← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 825

الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (640 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ليقضيَ بينهم، وكلُّ أمةٍ جاثيةٌ، فأولُ من يُدعى به رجلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، ورجلٌ قُتِلَ في سبيلِ اللهِ، ورجلٌ كثيرِ المالِ، فيقولُ اللهُ للقارئ: ألم أُعلِّمْك ما أَنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فما عملتَ فيما علمتَ؟ قال: كنتُ أقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، فيقولُ اللهُ له: كذبتَ، وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ اللهُ ﵎: بل أردتَ أن يقالَ: فلان قارئٌ، وقد قيل ذلك ويُؤتى بصاحبِ المالِ، فيقولُ اللهُ : ألم أُوَسِّعْ عليك حتى لم أدعْك تحتاجُ إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ؛ قال: فماذا عملتَ فيما آتيتُك؟ قال: كنتُ أَصِلُ الرَّحِمَ، أتصدَّقُ. فيقولُ اللهُ له: كذبتَ، وتقولُ الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ اللهُ ﵎: بل أردتَ أن يُقالَ: فلانٌ جوَادٌ، وقد قيل ذلك. ويؤتَى بالذي قُتِلَ في سبيلِ اللهِ، فيقولُ اللهُ له: فبماذا قُتِلْتَ؟ فيقولُ: أيْ ربِّ! أُمرتُ بالجهادِ في سبيلِك، فقاتلتُ حتى قُتِلتُ، فيقولُ اللهُ له: كذبتَ، وتقولُ الملائكةُ: كذبتَ، ويقولُ اللهُ: بل أردتَ أن يُقالَ: فلانٌ جريءٌ، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسولُ اللهِ على رُكبتي فقال: يا أبا هريرةَ أولئك الثلاثةُ أولُ خلقِ اللهِ تُسَعَّرُ بهم النارُ يومَ القيامةِ (١). وقيل: إنَّما كان هؤلاء الثَّلاثةُ أوَّلَ خلْقِ اللهِ تعالى تُسعَّرُ بهم النَّارُ؛ لكونِ هذه العِباداتِ (تعلُّم القُرآنِ وتَعليمه، الجهاد، والإنفاق) رَفيعةَ القدْرِ عندَ اللهِ تعالى؛ فلمَّا لم يَبتَغِ أصحابُها بها وجْهَ اللهِ تعالى، بلْ طلَبوا بها العاجِلَ في الدّنْيَا، وآثَروا الفانِيَ فيها على الباقي في الآخِرةِ؛ فجازاهم اللهُ تعالى بأنْ جعَلَهم أوَّلَ مَن تُسعَّرُ بهم النَّارُ؛ إذ العِقابُ على قدْرِ عِظَمِ الجُرْمِ. وفي الحديثِ: التَّحذيرُ من الرِّياءِ، وبَيانُ شِدَّةِ عُقوبتِه. (٢) وعن جندب بن عبدالله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به". (٣) قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀ تعليقًا على هذا الحديث: أي: من عمل عملًا على غير إخلاص، إنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جوزي على ذلك بأن يَشْهَرَه الله ويفضحه، ويبدو عليه ما كان يبطنه ويُسِرُّه من ذلك. (٤) وقال ﷺ : " تعلموا القرآن، وسلوا الله به الجنة، قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله". (٥)

стр. 457

ولعظم قدر القرآن ومكانته فإنه لا يُطلب به عرضًا زائلا من أعراض الدنيا كشرف المنزلة عند الناس وحسن ثنائهم عليه وصرف وجوههم إليه، أو ارتفاع على أقرانه، أو كطلب رئاسة أو جاه أو مال، أو لقضاء حوائجه والإفسحاء له في المجالس وتصديره فيها، أو نحو ذلك مما سوى التقرب إلى الله تعالى .. من حظوظ النفس ومشتهياتها. ومن أعظم ما يزجر عن هذه الخصال المذمومة قول الله : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥). ولقد ذكر النبي ﷺ أحوال الناس مع قراءة القرآن، وأثره فيهم: كما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ- ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ. (١) قال الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀ في" الفتح": قوله: طعمها طيب، وريحها طيب قيل: خص صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالريح؛ لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن، إذا يمكن حصول الإيمان بدون القراءة. (٢) وعن إياس بن عامر قال أخذ علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) بيدي ثم قال: إنك إن بقيت سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدنيا ومن طلب به أدرك. (٣)، أي أدرك ما كان يقرأ القرآن من أجله، وهذا أمرٌ واقعٌ وُمشَاهْدٌ في حياة الناس. قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ والناس في هذا أربع طبقات: الأولى: أهل القرآن والإيمان، وهم أفضل الناس. والثانية: من عدم القرآن والإيمان. والثالثة: من أوتي قرآنًا، ولم يؤتَ إيمانًا. والرابع: من أوتي إيمانًا، ولم يؤتَ قرآنًا.

стр. 458

قالوا: فكما أن من أوتي إيمانًا بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآنًا بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبرًا وفهماً في التلاوة، أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر. (١) وفي نحو ذلك يروي أحد القراء المعاصرين فيقول: روى لنا شيخنا المُعَمَّر، المقرئ، الشيخ: أبو منير؛ محمد السيد إسماعيل (٢) حفظه الله وأمد في عمره: "أن السلطان: عبد الحميد العثماني، جمع كبار القراء من أقطار العالم الإسلامي، وذلك في قصر يلدز، "وهو قصر الخلافة العثمانية في اسطنبول" وطلب السماع منهم، وكان آخرهم قراءة المقرئ الشيخ: حسين موسى شرف الدين المصري الأزهري "وهو أحد مشايخ شيوخ الشيخ محمد راوي القصة؛ والذي يرد ذكره في شجرة القراء وكان مجاورًا في المدرسة البادرائية بدمشق" وبعد أن أتم القراءة. صفقت زوجة السلطان من وراء الستارة: أن يقرأ آخر مقرئ مرة أخرى. ولما طلب السلطان من الشيخ إعادة القراءة؛ غضب الشيخ وأبى قائلاً: "قرأنا لله؛ ولا نقرأ لفلان، وفلان". (٣)، فأين قراء زماننا من هذا.؟! قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: قُرَّاءُ القرآنِ ثلاثة: الأول: رجل اتخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر، يطلب به ما عند الناس الثاني: وقوم حفظوا حروفه، وضيعوا حدوده، واستدروا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم الثالث: ورجل قرأ القرآن، فبدأ بما يعلم من دواء القرآن، فوضعه على داء قلبه، فسهر ليله، وهملت عيناه، وتسربلوا بالخشوع، وارتدوا الحزن، وركدوا في محاريبهم، وحثوا في برانسهم. فبهم يسقي الله الغيث، وينزل المطر، ويرفع البلاء، والله لهذا الضرب في حملة القرآن أقل من الكبريت الأحمر. (٤) الإخلاص عمل قلبي:

стр. 459

والإخلاص وإن كان من أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا علام الغيوب، غير إن الله جعل ما يشير إلى ذلك في الظاهر وهو مما يدلل على ما في الباطن غالبًا، ألا وهو التحلي بالخشوع في التلاوة، فمن تحلى بالخشوع في قراءته ظهر أثر ذلك عليه لأولى الألباب، وذلك مصداق ما رواه ابن ماجه في السنن من حديث جابر بن عبدالله- (ت: ٩٤ هـ) ﵁ قال قال رسول الله عليه وسلم: "إن من أحسنِ الناسِ صوتًا بالقرآنِ الذي إذا سمعتَه يقرأُ، رأيتَ أنَّه يخشى اللهَ" (١)، ولا شك في أن الخشوع عمل قلبي غير إن الله أظهره على الجوارح. فإن التَّعبُّدَ للهِ بتِلاوَةِ القُرآنِ من أفضَلِ العِباداتِ، خاصَّةً إذا كان بتَدَبُّرٍ وخُشوعِ وعَمَلٍ بما فيه؛ وحتى يَحصُلَ الخُشوعُ في التِّلاوَةِ؛ فإنَّ اللهَ أمَر بحُسْنِ التِّلاوَةِ مع التَّدَبُّرِ، وفي هذا الحديثِ: يُخبِرُ النَّبيُّ ﷺ عن ذلك؛ حيثُ قال: "إنَّ مِن أحسَنِ النَّاسِ صَوتًا بالقُرآنِ"، أي: أفضَلِ الأصْواتِ تِلاوَةً للقُرْآنِ "الذي إذا سَمِعتَه يَقرَأُ، رَأيتَ أنَّه يَخْشى اللهَ"، أي: أنَّ المَطْلوبَ من تَحْسينِ الصَّوتِ بالقُرآنِ أنْ تُنتِجَ قِراءَتُه خَشيَةَ اللهِ، فمَن رأيتُم فيه الخشيَةَ، فقد حسَّن الصَّوتَ بالقُرآنِ، وهذا حَثٌّ من النَّبيِّ ﷺ على تَحْسينِ الصَّوتِ به، وعلى تَرْتيلِه، فإذا قَرَأَ بهذه الصِّفَةِ، كان أوقَعَ في القَلْبِ وأشَدَّ تأثيرًا لسامِعِه. (٢) وقوله: (حسبتموه يخشى الله) أي المطلوب من تحسين الصوت بالقرآن أن تنتج قراءته خشية الله فمن رأيتم فيه الخشية فقد حسن الصوت بالقرآن المطلوب شرعًا فيعد من أحسن الناس صوتًا. (٣) ولذا يجب أن يكون يكن الخوف من وقوع الرياء في القراءة باعثًا للقارئ على الإخلاص في قراءته، ولا يكن ذلك الأمر مثبطًا له عن المضي في القراءة بخشوع وحضور قلب؛ فإن الشيطانَ

стр. 460

يخوف العبدَ شاهرًا في وجهه سلاح الرياء، ليحمله على ترك العمل الصالح، فالمؤمن يقرأ ويحسن قراءته مبتغيًا بذلك وجه الله تعالى متوكلًا عليه، قائلًا لنفسه "ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله عنهما" (١)، وما من أحد عمل عملاً إلا سار في قلبه سَوْرَتان (٢)، فإذا كانت الأولى منهما لله فلا تَهيدَنَّه الآخرة. (٣). قال ابن الأثير (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: المعنى: إذا أراد فعلًا وصحت نيته فيه فوسوس له الشيطان فقال: إنك تريد بهذا الرياء، فلا يمنعه ذلك عن فعله. (٤) فالإخلاص أن لا يكون للناس أي حظ من العبادة، ولا يترك المتعبد شيئًا منها لأجلهم. (٥)، ولو فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس، والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لا نسد عليه أكثر أبواب الخير، وضيع على نفسه شيئًا عظيمًا من مهمات الدين، وليس هذا طريق العارفين. فليقبل العبد على ربه وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، كما قال ربنا العظيم: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) (النحل: ٩٨ - ١٠١). إذًا فلا بد من استحضار النيَّة عند تلاوة القرآن، ولتكن تلاوته استجابةً لأمره سبحانه القائل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (النمل: ٩١ - ٩٢).

