← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 825

الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (640 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقال في موضع آخر: فأما الألحان التي يصنعها قراء هذا الزمان فمكروهة عند العلماء لأنها مأخوذة من طرائق الغناء. (١) وقال في موضع آخر- أيضًا-: وأما ما أحدث بعدهم - يعني السلف - من تكلف القراءة على ألحان الغناء، فهذا يُنهى عنه عند جمهور العلماء؛ لأنه بدعة. (٢) ٦ - أبو العباس القرطبي وقال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦ هـ) في "كشف القناع": - كيفية قراءة القرآن نُقلت إلينا نقلاً متواترًا، وليس فيها شيء مِمَّا يُشبه التلحين، ولا أساليب إنشاد الأشعار، فينبغي ألاّ يُجَوَّزَ غيْرُها، وإنَّما قلنا ذلك، لأنَّا قرأنا القرآن على مشايِخِنَا، وهم العدد الكثير، والجمُّ الغفير، ومشايخنا على مشايخهم، وهكذا إلى العصر الكريم، وتلقينا عنهم كيفية قراءته بالمشافهة، فلو كان التلحين فيه مشروعًا لتعلَّموه من مشايخهم، ولنقلوه عنهم، كما نقلوا عنهم المدَّ والقصر، وما بيْن اللفظين، والإمالة والفتح والإدغام والإظهار، وكيفية إخراج الحروف من مَخارجها، فإنه لَمَّا نقله الخلف عن السلف وعلَّموا عليه، اتصل ذلك لنا وتلقيناه عنهم، وهذا جاء مع توفر الدواعي على النقل وكثرة المتعمقين من القرَّاء الغالين في كيفية قراءته، ومع ذلك فلم يُنقل عن أحد من القرَّاء المشاهير، ولا عن الرواة عنهم شيء من ذلك، فدَلَّ ذلك على أنَّ تلحين القرآن ما كان معروفًا عندهم، ولا معمولاً به فيما بيْنهم، فوجب ألاّ يُعمل به، ولا يُعرَّج عليه، فإنه أمرٌ مُحْدَثٌ، وكلُّ مُحْدَثٍ بدعةٌ، "وكل بدعة ضلالة" (٣)،. (٤). وقول أبي العباس القرطبي من أجود ما قيل في هذه المسألة. ومن أهل العلم المعاصرين كذلك كل من: ١ - سماحة شيخنا الإمام ابن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: حيث يقول سماحته: لا يجوز للمؤمن أن يقرأ القرآن بألحان الغناء وطريقة المغنين بل يجب أن يقرأه كما قرأه سلفنا الصالح من أصحاب الرسول ﷺ وأتباعهم بإحسان، فيقرأه مرتلاً متحزنًا متخشعًا حتى يؤثر في القلوب التي تسمعه وحتى يتأثر هو

стр. 492

بذلك. أما أن يقرأه على صفة المغنين وعلى طريقتهم فهذا لا يجوز. (١) ٢ - شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله- حيث سئل ما حكم تلاوة القرآن على المقامات الموسيقية؟ فأجاب حفظه الله قائلًا: نعوذ بالله من ذلك لا يجوز قراءة القرآن بالألحان وجعلها أغاني، المقامات هذه للأغاني عند الصوفية، ولا يجوز قراءة القرآن عليها، ولا يجوز اتخاذ القرآن أغاني وإنما يتلى القرآن كما كان النبي ﷺ وصحابته وأهل العلم يتلونه، أما أن يتلى كما تتلوه الصوفية والمبتدعة والمغنين هذا حرام. (٢). وقول شيخنا الفوزان في وجوب التأسي بالنبي ﷺ وصحابته هو نفس قول شيخنا الإمام ابن باز ﵀، وكأنه خرج من مشكاة واحدة. ٣ - الدكتور إبراهيم بن سعيد الدوسري: (٣) حيث يقول: القراءة بالألحان لا تخرج عن حالتين: الحالة الأولى: الألحان التي تسمح بها طبيعة الإنسان من غير تصنّع، وهذا ما يفعله أكثر الناس عند قراءة القرآن، فإن كل من تغنّى بالقرآن فإنه لا يخرج عن ذلك التلحين البسيط، وذلك جائز، وهو من التغني الممدوح المحمود، كما قال الرسول ﷺ : (ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن) (٤)، وعلى هذه الحالة يحمل الحكم بالجواز والاستحباب. الحالة الثانية: الألحان المصنوعة والإيقاعات الموسيقائية التي لا تحصل إلا بالتعلم والتمرين، ولها مقادير ونسب صوتية لا تتم إلا بها، فذلك لا يجوز؛ لأن أداء القرآن له مقاديره التجويدية المنقولة التي لا يمكن أن تتوافق مع مقادير قواعد تلك الألحان إلا على حساب الإخلال بقواعد التجويد، وذلك أمر ممنوع (٥).

стр. 493

كما أفتى بالمنع جمع من أعلام المعاصرين كذلك منهم على سبيل البيان لا الحصر أصحاب الفضيلة: ١ - علماء اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية. (١) - وحسبك بهم- ٢ - الشيخ العلامة الفقيه محمد بن صالح بن عثيمين- ﵀ ٣ - الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه الله ٤ - الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ وإن كان ضمن أعضاء اللجنة الدائمة إلا أن له فتوى مستقلة بالمنع أيضًا ٥ - الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين ﵀ ٦ - فضيلة الشيخ/ أحمد بن عيسى المعصراوي شيخ عموم المقارئ المصرية ٧ - فتاوى علماء الأزهر. ولا يُعلم عن أحد من أعلام الأمة الأثبات-المعتبرين-المعاصرين- أي خلاف في تحريم قراءة القرآن بتلك "المقامات الموسيقية" المبتدعة التي ليس عليها عمل السلف. وما ينادي به بعض الناس من تلحين القرآن بزعم تصوير المعاني وضبط الأنغام، وربما تمادى بعضهم وطالب بما يقارن تلك الألحان بالآلات الموسيقية: فكل ذلك جرأة على كتاب الله - تعالى ذِكرُه وتقدس اسمُه-، ولا شك أن الاشتغال بتلك الأنغام يوقع القارئ في تحوير الألفاظ، ويصرف السامع عن تدبر المعاني، بل يفضي بها إلى التغيير، وكتاب الله تعالى المجيد ينزه عن ذلك. (٢) ونعجب ممن اشتهر في العالم الإسلامي بحسن قراءته أن يكون طريقه في التعلم وإتقان القراءة: الأغاني الماجنة! وقد اعترف بعضهم أنه كان يستمع للأغنية ذات المعازف حتى يتعلم طريقة القراءة! وقد انتشرت صورة لبعض كبار القراء وهو بجانب " البيانو "! بل وتشترط إذاعة عربية على كل مقرئ فيها أن يحمل شهادة من معهد موسيقي! وإلا حُرِمَ القراءة فيها، وقد وفق الله تعالى كثيرًا من القراء في العالم الإسلامي، وأثروا في الناس بقراءتهم ولم يتعلموا مقامًا ولم يسمعوا أغنية، وبعض المهووسين بهذه المقامات يسمع القارئ المتقن الموفَّق فينسب قراءته لإحدى المقامات ويوهم نفسه وغيره أن هذا القارئ ممن يمشي على طريقته بالقراءة على حسب أغنية أو لحن معيَّن، وليس الأمر كذلك، وإنما هو وهم محض. (٣)

стр. 494

وأخيرًا بعد البحث القاصر في هذه المسألة فإنه يجب الإشارة إلى بعض التنبيهات الهامة على النحو التالي: التنبيه الأول: أن قراءة القرآن بتلك "المقامات" أمر محدث ليس عليه عمل السلف. ولذا لا يحل لمسلم أن يقرأ القرآن إلا بالطريقة التي تعبد الله تعالى بها نبيه محمدًا ﷺ ، وهي التي تلقاها عن الأمين جبريل ﵇ وعلمها أصحابه، وهي التي تواتر نقلها مشافهة عنهم حتى وصلت إلينا على الحال الأولى التي نزل بها القرآن. التنبيه الثاني: أنه يجب تنزيه القرآن عن العبث بأي صورة وتحت أي مسمى، ولا سيما بما يسمى بـ" المقامات الموسيقية"، إجلالًا وتوقيرًا وتعظيمًا لكلام الله جل في علاه. التنبيه الثالث: لقد أنزل الله القرآن لِيُتدبر كما قال سبحانه: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص: ٢٩)، أي: ليتدبَّروا حُجَج الله التي فيه، وما شرع فيه من شرائعه، فيتعظوا ويعملوا به (١)، ولا شك في أن تعلم أن تلك المقامات صارف عن التدبر الذي أنزل القرآن لأجله. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: ولأن ذلك فيه تشبيه القرآن بالغناء، ولأن ذلك يورث أن يبقى قلب القارئ مصروفًا إلى وزن اللفظ بميزان الغناء لا يتدبره ولا يعقله، وأن يبقى المستمعون يصغون إليه لأجل الصوت الملحَّن كما يصغى إلى الغناء لا لأجل استماع القرآن وفهمه وتدبره والانتفاع به. (٢) ويقول ابن رجب (ت: ٦٩٥ هـ) ﵀: وفي الحقيقة هذه الألحان المبتدعة المطربة تُهيِّج الطباع وتلهي عن تدبر ما يحصل له الاستماع حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة والأصوات المطربة، وذلك يمنع المقصود من تدبّر معاني القرآن. (٣) قال ابن الصلت الأهوازي (ت: ٤٠٨ هـ) ﵀: سمعت جماعة من شيوخي يقولون لا يجوز للمقرئ أن يقرأ بخمسة أضرب: بالترقي، والترعيد، والتطريب، والتلحين، والتحزين؛ إذ ليس لها أثر ولا نقل عن أحد من السلف، بل ورد إلينا أن بعض السلف كان يكره القراءة بها. (٤)

стр. 495

وقال أبو بكر الطرطوشي (ت: ٥٢٠ هـ) ﵀: وهذا يمنع أن يُقرأ بالألحان المطربة والمشبهة للأغاني؛ لأن ذلك يُثمر صدَّ الخشوع ونقيض الخوف والوجل. (١). من أكبر الفواجع ومن أكبر الفواجع الكبرى التي قد سمعنا عنها قديمًا إقدام أحد المطربات الشهيرات على تسجيل بعض آيات القرآن الكريم بصوتها، ومن تلك الفواجع الناجمة عن فتح هذا الباب على مصراعيه أيضًا إقدام بعض أهل الطرب المعاصرين على طلب التصريح بتسجيل القرآن بصوته رسميًا من الأزهر، وقد رُفِضَ طلبه بشدة. وقد ألف ابن كيال الدمشقي (ت: ٩٢٩ هـ) كتابًا في النهي عن قراءة القرآن بالألحان سماه " الأنجم الزواهر في تحريم القراءة بلحون أهل الفسق والكبائر". (٢) الضابط الثامن: تفخيم الصوت بالتلاوة ومن آداب تلاوة القرآن كذلك: أن يفحم القارئ تلاوته بلا تكلف ولا تعسف. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ عَلَى قِرَاءَةِ الرِّجَالِ، وَلَا يُخْضِعُ الصَّوْتَ فِيهِ كَكَلَامِ النِّسَاءِ. (٣) والمقصود بالتفخيم هنا، أي: أنه لا يقرأه بصوتٍ ناعم منغم كصوت النساء -مثلاً-، ولا بصوت فيه نوع تميع، وذلك كالتلاوات التي انتشرت بمثل هذه الطريقة، وإنما يقرأه ويفخمه على أنه رجل، ويقرأ بسجيته وجبلته بلا تكلف ولا تعسف، فيقرأ الرجل بجبلته وسجيته، كما أن المرأة- كذلك- تقرأ بجبلتها وسجيتها، كل بجبلته وسجيته. وممن نوه على مثل ذلك صاحب البرهان. (٤) ويُعد ذكر هذا الضابط من الأهمية بمكان تحذيرًا وتنبيها لما يُرى من كثرة انتشار بعض الأصوات الشبابية التي فيها تكلف للتنعم والتنغم وكأنها أصوات نسائية. الضابط التاسع: أن يكون القارئ حافظًا مجازًا وَمَسْنَدًا أضف إلى ما سبق ذكره من ضوابط: أن يكون القارئ المزمع تسجيل القرآن بصوته من الحفاظ المتقنين ليتمكن من جودة النطق وعدم التلعثم الذي قد يعتري من لم يحفظ غالبًا، وأن يكون مجازًا بالقراءة أو الرواية التي يريد تسجيلها بصوته من أئمة عصره ومصره الأثبات بالسند المتصل

