← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 825

الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (640 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ثانيًا: ادعاء الرافضة أن "عليًا" لم يخرج مُصْحَفَهُ زمن خلافة عثمان حفاظًا على وحدة الأمة؟ خلال عهد عثمان اختلفت المصاحف، وأُثيرت الضجة بين المسلمين، فسأل طلحةُ الإمام عليًا ﵇ لو يخرج للناس مصحفه الذي جمعه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: وما يمنعك ـ يرحمك الله ـ أن تخرج كتاب الله الى الناس؟! فكفّ ﵇ عن الجواب أولاً، فكرّر طلحة السؤال، فقال: لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عمّا سألتك من أمر القرآن، ألا تظهره للناس؟ وأوضح الإمام ﵇ سبب كفّه عن الجواب لطلحة مخافة أن تتمزق وحدة الاُمة، حيث قال: يا طلحة عمدًا كففت عن جوابك فأخبرني عمّا كتبه القوم؟ أقرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن؟ قال طلحة: بل قرآن كله. قال ﵇: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنّة … (١) هكذا هي أباطيل الرافضة: لا يقبلها من له أدنى عقل فضلًا عمن له دين، فهل يعقل من على أمير المؤمنين بعد أن آلت إليه الخلافة ألا يظهر مصحفه، فما يمنعه من ذلك وقد آل إليه الأمر؟! ثالثًا: كذب الرافضة كعادتهم في حق الصحابة وزعمهم وقوع خلافات كثيرة بينهم حول القرآن، ومما قالوا في ذلك: لما انتشرت مصاحف الصحابة في أوساط المسلمين، ووجدوها مختلفة في ترتيب السور والقراءة، بدأوا يخطّئون بعضهم البعض، ويعتبر كلّ واحد قراءته هي الصحيحة، وينتقد قراءة الطرف الآخر، فثارت فيما بينهم خلافات كثيرة حول القرآن، وكما قال السيد محمد باقر الحجتى ناقلًا عن الطبري إن الشجار قد كان يبلغ درجة تكفير بعضهم البعض (٢)، ومن هنا قرّر عثمان بن عفان أن يوحّد المصاحف، فشكّل لجنة من أربعة أشخاص، وأمرهم بجمع نُسخ القرآن كلّها، وتدوين نسخة واحدة، وحرق ما سواها. (٣). ومن ذلك الكذب الجليِّ قولهم:

стр. 422

أن الصحابة كاد يكفر بعضهم بعضًا، وقد سبق معنا في سبب جمع عثمان على "الإمام"، وسبق ذكر موقف حذيفة بن اليمان لما رأى ﵁ من اختلاف القراء في العراق وقت فتح إرمنية وأذربيجان، ركب إلى المدينة وأخبر الخليفة الرشد عثمان لتدارك الأمر، فقال: يا أمير المؤمنين أدرك الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. وقد روى البخاري هذا الخبر بسنده عن ابن شهاب أن أنس بن مالك- ﵁ حدثه: " أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشأم في فتح إرمنية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق … ". (١) فالخلاف لم يحدث بين الصحابة الذين شهدوا التنزيل وإنما حدث بين من لم يشهد التنزيل ممن جاء بعدهم، وبين من دخل الإسلام من العجم الذين لم يحسنوا العربية بعد، وكل هؤلاء لم يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأن أي حرف قرئ به فهو شاف كاف، وكان قراء الصحابة كل منهم يقرئ ويعلم بالحرف الذي تَلَقِّاه من فِيِ رسول الله ﷺ وتعلمه منه، والذي انتشر في الأمصار ليس المصاحف، إنما هم الصحابة أنفسهم ﵃، انتشروا يعلمون الناس أي التنزيل وفهم مشكل التأويل. رابعًا: زعمهم أن المصحف العثماني حافلًا بالأخطاء الإملائية: ومن عظيم افترائهم على المصاحف العثمانية قولهم: وكان المصحف العثماني حافلًا بالأخطاء الإملائية، وأن عددها يبلغ أكثر من ٧٠٠٠ خطأ، ولكنه لا يضرّ بشأن القرآن؛ لأن حقيقة القرآن هي ألفاظه وليست مكتوبه. (٢)

стр. 423

خامسًا: اتهامهم الصحابة بالتساهل في تدوين المصاحف العثمانية، حيث قالوا: قد حدثت تساهلات واضحة في تدوينه، ومن هذا المنطلق حدثت أخطاء إملائية كثيرة في المصاحف العثمانية، وبما أن المصاحف لم يقارن بعضها ببعض اختلفت بعضها عن بعض، وأن أهل الشام كانوا يعتقدون بأن مصحفهم ومصحف البصرة أصح من مصحف الكوفة؛ لأن مصحف الكوفة أُرسل إليهم بعد المقارنة والتصحيح، وأن عثمان بعد أن شاهد المصحف العثماني قال: لو كان المُملي من طائفة هذيل والكاتب من طائفة ثقيف لما حدثت كلّ هذه الأخطاء. (١) سادسًا: اتهامهم الصريح للصحابة بتحريف القرآن " … أن القرآن تعرض لتحريف شديد من قبل الصحابة أثناء عملية الجمع، وأن عثمان ﵁ قد أسقط منه خمسمائة حرف". (٢) سابعًا: طعنهم في أخلاق ابن مسعود ﵁ واتهامه زورًا وبهتانًا بالطعن في أعضاء لجنة "الجمع العثماني" حيث قالوا: لم يختلف الصحابة مع عثمان مبدئيًا في توحيد المصاحف، (٣) كما لم يختلفوا معه في منهج التدوين إلا عبد الله بن مسعود، حيث حدثت بينه وبين عثمان مشاجرة لفظية شديدة، وكان ابن مسعود يعتقد بأن أعضاء لجنة تدوين المصحف العثماني فاقدو الخبرة والتجربة، فرفض أن يقدّم إليه مصحفه. رد هذه الفرية: وهذه فرية واضحة جلية وقد سبق الكلام عنها في طيات البحث عند عرض الشبهة السابعة وردها، فابن مسعود ﵁ وأرضاه لم يتشاجر ولم يتلفظ، لما لا ومن هو في سبقه للإسلام ومكانته وعلمه وفضله وعلو قدره، ثم إنه كان في الكوفة، وعثمان حين شرع في جمع المصحف كان بالمدينة، ومن أشد من البهتان والزور- كذلك- ادعائهم أن اعتراض ابن مسعود كان بسب أنه: " يعتقد أن أعضاء لجنة تدوين المصحف العثماني فاقدو الخبرة والتجربة" كيف هذا وهو لم

стр. 424

يعترض على لجنة الجمع أصلًا، وإنما قال كيف أمنع وزيد يلعب مع غلمان المدينة، ولنا أن نتأمل قوله: "فو الّذي نفسي بيده، لقد أخذت من فِيِ رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة وزيد بن ثابت عند ذلك يلعب مع الغلمان". (١) وابن مسعود- ﵁ لم يشك في الجمع ولا في لجنة الجمع بقيادة زيد بن ثابت ولا في أهلية أحد منهم، ولا في الصحف العثمانية، وكل في ما في الأمر أنه يرى أهليته لذلك، ولم يطعن في أهلية زيد وقدره ومكانته، وقد أمضى الخليفتان أهليته لذلك وقَرَّرَاها، واعتراضه- ﵁-لا ينافي عدم أهلية زيد لهذه المهمة، ولاشك في إصابة اختيار الخليفتين لزيد، وقد علما مؤهلاته وقدراته التي أهلته لتلك المهمة، لكنه رأى في نفسه كمال وتمام الأهلية لذلك، ولم يكن اعتراضه على الجمع نفسه وعلى طريقته ولا على لجنة الجمع، وإنما كان على عدم إشراكه وقيامه به مع أهليته، فقد تحققت فيه مقومات تؤهله لهذه المهمة والتي من أجلها تّزكية النبي ﷺ له، وشهوده العرضة الأخيرة، وقد ثبت بما لا يدع مجال للشك رجوعه- ﵁ لرأي الجماعة ولزومها ومما يؤيد ذلك ويؤكده ويوضحه أنه ما لبث أن فاء ورجع لإجماع الصحابة- ﵃ على فعل عثمان في تحريق المصاحف وجمعهم على المصحف الإمام، وقدم مصحفه للحرق وذلك لما علم أنه الحق، وأما الذي ثبت عنه ﵁: أنه تمسك بقراءته لا غير، وقراءة عاصم بن أبي النَّجود المنقولة عنه بالتواتر من طريق أصحابه من أهل الكوفة خير شاهد لرجوعه ولزومه أمر الجماعة. وفي ذلك يقول ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "روي عن عبدالله بن مسعود أنه غضب لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلَّم في تقدُّم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف، فكتب إليه عثمان بن عفان ﵁ يدعوه إلى اتِّباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب عبدالله بن مسعود، وأجاب إلى المتابعة، وترك المخالفة-﵃ أجمعين-". (٢) كل هذا الترهات الباردة سبق بيانها والرد عليه في مبحث الشبهات الواردة حول الجمع العثماني ودحضها بما لا يدع مجال للشك، وبما يرد كيد الرافضة الطاعنين في كتاب رب العالمين ومن سار على نهجهم من سائر أعداء الملة والدين، والحمد لله رب العالمين. (٣)