стр. 461

الضابط الثاني: أن يكون القارئ عاملًا بالقرآن، متحليًا بالتخلية والتحلية إن الأصل الدافع لهذا الضابط هو ما سنه الخليفة الراشد والصديق الأول أبو بكر ﵁ حينا اختار "زيدًا" للقيام بمهمة الجمع الثاني فقال له: " إنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، وقدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ" (١) فقوله: "لا نَتَّهِمُكَ" فيه معنى التخلية عن كل ما تركن إليه النفس، وكل ما تتهم به من الموانع القادحة كخوارم المروءة ومما يشين من الخلال والسمات غير الحميدة. وقوله: "وقدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ "، فيه معنى التحلية، وذلك لأن اختياره ﷺ لزيد "كاتبًا للوحي" يُعد تزكية له من أعلى التزكيات، كما أن اعتماد الصديق لمنهج "التخلية والتحلية" في اختياره لزيد يُعد بذلك أول من سن في الإسلام سنة "شهادة الخبرة". بعد رسول الله ﷺ (٢)، وبذلك تنعقد عليه الثقة وتطمئن إليه النفس. وكما أن هذا الوصف الذي قد اجتمع في زيد في الجمع الأول، قد اعتمده وقرره الخليفة الثالث الراشد عثمان ﵁ في الجمع الثالث في اختياره لزيد ليقوم بهمة الجمع الثالث، وفي ذلك إقرار لما أمضاه الصديق ﵁ واعتمده في اختيار زيد ﵁. وهذا الوصف الذي اتصف به زيد يجب أن يتصف به كل من يقوم على في كل عهد من عهوده-كذلك-، وإن كان الوصف نسبي بين وصف الصحابي ووصف غيره. ولا شك أن الجمع الرابع" الجمع الصوتي" يندرج تحت مسمى "الجمع". الصحابة ﵃ والعمل بالقرآن لقد أنزلَ الله تعالى القرآنَ على رسوله الكريم ﷺ ليعلّمه أمته، وليكون منهاجًا لهم في حياتهم يتدارسونه ويعملون به، فيأتمرون بأوامره وينتهون عن نواهيه.

стр. 462

فعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا. (١) قال السندي (٢) رحمه الله تعالى: (حَزَاوِرَةٌ) جمع الحَزْوَر، ويقال له: الحزوَّر بتشديد الواو؛ هو الغلام إذا اشتد وقوي وحَزُم. كذا في الصحاح، وفي النهاية: هو الذي قارب البلوغ قوله: (فازددنا به) أي بسبب القرآن. (٣) وفي نحو هذا الأدب يقول أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ) ﵀: أن يحرص قارئ القرآن على أن يعمل بما قرأه من القرآن الكريم في حياته الدنيا حتى تكون التلاوة حجة له يوم القيامة وليست حجة عليه". (٤) وهذه هي الحال التي وصفها ابن عمر ﵄ بقوله: لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا وَإِنَّ أَحْدَثَنَا يُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ فِيهَا كَمَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يَدْرِي مَا أَمْرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ، وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهُ يَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ. (٥) .. (٦) قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: الصحابة أخذوا عن الرسول لفظَ القرآن ومعناه، بل كانوا يأخذون عنه المعاني مجردةً عن ألفاظِه بألفاظٍ أُخَر، كما قال جُندب بن عبد الله البَجَلي وعبد الله بن عمر: تعلَّمنا الإيمانَ ثم تعلَّمنا القرآن، فازددنا إيمانًا. فكان يُعلِّمهم الإيمانَ، وهو المعاني التي نزل بها القرآن من المأمور به والمخبَر عنه المتلقَّى بالطاعة والتصديق، وهذا حق، فإن حفاظ القرآن كانوا أقلَّ من عموم المؤمنين. (٧) ولقد أسهم تقدم الإيمان على حفظ القرآن في جيل الصحابة، وذلك لأنه كان من أول القرآن نزولًا في العهد المكي هو "سور المفصّل" التي تركز على قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر وتؤسس

стр. 463

الجانب العقدي الذي بُنِي عليه أس الإسلام، وكان ابن مسعود ﵁ يُطْلِق على سور المفصّل "لباب القرآن". "لأنه فصل فيها ما أجمل في غيره". (١) فعن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، قالت: " إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ، نَزَلَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر: ٤٦) وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ. (٢) وروى الإمام مالك (ت: ١٩٧ هـ) في "موطئه" عن يحيى بن سعيد القطان، أنّ عبد الله بن مسعود ﵁ قال لإنسان: إِنَّكَ فِي زَمَانٍ قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ، وَيُضَيَّعُ حُرُوفُهُ، قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ، كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي، يُطِيلُونَ فِيهِ الصَّلاةَ، وَيُقْصِرُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ، يُبْدُونَ فِيهِ أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ، وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ، قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ، وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَل، قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي، يُطِيلُونَ الْخُطْبَةَ، وَيُقْصِرُونَ الصَّلاةَ، وَيُبْدُونَ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ. (٣) إنما عظُم فيهم من جمع بعض سور القرآن، لما كان من شأنهم العمل بالقرآن، ولذا يقول أنس ﵁: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا". (٤)، يعني: عظُم شأنه وارتفع قدره فينا، لعمله بمقتضى ما حفظ. ويؤكد ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ هذا المعنى فيقول: كان الفاضل من أصحاب رسول الله في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرؤون القرآن، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به. (٥) وتحقيقًا لهذا المطلب الأسنى تراهم يتأخرون جدًا في حفظ السورة من القرآن، و ليس هذا من باب العجز عن الحفظ أو قصورًا في ذلك، وإنما لانشغالهم بالعمل بما دلت عليه آيات تلك

стр. 464

السورة، فمن ذلك ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: تعلم عمر ﵁ البقرة في اثنتي عشرة سنة، لما ختمها نحر جزورًا. (١) فهذا الأثر يبين أن طول مكث عمر ﵁ في تعلم سورة البقرة ليس من باب العجز أو الكسل أو التراخي-وحاشاه- ومن هو في فضله ومكانته وسبقه في كل خير وبر- وإنما لأن العلم بالقرآن عندهم اقترن بالعمل به. وها هو ابن مسعود (ت: ٧٣ هـ) ﵁ يؤكد نفس المعنى فيقول: إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن ويصعب عليهم العمل به. (٢) كما كان الأمر كذلك في جيل التابعين، وفي ذلك يقول قال الحسن البصري: إن هذا القرآن قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قِبَل أوله. قال الله تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ) (ص: ٢٩)، وما تدبُّر آياته إلا اتِّباعُه؛ ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قد قرأت القرآن كله، فما أسقط منه حرفًا وقد- والله - أسقطه كله؛ ما ترى القرآن له في خلق ولا عمل وحتى عن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نَفَس، والله ما هؤلاء بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء ولا الورعة، ومتى كانت القراء تقول مثل هذا؟ لا أكثر الله في الناس مثل هؤلاء. (٣) وفي هذا يقول ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) فيما يرويه عن بعض السلف: نزل القرآن ليُعمَل به فاتَخَذوا تلاوته عملاً؛ ولهذا كان أهل القرآن هم العاملون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه، فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السهم. (٤) أثر القرآن في الصحابة ﵃- عن أسماء بنت أبي بكر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ قالت: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله: تدمع أعينهم وتُقَشعِرُّ جلودهم. (٥)، وهم كذلك كما وصف الله أولياءه في قوله سبحانه: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ

стр. 465

الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر: ٢٣). قال ابن منظور (ت: ٧١١ هـ ﵀: القُشَعْرِيرة: الرِّعْدَة. (١) قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: قَوْلُهُ: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) أَيْ هَذِهِ صِفَةُ الْأَبْرَارِ، عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ الْجَبَّارِ، الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، لِمَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. وَالتَّخْوِيفِ وَالتَّهْدِيدِ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُهُمْ مِنَ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ، (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) لِمَا يَرْجُونَ ويُؤمِّلون مِنْ رَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ، فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ سَمَاعَ هَؤُلَاءِ هُوَ تِلَاوَةُ الْآيَاتِ، وَسَمَاعُ أُولَئِكَ نَغَمات لِأَبْيَاتٍ، مِنْ أَصْوَاتِ القَيْنات. (٢) الثَّانِي: أَنَّهُمْ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيَّا، بِأَدَبٍ وَخَشْيَةٍ، وَرَجَاءٍ وَمَحَبَّةٍ، وَفَهْمٍ وَعِلْمٍ. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ يَلْزَمُونَ الْأَدَبَ عِنْدَ سَمَاعِهَا، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ عِنْدَ سَمَاعِهِمْ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ تِلَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ مَعَ قُلُوبِهِمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. لَمْ يَكُونُوا يتصارخُون وَلَا يَتَكَلَّفُونَ مَا لَيْسَ فِيهِمْ، بَلْ عِنْدَهُمْ مِنَ الثَّبَاتِ وَالسُّكُونِ وَالْأَدَبِ وَالْخَشْيَةِ مَا لَا يَلْحَقُهُمْ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا فَازُوا بالقِدح المُعَلّى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَر قَالَ: تَلَا قَتَادَةُ، ﵀: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) قَالَ: " هَذَا نَعْتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِأَنْ تَقْشَعِرَّ جُلُودُهُمْ، وَتَبْكِيَ أَعْيُنُهُمْ، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْعَتْهُمْ بِذَهَابِ عُقُولِهِمْ وَالْغَشَيَانِ عَلَيْهِمْ، إِنَّمَا هَذَا فِي أَهْلِ الْبِدَعِ، وَهَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ". (٣) الضابط الثالث: ضبط القراءة مع مراعاة أحكام التجويد بلا تكلف ولا تعسف إن قراءة القرآن مع مراعاة أحكام التجويد من أوجب ما يجب على القارئ العناية به ولا سيما عند تسجيل القرآن، والذي سيبقى إلى ما شاء الله، والذي سيستمع إليه- كذلك- من شاء الله من عباده من لا يحصيهم كثرة إلا هو سبحانه.

стр. 466

قال ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀ في "النشر": فالتجويد مصدر من جَوَّدَ تجويدًا … فهو عندهم عبارة عن الإتيان بالقراءة مجودة الألفاظ بريئة من الرداءة في النطق، ومعناه انتهاء الغاية في التصحيح وبلوغ النهاية في التحسين، ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالنبي ﷺ أفصح من نطق العربية (١) التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها. والناس في ذلك بين محسن مأجور ومسيء آثم أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله باللفظ الصحيح العربي الفصيح وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح استغناء بنفسه واستبدادا برأيه وحدسه واتكالًا على ما ألف من حفظه واستكبارًا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه فإنه مقصر بلا شك وآثم بلا ريب وغاش بلا مرية. (٢). غير إنه يجب أن يراعى عدم التكلف والتعسف في القراءة والمبالغة في إقامة حروف القرآن والتعسف والتكلف والتقعر في النطق بها، وهذا التعسف والتكلف نهى عنه المعصوم ﷺ عمومًا فقال: " هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ" قَالَهَا ثَلَاثًا. (٣) والمُتَنَطِّعُونَ: المُتَعَمِّقُون، الغَالُونَ، المُجَاوِزُونَ الحُدَودَ في أقْوَالِهِم وأفْعَالِهِم. وقال العَلاَّمَةُ، شَيْخُ القُرَّاءِ وَالأُدَبَاءِ، أبو الحسن عَلَمُ الدِّيْنِ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ السَّخَاوي (ت: ٦٤٣ هـ): ﵀ في مَطْلَعِ قَصِيدَتِهِ الموسومة بـ: (عُمْدَةُ المُفِيدِ وَعُدّةُ الْمُجِيد في مَعْرِفَةِ التَّجْويدِ) (٤) يَا مَنْ يَرُومُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ … وَيَرُودُ شَأْوَ أَئِمَّةِ الإِتْقَانِ لَا تَحْسَبِ التَّجْوِيدَ مداًّ مُفْرِطًا … أَوْ مَدَّ مَا لا مَدَّ فِيهِ لِوَانِ أَوْ أَنْ تُشَدِّدَ بَعْدَ مَدٍّ هَمْزَةً … أَوْ أَنْ تَلُوكَ الْحَرْفَ كَالسَّكْرَانِ أَوْ أَنْ تَفُوهَ بِهَمْزَةٍ مُتَهَوِّعًا … فَيَفِرّ سَامِعُهَا مِنَ الْغَثَيَانِ لِلْحَرْفِ مِيزَانٌ فَلَا تَكُ طَاغِيًا … فِيه وَلَا تَكُ مُخْسِرَ الْمِيزَانِ.

