَّص القرآني، إذ يمكن تفصيل الأقوال فيه وبيان الرَّاجح من المرجوح في كتب التَّفسير، وعلوم القرآن الكريم.
أمَّا أسماء السُّور، ورموز الوقوف، والنقْط والشَّكل، فقد دعت الحاجة إلى إثباتها؛ لالتصاقها بالنَّص القرآني. أمَّا ما هو خارج نطاق النَّص القرآني في حواشي الصَّفحات؛ كاسم السُّورة، ورقم
стр. 367
الجزء، أو في جانب الصَّفحات؛ كرموز الأجزاء، والأحزاب، والأرباع، والأعشار، والأخماس، ورموز السجدات والسكتات، فلقلّة المحذور فيها؛ لبعدها عن مجال النَّص القرآني أُثبتت بإخراج طباعي يختلف عن النَّص القرآني.
انفراد المجمع بنظام دقيق للمراقبة متعدد المراحل:
تعدّ مراقبة الإنتاج المحور الرئيس للتأكد من سلامته، وينفرد مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف باتباع أسلوب رقابي متميز على إصداراته لا يوجد في أي مؤسسة طباعية إنتاجية أخرى في العالم، إذ تشمل مراقبة الإنتاج كلاً من:
١ - مراقبة النص
٢ - المراقبة النوعية
٣ - المراقبة النهائية
٤ - مراقبة قسم التفتيش.
أولًا: مراقبة النص:
تتم مراقبة النص عن طريق لجنة مستقلة مختصة في علوم القرآن من تجويد وقراءات ورسم وضبط.
ثانيًا: المراقبة النوعية:
وهي المسؤولة عن اكتشاف أية أخطاء محتملة على خطوط الإنتاج المختلفة من طباعة وتجميع، وخياطة، وتجليد، ومراحل الإنتاج الصوتي ومعالجتها في حينه.
ثالثًا: المراقبة النهائية:
والمراقبة النهائية بالإضافة إلى وجود رقابة علمية مستمرة من لجنة مراقبة النص للتأكد من سلامة النص القرآني، ووجود مراقبة نوعية ترافق كافة مراحل العمل، يوجد أيضًا جهاز كامل للمراقبة النهائية يزيد عدد العاملين به على ٤٠٠ مراقب نهائي يبدأ عمله من حيث تنتهي عمليات تجليد المصاحف.
رابعًا: مراقبة قسم التفتيش
يُعد قسمُ التفتيش في المجمع هو المحطة النهائية والمرحلة الختامية التي تراقب عمل المراقبة النهائية، ويُعد قسم التفتيش بمثابة أعلى هيئة رقابية على أعمال المصحف في المجمع، إذ هو آخر المراحل التي يتم فيها متابعة مراقبة المصحف الشريف حتى يخرج إلى المسلمين في أقطار المعمورة. (١)
أسلوب المجمع في اختيار إصداراته:
стр. 368
يراعى المجمع في اختيار إصداراته المطبوعة أو المرتلة، وإنتاجها، وتوزيعها المواءمة بين حاجات المسلمين إليها، وبين الاستفادة القصوى من الإمكانات الكبيرة التي أمر بتوفيرها للمجمع خادم الحرمين الشريفين، فالمجمع يضم تجهيزات حديثة، وإمكانات متقدمة في مجال الإعداد للطباعة، والطباعة ذاتها، والتجليد، والمراقبات المختلفة. (١)
ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغة الإشارة:
خطا المجمع خطوات أساسية لترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغة الإشارة لتكون الأولى من نوعها في العالم، فدرس مختلف جوانبها وهيَّأ لذلك الإمكانات العلمية والفنية اللازمة، آخذًا في الاعتبار طبيعة فئة الصم ولغة الإشارة.
وأنهى المجمع تصوير وتسجيل ومونتاج سورة الفاتحة والعشر سور الأخيرة من جزء عم من ترجمة وتفسير معاني القرآن الكريم إلى لغة الإشارة، وبعد التأكد من كفاءة العمل سيشرع في ترجمة باقي سور جزء عم تباعًا.
بداية الطباعة:
وقد طُبع المصحف الشريف في المجمع برواية حفص عن عاصم، وهي الرواية التي يُقرأ بها في معظم بلاد العالم الإسلامي، وكُتب هذا المصحف على قواعد الرسم العثماني، وضُبط على ما قرره علماء الضبط مع الأخذ بعلامات الخليل بن أحمد وأتباعه من المشارقة، وعدد آياته ٦٢٣٦ آية وفقًا للعدد الكوفي، ومجموع صفحات ٦٠٤ صفحة تنتهي كل صفحة بآية، وقد طبع بأحجام مختلفة. (٢)
طباعة المصحف الباكستاني:
كما طبع مصحف بخط "نسخ تعليق"- وهو "الرسم الباكستاني"- برواية حفص عن عاصم، على حسب قواعد الرسم والضبط المتعارف عليها في باكستان وما جاورها. (٣)
стр. 369
ثم توالت بعد ذلك الطبعات بشتى القراءات المتواترة المشتهرة في الأقطار الإسلامية
توزيع إصدارات المجمع:
بدأ المجمع توزيع إصداراته من المصاحف، والتسجيلات، والأجزاء، وربع يس، والعشر الأخير، والترجمات، والكتب منذ عام ١٤٠٥ هـ، ويتم ذلك على المسلمين داخل المملكة وخارجها في مختلف أرجاء العالم، وبلغت الكميات الموزعة مئات الملايين. (١)
هدايا الحجاج والمعتمرين والزوار:
كما توزع ملايين النسخ من إصدارات وإنتاج المجمع المنوعة سنويًا على الحجاج والمعتمرين والزوار وقاصدي بيت الله الحرام بمكة المكرمة وزوار مسجد رسول الله- ﷺ بالمدينة، وذلك عبر المنافذ الجوية والبرية والبحرية للمملكة العربية السعودية.
هذا ويستقبل مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف يوميًا آلاف الزوار من جميع أنحاء العالم حيث يبلغ المعدل الشهري ٦٠ ألف زائر شهريًا.
الباحث شاهد عيان داخل المجمع:
مشاهدة العالم لهذا الحدث الجلل والعمل والإنجاز الكبير:
لقد أحدث هذا العمل الجليل نقلة "نوعية" عظيمة في طباعة المصحف وتحقيق وعد الله بحفظه، فهيأ له من يقوم بحفظه، وقد اصطفى الله تعالى هذه البلاد المباركة وجعل لها قدم السبق في هذا الميدان، كما اصطفاها من بين بقاع الأرض ليجعل فيها بيته العتيق قبلة المسلمين، وكما اصطفاها بأن جعلها مهبطًا للوحي ومهدًا للرسالة، وجعل فيها مبعث ومهاجر رسوله الكريم ﷺ .
стр. 370
وحينما بدأ تكثيف إنتاج إصدار المجمع من المصاحف وطباعتها بكميات كبيرة ضخمة تتناسب مع رسالة المملكة من تغطية حاجة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لمصحف موثق ومأمون عقدة لجنة علمية ذات مكانة مرموقة وموثوقة في القاهرة برئاسة الشيخ العلامة عبد المتعال منصور عرفة (ت: ١٤١٣ هـ) ﵀ في مطلع عام ١٤٠٧ هـ ممثلًا لمجمع الملك فهد لاختيار نخبة مختارة من خريجي جامعة الأزهر- أعرق جامعة إسلامية عرفها التاريخ- ليكونوا في طليعة من يتشرف بالعمل على المراحل الختامية لهذا العمل الجليل، فتقدم لهذا العمل أعداد غفيرة وتم اختيار نخبة من صفوتهم لينالوا هذا الشرف المروم.