стр. 425

عقيدة الرافضة في القرآن أَوَّلْتُمُ القُرْآنَ أَيْضًا مِثْلَمَا … أَثْبَتُّمُ التَّحْرِيفَ لِلْقُرْآنِ أَعْنِي بِهِ التَّخْرِيبَ لَفْظًا بَعْدَمَا … قَابَلْتُمُ مَعْنَاهُ بِالنُّكْرَانِ وَزَعَمْتُمُ سَقطًا أَخَلَّ بِآيِهِ … وَكَذَبْتُمُ أُخْرَى بِلا بُرْهَانِ وَالبَعْضُ أَفْضَى بِالحَمَاقَةِ أَنَّمَا … ذَا ثُلْثُهُ وَالسَّاقِطُ الثُّلُثُانِ أَخْفَاهُ عَنْ عَيْنِ الصَّحَابَةِ رَبُّنَا … وَاخْتَصَّكُمْ بِالعِلْمِ وَالعِرْفَانِ وَأَضَفْتُمُ سُوَرًا بِأَكْمَلِهَا إِلَى … نَصِّ الكِتَابِ بِشُورَةِ الفَتَّانِ ذَاكَ الَّذِي أَوْحَى لِقَوْمٍ قَبْلَكُمْ … فَأُقِيمَ لاعِنُهُمْ بِكُلِّ لِسَانِ وَشَرَطْتُمُ لِقِيَامِ حُجَّتِهِ إِذًا … بَعْثَ الإمَامِ فَذَاكَ ذُو سُلْطَانِ وَقَضَيْتُمُ مَعْنَاهُ قِشْرًا ظًاهِرًا … وَالعِلْمُ مِنْهُ يُرَادُ بِالإبْطَانِ وَطَلَبْتُمُ فَهْمَ الإمَامِ مُفَسِّرًا … لِصَرِيحِ قَوْلٍ جَاءَ بِالتِّبْيَانِ وَرَضَيْتُمُ حُكْمَ الإمَامِ بِنَسْخِهِ … فَجَعَلْتُمُوهُ كَمُصْحَفِ النَّصْرَانِي طَوْرًا يزِيدُ وَبَعْدَ حِينٍ يَنْطَوِي … تَبًّا لأَهْلِ الزُّورِ وَالبُهْتَانِ وَاللهُ رَبِّي قَدْ تَوَلَّى حِفْظَهُ … وَوَقَاهُ مِنْ كَذِبٍ وَمِنْ بُطْلانِ. (١) وبهذا ينتهي المطلب الخامس: أقوال العلماء في التزام الرسم العثماني. والحمد لله رب العالمين. المبحث الخامس: المرحلة الرابعة لجمع القرآن الكريم: وهي مرحلة الجمع الصوتي للقرآن الكريم، أي "تسجيله تسجيلًا صوتيًا" وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: فكرةُ هذا الجمع وظهور أول تسجيل للقرآن الكريم كاملًا توطئة وتمهيد: قد مر معنا في طيات البحث دراسة جمع القرآن في عهوده الثلاثة، وتبين لنا بواعث وتداعيات كل عهد وما تميز به عن الجمع الذي سبقه، ثم تجلى وتبين لنا أهم ما تميز به الجمع في عهوده الثلاثة "مجتمعة" والذي تمثل في: قوة وعمق إيمان الصحابة وعنايتهم بكتاب ربهم، وعلو همتهم في جمع القرآن وتقييده وكتابته في السطور، وحفظه في الصدور، والمشقة البالغة والمعاناة الشديدة التي واجهتهم في مع بداءة أدوات الكتابة وندرتها في وقتهم، ومع ذلك كله فقد تخطوا بعون الله وتوفيقه كل هذه الصعاب وتلك

стр. 426

العقبات والأزمات والأحوال والملابسات التي عايشوها وقت الجمع في عهوده الثلاثة، وإن هذا وغيره مما يدلل على دقة وعمق وغزارة علمهم بكتاب ربهم، وإجلالهم لكتابه، وتعظيمهم لشعائره سبحانه، هذا مع ما تحلوا به من أمانة علمية مصحوبة بورع شديد لا مجاملة معه في حق الله تعالى وحق كتابه الكريم، لما لا وهم الذين عاينوا تنزل القرآن غضًّا طريًّا، فعاصروا أحداث وأسباب نزوله، ففهموا مراد الله منه فكانوا بذلك في طليعة خير أمة أخرجت للناس، فهم خير من فقه عن الله، وخير من آمن بالله ورسوله، وخير من فهم مراد الله عن الله تعالى، وخير من بَلَّغ عن الله ما عَلِمه من دينه سبحانه، ولاسيما في تعليم كتاب الله تعالى على الوجه الذي تلقوه من رسول الله ﷺ ، كما قرأه ونطقه وتلفظه به أمامهم جميعًا، وقد كان منهم من يعرف الكتابة ويحسنها ويتقنها، ومنهم ومن لا يعرفها، وكانوا جميعهم يستمعون لقراءته ويتلقون عنه ﷺ مشافهة فيعيدون عليه ما تلقونه سماعًا وهو يستمع لقراءتهم فيقرهم على ما أصابوا فيه، ويصوب ويصحح لهم ما يحتاجون لتصويبه وتصحيحه، فجمعوا بذلك تلقي القرآن عن النبي ﷺ منطوقًا ومسموعًا، كما جمعوه في عهوده الثلاثة كذلك مكتوبًا، فاجتمع لديهم ﵃ أعلى درجات الضبط والتلقي والإتقان بالنقل الكتابي والنقل الصوتي جميعًا وقد وصل القرآن لكل جيل متواترًا بهذين الأسلوبين حتى وقتنا الحاضر وإلى أن يرفع في آخر الزمان .. وكما أن الصحابة ﵃ كانوا غاية في الحرص على حفظ ما يتنزل من القرآن، مع ما فتح الله عليهم من علومه وأسراره ما لم يفتح بمثله على غيرهم، لسبقهم وفضلهم، ومع ما حباهم الله من زكاة في نفوسهم، وصفاء في قلوبهم، وذكاء في عقولهم، وسيلان في أذهانهم، وقوة في حافظتهم، وهم العرب الخلّص الذين يفهمون بسليقتهم العربية معانيه و ويدركون بها مقاصده ومراميه. وإنهم - رضي الله- كما كانوا أئمة في التعلم والتلقي، كانوا-كذا- أئمة في تحمل أمانة البلاغ عن الله تعالى، وفي تعليم كتاب الله على النحو الذي تلقوه به عن رسول الله ﷺ كما أسلفنا. وبدراسة الجمع في عهوده الثلاثة دراسة تأصيلية تفصيلية، وبعقد مقارنة بين ما وصل إليه حال المصحف وما انتهى إليه جهد الصحابة وتابعيهم بإحسان حتى جُمع المصحف جمعًا صحيحًا سليمًا من أدنى تحريف، أو زيادة أو نقصان، أو تبديل أو تغير، لا يسع المؤمن إلا أن يحمد الله على هذه النعمة العلية، ثم بمتابعة نَسْخِ المصاحفِ وانتشارها في الأمصار، ثم بالتأمل فيما طرأ على كتابة المصحف الشريف بعد ذلك من تطور وازدهار إثر ظهور آلات الطباعة الحديثة وتطورها وانتشارها في أقطار الدنيا، والعناية الفائقة التى لقاها المصحف الشريف في هذا الجانب حتى وصل إلي تطور في جودة طباعته وسرعة انتشاره في الآفاق بصورة لم تكن لتخطر على قلب

стр. 427

بشر، ليتيقن كل مؤمن بتحقق وعد الله تعالى الذي لا يتخلف ولا يتغير ولا يتبدل بحفظ كتابه، كما قال سبحانه في محكم التنزيل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩). وما تزال رحمات الله الواسعة السابغة تتوالى وتتابع تترًا على هذه الأمة المرحومة، التي هي أعز الأمم وأكرمها على خالقها سبحانه. قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: فظهر أثر كرامتها على الله سبحانه في علومهم، وعقولهم، وأحلامهم، وفطرهم، وهم الذين عرضت عليهم علوم الأمم قبلهم، وعقولهم، وأعمالهم، ودرجاتهم، فازدادوا بذلك علمًا، وحلمًا، وعقولاً، إلى ما أفاض الله عليهم من علمه وحلمه. (١). وكما أن الله تعالى - ذكره- قد ضمن لحفظ كتابه-كِتَابَتَهُ- محفوظًا في السطور -وضبطه- محفوظًا في الصدور، فقد هيأ سبحانه من الأسباب- كذلك- مما يدخل ويندرج ضمنًا تحت مسمى حفظه- تعالى- لكتابه المجيد، وذلك بحفظه مسجلًا ومضبوطًا بتلاوة أئمة الأداء وسادات التحبير والترتيل، سالمًا من اللحن الجلي والخفي على النحو الذي نزل به الأمين جبريل ﵇ على خاتم النبين والمرسلين نبينا محمد ﷺ ، كما قال ربنا سبحانه: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) (الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥) فقد تلقاه الصحابة ﵃ عن نبيهم ﷺ ، ثم نقلوا لجيل التابعين كما تلقوه تمامًا بكل دقة وإتقان، وهكذا جيل التابعين نقله لمن من بعدهم من جيل تابعي التابعي، وهو ما نسميه بالنقل الصوتي للقرآن الكريم، ومما يدلل على ذلك ما رواه البخاري بسنده عن شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ خَطَبَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً. (٢) وهكذا أخذ تعلم القرآن وتعليمه ينتقل من جيل إلى جيل بالأسانيد الثابت الصحيحة إلى منتهى السند وأعلاه -إلى رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇ عن رب العزة جل في علاه-. وذلك لأن القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول، يأخذها صحيحة مضبوطة مصحوبة بسلامة النطق من اللحن وما يتبع ذلك من سلامة وصحة الإعراب، وليس لأحد مخالفة ذلك أبدًا، وذلك لأن السلف من الصحابة والتابعين كانوا يحذرون من اللحن في الأداء، بل كانوا ينكرون على من يقرأ بغير إعراب بل ويحذرون من ذلك ويمنعون منه.

стр. 428

وفي نحو هذا يروي أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: ٢٢٤ هـ) ﵀ بسنده إلى أبي بكر فيقول: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: حدثني أبو الأزهر، أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: لأن أعرب آية من القرآن أحب إلي من أن أحفظ آية. ولا شك أن تلقي القرآن مشافهة فيه ضمان لسلامته من التحريف والتغير والتبديل ولا شك كذلك أن التسجيل الصوتي فيه إثبات عملي لهذا التلقي بصورته الصحيحة المنقولة بالتواتر مشافهة منذ عهد نزوله الأول إلى زماننا الحاضر، وسيبقى كذلك إلى آخر الزمان الذي يُرفع فيه القرآن من الصدور والسطور. حكم تسجيل القرآن الكريم: أجاب شيخنا العلامة الإمام ابن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: عن سؤال وجه إليه في حكم تسجيل القرآن الكريم فقال رحمه الله تعالى: لا حرج في تسجيل القرآن والأحاديث المفيدة، وفي ذلك نفعٌ عظيمٌ للمسلمين، وقد جرب المسلمون ذلك. ولا مانع من تسجيل القرآن ولا سيما بالأصوات الحسنة التي تحرك القلوب، وتخشع لها القلوب، كما يسجل أيضًا للعلم النافع، من حديث الرسول ﷺ ومن كلام أهل العلم، كل ذلك لا بأس به والحمد لله (١). ظهور أول تسجيل لبعض سور القرآن: وإن من نعم الله على عباده تعبيد ما حباهم ووهبهم من نعم وتسخيرها على وجه يقربهم من محابه ومراضيه، ومن ذلك آلات التسجيل الصوتي التي أفاد منها المسلمون منذ وصولها إلى أيديهم، فسُجِّلت بعض المواعظ والدروس العلمية كما سجلت بعض تلاوات القرآن لمشاهير القراء وقت ظهورها، وكان في طليعة تلك التسجيلات بعض التلاوات القديمة، والتي كان من أولها: أقدم تسجيل صوتي لتلاوة من القرآن الكريم- وصلنا- في حدود بحثنا الضيق- كان في الحرم المكي الشريف بمكة المكرمة، وكان هذا التسجيل لسورة الضحى، وذلك عام: ١٣٠٢ هـ،