стр. 496

إلى من نزل عليه القرآن ﷺ ، والذي تلقَّاه عن جبريل ﵇، كما الله ﵎ ذلك بقوله سبحانه: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (النمل: ٦)، وقوله (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ) أي: يلقى عليك فتلقاه وتعلمه وتأخذه (١). وقد جاء جليًا صريحًا ذُكْرُ من عَلَّمَهُ وتلقَّاه عنه في قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (النجم: ٥)، و (شَدِيدُ الْقُوَى) هو جبريل ﵇. وإن رب العزة جل في علاه قد تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وسمعه جبريل ﵇ كذلك من رب العزة بحرف وصوت فنزل به على قلب النبي ﷺ فبلغه إياه كما سمعه، وقد قال في ذلك سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥). فَوَعّاه اللهُ قَلْبَهُ وثَبَتَه فيه فلا ينْساه أَبدًا، وقد بَلَّغَهُ ﷺ لأمته كما تلقَّاه وسمع من جبريل ﵇ دون أدنى تصرف فيه. (٢) مفهوم الإجازة القرآنية: والإجازة القرآنية: هي عمليةُ النَّقلِ الصوتيِّ للقرآن الكريمِ من جيلٍ إلى جيل، وفيها يَشهدُ المُجيزُ أنَّ تلاوةَ المُجازِ قد صارت صحيحةً مئةً بالمئةِ بالنسبةِ للروايةِ - أو الرواياتِ - التي أجازَهُ بها، ثم يَأذَنُ له أَنْ يَقرأَ ويُقرِئَ غَيرَه القرآنَ الكريمَ. (٣) وعلى هذا فالإجازة المعتبرة يسمع فيها الشيخُ المُجيزُ من القارئ المُجَاز القرآن كله من فاتحته إلى خاتمته حرفًا حرفًا، وهو يتلقاه عنه طرفًا طرفًا. أهميةُ الإجازةِ مما لا شكَّ فيه أنَّ طلبَ الإجازةِ في قراءةِ القرآنِ الكريمِ، قراءةً صحيحةً، متَّصلةَ السَّنَدِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ أمرٌ محمودٌ شرعًا، كيف لا وقد جاء عن بعضِ السلَفِ ﵏ الرِّحلةُ في طلب الحديث؟ فالرِّحلةُ في طلبِ إتقانِ تلاوةِ القرآنِ مِن بابِ أَوْلى، وصاحبُها مأجورٌ مشكور. وتبرُزُ أهميةُ الإجازةِ بأنه: لا يَصحُّ لأحدٍ أن يُقرئَ القرآنَ الكريم، حتى يأخذَه أخذًا كامِلًا من أفواهِ المشايخِ العارفين المُتقِنين، ويُؤذَنَ له بالإقراء، فإن لم يُؤذنْ له بالإقراءِ فلا ينبغي أن يُقرئَ القرآنَ

стр. 497

حتى لو قرأَ القرآنَ مراتٍ عديدة، فإنَّ السماعَ والعَرْضَ لا يكفِيانِ في صِحَّةِ أداءِ القرآنِ بعد زمانِ شُيوعِ اللَّحْن، بل لا بُدَّ معهما من إجازةٍ وإذنٍ بالقراءةِ والإقراءِ، وذلك لأنَّ الطالبَ قد يقرأُ القرآنَ كلَّه على شيخِه مِرارًا ولا يُتقِنُ الأداءَ فلا يُجيزُه الشيخ، ومِن ذلك ما ذكرَه ابنُ الجزريِّ -رحمه اللهُ تعالى- عن الإمامِ أحمدَ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ الهاشميِّ (ت ٦٤٦ هـ) أنَّه قرأ عليه أبو جعفرٍ بنُ الزبيرِ روايةَ ورشٍ عِدَّةَ خَتَمات، قال: ولم يُجِزْني، وقرأ عليه بعضُ أَتْرابي وأجازَ له. ومِن هنا: كان بعضُ السَّلفِ ﵏ يَطلُبون من بعضِ تلاميذِهم إِعادةَ قراءةِ القرآن مرَّاتٍ عديدةٍ حتى يَستوثِقوا مِن إتقانِهم. فمِن ذلك: أنَّ مجاهدَ بنَ جَبْرٍ المكِّيَّ قرأ على ابنِ عبَّاسٍ ثلاثينَ ختمة يستوقفه عند كل آيةٍ يسأله عنها. (١) ومِن ذلك: أنَّ الإمامَ أبا جعفرٍ عرَضَ القرآنَ على مولاه عبدِ اللهِ بنِ عيَّاش، وعلى عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، وعلى أبي هريرةَ ﵄. ومِن ذلك: أنَّ الإمامَ نافعَ بنَ أبي نُعيَمٍ قال: قرأتُ على سبعينَ مِن التابعِين. (٢) فإذا أجاز الشيخ المُجِيزُ القارئَ إجازةً صحيحةُ بشرطها المعتبر عند أهل البحث والنظر فقد اتصل سنده بتلك الإجازة بإسناد رسول الله ﷺ وأصبح ضمن سلسلة الناقلين للقرآن الكريم بالسند الصحيح الثابت بالنقل المتواتر المتصل برسول الله ﷺ ، كما أصبح بذلك أهلًا لإجازة غيره. وضابط شرط الإجازة لمن يُسجل له القرآن أن يكون مجازًا من أئمة عصره ومصره الأثبات لأمور من أهمها ما يلي: ١ - لضمان عدم التساهل في الإجازة التي حدثت في الأزمنة المتأخرة ٢ - لزيادة تحقق الاستيثاق من هذه الإجازة، وذلك لاشتهار أئمة كل عصره ومصر بين أهل زمانهم وظهورهم وبروزهم فيهم فلا ينسب إليهم إجازة من لم يجيزوه ٣ - لدفع القراء لطلب للإتقان وطلب علو الإسناد والأخذ والتلقي عن الأكابر للتأهل قبل التصدر. الإجازة سنة متبعة وقد زكى النبي ﷺ جمعًا من أصحابه ممن تلقوا عنه وأتقنوا قراءة القرآن.

стр. 498

لقد حرص النبي ﷺ على تعليم أصحابه القرآن منذ بزوغ فجر نزوله في الغار، وكذلك حرص أصحابه على التلقي والأخذ عنه ﷺ وتنافسوا في هذا المضمار أيما تنافس، وقد سطع نجم عدد منهم فاعتنوا بالقرآن وتعلمه وإتقانه حتى تميزوا في تَعَلُمِهم فزكاهم النبي ﷺ وحث ورغَّب في التلقي والأخذ عنهم. أبرز من زكاهم النَّبيُّ ﷺ أولًا: التزكيات الجماعية فقد زكى النَّبيُّ ﷺ جمعًا ممن تميزوا في التلقي عنه، وممن زكاهم تزكية جماعية لسبقهم وفضلهم أربعة نفر. فقد ثبت في الصحيحين أنه ذُكِرَ عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، فَقالَ: ذَاكَ رَجُلٌ لا أزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: خُذُوا القُرْآنَ مِن أرْبَعَةٍ مِن عبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ - فَبَدَأَ به -، وسَالِمٍ، مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ، ومُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ. (١) وهذه التزكيات الجماعية لهؤلاء الأربعة نفر من الصحابة هي بمثابة الإجازة، فقوله (خُذُوا القُرْآنَ مِن أرْبَعَةٍ) يُعد إجازة صريحة، كما يُعد تزكية لهم لا تعلوها تزكية، حيث جاء الأمر بالأخذ عنهم بلفظ صريح من النبي ﷺ . ثانيًا: تزكية أبيِّ بن كعب (ت: ٣٠ هـ) ﵁ -: ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبيُّ ﷺ قال لِأُبَيٍّ: إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ القُرْآنَ قالَ أُبَيٌّ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قالَ: اللَّهُ سَمَّاكَ لي فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي، قالَ قَتَادَةُ: فَأُنْبِئْتُ أنَّهُ قَرَأَ عليه: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أَهْلِ الكِتَابِ) (البينة: ١). (٢) وقد ثبت عند الترمذي وغيره بسند صحيح من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: " … وأقرؤُهُم لِكِتابِ اللَّهِ أبيُّ بنُ كعبٍ … ". (٣) وهذه لا شك تزكية صريحة لسيد القراء ﵁. ثالثًا: تزكية عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ -: ثبت في المسند بسند صحيح عن زر بن حبيش من حديث عن ابن مسعود ﵁ قال: … من سرَّه أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل، فليقرأه بقراءة ابن أم عبد … (٤)

стр. 499

وهذه تزكية قل أن تعلوها تزكية وإن كانت، ومع ذلك فهي منقبةٌ عظيمةٌ جليلة القدر. وها هو عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ يقول عن نفسه: "والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه". (١) عن شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ (ت: ٨٠ هـ) قَالَ: خطبنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ (ت: ٣٢ هـ) ﵁ فقَالَ: "وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ -أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ". قالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي الْحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا، يَقُول غَيْرَ ذَلِكَ. (٢) رابعًا: تزكية أبيِ موسى الأشعري (ت: ٤٤ هـ) ﵁ -: ولقد استمع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لقراءةِ أَبِي مُوسَى ثم قَالَ له: "لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " (٣)، ومجرد حرصه ﷺ على الاستماع لقراءةِ أَبِي مُوسَى يُعد تزكية من أعلى التزكيات. خامسًا: تزكية مصعب بن عمير (ت: ٣ هـ) وعبد الله بن أم مكتوم (ت: ١٥ هـ) ﵄ - لقد أرسل النَّبيُّ ﷺ مصعبَ بن عمير العَبْدري وعبدَ الله بن أم مكتوم ﵄ ليعلمان الناسَ القرآنَ في المدينة قبل هجرته، ولاشك في أن إرسالهما للتعليم والقيام بهذه المهمة الجليلة يُعد تزكية لهما. وقد ثبت عند البخاري من حديث البَرَاء بْن عَازِبٍ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ … (٤).

стр. 500

سادسًا: تزكية عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) وهشام بن حكيم بن حزام (ت: ١٣ هـ) ﵃ - فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال سمِعتُ هشامَ بنَ حَكيمِ بنِ حزامٍ يقرأُ سورةَ الفرقانِ، فقرأَ فيها حُروفًا لم يَكُن نبيُّ اللَّهِ ﷺ أقرأَنيها، قُلتُ: مَن أقرأَكَ هذِهِ السُّورةَ؟ قالَ: رسولُ اللَّهِ ﷺ ، قُلتُ: كذبتَ، ما هَكَذا أقرأَكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ! فَأخذتُ بيدِهِ أقودُهُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ! إنَّكَ أقرأتَني سورةَ الفرقانِ، وإنِّي سمِعتُ هذا يقرأُ فيها حروفًا لم تَكُن أقرأتَنيها! فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : اقرأ يا هشامُ. فقرأَ كما كانَ يقرأُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ: هَكَذا أُنْزِلَت. ثمَّ قالَ: اقرَأ يا عمرُ. فقرأتُ، فقالَ: هَكَذا أُنْزِلَت. ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ: إنَّ القرآنَ أُنزِلَ علَى سَبعةِ أحرُفٍ. (١). فقوله ﷺ : "اقرأ يا هشامُ" … ثم قوله: "هَكَذا أُنْزِلَت". ثمَّ قوله: "اقرَأ يا عمرُ … ثم قوله: "هَكَذا أُنْزِلَت"، فهذه تزكية لهما تدلل على صحة قراءتيهما. وغير هذه التزكيات وردًا كثيرًا على لسان من أُنْزِل عليه القرآنِ ﷺ . قدر ومكانة التزكيات النبوية وهذه التزكيات النبوية الواردة في الأحاديث السابقة تدل دلالة واضحة بينة على تزكية النبي ﷺ لأولئك النفر من أصحاب الكرام ﵃ أجمعين، وهي تزكيات بمثابة ومكانة الإجازات اللفظية المتعارف عليها عند أهل العلم عمومًا وعند أهل الإقراء خصوصًا، وهي وإن كانت تزكيات، فهي في حكم الإجازات اللفظية، ولا شك في أن تلك التزكيات والإجازات اللفظية لها مكانتها وقدرها بل وتقدمها على الإجازات الخطية، وهي تعد بمثابة إجازات سمعية، وأن لها قدرها ومكانتها باعتبار قدر ومكانة خير مُجِيزٍ وخير مُجَازٍ. كما أنه ﷺ قد زكى جمعًا من أصحابه غير هؤلاء وأثنى على قراءتهم وتلاوتهم كذلك. ومن أبرز هؤلاء زيد بن ثابت الذي - قيل أنه- حضر العرضة الأخيرة (٢) ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف. (٣).