ولقد تفضل الله تعالى وامتن على الباحث ذاك العبد الضعيف الفقير إلى عفو ربه كاتب هذه السطور ليتشرف بمكانة لا يستحقها ولكنها من محض فضل ربه الكريم أن يكون مع هؤلاء القوم راجيًا أن يكون جليس القومِ الذين قال فيهم النبي ﷺ : (هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى
بهِمْ جَلِيسُهُمْ) (١)، فاختير ليكون في طليعة من تشرف بالإشراف على آخر مرحلة عمل في مصحف المدينة النبوية في "قسم التفتيش" في مجمع الملك فهد بن عبد العزيز ﵀، ولقد شاهد بأم عينيه ضخامة هذا العمل العظيم وما أنفق عليه من أموال طائلة وجهود علمية وعملية وإدارية وتنظيمية جبارة تعجز الكلمات عن وصفها والأقلام عن تسطيرها، وقد وقف على ذلك بنفسه.
مقارنة بين جمع القرآن في صدر الإسلام وطباعته في مجمع الملك فهد ﵀ -:
وبمقارنة تاريخية بين جمع القرآن الكريم في صدر الإسلام وبين آخر عهدنا المعاصر، وبعقد مقارنة تاريخية بين جمع القرآن في عهوده الثلاثة وبين عمل مجمع الملك فهد يتبين له ما يلي:
أولًا: ما تميز به في عهوده الثلاثة
١ - قوة وعمق إيمان الصحابة الكرام- ﵃ الذي أدي إلى عنايتهم البالغة بكتاب ربهم
٢ - علو همتهم المتمثلة في الجهود الجبارة التي قاموا بها تجاه القرآن الكريم وجمعه في السطور وحفظه في الصدور
٣ - المشقة البالغة والمعاناة الشديدة التي واجهتهم في مع ندرة أدوات الكتابة وكونها بدائية للغاية
٤ - تخطي كل العقبات والأزمات والأحوال والملابسات التي عايشوها وقت الجمع في عهوده الثلاثة
стр. 371
٥ - دقة وعمق وغزارة علمهم بكتاب ربهم وإجلالهم للقرآن وتعظيمهم لشعائر الله
٦ - الأمانة العلمية التي تحلو بها مصحوبة بالورع الشديد وعدم المجاملة في حق الله تعالى وحق كتابه الكريم.
ثانيًا: عمل مجمع الملك فهد
١ - لقد تميز مصحف " المدينة النبوية" المطبوع في مجمع الملك فهد ﵀ بمميزات ولعل من أبرزها ما يلي:
٢ - استقطاب أبرز علماء العصر الأثبات الثقات المتخصصين، والإفادة من علمهم وخبراتهم في إخراج المصحف بالمكانة اللائقة به.
٣ - التحقيق والتدقيق في إخراج المصحف بصورة موثقة وصحيحة وخالية من أي نوع من أنواع الخطأ لم يسبق لها مثيل عبر التاريخ.
٤ - العناية الفائقة بقيام أمهر الخطاطين للقيام بهذا العمل
٥ - توفير أعلى تقنية للطباعة الحديثة في العالم وتوفير أمهر الطباعين من ذوي الخبرة الطويلة والمهارة الفائقة في الطباعة للقيام على هذه المهمة الجليلة، مع توفير أعلى الخامات المستخدمة "جودة ومتانة".
٦ - متابعة اللجنة العلمية المشرفة على العمل بمتابعة عمل الخطاط بدقة ورقابة علمية ومتابعة مستمرة من قبل لجان مختصة بمراقبة النص القرآني للتأكد من سلامته مع وجود مراقبة نوعية ترافق كافة مراحل العمل ومتابعة مهماته ومتطلباته، ثم متابعة ذلك بمراقبة نهائية تشرف على كل ما مضى من أعمال وتراقبه وتتابعه
٧ - وجود قسم " التفتيش" الذي يمثل أعلى هيئة رقابية في المجمع تشرف على المرحلة الختامية والنهائية بعد تلك المراحل الكبيرة التي تمر بها مراقبة العمل على إخراج المصحف بدقة متناهية سليمًا من أي خطأ أو خلل.
٨ - كل ما سبق ذكره لن يكون بعد توفيق الله إلا ببذل الأموال الطائلة من قبل حكومة المملكة العربية السعودية- حفظها الله- وتقديمها رخيصة أمام أعظم وأجل عمل عرفته البشرية عبر تاريخها الطويل خدمة لكتاب الله ﵎، لتنال بذلك وسام السبق في مضمار خدمة كتاب الله طباعةً ونشرًا في أرجاء المعمورة بصورة لم يسبق لها مثيل، بحيث لا يخلو منه مسجد ولا مركز
إسلامي ولا بيت ولا مدرسة ولا مؤسسة تعليمية على وجه البسيطة، والواقع خير من يشهد بذلك.
стр. 372
وقد أطال الباحث البيان عن الطبعة العاشرة "مصحف المدينة النبوية" المطبوع في مجمع الملك فهد لأسباب.
ولعل من أبرزها ما يلي:
١ - أنها الطبعة الخاتمة الموثقة والمأمونة التي انتشرت في الآفاق
٢ - لما لاقته تلك الطبعة من قبول واستحسان لدى عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها
٣ - لما بذل فيها من جهود مضنية وتوفير امكانات متنوعة هائلة- مادية، وبشرية، ومعنوية- لتكون مثالًا يحتذى في خدمة كتاب الله.
٤ - لإبراز دور بلاد الحرمين في خدمة كتاب الله تعالى.
٥ - ولكون الباحث قد شرفه الله تعالى في العمل الختامي على هذه الطبعة فهو شاهد عيان على هذا العمل الجليل الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية جمعاء.
٦ - لزيادة الاستيثاق بتلك الطبعة الميمونة المباركة ورد سهام المغرضين من أعداء الملة والدين وسائر المشككين في كتاب الله الخاتم" القرآن الكريم".
وبهذا ينتهي المبحث الثالث. والحمد لله رب العالمين.
المبحث الرابع: الرسم العثماني
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الرسم العثماني
أولًا: مفهوم الرسم في اللغة:
الرسم في اللغة بمعنى: الأثر.
قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ) في مقاييس اللغة: " الراء والسين والميم أصلان: أحدهما الأثَر، والآخر ضربٌ من السير. فالأوّل الرّسْم: أثَرُ الشَّيء. ويقال ترسَّمْتُ الدّار، أي نظرتُ إلى رسومها. قال غيلان:
أأَنْ ترسَّمْتَ مِن خَرقاءَ منزِلَةً … ماءُ الصَّبابةِ من عينَيْكَ مسجومُ
وناقةٌ رَسومٌ: تؤثِّر في الأرض من شِدّة الوطْء. والثَّوب المرسَّم: المخطَّط. " (١)
فالرسم في المفهوم اللغوي إذًا بمعنى المرسوم، وأصله: الأثر كما ذكر ابن فارس، والمقصود معنا هنا: أثر الكتابة في اللفظ.
стр. 373
ويرادفه الخط، وهو في اللغة: الطريقة المستطيلة في الشيء، وجمعه أخطاط وخطوط، ويرادفه كذلك الكَتْبُ بالقلم.
