|
ضبط بالشكل "تقريبي" لوُضع النقاط على حروف الكلمات والآيات، في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان شكل: (٩)
المرحلة الرابعة: تطور الرسم العثماني إلي ما استقر عليه أمر تطور الطباعة الحديثة في الزمن الحاضر
وقد امتن الله على عباده المؤمنين بتلك الآلات الحديثة، فسهل تطورها إلى أحدث ما توصلت إليه البشرية في عالم الطباعة عبر التاريخ، بداية من أول طباعة للمصحف الشريف في طبعة " البندقية" ١٥٣٧ م- أو ١٥٣٨ م، ومرورًا بطبعة "سانت بترسبوغ"، وقد طبعت في روسيا، عام ١٧٨٧ م، ثم تلتها طبعة "الآستانة" الشهيرة عام ١٨٧٧ م، ثم تتابعت الطبعات بعد ذلك وتطورت حتى وصلت ذروتها في الزمن الحاضر لتخرج طباعة المصحف الشريف في أبهى حلة قشيبة مرت عبر التاريخ من قبل، لتليق بكلام الله العزيز الحميد وكتابه المجيد.
وهكذا رُسمت حروفُ وكلماتُ وآياتُ المصحف الشريف لتصل لأكمل ما انتهت إليه البشرية في عالم الطباعة، كما هو موضح في شكل: (١٠). |
حروفُ وكلماتُ وآياتُ المصحف الشريف في أكمل ما وصلت إليه البشرية في عالم الطباعة شكل: (١٠)
وهكذا بقيت المصاحف التي بين أيدي الناس اليوم في مشارق الأرض ومغاربها، وستبقى بإذن الله تعالى إلى أن يُرفع القرآن في آخر الزمان، وذلك كله تحقيقًا لوعد الله الذي لا يتخلف، كما قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩)
وها هي الآية كاملة كما هي في مرسوم المصاحف الآن:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر: ١٨).
стр. 387
فالحمد لله الذي لا شريك له، والحمد لله الذي أرسل إلينا خير رسول أرسله- ﷺ ، والحمد لله الذي أنزل علينا خير كتاب أنزله، والحمد لله الذي جعل أمتنا الأخيرة الأوله.
المطلب الرابع: الرسم العثماني توقيفي أم اصطلاحي ؟ (١)
أولًا: بيان المقصود بعبارتي: توقيفي، واصطلاحي
أ- إنَّ المقصود بعبارة توقيفي هنا:
هو أنَّ الرسم العثماني كُتِبَ على سند قائم من الشرع، فلا يجوز مخالفته وتخطيه إلى غيره، فهو توقيفي: فلا يجوز ولا يصح عليه تغيير ولا تبديل، لأنه تنزيل من التنزل على هيئته المعهودة والمكتوبة في المصاحف كسائر سور القرآن وآياته المنزلة، سواء بسواء.
وقد مضى في عهوده الثلاثة وهو على هذه الكَتْبَة بهذا الرسم المصحفي ولم يحدُث فيه أي تغيير ولا أي تبديل. وقد أجمعت الأمة عليه وتلقته بالقبول.
والنبي ﷺ كان يأمر كُتَّاب الوحي بطريقة الرسم المصحفي للقرآن، وكانت كتابته بين يديه، ثم كان الجمع في عهد الصديق ﵁ على هذا الرسم كذلك، ثم جَمَعَ عثمانُ ﵁ الأمةَ على الإمام واستنسَخ منه تلك الصحفَ التي بعث بها في الأمصار على نفس تلك الكَتْبة، وأقره جماهير الصحابة ﵃ على ذلك، وهم يومئذ أكثر من (اثني عشر
ألف صحابي)، ثم صار أمر الرسم كذلك في زمن التابعين وتابعي التابعين، فلم يخالِفه أحدٌ منهم ولم يُنقل أن أحدًا منهم أقدم على استبداله وتغييره أبدًا، بل ولم يُذكر أن أحدَا منهم فكر حتى في استبداله بأي برسم آخر من الرسوم بل بقي هذا الرسم محترمًا متبعًا كما كان عليه عمل الكَتْبة الأولى، فلا يقرب منه أحد بتغير أو تبديل، ولا يُمَسُّ له جناب.
ومن هنا يتبين لنا أن الرسم الهجائي للقرآن كان معروفًا في عهود جمعه الثلاثة، كما أنه كان مضبوطًا منذ بداية تنزله وتدوينه عي عهد النبوة، وكان كتاب الوحي متمكنين من قواعده وأصوله، لأنه كتبوه بأمر النبي ﷺ وتوجيهه وإقراره.
ولنا أن تتأمل فيما أخرجه ابن أشته في المصاحف، عن زيد بن ثابت: أنه كان يكره أن تكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم) ليس لها سين.
وأخرج عن يزيد بن أبي حبيب: أن كاتب عمرو بن العاص كتب إلى عمر فكتب (بسم الله) ولم يكتب لها سينا، فضربه عمر؛ فقيل له؛ فيم ضربك أمير المؤمنين؟ قال: ضربني في سين.
وأخرج عن ابن سيرين أنه كان يكره أن تمد الباء إلى الميم حتى تكتب السين.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف، عن ابن سيرين: أنه كره أن يكتب المصحف مشقا. قيل: لم؟ قال: لأن فيه نقصًا. ومعنى المشق: سرعة الكتابة. (٢)
стр. 388
قال أبوشامة المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ) ﵀:
وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ لا من مجرد الحفظ. (١)
وقول أبي شامة يجلي المعنى المقصود بعبارة توقيفي، ألا وهو قوله: "عين ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ ".
ب- والمقصود بعبارة اصطلاحي هنا:
هو أنَّ أمر رسم المصحف أمر اجتهادي، أي أنَّ الشرع تركه للاجتهاد، فلم يأمر به، ولم يلزم اتباعه ويوصي به.
ثانيًا: هل الرسم العثماني توقيفي أم اصطلاحي ؟
قد اختلف العلماء في طريقة رسم المصحف: هل هو توقيفي أم اصطلاحي؟
فمن العلماء، من يرى:
أن الرسم العثماني توقيفي عن رسول ﷺ حيث أمر ﷺ كُتَّابَ الوحي بكتابته وأقرهم عليه.
ومنهم من يرى:
أنه اصطلاحي، ولا يوجد ما يمنع من مخالفته وكتابته بالرسم الإملائي الحادث.
ثالثًا: آراء العلماء في الرسم العثماني
وللعلماء في مسألة الرسم المصحفي ثلاثة آراء
الرأي الأول: أن الرسم المصحفي توقيفي
أي: توقيفي عن رسول الله ﷺ لا تجوز مخالفته، كما أن الترتيب المصحفي للسور والآيات في مواضعها توقيفي يحرم مخالفته- كذلك-.
وهذا الرأي: قد حُكِيَ فيه الإجماعُ، وعليه أكثر العلماء سلفًا وخلفًا.
ومن أبرز حجج وبراهين أصحاب هذا الرأي ما يلي:
١ - أن الرسم المصحفي في الجمع الأول في عهد النبي ﷺ كان موثق بطريقي الحفظ والكتابة، فكان التوثيق والمراجعة للمحفوظ والمكتوب على حد سواء.
والمكتوب في هذا العهد كان على الرسم المصحفي الذي هو عليه الآن.
стр. 389
٢ - ومما لا مرية فيه أن القرآن الكريم سطره كُتَّاب الوحي بين يدي النبي ﷺ ، بهذا الرسم المصحفي وقد أقرهم ﷺ علي كتابته، وإقراره ﷺ ، حجة في حد ذاته، فلو وجد ﷺ خطأ فيما كتبوه لما أقرهم عليه.
٣ - الرسم المصحفي ليس لأحد كائنًا من كان تغيره ولا تبديله، لأن الآمر بكتابته هو النبي ﷺ نفسه، وهو المبلغ عن ربه جل في علاه، وقد أمره الله تعالى بتبليغه لأمته، فأمر كُتَّاب الوحي أن يكتبوه في الرِّقَاع، وَالأَكْتَافِ، وَالْعُسُبِ، واللخاف، والأضلاع، والأقتاب، والأَلواحِ، وقطع الأديم، والكرانيف على الهيئة المعروفة التي نزل بها، وهي الطريقة التي أوحاها الله إليه بواسطة الأمين جبريل ﵇، وقد مضى عهده ﷺ والقرآن على هذه الكتبة، لم يحدث فيه أي تغيير ولا تبديل.
٤ - إن استمرار خليفتي النبي ﷺ من بعده على العمل بنفس الرسم المصحفي الذي عليه الجمع الأول يدل على أن الرسم المصحفي توقيفي ليس لأحد تغيره ولا تبديله.
٥ - يُعد تلقي أهل الأمصار المصاحفَ العثمانية بالرضا والقبول وعدم اعتراض أحد منهم على فعل عثمان ﵁، وفيهم جماهير مجمهرة من الصحابة، قيل إنهم يومئذ اثني عشر ألف صحابي، والتابعون كذلك منتشرون في الأمصار بأعداد يصعب حصرها لكثرتهم وانتشارهم، فكان رضاهم واستحسانهم لفعل عثمان وتأييده ومناصرته له، والثناء على ما فعل إجماعًا منهم جميعًا على صحة المصاحف العثمانية وسلامتها وعدم جواز مخالفتها، وعليه صار عمل الأئمة المجتهدين من بعدهم على ذلك في كل عصر ومصر.
وفي نحو ذلك يقول أبو بكر اللبيب- (ت: قبل ٧٣٦) - في " الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة ": فما فعله صحابي واحد فلنا الأخذ به والاقتداء بفعله والإتباع لأمره فكيف وقد اجتمع على كتاب المصاحف حين كتبوه نحو اثني عشر ألفًا من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين؟!. (١)
ويقول الشيخ عبد الفتاح القاضي (ت: ١٤٠٣ هـ) ﵀:
" … وبناء على هذا يجب على كاتب المصحف وطابعه وناشره أن يتحرى كل منهم كتابته على قواعد الرسم العثماني، ولا يخل بشيء منها، ولا يغير فيها شيئًا ما، بزيادة أو نقص، أو إثبات أو حذف، حفظًا لهذا العمل الخالد، واقتداء بالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وأعلام الإسلام في سائر الأعصار والأمصار، لا فرق في ذلك بين المصاحف الكاملة، والمصاحف الصغيرة
стр. 390
"الأجزاء" التي يتعلم فيها الصغار ومن في حكمهم من الكبار، ليتعرفوا على قواعد الرسم منذ طفولتهم، ونعومة أظفارهم، وعلى معلمي القرآن -حيث كانوا- ألا يدخروا وسعًا في تعليم أبنائهم تلك القواعد من الصغر، حتى يشبوا وقد وقفوا عليها، وأحاطوا بها خبرًا، وأصبحت القراءة في المصحف ميسورة عليهم وسجية لهم" (١)
ومن أبرز ما استدل به أصحاب الرأي الأول ما يلي:
أ- الإجماع الذي حكاه القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀ في "الشفا" حيث يقول: وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول "الحمد لله رب العالمين" إلى آخر " قل أعوذ برب الناس" أنه كلام الله، ووحيه المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وأن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدًا لكل هذا -أنه كافر- عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤١ - ٤٢) (٢).