стр. 501

وكذلك تزكية كُتَّابِ الوحي وهم جمع غفير، فمنهم من كان يكتب في بعض الأحايين، ومنهم من كان مستديمًا على كتابة الوحي ومتفرِّغًا ومتخصِّصاً له، وهؤلاء الكُتَّابِ منهم من اتخذهم النبيُّ ﷺ في مكة قبل الهجرة، ومنهم من اتخذهم بعد الهجرة في المدينة وأضافهم إليهم، ومنهم من اتخذهم بعد الحديبية وأضافهم إليهم كذلك، وقد ذكرهم محمود شاكر في "التاريخ الإسلامي" بأسمائهم. (١). واتخاذ هؤلاء الكُتَّاب للوحي يعُد تزكية لا تعلوها تزكية، حيث ائتمنهم النبيُّ ﷺ على كتابة الوحي لعلمهم بالكتاب ولحسن ديانتهم وأمانتهم. مكانة الإسناد من الدين قال عبدالله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀: الإسنادُ من الدِّين، ولولا الإسنادُ لقال مَن شاء ما شاء، فإذا قيل له: مَن حَدَّثَك؟ بَقِي أي: بقى متحيرًا لا يدري ما يقول، لأنه لا إسناد معه يعرف به صحة الحديث أو ضعفه (٢) قال الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: الإسناد خصيصةٌ فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسُنّةٌ بالغة مِن السنن المؤكَّدة، وقد رُوِّينا من طريق أبي العباس الدغولي قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: إنّ الله تعالى قد أَكرمَ هذه الأمةَ وشَرَّفَها وفَضَّلَها بالإسناد، وليس لأحدٍ مِن الأمم كلِّها قديمها وحديثها إسنادٌ موصول، إنما هو صُحُفٌ في أيديهم، وقد خَلَطُوا بكتبهم أخبارَهم، فليس عندهم تمييزٌ بين ما نزل مِن التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتَّخذوها عن غير الثقات. (٣) الضابط العاشر: أن يكون التسجيل بصوت رجلٍ "ذكرٍ " ولقد اختلف أهل العلم في حكم صوت المرأة: هل هو عورة أم لا؟

стр. 502

والراجح في أصح قولي العلماء أن صوت المرأة ليس بعورة في حد ذاته إطلاقًا، وهذا القول هو الموافق لعموم الأدلة. وإنما تمنع المرأة من إظهار صوتها عند غير محارمها من الرجال الأجانب لغير حاجة، كما تمنع من ذلك أشد المنع في حال إظهاره على وجه من الترخيم، أو أن يكون فيه تنغم وتنعم وتمطيط و تكسر في الحديث وتليين، أو تغنّج فاتن، أو على وجه فيه انبساط ومؤانسة، أو على وجه فيه خلط بيِّنٍ للضحك والمفاكهة، أو بأي طريقة قد يحصل بها فتنة بسبب صوتها. ورد في الموسوعة الفقهية: إنْ كَانَ صَوْتَ امْرَأَةٍ، فَإِنْ كَانَ السَّامِعُ يَتَلَذَّذُ بِهِ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ فِتْنَةً حَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُهُ، وَإِلاَّ فَلَا يَحْرُمُ، وَيُحْمَل اسْتِمَاعُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَصْوَاتَ النِّسَاءِ حِينَ مُحَادَثَتِهِنَّ عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَرْخِيمُ الصَّوْتِ وَتَنْغِيمُهُ وَتَلْيِينُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إثَارَةِ الْفِتْنَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢) (١) فنهاهنَّ الله سبحانه عن الخضوع بالقول درءًا للفتنة وخشية أن يطمع فيهنَّ أهل الفساد والشَّهوات ومرضى القلوب. وسئل أعضاء اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية: ما هو الحكم في إقامة مباريات ترتيل القرآن الكريم بالنسبة للنساء بحضور الرجال؟ فأجابت اللجنة: ترتيل البنات للقرآن بحضرة الرجال لا يجوز؛ لما يخشى في ذلك من الفتنة بهن، وقد جاءت الشريعة بسد الذرائع المفضية للحرام. (٢) وقد سئل شيخنا الفقيه العلامة ابن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: ما حكم تحسين الصوت في قراءة القرآن للطالبات عند المدرس في الكلية مع أنها غير مطالبة بذلك؟ فأجاب ﵀ بقوله: لا أرى أن تحسن صوتها؛ لأن الله تعالى يقول: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢)، فكون الطالبة تأتي بالقرآن على وجه الغنة، وتحسين الصوت يخشى منه الفتنة، ويكفي أن تقرأ القرآن قراءة مرسلة عادية. (٣).

стр. 503

هذا مع بقاء أن الأصل في المرأة أنها تعلم بني جنسها من النساء، وأن الأصل في الرجل أنه يعلم بني جنسه من الرجال، إلا ما دعت إليه الحاجة والضرورة، وبالضوابط الشرعية، وقل كذلك في التداوي والتطبيب والعلاج. ويقول شيخنا العلاَّمة المحدث محمد ناصر الدين الألبانيُّ (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: الْمُقرِئ إذا كان يُعلِّم النِّساء بواسطة الهاتف؛ ثمَّ هنَّ يقرأنَ ويُسمِعنَ صوتَهنَّ للمُقرِئ؛ فالحكم كما لو سَمِع صوتهنَّ من وراء السِّتارة، ولا يَرى أجسامَهنَّ؛ فالفِتنة حاصلةٌ على الوجهين: سَمِعَ صوتهنَّ بواسطة الأثير والهواء بدون وسيلة الأسلاك هذه، أو بواسطة الأسلاك؛ فالصوتُ هو صوتُ المرأة عينُه. وصوتُ المرأة ليس بعورة؛ بخلاف ما هو مشهورٌ عند النَّاسِ؛ ولكن يُشترط في ذلك أن يكون صوتُها ذلك الصُّوتُ الطَّبيعي؛ أمَّا وهي تقرأ بالغنَّة، والإقلاب، والإظهار، و و إلى آخره، والمدُّ الطبيعي والمتَّصِل والمنفَصِل، وهذا هو التَّجوِيد. ويأتي قوله ﵇"مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا (١) " إذن هي ينبغي أنْ تَتغنَّى بالقرآن. فلا ينبغي أن يكون هذا أمام رجال إطلاقًا، سواء كان هذا بواسطة الإذاعة، أو بواسطة التليفون. (٢) وسُئِلَ شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان- حفظه الله-: بالنسبة لصوت المرأة؛ هناك بعض البرامج في تلاوة القرآن يكون من ضمن المشاركين عن طريق الهاتف نساءٌ يَتْلُونَ القرآن، هل في ذلك شيء؟ قال -حفظه الله-: في الإذاعة يعني؟ السائل: هذا الذي يظهر يا شيخ .. فأجاب - حفظه الله -: ما يجوز هذا، ما يجوز أن تُسْمِعَ صوتها للرجال ويسمعها الناس من خلال الإذاعة، هذا ما يجوز، هذا شيءٌ مُحْدَثٌ، ولا هو موجود حتى في إذاعات العالم كلها! ما هو موجود أنَّ النساء تقرأ في الإذاعة، هذا شيء أحدثوه الآن في إذاعة القرآن عندنا في الإذاعة أيضًا البرنامج العام .. أحدثه أُناسٌ جهَّالٌ، هذا لا يجوز أبداً يجب أن يُبَلَّغوا ويقال لهم هذا لا يجوز، نعم، يا أخي الإذاعات الدول العربية كلها ما فيها نساءٌ تقرأ، وهذه الإذاعة أولى الإذاعات بالعمل بالسنة وعدم إحداث شيءٍ ليس له سابقةٌ في الشرع. (٣)

стр. 504

تسبيح الرجال وتصفيح النساء للتنبيه في الصلاة وقد ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " … مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ؛ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ". وفي رواية: "إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ" (١). والتصفيح هو: التصفيق، كما وضحته الرواية الثانية. وحكمة التفريق بين الرجال والنساء في التنبيه أثناء الصلاة ظاهرة، فالمرأة مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا؛ خشية الافتتان بها بحضرة الرجال الأجانب، فناسبه مشروعية التصفيق في حقها لا التسبيح، واختُلف إذا لم تكن بحضرة رجال أجانب فهل تسبح؟ قيل تسبح؛ لأن التسبيح ذكر مشروع في الصلاة، ولانتفاء العلة؛ لأن النبي ﷺ أراد التفريق بقوله: " التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" إذا كانت بحضرة الأجانب، وهو وجيه. (٢) وقيل: تصفق مطلقًا لعموم النص، ولا دلالة فيه على التفريق بين حال وجود رجال أجانب من عدمه، وهذا القول أقوى لظاهر الحديث. (٣) وإذا كانت المرأة مطالبة بالتصفيق بصفحها أي: بـ"كفها" مقابلة وعوضًا عما يخص الرجال من التسبيح في مواطن التنبيه في الصلاة، والتي هي محل الخشوع والخضوع والذل وحضور القلب وسكون الجوارح وتعظيم الرب جل في علاه، فما ظنك بغيرها من المواطن.!. فإذا كانت قراءة القرآن من قارئ حسن الصوت تؤثر في السامع وتجذبه إليه، فلا شك في أن المرأة التي تقرآ القرآن وترتله وتجوده ستحاول التأثير في السامعين بكل ما أُتت من قوة كذلك، فستجتهد في تحسن صوتها وتجمله وترخمه وترققه وتنمقه وبالتالي ستكون أكثر تأثيرًا، وهذا الأمر هو الذي يفتح باب الافتتان بصوتها ولا سيما من مرضى القلوب. والله تبارك تعالى قد نهى أزواج النبي ﷺ عن الخضوع بالقول، ومن هنّ في الشرف، ورفعة المكانة، وعلو القدر؟! هنَّ أمهات المؤمنين المطهرات المبرءات، وهنَّ من أشرف نساء العالمين، وهنَّ اللائي لا يلحقهنَّ في الفضيلة والمنزلة والمكانة والقدر أحدٌ، فهنَّ أزواج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، وهنَّ أمهات للمؤمنين في الإكرام،

стр. 505

والتبجيل، والتقدير، والفضل، والمكانة، والتوقير، والإجلال، والإعظام، والإكبار قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (الأحزاب: ٦). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاحهن بعد موته ﷺ وعلى وجوب احترامهن، فهن أمهات المؤمنين في الحرمة، والتحريم، ولسن أمهات المؤمنين في المحرمية. (١). وهنَّ اللائي لم ولن يطمع فيهن بشرٌ، ومع ذلك كله فقد قال سبحانه لهنَّ: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا) (الأحزاب: ٣٢) وكان هذا في عصر خير أصحاب لخير لنبي. والخطاب وإن كان موجه لنساء النبي- ﷺ ، أو ليس من باب أولى أن يوجه لعموم نساء الأمة كذلك، وهنَّ تبع لهنَّ في ذلك، ولا سيما في زمن الغربة والبعد عن نور الوحي ومشكاة النبوة، وشيوع الجهل، وانتشار وفشو الرذائل، وكثرت وشيوع تواجد الرويبضة وتمكينهم من البروز في وسائل الإعلام المتنوعة، وكثرت دعاة التحرر والتمدن والتحلل من القيم والأخلاق باسم الحرية، ناهيك عن علو صوت الكثير من منتكسي الفطرة من دعاة الانحلال الأخلاقي ممن يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وهؤلاء هم الذين توعَّدهم الله تعالى بالعذاب في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور: ١٩)، وهم الذين ترى حرصهم على إخراج الطاهرات العفيفات من خدورهنَّ بكل وسيلة وتحت مسمى أي غاية. وختامًا دواعي مناقشة ضابط تسجيل القرآن (بصوت رجلٍ "ذكرٍ") لم يقف الباحث على مناقشة هذا المبحث وإفراده بالبحث والمناقشة والمدارسة من قِبِلِ أيِّ من الباحثين المعاصرين في سياق مبحث "تسجيل القرآن"؟!، فلماذا كانت مناقشة هذا الضابط إذًا؟!، ويا تُرى ما هي الدواعي لانفراده ببحث هذا الضابط ومناقشته ومدارسته ولم يناقشه أحدٌ ببحث مستقل فيما يعلم؟!، وهل تعد مناقشته تلك من نافلة القول، ومن التعسف والتكلف الذي لا داعي لذكره أصلًا لأنه أمر معلوم بالبديهة أن الذي سَيُسَجَلٌ له القرآنُ لا بد أن يكون رجلًا ذكرًا لا امرأة، أم هي من صلب وأساس موضوع البحث؟!