стр. 467

وهذا التكلف في إقامة حروف القرآن، يشغل عن الهدف الأسمى والمطلب الأسنى الذي أُنزل القرآن من أجله، ألا وهو: تدبر آياته، والعمل به، وامتثال أوامره، والانتهاء عن نواهيه وحفظ حدوده وإقامتها كما أمر الله فيه. وقالَ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀ في مُقَدّمتِهِ: مُكَمِّلاً مِنْ غَيْرِ مَا تَكَلُّفِ بِاللُّطْفِ فِي النُّطْقِ بِلَا تَعَسُّفِ. (١) وفي وصف القراءة الصحيحة يقول مَكِّي بْنُ أَبِي طالبٍ القيسي (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: يجب على القارئ أن يتَوسَّطَ اللفظَ بها، ولا يتعسَّف في شِدَّة إخراجها إذا نَطَق بها، لكنْ يخرِجها بلطافةٍ ورِفْق، لأنها حرْفٌ بَعُد مَخْرَجه، فصَعُب اللفظُ بها لصعوبته. (٢) يقول ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀: فليسَ التجويدُ: بتمضيغ اللِّسَان، ولا بتقعيرِ الفَمِ ولا بتعويج الفكّ، ولا بترعيد الصوتِ، ولا بتمطيط المشدد، ولا بتقطيع المَدِّ، ولا بتطنين الغُنَّات، ولا بحصرَمة الرَّاءات، قِراءةً تنفر منها الطِباعُ، وتمُجُّها القلوبُ والأسماعُ، بل القراءة السهلةُ، العذبةُ، الحلوة اللطيفة، التي لا مَضْغَ فيها، ولا لَوكَ ولا تعَسُّفَ، ولا تكلُّف، ولا تصنُّعَ، ولا تنطُّعَ، ولا تخرج عن طباعِ العرب، وكلامِ الفصحاء بوجْهٍ من وجوه القراءاتِ والأداء. فالتجويد: هو حلية التلاوة وزينة القراءة وهو اعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها ورد الحرف إلى مخرجه وأصله وإلحاقه بنظيره وتصحيح لفظه وتلطيف النطق به على حال صيغته وكمال هيئته من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف … ثم يقول أيضًا: وهذه سنة الله ﵎ فيمن يقرأ القرآن مجودًا مصححًا كما أنزل تلتذ الاسماع بتلاوته وتخشع القلوب عند قراءته حتى يكاد أن يسلب العقول ويأخذ بالألباب؛ سر من أسرار الله تعالى يودعه من يشاء من خلقه؛ ولقد أدركنا من شيوخنا من لم يكن له حسن صوت ولا معرفة بالألحان إلا أنه كان جيد الأداء قيمًا باللفظ فكان إذا قرأ أطرب المسامع وأخذ من القلوب بالمجامع وكان الخلق يزدحمون عليه ويجتمعون على الاجتماع إليه … مع تركهم جماعات من ذوي الأصوات الحسان عارفين بالمقامات والألحان لخروجهم عن التجويد والإتقان … وأما اليوم فهذا باب أغلق وطريق سد نسأل الله التوفيق، ونعوذ به من قصور الهمم ونفاق سوق الجهل في العرب والعجم. (٣)

стр. 468

وفي نحو ذلك يقول أبو شامة المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ) ﵀: لم يبق لمعظم من يطلب القرآن العزيز هِمَّة إلَّا في قوة حفظه، وسرعة سرده، وتحرير النطق بألفاظه، والبحث عن مخارج حروفه، والرغبة في حسن الصوت به، وكل ذلك وإن كان حسنًا ولكن فوقه ما هو أهم وأتم وأولى وأحرى، وهو فهم معانيه، والتفكر فيه، والعمل بمقتضاه، والوقوف عند حدوده، وثمرة خشية الله تعالى من حسن تلاوته. (١) ويحذر ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) من هذا التكلف المذموم فيصف قراءة بعض المصلين ويقول ﵀: وقد لبس إبليس عَلَى بعض المصلين فِي مخارج الحروف فتراه يَقُول: الحمد الحمد. فيخرج بإعادة الكلمة عَنْ قانون أدب الصلاة وتارة يلبس عَلَيْهِ فِي تحقيق التشديد وتارة فِي إخراج ضاد المغضوب، ولقد رأيت من يَقُول المغضوب فيخرج بصاقة مَعَ إخراج الضاد؛ لقوة تشديده، وإنما المراد تحقيق الحرف فحسب وإبليس يخرج هؤلاء بالزيادة عن حد التحقيق ويشغلهم بالمبالغة في الحروف عَنْ فهم التلاوة وكل هذه الوساوس من إبليس. (٢) قَالَ العلامة المقرئ أبو الحسن على بن مُحَمَّد النوري الصفاقيسي (ت: ١١١٨ هـ) ﵀: وقد كان العالمون بصناعةِ التجويد يَنْطِقُونَ بها سَلِسَةً، سهلةً برفْقٍ، بلا تعَسُّف، ولا تكلُّف، ولا نبرةٍ شديدةٍ، ولا يتمكن أحدٌ من ذلك إلا بالرياضةِ، وتلقِّي ذلك من أفواه أهلِ العِلْم بالقراءة. (٣) وفي ذكر أصناف المغرورين من أرباب العبادة والعمل يقول أبو حامد الغزَّالي: وفرقةٌ أخرى: تغلبُ عليهم الوسوسةُ في إخراجِ حروفِ الفاتحةِ وسائرِ الأذكارِ من مخارجِها، فلا يزالُ يحتاطُ في التشديدات والفرقِ بينَ الضاد والظاء، وتصحيح مخارج الحروفِ في جميعِ صلاتِه، لا يهمُّه غيرُه، ولا يتفكرُ فيما سواه، ذاهلًا عن معنى القرآنِ والاتعاظِ به وصرفِ الفهمِ إلى أسرارِه، وهذا من أقبحِ أنواع الغرورِ، فإنه لم يُكَلَّف الخلقُ في تلاوةِ القرآنِ من تحقيقِ مخارج الحروفِ إلا بما جَرَت به عادتُهم في الكلامِ. ومثال هؤلاء: مثالُ من حملَ رسالةً إلى مجلسِ سلطانٍ وأُمِرَ أن يؤديها على وجهِها، فأخذَ يؤدي الرسالةَ وتأنقَ في مخارج الحروفِ ويكررُها ويعيدُها مرةً بعد أخرى، وهو في ذلك غافلٌ عن مقصودِ الرسالةِ ومراعاةِ حرمةِ المجلسِ، فما أحراه بأن تُقام عليه السياسة ويُرَدُّ إلى دارِ المجانين ويُحكم عليه بفقدِ العقلِ) (٤).

стр. 469

وقال الحافظ الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀: فالقرَّاءُ المجوِّدَةُ: فيهم تنطعٌ وتحريرٌ زائدٌ يؤدي إلى أن المجودَ القارئَ يبقى مصروفَ الهمةِ إلى مراعاةِ الحروفِ والتنطع في تجويدِها، بحيثُ يشغلُه ذلك عن تدبرِ معاني كتابِ اللهِ تعالى، ويصرفه عن الخشوعِ في التلاوةِ، ويخلِّيه قوي النفس مزدريًا بحفاظ كتاب الله تعالى، فينظر إليهم بعين المقت، وبأن المسلمين يلحنون، وبأن القرَّاءَ لا يحفظون شواذَّ القراءةِ، فليتَ شِعري أنت ماذا عرفتَ وما عملتَ؟! فأما علمُك فقيرٌ صالحٌ، وأما تلاوتُك فثقيلةٌ عريةٌ من الخشيةِ والحزنِ والخوفِ، فاللهُ تعالى يوفِّقُكَ ويُبَصِّرُكُ رُشْدَكَ، يوقظك من مرقدةِ الجهلِ والرياءِ. وضدُّهم قراءُ النغمِ والتمطيطِ، وهؤلاء من قرأ منهم بقلبٍ وخوف قد يُنتفع به في الجملة، فقد رأيتُ منهم من يقرأ صحيحًا ويطربُ ويبكي، ورأيتُ منهم من إذا قرأَ قسَّى القلوبَ وأبرمَ النفوسَ وبدل كلام اللهِ، وأسوأُهم حالًا "الجنائزية". (١) وأما القراءة بالروايات وبالجمع فأبعد شيء عن الخشوع، وأقدم شيءٍ على التلاوة بما يُخرِج عن القصد، وشعارهم في تكثير وجوه حمزة وتغليظ تلك اللامات وترقيق الراءات، اقرأ يا رجل وأعفنا من التغليظ والترقيق، وفرط الإمالة والمدود، ووقوف حمزة، فإلى كم هذا؟! وآخر منهم: إن حضر في ختم أو تلا في محراب جعل ديدنه إحضار غرائب الوجوه والسكت والتهوع بالتسهيل، وأتى بكل خلاف ونادى على نفسه أنا "أبو … اعرفوني، فإني عارف بالسبع"، إيش نعمل بك؟! لا وصبحك الله بخير، إنك حجر منجنيق ورصاص على الأفئدة. (٢). وعلى هذا المعنى جاء كلامُ غيرهم من أهل العلم، فهذا الإمام ابن القيم ﵀ يقول وهو يذكر مكائد الشيطان على الإنسان: ومنْ ذلك: الوسوسةُ في مخارج الحروفِ، والتنطع فيها … ومنْ تأملَ هديَ رسولِ اللهِ ﷺ وإقرارَه أهلِ كلِّ لسانٍ على قراءتِهم؛ تبيَّنَ له أن التنطعَ والتشدقَ والسوسةَ في إخراجِ الحروفِ ليس من سنته (٣).