ب- اتفاق العلماء الذي حكاه ابن حزم (ت: ٤٥٦ هـ) ﵀ في "مراتب الإجماع" على: أن كل ما في القرآن حق، وأن من زاد فيه حرفًا من غير القراءات المروية المحفوظة المنقولة نقل الكافة، أو نقص حرفًا، أو بدل منه حرفًا مكان حرف، وقد قامت عليه الحجة أنه من القرآن فتمادى متعمدًا لكل ذلك عالمًا بأنه بخلاف ما فعل فإنه كافر (٣).
ج- وما أجاب به الإمام مالك (ت: ١٧٩ هـ) - وقد سئل ﵀:
"هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال" لا إلا على الكتبة الأولى" (٤).
د- وما نص عليه الإمام أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ) ﵀ بقوله:
"تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو، أو ياء أو ألف أو غير ذلك (٥).
هـ- وما رواه أبو عمرو الداني بإسناده عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال:
стр. 391
أدركت الناس حين شقق عثمانُ ﵁ المصاحفَ فأعجبهم ذلك أو قال "لم يَعِب ذلك أحد. (١)
و- ما روي عن أنس بن مالك- (ت: ٩٣ هـ) ﵁:
أن عثمان أرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين مصحفًا، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف الذي أُرسل إليهم (٢).
ز- إجماع الأمة المعصوم من الخطأ بعد ذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين على تلقِّي ما نُقِل في المصاحف العثمانية التي أرسلها إلى الأمصار بالقبول، وعلى ترك ما سوى ذلك. (٣)
ح- وهو كذلك اختيار جمهور الفقهاء من أهل المذاهب الفقهية الأربعة. (٤)
ط - وقد حكاه أيضًا جمع من العلماء
وقد حكى هذا الإجماع- كذلك- غير واحد من العلماء، منهم:
١ - الجعبري: (٧٣٢ هـ (وهو: أبو محمد إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الجعبري، وقد نقل الجعبري وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع مرسوم المصحف العثماني (٥).
٢ - والطحاوي: (ت: ٢٣٨ هـ) وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزديّ الطحاوي، يقول في شرح الطحاوية: "ينبغي لمن أراد كتابة القرآن أن ينظم الكلمات كما هي في مصحف عثمان ﵁، لإجماع الأمة على ذلك. (٦)
٣ - وأبو عمرو الداني: (ت: ٤٤٤ هـ)، وهو عثمان بن سعيد بن عثمان الداني الأموي مولاهم، القرطبي، في: " المقنع في رسم مصاحف الأمصار"، (٧)
стр. 392
٤ - والزمخشري: (ت: ٥٣٨ هـ) المعتزلي في: "الكشاف"، والزمخشري: أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري.
حيث يقول في تفسير قوله تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ) (الفرقان: ٧):
"وقعت اللام في المصحف مفصولة عن "هذا" خارجة عن أوضاع الخط العربي، وخط المصحف سنة لا تغير".
وفي شعب الإيمان للبيهقي (١): "من كتب مصحفًا فينبغي أن يحافظ على حروف الهجاء التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه شيئًا، فإنهم أكثر علمًا، وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم". (٢)
٥ - والدمياطي، المعروف بـ"ابن البنا": (ت: ١١١٨ هـ)، وهو: شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الغني الدمياطي الشافعي، في "إتحاف فضلاء البشر". (٣).
وقد مرت العصور المتتالية على المسلمين وهم يكتبون مصاحفهم وفق المصاحف العثمانية لا يخالفونها ولا يحيدون عنها، ولم يؤدِّ ذلك إلى أي تحريف أو تغير أو تبديل في القرآن لا مكتوبًا ولا منطوقًا.
وقد مر معنا ذكر إجماع سلف وخلف الأمة، وإجماع علمائها وفقهائها على ما تضمنته هذه المصاحف وعلى ترك كل ما خالفها.
ولذا فقد نص الأئمة على أن من شروط صحة القراءة وقبولها موافقة الرسم العثماني ولو احتمالاً، والمقصود بموافقة القراءة للرسم العثماني أن تكون القراءة موافقة للمصحف الإمام الذي أجمع عليه الصحابة وتلقته الأمة بالقبول، وهذا الشرط يجعل المصاحف العثمانية هي الأساس في القراءات القرآنية، ولذا فأي قراءة تخالف رسم المصحف الإمام تعد من القراءات الشاذة.
الرأي الثاني: أن الرسم المصحفي ليس توقيفيًا
أي: لا يوجد دليل صريح يمنع من رسمه وكتابته بالرسم الإملائي الحادث، فمن ادعى وجوب اتباع هذا الرسم وجب عليه إقامة البرهان والحجة والبيان على صدق دعواه.!!
وقد مال لهذا الرأي بعض المتقدمين، وتبعهم عليه بعض المعاصرين، منتصرين فيه لآراء بعض من سبق، ومتأثرين به. (٤)
стр. 393
ومن أبرز من قال به من المتقدمين:
١ - القاضي الباقلاني (ت: ٤٣٠ هـ) في" الانتصار"
٢ - ومال إليه واختاره الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) في " البرهان" (١)، وهو أحد قوليه، كما سيأتي معنا بيانه.
٣ - وابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ) في " تاريخه"
ومن أبرز من تبعهم عليه من المتأخرين والمعاصرين- كذلك- كل من:
١ - الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) في: " فتح القدير " (٢)
٢ - والشيخ محمد مصطفى المراغي: (ت: ١٣٦٤ هـ) في "مقدمة تفسيره"
٣ - ومحمد طاهر الكردي (ت: ١٤٠٠ هـ)، في " تاريخ القرآن".
٤ - والدكتور صبحي الصالح (ت: ١٤٠٦ هـ) في" مباحث في علوم القرآن " (٣)
٥ - والدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي (م) في: " رسم المصحف والاحتجاج به في القراءات".
ونسوق بعضًا من أقوالهم بشيء من الإيجاز:
أولًا: القاضي الباقلاني:
يقول الباقلاني في "الانتصار للقرآن":
ولم يؤخذ على كتبة القرآن وحُفَّاظِ المصاحف رَسْمًا بعينه دون غيره … بل السُّنَة دَلَّتْ على جواز كَتْبِهِ بأي رسم سَهُلَ وسَنَحَ للكاتب، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه وإثباته على ما بيناه سالفًا، ولا يأخذ أحدًا بخط محدود ورسم محصور، ولا يسألهم عن ذلك، ولا يُحفظ فيه حرف واحدٌ. (٤)
ثانيًا: ابن خلدون
يقول ابن خلدون في " تاريخه" في فصل "أن الخط والكتابة من عداد الصنائع البشرية:
стр. 394
"وكانت كتابة العرب بدوية، فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة، ولا إلى التوسط لمكان العرب من البداوة والتوحش وبُعدهم عن الصنائع،
وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف، حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الإجادة، فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها، ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيه تبركًا (١) بما رسمه أصحاب رسول الله ﷺ وخير الخلق من بعده، المتلقون لوحيه من كتاب الله، كما يقتفي لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركًا ويتبع رسمه خطأً أو صوابًا". (٢)
ثالثًا: الشيخ محمد مصطفى المراغي:
حيث يقول في "مقدمة تفسيره": وقد جرينا على الرأي الذي أوجبه العز بن عبد السلام في كتابة الآيات في أثناء التفسير لعلة التي ذكرها وهي في عصرنا أشد حاجة إليها من تلك العصور. (٣)
رابعًا: محمد طاهر الكردي
يقول الكردي: لو كان الرسم توقيفيًا لما اختلف الرسم في المصاحف التي أرسلها عثمان-﵁ إلى الأمصار. (٤)
ويُرد على الكردي بأن الخلاف لم يكن في المرسوم وإنما كان في اختلاف الأداء لأوجه القراءة كما هو معلوم.
стр. 395
خامسًا: الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي (١)
يقول الدكتور شلبي: إن كل دعوة لإضافة أيّ جديد للرسم العثماني كانت تتلقى بالتحرّج أولًا، ولكنها - على الرغم من ذلك - أخذت طريقها إلى الرسم؛ إيمانًا من القائمين بها بأنّ فيها بيانًا وتوضيحًا …
لقد كان المصحف خاليًا من النقط، ولما اتجه بعضهم إلى نقطه رأينا من يقف دون ذلك ويقول: جرّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء، ثم كان أن ترخص العلماء فيه، وقالوا: العجم نور الكتاب، وأنه لا بأس به ما لم تبغوا.
وبدأ أبو الأسود الدؤلي بالنقط في الحركات والتنوين لا غير، وجعل الخليل بن أحمد الهمز والتشديد والروم والإشمام، وقَفَا الناس في ذلك أثرهما، واتبعوا فيه سنتهما. (٢)
ودليل هؤلاء أن هذه الخطوط والرسوم ليست إلا علاماتٍ وأَمارات، فكل رسم يدل على الكلمة ويفيد قراءتها، فهو رسم صحيح، وكاتبه مُصيب. (٣)
ومما يُستدل ويُنتصر به لهذا الرأي أيضًا ما أورده أبو عمرو الداني وعزاه بإسناده إلى عامر الشعبي قال: سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة؟ فقالوا "من أهل الحيرة، وقالوا لأهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من الأنبار. (٤)
وما رواه" الداني" يؤكد:
أن دعوى "ابن خلدون": من قلة الكتابة وندرتها وعدم إجادتها واستحكامها في جيل الصحابة أمر غير مسلم البته، وذلك لأن عدد كتاب الوحي بلغ قربة أربعين كاتبًا، والكتابة قبل الإسلام كان لها رواج في مكة، ومكة تعد يومئذ مركزًا للتجارة يتلقى أهلُها التجارةَ الوافدة من الشام واليمن وغيرها من البلدان، والمدينة- كذلك - كثر الوفود إليها بعد ظهور الإسلام، وزادت حركة الوافدين إليها للتجارة وغيرها مما يلزم من شؤون السياسة والاقتصاد التي تحتاجها الدولة المسلمة، مما زاد من احتكاك أهلها بهم، فشاع فيم أمر الكتابة وذاع.
стр. 396
ومع ذلك كله فلا علاقة بين إحكام الخط وإتقانه وبين الإقرار بتوقيفيته.
ومع ذلك كله فإن قول ابن خلدون: حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الإجادة"، وفي هذا كفاية لرد زعم ابن خلدون
ومن أبرز ما قيل في أن الرسم المصحفي ليس توقيفيًا:
أن وجوب التزام رسم معين إنما يعرف بالنص، وليس في الكتاب العزيز، ولا في السنة المطهرة، ولا في إجماع الأمة، ولا في القياسات الشرعية ما يحتم التزام الرسم العثماني، بل ظهر من أدلة السنة جواز كتابته بأي وجه سهل، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه ولم يبين لهم وجهًا معينًا، ولا نهى أحدًا عن كتابته بأي وجه، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، ومن ادعى أنه يجب على الأمة التزام رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه، وأنى له ذلك. (١)
جواب أهل الرأي الثاني:
وجواب أهل هذا الرأي قد سبق بيانه وذكره بالتفصيل مقرونًا بالحجج والبراهين والأدلة النقلية والعقلية، ثم ختم بإجماع جمهور الفقهاء، ثم بنقل أقوال من حكى الإجماع كذلك، إضافة لما سيأتي بيانه من فتاوى المعاصرين (المجامع الفقهية) وهو يشبه الإجماع في وقتنا الحاضر.
ومن أبرز ما يجاب عنه في جواب أهل الرأي الثاني إضافة لما سبق بيانه- كذلك-، جواب عبد العزيز الدباغ، حيث يقول:
هو صادر من النبي ﷺ ، وهو الذي أمر الكتاب من الصحابة أن يكتبوه على هذه الهيئة، فما نقصوا ولا زادوا على ما سمعوه من النبي ﷺ .