стр. 506

يبين الباحث أهم تلك الدواعي فيقول: أولاً: إن من أهم تلك الدواعي تدارك عدم تكرار تلك الواقعة التي قد يستبعد الكثير وقوعها أصلًا، فإن تسجيل صوت النساء للقرآن قد وقع بالفعل وتكرر في عشرينيات القرن الميلادي الماضي من قبل بعض المقرئات في مصر، وأذيعت تلك التسجيلات في الإذاعات الأهلية وبعضها أذيع في إذاعات عالمية إبَّان الحرب العالمية الثانية، وبعض تلك التسجيلات ما تزال موجودة ومتداولة، وقد وقف الباحث على بعض منها، وهي مبثوثة عبر وسائل التقنية الحديثة. (١)

стр. 507

ثانيًا: أن تأييد رجوع تسجيل تلاوات النساء في الإذاعات أصبح غير مستبعد؛ بسبب المواقف المعلنة والمؤيدة لضرورة وجود قارئات للقرآن في الإذاعات. وقد ظهرت مؤخرًا رغبة بعض أهل المجون في تسجيل القرآن بأصواتهم، هذا وقد طلب أحدهم التصريح رسميًا بتسجيل القرآن بصوته، وقد تعالت معه أصوات أخر تنادي بعودة تسجيل القرآن بأصوات نسائية كما كان في عشرينيات القرن الميلادي الماضي. وفي سنة ١٩٥٨ م نشرت صحف إحدى الدول العربية اقتراحًا بتسجل القرآن كله بصوت مطربة شهيرة طبقة شهرتها الآفاق، وقد سبق أن تجرأت تلك المطربة على تسجيل بعض آي القرآن وبثها بين الخلائق، وهذه المسألة سبق وأن أثيرت عام ١٩٥٠ م كذلك. ثالثًا: ومن أبرز تلك الدواعي الخوف أن نؤتى من داخل الصف فيكون المصاب جللًا - فقد سبق وأن تَقدّم نقيب قراء القرآن الكريم في إحدى الدول الإسلامية بطلب لإذاعة بلده عام ٢٠٠٩ م بالموافقة على قبول قارئات للقرآن في الإذاعة، وذلك بعد فترة وجيزة من قبول النقابة لعضوية عشرات القارئات، غير إنّ الرفض كان من نصيب تلك المحاولة. (١). - هذا وقد سجل أحد مشاهير القراء الكبار (٢) ذلك الموقف في تصريحات صحفية له قائلًا: "إن صوت المرأة ليس بعورة، لقوله تعالى في سورة الأحزاب (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) (الأحزاب: ٥٥)، مضيفًا "الأصل في الأشياء هو الإباحة، وما كان حلاله حلالاً فإن حرامه حرام، بمعنى أن المرأة التي تتحدث بترقيق متعمد لصوتها، يعد صوتها بالأساس خضوعًا بالقول ولا يجوز لها ترتيل القرآن بهذه الطريقة، في حين أنّ المرأة الرصينة الملمة بقواعد التجويد وأحكام الترتيل، لا غبار على قراءتها". (٣) وأخيرًا فالمرآة الحصيفة الناصحة لنفسها ولعباد الله تجد مكانها في تعليم القرآن الكريم لبنات جنسها، ولاشك أن في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل ما لا يحصيه إلا الله إذا صدق النية وصلحت الطوية، كما أن في ذلك غنية عن تسجيل المرأة صوتها. هذا ويسأل الباحثُ رَبَهُ أن يوفقه لسلوك سبيل المؤمنين، وأن يجنبه وإخوانه المسلمين الإحداث والابتداع في الدين.

стр. 508

المطلب الثالث: آفات ومعوقات في طريق التسجيل الصوتي للقرآن الكريم في عصرنا الحاضر لقد مر معنا في طيات البحث مدى العناية الكبيرة التي حظى بها في عهود الثلاثة، كما حظى المصحف الشريفة نفسه كذلك بعناية بالغة ودقيقة في طباعته حتى وصل لمرحلة من الكمال والتمام والإتقان والضبط والمراجعة التي لا يُظن أنه يمكن معها إضافة أي شيء جديد له بعدها، بداية من ناحية التدقيق والتحقيق والإخراج العلمي الصحيح الخالي من أي أخطاء، ثم من جهة جودة طباعته، ثم مرورًا بجودة الخامات المستخدمة في طباعته حتى خرج في أبهى حلة تليق بكلام مليكنا جل في علاه، فوصلت العناية بطباعة المصحف الشريف إلى صورة طيبة لم تكن لتخطر ببال بشر من قبل، وهذا مما لاشك فيه يدلل على حب المسلمين وصدق إيمانهم وتعظيمهم لربهم وإجلالهم لدينه ولكتابه وتعظيمهم لحرماته وشعائره سبحانه. فكما كان الأمر كذلك في المصحف وطباعته، فيجب أن يكون الأمر مع المصحف المسجل "صوتيًا" كذلك، وقد مر معنا في طيات البحث بيان ذلك بشيء من التفصيل. وقد شاع في الناس وانتشر فيهم ظهور تسجيلات صوتية للقرآن الكريم بأصوات جمع غفير من القراء لا يحصيهم عددًا وكثرة إلا خالقهم سبحانه، ويرجع ذلك لأسباب عديدة، ولعل من أبرزها ما يلي: أولًا: انتشار المحافل التعليمية المتنوعة والتي تعنى بتعليم القرآن الكريم في بلاد الإسلام، من المدارس والمعاهد والجامعات، وحلق التحفيظ في المساجد، وفي الكتاتيب والمحاضر، والمراكز التعليمية وغيرها من المؤسسات المعنية بتعليم كتاب الله الكريم، ولاشك أن في ذلك من الخير والفضل العميم ما لا يحصيه إلا الله. ثانيًا: تُخَرُج الكثير من الحفاظ والقراء من تلك المحافل التعليمية وحرصهم على ظهور وبروز أصواتهم، مع عدم النظر لمستوى الأداء وجودة القراءة وسلامتها من اللحن، مما شجع الكثير منهم على تسجيل صوته، وذلك قد يكون رغبة في المشاركة في الخير، وطلبًا لعظيم الأجر، كما قد يكون لغير ذلك، ونوايا العباد لا يعلمها ولا يَطَّلِع عليها إلا من يعلم السر وأخفى. ثالثًا: ظهور بروز الكثير من القراء في مسابقات القرآن الكريم المحلية والدولية مما شجع على ذلك أيضًا. رابعًا: حرص الكثير منهم على الظهور في وسائل الإعلام من الفضائيات والإذاعات وغيرها قبل أن يستوي على سوقه. خامسًا: انتشار وتنوع وسائل التسجيل الحديثة والتي يمكن لكل أحد تناولها بسهولة ويسر ومن أقربها الهواتف الذكية المحمولة في أيدي الناس اليوم، والتي يملكها الصغير والكبير، والغني والفقير، مع سهولة بث تلك التسجيلات بلا كلفة ولا مشقة، مما شجع على ذلك، ولعل هذه

стр. 509

الأخيرة تكون من أهم الدوافع لنشر وبث التسجيلات الصوتية للقرآن بلا رقيب ولا حسيب، مع أن التسجيلات التي تحتوي على أعمال الطرب والغناء تخضع لما يسمى بـ"رقابة المصنفات الفنية"، فأيهما أحق بالرقابة والتحقيق والتدقيق. فإلى الله المشتكى وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. واجب الجهات المعنية في بلاد الإسلام تجاه تلك التسجيلات من هنا كان من أوجب الوجبات المتحتمات على الجهات المعنية في بلاد الإسلام وضع ضوابط للتسجيل الصوتي للقرآن ليرتقي بها مستوى الأداء من جهة، وليُصان بها كلامُ الله تعالى عن العبث العابثين، وليرعوي كل من تسول له نفسه الإقدام على مثل هذا العمل دون أن يتأهل له من جهة أخرى. ذلك لأن التسجيلات الصوتية التي لم ترتق للمستوى المطلوب يسمعها القاصي والداني عبر الوسائل الحديثة وتنشر بسرعة كانتشار النار في الهشيم، وهي في خطرها لا تقل خطورة أبدًا عن تلك المصاحف التي طُبعت محرفة عن عمد ووزعت بطبعات فاخرة في القارة الإفريقية، وقد أخمد الله الذي وعد بحفظ كتابه هذه الفتنة بأول تسجيل صوتي للقرآن الكريم كاملًا والذي كان بصوت الشيخ الحصري ﵀، والذي تم بثه ونشره في أوائل الستينات الميلادية من القرن الماضي. وانتشار التسجيلات الصوتية للقرآن التي تحتوي على لحن عبر وسائل الإعلام المختلفة، المرئي منها والمسموع يعطيها طابع السلامة والاعتماد والشرعية والقبول عند عامة الناس، ويزيد الطين بلة إذا ذاع صيت قارئ ما وأصبح له اسمًا مدوية وشهرة واسعة حتى ولو كان في أدائه ما فيه من اللحن. وهناك معوقات تقف سدًا منيعا تجاه تلك التسجيلات. ولخروج التسجيلات الصوتية للقرآن على الوجه المطلوب الذي تحصل به السلامة وتسلم فيه من اللحن وضعف الأداء يجب بيان تلك المعوقات لتداركها من قِبَلِ الجهات المعنية في بلاد الإسلام. أهم الآفات والمعوقات المعترضة طريق التسجيل الصوتي للقرآن الكريم ١ - عدم العناية الكافية بتعلم القرآن وتعليمه مما يخرج حفاظًا ومعلمين وقراء غير مؤهلين التأهل الكامل التام الذي يؤهلهم لتعليم القرآن على الوجه الصحيح، وقد يندفع البعض منهم لتسجيل القرآن بصوته وهو غير مؤهل لهذه المهمة العظيمة الجليلة. فالواجب العناية الكافية بتعلم القرآن وتعليمه والرقي بمستوى أداء القائمين على تعليمه من المعلمين والمشايخ ورصد أعلى ميزانية في كل دولة مسلمة تليق بمكانة كتاب الله تعالى، وتليق بمعلمي ومتعلمي القرآن على حد سواء، وذلك للنهوض بمستوى تعلم القرآن وتعليمه وتخريج