стр. 429

الموافق: ١٨٨٥ م (١)، والباحث قد وقف على هذا التسجيل واستمع إليه، وبعد البحث والتحري لم يتمكن من الوقوف على معرفة القارئ الذي سجلت له السورة (٢). وكان تاليها: تلاوات للشيخ محمد رفعت ﵀. (٣)، وإذا كان ميلاد الشيخ "رفعت" سنة ١٣٠٠ هـ، الموافق: ١٨٨٢ م، فلابد أن تكون تلاوته بعد ذلك بسنوات، وقد ثبت أنه تولى القراءة

стр. 430

بمسجد فاضل باشا بحي السيدة زينب- بالقاهرة- وقيل كان ذلك سنة ١٩١٨ م حيث عين قارئًا للسورة (١)، قيل: وهو في سن الخامسة عشرة، ويُستبعد هذا العمر لكونه من مواليد: سنة ١٨٨٢ م، فيكون عمره وقتئذ ستًا وثلاثين سنة-على العموم- لا يُظن أبدًا أنه سجل قبل هذا العمر المبكر، ألا وهو سن (الخامسة عشرة) الذي هو عمره وقت تعينه كقارئ سورة، وليس عمره وقت أول تسجيل له، وعلى كل الأحوال يأتي ترتيب تسجيل الشيخ "رفعت" ثاني تسجيل ظهر زمانيًا بعد أول تسجيل ظهر لـ"سورة الضحى" من "الحرم المكي" والذي كان عام ١٣٠٢ هـ، الموافق: ١٨٨٥ م، والشيخ في هذه السنة ما يزال في المهد، وهذا مما لا شك فيه البتة. وكانت آلات التسجيل وقتها بدائية، ومما يدلل على ذلك رداءة التسجيل المصحوب بعدم وضوح الصوت وصفائه ونقائه تمامًا في بعض تلك التسجيلات. كانت هذه البداية- في حدود علم الباحث الضيق، وما وصل إليه جهده الضئيل، ثم تتابع وتوالى بعد ذلك تسجيل تلاوات متفرقة لمشاهير القراء. بداية فكرة التسجيل الصوتي للقرآن الكريم كاملًا (المصحف المرتل): أول من قام بهذه الفكرة هو الدكتور النبيل/ لبيب السعيد (٢) رحمه الله تعالى

стр. 431

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 432

وندع المجال للدكتور/ لبيب السعيد رحم الله ليحدث بنفسه عن بداية مشروعه العملاق حيث يقول: وأعود إلى ما قبل إعلاني عن مشروع المصحف المرتل ببضع سنين لا أستطيع تحديدها بدقة. منذ يومئذ وأنا أحس أن جمعًا صوتيًا بكل قراءاته المتواترة والمشهورة أمرٌ يجب أن ينهض به أهل هذا الزمان. وكنت أتابع، في المقارئ الكبرى بالقاهرة، المتميزين من علماء القراءات، وكان يؤلمني أنه كان إذا مات منهم أستاذٌ حاذقٌ خَلَفَه أحيانًا مَنْ لا يعدله أستاذيةً وحذقًا، وضاعت على المسلمين ـ إلى الأبد ـ مواهب الميّت لأنها لم تُسجَّلْ. ما كان أعظم شعوري بالخسارة الفادحة المستمرة على مدى الزمن في القراء الذين يموتونّ! ذلك أن إنتاجهم ـ بطبيعته ـ غير إنتاج غيرهم من أصحاب العلوم والفنون، فهؤلاء يستطيع الواحد منهم ـ بفضل الكتابة ـ أن يواصل ـ بعد موته ـ الحياة في إنتاجه، أما أصحاب التراث الصوتي، وفي مقدمتهم القُرَّاء، فكان تراثهم يفنى بفنائهم، لأن العلم لم يكن اهتدى بعدُ إلى طرائق تسجيل هذا التراث (١). وحتى بعد الاهتداء، تأخر تسجيل المصحف أمدًا غير قصير. (٢)

стр. 433

وهذا الكلام النفيس ينبئ - ظاهره لنا- عن مكنون الرجل وحسن طويته وشغل عقله ونفسه وقلبه بهذا الأمر الجليل العظيم، ولا نتألى على الله في ذلك، ولكن كما قال الله تعالى في الإخبار عن إخوة يوسف ﵇: (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ) (يوسف: ٨١) العرض الأول لفكرة المشروع: أول الخطوات العملية ففيه شهر شعبان من عام ١٣٧٨ هـ، الموافق لنهاية شهر " فبراير"، أو أوائل شهر "مارس" من عام ١٩٥٩ م. اتخذ الدكتور لبيب السعيد أول الخطوات العملية لبداية مشروعه العملاق فتقدم إلى مجلس إدارة الجمعية العامة للمحافظة على القرآن الكريم ـ والتي كان يترأس مجلس إدارتها وقتئذ ـ بمذكرة واقتراح قال في مضمونه: اقتراح مقدم إلى مجلس إدارة الجمعية من رئيسها لبيب السعيد بشأن تسجيل القرآن الكريم صوتيًا بكل رواياته المتواترة والمشهورة وغير الشاذة. "كما تضمنت المذكرة حيثيات فكرته وهى، أن أهم وسيلة لنقل القرآن الكريم عبر الدهور، كانت ومازالت روايته وتلقينه مباشرة ومشافهة بين الشيخ المُقرئ والتلميذ المتعلم، وهذا هو المعتمد عند علماء القراءة؛ لأنَّ في القراءة ما لا يمكن إحكامه إلا عن طريق السماع والمشافهة" … (١) ثم شرع "لبيب" في بيان اقتراحاته لإتمام مشروعه فيقول ﵀ أولًا: فيما يختص باللجنة وأقترح تشكيل لجنة من أعضاء الجمعية تضم إليها من تشاء مِمَّن يُرجى نفعه لأعمالها، وتضع اللجنة منهاجًا كاملاً مفصلاً لتنفيذ المشروع، سواء من الناحية القرآنية، أو ناحية التسجيل الفني، أو من الناحيتين التمويلية والإدارية، كما تحدد المعاونات الممكن الحصول عليها من الجهات الحكومية والشعبية المختلفة، وكذلك تتولى اللجنة ترشيح أعضاء اللجان التي يعهد إليها باختيار علماء القرآن الكريم ممن سيناط بِهم التسجيل.

стр. 434

ثانيًا: فيما يختص بالتسجيل وفيما يختص بالتسجيل نفسه، أقترح أن يشمل تلاوة الكتاب العزيز كله بقراءة (١) حفص، ثم بمختلف القراءات المتواترة والمشهورة وغير الشاذة، على أن لا تُرَدَّدَ الآية الواحدة بأكثر من قراءة واحدة في التلاوة الواحدة (٢)، كما يشمل التسجيل دروسًا عملية في أحكام التجويد بطريقة سهلة ميسرة تمكن الجمهور العادي من الانتفاع بها. أما فيما يختص بمن يتولون القراءة والتدريس العملي، فيجب أن يكونوا من أعلم علماء القرآن، مع مناسبة أصواتهم للتسجيل، وأن تختارهم لجان لها خبرتها القرآنية العظمى، ويشارك فيها الأزهر والهيئات العلمية واللغوية والثقافية الأخرى. (٣) العرض الثاني لفكرة المشروع: وبعد تخطي أول العقبات واستحسان الجمعية لفكرة المشروع طمع الدكتور "لبيب" ﵀ لتوثيق أعلى لفكرة مشروعه فعرضه على وزير الأوقاف في وزارة "نور الدين طراف" -آن ذاك-، ألا وهو الوزير "أحمد عبد الله طعيمة" (٤) فاقترح على الوزير "طعيمة" تسجيل القرآن الكريم مُرتلًا، وشكا له من أنَّه أمضى عدة سنوات محاولاً تنفيذ المشروع بصورة فردية بلا جدوى. وعلى الفور استدعى الوزير "طعيمة" الشيخين "سيد سابق (ت: ١٤٢٠ هـ)، ومحمد الغزالي (ت: ١٤١٦ هـ)، " إلى مكتبه، وكانا مسؤولين في الوزارة، وطلب منهما مناقشة "السعيد" في مشروعه. فناقشاه وأخبراه بأنه- مشروع - جدير بالتنفيذ- فنفذه لبيب فورًا. وقد كانت بعض الأخبار تنقل عن وجود بعض النسخ التي حاول البعض حذف آيات منها تتعلق ببني إسرائيل في بعض الدول الإفريقية. ويقول طعيمه عن "لبيب": بالرغم من أنه لم يكن من العاملين في الأوقاف، وقت عرض مشروعه على الوزير (٥)، حيث كان الدكتور "السعيد" وقتها يشغل منصب المراقب العام بمصلحة الاستيراد، ومنتدبًا للتدريس أستاذًا

стр. 435

بكلية التجارة جامعة عين شمس وقد انتقل ﵀ إلى وزارة الأوقاف ليشرف على تنفيذ المشروع .. (١) وعن تخطي تلك العقبة الكؤود يقول "لبيب" ﵀: وحفزني الإخفاق في تمويل المشروع إلى التفكير في وضعه تحت الرعاية المالية للدولة نفسها. وفي يوم الأربعاء ٢٤ من فبراير ١٩٦٠ م، قابلت وزير الأوقاف ورجوته مساعدة المشروع ماليًا، فاستجاب فورًا وفي حماسة، وكانت استجابته مبعث طمأنينة واستبشار وأمل، وأصبح العمل شغل الوزير نفسه ومحل اهتمامه، فأفاد كثيرًا. (٢) بعد أن تخطى الدكتور "لبيب" ﵀ العقبة الثانية بعون الله وتوفيقه لاقى عقبات أخر، لكنها لم تثن عزمه عن المضي قدمًا نحو ما يهدف إليه، فبدأ يبحث عن معمل للتسجيل "أستوديو" ليسجل له دون مقابل مادي فلم يجد، ومع ذلك لم ينثن عزمه ومضى في البحث إلى أن وفقه الله تعالى لمعمل للتسجيل، وكأن تلك العقبات فيها من التمحيص لهمة الرجل وابتلاءً لعزمه وصبره وجلده وصدق نيته، وندع المجال لصاحب الهمة العالية ليحدث بنفسه عما لاقاه في تلك العقبة حيث يقول ﵀: وعجزتُ عن تدبير "استوديو" للتسجيل فيه بالمجان، فرغبتُ إلى نائب وزير الدولة لشؤون رياسة الجمهورية، وإلى المدير العام للإذاعة أن يأذنا لي بالتسجيل في استوديوهات الإذاعة، وسعيت في ذلك سعيًا، حتى اسْتُجيب لطلبي، بشرطٍ أصرَّتْ عليه الإذاعة، وهو أن يكون لها الحق المطلق في أن تذيع من محطاتها ما يتم تسجيله لديها، ولعل سروري بهذا الشرط وأنا أقدم به إقرارًا كتابيًا كان أكبر من سرور الإذاعة. ثم يتابع ويقول ﵀: ولستُ أنسى يومًا من أيام رجب سنة ١٣٧٩ هـ (يناير ١٩٦٠ م) سعيت فيه، بناء على نصيحة أحد المخلصين للمشروع، إلى ثري كبير هو وزير في إحدى الدول العربية، وكان يقيم في مصر في حي الدقي، فتلقَّى هذا الثريُّ حديثي عن المشروع بعدم الاكتراث، وخرجتُ يومها من لدنه خجلان آسفًا نادمًا. (٣)