ثم يتابع ويقول- أيضًا-:
ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي ﷺ ، وهو الذي أراهم أن يكتبوا على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها لأسرار لا تهتدي إليها العقول .. فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرف بحرف) (٢)
الرأي الثالث: إبقاء الرسم العثماني على ما هو عليه لينتفع به العلماء خاصة
مع جواز كتابته بالرسم الإملائي لعموم الأمة حسب ما تقتضيه قواعد الرسم الإملائي المتعارف عليها بين الناس في أي زمان، وقد حكى هذا القول صاحب البرهان، وعزاه للعز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ) - كذلك-، ونص عبارة العز بن عبد السلام كما حكاها صاحب التبيان بقوله: "لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسم الأول باصطلاح الأئمة لئلا يوقع في تغيير من
стр. 397
الجهال" (١)، وعقب الزركشي على العز بن عبد السلام بقوله: ولكن لا ينبغي إجراء هذا على
إطلاقه لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء قد أحكمته العلماء لا يترك مراعاة للجهال، ولن تخلو من قائم بحجة". (٢).
والزركشي ﵀ يكون بقوله ذاك-آنفًا- قاصدًا التوسط في الأمر،
بمعنى: أنه يريد الجمع بين الأمرين:
الأمر الأول: إبقاء الرسم العثماني الذي عليه الأمر الأول.
الأمر الثاني: جواز كتابته بالرسم الإملائي لينتفع به عموم الأمة.
وأهل هذا الرأي-عمومًا-: قصدهم بذلك حفظ القرآن الكريم من اللحن الذي قد يقع ممن يجهل الرسم العثماني ولا يحسن قراءته، وفي ذلك من درء المفاسد الكبرى التي يخشى وقوعها عند تلاوة القرآن ممن لا يحسن قراءة الرسم العثماني من عموم الأمة، وفي هذا إعمال للقاعدة الأصولية: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
جواب أهل الرأي الثالث:
وجواب أهل الرأي الثالث إضافة لجواب أهل الرأي الثاني باختصار شديد:
١ - فإن الواقع المشاهد يرد هذا الرأي جملة وتفصيلًا، فإنك ترى الأعجمي الذي لا يحسن العربية يتقن قراءة القرآن ويحفظه بطلاقة أفضل من كثير من أهل اللسان العربي، وترى صغار
الولدان في الكتاتيب والمحاضر يقرأون ويحفظون القرآن مما كتبوه بأيديهم على الألواح بالرسم المصحفي بمهارة وإتقان يفوق أقرانهم بل ومن فوقهم ممن تلقوا التعليم في المدارس النظامية التقليدية، بل وترى الأطفال الصغار يتعلمون الرسم المصحفي بطرق التهجي التعليمية في دور القرآن في وقتنا الحاضر، وهي كثيرة ومتنوعة لكنها ترجع إلى الرسم المصحفي. (٣)، وكذلك ترى كبار السن ومن تقدم بهم العمر وهم يتعلمون القرآن في مراحل متأخرة من أعمارهم يقرأون القرآن من المصاحف ويرتلونه بلا كلفة ولا مشقة.
٢ - وهل من أجل جهل الجاهل يغير رسم المصحف ويُرد من أجله إجماع الأمة سلفًا وخلفًا، أم أن الجاهل يتعلم؟!.
٣ - ولو سلمنا لهم جدلًا وتنزلًا إلى ما ذهبوا إليه، فإن التعلم في الأمة يضمحل ويذهب.
стр. 398
ولا يخفى على أحد أن مرسوم القواعد الإملائية عرضة للتغير من زمان لآخر، بل ومن مكان لآخر- كذلك-. فلو أخضع الرسم الهجائي للقرآن لتلك القواعد الإملائية لأصبح القرآن عرضة للتحريف والتغير والتبديل.
٤ - إن الرسم المصحفي لا يُوقع الناس في الحيرة والالتباس أبدًا؛ لأنه ثابت لا يتغير ولا يؤثر في تغيره زمان ولا مكان، والمصاحف التي بين أيدي الناس الآن مطبوعة وظاهرة وجلية للناظرين،
وهي الآن أمام أعينهم على أوضح صورة، وقد كُتِبَتْ مشكلة و منقوطة لا التباس فيها؛ وقد وضعت فيها علامات واضحة المعالم تدل على الحروف الزائدة، أو الملحقة بدلًا عن الحروف المحذوفة، فالوقوع في الاضطراب والالتباس والحيرة أمر غير واقع ولا متوقع البتة لمن تعلم القرآن، ويكفينا في ذلك قول ربنا: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر: ١٧).
قال ابن كثير (ت: ٧٧٤) ﵀:
أَيْ: سَهَّلْنَا لَفْظَهُ، وَيَسَّرْنَا مَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَهُ، لِيَتَذَكَّرَ النَّاسُ (١).
٥ - وبإجابة أهل هذا الرأي يُفتح على الأمة بابُ شر وفتنة لا يعلم قدرها إلا منزل الكتاب وهازم الأحزاب، وأكبر شاهد على ذلك تلك الفتنة التي كادت أن تحدث في صدر الإسلام في اختلاف أوجه القراءة، فأخمدها الله بثالث الخلفاء الحنفاء ﵃ أجمعين، فقام لله ووقف موقف الجبال الراسيات ليرد الأمة لرشدها ويجمعها على كتاب ربها بـ" مصحف إمام".
٦ - وهذه الدعوات وأمثالها تفتح أمام أعين أعداء الملة بابًا يلجون منه لينالوا من القرآن طعنًا وتشكيكًا، فإذا كان هناك رسم وهجاء عثماني وآخر إملائي يتمايز أحدهما عن الآخر قالوا أيهما الصحيح الذي أُنْزِلَ من السماء؟!، ولا شك أن في هذا من المفاسد ما لا يخفى.
٧ - ومما يؤكد ما سبق ذكره من جواب أهل هذا الرأي ما حدث منذ سنوات من كتابة القرآن لا أقول بالرسم الإملائي بل باللغة الإنجليزية بزعم تسهيل تلاوته على الناطقين بالإنجليزية من غير العرب، بحيث يتلوه بحروف اللغة الإنجليزية فيُقرا وكانه منطوق بالعربية.
هذا- ولقد ظهر في غينيا رجل مسلم له نشاط غريب في هذا الميدان، كان يقوم ولا يزال بكتابة القرآن بالحروف اللاتينية! بعد أن وجد هناك في إفريقية سوقًا رائجة لما يكتب، ويقوم اليوم في باريس ناشر مسلم بطبع كتبه تلك وعرضها في الأسواق في رداءة طبع، وإخراج فني ممجوج!
стр. 399
وفي السبعينات قام رجل في مصر يدعى " لبيب الجمال " يهفو ويدعو إلى كتابة القرآن بحروف غير عربية! وتسمع " هيأة التمويل الدولية " بالمشروع فتتحمس له ولصاحب الفكرة وترصد له مليون دولار! (١).
وقد ظهر مثل هذا في فرنسا وإندونيسيا وغيرها من البلاد.
ففي فرنسا: صدر الجزء الأخير من القرآن " جزء عم " بأكمله بالحروف الفرنسية! وهناك طبعات أخرى في المكتبات تتفاوت كما وكيفًا، وهناك من يفكر في إخراج المصحف كله بالفرنسية!
وفي إندونيسيا: - البلد المسلم - ظهرت فيه هو كذلك طبعة للقرآن الكريم كله بالحروف الإندونيسية! يتداولها الناس هناك في رضا! -وقد- رفع تقريرًا عنها مبعوث رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية- إليها-. (٢).
فهل يُنتظر من أهل هذا الرأي أن يقع نحو من هذا؟!.
وقد عُرِض بهذا الصدد استفتاء على سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى عن كتابة القرآن بلغة غير اللغة العربية، فأحاله- سماحته- إلى هيئة كبار العلماء، وسيأتي معنا جواب اللجنة في عرض قرارات المجامع الفقهية حول الرسم العثماني فيما يلي:
رابعًا: قرارات وفتاوى المجامع الفقهية ومراكز الفتوى حول الرسم العثماني:
القرار الأول: قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية حول: (كتابة القرآن بلغة غير اللغة العربية)
عُرِض على سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٣٠ هـ) -رحمه الله تعالى- استفتاء عن كتابة القرآن بلغة غير اللغة العربية، وأحاله- سماحته- إلى هيئة كبار العلماء،
وكان جواب اللجنة على النحو التالي:
بعد دراسة الموضوع ومناقشته وتداول الرأي فيه، قرر المجلس بالإجماع: تحريم كتابة القرآن بالحروف اللاتينية، أو غيرها من حروف اللغات الأخرى،
стр. 400
وذلك للأسباب التالية:
١ - إن القرآن قد نزل بلسان عربي مبين، حروفه ومعانيه، قال تعالى:
(وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥)، والمكتوب بالحروف اللاتينية لا يسمى قرآنًا؛ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (الشورى: ٧)، وقوله: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (النحل: ١٠٣).
٢ - إن القرآن كتب حين نزوله، وفي جمع أبي بكر، وعثمان، ﵄ إياه بالحروف العربية، ووافق على ذلك سائر الصحابة ﵃ وأجمع عليه التابعون، ومن بعدهم إلى
عصرنا، رغم وجود الأعاجم، وثبت عن النبي- ﷺ أنه قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي). (١)
فوجبت المحافظة على ذلك، عملاً بما كان في عهده ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃ وعملًا بإجماع الأمة.
٣ - إن حروف اللغات من الأمور المصطلح عليها، فهي قابلة للتغيير مرات بحروف أخرى، فيخشى إذا فتح هذا الباب أن يفضي إلى التغيير كلما اختلف الاصطلاح، ويخشى أن تختلف القراءة تبعًا لذلك، ويحصل التخليط على مر الأيام، ويجد عدو الإسلام مدخلًا للطعن في القرآن للاختلاف والاضطرابات، كما حصل بالنسبة للكتب السابقة، فوجب أن يمنع ذلك محافظة على أصل الإسلام، وسدًا لذريعة الشر والفساد.
٤ - يخشى إذا رخص في ذلك أو أُقِرَ: أن يصير القرآن ألعوبة بأيدي الناس، فيقترح كلٌ أن يكتبه بلغته، وبما يجد من اللغات، ولا شك أن ذلك مثار اختلاف وضياع، فيجب أن يصان القرآن عن ذلك صيانة للإسلام وحفظًا لكتاب الله من العبث والاضطرابات.
٥ - إن كتابة القرآن بغير الحروف العربية يثبط المسلمين عن معرفة اللغة العربية، التي بواسطتها يعبدون ربهم، ويفهمون دينهم، ويتفقهون فيه، هذا وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء. (٢).
стр. 401
يوضح الباحث ويقول:
هذا: وإن كان الموضوع هو "كتابة القرآن بغير العربية" إلا إن أوجه التشابه متقاربة- لما نحن بصدد بحثه- إن لم تكن متطابقة من حيث الدواعي والبواعث الداعية إليه، ومن حيث عواقبه وما يُتوقع حدوثه وما يترتب على الإقدام على مثل هذا العمل.