стр. 510

أجيال متقنة ومؤهلة لأدائه على الوجه الصحيح اللائق به، متخلقة بأخلاقه متأدبة بآدابه، مهتدية بهداه. ٢ - وجود ضعف شديد في أداء التلاوة على الوجه المطلوب من جودة القراءة وإتقان أحكام التجويد في كثير من تلك التسجيلات، وغياب الرقابة والمتابعة والتدقيق والمحاسبة على ظهور تلك التسجيلات غير المنضبطة من قبل الجهات المعنية في بلاد الإسلام. فلا بد إذًا من تحرك الجهات المعنية في كل دولة مسلمة للقيام بواجبها تجاه منع أي تسجيل إلا لمن تأهل لذلك، وبتصريح من الجهات المعنية. ٣ - ظهور الكثير من تلك التسجيلات "الصوتية" محتوية على لحون كثيرة، منها ما هو جلي، ومنها ما هو خفي، والأخير أكثر شيوعًا وذيوعًا وانتشارًا، ومنها ما هو خفي شديد الخفاء. وهذه التسجيلات لا يجوز نشرها وبثها وتداولها بين الناس، ويتحمل تبعتها بين يدي الله تعالى كل من نشرها ممن كان عنده علم بما تحتوي من خلل، وتتعدى تبعتها إلى كل من كان له سلطة تمكنه من منعها أو التحذير منها، مِنْ كل مَنْ كان له علم بما تحتويه من خلل ولحن ولم يبادر إلى التحذير منها ومنع نشرها وبثها، حسب قدرته وطاقته. ٤ - وجود الكثير من الخلل والأخطاء التقنية في كثير من تلك التسجيلات بصورة لا تليق بمكانة وقدر كلام الله، ومن أبرزها ما يظهر جليًا من تلك المؤثرات الصوتية التي أضيفت مع الكثير من التسجيلات الصوتية للقرآن مؤخرًا، كما توجد تسجيلات لقراء كبار قديمة جدًا غير نقية كبعض تلك التسجيلات القديمة لشيخ القراء محمد رفعت ﵀، فهي وأمثالها تحتاج لتصفية ليصبح الصوت نقيًا واضحًا. ٥ - وجود أخطاء في بعض التلاوات المسجلة، وهذا يوجد بكثرة في التسجيلات التي تسجل للقراء في الصلوات ولاسيما في صلاة القيام من رمضان، حيث يقرآ القارئ هنالك من حفظه، ولاشك أن الخطأ هنا وارد وبكثرة. ٦ - وجود مسح لبعض الآيات في أوائل بعض التسجيلات، كما قد يوجد كذلك في أواسطها، وقد يرجع ذلك غالبًا لكثرة النسخ والنقل عن نسخ غير أصلية ومعتمدة من جهات رسمية موثوقة. ٧ - بعض التسجيلات من صلاة القيام يسجل معها تكبيرات الانتقال للنزول والقيام بل وسجدات التلاوات كذلك في وسط التلاوة، ولربما وجد في وسط السورة الواحدة. ٨ - وجود البسملة في كثير من التسجيلات في غير مواضعها من أوائل السور،

стр. 511

ولتفادي كل تلك الأخطاء والخلل الواقع في تلك التسجيلات لابد من اتخاذ إجراءات حازمة وصارمة من الجهات المعنية في بلاد الإسلام. الإجراءات الوقائية تجاه تلك التسجيلات تتمثل فيما يلي: أ- لابد من وجود هيئات رقابية رسمية في كل دولة مسلمة تعنى بهذا الجانب ب- لابد من الحصول على تصريح لبث تلك التسجيلات قبل نشرها من الجهات المعنية، كهيئة رقابة المصحف بالأزهر، وإن كانت تلك الهيئة تراقب المصاحف المطبوعة، فلابد كذلك من وجود هيئة معتمدة لمراقبة المصاحف المسجلة كذلك، ويمكن عقد لجنة للرقابة عليها من قبل نقابة القراء ونقابة محفظي القرآن وكلها تخضع لإشراف الأزهر، وقل كذلك عن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمملكة العربية السعودية، على أن كل دولة مسلمة عليها رعاية تلك الأعمال بصفة رسمية وتفرض عقوبات صارمة على من خالف وقام بأي أعمال فردية. ج- محاولة تدخل الجهات المعنية كذلك لإلغاء التسجيلات غير المنضبطة والمخالفة والتي سبق بثها ونشرها والتحذير منها وعدم بثها في الإعلام الرسمي، كل ذلك حسب الممكن والمتاح والمقدور عليه، عملًا بقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا) (التغابن: ١٦). وقل كذلك في التسجيلات المرئية، والتي ينادي البعض بها لتصبح "الجمع الخامس للقرآن الكريم" ألا وهو: "الجمع المرئي" وذلك بتسجيل جميع روايات القرآن الكريم تسجيلًا مرئيًا. وإنما طالب من طالب بالتسجيل المرئي طلبًا لتحقيق دقة الأداء بالجمع بين الصوت والصورة لأن بعض الأحكام لابد في ضبط تلقيها وتصويبها ومتابعتها من الجمع بين الأمرين جميعًا. وهذا المطلب ما يزال محل بحث لأن التسجيل الصوتي لجميع روايات القرآن لم يكتمل بصفة رسمية حتى الآن. وبهذا ينتهي الفصل الثالث. والحمد لله رب العالمين.

стр. 512

الفصل الرابع الأحرف السبعة وفيه مبحثان: توطئة: فإنَّ أجدر ما يَشتغل به الباحثون، وأفضل ما يتسابق فيه المتسابقون، وأحقَّ ما تُفنى فيه الأعمار، وتُشغل به الأزمان - كتابُ الله تعالى، الذي أنزله سبحانه بيانًا وتفصيلاً لكلِّ شيء، وأَمَر رسوله محمَّدًا ﷺ بإبلاغه للنَّاس كافَّة، وجعله هدًى ورحمةً للمؤمنين، وحُجَّةً وبرهانًا على الجاحدين، فضَّله على جميع الكتب المنزلة، وميَّزه بميزاتٍ كثيرة؛ منها نزولُه على سبعة أحرف، كلُّها كافٍ شافٍ؛ رحمةً بأمَّة محمَّد ﷺ وتيسيرًا عليها، ورفعًا للمشقَّة عنها؛ قال ﷺ : "إنَّ هذا القرآنَ أُنزِلَ على سبعةِ أحْرف، فاقرؤوا ما تيَّسر منه". (١) وموضوع نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف من الموضوعات الهامَّة جدًّا؛ لتعلُّقِه الشديد بالقرآن الكريم، ولِمَا يترتَّب عليه مِن مسائلَ هامَّة، وهو لكثرة ما ورد فيه من أحاديث متعدِّدة الرِّوايات، ومتشعبة الطرق - كان من الموضوعات الشَّائكة التي اختلفت فيها الآراء، وتشعَّبت فيها الأقوال، ممَّا جعل بعضَ العلماء يرى أنَّ حديث نزول القرآن على سبعة أحرف من المشكِل الذي لا يُعلم معناه؛ ولذا اهتمَّ العلماء بهذا الموضوع، وأسهبوا في الحديث عنه في مؤلَّفاتهم. (٢) في بداية نزول القرآن كان العرب متفرقين غير مجتمعين، ومع ذلك كانت اللغة العربية تجمعهم، مع اختلاف في بعض الكلمات والحروف، فأُمِر النبيُّ ﷺ أن يُقرئ أمته القرآن على حرف واحد، فلم يزل يستزيد ويقول إن أمتي لا تطيق ذلك، حتى وصل العدد سبعة، فكان ذلك رحمة وتيسيرًا وتسهيلًا على الأمة في بداية تلقيها القرآن الكريم، فأصبحت كل قبيلة تقرأ بالحرف الذي يوافق لهجتها أو هو أقرب إليها، بل كان النبي ﷺ ، يقرئ الصحابة كل بالحرف الذي يرى أنه يناسب لهجته أو لهجة من يليه من العرب. (٣)

стр. 513

المبحث الأول: التعريف بالأحرف السبعة وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: مفهوم الأحرف في اللغة معنى الحرف في اللغة العربية إجمالًا: الحرف في أصل كلام العرب معناه الطرف والجانب، وبه سمي الحرف من حروف الهجاء. وحرف كل شيء طرفه وشفيره وحدّه، ومنه حرف الجبل وهو أعلاه المحدد. وحرف الشيء: ناحيته. وفلان على حرف من أمره أي ناحية منه كأنه ينتظر ويتوقع، فإن رأى من ناحية ما يحب وإلا مال إلى غيرها. (١) معاني الحرف في اللغة العربية تفصيلًا: (٢) لو تأمَّلْنا في كتاب الله ، ولسان العرب (معاجم اللغة العربية) لوجدنا أن لمادة (ح ر ف) عدة محامل كالآتي: ١ - اللهجة اللغوية، ومنه قولنا: هذا حرف بني فلان؛ أي: لهجتهم. ٢ - جانب الشيء أو حده أو شفيره أو طرفه، ومنه قولنا: حرف الجبل، وحرف السيف، وحرف السفينة. ٣ - الشرط أو الشيء المرجو المتوقع، ومنه قول الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) (الحج: ١١)، وقيل: المراد بالحرف في الآية: الشك، أو: على غير طمأنينة، وقيل: الوجه الواحد وهو السرَّاء، والطاعة والعبادة تجب لله على كل حال في السرَّاء والضرَّاء. ٤ - الناقة الضامرة (المهزولة) من شدة السير والمضي، وتلك علامة لنجابتها، تشبيهًا بحرف السيف، أو بحرف الهلال. ٥ - الناقة الصُّلبة الشديدة، تشبيهًا بحرف الجبل. ٦ - إحدى القراءات المتواترة، ومنه قول النبي ﷺ : "إن القُرْآن أنزل على سبعة أحرفٍ، فاقرؤوا منه ما تيسر". (٣)

стр. 514

٧ - معنى من المعاني، ومنه قول النبي ﷺ المتقدم. ٨ - الانحراف عن الشيء، ومنه قولنا: فلان على حرف من هذا الأمر؛ أي: على انحراف عنه. ٩ - أحد حروف الهجاء الثمانية والعشرين المعروفة أو غيرها مطلقًا. تلك معاني مادة (ح رف) في اللغة العربية لمن تأمل في معاجمها، والمعاني كثيرة، بعضها أتى عن طريق المجاز كما تقدم كوصف الناقة به، وبعضها عن طريق الاشتقاق، كالتحريف والتغيير للشيء عن وجهه. (١) المطلب الثاني: مفهوم الأحرف السبعة في الاصطلاح الأحرف السبعة اصطلاحًا: الأحرف السبعة بمفهومها العام في علم قراءات القرآن هي: عبارة عن التنوع اللفظي، والتعدد اللغوي، في الخصائص التي نزل بها القرآن من حيث أن جمع معظم اللغات العربية المتداولة في ذلك الوقت، فكان مشتملًا على الألفاظ العربية باستعمالاتها المتعددة .. كما أن الكلمة الواحدة قد تكون متعددة الاستعمال باختلاف حروفها، فمثلا: إبراهيم؛ يقال فيه أيضًا: ابراهام، وإبرهيم، وهكذا. فأحرف الهجاء العربية تبنى منها الكلمة، وتتعدد اللغات العربية في استعمال الكلمة الواحدة بالاختلاف في الحروف. فينطق الحرف تامًا على أصله، أو ينطق ممزوجًا بحرف آخر، أو بتقليل نطقه، أو بتغيير حركاته، أو غير ذلك، وهذا يجعل اللفظ الواحد متعدد اللغات. (٢) وهذا المبحث من المباحث التي تناولها العلماء في تآليفهم، بل وأفردها بعضهم بالتأليف. وقد اختلفت فيه آراؤهم وأنظارهم اختلافا كثيرًا، وكثرت فيه الأقوال كثرة ظاهرة، حتى لقد بلغ بها "السيوطي "في الإتقان- نقلًا عن ابن حبان، خمسة وثلاثين قولًا. وليس من شك في أن هذا البحث شائك، ودحض مزلة (٣)، والباحث فيه يحتاج إلى شيء غير قليل من البصر بموضع قدمه، ومن الأناة والصبر، ولا تعجب إذا خفي المراد على بعض العلماء فعد الحديث مشكلًا، وتوقف عن بيان المراد منه، وبعضهم جعل حقيقة العدد غير مقصودة، وأن