стр. 436

سبحان الله الذي قال في محكم كتابه: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم) (محمد: ٣٨). العرض الثالث لفكرة المشروع: عَرْض فكرةِ المشروع على الشيخ شلتوت (ت: ١٣٨٣ هـ) ﵀: ولما اختمرت الفكرة ووضع الدكتور لبيب السعيد معالمها ولاقت قبولًا واستحسانًا، -عرضها على الشيخ شلتوت- فرحب بها الأزهر، وأبدى الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر ارتياحه ورضاه عنها. اختيار الشيخ الحصري (ت: ١٤٠٠ هـ) ﵀، وترشيحه لهذه المنقبة العظيمة وأراد الدكتور لبيب السعيد أن يأنس بقبول الرأي العام حول التلاوة المرسلة التي سيسجل بها الجمع الصوتي حيث لم تكن مشهورة وقتها؛ فطلب من الشيخ محمود خليل الحصري (ت: ١٤٠٠ هـ) (١) أن يقرأ بها في حفل أقيم بقاعة المحاضرات الكبرى بالأزهر، فلاقت هذه التلاوة قبولًا عند الحاضرين. احتاج تنفيذ المشروع الى تمويل مادي ضخم، ولم تكن جمعية "المحافظة على القرآن الكريم" ذات رصيد مادي يغطي نفقات المشروع، مما جعل الدكتور يعرض فكرة التنفيذ على الإذاعة المصرية فوافقت بشرط أن تبث ما يتم تسجيله على موجاتها حصرًا. فانتدب الدكتور لبيب السعيد ثلاثة من أشهر القراء والعلماء لتنفيذ مشروعه الكبير وهم: الشيخ محمود خليل الحصري (ت: ١٤٠٠ هـ)، ليسجل القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم الكوفي، والشيخ مصطفى الْمَلَّواني على أن يسجل رواية خلف عن حمزة، والشيخ عبد الفتاح القاضي (ت: ١٤٠٣ هـ)،، وكان يشغل رئيس لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف، على أن يسجل قراءة أبي جعفر برواية ابن وردان، وانتخب- القاضي- ليكون مشرفًا على التسجيل (٢). و يؤكد الوزير "طعيمة": أن الشيخ "الحصري" ﵀ تطوع بتسجيل القرآن كاملاً بلا أي أجر .. ثم يتابع "طعيمة" ويقول: وقد طالبني آخرون من المقرئين بمبالغ تصل إلى خمسة آلاف جنيه لكل منهم، وهو ما لا أملكه للإنفاق على المشروع، وقد كان الشيخ الحصري ﵀ يعمل لمدة ١٢ ساعة يوميًا حتى يستطيع تسجيل القرآن كاملاً في الوقت المطلوب.

стр. 437

أول البشائر الكبرى "تسجيل المصحف المرتل كاملًا" وبثه عبر الاسطوانات: الانطلاقة الكبرى لأعظم وأجل مشروع يتعلق بتسجيل القرآن بتسجيل في العصر الحديث: لقد قام الشيخ الحصري بتسجيل رواية حفص عن عاصم (١)، وفق الشروط والضوابط التي وضعتها اللجنة المشرفة، وكانت تضم أساتذة فن التجويد والقراءات في مصر يتقدمهم الشيخ عامر السيد عثمان (ت: ١٤٠٨ هـ). ولم يكن التسجيل هينًا، فمع امتياز الشيخ الحصري في القراءة؛ فإن اللجنة كانت تستوقفه كثيرًا ليُعيد التسجيل على النحو النموذجي المطلوب الغاية في التجويد والإتقان. (٢) وكان أعضاء اللجنة المشرفة على التسجيل مكونة من المشايخ: ١ - الشيخ عامر السيد عثمان (ت: ١٤٠٨ هـ) (٣) ٢ - الشيخ عبد العظيم محمد إبراهيم الخياط (ت: ١٤٢٠ هـ) (٤) ٣ - الشيخ محمد سليمان صالح (ت: ١٤٠٩ هـ) ٤ ـ الشيخ محمود حافظ برانق (ت: ١٤٢١ هـ) وكل هؤلاء العلماء الأجلاء- كانوا وقتها- من مدرسي القراءات بمعهد قراءات شبرا-الخازندارة- الأزهري للقراءات- بالقاهرة-، التابع للأزهر.

стр. 438

وكان الشيخ عبد الفتاح القاضي ضمن أعضاء اللجنة في بادئ الأمر، ولكنه لم يتمكن من إتمام متابعة عمله معهم لبعض الأسباب والتي كان من أبرزها بعد عمله عن مقر عمل اللجنة بالقاهرة. و يؤكد الوزير "طعيمة": بأن هذا التسجيل: كان أول تسجيل صوتي للقرآن الكريم في العالم بعد عهد عثمان بن عفان، رضى الله عنه … ففي يوم ٢٣ يوليو ١٩٦٠ بدأ توزيع المصحف المرتل للمرة الأولى فى تاريخ الإسلام .. أثر ظهور أول تسجيل للقرآن كان لتسجيل القرآن المرتل صوتيًا آثار بعيدة المدى، فقد حرصت جميع محطات الإذاعات الإسلامية على إذاعته فى برامجها، حتى أن الاهتمام أثار الأمريكان، فجاءني السفير الأمريكي زائرًا فى الوزارة طالبًا نسختين من الأسطوانات لمكتبة "الكونجرس". (١) وبالفعل هذه النسخة المباركة لاتزال محفوظة في مكتبة "الكونجرس". بشرى البث الثاني لمصحف الشيخ الحصري المرتل في إذاعة القاهرة: فبعد مضي عام وثلاثة أشهر من تسجيله وتوزيعه عبر اسطوانات تتابع البشائر ويأذن الله تعالى ببث هذا المصحف عبر نطاق أوسع بواسطة إذاعة القاهرة. ففي صباح يوم (الإثنين ٨ من ربيع الآخر ١٣٨١ هـ = ١٨ سبتمبر ١٩٦١ م) وفي تمام الساعة السادسة صباحًا، أذيع لأول مرة عبر إذاعة القاهرة المصحف المرتل بصوت القارئ الشيخ محمود خليل الحصري، ولم يكن للناس عهد بهذه الطريقة المرسلة في قراءة القرآن التي لا تعتمد على التلحين والتطريب والأداء النغمي. واستحسن الناس هذه القراءة التي تقوم على براعة القارئ في دقة الأحكام ومراعاة المخارج والحروف إلى حد الامتياز، قبل براعته في الأداء الصوتي. وكان حظ الشيخ الحصري موفورًا من ذلك كله، دقة وبراعة. وتلا الحصري في التسجيل القارئ مصطفى إسماعيل، وكان قد ملأ الدنيا وشغل الناس بطريقته الجديدة في أدائه المتميز، وقدرته على التحليق في آفاق عليا من جمال التعبير الصوتي، مع الالتزام بأحكام القراءة. وجاءت تلاوته للقرآن الكريم في غاية من العذوبة والجمال، والتعبير عن المعاني بأداء خارق دون أن تشعر أنه يتكلف ذلك أو يجهد نفسه فيه. (٢)

стр. 439

بشرى البث الثالث لمصحف الشيخ الحصري المرتل في إذاعة القرآن الكريم بالقاهرة مع بداية بث إرسالها. فبعد مضي سنتين وستة أشهر من بث هذا المصحف في إذاعة القاهرة تم بثه في إذاعة القرآن الكريم والتي أسست لهذا الهدف النبيل. لقد كان لإنشاء أول إذاعة للقرآن الكريم في العالم الإسلامي والعربي بالقاهرة مقاصد سامية وأهداف عظيمة جليلة ونبيلة، والتي كان من أعظمها وأجلها صيانة كتاب الله تعالى عن عبث أعداء الملة "الصهاينة" الذين قاموا بطباعة مصحف في ثوب قشيب ونشروه في إفريقيا بسعر زهيد، وقد عمدوا إلى تحريف بعض نصوص آياته، فكانت تلك هي بواعث النواة الأولى لفكرة إنشاء تلك الإذاعة. مقاصد تأسيس تلك الإذاعة بشيء من الإيضاح: وبصورة أكثر وضوحًا وبيانًا عن الدواعي الأساسية والدوافع الرئيسية والأسباب الداعية لنشأت إذاعة القرآن الكريم بجمهورية مصر العربية بشيء من التفصيل يقول الدكتور فوزي خليل نائب رئيس إذاعة القرآن الكريم الأسبق ﵀: إن تجربة شبكة القرآن الكريم بإذاعة جمهورية مصر العربية، تحمل دلالات وأبعادًا ذات مغزى كبير في هذا الميدان الإعلامي، إنها تعتبر السابقة الأولى في هذا النوع من الرسالة الإعلامية، ومن ثم فهي الإذاعة الأقدم على مستوى العالم بين إذاعات القرآن الكريم، أو الإذاعات الدينية بشكل عام، كما تكشف عن الدور الرائد لمصر في محيطها العربي - الإسلامي. لقد كان لقرار نشأتها ظروف وملابسات سبقته ودعت إلى اتخاذه؛ ففي أوائل الستينيات من القرن الماضي ظهرت طبعة مذهبة من المصحف، ذات ورق فاخر، وإخراج أنيق، بها تحريفات خبيثة ومقصودة لبعض آياته، منها قوله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: ٨٥). وطبعوها مع حذف كلمة "غير" فأصبحت الآية تعطي عكس معناها تمامًا! وكانت هذه الطبعة رغم فخامتها رخيصة الثمن، وكان تحريفها خفيًّا على هذا النحو، لكن هؤلاء لا يعلمون أن الله تعالى قد تولى حفظ كتابه بذاته العلية كما قال سبحانه: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (سورة الحجر: ٩) ومن ثم يهيئ من الوسائل ما يحقق هذا الحفظ. فلقد استُنفِرت وزارة الأوقاف والشؤون الاجتماعية، في ذلك الوقت- ممثلة في المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والأزهر- ممثلًا في هيئة كبار العلماء- في ذلك الوقت- لكي تتدارك هذا