القرار الثاني: قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية حول: (كتابة المصحف بطريقة الإملاء العادية)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
ففي الدورة الرابعة عشرة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في الطائف في المدة من العاشر من شهر شوال إلى الحادي والعشرين فيه، نظر المجلس فيما رفعه حسين حمزة صالح مدرس العلوم الدينية بمدرسة الإمام أبي حنيفة الابتدائية بمكة .. إلى جلالة الملك يطلب فيه المعونة في كتابة المصحف بطريقة الإملاء العادية، والمحال إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برقم ٣/ ص/ ٢٢٠٣٥ في ٢٢/ ٩/ ١٣٩٨ هـ. واطلع على البحث الذي أعدته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في: "حكم كتابة القرآن بطريقة الإملاء العادية
وإن خالف ذلك الرسم العثماني".
وبعد دراسة الموضوع ومناقشته وتداول الرأي فيه تبين للمجلس أن هناك أسبابًا تقتضي بقاء كتابة المصحف بالرسم العثماني وهي:
١ - ثبت أن كتابة المصحف بالرسم العثماني كانت في عهد عثمان ﵁، وأنه أمر كتبة المصحف أن يكتبوه على رسم معين ووافقه الصحابة وتابعهم التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا هذا.
وثبت أن النبي ﷺ قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) (١).
فالمحافظة على كتابة المصحف بهذا الرسم هو المتعين، اقتداء بعثمان وعلي وسائر الصحابة، وعملا بإجماعهم.
٢ - إن العدول عن الرسم العثماني إلى الرسم الإملائي الموجود حاليًا بقصد تسهيل القراءة يفضي إلى تغيير آخر إذا تغير الاصطلاح في الكتابة؛ لأن الرسم الإملائي نوع من الاصطلاح قابل للتغيير باصطلاح آخر .. وقد يؤدي ذلك إلى تحريف القرآن بتبديل بعض الحروف أو زيادتها أو نقصها
стр. 402
فيقع الاختلاف بين المصاحف على مر السنين ويجد أعداء الإسلام مجالا للطعن في القرآن الكريم، وقد جاء الإسلام بسد ذرائع الشر ومنع أسباب الفتن.
٣ - ما يخشى من أنه إذا لم يلتزم الرسم العثماني في كتابة القرآن أن يصير كتاب الله ألعوبة بأيدي الناس كلما عنت لإنسان فكرة في كتابته اقترح تطبيقها فيقترح بعضهم كتابته باللاتينية أو غيرها، وفي هذا ما فيه من الخطر، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح.
وبناء على هذه الأسباب اتخذ المجلس القرار التالي:
يرى مجلس هيئة كبار العلماء أن يبقى رسم المصحف على ما كان بالرسم العثماني، ولا ينبغي تغييره ليوافق قواعد الإملاء الحديثة؛ محافظة على كتاب الله من التحريف، واتباعا لما كان عليه الصحابة وأئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء. (١)
القرار الثالث: قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة
" فإن " مجلس المجمع الفقهي الإسلامي " المنعقد بمكة المكرمة، في ربيع آخر ١٤٠٤ هـ قد أطلع على خطاب الشيخ هاشم وهبة عبد العال من جدة الذي ذكر فيه موضوع " تغيير رسم المصحف العثماني إلى الرسم الإملائي "، وبعد مناقشة هذه الموضوع من قبل المجلس، واستعراض قرار " هيئة كبار العلماء " (المذكور آنفًا) بالرياض رقم (٧١)، وتاريخ ٢١/ ١٠/ ١٣٩٩ هـ، الصادر في هذا الشأن، وما جاء فيه من ذكر الأسباب المقتضية بقاء كتابة المصحف
بالرسم العثماني، -ثم ذكر- مجلس المجمع الفقهي - نفس القرارات الثلاث الي أجمع عليها أعضاء هيئة كبار العلماء سالفة الذكر آنفا-.
ثم قرر- مجلس المجمع الفقهي فقال:
وبعد اطلاع " مجلس المجمع الفقهي الإسلامي " على ذلك كله قرر بالإجماع تأييد ما جاء في قرار " مجلس هيئة كبار العلماء " في المملكة العربية السعودية من عدم جواز تغيير رسم المصحف العثماني، ووجوب بقاء رسم المصحف العثماني على ما هو عليه، ليكون حجة خالدة على عدم تسرب أي تغيير، أو تحريف في النص القرآني، واتباعًا لما كان عليه الصحابة وأئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 403
أما الحاجة إلى تعليم القرآن وتسهيل قراءته على الناشئة التي اعتادت الرسم الإملائي الدارج: فإنها تتحقق عن طريق تلقين المعلمين، إذ لا يستغني تعليم القرآن في جميع الأحوال عن معلم، فهو يتولى تعليم الناشئين قراءة الكلمات التي يختلف رسمها في قواعد الإملاء الدارجة، ولا سيما إذا لوحظ أن تلك الكلمات عددها قليل، وتكرار ورودها في القرآن كثير ككلمة (الصلوة) و (السموات)، ونحوهما، فمتى تعلَّم الناشئ الكلمة بالرسم العثماني: سهل عليه قراءتها كلما تكررت في المصحف، كما يجري مثل ذلك تمامًا في رسم كلمة (هذا) و (ذلك) في قواعد الإملاء الدارجة أيضًا.
رئيس مجلس المجمع الفقهي: سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
نائب الرئيس: د. عبد الله بن عمر نصيف. (١)
القرار الرابع: قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة -أيضًا -
كما قرر مجمع الفقهي الإسلامي-كذلك- في دورته المنعقد في الفترة الثانية في شعبان ١٣٨٨ هـ.
القرار التالي:
يقرر المؤتمر وجوب المحافظة على رسم مصحف عثمان ﵁ في طبع القرآن الكريم في مصحف كامل، أو في طبع أجزاء منه …
ونص هذا القرار مجتزأ من عدة قرارات أخر للمجمع.
القرار الخامس: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء - بـ "المملكة العربية السعودية "
قال أعضاء اللجنة: قد أجمع المسلمون على وجوب كتابة المصحف بالرسم العثماني، وأنه لا تجوز مخالفته إلى غيره من أنواع الرسم؛ ولهذا اعتنى العلماء بقواعد الرسم وضوابطه في مباحث من كتب علوم القرآن مثل: الإتقان للسيوطي ﵀ وفي كتب مفردة للرسم مثل: إيقاظ
الأعلام بوجوب اتباع رسم مصحف الخليفة عثمان الإمام للشيخ محمد الخضر حسين المالكي رحمه الله تعالى. (٢).
القرار السادس: قرار مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر - بالقاهرة:
ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر هو أحد المؤسسات العلمية الرسمية التابعة للجامع الأزهر، وهو الهيئة العليا للبحوث الإسلامية، وقرارته يشرف عليها نخبة من صفوة علماء الأزهر.
стр. 404
ولا يخفى على أحد دور الأزهر في الدفاع عن القرآن خصوصًا، حتى أصبح غصة في حلوق أعداء الإسلام ولاسيما في رد الشبهات والترهات والمطاعن التي يدفع بها أعداء الملة محاولين زعزعت إيمان أهل الإسلام وتشكيكهم في أعز مقدساتهم- القرآن الكريم-.
وقد ناقش المجمع بحثًا بعنوان: "رسم المصاحف العثمانية"
وبعد دراسته اتخذ المجمع عدة قرارات تتعلق بالقرآن الكريم، وكان في طليعتها ما يتعلق ببحثنا ألا وهو: "رسم المصاحف العثمانية"
ونصه ما يلي: يوصي المؤتمر بأن يعتمد المسلمون على الرسم العثماني للمصحف الشريف، حفظًا له من التحريف". (١).
القرار السابع: قرار فتوى دار الإفتاء المصرية، وقرار مجمع البحوث الإسلاميّة بالأزهر -كذلك -
وهي فتوى دار الإفتاء المصرية الصادرة سنة ١٩٥٦ م، وعليها قرّر مجمع البحوث الإسلاميّة في دور انعقاده الرابع سنة: ١٩٦٨ م الالتزام بالرسم العثماني، …
وهذا القرار من مجمع البحوث الإسلاميّة غير القرار السابق، وهو أقدم منه بلا شك.
القرار الثامن: قرار لجنة الفتوى بالأزهر
وقد سُئلت لجنة الفتوى بالأزهر سنة: (١٣٣٥ هـ -١٩٣٦ م) عن حكم التزام الرسم العثماني.
فأجابت بأن الجمهور من العلماء على التزام الرسم العثماني، وحرمة مخالفته،، واستدلُّوا على ذلك بإجماع الصحابة على الصِّفة التي كتب عليها عثمان، ولم يُرو عن واحد منهم أنه كتب القرآن على غير هذه الصفة. وذكرت اللجنة ما نُقل عن مالك وأحمد والبيهقي ممّا سبق ذكره هنا نقلًا عن السيوطي في "الإتقان". انتهى ملخص الفتوى ..
стр. 405
ومن أحسن ما قيل في ذلك قول أبي عبد الله محمد العبدري الفاسي المالكي المشهور بـ" ابن الحاج " (ت: ٧٣٧ هـ) في " المدخل":
"ولا يلتفت إلى اعتلال من خالف بقوله: إن العامة لا تعرف مرسوم المصحف، ويدخل عليهم الخلل في قراءتهم في المصحف إذا كتب على المرسوم، لأن من لا يعرف المرسوم من الأمة يجب عليه ألا يقرأ في المصحف إلا بعد أن يتعلم القراءة على وجهها أو يتعلم مرسوم المصحف، فإن فعل غير ذلك فقد خالف ما اجتمعت عليه الأمة، وحكمه معلوم في الشرع الشريف، فالتعليل المتقدم ذكره مردود على صاحبه، لمخالفته للإجماع المتقدم، وقد تعدت هذه المفسدة إلى خلق كثير من الناس في هذا الزمان، فليتحفظ من ذلك في حق نفسه وحق غيره، والله الموفق". (١)
ومن أحسن ما نُظِمَ في ذلك ما سطره مُحَمَّدٌ العاقِبُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ مَايَابِي الجَكَنِيُّ الشنقيطي (ت: ١٣١٢ هـ) في "كشف العمى والرين عن ناظري مصحف ذي النورين":
رَسْمُ الْقُرَانِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَهْ … كَمَا نَحَا أَهْلُ الْمَنَاحِي اْلأَرْبَعَهْ
لأِنَّهُ إِمَّا بِأَمْرِ الْمُصْطَفَى … أوْ بِاجْتِمَاعِ الرَّاشِدِينَ الْخُلَفَا
وكُلُّ مَن بَدَّلَ مِنْهُ حَرْفاَ … بَاءَ بِنَارٍ أوْ عَلَيْهَا أَشْفَى
والْخَطُّ فِيهِ مُعْجِزٌ لِلنَّاسِ … وَحَائِدٌ عَن مُّقْتَضَى الْقِيَّاسِ
لَا تَهْتَدِي لِسِرِّهِ الْفُحُولُ … وَلَا تَحُومُ حَوْلَهُ الْعُقُولُ
قَدْ خَصَّهُ اللهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَهْ … دُونَ جَمِيعِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَهْ
لِيَظْهَرَ اْلإعْجَازُ في اْلمَرْسُومِ … مِنْهُ كَمَا في لَفْظِهِ الْمَنْظُومِ. (٢)
خامسًا: القول الراجح
والقول الراجح: هو الرأي الأول وهو أن الرسم العثماني توقيفي ولا يجوز مخالفته، وهو ما عليه جمهور العلماء، وذلك للأسباب التالية:
١ - لأنه هو المعول عليه، وعليه عموم الأدلة
٢ - كما أن عليه إجماع الأمة سلفًا وخلفًا
стр. 406
٣ - إن إجماع المجامع الفقهية بمثابة إجماع الأمة في الزمن الحاضر، والأمة لا تجتمع على ضلالة أبدًا
٤ - هذا الإجماع موافق لعموم الأدلة التي احتج بها أهل الرأي الأول وعليه عمل المسلمين منذ نزول القرآن وحتى زماننا الحاضر.