стр. 515

المراد التكثير من غير حصر، وأتى بعضهم بآراء ما أنزل الله بها من سلطان، ولكي نصل إلى بيان الحق والصواب، نرى لزامًا علينا ذكر الروايات الثابتة في هذا المعنى بشيء من التفصيل كي تكون لنا نبراسا نهتدي على ضوئه لمعرفة المراد. (١) حديث إنزال القرآن على سبعة أحرف حديث متواتر ويحسن أن ننبه قبل هذا التفصيل إلى أن حديث إنزال القرآن على سبعة أحرف، ورد من رواية جمع كثير من الصحابة، حتى نص الإمام أبو عُبَيِدٍ القاسمُ بن سَلاَّمٍ (ت: ٢٢٤ هـ) ﵀ على تواتره، فقد رواه من الصحابة كل من: ١ - أبيّ ابن كعب ٢ - وأنس بن مالك ٣ - وحذيفة بن اليمان ٤ - وزيد بن أرقم ٥ - وسمرة بن جندب ٦ - وسليمان بن صرد ٧ - وعبد الله بن عباس ٨ - وعبد الله بن مسعود ٩ - وعبد الرحمن بن عوف ١٠ - وعثمان بن عفان ١١ - وعمر بن الخطاب ١٢ - وعمر بن أبي سلمة ١٣ - وعمرو بن العاص ١٤ - ومعاذ بن جبل ١٥ - وهشام بن حكيم بن حزام ١٦ - وأبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي

стр. 516

١٧ - وأبو جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ١٨ - وأبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ١٩ - وأبو طلحة الأنصاري، وهو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي. ٢٠ - وأبو هريرة عبد الرحمن بن صحر الدوسي ٢١ - وأُمُّ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّةُ امْرَأَةُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَهِيَ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْأَنْصَارِيَّةُ، ثُمَّ الْخُزَاعِيَّةُ- ﵃ أجمعين-؛ فهؤلاء أحد وعشرون صحابيّا (١). وهؤلاء هم الذين ذكرهم السيوطي (ت ٩١١ هـ) في الإتقان، وقد قيل إن عدد من رواه من الصحابة أربعًا وعشرين صحابيًا، فزاد بعضهم على هؤلاء ثلاثة آخرين وهم: ١ - عبد الله بن عمر ٢ - وعبادة بن الصامت ٣ - وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أجمعين .. وقد ذكرهم أبو عبد الله محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني (ت ١٣٤٥ هـ) في" نظم المتناثر من الحديث المتواتر (٢) ذكر جملة من طرق هذا الحديث: ١ - ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال سمِعتُ هشامَ بنَ حَكيمِ بنِ حزامٍ يقرأُ سورةَ الفرقانِ، فقرأَ فيها حُروفًا لم يَكُن نبيُّ اللَّهِ ﷺ أقرأَنيها، قُلتُ: مَن أقرأَكَ هذِهِ السُّورةَ؟ قالَ: رسولُ اللَّهِ ﷺ ، قُلتُ: كذبتَ، ما هَكَذا أقرأَكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ! فَأخذتُ بيدِهِ أقودُهُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ! إنَّكَ أقرأتَني سورةَ الفرقانِ، وإنِّي سمِعتُ هذا يقرأُ فيها حروفًا لم تَكُن أقرأتَنيها! فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : اقرأ يا هشامُ. فقرأَ كما كانَ يقرأُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ: هَكَذا أُنْزِلَت. ثمَّ قالَ: اقرَأ يا عمرُ. فقرأتُ، فقالَ: هَكَذا أُنْزِلَت. ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ: إنَّ القرآنَ أُنزِلَ علَى سَبعةِ أحرُفٍ. (٣).

стр. 517

ومما هو معلوم أن " هشامًا " أسدي قرشي، وأن " عمر " عدوي قرشي، فكلاهما من قريش، وليس لقريش إلا لغة واحدة، فلو كان اختلاف الأحرف اختلافًا في اللغات لما اختلف القرشيان. (١) وحديث عمر هذا حديث متواتر، وقد بلغ أعلى درجات الصحة، فقد رواه إماما المحدثين البخاري ومسلم، كما أنه قد بلغ إخبار النبي ﷺ بإنزال القرآن على سبعة أحرف حد التواتر المفيد للعلم اليقيني المقطوع بثبوته وصحته؛ وقد لاقى حديث الأحرف السبعة القبول عند جماهير أهل السنة. وقد نص على تواتره جمع من أهل العلم منهم أبو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: ٢٢٤ هـ) حيث يقول ﵀: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة، إلا حديثًا واحدًا يُروى عن سمرة، حدثني عفان، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ أنه قال: "نزل القرآن على ثلاثة أحرف" (٢). قال أبو عُبَيْدٍ: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة؛ لأنها المشهورة. (٣) ٢ - ثبت عند البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ، فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ". (٤) ٣ - ثبت عند مسلم في صحيحه من حديث أبيِّ بن كعب ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ عِنْدَ أَضَاةِ (٥) بَنِي غِفَارٍ، قالَ: فأتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ

стр. 518

أُمَّتُكَ القُرْآنَ علَى حَرْفٍ، فَقالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تُطِيقُ ذلكَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرْآنَ علَى حَرْفَيْنِ، فَقالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تُطِيقُ ذلكَ، ثُمَّ جَاءَهُ الثَّالِثَةَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرْآنَ علَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ، فَقالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تُطِيقُ ذلكَ، ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرْآنَ علَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فأيُّما حَرْفٍ قَرَؤُوا عليه فقَدْ أَصَابُوا. (١) ٤ - ثبت عند مسلم في صحيحه من حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قَرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ ﷺ شَأْنَهُمَا، فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ، وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، (٢) فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَدْ غَشِيَنِي، ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًا وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللهِ فَرَقًا، فَقَالَ لِي: "يَا أُبَيُّ أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﷺ ". (٣) ٥ - ثبت عند النسائي بسند صحيح عن أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال: … إنَّ جبريلَ وميكائيلَ ﵉ أتياني فقعدَ جبريلُ عن يميني وميكائيلُ عن يساري فقالَ جبريلُ ﵇: اقرأ القرآنَ على حرفٍ. قالَ ميكائيلُ: استزدْهُ استزدْهُ حتَّى بلغَ سبعةَ أحرفٍ فَكلُّ حرفٍ شافٍ كافٍ. (٤) ٦ - ومما روي من الأحاديث في هذا المعنى وإن لم يُنَص فيه على لفظ الأحرف السبعة ما ثبت عند البخاري من حديث ابن مسعود رضى الله عليه أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ آيَةً سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله

стр. 519

عليه وسلم قرأ خِلَافَهَا، قال: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ فَاقْرَآ " أَكْبَرُ عِلْمِي قَالَ: " فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَأُهْلِكُوا". (١) ومملا شك فيه أن إنزال الله تعالى القرآنَ على سبعة أحرف؛ فيه ترخيصٌ وتوسعةٌ وتخفيفٌ وتهوينٌ وتيسيرٌ على هذه الأمة، كما سيأتي بيان ذلك بشيء من التفصيل والإيضاح في مبحث "أسباب ورود القرآن على سبعة أحرف" بإذن الله تعالى. والمؤمن له يقرأ بما يتيسر له من أي حرف من تلك الحروف، دون إلزام له بأي حرف منها، فكلها قد نزل به القرآن، وهو مُتَعَبَد لله تعالى بأي منها. المطلب الثالث: أسباب ورود القرآن على سبعة أحرف إن هذه الأمة هي آخر الأمم وجودًا، وهي أمة عزيزة على خالقها، وهي أمة مرحومة، ومن رحمة ربها بها أن رَفَع عنها ما كان من الإصْرٍ والأغْلالٍ التي كُتِبَت على مَن سبَقَها من أمم، كما قال سبحانه: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (الأعراف: ٢٧). ولقد كان من أبلغ مشاهد رحمته سبحانه بها إنزال كتابه الخاتم وتيسر قراءته، ووروده على سبعة أحرف وذلك لأسباب كثيرة، ولعل من أبرزها ما يلي: أولًا: التيسير على هذه الأمة والتهوين عليها رحمة بها وتوسعة عليها فإن التيسير والتهوين على هذه الأمة والتوسعة عليها في قراءتها للقرآن الكريم قد دلت عليه أحاديث كثيرة صحاح، وقد مر معنا ذكرها آنفًا. و لو نزل القرآن على حرف واحد لشق ذلك على الأمة العربية؛ فقد كانت متعددة اللغات واللهجات، وما يتسهل النطق به على البعض لا يسهل على البعض الآخر، وكانت تغلب عليها الأمية، فلا عجب أن حرص النبي ﷺ على الاستزادة من الحروف حتى بلغت سبعة أحرف. والتوسعة على الأمة لم تكن في مبدأ الدعوة، بل كانت بعد الهجرة وبعد أن دخل في الإسلام كثير من القبائل غير قريش، فكانت الحاجة ماسة إلى هذا التسهيل، وتلك التوسعة، يشهد لهذا حديث مسلم: أن النبي كان عند أضاة بني غفار … الحديث، وهي بالمدينة النبوية، كما ذكرنا آنفًا. (٢)

стр. 520

وفي هذا يقول ابن قتيبة (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀: فكان من تيسيره-سبحانه- أن أمره- ﷺ بأن يُقرئ كل قوم بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم: فالهذليّ يقرأ: "عتّى حين" يريد (حَتَّى حِينٍ) (المؤمنون: ٥٤)؛ لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها. والأسديّ يقرأ: (تِعْلَمونَ) و (تِعْلَم) و (تِسْوَدُّ وُجُوهٌ) (آل عمران: ١٠٦)، و (أَلَمْ أعْهَدْ إِلَيْكُمْ) (يس: ٦٠). والتّميميّ يهمز، والقرشيّ لا يهمز. والآخر يقرأ: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ) (البقرة: ١١) (وَغِيضَ الْماءُ) (هود: ٤٤) بإشمام الضم مع الكسر، و (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) (يوسف: ٦٥) بإشمام الكسر مع الضم، و (مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا) (يوسف: ١١) بإشمام الضم مع الإدغام، وهذا ما لا يطوع به كل لسان. ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده طفلًا وناشئًا وكهلًا، لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للّسان، وقطع للعادة. فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متّسعًا في اللغات، ومتصرّفًا في الحركات، كتيسيره عليهم في الدّين، حين أجاز لهم على لسان رسوله ﵌ أن يأخذوا باختلاف العلماء من صحابته في فرائضهم وأحكامهم، وصلاتهم وصيامهم، وزكاتهم وحجّهم، وطلاقهم وعتقهم، وسائر أمور دينهم. (١) وفي نحو ذلك يقول القاسم بن ثابت العَوْفي السرَقسطي: (ت: ٣٠٢ هـ) ﵀: إن الله ﵎ بعث نبيه ﷺ والعرب متناؤون في المحال والمقامات، متباينون في كثير من الألفاظ واللغات، ولكل عمارة لغة ذلت بها ألسنتهم، وفحوى قد جرت عليها عادتهم، وفيهم الكبير العاسي والأعرابي القح، ومن لو رام نفي عادته وحمل لسانه على غير ذريته تكلف منه حملاً ثقيلاً، وعالج منه عبئًا شديدًا، ثم لم يكسر غربه ولم يملك استمراره إلا بعد التمرين الشديد والمساجلة الطويلة، فأسقط عنهم ﵎ هذه المحنة، وأباح لهم القراءة على لغاتهم، وحمل حروفه على عاداتهم. (٢) وإن هذه التوسعة والإباحة في القراءة بأي حرف من الحروف السبعة إنما كانت في حدود ما نزل به جبريل، وما سمعوه من النبي ﷺ ؛ وذلك بدليل أن كلّا من المختلفين كان يقول: أقرأنيها رسول الله، وأن النبي كان يعقب على قراءة كل من المختلفين بقوله: "هكذا أنزلت" كما في حديث عمر وهشام، وما يفيده لفظ الإنزال الذي جاءت به جميع روايات الحديث، وليس ذلك إلا التوقيف بالسماع من الرسول، وسماع الرسول من جبريل.