ومن مرادفات الرسم: الخطّ والكتابة والزَبْرُ والسطر والرقم والرشم بالشين المعجمة والوشم والنقش، وإذا كانت هذه الألفاظ تختلف من حيث الاستعمال لأنّها تدل على رسم خاص إمّا باعتبار آلته أو المادة المكتوب عليه أو موضوعه أو غيرها من القرائن والأحوال لتندرج هذه الفروق ضمن قاعدة اختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات … ولكنّها من حيث العموم تدل على ماهية واحدة هي الكتابة …
ثانيًا: مفهوم الرسم في الاصطلاح:
الرسم في الاصطلاح: هو: تصوير الكلمة بحروف هجائها على تقدير الابتداء بها والوقف عليها. (١)
ثالثًا: مفهوم اصطلاح "الرسم العثماني ":
اما الرسم العثماني: فهو الذي يصطلح عليه البعض بالرسم الاصطلاحي أو التوقيفي (٢) والمقصود به الرسم الذي كتب به المصحف الشريف وأجمع عليه الصحابة على عهد الخليفة الراشد عثمان- ﵃ أجمعين-، وهو المقصود بالبحث ها هنا.
وقيل هو: الرسم المصحفي، أو الرسم السَّلَفي؛ (لأنه يتبع فيه الاقتضاء السَّلَفي)، وقد أطلق العلماء على هذا الرسم عدة تعاريف؛ منها: هو علم يبحث ويُعنَى بصور كلمات القرآن على ما هي به في المصاحف الأولى التي دُوِّنت بأقلام الصحابة.
ونسبة هذا الرسم إلى عثمان- ﵁ ليست نسبةَ اختراع؛ وإنما نسب إليه لأنه هو الذي أذاعه في الآفاق وعمَّمه، بعد أن نقله من صحف أبي بكر الصديق- ﵁ ومما مع الصحابة، مع وفرة الشهود الذين شهِدوا بأن ما معهم كُتِب بين يدي رسول الله ﷺ ؛ وكل ذلك لتكون كتابة المصحف على قاعدة كتابة النسخة الأولى النبوية إلى ما شاء الله.
رابعًا: مفهوم الرسم العثماني عند السلف
إن إطلاق مفهوم " الرسم العثماني" عند السلف لم يكن مشتهرًا بهذا المسمى، بل غلب على استعماله عبارات أخر، كـ" هجاء السنة" و"هجاء المصاحف" و"الهجاء، والسنة" و" علم مرسوم الخط" ونحو ذلك.
стр. 374
ومن أقدم ما وُقِفَ عليه فيما ما ورد في تسميته بـ " الرسم العثماني " ثلاث رسائل:
الأولى: "رسالة في بيان رسوم المصاحف العثمانية الستة" لـ" محي الدين محمد بن بير على بن اسكندر البِرْكِلي، الرومي الحنفي " (ت: ٩٨١ هـ) الملقب بالإمام، وقد قام بتحقيقها في رسالة "
ماجستير: الباحث/ صالح بن أحمد العماري بالجامعة الإسلامية بالمدينة، بإشراف الدكتور/ محمد بن سيدي محمد الأمين، عام ١٤٣٣ هـ.
الثانية: "الجواهر اليراعية في رسم المصاحف العثمانية" لـ "محمد بن أحمد المسيري، العوفي" (ت: ١٠٤٩ هـ)، وقد قام بتحقيقها في رسالة " ماجستير: الباحث/ مهدي عبد الله قاري محمد صديق، بإشراف الدكتور/ حلمي بن عبد الرؤوف بن عبد القوي في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، عام ١٤٢٢ هـ. في جزئين.
الثالثة: "الفوائد اللطيفة والطريفة في رسوم المصاحف العثمانية" لـ"حسين بن علي الأماسي" إمام جامع السلطان محمد الفاتح أتمها في سنة ١٠٦٤ هـ.
وهي: مخطوطة عن نسخة بمكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، رقم الحفظ (١٦١٦).
أبرز ما صنفه علماء الإسلام في مرسوم وهجاء المصاحف:
١ - كتاب: "مرسوم الخط" لـ "يحي بن يعمر" وهو: الفقيه العلامة المقرئ أبو سليمان يحيى بن يعمر العدواني البصري (ت: ٩٠ هـ).
٢ - كتاب: "اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق"، "مقطوع القرآن وموصوله" و كلاهما لإمام أهل الشام "ابن عامر الشامي" وهو: عبدالله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليحصبي (ت: ١١٨ هـ).
٣ - كتاب: "اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة"، لـ" الإمام الكسائي" وهو: أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بن بهمن بن فيروز الكسائي
(ت: ١٨٩ هـ).
٤ - كتاب: "الرد على من خالف مصحف عثمان"، وكتاب "مرسوم الخط"، وكتاب "الهجاء"، وكتاب "المقطوع والموصول"، وكلها لـ"أبي بكر بن الأنباري" وهو: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري (ت: ٣٢٧ هـ).
стр. 375
٥ - كتاب: "المحرر" وكتاب "علم المصاحف" و كلاهما لـ" ابن أشتة" وهو: أبو بكر محمد بن عبد الله بن أشتة الأصفهاني (ت: ٣٦٠ هـ) بمصر، وقد أكثر العلماء النقل عن كتاب ابن أشتة، ومن أبرز من نقل عنه السيوطي في " الإتقان".
٦ - هجاء مصاحف الأمصار لـ"أبي العباس المهدوي" وهو: أبو العباس أحمد بن عمار بن أبي العباس الإمام أبو العباس المهدوي (ت: ٤٣٠ هـ).
٧ - كتاب: "هجاء المصاحف" لـ"مكي بن أبي طالب القيسي" وهو: أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني (ت: ٤٣٧ هـ).
٨ - كتاب: "المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار" لـ" أبي عمرو الداني" وهو: أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي الداني الأندلسي، المعروف في زمانه بابن الصيرفي (ت: ٤٤٤ هـ).
٩ - كتاب: "مختصر التبيين في هجاء التنزيل" لـ" سليمان بن نجاح"، وهو:
أبو داود، سليمان بن نجاح بن أبي القاسم الأموي بالولاء، الأندلسي (ت: ٤٩٦ هـ).
١٠ - "القصيدة الرائية، المسماة بـ"عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد لـ"لإمام الشاطبي"، وهو: أبو القاسم، أو أبو محمد، القاسم بن فِيرُّة بن خلف بن أحمد الشاطبي الرُّعيني الأندلسي الضرير (ت: ٥٩٠ هـ) بالقاهرة، وقد نظم فيها مسائل المقنع لأبي عمرو الداني، وزاد عليه أحرفًا يسيرة جملتها ست كلمات، وقد أهتم العلماء بهذه القصيدة وكتبوا عليها شروحًا كثيرة، ونظم كثير منهم على منوالها قصائد زادوا فيها عليها.
١١ - كتاب "عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل"، لـ" ابن البناء المراكشي" وهو: أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان المراكشي، الشهير بـ"ابن البناء " (٧٢١ هـ). وقد ألفه في توجيه ما خالف قواعد الخط من رسم المصحف ومنهجه أقرب إلى منهج الصوفية الباطنية.