٥ - ويضاف إلى ذلك أيضًا ما تقرر لدينا مما سبق بحثه وتقريره من أن الرسم المصحفي توقيفي، وذلك لأنه من السنة العملية التقريرية؛ لأنَّه كتب بين يدي رسول الله ﷺ وسطره كُتَّاب الوحي بأمره ﷺ .
والباحث كان قد عزم على إفراد أقوال العلماء في التزام الرسم العثماني بمبحث خاص، ولكن ما مضى ذكره في هذا البحث فيه غنية وكفاية، فقد مر معنا ذكر الثلاثة آراء، وأدلة كل فريق منها، وكذلك مناقشتها والرد عليها، وبيان القول الراجح منها، ولا حاجة للإعادة والتكرار.
تنبيه هام:
ألا وهو: أن قضية الاختلاف في الرسم العثماني، هل هو توقيفي أو اصطلاحي؟،
لا تعارض بينها وبين أقوال العلماء بوجوب التزام بالرسم العثماني الذي أجمعت عليه الأمة - سلفًا، وخلفًا ..
ويختم الباحث بأحسن ما قيل في ذلك ألا وهو:
ما روي عن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى في قوله: سنَّ رسول الله ﷺ وولاةُ الأمر من بعده سننًا، الأخذُ بها اتباعٌ لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرُها ولا تبديلها، ولا النظر في شيءٍ خالفها، مَن اهتدى بها فهو مهتدٍ، ومَن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولَّاه الله ما تولى، وأصْلاه جهنم وساءت مصيرًا. (١).
ولعل فيما مضى من الكفاية والمعتبر، ما يكفى أهلَ البحث والتحقيق والنظر، ومن ترك سبيل المؤمنين فقد تعثر وضل السبيل. والحمد لله رب العالمين.
المطلب الخامس: موقف علماء الرافضة من المصاحف العثمانية
تمهيد وتنبيه:
قبل الخوض في موقف علماء الرافضة من المصاحف العثمانية يجب التنبيه إلى
стр. 407
أن دين الرافضة مبني ومؤسس على الزور والكذب والبهتان وقد غلفوا ذلك بغلاف مُبطن أسموه " التقيّة "، ومن هنا كان لزامًا على الباحث بيان مفهوم معنى التقيّة وتجليته للعيان، وهذا يتضمن أمورًا من الأهمية بمكان:
الأمر الأول: بيان مفهوم معنى التقيّة في اللغة والاصطلاح
وببيان مفهوم التقيّة في اللغة والاصطلاح يتضح لنا معناها ويبين لنا فحواها
أ- مفهوم التقيّة في اللغة
التقيّة لغة: الحذر والحيطة من الضرر، والاسم: التقوى، وأصلها: إوتَقى، يُوتَقي، فقُلبت الواو إلى ياء للكسرة قبلها، ثمّ اُبدلت إلى تاء واُدغمت، فقيل: اتّقى، يتَّقي. (١)
ب- مفهوم التقيّة في الاصطلاح
ونتناول أولًا مفهوم التقيّة عند علماء أهل السنة:
يقول السرخسي: (ت: ٤٩٠ هـ): والتقيّة: أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره، وإن كان يضمر خلافه. (٢). والسرخسي قد قيدها باتقاء العقوبة.
ويقول محمّد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ): والتقيّة: ما يقال أو يُفعل مخالفاً للحقّ لأجل توقّي الضرر. (٣). ورشيد رضا قيدها بتوقّي الضرر.
ويقول محمد مصطفى المراغي (ت: ١٣٦٤ هـ): التقيّة، بأن يقول الإنسان، أو يفعل ما يخالف الحقّ، لأجل التوقّي من ضرر الأعداء، يعود إلى النفس، أو العِرض، أو المال. (٤). وكذلك المراغي قيدها بتوقّي ضرر الأعداء.
ويلاحظ أن تعريف التقيّة عند علماء الإسلام من أهل السنة مقيد بخوف الضرر، واتقاء العقوبة، وقيد ذلك أيضًا بالخوف من الأعداء، وذلك من أجل حفظ الضرورات والكليات الخمس التي جاءت بها مقاصد الشريعة، وأمرت بحفظها.
وهذه الضرورات هي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسب (العرض)، حفظ المال.
стр. 408
ويُجلي الغزَّالي مقاصد الضرورات الخمس في "المستصفى" فيقول:
إن مقصود الشرع من الخلق خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة. (١)
ويُعلل ابن الأزرق ﵀ الاهتمام بالضرورات الخمس في "بدائع السلك" فيقول:
لأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها، بحيث لو انحرفت لم يبق للدنيا وجود من حيث الانسان المكلف، ولا للآخرة من حيث ما وعد بها .. فلو عدم الدين عدم ترتب الجزاء المرتجى. ولو عدم الإنسان لعدم من يتدين. ولو عدم العقل لارتفع التدبير. ولو عدم النسل لم يمكن البقاء عادة. ولو عدم المال لم يبق عيش. (٢)
ومن هنا يُتأكد أن التقيّة شُرعت في الإسلام في أضيق الحدود، وبضوابط شرعية، وفي حال الخوف على ضرورة من تلك الضرورات وعلى حفظها فحسب.
لذا فإن التقيّة عند أهل السنة أمر اضطراري عارض بسبب دفع بلاء شديد مِمَّا لا تطيقه النفس البشرية ويَشُقُّ عليها احْتِمَالُهُ، كما أنه لا يترخص بِالتَّقِيَّةِ مَنْ كَانَ لَهُ مخرج لا يرتكب فيه محرمًا، كل ذلك مصحوبًا بسلامة الباطن وعمارته بالإيمان.
فـ" مَذْهَبُ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ أَهْل السُّنَّةِ أَنَّ الأْصْل فِي التَّقِيَّةِ هُوَ الْحَظْرُ، وَجَوَازُهَا ضَرُورَةٌ، فَتُبَاحُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَالتَّقِيَّةُ لَا تَحِل إِلاَّ مَعَ خَوْفِ الْقَتْل أَوِ الْقَطْعِ أَوِ الإْيذَاءِ الْعَظِيمِ، وَلَمْ يُنْقَل مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فِيمَا نَعْلَمُ إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمُجَاهِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ. (٣)
وفي نحو ذلك يقول ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: -
التقيّة أن يقول العبد خلاف ما يعتقده لاتقاء مكروه يقع به لو لم يتكلم التقيّة. (٤).
والأصل في ذلك عند أهل السنة قوله سبحانه: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن من شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: ١٠٦).
стр. 409
قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: -
قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَان) (النحل: ١٠٦ (فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا، لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله. (١)
وقال أبو بكر الجصاص (ت: ٣٧٠ هـ) ﵀: -
هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه. (٢)
وقال أبو بكر ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) ﵀: -
لما سمح الله تعالى في الكفر به، وهو أصل الشريعة، عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به. (٣)
فإذا لم يؤاخذ اللهُ المكرهَ في النطق بالكفر حال الإكراه، فبلا أدنى ريب أن ما دونه أولى بذلك، ولذا يُعد هذا أصل أصيل في العذر بالإكراه في أصول الشريعة وفروعها.
وأما عن مستند أهل السنة في "التقيّة" فقوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) (آل عمران: ٢٨).
قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: -
قوله: (إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته؛ كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: " إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ". (٤)
وأما مفهوم التقيّة عند الرافضة:
فهي كما يقول الشيخ المفيد: (ت: ٤١٣ هـ) هي عبارة عن: كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرًا في الدين والدنيا. (٥).
فالمفيد- من الرافضة- يعرف التقيّة بأنها الكتمان للاعتقاد خشية الضرر من المخالفين - وهم أهلُ السنة كما هو الغالب في إطلاق هذا اللفظ عندهم - أي هي إظهار مذهب أهل السنة (الذي يرونه باطلاً)، وكتمان مذهب الرافضة الذي يرونه هو الحق، من هنا يرى بعض أهل السنة: أن
стр. 410
أصحاب هذه العقيدة هم شر من المنافقين؛ لأن المنافقين يعتقدون أن ما يبطنون من كفر هو
باطل، ويتظاهرون بالإسلام خوفًا، وأما هؤلاء فيرون أن ما يبطنون هو الحق، وأن طريقتهم هي منهج الرسل والأئمة. (١)
وفي ضوء بيان مفهوم التقية في اللغة والاصطلاح يتبين لنا أنها- التقيّة- تعني عندهم: إظهار خلاف ما يبطن الإنسان تديّنًا؛ وهم-الرافضة- بتلك العقيدة الفاسدة ينسبون هذا الكذب والبهتان والخداع لدين الله ظلمًا وزورًا وبهتانًا وعدوانًا، فهم كما قال الله تعالى في وصف المنافقين: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (النساء: ١٤٧).
الأمر الثاني: التقيّة أصل من أصول دين الرافضة
يجب أن يُعلم أن التقيّة أصل أصيل من أصول دين الرافضة " الشيعة الاثني عشرية" التي يبنون عليها دينهم وعقائدهم، فتراهم يكذبون ويتحرون الكذب في كل أمورهم حتى في العقائد، ثم يجعلون ذلك دينًا وقربى من أجل وأعظم القُرب، ويخالفون بها جماهير المسلمين من أهل السنة والجماعة ويخرجون بها عن صراط الله العزيز الحميد.
الأمر الثالث: مكانة التقيّة عند الرافضة
للتقية في دين الرافضة مكانة عظيمة، ومنزلة كبيرة، فهي تُعدُ-عندهم- أصلاً من أصول دينهم لا يسع أحدٌ الخروج عنه البتة، وقد دونوها في مصنفاتهم، وبينوا ما يتعلق بها من فضائل وأحكام، كما بينوا-فيها- ما يترتب على من لزمها وعمل بها من عظيم الأجر وجزيل الثواب.
ويتجلى ذلك في أوضح وأجل وأعظم مصادرهم ألا وهو كتاب "الكافي" للكليني الذي يقابل صحيح البخاري عند أهل السنة.
حيث يروي-الكليني (ت: ٣٢٩ هـ) - في " الكافي":
عن أبي عبد الله أنه قال: خالطوهم بالبرانية، وخالفوهم بالجوانية. (٢) ولاشك أن هذا هو النفاق بعينه.
ويروى الكليني- أيضًا- عن محمد بن خلاد قال:
سألت أبا الحسن ﵇ عن القيام للولاء فقال: قال أبو جعفر ﵇: التقيّة من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له. (٣). لذا فهي أساس دينهم المبني على النفاق الكذب.
стр. 411
بل وصل اعتناؤهم بالتقيّة إلى حد تأويل الآيات عليها، مثل قوله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ) (فصلت: ٣٤) قال أبو عبد الله - كما زعم الكليني -: (الحسنة: التقية: والسيئة: الإذاعة). (١). وهكذا يؤكد الرافضة أن دينهم مبني على الزور والبهتان وتحريف النصوص لأهوائهم.