стр. 521

ولا يتوهمن متوهم أن التوسعة إنما كانت باتباع الهوى والتشهي، فذلك ما لا يليق أن يفهمه عاقل، فضلًا عن مسلم؛ إذ الروايات الواردة ترده وتبطله، ولو كان لكل أحد أن يقرأ بما يتسهل له من غير تلق وسماع من النبي ﷺ وأن يبدل ذلك من تلقاء نفسه لذهب إعجاز القرآن، ولكان عرضة أن يبدله كل من أراد حتى يصير غير الذي نزل من عند الله، ولما تحقق وعد الله سبحانه بحفظه في قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (الحجر: ٩) واللوازم كلها باطلة، فبطل ما أدى إليها، وثبت نقيضه وهو أن التوسعة كانت في حدود ما أنزل الله. وكيف يتفق هذا الوهم الباطل، وقول الحق ﵎: (قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (يونس: ١٥ - ١٦). (١) ويُعد هذا السبب -التيسير على هذه الأمة والتهوين عليها- هو السبب الرئيس في ورود القرآن على سبعة أحرف. ثانيًا: إجابة اللهِ تعالى لقصد نبي هذه الأمة ﷺ وفي هذا يقول ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀: وأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بها والتهوين عليها شرفًا لها وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق وحبيب الحق ﷺ حيث أتاه جبريل فقال له (إن الله يأمرك أن تقرأ أمتُك القرآن على حرف فقال ﷺ أسأل الله معافاته ومعونته - وفي رواية - إن أمتي لا تطيق ذلك) (٢) ولم يزل يردد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف وكما ثبت صحيحًا (إن القرآن نزل على نبيكم ﷺ من سبعة أبواب على سبعة أحرف وإن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد) (٣) وذلك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يبعثون إلى أقوامهم الخاصين بهم والنبي ﷺ بُعث إلى جميع الخلق أحمرها وأسودها عربيها وعجميها وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتهم مختلفة وألسنتهم شتى ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها أو من حرف إلى آخر بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولو بالتعليم والعلاج لا سيما الشيخ والمرأة ومن لم يقرأ كتابًا كما أشار إليه ﷺ فلو كلّفوا العدول عن

стр. 522

لغتهم والانتقال عن ألسنتهم لكان من التكليف بما لا يُستطاع وما عسى أن يتكلف المتكلف وتأبى الطباع (١). ثالثًا: تيسير نشر القرآن وفهمه لجميع العرب وفي هذا يقول ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: لذلك كان إنزال للقرآن على سبع لغات كفيلة بنشر القرآن لما في ذلك من تيسير قراءته وفهمه لجميع العرب إلا ما ندر. والنادر لا يعول عليه. (٢) وإن مأتى هذه اللهجات العربية في القراءات القرآنية هو رحمة من الله بتيسيره للعرب أن يقرؤوا القرآن بلهجاتهم … فكان من رحمته أن يسر للعرب الذين نزل القرآن بلسانهم أن يقرؤوه بلهجاتهم، فهو سبحانه يعلم ما طبع عليه الإنسان من تمسكه بلهجته التي نشأ عليها، وصعوبة انتقاله عنها صعوبة قد تصده عن الإقبال على القرآن، ومن ثم عن تدبره وفهمه واستنباط أسراره. (٣) رابعًا: تيسير قراءة القرآن على المسلمين قاطبة في جميع الأعصار والأمصار. فالإسلام هو دين الله للبشرية كافة، ولم تكن رسالة نبينا محمد ﷺ لجنس دون جنس، ولا لوطن دون وطن، بل كانت رسالته للإنسانية كلها على اختلاف الجنس والوطن واللغة. (٤) خامسًا: إثبات إعجاز القرآن إن النبي ﷺ قد- تحدى بالقرآن جميع الخلق: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله … ﴾ الآية (الإسراء: ٨٨). فلو أتى بلغة دون لغة لقال الذين لم يأت بلغتهم: لو أتى بلغتنا لأتينا بمثله، وتطرق الكذب إلى قوله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرًا. (٥) إعجاز القرآن للفطرة اللغوية عند العرب: فتعدد مناحي التأليف الصوتي للقرآن تعددًا يكافئ الفروع اللسانية التي عليها فطرة اللغة في العرب، حتى يستطيع كل عربي أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري ولهجة قومه مع بقاء الإعجاز

стр. 523

الذي تحدى به الرسول ﷺ العرب، ومع اليأس من معارضته، لا يكون إعجازًا للسان دون آخر، وإنما يكون إعجازًا للفطرة اللغوية نفسها عند العرب، وإعجاز الفطرة اللغوية إعجاز لا يحده زمن، بل يمتد دائما مع اللغة ما دامت هذه اللغة قائمة. وهنالك يتجلى وجه آخر من أوجه إعجاز القرآن في معانيه وأحكامه فإن تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات يعطي مزيدًا من المعاني التي يدل عليها اللفظ، ويتهيأ معه استنباط الأحكام التي تجعل القرآن ملائماً لكل عصر، يلبي حاجات البشرية ويقيم حياتها على نهج الله الأقوم. (١) سادسًا: تمييز القرآن الكريم عن غيره من الكتب السابقة فللقرآن خصائص كثيرة، منها أنه انماز بخصيصة نزوله بسبعة ألسن من لغات العرب، كل منها هو وحي الله المنزل، وليس تفسيراً ولا تأويلاً. أما الكتب السماوية السابقة فنزل كل كتاب منها بلسان واحد، وإذا عدل عنه فإنه يكون من باب الترجمة والتفسير، وليس بالذي أنزل الله تعالى. (٢) سابعًا: إن نزول القرآن على سبعة أحرف يثري عملية البحث والتنقيب عن معاني هذه الأحرف. ذلك لأن هذه التوسعة إنما كانت في الألفاظ، ولم تكن في المعاني والأحكام وأنها كانت في المعنى الواحد يقرأ بألفاظ مختلفة؛ بدليل أن النبي ﷺ أقرّ كلّا من المختلفين على قراءته، بل واستحسان قراءة كل بقوله": كلاكما محسن". وغير معقول أن يكون اختلافهم في المعاني والأحكام، ثم يوافق النبي كلا على قراءته ويستحسنها. (٣) وهذا مما يزيد ويؤكد لزوم البحث عن كل ما يتعلق بتلك الأحرف، سواء كان ذلك من جهة: أ- صحة وسلامة نطقها والتلفظ بها كما أنزلها الله ب- أو من جهة الأحكام الشرعية المتعلقة بها ج- أو من جهة المعاني اللغوية التي تدل عليها د- أو من جهة الأوجه الإعجازية التي تشير إليها حيث يظهر ويتجلى كمال الإعجاز عند غاية الاختصار والإيجاز، فضم الحروف بعضها إلى البعض بمكانة ضم الآيات بعضها إلى بعض، فيتبين معنى الآيات بمثيلتها. هـ- أو من جهة معاني التفسير وتوجيه الآيات في ضوء تلك اللهجات والأحرف واللغات. ثامنًا: التدرّج بالأمة، لتجتمع في لهجاتها على لغة واحدة هي لغة قريش. (٤)

стр. 524

ولذا قال عثمان ﵁ لأعضاء لجنة الجمع إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانها. -أي ابتداءً-. وقد روى البخاري هذا الخبر عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-﵁: أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: " إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا. (١). وهو أمر قد نص فيه على الكتابة، ولم ينص فيه على القراءة، لأن القراءة أوسع وأشمل، حتى يبقى إعمال باقي الأحرف وعدم إهمالها. قال القاضي أبو بكر بن الباقلانيُّ: (ت: ٤٠٢ هـ) ﵀: معنى قول عثمان: نزل القرآنُ بلسان قريش، أي: معظمُه، وأنه لم تقم دلالة قاطعةُ على أنَّ جميعَه بلسان قريش، فإن ظاهر قوله - تعالى - (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (يوسف: ٣) أنه نزل بجميع ألسنة العرب، ومن زعم أنه أراد مضر دون ربيعة، أو هما دون اليمن، أو قريشًا دون غيره فعليه البيان، لأن اسم العرب يتناول الجميع تناولاً واحدًا. (٢) وقال أبو شامة المقدسي: (ت: ٦٦٥ هـ) ﵀: يحتمل أن يكون قولُه: نزل بلسان قريش أي: ابتداء نزوله، ثم أبيح أن يُقْرَأَ بلغة غيرهم. وتكملته أن يقال: إنه نزل أولاً بلسان قريش أحدُ الأحرفِ السبعة، ثم نزل بالأحرف السبعة المأذون في قراءتها تسهيلاً وتيسيرًا. فلما جمع عثمانُ الناس على حرف واحد رأى أنَّ الحرف الذي نزل القرآن أوَّلاً بلسانه أَوْلَى الأحرف، فحمل الناس عليه؛ لكونه لسان النبي ﷺ ، وللِمَا له من الأوَّلِيَّة المذكورة … (٣) و ((القرآن الكريم)) هو في أعلى مستويات الفصاحة بالإجماع. قال ابن خالويه: (ت: ٣٧٠ هـ) ﵀ في "شرح الفصيح": قد أجمع الناس جميعًا أن اللغة إذا وَرَدَت في القرآنِ فهي أفصحُ مما في غير القرآن، لا خلافَ في ذلك. (٤)

стр. 525

وقد اصطفى الله قريشًا من جميع العرب فاختار منهم نبيه محمدًا ﷺ ، وبدأ إنزال كتابه الخاتم بلسان وحرف ولغة قريش لأنهم من أفصح العرب لسانًا، وأصفاهم وأسلمهم لغة. فقد كانت قبائل العرب تحج البيت في الجاهلية قبل الإسلام وتشهد موسم الحج من كل عام؛ وقريش هم سدنة البيت وحماته، تتلقى وفود القبائل فتسمع لغاتهم ولهجاتهم، فما استحسنوه منها واستساغوه استعملوه، وما استهجنوه واستثقلوه دعوه وقلوه وهجروه، فصاروا بذلك من أفصح العرب لسانًا، وأسلمهم لغة، ولذا فقد خلت لغتهم من وحشي الألفاظ ومستهجن الكلام. قال أبو نصر الفارابي (ت: ٣٣٩ هـ) ﵀ في أول كتابه المسمى بـ"الألفاظ والحروف" (١) كانت قريش أجود العرب انتقادًا للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق بها، وأحسنها مسموعًا، وأبينها إبانةً عمَّا في النفس، والذين عنهم نقلت اللغة العربية، وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب، وفي الإعراب والتصريف، ثم هُذَيْل، وبعض كنانة، وبعض الطائِيِّينَ، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم. وقال أحمد بن فارس: (ت: ٣٩٥ هـ) ﵀: أجمع علماؤنا بكلام العرب، والرواة لأشعارهم، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالِّهم: أن قريشًا أفصح العرب ألسنةً، وأصفاهم لغة، وذلك أن الله - جل ثناؤه - اختارهم من جميع العرب واصطفاهم، واختار منهم نبيَّ الرحمة محمدًا ﷺ . فجعل قريشًا قُطَّانَ حرمه، وجيران بيته الحرام، ووُلاتَهُ. فكانت وفود العرب من حُجَّاجها وغيرهم يفِدون إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش في أمورهم. وكانت قريش تعلَّمهم مناسِكَهم، وتحكم بينهم … وكانت قريش - مع فصاحتها، وحسن لغاتها. ورِقَّةِ ألسنتها - إذا أتتهم الوفود من العرب، تخيَّروا من كلامهم وأشعارهم احسنَ لغاتهم، وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائِزِهِمْ وسَلَائِقِهِمْ التي طبعوا عليها، فصاروا بذلك أفصح العرب. ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عَنْعَنَةَ تميم، ولا عَجْرَفِيَّةَ قيس، ولا كَشْكَشَة أسد، ولا كَسْكَسَةَ ربيعة، ولا الكَسْرَ الذي تسمعه من أسد، وقيس مثل: يِعْلَمُون ونِعْلَم، ومثل: شِعير وبِعير؟). (٢)