стр. 440

العدوان الأثيم على كتاب الله، وبعد الأخذ والرد تمخضت الجهود والآراء عن تسجيل صوتي للمصحف المرتل برواية حفص عن عاصم بصوت القارئ الشيخ محمود خليل الحصري، على أسطوانات توزع نسخ منه على المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي، وكافة المراكز الإسلامية في العالم، باعتبار ذلك أفضل وسيلة لحماية المصحف الشريف من الاعتداء عليه، وكان هذا أول جمع صوتي للقرآن الكريم بعد أول جمع كتابي له في عهد خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق ﵁. وبمرور الوقت تبين أن هذه الوسيلة لم تكن فعالة في إنجاز الهدف المنشود من ورائها؛ نظرًا لعجز القدرات والإمكانات المادية في الدول الإسلامية في ذلك الوقت عن إيجاد الأجهزة اللازمة لتشغيل هذه الأسطوانات على نطاق شعبي، فضلًا عن عدم توفر الطاقة الكهربائية اللازمة لها بحكم الوضع الذي كانت عليه دول العالم الإسلامي في أوائل الستينيات من القرن العشرين. ونتيجة لما سبق، انتهى الرأي والنظر في هذا الشأن من قبل وزارة الثقافة والإرشاد القومي- المسئولة عن الإعلام في ذلك الوقت، إلى اتخاذ قرار بتخصيص موجة قصيرة، وأخرى متوسطة لإذاعة المصحف المرتل الذي سجله المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. (١) وبعد موافقة الحكومة بدأ إرسال "إذاعة القرآن الكريم" في الساعة السادسة من صبيحة الأربعاء ١١ من ذي القعدة لسنة ١٣٨٣ هـ الموافق ٢٥ مارس لسنة ١٩٦٤ م، بمدة إرسال قدرها ١٤ ساعة يوميًّا من السادسة حتى الحادية عشرة صباحًا، ومن الثانية حتى الحادية عشرة مساءً على موجتين: إحداهما قصيرة وطولها ٣٠. ٧٥ ك. هـ، والأخرى متوسطة طولها ٢٥٩. ٨ ك. هـ؛ لتكون أول صوت يقدم القرآن كاملًا بتسلسل السور والآيات كما نزل بها أمين الوحي جبريل "﵇" على قلب سيد المرسلين محمد ﷺ . وكانت بذلك أنجح وسيلة لتحقيق هدف حفظ القرآن الكريم من المحاولات المكتوبة لتحريفه؛ حيث يصل إرسالها إلى الملايين من المسلمين في الدول العربية والإسلامية في آسيا وشمال أفريقيا، حيث كان الراديو "الترانزيستور" وسيلة لالتقاط إرسالها بسهولة. وعلى منوال هذه السابقة المصرية المباركة توالى إنشاء عدة إذاعات للقرآن الكريم في داخل العالم العربي، بل وفي خارجه كما في أستراليا مثلًا، تصديقًا لقول الحق ﵎: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩). (٢).

стр. 441

أسباب اختيار الشيخ الحصري (ت: ١٤٠٠ هـ) ﵀ -: إن من أظهر أسباب اختيار الشيخ الحصري لهذه المهمة الجليلة والمنقبة العظيمة هو تقدمه على أقرانه في إتقان التلاوة وجودة الأداء وحصوله في ذلك علي أعلى تزكية من لجنة مراقبة الشؤون الدينية بوزارة الوقاف، وهي أعلى جهة متخصصة في هذا الجانب، وذلك بشهادة أعضائها الذين هم أئمة علم القراءات وسادة علم التجويد وفرسان هذا الميدان والتي ورد في نصها ما يلي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تنفيذًا لما رأته لجنة مراقبة الشئون الدينية من تأليف لجنة فنية لاختيار قارئ مُجِيد يشغل وظيفة قراءة السورة بالمسجد الحسيني من السادة: فضيلة الشيخ على محمد الضباع شيخ المقارئ المصرية فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي شيخ معهد القراءات فضيلة الشيخ عامر السيد عثمان شيخ مقرأة الإمام الشافعي والمدرس بمعهد القراءات وقد اجتمعت اللجنة وعرض عليها أسماء القراء الذين تردد ذكرهم في شغل هذه الوظيفة وهم: ١ - الشيخ طه الفشني (ت: ١٣٩١ هـ) ٢ - الشيخ عبد الباسط عبد الصمد (ت: ١٤٠٩ هـ) ٣ - الشيخ محمود على البنا (ت: ١٤٠٥ هـ) ٤ - الشيخ كامل يوسف البهتيمي (ت: ١٣٨٨ هـ) ٥ - الشيخ عبد العظيم زاهر (ت: ١٣٩٠ هـ) ٦ - الشيخ أبو العينين شعيشع (ت: ١٤٣٢ هـ) ٧ - الشيخ مصطفى إسماعيل (ت: ١٣٩٩ هـ) ٨ - الشيخ محمود خليل الحصري (ت: ١٤٠٠ هـ) ٩ - الشيخ محمد صديق المنشاوي (ت: ١٣٨٩ هـ) ١٠ - الشيخ محمد سلامة (ت: ١٤٠٢ هـ) وبعد أن استمعت اللجنة إلى السيد مراقب عام الشئون الدينية قررت أنها (١) غير مقيدة بالاختيار من هذه الأسماء وأن لها أن تختار من غيرها من يرونه أكفأ لهذه الوظيفة.

стр. 442

وكان ذلك بحضور السيدين مدير المساجد ومدير التفتيش قررت اللجنة بعد التدوال بالإجماع: الآتي: اختيار الشيخ محمود خليل الحصري قارئًا لسورة الكهف بمسجد الإمام الحسين لأنه أجدر القراء المذكورين تلاوة وأحسنهم أداءً ولأن قراءته أكثر مطابقة لقواعد التجويد وقوانين الأداء والله ولي التوفيق اللجنة إمضاء عبد الفتاح القاضي - إمضاء على محمد الضباع - إمضاء عامر السيد عثمان ولا شك في أن هذه التزكية لها مكانتها وقدرها، وقد كانت من أسباب ودواعي اختيار الشيخ الحصري ﵀، لتسجيل أول مصحف مرتل بأكمله فيما بعد، وهي تزكية لا يقدرها قدرها إلا من عرف قدر ومكانة من زكاه بها، ألا وهم أعضاء هذه اللجنة الذين هم أئمة الدنيا في زمانهم وسادة علماء القراءات وأئمة الأداء، والذين يُعدُّون جميعًا مرجعية موثوقة وحجة في القراءات؛ كما أنهم معدودُون جميعًا من أهل الطبقة الأولى في عصرهم كذلك، وهم مع رسوخهم وتمكنهم وإمامتهم وتقدمهم في علم القراءات والتجويد، فهم كذلك أهل التحقيق والتدقيق في علم الرسم العثماني وضبط المصاحف وَعَدِّ الآي وغيرها من العلوم، ﵏ أجمعين. أوسمة الشرف من عاجل بشرى المؤمن وهذا مصداق ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنْ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ ". (١) والحقيقة أن الشيخ الحصري رحمه الله تعالى لجودة أدائه وحسن ترتيله وتجويد وتحبيره وجمال وبهاء تلاوته بعد أن ذاعت شهرته وأطبقت الآفاق حصل على أربعة ألقاب رسمية هو لها خليق والتي نرجو أن تكون من عاجل بشرى المؤمن، كما نسأله تعالى أن يتقبل منه تلك الأعمال الكبيرة العظام وأن يرفع بها درجته في جنات النعيم يوم يقوم الناس لرب العالمين. والألقاب الأربعة هي: ١ - رئيس اتحاد قراء العالم ٢ - شيخ عموم المقارئ المصرية ٣ - رئيس لجنة مراجعة المصحف الشريف بالأزهر

стр. 443

٤ - مستشار فني لشئون القرآن الكريم بوزارة الأوقاف. (١) ويرفق الباحث صورة مكتوبة بخط اليد لتلك الوثيقة كما هي في شكل (١١)، وقد كتبت على ورق قديم بال بخط الرقعة، ويرجع هذا الخط بعد التحقيق والتدقيق للشيخ على محمد الضباع ﵀. وقد قام بهذا التحقيق أحد المهتمين بهذا الجانب (٢) وقد تأكد من ذلك بنفسه بعد تواصله مع أحد ورثة الشيخ الحصري ﵀ (٣)، وبعد اطلاعه على عدد من التوقيعات بخط الشيخ الضباع والتي وجدها متطابقة تمام التطابق مع الخط الذي كتبت به تلك الوثيقة والتي بها توقيعه ﵀، وقد تأكد الباحث من ذلك بعد أن وقف عليها كلها بنفسه. (٤)

стр. 444

| شكل: (١١) والحقيقة أن هذه الوثيقة قد حوت في طياتها مخالفات شرعية لا تخفى على ذي لب. (١)

стр. 445

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 446

ثاني البشائر الكبرى تسجيل "المصحف الثاني" لقد ترك التسجيل" الأول" أثرًا عظيمًا وبليغًا في نفوس المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وذلك بعد ذيوع خبر تسجيله وانتشاره عبر الاسطوانات المسجلة، وبدء بثه عبر الإذاعات، وكان ذلك بمثابة إشارة بدء الانطلاق ودخول مرحلة جديدة يشهدها العالم الإسلامي يتمكن من خلالها المسلمون في أقطار الدنيا من سماع كلام ربهم المنزل على نبيهم ﷺ نضًا طريًا كما أنزل أول مرة، وكأنما أنزل لتوه، يسمعونه بأكمله من إمام أئمة الأداء، ممن شهد له علماء العصر من أئمة علم القراءات بالإتقان، يسمعونه من فاتحته لخاتمته مرتلًا ومجودًا ومحبرًا بأحسن الأصوات وأعذبها جمالًا وبهاءً وأداءً له بإجلال ووقار وتخشع، صحيحًا سليمًا خاليًا من اللحن، مماثلًا لما انتهى إليه أمر المصاحف العثمانية التي أجمع عليها الصحابة الكرام ﵃، بل وأجمعت عليها الأمة قاطبة وتلقتها بالقبول والفرح والرضى كما قال ربنا: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس: ٥٨) وهذا العمل العظيم والإنجاز الكبير الذي وَصَّلَ للمسلمين كتاب ربهم -القرآن العظيم- صوتًا مسموعًا، كما كتب في المصاحف العثمانية في أول أمره، يُعد نعمة من أجل نعم الله على عباده، كما أنه يُعد بحق مفخرة من أعظم وأجل مفاخر أمة الاسلام في هذا العصر. الانطلاقة الثانية: وبعد مضي عامين تقريبًا من توزيع المصحف المرتل والمسجل برواية حفص عن عاصم بصوت الشيخ الحصري ﵀ وللمرة الأولى بدأت مرحلة فعلية جديد بتسجيل القراءات، وكان للدكتور النبيل/ لبيب السعيد السبق كذلك في هذه السنة الحسنة وإخراجها للمسلمين.