الأمر الرابع: إذا كانت الكرامة عند الله بالتقوى، فهي عند الرافضة بالتقيّة
قال القمي: وقد سئل الصادق ﵇ عن قول الله : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: ١٣) قال: أعلمكم بالتقيّة. (٢)
فهم على إثر تفسيرهم العقيم-هذا- تصبح الكرامة بالتقيّة لا بالتقوى، ويصبح أكرم الخلق أكذبهم لا أتقاهم ..
الأمر الخامس: غلو الرافضة في التقيّة
ترك التقيّة عندهم كفر ككفر ترك الصلاة، وتركها قبل خروج المهدي خروج على دين الله.
لقد غَاَلَىَ (٣) الرافضة في التقيّة وأوجبوها وأنزلوها منزلة الصلاة من الدين- أي إن من ترك التقية فقد كفر، ككفر تارك الصلاة سواء بسواء، وهذا قول أئمتهم.
قال القمي: وهو علي بن إبراهيم القمّي (ت: ٣٠٧ هـ): التقيّة واجبة، من تركها كان بمنزلة من ترك الصلاة. (٤)
وكذلك- أيضًا- هو قول قال ابن بابويه: وهو أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المشهور بالشيخ الصدوق (ت: ٣٨١ هـ) في كتابه "الاعتقادات". (٥).
وقال الصادق: لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقًا. (٦)
وقال القمي مغاليًا- أيضًا-:
التقيّة واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم (٧)، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج على دين الله تعالى، وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة. (٨)
стр. 412
ومن كتم التقيّة عندهم أعزه الله ومن أظهرها أذله الله
روى الكليني عن سليمان بن خالد قال:
قال أبو عبد الله: يا سليمان، إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله. (١)
ولقد بلغ من غلوهم في التقيّة أن جعلوا تَرْكَهَا مساو للشرك في عدم المغفرة،
فقد رووا عن عليّ بن الحسين الإمام الرابع أنه قال:
يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين، ترك التقيّة، وترك حقوق الإخوان. (٢)
الأمر السادس: القول في التقيّة عند بعض منصفي الرافضة، هذا إن كان فيهم منصفٌ، ونخشى أن تكون من التقيّة أيضًا:
يقول الدكتور موسى الموسوي (م):
لقد أراد بعض علمائنا ﵏ أن يدافعوا عن التقيّة، ولكن التقيّة التي يتحدث عنها علماء الشيعة وأمْلَتْها عليها بعض زعاماتها هي ليست بهذا المعنى إطلاقًا، إنها تعني أن تقول شيئًا وتضمر
شيئًا آخر، أو تقوم بعمل عبادي أمام سائر الفرق وأنت لا تعتقد به، ثم تؤديه بالصورة التي تعتقد به في بيتك. (٣)
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀:
الرَّافِضَة أَجْهَلُ الطَّوَائِفِ وَأَكْذَبُهَا وَأَبْعَدُهَا عَنْ مَعْرِفَةِ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَهُمْ يَجْعَلُونَ التَّقِيَّةَ مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ، وَيَكْذِبُونَ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ كَذِبًا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ، حَتَّى يَرْوُوا عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّهُ قَالَ: التَّقِيَّةُ دِينِي وَدِينُ آبَائِي، و" التَّقِيَّةُ " هِيَ شِعَارُ النِّفَاقِ؛ فَإِنَّ حَقِيقَتَهَا عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَهَذَا حَقِيقَةُ النِّفَاقِ. (٤)
لا نتعجب من قول شيخ الإسلام، فهم قبل كذبهم على أئمتهم يكذبون على رب الأنام وعلى النبي ﵊.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀ أيضًا: -
وأما الرافضة فأصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد وتعمد الكذب كثير فيهم، وهم يقرون بذلك حيث يقولون: ديننا التقيّة، وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه وهذا هو الكذب والنفاق،
стр. 413
ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة، ويصفون السابقين الأولين بالردة
والنفاق! فهم في ذلك كما قيل: رمتني بدائها وانسلّت (١)، إذ ليس في المظهرين للإسلام أقرب إلى النفاق والردة منهم، ولا يوجد المرتدون والمنافقون في طائفة أكثر مما يوجد فيهم. (٢).
وَيقول - أَيْضًا-:
" وَقْدْ رَأَيْنَا فِي كُتِبِهِمْ مِنَ اْلكَذِبِ وَالافْتِرَاءِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَصحَابَتِهِ، وَقَرَابَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا رَأَيْنَا مِنَ الْكَذِبِ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ (٣).
وَيقول - أَيْضًا-:
وَهَؤُلَاءِ الرَّافِضَة إِمَّا مُنَافِقٌ أَوْ جَاهِلٌ، فَلَا يَكُونُ رَافِضِيٌّ وَلَا جَهْمِيٌّ إِلاَّ مُنَافِقًا أوْ جَاهِلاً بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . (٤)
وقد أحسن من نَظَمَ في نفاقهم فقال:
يا من خدعت بتقيّة ونفاق … سلمت أمرك للعدا السراق
إن الروافض يكذبون بقولهم … وفعالهم تنبي عن الفساق
والشر كل الشر في تمكينهم … مستعصم ينبيك!! هل من راق؟. (٥)
كانت هذه المقدمة الهامة بمكان بين يدي قول أئمة الرافضة في المصاحف العثمانية،
ولم يعرج الباحث على قولهم في القرآن باستطراد وإطالة-عمومًا- لكونه معروف ومشهور عنهم ومبثوث في كتبهم ومصادرهم الأصلية والأصيلة-عندهم-، وكذلك حتى لا يطول بنا المقام، فإن قولهم بتحريف القرآن أمر متواتر عنهم ومشتهر ومبثوث في مصادرهم وهي أكثر من يحصيها مقال، ونسوق مثاليين- فقط - يشيرا إلى ذلك بإيجاز.
المثال الأول: قول محمد باقر المجلسي: (ت: ١١١٠ هـ)
إنّ كثيرًا من الأخبار صريحة في نقص القرآن وتغييره، ومتواترة المعنى! .. (٦)
المثال الثاني: قول نعمة الله (٧) الجزائري: (ت: ١١١٢ هـ)
стр. 414
الأخبار مستفيضة بل متواترة، وتدل بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلامًا ومادةً وإعرابًا)! .. (١)
وهذا إقرار من رأسين من رؤوس الضلالة بتواتر ذلك عندهم.
ونذكر هنا أشهر وأبرز ما صنف في قولهم بـ" تحريف القرآن" بشيء من الإيجاز على النحو التالي:
١ - كتاب "فَصل الخِطابِ في إَثْبَاتِ تَحريفِ كِتابِ رَبِّ الأربابِ
"لـ " ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي الهالك والنافق عام (١٣٢٠ هـ)، وهو يثبت معتقد الشيعة في تحريف القرآن.
والذي قال-الطبرسي الهالك- في مقدمته:
هذا كتاب لطيف، وسفر شريف، عملته في إثبات تحريف القرآن، وفضائح أهل الجور والعدوان، وسميته: "فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب" (٢).
وقد أَكْرَمَ الرافضةُ هذا الظالمَ الغاشمَ -غاية الإكرام- في زعمهم- بأن قبروه في بناء المشهد المرتضوي بالنجف الأشرف في إيوان حجرة ما يسمونها بـ"حجرة بانو العظمى بنت السلطان الناصر لدين الله"، وهي كما يدعون زورًا وبهتانًا أنها أقدس بقعة عندهم- هكذا في دينهم-.
ولما طُبِعَ هذا الكتابُ أول مرة في إيران سنة ١٢٩٨ هـ وهو لا يطبع إلا هناك، قامت حوله ضجة كبرى، لأنهم أرادوا أن يبقى الطعن والتشكيك في صحة القرآن المنزل من عند الله تعالى سرًا ومحصورًا بين خواصهم فحسب، ثم يُبَث متفرقًا في أمهات كتبهم ومصنفاتهم المعتبرة عندهم،
وأن لا يجمع ذلك كله في مصنف واحد وفي مكان واحد، ثم ينتشر ويطالعه العام والخاص، فيصبح بذلك حجة عليهم بين يدي خصومهم، وقام بعضهم" تقيّة أيضًا" يستنكرون هذا العمل الإجرامي مدعين بأنه عمل فردي لا يمس لدينهم بصلة، وكذلك ادعاء تراجعه عن كتابه، والحقيقية أن دين مبني على " التقيّة " لا يُستبعد ولا يُستغرب منه تلك الألاعيب الواضحة للعيان.
وقد حاول بعض المعاصرين الدفاع عن الطبرسي وكتابه زورًا وبهتانًا، فأتى بكتاب ركيك الأسلوب دمر فيه اللغة تدميرًا، وقد سماه على نفس مسمى كتاب الطبرسي، - وقد قدم له بعض رؤوسهم زورًا وبهتانًا- فأتى بطوام كبرى ومطاعن وشبهات وترهات كدعوى إنكار ابن مسعود
стр. 415
للمعوذتين وما على شاكلتها مما سبق تفنيده والرد عليه بالحجة والبيان في ثنايا هذا البحث، فزاد الطين بلة، والحقيقة هو أقل من أن يرد عليه. (١).
٢ - مصحف فاطمة
والذي يصفونه تقيّة بقولهم:
مصحف فاطمة ﵍، كتابٌ يحتوي على ما سمعته السيدة فاطمة من رسول الله ﷺ ، أو من جبرئيل ﵇، وفيه ذكر لحوادثَ تجري عليها وعلى ذريتها، وبهذا لا يكون المصحف بمعنى القرآن ولا يكون دالّاً على بديلٍ أو مثيلٍ للقرآن الكريم (٢). هكذا يزعمون زورًا وكذبًا وبهتانًا، وسيأتي معنا أدلة كذبهم من أوثق مصادرهم.
مصحف فاطمة وما يحتويه في زعمهم وكذبهم وباطلهم:
يقول الكليني في "الكافي":
بناء على ما ورد في الروايات، نجد أنّ المصحف يحتوي على:
أضعاف ما في القرآن الكريم، من دون أن تصرّح الروايات أنّ هل هذه الأضعاف هي من حيث الكم أو النوع؛ نعم يمكننا تخصيصها بالكم من خلال القرائن الأخرى التالية.
١ - أخبار وحوادث مستقبلية
٢ - وصية فاطمة الزهراء ﵍
٣ - الإخبار بأسماء الأئمة من ذرية فاطمة ﵍
٤ - الإخبار بما يجري عليها وعلى ذريّتها بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وآله
٥ - ذكر أسماء شيعتهم وأسماء أعدائهم إلى يوم القيامة. (٣)
وبالطبع فإن التقيّة التي هي أس دينهم تراها عندهم بارزة أبدًا في أقوالهم ومصنفاتهم، فهي عندهم شمس لا تغيب، ونجم لا يأفل، وتجد ذلك واضحًا جليًا في أوثق مصادرهم-الكافي للكليني-.
стр. 416
حقيقة مصحف فاطمة من أوثق مصادرهم:
يزعم هؤلاء "الدجاجلة": أنه بعد أن توفي رسول الله ﷺ وانتقل إلى الرفيق الأعلى، وقد انقطع الوحي الذي استمر تتابعه في ثلاث وعشرين سنة، عاد به جبريل ﵇ بنزوله من جديد، ولكن هذه المرة كان على فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وذلك بوحي جديد ومصحف جديد هو ثلاث أضعاف المصحف الذي نزل به من قبل على رسول الله ﷺ .