стр. 526

وقد أخرج البخاريُّ في ((صحيحه)) في ((كتاب فضائل القرآن)) - باب نَزَلَ القرآن بلسان قُرَيْشٍ والعَرَبِ من حديث أنس بن مالكٍ قال: (فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبدالله بن الزبير وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم، وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا (١). والرجوع للغة وحرف قريش لا يعني إهمال الأحرف الأخرى: فإن الأمة كانت مخيرة في القراءة بأي حرف منها من غير إلزام بواحد منها، وأن من قرأ بأي حرف منها فقد أصاب، … بدليل أن النبي ﷺ قد أقر كلّا من المختلفين على قراءته، ولم يرجح قراءة واحد على الآخر، بل استحسن قراءة كلٍ. (٢) المطلب الرابع: الأحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات أولًا: لقد مر معنا ذكر جملة من أحاديث الأحرف السبعة المأذون في القراءة بها، وأنها وردت متواترة من رواية جمع كثير من الصحابة الكرام ﵃، وقد ذُكِرُوا بأعيانهم. ثانيًا: لقد شاع وانتشر بين فئام من الخلق منذ زمن بعيد، أنَّ الأحرف السبعة التي أُنزِل عليها القرآنُ هي القراءات السَبع نفسها، ولا ريب أن هذا وهمٌ وفهمٌ خاطئٌ مخالفٌ ومجانبٌ للصواب، وذلك بإجماع أهل العلم؛ وقد حكى هذا الإجماع الإمامُ أبو شامة المقدسي (ت ٦٦٥ هـ) (٣) حيث يقول ﵀: وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. (٤) ويقول في موضع آخر ﵀: إن هذه القراءات التي نقرؤها هي بعض من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة، وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط المصحف. (٥)

стр. 527

ثالثًا: مما يجلي ويؤكد أن الأحرف السبعة المأذون فيها ليست هي القراءات السبع غير ما مضى ذكره من الإجماع، أن تحديد القراءات السبع إنما جاء متأخرًا عن نزول القرآن بثلاثة قرون تقريبًا، فكان أول من خص هؤلاء السبعة وأفردهم من دون غيرهم من القراء، وجمع قراءاتهم في مصنف واحد هو الإمام أبو بكر بن مجاهد ﵀ وذلك في كتابه الموسوم بـ"كتاب السبعة"، وقد لاقى صَنِيعُ ابن مجاهد قبولًا عند العلماء، ولكنّ توافق العدد "سبعة" كان سبب التباس الأمر عند بعض الناس. كما أنه قد قيل أن هناك تسبيع قبل تسبيع ابن مجاهد، لكن المشتهر هو تسبيع ابن مجاهد. وأما بالنسبة إلى تدوين القراءات: فقد ذهب معظم العلماء إلى أن ذلك كان في القرن الثالث الهجري، وكان أول من قام بالتأليف في القراءات هو: الإمام أبو عبيدٍ القاسم بن سَلاَّم الهروي، حيث قام بجمع قراءة خمس وعشرين من القراء في كتاب مستقل. ثم بدأ العلماء يكتبون في القراءات، واستمر هذا التأليف، فكان منهم من يكتب في القراءة الواحدة، ومنهم من يتناول أكثر من قراءة، حتى جاء ابن مجاهد ﵀ فكتب في السبعة، وله كتب كثيرة في القراءات: كتابه السبعة في القراءات، وكتاب القراءات الكبير وكتاب القراءات الصغير. وهؤلاء السبعة هم الأئمة: ١ - نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني (ت: ١٦٩ هـ). ٢ - عبد الله بن كثير الداري المكي (ت: ١٢٠ هـ). ٣ - أبو عمرو بن العلاء البصري (ت: ١٥٤ هـ). ٤ - عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي (ت: ١١٨ هـ). ٥ - عاصم بن أبي النجود الأسدي الكوفي (ت: ١٢٧ هـ). ٦ - حمزة بن حبيب الزيات الكوفي (ت: ١٥٦ هـ). ٧ - أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي الكوفي (ت: ١٨٩ هـ). وأما القراءات الثلاث المتممة للعشرة فهي لهؤلاء الأئمة: ١ - أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني (ت: ١٣٠ هـ). ٢ - يعقوب بن اسحاق الحضرمي البصري (ت: ٢٠٥ هـ). ٣ - خلف بن هشام (ت: ٢٢٩ هـ).

стр. 528

وعن علة اشتهار هؤلاء القراء السبعة دون من فوقهم يجيب مكي بن أبي طالب القيسي ﵀ فيقول: إنَّ الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرًا في العدد، كثيرًا في الاختلاف، فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدين، وكمال العلم، قد طال عمره واشتهر أمره بالثقة، وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعلمه بما يقرأ، فلم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فأفردوا من كل مصر وجه إليه عثمانُ مصحفًا إمامًا هذه صفته، وقراءته على مصحف ذلك المصر. (١) وهذا كلام نفيس يوضح ويجلي سبب وطريقة جمع تلك القراءات والتحري الذي سلكه الأئمة في وضع ضوابط محكمة لإفراد أئمة الأمصار الذين أخذت عنهم تلك القراءات. وقد مر بنا الخلاف في عدد المصاحف المنسوخة التي أرسلها عثمان (ت: ١٢ هـ) - رضي عنه - وبعث بها إلى الأمصار وأنها على أقوال، من أبرزها: القول الأول: أنها خمسة نسخ القول الثاني: أنها سبعة نسخ، غير المصحف الإمام القول الثالث: أنها ستة نسخ، وقيل غير ذلك، وهذه هي أشهر الأقوال. وكان اختيار ابن مجاهد أن المصاحف المرسلة للأمصار سبعة مصاحف فلذلك جعل القراء سبعة، وجعل عدد القراء على عدد المصاحف، وألف كتابه "كتاب السبعة"، فقد جمع فيه أصول وفرش سبعة قراءات لقراء سبعة قد اختارهم من بين قراء عدد من الأمصار، وإنما كان اختياره لهم عن سواهم على أساس تحقق شروط الضبط والإتقان فيهم، مع طول زمن القارئ في ملازمة القراءة على القراء الكبار والتلقي والأخذ عنهم، وقد اقتصر على سبعة قراء واختار راويين عن كل قارئ بقصد التخفيف والتيسير على من يطلب علم القراءات. وكان فعله هذا رغبة في ضبط قراءات السابقين وحفظها، وقد لقى كتابه "كتاب السبعة"، شهرة واسعة، حتى اشتهر "ابن مجاهد" بعد ذلك بلقب "مسبّع السبعة"، كما انتشر كتابه في الأفاق وتلقاه طلاب علم القراءات خصوصًا بالبشر والسرور. قال ابن مجاهد: فهؤلاء السبعة من أهل الحجاز والعراق والشام خلفوا في القراءة التابعين، وأجمع على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار، إلا أن

стр. 529

يستحسن رجل لنفسه حرفًا شاذًا فيقرأ به من الحروف التي رويت عن بعض الأوائل منفردة، فذلك غير داخل في قراءة العوام، ولا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأئمة والسلف بوجه يراه جائزًا. في العربية أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه. (١) وفي نحو ذلك يقول تلميذه أبو طاهر بن أبي هاشم (ت: ٣٤٩ هـ) ﵀: سأل رجل ابن مجاهد: لم لا يختار الشيخ لنفسه حرفًا يحمل عليه؟ فقال: نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا، أحوج منّا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا. (٢). ففي القرون المفضلة الأولى كثر قُرَّاء القرآن ومتعلموه، وقراءة هؤلاء هم من قد انطبقت على قراءتهم شروط الصحة والقبول التي وضعها العلماء، ألا وهي: ١ - موافقة القراءةِ للغة العربية ولو بوجه أي توافق اللغة العربية مطلقًا، ولو بوجه من وجوه الإعراب، ولا يلزم ولا يُشْترِط أن توافق الأفشى والأكثر شيوعًا في اللغة؛ بل يكفي أن توافق أي وجه من أوجه العربية، إذ المعول عليه هو الأثبت في الأثر والأصح في النقل، ذلك لأن ثبوت الرواية لا يردها قياس اللغة ولا فشوها، وذلك لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها واعتمادها والرجوع إليها، وهذا هو المختار والمعتبر عند المحققين من أهل العلم، ذلك لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فلا يمكن أبدًا تصور وجود قراءة صحيحة وهي غير متلائمة ومتوائمة مع قواعد اللغة التي أُنزِل بها القرآن أبدًا. ٢ - موافقة القراءة للرسم العثمانيِّ ولو احتمالاً والمقصود بموافقة القراءة للرسم العثمانيِّ هو أن تكون تلك القراءة موافقة للمصحف الإمام، أو لأي من المصاحف العثمانية التي وجهها عثمان ﵁ وبعث بها إلى الأمصار. ومعنى موافقة الرسم العثماني ولو احتمالًا، أي: ما تحتمله الكلمة في رسمها، بحيث تكون موافقة للرسم العثماني ولو تقديرًا، وهذا الضابط يجعل المصاحف العثمانية هي أساس القراءات القرآنية ومرجعها الرئيس. وذلك لأن كتابة الصحابة ﵃ للمصاحف العثمانية كانت مشتملة على جميع القراءات الصحيحة المتواترة عن الرسول ﷺ إما صراحة أو احتمالًا، إذ موافقة الرسم العثماني قد تكون تحقيقًا، أي صراحة، وذلك إذا كان مطابقًا للرسم المكتوب، وقد تكون تقديرًا، أي احتمالًا، وذلك باعتبار أن رسم المصاحف العثمانية له أصول خاصة تسمح بقراءتها على أكثر من وجه، ومن أبرز أمثلة ذلك قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤) رسمت هكذا (ملك)

стр. 530

بدون ألف في جميع المصاحف، فمن قرأ: (ملك يوم الدين) بدون ألف فتُعد قراءته موافقة للرسم تحقيقيًا، ومن قرأها بإثبات الألف، هكذا (مالك) فتُعد قراءته موافقة للرسم تقديرًا. ويترتب على هذا أن أي قراءة لا توافق رسم المصاحف العثمانية فالصحابة لا يعلمونها، إذ إنهم لو علموها لكتبوها وأثبتوها في المصاحف، وعلى هذا فأي قراءة لا يعرفها الصحابة فليست بقراءة صحيحة أبدًا. ٣ - صحَّةُ سند القراءة أي أن يصحَّ إسناده هذه القراءة إلى رسول الله ﷺ ، وذلك بأن يأخذها العدل الضابط ويتلقاها عن مثله، حتى يصل السند إلى أعلاه، ألا وهو رسول الله ﷺ . وفي ذلك يقول ابن الجزريِّ (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀: كُلُّ قِرَاءَةٍ وَافَقَتِ الْعَرَبِيَّةَ وَلَوْ بِوَجْهٍ، وَوَافَقَتْ أَحَدَ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ وَلَوِ احْتِمَالًا وَصَحَّ سَنَدُهَا، فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ رَدُّهَا وَلَا يَحِلُّ إِنْكَارُهَا، بَلْ هِيَ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ قَبُولُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، أَمْ عَنِ الْعَشْرَةِ، أَمْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ، وَمَتَى اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أُطْلِقَ عَلَيْهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ شَاذَّةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنِ السَّبْعَةِ أَمْ عَمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمْ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. (١) ويقول في نظم تلك الضوابط في "طيِّبةِ النشر": فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ … وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي وَصَحَّ إسْنادًا هُوَ الْقُرآنُ … فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأَرْكَانُ وحَيثُما يَخْتَلَّ رُكْنٌ أَثْبِتِ … شُذُوذَهُ لَوْ أنَّهُ فِي السَّبعَةِ. فكُنْ عَلى نَهْجِ سَبِيلِ السَّلفِ … في مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أوْ مُخْتَلَف. (٢) هل يشترط التواتر لكل قراءة؟ وهل مسألة تواتر الأحرف قد تفردت بها بعض القراءات دون بعض؟ هذه مسألة يطول بحثها جدًا، وقد كثرت فيها أقوال أهل العلم، فنجيب عنها بأجوبة موجزة لأنها ليست محلًا للبحث فنقول: الجواب الأول: هل هذه المسألة تعرض لها السلف ونصوا عليها أم لا؟
следующие страницы →