стр. 447

ففي سنة ١٩٦٢ م، تم اختيار رواية الدوري (١) عن أبي عمرو البصري- من طريق الطيبة-، للتسجيل بعد رواية حفص عن عاصم، ورواية الدوري هي الرواية التي يقرأ بها أهل السودان وشرق إفريقيا. معوقات في بادئ الأمر: ففي بادئ الأمر "تعثر المشروع إثر بعث مشيخة الأزهر إلى وزير الأوقاف كتابًا تطلب فيه منع ما سوى رواية حفص من الروايات، وما سوى صوت الشيخ الحصري من الأصوات، وبعد مداولات وافقت مشيخة الأزهر على استئناف المشروع". (٢) واختير لتسجيل هذه الرواية ثلاثة من أئمة الإقراء وهم المشايخ: ١ - الشيخ فؤاد العروسي (ت: ١٤٠٥ هـ) ٢ ـ الشيخ محمد صديق المنشاوي (ت: ١٣٨٩ هـ) ٣ ـ الشيخ كامل يوسف البهتيمي (ت: ١٣٨٨ هـ) وفي أثناء تسجيل رواية "الدوري عن أبي عمرو" جاء منع من تسجيل هذه الرواية من شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت، وهو الذي قد رحب بالفكرة أول الأمر، ولكنه هنا خشي من اختلاط القراءات على عموم المسلمين. فعلى الفور بادر الدكتور "لبيب" بمقابلة الشيخ "شلتوت" ﵀ وأقنعه بهذه الفكرة وبما يرجو من عموم نفعها للمسلمين. ولقد تم الانتهاء من تسجيل هذه الراوية تمامًا في سبتمبر سنة ١٩٦٣ م.

стр. 448

حكمة الدكتور "لبيب" في تنوع اختياره للقراء: وإنما كان تنوع اختيار الدكتور "لبيب" للقراء الذين يسجل لهم لحكمة بليغة يجليها بقوله ﵀: وقد أشرتُ بأن لا يستأثر قارئ واحد بتسجيل المصحف كاملاً، دفعًا لملل السامعين، واستفادة بأكبر عددٍ من أصحاب المواهب، وتحقيقًا لتكافؤ الفرص. (١). ولا شك أن ذلك من الحكمة بمكان، وقد ظهرت وتجلت تلك الحكمة بصورة واضحة جلية للعيان مع مضي الأيام. الثمار اليانعة من عاجل بشرى المؤمن: لقد واجهت الدكتور النبيل/ لبيب السعيد خلال إخراج مشروعه للنور عقبات كؤود، فكلما تخطى عقبة ظهرت له أخرى، ومع ذلك كما قيل: من عرف ما يَطلب هان عليه ما يَبذل (٢)، فإنه قد علم عظم هذا العمل الجليل وما يترتب عليه من نفع لعموم المسلمين، وحينما أراد الله تعالى -العليم الحكيم الخبير- أن يتم هذا العمل ويخرج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة هيأ سبحانه له الأسباب وفتح له الأبواب المؤصدة. ولمَّا أتَمَّ اللهُ تلك النعمة الجليلة وأسبغها وافرة، فرح بها الساعي فيها فرحًا شديدًا، وغمرته سعادة وبهجة وسرورًا، وندع له المجال ليعبر بلسانه عن فرحته وبهجته حيث يقول ﵀: وقد ازددتُ إدراكًا لفضل الله عليَّ، وعلى الناس، إذ قدَّرَ لهذا المشروع النجاح، حين كنت خارج مصر، في بلاد بعيدة، أستمع إلى المصحف المرتل، من الإذاعة، أو أستمع إليه، في دور السفارات، والقنصليات العربية … لقد كان ينسلخ عني وقتئذ ـ شأني شأن كل مستمع مسلم عربي ـ الشعور بغربة اللسان أو غربة المكان، وقد حكى لي غير واحد ممن سمعوا المصحف المرتل في ديار الغربة أنهم لم يكونوا يملكون حبس دموعهم تأثرًا وفرحًا. (٣). ولاشك أنها نعمة من أن أجل النعمة التي يُفرح بها وبمثلها، وأنها من محض فضل الله على عباده، كما قال ربنا: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس: ٥٨). والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

стр. 449

حسن الظن بالله: كانت تطلعات وآمال الدكتور النبيل/ لبيب السعيد تتجه نحو تكامل هذا المشروع، وذلك بتسجيل القرآن الكريم بجميع رواياته، وكان بالفعل قد وضع خطة لهذا العمل العظيم وكله آمل ورجاء في إتمامه وإكماله في حياته، وها هو يعبر عن مكنون نفسه تجاه هذا الأمل الكبير فيقول ﵀: فليت أن المشروع يتم عاجلاً، وفق التخطيطات المرسومة له! وليت أن الله صاحبَ الفضل والمنة ينفع بهذا المشروع كما نحب، وخيرًا مما نحب! وليت أنه ـ سبحانه ـ يجعل هذا المشروع ـ دائمًا ـ عملاً خالصًا تمامًا لوجهه الكريم. (١). ولا شك أن الله تَعالَى يقول: "أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي" (٢). فمن أحسن الظن بالله وقرنه بحسن العمل وصدق النية وصلاح الطوية فلا شك أن مثل هذا حري أن يوفق لكل خير. ولو عاش ﵀ لزماننا لوقف بنفسه ورأى بأم عينيه ما تقر به نفسه. وهذا العمل العظيم تعجز الأقلام أن تسطره توّفية لحقه، وينتهي المداد دون أن نحمد الله على تلك النعمة ونشكرها حق شكرها، فالحمد لله الشكور الذي يجازي على القليل كثيرًا، والحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة. من مشاهد التنافس في هذا الميدان: أولًا: تسجيل المصحف المرتل برواية حفص عن عاصم بطرق مختلفة كما أن هذا العمل كان دافعًا لكبار القراء ومشاهير للتنافس في هذا الميدان الجليل فقد تنافس عدد من القراء الكبار في تسجيل القرآن الكريم كاملًا بأصواتهم برواية حفص عن عاصم بطرق مختلفة (٣) وتم التسجيل لصالح الإذاعة المصرية، والتي كونت لجنة علمية للإشراف على تلك التسجيلات ومراجعتها. وقد سجلت تلك التسجيلات بأصوات أصحاب الفضيلة المشايخ: ١ - الشيخ محمود خليل الحصري (ت: ١٤٠٠ هـ) ٢ - الشيخ مصطفى إسماعيل (ت: ١٣٣٩ هـ) ٣ - الشيخ محمود علي البنا (ت: ١٤٠٥ هـ)

стр. 450

٤ - الشيخ محمد صديق المنشاوي (ت: ١٣٨٩ هـ) ٥ - الشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد (ت: ١٤٠٩ هـ) ٦ - الشيخ محمود صديق المنشاوي (ت: ١٣٨٩ هـ) ٧ - الشيخ علي حجاج السويسي (ت: ١٤٢٣ هـ) ٨ - الشيخ الشحات محمد أنور (ت: ١٤٢٨ هـ) ٩ - الشيخ أحمد محمد عامر (ت: ١٤٢٩ هـ) ١٠ - الشيخ الطبيب أحمد نعينع (م) ثانيًا: تسجيل المصحف المجود برواية حفص عن عاصم -أيضًا -: وزاد التنافس والبذل في هذا الميدان بصورة أوسع، فتنافس أربعة من القراء الكبار في تسجيل المصحف المجود برواية حفص عن عاصم، لصالح الإذاعة المصرية، والتي كونت لجنة علمية للإشراف على تلك التسجيلات ومراجعتها وقد سجلت تلك التسجيلات بأصوات أصحاب الفضيلة المشايخ: ١ - الشيخ مصطفى إسماعيل (ت: ١٣٣٩ هـ) ٢ - الشيخ محمود علي البنا (ت: ١٤٠٥ هـ) ٣ - الشيخ محمود خليل الحصري (ت: ١٤٠٠ هـ) ٤ - الشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد (ت: ١٤٠٩ هـ) تسجيل القرآن كاملًا برواية ورش عن نافع المدني: اتساع ميدان التنافس وتسجيل رواية ورش (ت: ١٩٧ هـ) عن نافع المدني (ت: ٩٠ هـ). ولقد اتسع ميدان التنافس والمسارعة في الخيرات في هذا الميدان بصورة أكثر اتساعًا، فتنافس عَلَمَان من أعلام القراء في تسجيلات القرآن برواية ورش عن نافع المدني لصالح الإذاعة المصرية وبإشرافها أيضًا، ونال هذ الشرف كل من: ١ - الشيخ محمود خليل الحصري ٢ - الشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد وكان انتشار رواية ورش المصري عن نافع المدني في مصر أولًا، وذلك في القرون الأولى، وذلك باعتبار أن إقامة ورش كانت بمصر، كما كان بها مولده ووفاته، وبعدها انتشرت في عدد من بلدان إفريقيا خاصة، فانتشرت في كل من البلدان التالية: ١ - بلاد المغرب العربي: (الجزائر والمغرب وموريتانيا) ٢ - بلاد غرب إفريقيا: (السنغال والنيجر ومالي ونيجيريا وغيرها)