وهذا الكذب والزور والبهتان الذي لا يقبله من له أدنى عقل أو فهم، تمجّه النفوس الأبية، ولا تقبله الفطر السوية، ويشمئز منه سماعه أسماع من له أدنى بصيرة، ففاطمة ﵂ تحتاج إلى ثلاثة أضعاف زمن تنزل الوحي على رسول الله ﷺ ، فيكون ما تحتاجه قرابة
تسع وستين سنة! كيف هذا، وأنى لها ذلك؟!، قد توفيت بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر!، إلا إذا كان نزوله عليها جملة واحدة كالكتب السابقة!.
ومما ورد في دجلهم ما نقله أكبر ثقاتهم "الدجاجلة" في أوثق مصادرهم "الكاذبة" في تلك الرواية "الممجوجة"، حيث يقولون فيها:
إن الله تعالى لما قبض نبيه ﷺ دخل على فاطمة ﵍ من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله ، فأرسل الله إليها ملكًا يسلي غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين ﵁ فقال: إذا أحسست بذلك، وسمعت الصوت قولي لي. فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين ﵁ يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفًا .. أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون. (١).
ولنا أن نتأمل رواية الكليني نفسه حيث يقول في "الكافي" الذي هو أوثق مصادرهم، في كتاب الحجة، باب: " أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة":
عن جعفر الصادق ﵁ أنه قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد. (٢)
ورواية" الكليني" دليل ساطع وحجة دامغة تؤكد أن مصحف فاطمة هو المصحف الأصل والبديل عن المصحف الذي جمعه الصحابة ﵃ في العهود الثلاثة، والذي هو القرآن المنزل من عند الله على رسول الله ﷺ . والتقيّة هنا لا مجال لها البتة حتى
стр. 417
يدعون زورًا وبهتانًا إنكار تلك الرواية التي فيها التصريح بمصحف فاطمة، ولا يمكنهم جهدها وإنكارها.
وفي رواية أخرى يصرح الكليني في "الكافي"-أيضًا- بأن مصحف فاطمة إنما هو قرآن وليس بصحيفة وأنه مهيمن على القرآن المنزل من السماء على خاتم الأنبياء ﵊
ففي حديث طويل عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله ﵇:
وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍ وما يدريهم ما مصحف فاطمة ﵍؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة ﵍؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما
فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت: هذا والله العلم قال: إنه لعلم وما هو بذاك … الحديث. (١)
وهم يزعمون أن عبارة مصحف فاطمة:
"لا تعني بالضرورة قرآنًا بل إنه كتاب يحتوي على مصاحف. (٢).
ومما يجلي كشف كذب تلك الحقيقة للعيان وكأنها رأي عين- تفضيلهم مصحف فاطمة على كتاب الله المنزل على خاتم أنبيائه ورسله نبينا محمد ﷺ ، كما هو مصرح به في رواية الكليني في "الكافي"-أيضًا- عن جعفر الصادق: أنه قرأ آية المعارج (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) (المعارج: ١ - ٢) قرأها هكذا على النحو التالي: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين (بولاية علي) ليس له دافع من الله ذي المعارج? فقيل له: إنا لا نقرؤها هكذا، فقال: هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمة. (٣)
ورواية محمد باقر المجلسي في "بحار الأنوار": والتي يؤكد فيها أن مصحف فاطمة عندهم هو ليس مجرد صحيفة فيها أخبار مستقبلية-إلخ- بل هو قرآن يُتلى ويُقرأ ويُتعبد بتلاوته، حيث يروى أنه قرأ قوله تعالى (يا ويلتى ليتني لم اتخذ فلانًا خليلًا) (الفرقان: ٢٨) وإنما هي في مصحف فاطمة "يا ويلتي ليتني لم اتخذ الثاني خليلًا". (٤)، والثاني هو الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الذي يناصبونه أشد العداوة والبغضاء.
стр. 418
ولا يستنكر أحد من أهل السنة ولا يمنع- افتراضًا- من أنه قد يكون لفاطمة مصحف خاص (١)، كما كان لبعض أمهات المؤمنين مصاحف خاصة بهن، كعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وكما كان لبعض الصحابة مصاحف خاصة -كذلك-، وذلك قبل جمع عثمان ﵁ وعنهم أجمعين الأمةَ على مصحف إمام، وإنما ما يُستنكر هو أن يقال أن مصحف فاطمة هو قرآن خاص نزل عليها وأنه ثلاثة أضعاف القرآن المنزل، وأنه مغاير له تمامًا، إلى آخر تلك الترهات.
وروياتهم في ذلك أكثر من أن تحصى ولاسيما في أوثق مصادرهم كما في " الكافي" للكليني الذي يروي عن أبي بصير عن أبي عبد الله في قول الله : ومن يطع الله ورسوله في ولاية عليّ وولاية الأئمة من بعده فقد فاز فوزًا عظيمًا) هكذا أنزلت (٢).
وكذلك ما يرويه- الكليني- عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله في قوله: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل كلمات في محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمة ﵇ من ذريتهم فنسي)، هكذا والله أنزلت على محمد ﷺ . (٣)
هكذا الرافضة، وهذا دينهم، وهذا بهتانهم بأقلامهم، ومن أوثق مصادرهم.!
وقد اكتفى الباحث بإشارات تغني عن كثير من العبارات، ولا سيما وأن الله قد قيد رجالًا من أهل السنة ليردوا ترهات الرافضة حول مطاعنهم وتشكيكهم في القرآن، واستعملهم جل في علاه في الذب عن حياض كتابه المجيد. (٤)
وطعن الرافضة في القرآن، طعن وتكذيب في وعد الله الذي تولى حفظ كتابه بذاته العلية، فلم يوكل سبحانه ذلك لأحد من خلقه كائنًا من كان، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، ولا لمن دونهم من
стр. 419
خلقه جل في علاه، كما قال سبحانه في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩).
ولذلك أجمع المسلمون على كفر من زعم أن في القرآن تبديلاً، أو تحريفًا، أو أدنى زيادة، أو نقصان.
قال ابن حزم: (ت: ٤٥٦ هـ) ﵀:
القول بأن بين اللوحين تبديلًا: كفر صحيح وتكذيب لرسول الله ﷺ . (١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀:
وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يسمَّون القرامطة والباطنية، ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم. (٢)
قال القحطاني الأندلسي (٣) يصف الرافضة في" نونيته":
إِنَّ الرَوَافِضَ شَرّ مَن وطئ الحصى … كل إنس ناطق أو جان
مدحوا النبي وخونوا أصحابه … ورموهم بالظلم والعدوان
حبوا قرابته وسبوا صحبه … جدلان عند الله منتقضان
فكأنما آل النبي وصحبه … روح يضم جميعها جسدان
فئتان عقدهما شريعة أحمد … بأبي وأمي ذانك الفئتان (٤)
موقف علماء الرافضة من المصاحف العثمانية
كانت هذه المقدمة الموجزة والهامة للغاية بمكان بين يدي مبحث موقف علماء الرافضة من المصاحف العثمانية، ومن أبرز عقائدهم في ذلك:
أولًا: اعتقادهم الباطل أن "عليًا" أول من جمع القرآن، وأن مصحفه أفضل من المصحف الإمام "مصحف عثمان":
يَعتقد الشيعة أن أول من جمع القرآن هو عليّ بن أبي طالب، وأنه اعتزل الناس بعد وفاة الرسول ﷺ ل الكريم، وكان موقفه هذا بأمر رسول الله ﷺ وأنه قال: لا
стр. 420
أرتدي حتى أجمعه، ورُوي أنه لم يرتد إلا للصلاة حتى جمعه، قال ابن النديم: أن عليًا رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي ﷺ فأقسم أن لا يضع رداءه حتى ي، ويروي الشيعة أن لـ" عليّ " مصحف كباقي المصاحف التي جمعت فيما بعد، ولكن انتهى دور هذه المصاحف عندما أرسل إليها عثمان وأحرقها، أما مصحف عليّ فقد احتفظ به لنفسه وأهل بيته ولم يظهره لأحد، حفاظًا على وحدة الاُمة.
وقالوا إنَّ الفرق بين مصحف الإمام علي والمصاحف الاُخرى بما فيها مصحف عثمان هو أنَّ علي رتَّبه على ما نزل، كما اشتمل على شروح وتفاسير لمواضع من الآيات مع بيان أسباب ومواقع النزول، قال علي بن أبي طالب: ما نزلت آية على رسول الله إلا اقرأنيها وأملاها عليَّ، فأكتبها بخطي، وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله لي أن يعلمني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله، ولا علمًا أملاه عليَّ فكتبته منذ دعا لي ما دعا، كما اشتمل المصحف على جملة من علوم القرآن الكريم مثل: المحكم والمتشابه
والمنسوخ والناسخ وتفسير الآيات وتأويلها. كما يروي عُلماء الشيعة أن على بن أبي طالب عرض مصحفه على الناس وأوضح مميزاته، فقام إليه رجل من الصحابة فنظر فيه فقال: يا علي أردده فلا حاجة لنا فيه. (١)
وتتلخص الروايات الشيعية أن علي بن أبي طالب بعد وفاة الرسول، وكانت سوره وآياته هي آيات وسور القرآن المتداول بين المسلمين اليوم، وكان متضمنًا ترتيب السور حسب النزول وإلى جانبها أسباب النزول، إلاّ أن موقف بعض الصحابة من مصحفه كان موقفًا سياسيًا، ومن هنا فالأحرى أن نعتبره نسخة اُخرى من القرآن الكريم متضمّنة لسوره وآياته، وليس هو قرآن آخر سوى القرآن الكريم،
- ثم يدعي الرافضة- زورًا وبهتانًا-أن خصومهم هم الذين يدعون ذلك، فيقولوا-:
وجاء الخصوم بعد ذلك ليقولوا: إن الشيعة تدّعي أن للإمام علي ﵇ مصحفًا غير المصحف المتداول بين المسلمين ظلمًا ورغبة في تفريق صف الاُمة المسلمة. (٢)
стр. 421
ثانيًا: ادعاء الرافضة أن "عليًا" لم يخرج مُصْحَفَهُ زمن خلافة عثمان حفاظًا على وحدة الأمة؟
خلال عهد عثمان اختلفت المصاحف، وأُثيرت الضجة بين المسلمين، فسأل طلحةُ الإمام عليًا ﵇ لو يخرج للناس مصحفه الذي جمعه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: وما يمنعك ـ يرحمك الله ـ أن تخرج كتاب الله الى الناس؟! فكفّ ﵇ عن الجواب أولاً، فكرّر طلحة السؤال، فقال: لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عمّا سألتك من أمر القرآن، ألا تظهره للناس؟
وأوضح الإمام ﵇ سبب كفّه عن الجواب لطلحة مخافة أن تتمزق وحدة الاُمة، حيث قال: يا طلحة عمدًا كففت عن جوابك فأخبرني عمّا كتبه القوم؟ أقرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن؟ قال طلحة: بل قرآن كله. قال ﵇: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنّة … (١)
هكذا هي أباطيل الرافضة:
لا يقبلها من له أدنى عقل فضلًا عمن له دين، فهل يعقل من على أمير المؤمنين بعد أن آلت إليه الخلافة ألا يظهر مصحفه، فما يمنعه من ذلك وقد آل إليه الأمر؟!