стр. 470

صحة الأداء: وخاتمة هذا المبحث لريحانة الأداء الشيخ محمود خليل الحصري (ت: ١٤٠٠ هـ) حيث يقول ﵀ عن صحة الترتيل: الترتيل: وهو تجويد كلماته، وتقويم حروفه، وتحسين أدائه، بإعطاء كل حرفٍ حقَّه، ومنحه مستحقَّه من الإجادة والإتقان، والتحقيق والإحسان. ولا يكون ذلك إلا بتصحيح إخراج كلِّ حرفٍ من مخرجه الأصلي المختصِّ به، تصحيحًا يمتاز به عن مُقارِبِه، وتَوْفِيَة كلِّ حرفٍ صفته المعروفة به توفيةً تُخرجه عن مجانِسه، مع تيسير النطق به على صفته الحقيقية، وهيئته القرآنية. ومع العناية بإبانة الحروف، وتمييز بعضها من بعض، وإظهار التَّشديدات، وتحقيق الهَمَزات، وتوفية الغُنَّات، وإتمام الحركات، والإتيان بكلٍّ من الإظهار والإدغام والقَلْب والإخفاء على حقيقته التي وردت عن أئمَّة القرآن. ومع تفخيم ما يجب تفخيمه من الحروف، وترقيق ما يجب ترقيقه منها، وقَصْر ما ينبغي قَصْرُه، ومَدِّ ما يتعين مدُّه، ومع ملاحظة الجائز من الوقوف، والممنوع منه؛ ليوقَفَ على ما يصحُّ الوَقْف عليه، ويوصَلَ ما لا يصحُّ الوَقْف عليه. ثم هو يحذر من التعسف والتشدق فيقول- ﵀: على أن يكون ذلك كله من غير تشدُّق ولا إسراف، ولا تصنُّع ولا اعتساف، ولا خروج عن الجادَّة إلى حدِّ الإفراط الذي قد ينشأ عنه تحريك السواكن، وتوليد الحروف، وتكرير الراءات، وتطنين النونات بالمبالغة في الغنَّات، إلى غير ذلك مما ينفر منه الطَّبْع السليم، ويأباه الذَّوْق المستقيم. ثم هو يحذر القارئ من الإسراع والعَجَلَة في القراءة، ويوجه إلى التؤدة والاطمئنان فيقول ﵀: وعلى أن يكون ذلك كلُّه - أيضًا - في تؤدةٍ وطمأنينةٍ، وبُعْدٍ عن الإسراع والعَجَلَة. وهذه الكيفيَّة هي التي نزل بها القرآن الكريم، وهي المرادة من الترتيل الذي أمر الله به نبيَّه محمدًا ﷺ في قوله تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً) (المزمل: ٤). (١) الضابط الرابع: القراءة بتؤدة واطمئنان، مع العناية بمخارج الحروف ومساواة الغنن والمدود وضبط مقاديرها، ومرعاة مراتب التّفخيم والتّرقيق، وتوفية الحركات حقها . وهذا الضابط من الأهمية بمكان لتفادي أي لحن خفي، إذ إن الكثير من القراء المعاصرين لهم اختلاسات واضحة وجلية تظهر لأهل التحقيق والتدقيق من أئمة الأداء وسادة الإقراء لأول وهلة،

стр. 471

وذلك يرجع غالبًا للهجة القارئ ومنشئه، إذ اللهجات المحلية لبعض البلدان والقبائل يغلب عليها اختلاس بعض حركات الحروف كما هو معروف. والمطلوب من قارئ القرآن هو القراءة بتؤدة واطمئنان وترسل وتمهل مع العناية بتبيّن الحروف، مع عدم العجلة المخلة بالقراءة؛ كما قال الله تعالى: (ورتّل القُرآنَ تَرتِيْلاً) (المزمل: ٤) والترتيل كما هو معلوم تبيين الحروف وإظهارها، ولا يكون ذلك إلا بإخراجها من مخارجها. قال الزجاج (١) ﵀: رتّل القرآن ترتيلًا، بينه تبيينًا، والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآن، إنما يتم بأن يبين جميع الحروف، ويوفي حقها من الإشباع. (٢) وقال ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀: الترتيل مصدر من رتل فلان كلامه؛ إذا أتبع بعضه بعضًا على مكث … قال صاحب العين: "رتلت الكلام: تمهلت فيه. (٣) ومراتب القراءة وإن كان قد قال عنها بعض أهل التجويد أنها أربعة مراتب من جهة الإسراع والبطء، وهي: "التحقيق، والتدوير، والترتيل، والحدر" (٤)، والبعض قد جعلها ثلاثًا: (الترتيل، والتدوير، والحدر) (٥) ومنشأ الخلاف بين هذه الأقوال يرجع إلى مرتبة "التحقيق"، فالبعض يجعلها مع الترتيل مرتبة واحدة، كالإندرابي في " الإيضاح"، والبعض يجعل الترتيل صفة من صفات التحقيق، كالداني في "التحديد" (٦)، ومنهم من يجعله مرتبة مستقلة، كالقسطلاني في "اللآلئ السنية" (٧)، والبعض يرى أن الترتيل هو الأصل وباقي المراتب تندرج تحته وتنبثق عنه فالترتيل يندرج تحته التحقيق والحدر والتدوير.

стр. 472

قال ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀ في "النشر: " فإن كلام الله تعالى يقرأ بالتحقيق وبالحدر وبالتدوير الذي هو التوسط بين الحالتين مرتلاً مجودًا بلحون العرب وأصواتها وتحسين اللفظ والصوت بحسب الاستطاعة … ثم شرع في الكلام على كل مرتبة على حدة الى أن قال: عن التحقيق: وهو نوع من الترتيل … وقال أيضًا: فالتحقيق داخل في الترتيل كما قدمنا والله أعلم. (١) والخلاصة أن كلّ من يقرأ بهذه المراتب الثلاث هو في الحقيقة مرتلٌ للقرآن كما أمر الله، ما دم يقرأه كما أمره الله بأحكامه التي أُخِذَت مشافهة ونقلت بالتواتر، وهو في ذلك مؤتمرٌ بقوله تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) (المزمل: ٤)، فالمراتب الثلاث الأخرى يقرأ فيها القارئ بأحكام التجويد، غير أنها تتباين فيما بينها حسب حال القارئ والمقام المقتضي للقراءة سرعة وبطأ. فقد يكون القارئ في موطن يريد فيه أن يسرع شيئًا ما، كمن يريد المراجعة وضبط المحفوظ مثلًا، أو أن يكون في صلاة التهجد في رمضان أو غيره فيُسرع مع إعطاء الحروف حقها ومستحقها، وفي موطن آخر يريد فيه أن يبطئ شيئًا ما، كمن يقرأ بتدبر وتمعن في معاني الآيات التي يتلوها، وقد يكون في مقام التعليم والتلقين فيحتاج لبطء القراءة أكثر ليجلي صفات الحروف ومخارجها وحركاتها وأحكام التلاوة للمتعلمين بصورة جلية فيقرأ بمرتبة التحقيق، وقد يريد القارئ أن يقرأ لنفسه فيكون أسرع قليلًا وهكذا. يقول أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀ في "التحديد": الترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط، والتحقيق لرياضة الألسن وترقيق الألفاظ الغليظة وإقامة القراءة وإعطاء كل حرف حقه. (٢) ففي هذه المراتب كلها يقرأ القارئ بتؤدة واطمئنان، مسرعًا كان، أو متوسطًا في سرعته في التلاوة، أو كان يقرأ بين ذلك، وهذا يعتمد على المقام الذي يقرأ فيه (٣)، كما يعتمد على مهارة القارئ ورياضة لسانه وكثرة دربته وتمرسه مع القراءة، وجميع تلك المراتب يجب أن يعتني فيها القارئ بأحكام التجويد. فمراتب القراءة إذًا تعود في هذه المسألة حسب المصلحة الشرعية لما يتلوه القارئ.

стр. 473

وفي نحو ذلك يقول ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀ في "النشر ": لا أعلم سببًا لبلوغ نهايةِ الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتشديد - مِثل رياضة الألسُن، والتكرار على اللفظ المتلقِّي من فم المحسن. (١) وأما مساواة وضبط مقادير المدود، والغنن، ومرعاة مراتب التّفخيم والتّرقيق الخ، فإنه أمرٌ لابد فيه من التلقي والضبط والعرض بالمشافهة على أهل الإتقان من أئمة الإقراء، مع وجوب العناية بهذا الجانب لأنه مع مكانته وقدره، فهو كذلك من حلية التلاوة، ومع المشافهة والتلقي لابد من الدربة والمران والرياضة حتى يصبح هذا الجانب سجية في تلاوة القارئ. الضابط الخامس: وجوب عناية القارئ بالوقف والابتداء إن علم الوقف والابتداء من أجلِّ علوم القرآن المتعلقة بإيضاح وجوه معاني القرآن، وهو من أهم العلوم التي يستعان بها على فهم مراد الله من كلامه سبحانه، ولا شك في أن اعتماد علماء الوقف والابتداء في وضع تلك العلامات المعروفة والمشاهدة في المصاحف، إنما بُنِيَ على التأمل في معاني آي القرآن، بحيث يقف القارئ ويبتدئ على حسب ما تقتضيه المعاني والألفاظ التي يحسن الوقوف عليها أو الابتداء بها، ولا شك أن مراعاة تلك العلامات والالتزام بها يُعد من أجل الأسباب المعينة على فهم كلام الله وتدبر آياته، وإنما قد أُخِذ اعتمادها من المنقول والمعقول. وفي نحو ذلك يقول علم الدين السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ) ﵀: ففي معرفة الوقف والابتداء الذي دونه العلماء تبيين معاني القرآن العظيم وتعريف مقاصده وإظهار فوائده، وبه يتهيأ الغوص على درره وفرائده. (٢) وقال ابن النَّكْزَاوي (٣): باب الوقف عظيم القدر، جليل الخطر؛ لأنه لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن ولا استنباط الأدلة الشرعية منه إلا بمعرفة الفواصل .. (٤) وقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ (ت: ٩٢٦ هـ) ﵀: من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء؛ إذ لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن إلَّا بمعرفة الفواصل، فهذا أدل دليل على وجوب تعلمه وتعليمه. (٥)

стр. 474

وهذا العلم، علمٌ دقيق رقيقٌ قلَّ مَنْ يُتْقِنَه ونَدُرَ من يُحسنهُ، فكثيرًا ما تسمع من بعضِ القراء وقفًا قبيحًا مغايرًا للمعنى المراد، فيُكَدِّرُ سمعك ويُحْزِنُ قلبك. لذا ينبغي على قارئ القرآن الاهتمام بضبطُ قواعدِ الوقفِ والابتداءِ الكليةِ والعناية بمواضعها الدقيقة، لما يترتب من جراء ذلك من تولد المعاني الصحيحة التي وضعت علامات الوقف والابتداء في المصاحف من أجل تحصيلها. (١) صفة اتقان علم الوقف والابتداء ولمكانة علم الوقف والابتداء وقدره فقد ذكر أئمة الأداء جمعًا من العلوم يجب أن تتحقق فيمن يقوم عليه بالتمام، ويتصدر له ويتقنه بكمال وإحسان. قال أبو بكر بن مجاهد التميمي (ت: ٣٢٤ هـ) ﵀: لا يقوم بالتمام إلا نحوي عالم بالقراءة عالم بالتفسير، عالم بالقصص وتلخيص بعضها من بعض، عالم باللغة التي نزل بها القرآن. (٢) أهمية مراعاة الوقف والابتداء ولقد تضافرت الأدلة على أهمية مراعاة الوقف والابتداء؛ وقد كثرت النقول التي تدل على عناية سلف الأمة السلف بهذا العلم الجليل وتطبيقه عمليًا عند تلاوتهم للقرآن. قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل: ٤) فهذا أمر من الله تعالى بترتيل القرآن، وندب منه سبحانه للعباد إلى ترتيل كلامه المنزل؛ ومراعاة الوقوف لا شك أنها داخله في ذلك ضمنًا. قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. (بينه تبيينًا) (٣) وقال الحسن: اقرأه قراءة بيِّنة. وقال مجاهد: بعضه على إثر بعض على تؤدة وقال أيضًا: (ترسَّل فيه ترسُّلا) (٤).