وقد أُلِفَت في هذا الفن رسائل علمية جامعية، منها:
١ - رسالة عن "رسم المصحف ونقطه" تقدَّمَ بها إلى كلية أصول الدين جامعة الأزهر، عبد الحي حسين الفرماوي لنيل درجة العالمية "الدكتوراه"، سنة "١٩٧٥ م"، ناقش فيها الحكم الشرعي في التزام الرسم العثماني في طبع المصاحف ونسخها، وتعرَّض لدراسة ظواهر الرسم العثماني
стр. 376
في المبحث الثالث في الفصل الثالث، ولم يخرج في مناقشته للموضوع عَمَّا روي عن أبي العباس المراكشي في تفسير ظواهر الرسم من تعليلات.
٢ - وخير كتاب أُلِّفَ في هذا الفن في العصر الحديث كتاب "رسم المصحف - دراسة لغوية تاريخية" للأستاذ: غانم قدوري الحمد، المدرس في كلية الشريعة بجامعة بغداد.، وهو في الأصل رسالة علمية أُعِدَّتْ في قسم علم اللغة بكلية دار العلوم، بجامعة القاهرة، وقد نال كاتبها درجة الماجستير بتقدير "ممتاز"، وأوصت اللجنة بطبعها وتبادلها مع الجامعات. وطبعته اللجنة الوطنية بالجمهورية العراقية سنة "١٤٠٢ هـ-١٩٨٢ م".، وهو وافٍ في موضوعه، سهلٌ في أسلوبه، جامعٌ لما تفرَّق من مسائل هذا العلم، في ترتيب بديع. (١)
المطلب الثاني: قواعد الرسم العثماني
أولًا: المراد بالرسم العثماني
والرسم العثماني: هو الكيفية التي كُتبت بها حروف وكلمات المصاحف العثمانية التي بعثها عثمان- ﵁ في الأمصار. وقد خالية من الشكل والنقط على هيئة مخصوصة مغايرة لقواعد الرسم الإملائي القياسي. وقد سبق معنا تعريف الرسم العثماني في المطلب السابق.
وفي بيان المراد بالرسم العثماني يقول الزرقاني ﵀:
رسم المصحف يراد به الوضع الذي ارتضاه عثمان- ﵁ في كتابة كلمات القرآن وحروفه. والأصل في المكتوب أن يكون موافقًا تمام الموافقة للمنطوق من غير زيادة ولا نقص ولا تبديل ولا تغيير. لكن المصاحف العثمانية قد أهمل فيها هذا الأصل فوجدت بها حروف كثيرة جاء رسمها مخالفًا لأداء النطق وذلك لأغراض شريفة. (٢) والتي سيأتي معنا ذكرها وبيانها مع التمثيل.
ثانيًا: أسانيد علماء الرسم
تنتهي أسانيد الأئمة في هذا العلم وما يتحدَّثون به عن حذف أو إثبات، أو حروف مفصولة أو موصولة، وغير ذلك - إلى رؤية بالعين، أو الرواية عن راءٍ؛ إما في الأصول الأولى؛ يعني المصاحف العثمانية القديمة، أو ما نُسخ منها.
ثالثًا: مواضيع الرسم العثماني
ومواضيع الرسم العثماني هي: حروف المصاحف مِن حيث ما يَعرض لها من الحذف والإثبات، والزيادة والنقص، والفصل والوصل، وما كُتِب على قراءة ويَحتمل الأخرى، ويندرج تحت كل
стр. 377
موضوع منها بحثٌ وشرح، وقد تكلَّمَتْ عنها كتبُ رسم المصاحف بالتفصيل، وأنا أكتفي هنا بالتلميح وزيادة قليلة عليه، فمن أراد الزيادة في المعرفة وحصر مواضع الخلاف، فليرجع إلى كتب رسم المصحف، والله المستعان، ونطلب منه العون وحسن العرض والبيان. (١)
رابعًا: صفة كتابة الرسم العثماني
والرسم العثماني: الأصل في كتابته أن كل حرف يكتب حسب ما ينطق به دون أن يزاد فيه أو ينقص منه، وهذه قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ عَامَّةٌ، غير أن بعض الألفاظ خرجت عن عموم هذه القَاعِدَةٌ العَامَّةٌ،
فكتبت وفق ما تضمنه علم "الرسم العثماني" ورسمت بالزيادة أو الحذف أو الإبدال، أو بغيرها مما اقتضاه علم هذا الرسم، وقد حصرها علماء الرسم في ستة أمور:
١ - الحذف
٢ - والزيادة
٣ - والهمز
٤ - والبدل
٥ - والفصل والوصل
٦ - وما فيه قراءتان متواترتان وكتب اللفظ المختلف رسمه فيها، على رسم إحداهما.
وهذه القواعد هي التي أجملها العلامة محمد العاقب بن مايابى الجكني الشنقيطي
(ت: ١٣١٢ هـ) في كتابه: " رشف اللَّمي عن كشف العَمَى" في علمي الرسم
الضبط (حسب قراءة الإمام نافع من روايتي قالون وورش)
بقوله: الفصل الرابع: في ذكر قواعد الرسم
الرَّسْمُ فِي سِتِّ قَوَاعِدِ اسْتَقَلْ … حَذْفٌ زِيَادَةٌ وَهَمْزٌ وَبَدَلْ
وَمَا أَتَى بِالْفَصْلِ أَوْ بَالْوَصْلِ … مُوَافِقًا لِلَّفْظِ أَوْ لِلْأَصِّلِ
وَذُو قِرَاءَتَيْنِ مِمَّا قَدْ شُهرْ … فِيهِ عَلَى إِحْدَاهُمَا قَدِ اقْتُصِرْ
وَمَا سِوَى هَذَا مِنَ الْمَزِيدِ … فَبِخِطَابِ الْفَدْمِ وَالْبَلِيدِ (٢)
стр. 378
فقوله: "وما أتى بالفصل أو بالوصل" جعلهما على التخيير أمرًا واحدًا
كما أن هناك منظومة للشاطبي في رسم المصحف.
وهي: المنظومة الرائية في رسم المصحف وشروحها، الموسومة بـ " قراءة الموروث المبكّر المفقود من خلال اللاحق والمتأخّر. ".
وقد افتتحها الشاطبي الرعيني الأندلسي (ت: ٥٩٠ هـ) ﵀ بقوله:
الحمد لله موصولا كما أمرا مباركا طيِّبا يستنزلُ الدِّرَرا
وقد اختتمها وأتمها بقوله:
تُضاحِكُ الزَّهرَ مسرورًا أسِرَّتُها مُعَرَّفًا عَرْفُها الآصالَ والبُكرا
عددُ أبياتها ثمانيةُ وتسعون ومئتا بيت، كما نصّ على ذلك بقوله:
تَمّتْ عقيلةُ أتراب القصائدِ في أسنى المقاصدِ للرسمِ الذي بهَرا
تسعونَ مَعْ مَائَتين مَعْ ثمانيةٍ أبياتها يَنْتَظِمْنَ الدُّرُّ والدِّرَراَ
خامسًا: التفصيل في بيان الألفاظ التي خرجت عن القَاعِدَةٌ العَامَّةٌ فكتبت وفق ما تضمنه علم "الرسم العثماني" في القواعد الست سالفة الذكر .