ثالثًا: كذب الرافضة كعادتهم في حق الصحابة وزعمهم وقوع خلافات كثيرة بينهم حول القرآن، ومما قالوا في ذلك:
لما انتشرت مصاحف الصحابة في أوساط المسلمين، ووجدوها مختلفة في ترتيب السور والقراءة، بدأوا يخطّئون بعضهم البعض، ويعتبر كلّ واحد قراءته هي الصحيحة، وينتقد قراءة الطرف الآخر، فثارت فيما بينهم خلافات كثيرة حول القرآن، وكما قال السيد محمد باقر الحجتى ناقلًا عن الطبري إن الشجار قد كان يبلغ درجة تكفير بعضهم البعض (٢)، ومن هنا قرّر عثمان بن عفان أن يوحّد المصاحف، فشكّل لجنة من أربعة أشخاص، وأمرهم بجمع نُسخ القرآن كلّها، وتدوين نسخة واحدة، وحرق ما سواها. (٣).
ومن ذلك الكذب الجليِّ قولهم:
стр. 422
أن الصحابة كاد يكفر بعضهم بعضًا، وقد سبق معنا في سبب جمع عثمان على "الإمام"، وسبق ذكر موقف حذيفة بن اليمان لما رأى ﵁ من اختلاف القراء في العراق وقت فتح إرمنية وأذربيجان، ركب إلى المدينة وأخبر الخليفة الرشد عثمان لتدارك الأمر، فقال:
يا أمير المؤمنين أدرك الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
وقد روى البخاري هذا الخبر بسنده عن ابن شهاب أن أنس بن مالك- ﵁ حدثه:
" أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشأم في فتح إرمنية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق … ". (١)
فالخلاف لم يحدث بين الصحابة الذين شهدوا التنزيل وإنما حدث بين من لم يشهد التنزيل ممن جاء بعدهم، وبين من دخل الإسلام من العجم الذين لم يحسنوا العربية بعد، وكل هؤلاء لم يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأن أي حرف قرئ به فهو شاف كاف، وكان قراء الصحابة كل منهم يقرئ ويعلم بالحرف الذي تَلَقِّاه من فِيِ رسول الله ﷺ وتعلمه منه، والذي انتشر في الأمصار ليس المصاحف، إنما هم الصحابة أنفسهم ﵃، انتشروا يعلمون الناس أي التنزيل وفهم مشكل التأويل.
رابعًا: زعمهم أن المصحف العثماني حافلًا بالأخطاء الإملائية:
ومن عظيم افترائهم على المصاحف العثمانية قولهم:
وكان المصحف العثماني حافلًا بالأخطاء الإملائية، وأن عددها يبلغ أكثر من ٧٠٠٠ خطأ، ولكنه لا يضرّ بشأن القرآن؛ لأن حقيقة القرآن هي ألفاظه وليست مكتوبه. (٢)
стр. 423
خامسًا: اتهامهم الصحابة بالتساهل في تدوين المصاحف العثمانية، حيث قالوا:
قد حدثت تساهلات واضحة في تدوينه، ومن هذا المنطلق حدثت أخطاء إملائية كثيرة في المصاحف العثمانية، وبما أن المصاحف لم يقارن بعضها ببعض اختلفت بعضها عن بعض، وأن أهل الشام كانوا يعتقدون بأن مصحفهم ومصحف البصرة أصح من مصحف الكوفة؛ لأن
مصحف الكوفة أُرسل إليهم بعد المقارنة والتصحيح، وأن عثمان بعد أن شاهد المصحف العثماني قال: لو كان المُملي من طائفة هذيل والكاتب من طائفة ثقيف لما حدثت كلّ هذه الأخطاء. (١)
سادسًا: اتهامهم الصريح للصحابة بتحريف القرآن
" … أن القرآن تعرض لتحريف شديد من قبل الصحابة أثناء عملية الجمع، وأن عثمان ﵁ قد أسقط منه خمسمائة حرف". (٢)
سابعًا: طعنهم في أخلاق ابن مسعود ﵁ واتهامه زورًا وبهتانًا بالطعن في أعضاء لجنة "الجمع العثماني" حيث قالوا:
لم يختلف الصحابة مع عثمان مبدئيًا في توحيد المصاحف، (٣) كما لم يختلفوا معه في منهج التدوين إلا عبد الله بن مسعود، حيث حدثت بينه وبين عثمان مشاجرة لفظية شديدة، وكان ابن
مسعود يعتقد بأن أعضاء لجنة تدوين المصحف العثماني فاقدو الخبرة والتجربة، فرفض أن يقدّم إليه مصحفه.
رد هذه الفرية:
وهذه فرية واضحة جلية وقد سبق الكلام عنها في طيات البحث عند عرض الشبهة السابعة وردها، فابن مسعود ﵁ وأرضاه لم يتشاجر ولم يتلفظ، لما لا ومن هو في سبقه للإسلام ومكانته وعلمه وفضله وعلو قدره، ثم إنه كان في الكوفة، وعثمان حين شرع في جمع المصحف كان بالمدينة، ومن أشد من البهتان والزور- كذلك- ادعائهم أن اعتراض ابن مسعود كان بسب أنه: " يعتقد أن أعضاء لجنة تدوين المصحف العثماني فاقدو الخبرة والتجربة" كيف هذا وهو لم
стр. 424
يعترض على لجنة الجمع أصلًا، وإنما قال كيف أمنع وزيد يلعب مع غلمان المدينة، ولنا أن نتأمل قوله:
"فو الّذي نفسي بيده، لقد أخذت من فِيِ رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة وزيد بن ثابت عند ذلك يلعب مع الغلمان". (١)
وابن مسعود- ﵁ لم يشك في الجمع ولا في لجنة الجمع بقيادة زيد بن ثابت ولا في أهلية أحد منهم، ولا في الصحف العثمانية، وكل في ما في الأمر أنه يرى أهليته لذلك، ولم يطعن في
أهلية زيد وقدره ومكانته، وقد أمضى الخليفتان أهليته لذلك وقَرَّرَاها، واعتراضه- ﵁-لا ينافي عدم أهلية زيد لهذه المهمة، ولاشك في إصابة اختيار الخليفتين لزيد، وقد علما مؤهلاته وقدراته التي أهلته لتلك المهمة، لكنه رأى في نفسه كمال وتمام الأهلية لذلك، ولم يكن اعتراضه على الجمع نفسه وعلى طريقته ولا على لجنة الجمع، وإنما كان على عدم إشراكه وقيامه به مع أهليته، فقد تحققت فيه مقومات تؤهله لهذه المهمة والتي من أجلها تّزكية النبي ﷺ له، وشهوده العرضة الأخيرة، وقد ثبت بما لا يدع مجال للشك رجوعه- ﵁ لرأي الجماعة ولزومها ومما يؤيد ذلك ويؤكده ويوضحه أنه ما لبث أن فاء ورجع لإجماع الصحابة- ﵃ على فعل عثمان في تحريق المصاحف وجمعهم على المصحف الإمام، وقدم مصحفه للحرق وذلك لما علم أنه الحق، وأما الذي ثبت عنه ﵁: أنه تمسك بقراءته لا غير، وقراءة عاصم بن أبي النَّجود المنقولة عنه بالتواتر من طريق أصحابه من أهل الكوفة خير شاهد لرجوعه ولزومه أمر الجماعة.
وفي ذلك يقول ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀:
"روي عن عبدالله بن مسعود أنه غضب لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلَّم في تقدُّم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف، فكتب إليه عثمان بن عفان ﵁ يدعوه إلى اتِّباع
الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب عبدالله بن مسعود، وأجاب إلى المتابعة، وترك المخالفة-﵃ أجمعين-". (٢)
كل هذا الترهات الباردة سبق بيانها والرد عليه في مبحث الشبهات الواردة حول الجمع العثماني ودحضها بما لا يدع مجال للشك، وبما يرد كيد الرافضة الطاعنين في كتاب رب العالمين ومن سار على نهجهم من سائر أعداء الملة والدين، والحمد لله رب العالمين. (٣)
стр. 425
عقيدة الرافضة في القرآن
أَوَّلْتُمُ القُرْآنَ أَيْضًا مِثْلَمَا … أَثْبَتُّمُ التَّحْرِيفَ لِلْقُرْآنِ
أَعْنِي بِهِ التَّخْرِيبَ لَفْظًا بَعْدَمَا … قَابَلْتُمُ مَعْنَاهُ بِالنُّكْرَانِ
وَزَعَمْتُمُ سَقطًا أَخَلَّ بِآيِهِ … وَكَذَبْتُمُ أُخْرَى بِلا بُرْهَانِ
وَالبَعْضُ أَفْضَى بِالحَمَاقَةِ أَنَّمَا … ذَا ثُلْثُهُ وَالسَّاقِطُ الثُّلُثُانِ
أَخْفَاهُ عَنْ عَيْنِ الصَّحَابَةِ رَبُّنَا … وَاخْتَصَّكُمْ بِالعِلْمِ وَالعِرْفَانِ
وَأَضَفْتُمُ سُوَرًا بِأَكْمَلِهَا إِلَى … نَصِّ الكِتَابِ بِشُورَةِ الفَتَّانِ
ذَاكَ الَّذِي أَوْحَى لِقَوْمٍ قَبْلَكُمْ … فَأُقِيمَ لاعِنُهُمْ بِكُلِّ لِسَانِ
وَشَرَطْتُمُ لِقِيَامِ حُجَّتِهِ إِذًا … بَعْثَ الإمَامِ فَذَاكَ ذُو سُلْطَانِ
وَقَضَيْتُمُ مَعْنَاهُ قِشْرًا ظًاهِرًا … وَالعِلْمُ مِنْهُ يُرَادُ بِالإبْطَانِ
وَطَلَبْتُمُ فَهْمَ الإمَامِ مُفَسِّرًا … لِصَرِيحِ قَوْلٍ جَاءَ بِالتِّبْيَانِ
وَرَضَيْتُمُ حُكْمَ الإمَامِ بِنَسْخِهِ … فَجَعَلْتُمُوهُ كَمُصْحَفِ النَّصْرَانِي
طَوْرًا يزِيدُ وَبَعْدَ حِينٍ يَنْطَوِي … تَبًّا لأَهْلِ الزُّورِ وَالبُهْتَانِ
وَاللهُ رَبِّي قَدْ تَوَلَّى حِفْظَهُ … وَوَقَاهُ مِنْ كَذِبٍ وَمِنْ بُطْلانِ. (١)
وبهذا ينتهي المطلب الخامس: أقوال العلماء في التزام الرسم العثماني.
والحمد لله رب العالمين.
المبحث الخامس: المرحلة الرابعة لجمع القرآن الكريم:
وهي مرحلة الجمع الصوتي للقرآن الكريم، أي "تسجيله تسجيلًا صوتيًا"
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: فكرةُ هذا الجمع وظهور أول تسجيل للقرآن الكريم كاملًا
توطئة وتمهيد:
قد مر معنا في طيات البحث دراسة جمع القرآن في عهوده الثلاثة، وتبين لنا بواعث وتداعيات كل عهد وما تميز به عن الجمع الذي سبقه، ثم تجلى وتبين لنا أهم ما تميز به الجمع في عهوده الثلاثة "مجتمعة" والذي تمثل في:
قوة وعمق إيمان الصحابة وعنايتهم بكتاب ربهم، وعلو همتهم في جمع القرآن وتقييده وكتابته في السطور، وحفظه في الصدور، والمشقة البالغة والمعاناة الشديدة التي واجهتهم في مع بداءة أدوات الكتابة وندرتها في وقتهم، ومع ذلك كله فقد تخطوا بعون الله وتوفيقه كل هذه الصعاب وتلك