стр. 475

وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: اقرأه قراءة على تمهل، فإنه يكون عونًا على فهم القرآن، وتدبره. (١) وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: ١ - ٤). قال ابن النحاس (٢): من التبيين تفصيل الحروف والوقف على ما تم معناه منها. (٣) وقد حكى ابن النحاس وأبو عمرو الداني وغيرهما، إجماع العلماء على أهمية مراعاة الوقف والابتداء (٤). واستدلوا على ذلك بقول عبد الله بن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄: لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا … ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يَدْرِي مَا أَمْرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ، وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهُ يَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ (٥) .. (٦) وهذا الأثر يبين مكانة الوقف والابتداء عند الصحابة ﵃، ومدى عنايتهم به على النحو الذي تلقوه من رسول الله ﷺ ، وأن عنايتهم به كانت كعنايتهم بمعرفة معاني القرآن الكريم، والوقوف على حلاله وحرامه ولقد شبّه ابن عمر ﵄ عدم العناية بالقراءة بنثر الدقل، الذي هو رديء التمر ويابسه. عناية السلف بالوقف والابتداء لقد اشتهر اعتناء السلف رحمهم الله تعالى، بهذا العلم حتى عد ابن الجزري ذلك متواتر عنهم …

стр. 476

قال ابن الجزري (ت: ٤٨٣٣ هـ) ﵀: وصحّ بل تواتر عندنا تعلّمه والاعتناء به من السلف … إلى أن قال: … وكلامهم في ذلك معروف ونصوصهم عليه مشهورة في الكتب، ومن ثم اشترط كثير من أئمة الخلف على المجيز أن لا يجيز أحدًا إلاّ بعد معرفته الوقف والابتداء، وكان أئمتنا يوقفونا عند كل حرف ويشيرون إلينا فيه بالأصابع سنّة لذلك أخذوها عن شيوخهم الأولين. (١)، وكانوا يعتنون بذلك حال الإقراء. وقد حض العلماء على تعلم الوقف والابتداء والعمل به، وبينوا عظيم فضيلته، وذلك مذكور في مقدمات كثير من كتب الوقف والابتداء، وفي كثير من كتب فن التجويد ومضمن في كتب علوم القرآن. وكان مما سطروه في ذلك قول ابن الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) ﵀: من تمام معرفة القرآن ومعانيه، وغريبه معرفة الوقف والابتداء فيه، فينبغي للقارئ أن يعرف الوقف التام، والوقف الكافي الذي ليس بتام، والوقف القبيح الذي ليس بتام ولا كاف (٢) وقال الهذلي (ت: ١٦٧ هـ) ﵀ في كامله: الوقف حلية التلاوة وزينة القارئ وبلاغ التالي وفهم المستمع وفخر العالم وبه يُعرف الفرق بين المعنيَيْن المختلفَيْن والنقيضَيْن المتنافيَيْن والحكمَيْن المتغايرَيْن. وقال أبوبكر الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) ﵀: ومن تمام معرفة إعراب القرآن ومعانيه وغريبه معرفة الوقف والابتداء فيه. الضابط السادس: القراءة بخشوع وتخشع وحضور قلب أ- الخشوع اللغة: قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ) ﵀: خشع: الخاء والشين والعين أصلٌ واحدٌ، يدل على التَّطامُن، يقال: خشع إذا تطامن وطأطأ رأسه، ويخشع خشوعًا، وهو قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن … والخشوع في الصوت والبصر، قال الله تعالى: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ) (طه: ١٠٨)، قال ابن دريد: الخاشع: المستكين والراكع. (٣)

стр. 477

قال الفيروز أبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: الخشوع: الخضوع، كالاختشاع - والفعل كمنع - أو قريب من الخضوع، أو هو في البدن والخشوع في الصوت والبصر، والخشوع: السكون والتذلل. (١) الخشوع: الخُضوعُ، والسُّكونُ، والتذلُّلُ، والفعل منه: خَشَعَ؛ يُقال: خشَع الشخصُ لربّه: أي خضع واستكان، وتضرّع، وتذلّل، والخُشوعُ يمكن أن يكون في البدن، أو الصوت، أو البصر. (٢) قال أبو السعادات ابن الأثير (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: والخشوع في الصوت والبصر كالخضوع في البدن. (٣) وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: والخشوع في أصل اللغة: الانخفاض، والذّل، والسكون، قال اللَّهُ تعالى: (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) (طه: ١٠٨) أي سكنت، وذلَّت، وخضعت، ومنه وصف الأرض بالخشوع، وهو يبسها، وانخفاضها، وعدم ارتفاعها بالري والنبات، قال اللَّه تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فصلت: ٣٩). (٤) ب- الخشوع شرعًا: والخشوع في الشرع: خضوع القلب، وتذلله لله -سبحانه-، كما عرّفه بذلك الإمام ابن القيّم ﵀، وقِيل بأنّه: القبول، والانقياد إلى الحقّ والصواب دون أيّ مانعٍ، حتى وإن اختلف الحقّ مع الهوى والرغبة، وأضاف ابن رجب الحنبلي في تعريف الخشوع أنّه: رقّة القلب مع اللين والانكسار والحُرقة، وتجدر الإشارة إلى أنّ الخشوع يكون في القلب، مع بيان آثاره في الجوارح، (٥) ومن المواضع التي يجدر بالمسلم الخشوع فيها أثناء تلاوته لآيات القرآن الكريم؛ سواءً في الصلاة أم خارجها، إلّا أنّه في الصلاة آكدٌ. (٦) قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب، وثمرته على الجوارح، وهي تظهره. (٧)

стр. 478

وقال ابن رجب الحنبلي (ت: ٦٩٥ هـ) ﵀: وأصل الخشوع: هو لين القلب ورقته، وسكونه، وخضوعه، وانكساره، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح، والأعضاء؛ لأنها تابعة له، كما قال النبي ﷺ : " … ألَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ". (١). والتخشُّع: تكلّف الخشوع. (٢). وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ في كتاب "الفوائد: قاعدة جليلة: إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وأَلْقِ سَمعك واحضر حُضُور من يخاطبه بِهِ من تكلّم بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ فانه خَاطب مِنْهُ لَك على لِسَان رَسُوله قَالَ تَعَالَى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد) (ق: ٢١) وَذَلِكَ أَن تَمام التَّأْثِير لمّا كَانَ مَوْقُوفًا على مُؤثر مُقْتَض وَمحل قَابل وَشرط لحُصُول الْأَثر وَانْتِفَاء الْمَانِع الَّذِي يمْنَع مِنْهُ تضمّنت الْآيَة بَيَان ذَلِك كلّه بأوجز لفظ وأبينه وأدلّه على المُرَاد فَقَوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى) اشار إِلَى مَا تقدّم من أوّل السُّورَة الى هَهُنَا وَهَذَا هُوَ المؤثّر وَقَوله (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) فَهَذَا هُوَ الْمحل الْقَابِل وَالْمرَاد بِهِ الْقلب الحيّ الَّذِي يعقل عَن الله كَمَا قَالَ تَعَالَى (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا) أَي حيّ الْقلب وَقَوله (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) أَي وجَّه سَمعه وأصغى حاسّة سَمعه إِلَى مَا يُقَال لَهُ وَهَذَا شَرط التأثّر بالْكلَام وَقَوله (وَهُوَ شَهِيدٌ) أَي شَاهد الْقلب حَاضر غير غَائِب. قَالَ ابْن قُتَيْبَة الدينوري (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀: اسْتمع كتاب الله وَهُوَ شَاهد الْقلب والفهم لَيْسَ بغافل وَلَا ساه وَهُوَ إِشَارَة إِلَى الْمَانِع من حُصُول التَّأْثِير وَهُوَ سَهْو الْقلب وغيبته عَن تعقّل مَا يُقَال لَهُ وَالنَّظَر فِيهِ وتأمّله فَإِذا حصل الْمُؤثر وَهُوَ الْقُرْآن وَالْمحل الْقَابِل وَهُوَ الْقلب الْحَيّ وَوجد الشَّرْط وَهُوَ الإصغاء وانتفى الْمَانِع وَهُوَ اشْتِغَال الْقلب وذهوله عَن معنى الْخطاب وانصرافه عَنهُ إِلَى شَيْء آخر حصل الْأَثر وَهُوَ الِانْتِفَاع والتذكّر. (٣) الضابط السابع: تحسين الصوت بالتلاوة

стр. 479

القرآن كلامُ الله، أنزلَه على قلبِ رسوله الكريم ﷺ ؛ ليقرأَه على الناس على مُكْثٍ؛ كما قال ربنا: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ (الإسراء: ١٠٦)، و قال له ربه: (وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا) (المزمل ٤) قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀ في تفسيره: والترتيل التنضيد والتنسيق وحسن النظام، ومنه ثغر رتل ورتل، بكسر العين وفتحها: إذا كان حسن التنضيد. (١) وحينما يُتلى القرآن تصغى له آذان المؤمنين، فَتَنْقَاد له قلوبهم وتخشع، وتهتدي لأوامره نفوسهم وتخضع، ولا سيما إن كانت تلاوته من صوت حسن يرتل آياته ويخشع. ولقد دلت نصوص السنة على الترغيب في تَحسين الصوت بقراءة القرآن الكريم، فمن حَسَّنَ صوته بالقرآن من غير تكلف ولا تعسف امتثالًا لأمر الشرع المطهر فنِعِمَّا فعَل، وقد اقتدى وامتثل، فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به". (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: وتفسيره-التغني-عند الأكثرين كالشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما هو تحسين الصوت به. (٣) فالمقصود بالتغني إذًا هو تحسين الصوت بالقرآن. والتغني بالقرآن يكون بالجهر بتلاوته مع تحسين الصوت به والخشوع فيه؛ ليحرك به القلوب؛ لأن من مقاصد قراءة القرآن تحريك القلوب به لتتأثر وتخشع وتخضع لباريها؛ فتنتفع بالقرآن وبهداياته. ومعنى قوله: "ما أذن الله"؛ أي: ما استمع الله؛ والاستماع هنا استماع على الحقيقة يليق بذات الله تعالى، وهو استماع لا يشبه استماع المخلوقين، مثله مثل سائر صفات الرب جل في علاه- وإنما يُقَال في استماعه سبحانه وإذنه مثل ما يقال في سائر صفاته ، ويكون إثبات جميع صفات الرب جل في علاه على الوجه اللائق به سبحانه كما قال ربنا: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى: ١١). وروى أبو داود من حديث أبي لبابة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من لم يتغن بالقرآن فليس منا" (٤). و "من لم يتغن" هو من لم يحسن صوته. (٥)

стр. 480

قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت بالترجيع. (١) قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: اعلم أن جماعات من السلف كانوا يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرؤوا وهم يستمعون وهذا متفق على استحبابه وهو عادة الأخيار والمتعبدين وعباد الله الصالحين وهى سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ فقد صح عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال قال لي رسول الله ﷺ اقرأ عليَّ القرآن فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئتُ إلى هذه الآية (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) (النساء: ٤١) قال حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. (٢) و روى الحاكم كذلك من حديث البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: "زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا". (٣)، وفي رواية" حُسْنُ الصوت؛ زينة القرآن ". (٤) وفي الصحيحين أن النبي ﷺ سمع صوتَ أبي موسى الأشعري ﵁ يقرأ من الليل فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال: " لقد أوتي مِزْمَارًا من مزامير آل داود" (٥) وفي رواية قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي مُوسَى: " لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " (٦)، قال أبو موسى: "لو علمت يا رسول الله أنك تستمع إليَّ لحبرتّه لك تحبيرًا". (٧)