القاعدة الأولى: قاعدة الحذف
وخلاصة قاعدة الحذف: أن الألف تحذف من ياء النداء نحو "يأيها الناس"، ومن ها التنبيه نحو "هأنتم" ومن كلمة "نا" إذا وليها ضمير نحو "أنجيناكم" فكتبت "أنجينكم" ومن لفظ الجلالة "الله" والأصل كتابتها "اللاه" ومن كلمة "إله" والأصل "إلاه" ومن لفظي "الرحمن، وسبحان" وبعد لام نحو كلمة "خلائف" وبين اللامين في نحو "الكلالة" ومن كل مثنى نحو "رجلان" ومن كل جمع تصحيح لمذكر أو لمؤنث نحو "سماعون، المؤمنات" ومن كل جمع على وزن مفاعل وشبهه نحو "المساجد، والنصارى" ومن كل عدد نحو "ثلاث".
ومن البسملة، ومن أول الأمر من "سأل" وغير ذلك إلا ما استثني من هذا كله.
وتحذف الياء من كل منقوص منون رفعًا وجرًا نحو: "غير باغ ولا عاد" ومن هذه الكلمات "أطيعون، اتقون، خافون، ارهبون، فأرسلون، واعبدون" إلا ما استثني.
стр. 379
وتحذف الواو إذا وقعت مع واو أخرى في نحو: "لا يستوون، فأووا إلى الكهف"، وتحذف اللام إذا كانت مدغمة في مثلها نحو: "الليل، والذي" إلا ما استثني.
وهناك حذف لا يدخل تحت قاعدة كحذف الألف من كلمة "مالك" وكحذف الياء من "إبراهيم" وكحذف الواو من هذه الأفعال الأربعة: "ويدعو الإنسان، ويمحو الله الباطل، يوم يدعو الداع، سندعو الزبانية".
القاعدة الثانية: قاعدة الزيادة
وخلاصة قاعدة الزيادة: أن الألف تزاد بعد الواو في آخر كل اسم مجموع أو في حكم المجموع نحو "ملاقوا ربهم، بنوا إسرائيل، أولوا الألباب".
وبعد الهمزة المرسومة واوًا نحو "تالله تفتأ" فإنها ترسم هكذا "تالله تفتؤا".
وفي كلمات "مائة ومائتين والظنون والرسول والسبيل" في قوله تعالى: (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) (الأحزاب: ١٠)، و (أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) (الأحزاب: ٦٦)، و (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (الأحزاب: ٦٧).
وتزاد الياء في هذه الكلمات "نبأ، آناء، من تلقاء، بأيكم المفتون، بأيد من قوله تعالى: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ) (الذاريات: ٤٧)، وتزاد الواو في نحو "أولو، أولئك، أولاء، أولات".
القاعدة الثالثة: قاعدة الهمز
وخلاصة قاعدة الهمز: أن الهمزة إذا كانت ساكنة تكتب بحرف حركة ما قبلها نحو "ائذن - أؤتمن - البأساء" إلا ما استثني.
أما الهمزة المتحركة فإن كانت أول الكلمة واتصل بها حرف زائد كتبت بالألف مطلقًا سواء أكانت مفتوحة أم مكسورة نحو "أيوب - أولو- إذا - سأصرف، سأنزل - فبأي" إلا ما استثني.
وإن كانت الهمزة وسطًا فإنها تكتب بحرف من جنس حركتها نحو "سأل، سئل - تقرؤه" إلا ما استثني.
وإن كانت متطرفة كتبت بحرف من جنس حركة ما قبلها نحو "سبأ، شاطئ- لؤلؤ" إلا ما استثني، وإن سكن ما قبلها حذفت نحو "ملء الأرض، يخرج الخبء" إلا ما استثني، والمستثنيات كثيرة في الكل.
стр. 380
القاعدة الرابعة: قاعدة البدل
وخلاصة قاعدة البدل: أن الألف تكتب واوًا للتفخيم في مثل "الصلاة والزكاة والحياة" إلا ما استثني، وترسم ياء إذا كانت منقلبة عن ياء نحو "يتوفاكم، يا حسرتا - يا أسفا" وكذلك ترسم الألف ياء في هذه الكلمات "إلى، على، أنى بمعنى كيف، متى، بلى، حتى - لدى" ما عدا "لدى الباب" في سورة يوسف فإنها ترسم ألفًا، وترسم النون ألفًا في نون التوكيد الخفيفة وفي كلمة "إذن".
وترسم هاء التأنيث تاء مفتوحة في كلمة "رحمت" بالبقرة والأعراف وهود ومريم والروم والزخرف.
وفي كلمة "نعمة" بالبقرة وآل عمران والمائدة وإبراهيم والنحل ولقمان وفاطر والطور.
وفي كلمة "لعنة الله" وفي كلمة "معصية" بسورة قد سمع، وفي هذه الكلمات "إن شجرة الزقوم، قرة عين، جنة نعيم، بقية الله" وفي كلمة "امرأة" أضيفت إلى زوجها نحو "امرأة عمران، امرأة نوح" وفي غير ذلك.
القاعدة الخامسة: قاعدة الفصل والوصل
وخلاصة قاعدة الفصل والوصل: أن كلمة "أن" بفتح الهمزة توصل بكلمة "لا" إذا وقعت بعدها، ويستثنى من ذلك عشرة مواضع: منها: "أن لا تقولوا، أن لا تعبدوا إلا الله".
وكلمة "من" توصل بكلمة "ما" إذا وقعت بعدها، ويستثنى "من ما ملكت أيمانكم" في النساء، والروم، و "من ما رزقناكم" في سورة المنافقين.
وكلمة "من" توصل بكلمة "من" مطلقًا، وكلمة "عن" توصل بكلمة "ما" إلا قوله سبحانه "عن ما نهوا عنه" وكلمة "إن" بالكسر توصل بكلمة "ما" التي بعدها إلا قوله سبحانه "وإن ما نرينك".
وكلمة "أن" بالفتح توصل بكلمة "ما" مطلقًا من غير استثناء.
وكلمة "كل" توصل بكلمة "ما" التي بعدها إلا قوله سبحانه (كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ) (النساء: ٩١)، و (مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) (إبراهيم: ٣٤).
وتوصل كلمات "نعما، وربما، وكأنما، ويكأن" ونحوها.
стр. 381
القاعدة السادسة: قاعدة ما فيه قراءتان متواترتان وكتب اللفظ المختلف رسمه فيها، على رسم إحداهما .
وخلاصة قاعدة ما فيه قراءتان: أن الكلمة إذا قرئت على وجهين تكتب برسم أحدهما كما رسمت الكلمات الآتية بلا ألف في المصحف وهي: "مالك يوم الدين، يخادعون الله، وواعدنا موسى، تفادوهم" ونحوها، وكلها مقروءة بإثبات الألف وحذفها.
وكذلك رسمت الكلمات الآتية بالتاء المفتوحة وهي: "غيابة الجب، "أنزل عليه آية" في العنكبوت، "ثمرة من أكمامها" في فصلت، "وهم في الغرفة آمنون" في سبأ.
وذلك لأنها جمعاء مقروءة بالجمع والإفراد، وغير هذا كثير، وحسبنا ما ذكرناه للتمثيل والتنوير. (١)
ومن أمثلة تلك الكلمات التي فيها قراءتان ورسم على إحداهما: ما ورد في قراءة أهل المدينة والشام كلمة (وأوصى) في قوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) في مصاحفهم (وأوصى) وأما قراءة (وَوَصَّى) التي فيها معنى المبالغة والتكثير، فقد قرأ بها "الباقون" وكتبت في مصاحفهم حسب قراءة كل منهم.