стр. 451

٣ - وصولها وانتشارها كذلك في بعض نواحي بلاد إفريقية أخرى، كأجزاء في كل من: ليبيا وتشاد وجنوب وغرب تونس، وأما ليبيا وتونس فالقراءة الرسمية فيهما هي رواية قالون عن نافع المدني الافتقار إلى تسجيل ما تبقى من روايات القراءات العشر: الحقيقة أن المتأمل يرى بالفعل بعض التسجيلات قد انتشرت في بعض البلدان، وقد سجلت تلك التسجيلات ببعض الروايات من قبل بعض القراء بجهود ذاتية، وهذه التسجيلات لم ترتق غالبًا لدرجة الإتقان حتى تصل لمستوى جودة وإتقان تسجيلات كبار القراء الذين سجلوا تلك التسجيلات تحت إشراف لجان علمية متخصصة مكونة من كبار علماء عصرهم من سادة التحبير وأئمة علم القراءات والتجويد وممن تقدموا علماء عصرهم وحازوا على تقدير أقرانهم ونالوا الثقة والإمامة بشهادة وبإجماع أهل التخصص في زمانهم. العجز في استيفاء تسجيل روايات حفص بأكملها: وحتى التسجيلات المسجلة لكبار القراء بأوسع روايات القرآن انتشارًا في العالم الإسلامي، ألا وهي رواية حفص عن عاصم لم تستوعب جميع طرق تلك الروايات الواردة بأكملها والتي قد بلغت اثنين وخمسين طريقًا (١) كما ذكر ذلك ابن الجزري في كتابه "النشر في القراءات العشر" والذي قد جمع فيه ثمانية وخمسين كتابًا من كتب القراءات، وقد استقى تلك الطرق من تسعة عشر كتابًا. وقد زاد العلامة مصطفى الإزميري (٢) على الطرق التي ذكرها ابن الجزري خمس طرق أخرى صحيحة ومدققة ومحققة ومنقحة؛ وإنما كان ذلك من الإزميري نظرًا لاتصال تلاوة ابن الجزري

стр. 452

لأصحاب الكتب التسعة عشر التي استقى منها الطرق التي بلغت اثنين وخمسين طريقًا، وقد رويت هذه الطرق الزائدة وتشعبت عن طرق ابن الجزري التي أوردها في كتابه" النشر"، وقد تلقاها أهل الأداء بالقبول ثم الإقراء والإجازة بها. (١) المصاحف المسجلة في مجمع الملك فهد بالمدينة النبوية: ومن الجهود المبذولة في التسجيلات المعتمدة والتي أشرفت عليها جهات علمية معتمدة وموثقة ما تم تسجيله من تلاوات في مجمع الملك فهد. ولقد أوضح الدكتور محمد سالم بن شديد العوفي الأمين العام للمجمع أن المصاحف المرتلة التي تم إنتاجها حتى الآن في المجمع هي: أولًا: المصحف المرتل وفق رواية حفص عن عاصم الكوفي بصوت كل من أصحاب الفضيلة: ١ - الشيخ علي بن عبدالرحمن الحذيفي (م) إمام وخطيب المسجد النبوي ورئيس لجنة مراجعة المصحف بالمجمع

стр. 453

٢ - الشيخ إبراهيم بن الأخضر القيم (م) شيخ القراء بالمسجد النبوي إمام الحرمين "سابقًا" ٣ - الشيخ محمد أيوب بن محمد يوسف بن سليمان عمر. إمام المسجد النبوي "سابقًا" (ت: ١٤٣٧ هـ) ٤ - الشيخ عبد الله بن علي بصفر (م) (١) ٥ - الشيخ عماد بن زهير حافظ (م) - إمام مسجد قباء (٢)، وفق رواية حفص عن عاصم بقصر المنفصل من طريق طيبة النشر ٦ - الشيخ خالد بن سليمان المهنا (م) (٣) وفق رواية حفص من طريق قصر المنفصل ٧ - الشيخ ماهر بن حمد المعيقلي إمام المسجد الحرام (م) ثانيًا: المصحف المرتل بروايات أخر غير رواية حفص عن عاصم كما تم تسجيل المصحف المرتل في مجمع الملك فهد بروايات أخر مختلفة على النحو التالي: ١ - المصحف المرتل وفق رواية قالون عن نافع المدني بصوت: الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي إمام وخطيب المسجد النبوي ورئيس لجنة مراجعة المصحف بالمجمع ٢ - المصحف المرتل وفق رواية ورش عن نافع المدني بصوت: الشيخ إبراهيم بن سعيد الدوسري (م). (٤) ٣ - المصحف المرتل وفق رواية الدوري عن أبي عمرو البصري بصوت الشيخ: عبدالله بن عواد الجهني إمام المسجد الحرام (م) ٤ - المصحف المرتل وفق رواية السوسي عن أبي عمرو البصري بصوت الشيخ: عثمان بن محمد الصديقي (م). (٥) (٦)

стр. 454

والباحث قد اكتفى ببحث ظهور أول تسجيل للقرآن الكريم كاملًا لأمرين: الأمر الأول: لمكانته وقدره، حيث إنه يُعد اول باكورة أعمال هذا الجمع المبارك "الجمع الصوتي". الأمر الثاني: لتوقع خفائه على كثير من الناس. ولم يعرج على ما ظهر من تسجيلات بعد ذلك لكثرتها وشيوعها وذيوعها وانتشارها كانتشار الشمس وسطوعها في ربيعة النهار، وفشوِّها وذيوعها ومسيرها في الدنيا كمسير الليل والنهار. المطلب الثاني: ضوابط في تسجيل القرآن الكريم إن من إجلال كلام الله تعالى العناية به من كل وجه، ومن أجلِّ تلك الوجوه العناية به عند تسجيله، فالقرآن كما اعتني به في جمعه في عهوده الثلاثة فضُبِطَ محفوظًا في الصدور، وضُبِطَ كذلك مكتوبًا في السطور، فينبغي كذلك أن يُضبط عن تسجيله عبر وسائل التسجيل المتنوعة المعاصرة. تنبيه من الأهمية بمكان: من الأهمية بمكان في هذا المبحث الهام التنبيه على أمور عظام من أجلها ما يلي: أولًا: من المعلوم والمشاهد أن هناك تسجيلات لتلاوات كثيرة مختلفة ومتناثرة في الإذاعات ووسائل البث لا يُحصي عددها كثرة إلا الله ثانيًا: من هذه التسجيلات ما نال واستحق درجة الإتقان لكنه لم يخضع لإشراف أي جهة علمية متخصصة ومعتمدة وموثوقة ثالثًا: يجب أن تخضع تلك التسجيلات لرقابة وإشراف لجان علمية معتمدة من أئمة التخصص، وذلك لضمان إخراجها خالية من أي خطأ من جهة، ولتحوز على اطمئنان المسلمين لها والثقة فيها من جهة أخرى. رابعًا: لو أردنا أن نقيس الجمع الرابع للقرآن ألا وهو "الجمع الصوتي" على جمعه في عهديه الثاني والثالث في عهد الخليفتين الراشدين لوجدنا أنهما مع ثقتهم في الصحابة أجمعين إلا أنهما كونا لجنة بقيادة زيد بن ثابت ووضعوا لها من الأسس والضوابط والشروط المحكمة التي تضمن بها بعد توفيق الله وإعانته خروج المصحف سالمًا من الأخطاء. خامسًا: اللجان العلمية التي تشرف على الجمع الصوتي يجب أن تشبه لجنة الجمع في عهديه الثاني والثالث، فكما أن اللجنة المشرفة على الجمع في ذانك العهدين كانت على أعلى مستوى من الخبرة والإتقان والأمانة والديانة، فكذلك يجب أن يكون الأمر نفسه في لجان الجمع الصوتي، فَتُكَوَّن لجانٌ علمية على أعلى مستوى من علماء القراءات والتجويد المشهود لهم بالإمامة في ذلك من أهل عصرهم من قبل هيئات علمية متخصصة ومعتمدة، وكما أن الجمع في هذين العهدين كان بصفة رسمية ممن ولاهم الله أمر المسلمين، فكذلك يجب في هذا

стр. 455

الجمع- الصوتي- أن يأخذ صفة-الرسمية- وكما أن المصاحف المطبوعة لا تطبع ولا تنشر إلا بإشراف جهات عليا رسمية ومأمونة وموثوقة ومعتمدة في بلاد الإسلام، كمجمع الملك فهد في المملكة العربية السعودية، وكالأزهر في مصر، فهكذا يجب أن يكون ذلك في المصاحف المرتلة المسجلة-أيضًا- سواء بسواء، وذلك قياسًا على لجنة جمع القرآن في عهديه الثاني والثالث لضمان سلامة تلك التسجيلات التي ستبقى بين يدي المسلمين إلى ما شاء الله. سادسًا: ولذا يجب التأكيد على أن التسجيلات الفردية يجب أن تمنع منعًا باتًا ويمنع خروجها وبثها ونشرها للمسلمين حتى تخضع لإشراف لجان علمية متخصصة ومعتمدة- رسميًا- كما أسلفنا، وبذلك يضيق الخناق على الأعمال الفردية حتى تخضع للرقابة والإشراف العلمي من الهيئات العلمية الموثوقة والمعتمدة في بلاد الإسلام، وبذلك نضمن عدم العبث بكتاب الله والحد من تلك التسجيلات التي لم ترتق إلى المستوى المطلوب من الاتقان والجودة، وما أكثرها. ومن الأهمية بمكان بيان أهم المعايير والضوابط التي ينبغي أن تتحقق فيمن يُسَجَّل له القرآن، وهو "القارئ" الذي يجب أن تتوافر فيه مراعاة آداب التلاوة الظاهرة-والتي تشير غالبًا إلى الآداب الباطنة-، وجودة الأداء المطلوبة والتي من أبرزها ما يلي: الضابط الأول: الإخلاص في تلاوة القرآن فإن الإخلاص لله تعالى مطلبٌ عزيز، ومقصدٌ نفيس، وهو دليل صلاح العبد وصدق نيته وصلاح طويته وزكاة نفسه، وسلامة إيمانه، وصدق يقينه، وهو مطلب من أعظم مطالب الدين، وإن مراعاة جانب الإخلاص لله تعالى في تلاوة القرآن من أعظم الأمور التي حث عليه الشرع المطهر، ذلك لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان لوجهه خالصًا ولشرعه موافقًا، ومن ذلك تلاوة القرآن، التي هي من أجل العبادات، والعبادات مبناها على الإخلاص لله تعالى؛ كما قال ربنا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥). التخويف من قراءة القرآن لغير الله: ولقد حذر النبي ﷺ أمته وخوفها أيما تخويف فقال في ذلك فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: "إنَّ اللهَ ﵎ إذا كان يومُ القيامةِ، ينزلُ إلى العبادِ (١)،