стр. 481

وقوله: "مزمارًا من مزامير آل داود": قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاء: الْمُرَاد بِالْمِزْمَارِ هُنَا الصَّوْت الْحَسَن، وَأَصْل الزَّمْر الْغِنَاء، وَآلُ دَاوُدَ هُوَ دَاوُدُ نَفْسه، وَآلُ فُلَان قَدْ يُطْلَق عَلَى نَفْسه، وَكَانَ دَاوُدُ ﷺ حَسَن الصَّوْت جِدًّا " (١) ومما يؤيد كلام النووي ويؤكده أن المراد بِالْمِزْمَارِ هُنَا الصَّوْت الحسن لا الألحان- قوله- ﷺ لأبي موسى (أُوتِيتَ) -بتاء المخاطب- بما لم يسم فاعله، مما يدل على أن الذي وهبه الصوتَ الحسن هو اللهُ ، وأنه لم يحصل له ذلك بالتعلم والتمرن والتريض. قال ابن الأثير (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀ في "النهاية": وفي حديث أبي موسى سَمِعه النبي ﷺ يقرأ فقال: (أُعْطِيتَ مزْمارا من مَزَامِير آلِ دَاودَ). شبَّه حُسنَ صَوته وحلاوة نَغْمَته بصوت المِزْمارِ. وداودُ هو النبي- ﵇ وإليه المُنْتَهى في حُسْن الصَّوت بالقراءةِ. (٢) وقال ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ) ﵀: وأما قوله- ﷺ (لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) فليس المراد به الترديد والتلحين، إنما معناه حسن الصوت وأداء القراءة والإبانة في مخارج الحروف والنطق بها. (٣) وقول أبي موسى "لحبرتّه لك تحبيرًا" يُرِيدُ لَجَعَلْته لَك أَنْوَاعًا حِسَانًا، وَهُوَ التَّلْحِينُ، مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّوْبِ الْمُحَبَّرِ، وَهُوَ الْمُخَطَّطُ بِالْأَلْوَانِ. وَالْقُلُوبُ تَخْشَعُ بِالصَّوْتِ الْحَسَنِ كَمَا تَخْضَعُ لِلْوَجْهِ الْحَسَنِ، وَمَا تَتَأَثَّرُ بِهِ الْقُلُوبُ فِي التَّقْوَى فَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْأَجْرِ وَأَقْرَبُ إلَى لِينِ الْقُلُوبِ وَذَهَابِ الْقَسْوَةِ مِنْهَا. وَالْأَصْوَاتُ الْحَسَنَةُ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَزِيَادَةٌ فِي الْخَلْقِ وَمِنَّةٌ. وَأَحَقُّ مَا لُبِّسَتْ هَذِهِ الْحُلَّةُ النَّفِيسَةُ وَالْمَوْهِبَةُ الْكَرِيمَةُ كِتَابُ اللَّهِ؛ فَنِعَمُ اللَّهِ إذَا صُرِفَتْ فِي الطَّاعَةِ فَقَدْ قُضِيَ بِهَا حَقُّ النِّعْمَةِ. (٤) يقول سماحة شيخنا الإمام ابن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: لم ينكر عليه النبي ﵊ ذلك؛ فدل على أن تحبير الصوت وتحسين الصوت والعناية بالقرآن أمر مطلوب؛ ليخشع القارئ والمستمع، ويستفيد هذا وهذا.

стр. 482

تحسين الصوت لا ينافي الإخلاص: وفي ذلك يقول الإمام أبو بكر الآجُرِّي (ت: ٣٦٠ هـ) ﵀: ينبغي لمن رزقه الله حسن الصوت بالقرآن أن يعلم أن الله قد خصه بخير عظيم؛ فليعرف قدر ما خصه الله به، وليقرأ لله، لا للمخلوقين، وليحذر من الميل إلى أن يستمع منه ليحظى به عند السامعين رغبة في الدنيا، والميل إلى حسن الثناء والجاه عند أبناء الدنيا، والصِّلات بالملوك، دون الصلات بعوام الناس؛ فمن مالت نفسه إلى ما نهيته عنه: خفت أن يكون حسن صوته فتنة عليه، وإنما ينفعه حسن صوته إذا خشي الله في السر والعلانية، وكان مراده أن يُسْتَمَعَ منه القرآنُ لينتبه أهل الغفلة عن غفلتهم، فيرغبوا فيما رغبهم الله ، وينتهوا عما نهاهم؛ فمن كانت هذه صفته انتفع بحسن صوته، وانتفع به الناس. (١) فصل النزاع بين التغني و"المقامات الموسيقية" يبين الباحث هنا الفرق بين حقيقة التغني بالقرآن المأمور به شرعًا وبين القراءة بـ"المقامات الموسيقية"، والتي يسميها البعض بـ" المقامات الصوتية" هروبًا من مسماها الأصلي مع توضيح وتجلية الفرق بينهما. وإنما تأتي تسميتها بغير اسمها من باب قلب الحقائق، لترويج الباطل، وذلك ليسوغ للمتلقِّي قبولها، واستحسانها، غير معظمٍ لحرمتها، وذلك لما تضفيه علي تلك المسميات "التي تقلب الحقائق" عن أصلها إلى قالب مستساغ "لفظه" من أسماء براقة، وذلك ليهون من فظاعتها وفظاظتها وشدة قبحها وحرمتِها. ولقد كان للشيطان قدمُ السبق في هذا المضمار، وذلك لأنه كان أول من سن تلك السنة السيئة التي تقلب الحقائق الثابتة بتغير مدلولاتها بألفاظ أُخر- مكرًا وخديعة وكذبًا وتدليسًا- لتتلقاه وتتلقفه منه أولياؤه، ويوحي بها بعضهم لبعض زخرف القول غرورًا، كما قال ربنا: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الزخرف: ١٢)، ومن أظهر ذلك قلبه لحقيقة الشجرة التي نهى الله الأبوين من قربانها فسمها بغير اسمها، سماها بـ" شجرة الخلد وملك لا يبلى".

стр. 483

قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) في إغاثة اللهفان" ﵀: وإنما كذبهما عدو الله، وغرّهما، وخدعهما؛ بأن سمّى تلك الشجرة "شجرة الخلد"، فهذا أول المكر والكيد، ومنه وَرِثَ أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحبُّ النفوسُ مسمَّياتها، فسمَّوا الخمر أمَّ الأفراح، وسمَّوا أخاها بلُقَيْمة الراحة (١)، وسمَّوا الربا بالمعاملة، وسمَّوا المُكُوسَ بالحقوق السلطانية، وسمَّوا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسمَّوا أبلغ الكفر- وهو جحد صفات الرب- تنزيهًا، وسمَّوا مجالس الفسوق مجالس الطَّيبة! فلما سمَّاها "شجرة الخلد" قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في الجنة ولا تموتا؛ فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون .. وحين تقلب الحقائق عن معانيها المقصودة فلابد من التحاكم للغة العرب التي نزل بها القرآن، ونطق بها أفصح الخلق ﵊، فمن تأمل الألفاظ التي رغَّب فيها الشرع بتحسين الصوت يجدها ترجع إلى عبارات لغوية تدور حول هذا المعنى مثل ألفاظ "التعني بالقرآن"، أو غيرها من الألفاظ التي وردت على ألسنة بعض شراح الأحاديث التي رغب فيها الشرع بتحسين الصوت، كلفظ "الترنم"، ولفظ "النغم"، ولفظ "التطريب"، فمن تأمل تلك الألفاظ وجد مادتها تدور حول تحسين الصوت بالتلاوة والجهر به فحسب. ولنا أن نتأمل في معنى الترنم الذي أورده الزبيدي (ت: ١٢٠٥ هـ) في تاج العروس حيث يقول فيما يلي: أولًا: قال في معنى "الترنم": ((و) الرَّنَم (بالتَّحْرِيك: الصَّوتُ). وقد رَنِم بالكَسْر: إذا رَجَّع صَوْتَه كما في الصحاح، (والرَّنِيم والتَّرْنِيم: تَطْرِيبُه) كما في المُحْكَم، وقال الجوهريّ: والتَّرْنِيم: تَرْجِيعُ الصَّوت). وترجيع الصوت: تَرْدِيدُهُ في الَحْلْقِ. (٢) ثانيًا: قال في معنى "النغم": (النَّغَمُ: مُحَرَّكَةً، وتُسَكَّنُ: الكَلَامُ الخَفِيُّ، الوَاحِدةُ بِهَاءٍ)، قَالَ شَيْخُنَا: فَمُفْرَدُهُ تابَعٌ لِجَمْعِه في الضَّبْطِ، انتهى، وفُلَانٌ حَسَنُ النَّغْمَةِ، أي: حَسَنُ الصَّوْتِ في القِرَاءَةَ، كَمَا في الصَّحَاحِ). والنَّغْمةُ: جَرْسُ الكلمة وحُسْن الصوت في القراءة وغيرها. (٣)

стр. 484

ثالثًا: قال في معنى "الغناء": ((والغِناءُ، ككِساءٍ؛ من الصَّوْتِ: ما طُرِّبَ به) قالَ حُمَيْدُ بنُ ثَوْر: وعَجِبْتُ به أَنَّى يكونُ غِناؤُها، وفي الصِّحاح: الغِناءُ، بالكسْرِ، من السماعِ. وفي النِّهايةِ: هو رَفْعُ الصَّوْتِ وموالاته. وفي المِصْباح: وقيِاسُه الضَّم لأنَّه صَوْتٌ). قال الحافظ (ت: ٨٥٢ هـ) ابن حجر ﵀: الغناء يطلق على رفع الصوت، وعلى الترنم الذي تسميه العرب (النَّصْب)، وعلى الحُداء، ولا يسمَّى فاعله مغنيًّا، وإنما يسمَّى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح. (١) رابعًا: قال في معنى "التطريب": (والتَّطْرِيب في الصَّوْت: مَدُّهُ وتَحْسِينُه. وطَرَّبَ في قِراءَته: مَدَّ ورجَّعَ وطرَّبَ الطَّائِرُ في صَوْتِه كَذَلِكَ، وخَصَّ بَعْضُهُم بِهِ المُكَّاءَ. وفُلَانٌ: قَرأَ بِالتَّطْرِيب). (٢) و طَرَّبَ في صَوْتِهِ: رجَّعَهُ ومَدَّهُ وحَسَّنَهُ. (٣) وفي ضوء المفهوم اللغوي لألفاظ الترنم، والنغم، والغناء، والتطريب، يتبين بوضوح وجلاء أنها ألفاظ تدل على تحسين الصوت وعلوه وتردده في الحلق، ومنه سمي الغناء غناءً. وأما لفظ: " الموسيقى ": فهو " لفظ يوناني وليس له جذر عربي أصلًا، وهو لفظ يحتمل التذكير والتأنيث، ويطلق على فنون العزف على آلات الطرب … والموسيقى في الاصطلاح: علم يُعرف منه أحوال النغم والإيقاعات وكيفية تأليف اللحون وإيجاد الآلات ". (٤) وقيل هو: علم يبحث في أصول الأنغام من حيث التنافر والائتلاف وتأليف الألحان وأحوال الأزمنة التي تخلل بينها. (٥) والتغني بالقرآن وتحسين الصوت والجهر به لا علاقة له بالموسيقى وبمقاماتها، ولذا ينبغي أن يُعلم خطر تلك المعازف وآلاتها، وأنه لا يليق أن ترتبط تلاوة القرآن بها وبمقامتها.