سادسًا: مزايا الرسم العثماني:
للرسم العثماني مزايا وأغراض عديدة، منها: (٢)
١ - أنّ الرسم العثماني يدل على القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة، ولتوضيح ذلك، رسمت: (تَكَادُ السَّماوات) (الشورى من آية: ٥) هكذا (تَكَادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ) من غير ضبط ولا نقط، فهي برسمها هكذا تحتمل قراءة نافع والكسائي بالياء: (يكاد السموات) كما تحتمل قراءة الباقين من السبعة بالتاء (تكاد) وقراءة حفص والكسائي (يتفطَّرن) - بالتاء وفتح الطاء مشددة- وقراءة الباقين بالنون وكسر الطاء مخفّفة.
٢ - إفادة المعاني المختلفة بطريقة تكاد تكون ظاهرة، وذلك نحو قطع كلمة (أمْ) في قوله تعالى: (أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) (النساء من آية: ١٠٩)، ووصلها في قوله تعالى (أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الملك من آية: ٢٢)، إذ كتبت هكذا (أمّن) بإدغام الميم الأولى في
стр. 382
الثانية وكتابتها ميمًا واحدة مشدّدة، فقطع (أمْ) في الآية الأولى في الكتابة للدلالة على أنَّها (أمْ) المنقطعة التي هي بمعنى (بلْ)، ووصل (أمْ) الثانية للدلالة على أنها ليست كذلك!
٣ - الدّلالة على معنى خفي دقيق، كزيادة الياء في كتابة كلمة (أيْد) من قوله تعالى: (وَالسَّمَآء بَنَيْناهَا بِأَيْدٍ) (الذاريات من آية: ٤٧) (١) - بياءين- وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بني بها السماء وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة: (زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى).
ومن هذا القبيل: حذف الواو من قوله: (وَيَدْعُ الإِنسَانُ) (الإسراء من آية ١١) (وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ) (الشورى من آية: ٢٤)، للدلالة على سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل، وشدة قبول المنفعل، للتأثر به في الوجود.
٤ - إفادة بعض اللغات الفصيحة، مثل قوله : (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (هود من آية: ١٠٥) كتب بحذف الياء هكذا (يَأْتِ) للدلالة على لغة هذيل.
٥ - حمل الناس على أن يتلقوا القرآن من صدور ثقات الرجال، ولا يتكلوا على هذا الرسم العثماني الذي جاء غير مطابق للنطق الصحيح في الجملة.
وينضوي تحت هذه الفائدة مزيتان:
المزية الأولى: التوثق من ألفاظ القرآن وطريقة أدائه وحسن ترتيله وتجويده، فإنّ ذلك لا يمكن أنْ يعرف على وجه اليقين من المصحف، مهما تكن قاعدة رسمه واصطلاح كتابته، فقد تخطئ المطبعة في الطبع، وقد يخفى على القارئ بعض أحكام تجويده، كالقلقة والإظهار والإخفاء والإدغام والإشمام ونحوها، فضلًا عن خفاء تطبيقها.
ولهذا قرّر العلماء:
أنه لا يجوز التعويل على المصاحف وحدها، بل لابدّ من التثبت في الأداء والقراءة، بالأخذ عن حافظ ثقة.
وإن كنت في شك فقل لي بربّك:
هل يستطيع المصحف وحده بأيّ رسم يكون، أن يدل قارئًا أيًا كان على النطق الصحيح بفواتح السور الكريمة، مثل: كهيعص، حم، عسق، طسم؟ ومن هذا الباب الرّوم والإشمام في قوله سبحانه: (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ) (يوسف من آية ١١).
стр. 383
المزية الثانية: اتصال السند برسول الله- ﷺ ، وتلك خاصيّة من خواصِّ هذه الأمة الإسلاميّة التي امتازت بها على سائر الأمم. (١)
المطلب الثالث: تطور الرسم العثماني
أولًا: نسبة الرسم العثماني نسبة شهرة لا نسبة ابتداء
لابد أن يُعلم أنَّ رسم المصحف المُعَبَّر عنه والموسوم بـ"الرسم العثماني" المكتوب في عهد الخليفة الراشد عثمان- ﵁ هو عين الرسم الذي جُمِعَ وكُتِبَ ورُسِمَ به المصحف في الجمع في عهديه الأولين-عهد النبوة، وعهد الصديق- وإنما نُسِبَ رسمُ المصاحف لعثمان-﵁ لأنه هو الذي جمع الأمة على تلك المصاحف وبعث بها في الأمصار وأدًا للفتنة.
إذًا فهي نسبة شهرة لا نسبة ابتداء وتلك التحسينات التي أدخلت على الرسم لم تمس أصل رسم وهجاء القرآن الذي جُمِعَ في عهد النبي- ﷺ وكُتِبَ بأمره بين يديه وكان يمليه على كُتَّاب الوحي من الصحابة ويرشدهم ويوجههم في كتابته، وكان ذلك بأمر الله الذي أوحاه إليه بواسطة جبريل ﵇، واستمر على هذا السبيل جمع الصديق- ﵁ كذلك.
ثانيًا: الصفة والهيئة الأولى للرسم العثماني
المرحلة الأولى: خلو المصاحف من النقط والشكل
كُتبت مصاحف عثمان خالية من النقط والتشكيل، حتى تحتمل قراءتُها الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم، وعندما أرسلها إلى الأمصار رضي بها الجميع، ونسخوا على غرارها مصاحف كثيرة خالية من النقط والشكل، واستمروا على ذلك أكثر من أربعين سنة، وخلال هذه الفترة توسعت الفتوح، ودخلت أممٌ كثيرة لا تتكلم العربية في الإسلام، فتفشت العجمة بين الناس، وكثر اللحن، حتى بين العرب أنفسهم بسبب كثرة اختلاطهم ومصاهرتهم للعجم، ولما كان المصحف الشريف غير منقوط خشي ولاة أمر المسلمين عليه أن يتطرق له اللحن والتحريف. (٢)
ولقد خلا الرسم العثماني من النقط والضبط أو الشكل اعتمادًا في القراءة على السليقة العربية التي لا تحتاج إلى مثل هذه النقط والتشكيلات، وظلت هكذا حتى دخلت العجمة بكثرة الاختلاط،
стр. 384
وتطرق اللحن إلى اللسان العربي، عندئذ أحسّ أولو الأمر بضرورة تحسين كتابة المصاحف بالتنقيط والشكل والحركات، مما يساعد على القراءة الصحيحة. (١)
وهنا يورد الباحث أنموذجًا "تقريبيًا" للطريقة التي كُتب بها المصحفُ ودُوِّنت بها كلماتُ القرآن وآياتُهُ وسورُهُ في الجمع الأول في عهد النبيّ ﷺ -وذلك في أوّل الأمر كما هو في شكل: (٧).
|
ضبط بالشكل "تقريبي" لكلماتِ القرآنِ وآياتهِ وسورهِ في الجمع الأول
شكل: (٧)
المرحلة الثانية: مراحل تطور النقط والشكل الذي طرأ على الرسم العثماني .