стр. 456

ليقضيَ بينهم، وكلُّ أمةٍ جاثيةٌ، فأولُ من يُدعى به رجلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، ورجلٌ قُتِلَ في سبيلِ اللهِ، ورجلٌ كثيرِ المالِ، فيقولُ اللهُ للقارئ: ألم أُعلِّمْك ما أَنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فما عملتَ فيما علمتَ؟ قال: كنتُ أقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، فيقولُ اللهُ له: كذبتَ، وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ اللهُ ﵎: بل أردتَ أن يقالَ: فلان قارئٌ، وقد قيل ذلك ويُؤتى بصاحبِ المالِ، فيقولُ اللهُ : ألم أُوَسِّعْ عليك حتى لم أدعْك تحتاجُ إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ؛ قال: فماذا عملتَ فيما آتيتُك؟ قال: كنتُ أَصِلُ الرَّحِمَ، أتصدَّقُ. فيقولُ اللهُ له: كذبتَ، وتقولُ الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ اللهُ ﵎: بل أردتَ أن يُقالَ: فلانٌ جوَادٌ، وقد قيل ذلك. ويؤتَى بالذي قُتِلَ في سبيلِ اللهِ، فيقولُ اللهُ له: فبماذا قُتِلْتَ؟ فيقولُ: أيْ ربِّ! أُمرتُ بالجهادِ في سبيلِك، فقاتلتُ حتى قُتِلتُ، فيقولُ اللهُ له: كذبتَ، وتقولُ الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ اللهُ: بل أردتَ أن يُقالَ: فلانٌ جريءٌ، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسولُ اللهِ على رُكبتي فقال: يا أبا هريرةَ أولئك الثلاثةُ أولُ خلقِ اللهِ تُسَعَّرُ بهم النارُ يومَ القيامةِ (١). وقيل: إنَّما كان هؤلاء الثَّلاثةُ أوَّلَ خلْقِ اللهِ تعالى تُسعَّرُ بهم النَّارُ؛ لكونِ هذه العِباداتِ (تعلُّم القُرآنِ وتَعليمه، الجهاد، والإنفاق) رَفيعةَ القدْرِ عندَ اللهِ تعالى؛ فلمَّا لم يَبتَغِ أصحابُها بها وجْهَ اللهِ تعالى، بلْ طلَبوا بها العاجِلَ في الدّنْيَا، وآثَروا الفانِيَ فيها على الباقي في الآخِرةِ؛ فجازاهم اللهُ تعالى بأنْ جعَلَهم أوَّلَ مَن تُسعَّرُ بهم النَّارُ؛ إذ العِقابُ على قدْرِ عِظَمِ الجُرْمِ. وفي الحديثِ: التَّحذيرُ من الرِّياءِ، وبَيانُ شِدَّةِ عُقوبتِه. (٢) وعن جندب بن عبدالله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به". (٣) قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀ تعليقًا على هذا الحديث: أي: من عمل عملًا على غير إخلاص، إنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جوزي على ذلك بأن يَشْهَرَه الله ويفضحه، ويبدو عليه ما كان يبطنه ويُسِرُّه من ذلك. (٤) وقال ﷺ : " تعلموا القرآن، وسلوا الله به الجنة، قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله". (٥)

стр. 457

ولعظم قدر القرآن ومكانته فإنه لا يُطلب به عرضًا زائلا من أعراض الدنيا كشرف المنزلة عند الناس وحسن ثنائهم عليه وصرف وجوههم إليه، أو ارتفاع على أقرانه، أو كطلب رئاسة أو جاه أو مال، أو لقضاء حوائجه والإفسحاء له في المجالس وتصديره فيها، أو نحو ذلك مما سوى التقرب إلى الله تعالى .. من حظوظ النفس ومشتهياتها. ومن أعظم ما يزجر عن هذه الخصال المذمومة قول الله : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥). ولقد ذكر النبي ﷺ أحوال الناس مع قراءة القرآن، وأثره فيهم: كما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ- ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ. (١) قال الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀ في" الفتح": قوله: طعمها طيب، وريحها طيب قيل: خص صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالريح؛ لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن، إذا يمكن حصول الإيمان بدون القراءة. (٢) وعن إياس بن عامر قال أخذ علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) بيدي ثم قال: إنك إن بقيت سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدنيا ومن طلب به أدرك. (٣)، أي أدرك ما كان يقرأ القرآن من أجله، وهذا أمرٌ واقعٌ وُمشَاهْدٌ في حياة الناس. قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ والناس في هذا أربع طبقات: الأولى: أهل القرآن والإيمان، وهم أفضل الناس. والثانية: من عدم القرآن والإيمان. والثالثة: من أوتي قرآنًا، ولم يؤتَ إيمانًا. والرابع: من أوتي إيمانًا، ولم يؤتَ قرآنًا.

стр. 458

قالوا: فكما أن من أوتي إيمانًا بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآنًا بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبرًا وفهماً في التلاوة، أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر. (١) وفي نحو ذلك يروي أحد القراء المعاصرين فيقول: روى لنا شيخنا المُعَمَّر، المقرئ، الشيخ: أبو منير؛ محمد السيد إسماعيل (٢) حفظه الله وأمد في عمره: "أن السلطان: عبد الحميد العثماني، جمع كبار القراء من أقطار العالم الإسلامي، وذلك في قصر يلدز، "وهو قصر الخلافة العثمانية في اسطنبول" وطلب السماع منهم، وكان آخرهم قراءة المقرئ الشيخ: حسين موسى شرف الدين المصري الأزهري "وهو أحد مشايخ شيوخ الشيخ محمد راوي القصة؛ والذي يرد ذكره في شجرة القراء وكان مجاورًا في المدرسة البادرائية بدمشق" وبعد أن أتم القراءة. صفقت زوجة السلطان من وراء الستارة: أن يقرأ آخر مقرئ مرة أخرى. ولما طلب السلطان من الشيخ إعادة القراءة؛ غضب الشيخ وأبى قائلاً: "قرأنا لله؛ ولا نقرأ لفلان، وفلان". (٣)، فأين قراء زماننا من هذا.؟! قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: قُرَّاءُ القرآنِ ثلاثة: الأول: رجل اتخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر، يطلب به ما عند الناس الثاني: وقوم حفظوا حروفه، وضيعوا حدوده، واستدروا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم الثالث: ورجل قرأ القرآن، فبدأ بما يعلم من دواء القرآن، فوضعه على داء قلبه، فسهر ليله، وهملت عيناه، وتسربلوا بالخشوع، وارتدوا الحزن، وركدوا في محاريبهم، وحثوا في برانسهم. فبهم يسقي الله الغيث، وينزل المطر، ويرفع البلاء، والله لهذا الضرب في حملة القرآن أقل من الكبريت الأحمر. (٤) الإخلاص عمل قلبي:

стр. 459

والإخلاص وإن كان من أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، غير إن الله جعل ما يشير إلى ذلك في الظاهر وهو مما يدلل على ما في الباطن غالبًا، ألا وهو التحلي بالخشوع في التلاوة، فمن تحلى بالخشوع في قراءته ظهر أثر ذلك عليه لأولى الألباب، وذلك مصداق ما رواه ابن ماجه في السنن من حديث جابر بن عبدالله- (ت: ٩٤ هـ) ﵁ قال قال رسول الله عليه وسلم: "إن من أحسنِ الناسِ صوتًا بالقرآنِ الذي إذا سمعتَه يقرأُ، رأيتَ أنَّه يخشى اللهَ" (١)، ولا شك في أن الخشوع عمل قلبي غير إن الله أظهره على الجوارح. فإن التَّعبُّدَ للهِ بتِلاوَةِ القُرآنِ من أفضَلِ العِباداتِ، خاصَّةً إذا كان بتَدَبُّرٍ وخُشوعِ وعَمَلٍ بما فيه؛ وحتى يَحصُلَ الخُشوعُ في التِّلاوَةِ؛ فإنَّ اللهَ أمَر بحُسْنِ التِّلاوَةِ مع التَّدَبُّرِ، وفي هذا الحديثِ: يُخبِرُ النَّبيُّ ﷺ عن ذلك؛ حيثُ قال: "إنَّ مِن أحسَنِ النَّاسِ صَوتًا بالقُرآنِ"، أي: أفضَلِ الأصْواتِ تِلاوَةً للقُرْآنِ "الذي إذا سَمِعتَه يَقرَأُ، رَأيتَ أنَّه يَخْشى اللهَ"، أي: أنَّ المَطْلوبَ من تَحْسينِ الصَّوتِ بالقُرآنِ أنْ تُنتِجَ قِراءَتُه خَشيَةَ اللهِ، فمَن رأيتُم فيه الخشيَةَ، فقد حسَّن الصَّوتَ بالقُرآنِ، وهذا حَثٌّ من النَّبيِّ ﷺ على تَحْسينِ الصَّوتِ به، وعلى تَرْتيلِه، فإذا قَرَأَ بهذه الصِّفَةِ، كان أوقَعَ في القَلْبِ وأشَدَّ تأثيرًا لسامِعِه. (٢) وقوله: (حسبتموه يخشى الله) أي المطلوب من تحسين الصوت بالقرآن أن تنتج قراءته خشية الله فمن رأيتم فيه الخشية فقد حسن الصوت بالقرآن المطلوب شرعًا فيعد من أحسن الناس صوتًا. (٣) ولذا يجب أن يكون يكن الخوف من وقوع الرياء في القراءة باعثًا للقارئ على الإخلاص في قراءته، ولا يكن ذلك الأمر مثبطًا له عن المضي في القراءة بخشوع وحضور قلب؛ فإن الشيطانَ

стр. 460

يخوف العبدَ شاهرًا في وجهه سلاح الرياء، ليحمله على ترك العمل الصالح، فالمؤمن يقرأ ويحسن قراءته مبتغيًا بذلك وجه الله تعالى متوكلًا عليه، قائلًا لنفسه "ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله عنهما" (١)، وما من أحد عمل عملاً إلا سار في قلبه سَوْرَتان (٢)، فإذا كانت الأولى منهما لله فلا تَهيدَنَّه الآخرة. (٣). قال ابن الأثير (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: المعنى: إذا أراد فعلًا وصحت نيته فيه فوسوس له الشيطان فقال: إنك تريد بهذا الرياء، فلا يمنعه ذلك عن فعله. (٤) فالإخلاص أن لا يكون للناس أي حظ من العبادة، ولا يترك المتعبد شيئًا منها لأجلهم. (٥)، ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لا نسد عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئًا عظيمًا من مهمات الدين، وليس هذا طريق العارفين. فليقبل العبد على ربه وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، كما قال ربنا العظيم: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) (النحل: ٩٨ - ١٠١). إذًا فلا بد من استحضار النيَّة عند تلاوة القرآن، ولتكن تلاوته استجابةً لأمره سبحانه القائل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (النمل: ٩١ - ٩٢).
следующие страницы →