стр. 485

وإذا استحل قومٌ المعازفَ مُسخوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وفي ذلك يقول النَّبِيَّ ﷺ : لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ، وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ، وَالمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ، يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ - يَعْنِي الفَقِيرَ - لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ، وَيَضَعُ العَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. (١) وقد نقل الإمام أبو عمرو ابن الصلاح (ت: ٤٦٣ هـ) الإجماع على تحريم السماع في "أدب المفتي والمستفتي" فقال ﵀: - فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت: فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يعتد بقوله في الإجماع والخلاف: أنه أباح هذا السماع. (٢) ولذا فقد حذر علماء الإسلام من خطر تلك المعازف أشد التحذير. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: - والمعازف هي خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس، فإذا سكروا بالأصوات حلَّ فيهم الشرك، ومالوا إلى الفواحش، وإلى الظلم، فيشركون، ويقتلون النفس التي حرم الله، ويزنون، وهذه الثلاثة موجودة كثيرًا في أهل سماع المعازف. (٣) وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: - والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب: أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها: إلا سلط الله عليهم العدو، وبُلوا بالقحط والجدب وولاة السوء، والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر، والله المستعان. (٤)

стр. 486

فإذا تبين لنا ذلك، عُلِمَ حرمة وخطورة تعلم "المقامات الموسيقية" ومن ثم حرمة قراءة القرآن الذي هو كلام الرحمن على مقامات "الشيطان". وإنما وَهِمَ من وَهِمَ وأخطأ من أخطأ وزل من زل في هذا الباب غالبًا بسبب سوء فهمه للألفاظ التي استعملها بعض أهل العلم، كالترنيم والتغني والتطريب ونحو ذلك من الألفاظ، والتي عَرَّفَهَا أهل العلم وفق ما دلت عليه لغة العرب وفي هذا الصدد يقول ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: معنى الحديث تحسين الصوت والغناء المعقول الذي هو تحزين القارئ سامع صوته، كما أن الغناء بالشعر هو الغناء المعقول الذي يطرب سامعه .. (١) وقال الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: يحسن به صوته جاهرًا به مترنمًا على طريق التحزن … ولا شك أن النفوس تميل إلى القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم. لأن للتطريب تأثيرًا في رقة القلب وإجراء الدمع. (٢) فابن جرير قد فسر" التغني" بالغناء، وابن حجر قد فسر حسن الصوت بـ "الترنم" و" التطريب" وإنما كان ذلك كله وفق ما دلت عليه اللغة. غير إن المخالفين قد حملوه هذه الألفاظ وأمثالها على المعنى العامي الشائع والدارج في استعمال الناس له، ولو أنهم رجعوا إلى ما دلت عليه تلك الألفاظ من معاني في لغة العرب، أظن لانتهى بهم المطاف وظهر لهم الحق جليًا، إن كانوا ممن يبحث عن الحق ويتجرد عن الهوى. يقظة السلف لمثل هذا مبكرًا: ومن أجل هذا وأمثاله ورد النهي عن بعض السلف التحديث ببعض هذه الأحاديث التي فيها الترغيب في التغني بالقرآن وتحسين الصوت به خشية أن تحمل تلك النصوص على غير المراد منها، كالذي نحن بصدده من حمل تلك الألفاظ على جواز تعاطي تلك الألحان الموسومة بـ" المقامات الموسيقية" التي هي من خصائص أهل الفسق والخنا ممن يتعاطون الغناء الفاحش المقرون بالمعازف.

стр. 487

قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ) ﵀: حدثني يحيى بن سعيد القطان عن شُعبة بن الحجَّاج قال: "نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم" (١). قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله- ﷺ في هذه الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به. (٢) فحَمْلُ هذه الألفاظ العربية والاستدلال والاحتجاج بها على جواز استعمال "المقامات الموسيقية" وقراءة القرآن بها وإباحتها، بورود مثلها في بعض الأحاديث واستعمال أهل العلم لها، فلاشك في أن هذا خطأ ظاهر جلي، وقد نبه على ذلك جمع من أهل العلم، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن كثير وغيرهم من أهل العلم الأثبات. حَسْمُ ابنِ القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ -الخلاف في هذه المسألة: وقد حَسَمَ الإمامُ ابن القيم الخلاف في هذه المسألة، وذكر إجماع السلف على منع القراءة بالألحان الموسيقية، وتلاوة القرآن بطريقة أهل الفسق والمجون التي يستخدمها أهل الخلاعة من المغنين وأضرابهم، وهي ما يعرف في عصرنا الحاضر بـ"المقامات الموسيقية"، كما فرق ﵀ بين الطبيعة الجبلية في القراءة وبين التكلف المذموم في التغني بالقرآن حتى يصل إلى حد التمطيط، وهم لا يحصل لهم ذلك إلا بالتعلم والتمرن والتصنع كما يفعل ذلك أهل الغناء بألحان وإيقاعات مخصوصة على أوزان مخصوصة قد اخترعوها وابتدعوها. وقد أطال فيها النفس بعد أن ساق الأدلة المسكتة التي برهن بها على بطلان تلك الفعلة الشنيعة، ثم بين هنا أن التغني منه المحمود ومنه المذموم. فقال في ذلك ﵀: وفصل النزاع أن يقال التطريب والتغني على وجهين: أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم بل إذا خلي وطبعه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز، وإن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين كما قال أبو موسى الأشعري للنبي- ﷺ "لو علمت أنك تسمع

стр. 488

لحبرته لك تحبيرًا" (١) والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع فيه، فهو مطبوع لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستعملونه، وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها. الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ويتبين الصواب من غيره وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعًا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التي هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها ويسوغوها، ويعلم قطعًا أنهم كانوا يقرءون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقرآن، ويقرءونه بشجى تارة، وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه، ولم ينه عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: (ليس منَّا من لم يتغنّ بالقرآن) (٢) وفيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلنا نفعله والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته. (٣) وفي نحو ذلك يقول ابن كثير ﵀ في " فضائل القرآن ": والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة، فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي فالقرآن ينزه عن هذا ويُجلّ، ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب. (٤)

стр. 489

كما نوه على ذلك-أيضًا- الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت: ٦٩٥ هـ) - في " نزهة الأسماع "فقال ﵀: وفي الحقيقة هذه الألحان المبتدعة المطربة تهيّج الطباع، وتلهي عن تدبر ما يحصل له من الاستماع حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبر معاني القرآن، وإنما وردت السنّة بتحسين الصوت بالقرآن لا بقراءة الألحان، وبينهما بون بعيد. (١) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: فلا يسوغ أن يُقرأ القرآن بألحان الغناء، ولا أن يُقرن به من الألحان ما يُقرن بالغناء من الآلات وغيرها، لا عند من يقول بإباحة ذلك، ولا عند من يحرمه، بل المسلمون متفقون على الإنكار لأن يُقرن بتحسين الصوت بالقرآن الآلات المطربة بالفم كالمزامير، وباليد كالغرابيل. فلو قال قائل: النبي- ﷺ قد قرأ القرآن، وقد استقرأه من ابن مسعود، وقد استمع لقراءة أبي موسى، وقال: "لقد أوتى مزمارًا من مزامير داود" (٢) فإذا قال قائل: إذا جاز ذلك بغير هذه الألحان، فلا يتغير الحكم بأن يُسمع بالألحان، كان هذا منكرًا من القول وزورًا باتفاق الناس. (٣) وقال ﵀ في موضع آخر: والسلف كانوا يحسنون القرآن بأصواتهم من غير أن يتكلّفوا أوزان الغناء مثل ما كان أبو موسى الأشعري ﵁ يفعل. (٤) وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀ حين تكلم عن حرمة القرآن: ومن حرمته ألا يقعر في قراءته كفعل هؤلاء الهمزيين المبتدعين والمتنطعين في إبراز الكلام من تلك الأفواه المنتنة تكلفًا فإن ذلك محدث ألقاه إليهم الشيطان فقبلوه عنه ومن حرمته ألا يقرأه بألحان الغناء كلحون أهل الفسق. (٥) وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: ٢٢٤ هـ) ﵀: وعلى هذا تُحمل هذه الأحاديث التي ذكرناها في حُسن الصوت، إنَّما هو طريق الحزن والتخويف والتشويق، يُبَيِّنُ ذلك حديث أبي موسى: أن أزواج النبي ﷺ استمعن قراءته،

стр. 490

فأُخْبِرَ بذلك، فقال: (لو علمت لشوَّقت تشويقًا، أو حبّرت تَحبِيْرًا. فهذا وجهه لا الألحان المطرِبة الملهية (١). إجماع السلف على تحريم قراءة القرآن بالألحان الموسيقية وقد نُقِلَ الإجماعُ عن جمع من أهل العلم، ومنعه على الإطلاق آخرون، منهم: ١ - ابن القيم وابن تيمية: وقد مر بنا كلامهما آنفًا ٢ - ابن رجب الحنبلي (ت: ٦٩٥ هـ): وقد نقل ابن رجب في "نزهة الأسماع" إجماع السلف- كذلك- على تحريم قراءة القرآن بالألحان الموسيقية عن أبي عبيد وغيره من الأئمة، فقال: وأنكر ذلك أكثر العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا، ولم يُثبت فيه نزاعًا؛ منهم أبو عبيد وغيره من الأئمة. (٢) ٣ - ابن سيرين: ومما حكى هذا الإجماع- كذلك- محمد بن سيرين (ت: ١١٠ هـ) حيث يقول: كانوا يرون هذه الألحان في القرآن محدثة. (٣)، وقوله: "كانوا" يعني به الصحابة والتابعين. ٤ - ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): وقال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره - بعد أنّ ذكر كلام السلف في النهي عن قراءة الألحان-: وهذا يدل على أنه محذور كبير، وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء، وقد نص الأئمة، ﵏، على النهي عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفًا أو ينقص حرفًا، فقد اتفق العلماء على تحريمه. (٤) ٥ - ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ): وابن الجوزي يعتبره من خوارم المروءة المسقطة للعدالة، حيث يقول ﵀: التلحين في القراءة، تلحين الغناء والشَّعر. وهو مسقط للعدالة ومن أسباب رد الشهادة، قَضَاءً. وكان أول حدوث هذه البدعة في القرن الرابع على أيدي الموالي. ومن أغلظ البدع في هذا تلكم الدعوة الإلحادية إلى قراءة القرآن على إيقاع الأغاني مصحوبة بالآلات والمزامير. (٥)

стр. 491

وقال في موضع آخر: فأما الألحان التي يصنعها قراء هذا الزمان فمكروهة عند العلماء لأنها مأخوذة من طرائق الغناء. (١) وقال في موضع آخر- أيضًا-: وأما ما أحدث بعدهم - يعني السلف - من تكلف القراءة على ألحان الغناء، فهذا يُنهى عنه عند جمهور العلماء؛ لأنه بدعة. (٢) ٦ - أبو العباس القرطبي وقال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦ هـ) في "كشف القناع": - كيفية قراءة القرآن نُقلت إلينا نقلاً متواترًا، وليس فيها شيء مِمَّا يُشبه التلحين، ولا أساليب إنشاد الأشعار، فينبغي ألاّ يُجَوَّزَ غيْرُها، وإنَّما قلنا ذلك، لأنَّا قرأنا القرآن على مشايِخِنَا، وهم العدد الكثير، والجمُّ الغفير، ومشايخنا على مشايخهم، وهكذا إلى العصر الكريم، وتلقينا عنهم كيفية قراءته بالمشافهة، فلو كان التلحين فيه مشروعًا لتعلَّموه من مشايخهم، ولنقلوه عنهم، كما نقلوا عنهم المدَّ والقصر، وما بيْن اللفظين، والإمالة والفتح والإدغام والإظهار، وكيفية إخراج الحروف من مَخارجها، فإنه لَمَّا نقله الخلف عن السلف وعلَّموا عليه، اتصل ذلك لنا وتلقيناه عنهم، وهذا جاء مع توفر الدواعي على النقل وكثرة المتعمقين من القرَّاء الغالين في كيفية قراءته، ومع ذلك فلم يُنقل عن أحد من القرَّاء المشاهير، ولا عن الرواة عنهم شيء من ذلك، فدَلَّ ذلك على أنَّ تلحين القرآن ما كان معروفًا عندهم، ولا معمولاً به فيما بيْنهم، فوجب ألاّ يُعمل به، ولا يُعرَّج عليه، فإنه أمرٌ مُحْدَثٌ، وكلُّ مُحْدَثٍ بدعةٌ، "وكل بدعة ضلالة" (٣)،. (٤). وقول أبي العباس القرطبي من أجود ما قيل في هذه المسألة. ومن أهل العلم المعاصرين كذلك كل من: ١ - سماحة شيخنا الإمام ابن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: حيث يقول سماحته: لا يجوز للمؤمن أن يقرأ القرآن بألحان الغناء وطريقة المغنين بل يجب أن يقرأه كما قرأه سلفنا الصالح من أصحاب الرسول ﷺ وأتباعهم بإحسان، فيقرأه مرتلاً متحزنًا متخشعًا حتى يؤثر في القلوب التي تسمعه وحتى يتأثر هو

стр. 492

بذلك. أما أن يقرأه على صفة المغنين وعلى طريقتهم فهذا لا يجوز. (١) ٢ - شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله- حيث سئل ما حكم تلاوة القرآن على المقامات الموسيقية؟ فأجاب حفظه الله قائلًا: نعوذ بالله من ذلك لا يجوز قراءة القرآن بالألحان وجعلها أغاني، المقامات هذه للأغاني عند الصوفية، ولا يجوز قراءة القرآن عليها، ولا يجوز اتخاذ القرآن أغاني وإنما يتلى القرآن كما كان النبي ﷺ وصحابته وأهل العلم يتلونه، أما أن يتلى كما تتلوه الصوفية والمبتدعة والمغنين هذا حرام. (٢). وقول شيخنا الفوزان في وجوب التأسي بالنبي ﷺ وصحابته هو نفس قول شيخنا الإمام ابن باز ﵀، وكأنه خرج من مشكاة واحدة. ٣ - الدكتور إبراهيم بن سعيد الدوسري: (٣) حيث يقول: القراءة بالألحان لا تخرج عن حالتين: الحالة الأولى: الألحان التي تسمح بها طبيعة الإنسان من غير تصنّع، وهذا ما يفعله أكثر الناس عند قراءة القرآن، فإن كل من تغنّى بالقرآن فإنه لا يخرج عن ذلك التلحين البسيط، وذلك جائز، وهو من التغني الممدوح المحمود، كما قال الرسول ﷺ : (ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن) (٤)، وعلى هذه الحالة يحمل الحكم بالجواز والاستحباب. الحالة الثانية: الألحان المصنوعة والإيقاعات الموسيقائية التي لا تحصل إلا بالتعلم والتمرين، ولها مقادير ونسب صوتية لا تتم إلا بها، فذلك لا يجوز؛ لأن أداء القرآن له مقاديره التجويدية المنقولة التي لا يمكن أن تتوافق مع مقادير قواعد تلك الألحان إلا على حساب الإخلال بقواعد التجويد، وذلك أمر ممنوع (٥).

стр. 493

كما أفتى بالمنع جمع من أعلام المعاصرين كذلك منهم على سبيل البيان لا الحصر أصحاب الفضيلة: ١ - علماء اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية. (١) - وحسبك بهم- ٢ - الشيخ العلامة الفقيه محمد بن صالح بن عثيمين- ﵀ ٣ - الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه الله ٤ - الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ وإن كان ضمن أعضاء اللجنة الدائمة إلا أن له فتوى مستقلة بالمنع أيضًا ٥ - الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين ﵀ ٦ - فضيلة الشيخ/ أحمد بن عيسى المعصراوي شيخ عموم المقارئ المصرية ٧ - فتاوى علماء الأزهر. ولا يُعلم عن أحد من أعلام الأمة الأثبات-المعتبرين-المعاصرين- أي خلاف في تحريم قراءة القرآن بتلك "المقامات الموسيقية" المبتدعة التي ليس عليها عمل السلف. وما ينادي به بعض الناس من تلحين القرآن بزعم تصوير المعاني وضبط الأنغام، وربما تمادى بعضهم وطالب بما يقارن تلك الألحان بالآلات الموسيقية: فكل ذلك جرأة على كتاب الله - تعالى ذِكرُه وتقدس اسمُه-، ولا شك أن الاشتغال بتلك الأنغام يوقع القارئ في تحوير الألفاظ، ويصرف السامع عن تدبر المعاني، بل يفضي بها إلى التغيير، وكتاب الله تعالى المجيد ينزه عن ذلك. (٢) ونعجب ممن اشتهر في العالم الإسلامي بحسن قراءته أن يكون طريقه في التعلم وإتقان القراءة: الأغاني الماجنة! وقد اعترف بعضهم أنه كان يستمع للأغنية ذات المعازف حتى يتعلم طريقة القراءة! وقد انتشرت صورة لبعض كبار القراء وهو بجانب " البيانو "! بل وتشترط إذاعة عربية على كل مقرئ فيها أن يحمل شهادة من معهد موسيقي! وإلا حُرِمَ القراءة فيها، وقد وفق الله تعالى كثيرًا من القراء في العالم الإسلامي، وأثروا في الناس بقراءتهم ولم يتعلموا مقامًا ولم يسمعوا أغنية، وبعض المهووسين بهذه المقامات يسمع القارئ المتقن الموفَّق فينسب قراءته لإحدى المقامات ويوهم نفسه وغيره أن هذا القارئ ممن يمشي على طريقته بالقراءة على حسب أغنية أو لحن معيَّن، وليس الأمر كذلك، وإنما هو وهم محض. (٣)

стр. 494

وأخيرًا بعد البحث القاصر في هذه المسألة فإنه يجب الإشارة إلى بعض التنبيهات الهامة على النحو التالي: التنبيه الأول: أن قراءة القرآن بتلك "المقامات" أمر محدث ليس عليه عمل السلف. ولذا لا يحل لمسلم أن يقرأ القرآن إلا بالطريقة التي تعبد الله تعالى بها نبيه محمدًا ﷺ ، وهي التي تلقاها عن الأمين جبريل ﵇ وعلمها أصحابه، وهي التي تواتر نقلها مشافهة عنهم حتى وصلت إلينا على الحال الأولى التي نزل بها القرآن. التنبيه الثاني: أنه يجب تنزيه القرآن عن العبث بأي صورة وتحت أي مسمى، ولا سيما بما يسمى بـ" المقامات الموسيقية"، إجلالًا وتوقيرًا وتعظيمًا لكلام الله جل في علاه. التنبيه الثالث: لقد أنزل الله القرآن لِيُتدبر كما قال سبحانه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: ٢٩)، أي: ليتدبَّروا حُجَج الله التي فيه، وما شرع فيه من شرائعه، فيتعظوا ويعملوا به (١)، ولا شك في أن تعلم أن تلك المقامات صارف عن التدبر الذي أنزل القرآن لأجله. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: ولأن ذلك فيه تشبيه القرآن بالغناء، ولأن ذلك يورث أن يبقى قلب القارئ مصروفًا إلى وزن اللفظ بميزان الغناء لا يتدبره ولا يعقله، وأن يبقى المستمعون يصغون إليه لأجل الصوت الملحَّن كما يصغى إلى الغناء لا لأجل استماع القرآن وفهمه وتدبره والانتفاع به. (٢) ويقول ابن رجب (ت: ٦٩٥ هـ) ﵀: وفي الحقيقة هذه الألحان المبتدعة المطربة تُهيِّج الطباع وتلهي عن تدبر ما يحصل له الاستماع حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبّر معاني القرآن. (٣) قال ابن الصلت الأهوازي (ت: ٤٠٨ هـ) ﵀: سمعت جماعة من شيوخي يقولون لا يجوز للمقرئ أن يقرأ بخمسة أضرب: بالترقي، والترعيد، والتطريب، والتلحين، والتحزين؛ إذ ليس لها أثر ولا نقل عن أحد من السلف، بل ورد إلينا أن بعض السلف كان يكره القراءة بها. (٤)

стр. 495

وقال أبو بكر الطرطوشي (ت: ٥٢٠ هـ) ﵀: وهذا يمنع أن يُقرأ بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يُثمر صدَّ الخشوع ونقيض الخوف والوجل. (١). من أكبر الفواجع ومن أكبر الفواجع الكبرى التي قد سمعنا عنها قديمًا إقدام أحد المطربات الشهيرات على تسجيل بعض آيات القرآن الكريم بصوتها، ومن تلك الفواجع الناجمة عن فتح هذا الباب على مصراعيه أيضًا إقدام بعض أهل الطرب المعاصرين على طلب التصريح بتسجيل القرآن بصوته رسميًا من الأزهر، وقد رُفِضَ طلبه بشدة. وقد ألف ابن كيال الدمشقي (ت: ٩٢٩ هـ) كتابًا في النهي عن قراءة القرآن بالألحان سماه " الأنجم الزواهر في تحريم القراءة بلحون أهل الفسق والكبائر". (٢) الضابط الثامن: تفخيم الصوت بالتلاوة ومن آداب تلاوة القرآن كذلك: أن يفحم القارئ تلاوته بلا تكلف ولا تعسف. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ عَلَى قِرَاءَةِ الرِّجَالِ، وَلَا يُخْضِعُ الصَّوْتَ فِيهِ كَكَلَامِ النِّسَاءِ. (٣) والمقصود بالتفخيم هنا، أي: أنه لا يقرأه بصوتٍ ناعم منغم كصوت النساء -مثلاً-، ولا بصوت فيه نوع تميع، وذلك كالتلاوات التي انتشرت بمثل هذه الطريقة، وإنما يقرأه ويفخمه على أنه رجل، ويقرأ بسجيته وجبلته بلا تكلف ولا تعسف، فيقرأ الرجل بجبلته وسجيته، كما أن المرأة- كذلك- تقرأ بجبلتها وسجيتها، كل بجبلته وسجيته. وممن نوه على مثل ذلك صاحب البرهان. (٤) ويُعد ذكر هذا الضابط من الأهمية بمكان تحذيرًا وتنبيها لما يُرى من كثرة انتشار بعض الأصوات الشبابية التي فيها تكلف للتنعم والتنغم وكأنها أصوات نسائية. الضابط التاسع: أن يكون القارئ حافظًا مجازًا وَمَسْنَدًا أضف إلى ما سبق ذكره من ضوابط: أن يكون القارئ المزمع تسجيل القرآن بصوته من الحفاظ المتقنين ليتمكن من جودة النطق وعدم التلعثم الذي قد يعتري من لم يحفظ غالبًا، وأن يكون مجازًا بالقراءة أو الرواية التي يريد تسجيلها بصوته من أئمة عصره ومصره الأثبات بالسند المتصل
следующие страницы →