استمر الوضع على ما كان عليه أمر المصاحف العثمانية حتى تولى علي بن أبي طالب- ﵁ الخلافة، فشكا أبو الأسود الدؤلي إلى علي هذه الظاهرة فعلمه مبادئ النحو، وقال له: الاسم ما دل على المسمى والفعل ما دل على حركة المسمى، والحرف ما ليس هذا ولا ذاك، ثم انح على هذا النحو. (٢)
و"كان المسلمون في الصدر الأول من الإسلام يكرهون إضافة شيء على المصحف الإمام ولو بقصد الإصلاح، ولكن ضرورة المحافظة على القرآن أجازت وقوع هذا الأمر الذي يكرهونه"،
حيث كُلّف أبو الأسود الدؤلي (٣) لشكل أواخر الكلمات في المصحف، فاستخدم النقط بلون مخالف للون الكتابة؛ حيث جعل النقطة على آخر الحرف تدل على الفتح، والنقطة تحته تدل على الكسرة، والنقطة بين يدي الحرف (أمامه) تدل على الضم، والنقطتين فوق بعضهما تدل على التنوين، وكان هذا أول إصلاح يطرأ على المصحف الإمام، إلى أن جاء عهد عبد الملك بن مروان (٤) حين قام يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم بوضع الإعجام للحروف، بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي؛ حيث طلب منهما تمييز الحروف المتشابهة بعلامات؛ فنقّطا الحروف
стр. 385
المتشابهة، وميّزاها بمداد من نفس لون الكتابة، إلى أن جاء الإصلاح الأخير، في العصر العباسي الأول حيث اضطلع الخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري، بمهمة إبدال نقط أبي الأسود الدؤلي بالحركات المعروفة اليوم، من فتحة وكسرة وضمة وتنوين وشدّ وهمزة وعلامة ألف الوصل، وعلامة المدّ، "ثم تدرج الناس في وضع الرموز التي تشير إلى رؤوس الآيات، وعلامة الوقف إلى غير ذلك من وجوه التحسين".
كلام أئمة التابعين في نقط المصحف:
وقد تنازع العلماء في عصر التابعين وتابعيهم في كراهية نقط المصاحف وتشكيلها على قولين مشهورين هما: روايتان عن أحمد (١)، وقد رويت كراهية ذلك عن ابن سيرين الإمام مالك (٢)، وروي جوازه عن الحسن البصري وابن أبي ليلى (٣)، والقول بجوازه هو الأشهر، حتى لقد نقل أبو عمرو الداني اتفاق المسلمين عليه. (٤)
وهذا ضبط بالشكل "تقريبي" لحروف كلمات القرآن وآياته في عهد رابع الخلفاء الراشدين-علي بن أبي طالب ﵁، كما هو في شكل: (٨)
|
ضبط بالشكل "تقريبي" لحروف كلمات القرآن وآياته في عهد رابع الخلفاء الراشدين شكل: (٨)
المرحلة الثالثة: وضع النقط على الحروف
وهذا ضبط بالشكل "تقريبي" لوُضع النقاط على حروف الكلمات والآيات، وكان ذلك في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (ت: ٨٦ هـ)، كما هو موضح في شكل: (٩).
стр. 386
|
ضبط بالشكل "تقريبي" لوُضع النقاط على حروف الكلمات والآيات، في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان شكل: (٩)
المرحلة الرابعة: تطور الرسم العثماني إلي ما استقر عليه أمر تطور الطباعة الحديثة في الزمن الحاضر
وقد امتن الله على عباده المؤمنين بتلك الآلات الحديثة، فسهل تطورها إلى أحدث ما توصلت إليه البشرية في عالم الطباعة عبر التاريخ، بداية من أول طباعة للمصحف الشريف في طبعة " البندقية" ١٥٣٧ م- أو ١٥٣٨ م، ومرورًا بطبعة "سانت بترسبوغ"، وقد طبعت في روسيا، عام ١٧٨٧ م، ثم تلتها طبعة "الآستانة" الشهيرة عام ١٨٧٧ م، ثم تتابعت الطبعات بعد ذلك وتطورت حتى وصلت ذروتها في الزمن الحاضر لتخرج طباعة المصحف الشريف في أبهى حلة قشيبة مرت عبر التاريخ من قبل، لتليق بكلام الله العزيز الحميد وكتابه المجيد.
وهكذا رُسمت حروفُ وكلماتُ وآياتُ المصحف الشريف لتصل لأكمل ما انتهت إليه البشرية في عالم الطباعة، كما هو موضح في شكل: (١٠). |
حروفُ وكلماتُ وآياتُ المصحف الشريف في أكمل ما وصلت إليه البشرية في عالم الطباعة شكل: (١٠)
وهكذا بقيت المصاحف التي بين أيدي الناس اليوم في مشارق الأرض ومغاربها، وستبقى بإذن الله تعالى إلى أن يُرفع القرآن في آخر الزمان، وذلك كله تحقيقًا لوعد الله الذي لا يتخلف، كما قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩)
وها هي الآية كاملة كما هي في مرسوم المصاحف الآن:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر: ١٨).
стр. 387
فالحمد لله الذي لا شريك له، والحمد لله الذي أرسل إلينا خير رسول أرسله- ﷺ ، والحمد لله الذي أنزل علينا خير كتاب أنزله، والحمد لله الذي جعل أمتنا الأخيرة الأوله.
المطلب الرابع: الرسم العثماني توقيفي أم اصطلاحي ؟ (١)
أولًا: بيان المقصود بعبارتي: توقيفي، واصطلاحي
أ- إنَّ المقصود بعبارة توقيفي هنا:
هو أنَّ الرسم العثماني كُتِبَ على سند قائم من الشرع، فلا يجوز مخالفته وتخطيه إلى غيره، فهو توقيفي: فلا يجوز ولا يصح عليه تغيير ولا تبديل، لأنه تنزيل من التنزل على هيئته المعهودة والمكتوبة في المصاحف كسائر سور القرآن وآياته المنزلة، سواء بسواء.
وقد مضى في عهوده الثلاثة وهو على هذه الكَتْبَة بهذا الرسم المصحفي ولم يحدُث فيه أي تغيير ولا أي تبديل. وقد أجمعت الأمة عليه وتلقته بالقبول.
والنبي ﷺ كان يأمر كُتَّاب الوحي بطريقة الرسم المصحفي للقرآن، وكانت كتابته بين يديه، ثم كان الجمع في عهد الصديق ﵁ على هذا الرسم كذلك، ثم جَمَعَ عثمانُ ﵁ الأمةَ على الإمام واستنسَخ منه تلك الصحفَ التي بعث بها في الأمصار على نفس تلك الكَتْبة، وأقره جماهير الصحابة ﵃ على ذلك، وهم يومئذ أكثر من (اثني عشر
ألف صحابي)، ثم صار أمر الرسم كذلك في زمن التابعين وتابعي التابعين، فلم يخالِفه أحدٌ منهم ولم يُنقل أن أحدًا منهم أقدم على استبداله وتغييره أبدًا، بل ولم يُذكر أن أحدَا منهم فكر حتى في استبداله بأي برسم آخر من الرسوم بل بقي هذا الرسم محترمًا متبعًا كما كان عليه عمل الكَتْبة الأولى، فلا يقرب منه أحد بتغير أو تبديل، ولا يُمَسُّ له جناب.
ومن هنا يتبين لنا أن الرسم الهجائي للقرآن كان معروفًا في عهود جمعه الثلاثة، كما أنه كان مضبوطًا منذ بداية تنزله وتدوينه عي عهد النبوة، وكان كتاب الوحي متمكنين من قواعده وأصوله، لأنه كتبوه بأمر النبي ﷺ وتوجيهه وإقراره.
ولنا أن تتأمل فيما أخرجه ابن أشته في المصاحف، عن زيد بن ثابت: أنه كان يكره أن تكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم) ليس لها سين.
وأخرج عن يزيد بن أبي حبيب: أن كاتب عمرو بن العاص كتب إلى عمر فكتب (بسم الله) ولم يكتب لها سينا، فضربه عمر؛ فقيل له؛ فيم ضربك أمير المؤمنين؟ قال: ضربني في سين.
وأخرج عن ابن سيرين أنه كان يكره أن تمد الباء إلى الميم حتى تكتب السين.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف، عن ابن سيرين: أنه كره أن يكتب المصحف مشقا. قيل: لم؟ قال: لأن فيه نقصًا. ومعنى المشق: سرعة الكتابة. (٢)
стр. 388
قال أبوشامة المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ) ﵀:
وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ لا من مجرد الحفظ. (١)
وقول أبي شامة يجلي المعنى المقصود بعبارة توقيفي، ألا وهو قوله: "عين ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ ".
ب- والمقصود بعبارة اصطلاحي هنا:
هو أنَّ أمر رسم المصحف أمر اجتهادي، أي أنَّ الشرع تركه للاجتهاد، فلم يأمر به، ولم يلزم اتباعه ويوصي به.
ثانيًا: هل الرسم العثماني توقيفي أم اصطلاحي ؟
قد اختلف العلماء في طريقة رسم المصحف: هل هو توقيفي أم اصطلاحي؟
فمن العلماء، من يرى:
أن الرسم العثماني توقيفي عن رسول ﷺ حيث أمر ﷺ كُتَّابَ الوحي بكتابته وأقرهم عليه.
ومنهم من يرى:
أنه اصطلاحي، ولا يوجد ما يمنع من مخالفته وكتابته بالرسم الإملائي الحادث.
ثالثًا: آراء العلماء في الرسم العثماني
وللعلماء في مسألة الرسم المصحفي ثلاثة آراء
الرأي الأول: أن الرسم المصحفي توقيفي
أي: توقيفي عن رسول الله ﷺ لا تجوز مخالفته، كما أن الترتيب المصحفي للسور والآيات في مواضعها توقيفي يحرم مخالفته- كذلك-.
وهذا الرأي: قد حُكِيَ فيه الإجماعُ، وعليه أكثر العلماء سلفًا وخلفًا.
ومن أبرز حجج وبراهين أصحاب هذا الرأي ما يلي:
١ - أن الرسم المصحفي في الجمع الأول في عهد النبي ﷺ كان موثق بطريقي الحفظ والكتابة، فكان التوثيق والمراجعة للمحفوظ والمكتوب على حد سواء.
والمكتوب في هذا العهد كان على الرسم المصحفي الذي هو عليه الآن.
стр. 389
٢ - ومما لا مرية فيه أن القرآن الكريم سطره كُتَّاب الوحي بين يدي النبي ﷺ ، بهذا الرسم المصحفي وقد أقرهم ﷺ علي كتابته، وإقراره ﷺ ، حجة في حد ذاته، فلو وجد ﷺ خطأ فيما كتبوه لما أقرهم عليه.
٣ - الرسم المصحفي ليس لأحد كائنًا من كان تغيره ولا تبديله، لأن الآمر بكتابته هو النبي ﷺ نفسه، وهو المبلغ عن ربه جل في علاه، وقد أمره الله تعالى بتبليغه لأمته، فأمر كُتَّاب الوحي أن يكتبوه في الرِّقَاع، وَالأَكْتَافِ، وَالْعُسُبِ، واللخاف، والأضلاع، والأقتاب، والأَلواحِ، وقطع الأديم، والكرانيف على الهيئة المعروفة التي نزل بها، وهي الطريقة التي أوحاها الله إليه بواسطة الأمين جبريل ﵇، وقد مضى عهده ﷺ والقرآن على هذه الكتبة، لم يحدث فيه أي تغيير ولا تبديل.
٤ - إن استمرار خليفتي النبي ﷺ من بعده على العمل بنفس الرسم المصحفي الذي عليه الجمع الأول يدل على أن الرسم المصحفي توقيفي ليس لأحد تغيره ولا تبديله.
٥ - يُعد تلقي أهل الأمصار المصاحفَ العثمانية بالرضا والقبول وعدم اعتراض أحد منهم على فعل عثمان ﵁، وفيهم جماهير مجمهرة من الصحابة، قيل إنهم يومئذ اثني عشر ألف صحابي، والتابعون كذلك منتشرون في الأمصار بأعداد يصعب حصرها لكثرتهم وانتشارهم، فكان رضاهم واستحسانهم لفعل عثمان وتأييده ومناصرته له، والثناء على ما فعل إجماعًا منهم جميعًا على صحة المصاحف العثمانية وسلامتها وعدم جواز مخالفتها، وعليه صار عمل الأئمة المجتهدين من بعدهم على ذلك في كل عصر ومصر.
وفي نحو ذلك يقول أبو بكر اللبيب- (ت: قبل ٧٣٦) - في " الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة ": فما فعله صحابي واحد فلنا الأخذ به والاقتداء بفعله والإتباع لأمره فكيف وقد اجتمع على كتاب المصاحف حين كتبوه نحو اثني عشر ألفًا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين؟!. (١)
ويقول الشيخ عبد الفتاح القاضي (ت: ١٤٠٣ هـ) ﵀:
" … وبناء على هذا يجب على كاتب المصحف وطابعه وناشره أن يتحرى كل منهم كتابته على قواعد الرسم العثماني، ولا يخل بشيء منها، ولا يغير فيها شيئًا ما، بزيادة أو نقص، أو إثبات أو حذف، حفظًا لهذا العمل الخالد، واقتداء بالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وأعلام الإسلام في سائر الأعصار والأمصار، لا فرق في ذلك بين المصاحف الكاملة، والمصاحف الصغيرة
стр. 390
"الأجزاء" التي يتعلم فيها الصغار ومن في حكمهم من الكبار، ليتعرفوا على قواعد الرسم منذ طفولتهم، ونعومة أظفارهم، وعلى معلمي القرآن -حيث كانوا- ألا يدخروا وسعًا في تعليم أبنائهم تلك القواعد من الصغر، حتى يشبوا وقد وقفوا عليها، وأحاطوا بها خبرًا، وأصبحت القراءة في المصحف ميسورة عليهم وسجية لهم" (١)
ومن أبرز ما استدل به أصحاب الرأي الأول ما يلي:
أ- الإجماع الذي حكاه القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀ في "الشفا" حيث يقول: وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول "الحمد لله رب العالمين" إلى آخر " قل أعوذ برب الناس" أنه كلام الله، ووحيه المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدًا لكل هذا -أنه كافر- عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤١ - ٤٢) (٢).
ب- اتفاق العلماء الذي حكاه ابن حزم (ت: ٤٥٦ هـ) ﵀ في "مراتب الإجماع" على: أن كل ما في القرآن حق، وأن من زاد فيه حرفًا من غير القراءات المروية المحفوظة المنقولة نقل الكافة، أو نقص حرفًا، أو بدل منه حرفًا مكان حرف، وقد قامت عليه الحجة أنه من القرآن فتمادى متعمدًا لكل ذلك عالمًا بأنه بخلاف ما فعل فإنه كافر (٣).
ج- وما أجاب به الإمام مالك (ت: ١٧٩ هـ) - وقد سئل ﵀:
"هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال" لا إلا على الكتبة الأولى" (٤).
د- وما نص عليه الإمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ) ﵀ بقوله:
"تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو، أو ياء أو ألف أو غير ذلك (٥).
هـ- وما رواه أبو عمرو الداني بإسناده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: