وقد أخرج البخاريُّ في ((صحيحه)) في ((كتاب فضائل القرآن)) - باب نَزَلَ القرآن بلسان قُرَيْشٍ والعَرَبِ من حديث أنس بن مالكٍ قال: (فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبدالله بن الزبير وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم، وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا (١).
والرجوع للغة وحرف قريش لا يعني إهمال الأحرف الأخرى:
فإن الأمة كانت مخيرة في القراءة بأي حرف منها من غير إلزام بواحد منها، وأن من قرأ بأي حرف منها فقد أصاب، … بدليل أن النبي ﷺ قد أقر كلّا من المختلفين على قراءته، ولم يرجح قراءة واحد على الآخر، بل استحسن قراءة كلٍ. (٢)
المطلب الرابع: الأحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات
أولًا: لقد مر معنا ذكر جملة من أحاديث الأحرف السبعة المأذون في القراءة بها،
وأنها وردت متواترة من رواية جمع كثير من الصحابة الكرام ﵃، وقد ذُكِرُوا بأعيانهم.
ثانيًا: لقد شاع وانتشر بين فئام من الخلق منذ زمن بعيد، أنَّ الأحرف السبعة التي أُنزِل عليها القرآنُ هي القراءات السَبع نفسها، ولا ريب أن هذا وهمٌ وفهمٌ خاطئٌ مخالفٌ ومجانبٌ للصواب، وذلك بإجماع أهل العلم؛
وقد حكى هذا الإجماع الإمامُ أبو شامة المقدسي (ت ٦٦٥ هـ) (٣) حيث يقول ﵀:
وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل. (٤)
ويقول في موضع آخر ﵀:
إن هذه القراءات التي نقرؤها هي بعض من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن، استعملت لموافقتها المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة، وترك ما سواها من الحروف السبعة لمخالفته لمرسوم خط المصحف. (٥)
стр. 527
ثالثًا: مما يجلي ويؤكد أن الأحرف السبعة المأذون فيها ليست هي القراءات السبع غير ما مضى ذكره من الإجماع، أن تحديد القراءات السبع إنما جاء متأخرًا عن نزول القرآن بثلاثة قرون تقريبًا، فكان أول من خص هؤلاء السبعة وأفردهم من دون غيرهم من القراء، وجمع قراءاتهم في مصنف واحد هو الإمام أبو بكر بن مجاهد ﵀ وذلك في كتابه الموسوم بـ"كتاب السبعة"، وقد لاقى صَنِيعُ ابن مجاهد قبولًا عند العلماء، ولكنّ توافق العدد "سبعة" كان سبب التباس الأمر عند بعض الناس.
كما أنه قد قيل أن هناك تسبيع قبل تسبيع ابن مجاهد، لكن المشتهر هو تسبيع ابن مجاهد.
وأما بالنسبة إلى تدوين القراءات:
فقد ذهب معظم العلماء إلى أن ذلك كان في القرن الثالث الهجري، وكان أول من قام بالتأليف في القراءات هو: الإمام أبو عبيدٍ القاسم بن سَلاَّم الهروي، حيث قام بجمع قراءة خمس وعشرين من القراء في كتاب مستقل.
ثم بدأ العلماء يكتبون في القراءات، واستمر هذا التأليف، فكان منهم من يكتب في القراءة الواحدة، ومنهم من يتناول أكثر من قراءة، حتى جاء ابن مجاهد ﵀ فكتب في السبعة، وله كتب كثيرة في القراءات: كتابه السبعة في القراءات، وكتاب القراءات الكبير وكتاب القراءات الصغير.
وهؤلاء السبعة هم الأئمة:
١ - نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني (ت: ١٦٩ هـ).
٢ - عبد الله بن كثير الداري المكي (ت: ١٢٠ هـ).
٣ - أبو عمرو بن العلاء البصري (ت: ١٥٤ هـ).
٤ - عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي (ت: ١١٨ هـ).
٥ - عاصم بن أبي النجود الأسدي الكوفي (ت: ١٢٧ هـ).
٦ - حمزة بن حبيب الزيات الكوفي (ت: ١٥٦ هـ).
٧ - أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي الكوفي (ت: ١٨٩ هـ).
وأما القراءات الثلاث المتممة للعشرة فهي لهؤلاء الأئمة:
١ - أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني (ت: ١٣٠ هـ).
٢ - يعقوب بن اسحاق الحضرمي البصري (ت: ٢٠٥ هـ).
٣ - خلف بن هشام (ت: ٢٢٩ هـ).
стр. 528
وعن علة اشتهار هؤلاء القراء السبعة دون من فوقهم يجيب مكي بن أبي طالب القيسي ﵀ فيقول:
إنَّ الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرًا في العدد، كثيرًا في الاختلاف، فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدين، وكمال العلم، قد طال عمره واشتهر أمره بالثقة، وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعلمه بما يقرأ، فلم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فأفردوا من كل مصر وجه إليه عثمانُ مصحفًا إمامًا هذه صفته، وقراءته على مصحف ذلك المصر. (١)
وهذا كلام نفيس يوضح ويجلي سبب وطريقة جمع تلك القراءات والتحري الذي سلكه الأئمة في وضع ضوابط محكمة لإفراد أئمة الأمصار الذين أخذت عنهم تلك القراءات.
وقد مر بنا الخلاف في عدد المصاحف المنسوخة التي أرسلها عثمان (ت: ١٢ هـ) - رضي عنه - وبعث بها إلى الأمصار وأنها على أقوال، من أبرزها:
القول الأول: أنها خمسة نسخ
القول الثاني: أنها سبعة نسخ، غير المصحف الإمام
القول الثالث: أنها ستة نسخ، وقيل غير ذلك، وهذه هي أشهر الأقوال.
وكان اختيار ابن مجاهد أن المصاحف المرسلة للأمصار سبعة مصاحف فلذلك جعل القراء سبعة، وجعل عدد القراء على عدد المصاحف، وألف كتابه "كتاب السبعة"،
فقد جمع فيه أصول وفرش سبعة قراءات لقراء سبعة قد اختارهم من بين قراء عدد من الأمصار، وإنما كان اختياره لهم عن سواهم على أساس تحقق شروط الضبط والإتقان فيهم، مع طول زمن القارئ في ملازمة القراءة على القراء الكبار والتلقي والأخذ عنهم، وقد اقتصر على سبعة قراء واختار راويين عن كل قارئ بقصد التخفيف والتيسير على من يطلب علم القراءات. وكان فعله هذا رغبة في ضبط قراءات السابقين وحفظها، وقد لقى كتابه "كتاب السبعة"، شهرة واسعة، حتى اشتهر "ابن مجاهد" بعد ذلك بلقب "مسبّع السبعة"، كما انتشر كتابه في الأفاق وتلقاه طلاب علم القراءات خصوصًا بالبشر والسرور.
قال ابن مجاهد:
فهؤلاء السبعة من أهل الحجاز والعراق والشام خلفوا في القراءة التابعين، وأجمع على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار، إلا أن
стр. 529
يستحسن رجل لنفسه حرفًا شاذًا فيقرأ به من الحروف التي رويت عن بعض الأوائل منفردة، فذلك غير داخل في قراءة العوام، ولا ينبغي لذي لب أن يتجاوز ما مضت عليه الأئمة والسلف بوجه يراه جائزًا. في العربية أو مما قرأ به قارئ غير مجمع عليه. (١)
وفي نحو ذلك يقول تلميذه أبو طاهر بن أبي هاشم (ت: ٣٤٩ هـ) ﵀:
سأل رجل ابن مجاهد: لم لا يختار الشيخ لنفسه حرفًا يحمل عليه؟ فقال: نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا، أحوج منّا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا. (٢).
ففي القرون المفضلة الأولى كثر قُرَّاء القرآن ومتعلموه، وقراءة هؤلاء هم من قد انطبقت على قراءتهم شروط الصحة والقبول التي وضعها العلماء، ألا وهي:
١ - موافقة القراءةِ للغة العربية ولو بوجه
أي توافق اللغة العربية مطلقًا، ولو بوجه من وجوه الإعراب، ولا يلزم ولا يُشْترِط أن توافق الأفشى والأكثر شيوعًا في اللغة؛ بل يكفي أن توافق أي وجه من أوجه العربية، إذ المعول عليه هو الأثبت في الأثر والأصح في النقل، ذلك لأن ثبوت الرواية لا يردها قياس اللغة ولا فشوها، وذلك
لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها واعتمادها والرجوع إليها، وهذا هو المختار والمعتبر عند المحققين من أهل العلم، ذلك لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، فلا يمكن أبدًا تصور وجود قراءة صحيحة وهي غير متلائمة ومتوائمة مع قواعد اللغة التي أُنزِل بها القرآن أبدًا.
٢ - موافقة القراءة للرسم العثمانيِّ ولو احتمالاً
والمقصود بموافقة القراءة للرسم العثمانيِّ هو أن تكون تلك القراءة موافقة للمصحف الإمام، أو لأي من المصاحف العثمانية التي وجهها عثمان ﵁ وبعث بها إلى الأمصار.
ومعنى موافقة الرسم العثماني ولو احتمالًا، أي: ما تحتمله الكلمة في رسمها، بحيث تكون موافقة للرسم العثماني ولو تقديرًا، وهذا الضابط يجعل المصاحف العثمانية هي أساس القراءات القرآنية ومرجعها الرئيس.
وذلك لأن كتابة الصحابة ﵃ للمصاحف العثمانية كانت مشتملة على جميع القراءات الصحيحة المتواترة عن الرسول ﷺ إما صراحة أو احتمالًا، إذ موافقة الرسم العثماني قد تكون تحقيقًا، أي صراحة، وذلك إذا كان مطابقًا للرسم المكتوب، وقد تكون تقديرًا، أي احتمالًا، وذلك باعتبار أن رسم المصاحف العثمانية له أصول خاصة تسمح بقراءتها على أكثر من وجه، ومن أبرز أمثلة ذلك قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤) رسمت هكذا (ملك)
стр. 530
بدون ألف في جميع المصاحف، فمن قرأ: (ملك يوم الدين) بدون ألف فتُعد قراءته موافقة للرسم تحقيقيًا، ومن قرأها بإثبات الألف، هكذا (مالك) فتُعد قراءته موافقة للرسم تقديرًا.
ويترتب على هذا أن أي قراءة لا توافق رسم المصاحف العثمانية فالصحابة لا يعلمونها، إذ إنهم لو علموها لكتبوها وأثبتوها في المصاحف، وعلى هذا فأي قراءة لا يعرفها الصحابة فليست بقراءة صحيحة أبدًا.
٣ - صحَّةُ سند القراءة
أي أن يصحَّ إسناده هذه القراءة إلى رسول الله ﷺ ، وذلك بأن يأخذها العدل الضابط ويتلقاها عن مثله، حتى يصل السند إلى أعلاه، ألا وهو رسول الله ﷺ .
وفي ذلك يقول ابن الجزريِّ (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀:
كُلُّ قِرَاءَةٍ وَافَقَتِ الْعَرَبِيَّةَ وَلَوْ بِوَجْهٍ، وَوَافَقَتْ أَحَدَ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ وَلَوِ احْتِمَالًا وَصَحَّ سَنَدُهَا، فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ رَدُّهَا وَلَا يَحِلُّ إِنْكَارُهَا، بَلْ هِيَ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَى النَّاسِ قَبُولُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ، أَمْ عَنِ الْعَشْرَةِ، أَمْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ، وَمَتَى اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أُطْلِقَ عَلَيْهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ شَاذَّةٌ أَوْ
بَاطِلَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَنِ السَّبْعَةِ أَمْ عَمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمْ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. (١)
ويقول في نظم تلك الضوابط في "طيِّبةِ النشر":
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ … وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي
وَصَحَّ إسْنادًا هُوَ الْقُرآنُ … فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأَرْكَانُ
وحَيثُما يَخْتَلَّ رُكْنٌ أَثْبِتِ … شُذُوذَهُ لَوْ أنَّهُ فِي السَّبعَةِ.
فكُنْ عَلى نَهْجِ سَبِيلِ السَّلفِ … في مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أوْ مُخْتَلَف. (٢)
هل يشترط التواتر لكل قراءة؟ وهل مسألة تواتر الأحرف قد تفردت بها بعض القراءات دون بعض؟
هذه مسألة يطول بحثها جدًا، وقد كثرت فيها أقوال أهل العلم، فنجيب عنها بأجوبة موجزة لأنها ليست محلًا للبحث فنقول:
الجواب الأول: هل هذه المسألة تعرض لها السلف ونصوا عليها أم لا؟
стр. 531
الجواب الثاني: إذا لم يثبت لدينا يقينًا تعرض السلف لها فالتوقف فيها أسلم، وما وسع السلف فليسع الخلف.
الجواب الثالث: وهل هي مسألة متفق عليها، أم هي مسألة محل تنازع عند العلماء قديمًا وحديثًا.
الجواب الرابع: فكيف وإذ ثبت لدينا تنازع العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة حتى قيل إن بعض القراءات منها ما هو متواتر قطعًا، ومنها ما هو متواتر "احتمالًا"، هذا مع التحفظ على عبارة "احتمالًا"، فهي عبارة تحمل في طياتها "هنا" معني التردد وعدم الثبات، كما تحمل أيضًا معنى غلبةِ الظَّنِّ وعدم القطع واليقين، كما تحمل كذلك معنى الارتحال وعدم القرار والثبوت.
فنقول لابد لمن أراد التعرض لها من دليل ثابت صحيح صريح يدلل على ما ذهب إليه.
الجواب الخامس: وإن من أقوم وأعدل ما قيل في ذلك هو الاكتفاء بتحقق صحة القراءة بتوافر ضوابطها، وهو اختيار "مكي بن أبي طالب القيسي" ومن نحا نحوه، وهذا القول هو المتلائم مع الإيجاز المذكور آنفًا.
يقول مكي بن أبي طالب القيسي (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀:
وإنما الأصل الذى يعتمد عليه فى هذا أن ما صح سنده، واستقام وجهه فى العربية، ووافق خط المصحف فهو من السبعة المنصوص عليها، ولو رواه سبعون ألفًا متفرقين أو مجتمعين، فهذا هو الأصل الذى بنى عليه فى قبول القراء ات. (١)
وإن ضوابط القراءة الصحيحة سالفة الذكر هي الأصل الذى بنى عليه فى قبول القراء ات، مع إضافة الشهرة والاستفاضة، كل ذلك مما يقوي ما ذهب إليه أهل هذا الاختيار.
وختامًا:
بهذا القول تحسم هذه المسألة التي تنازع فيها أهل العلم، فإذا سكت عنها السلف فالسكوت لنا أسلم، والتعرض لها لابد له من دليل قاطع وبرهان ساطع. والحمد لله رب العالمين.
وقد أملى الأئمة الأعلام شروط وضوابط القراءة الصحيحة وتناولوها بالشرح والتدقيق والتحقيق والمدارسة والمناقشة، فمن أراد التوسع فيها فليرجع إليها في مظانها، فقد ذكرناها ها هنا مقتضبة جدًا. (٢)
стр. 532
ومما يجد الإشارة إليه هنا هو أن الاختلاف في مسألة تواتر الأحرف لا يعني الاختلاف في تواتر القرآن ذاته، فالقرآن متواتر تواترًا قطعيًا لا يشك في ذلك أحدٌ من أهل القبلة أبدًا.
وكان هذا التنبيه حتى لا يظن ظانٌّ أو أن يتطرق إلى ذهنه الخلط بين الاختلاف في القول بتواتر الأحرف، فيحمل ذلك الخلاف على تواتر القرآن كذلك، فيظن أن القرآن غير متواتر أو مختلف في تواتره، ولا شك في أن القرآن كله متواتر قطعًا ولا يشك في ذلك إلا جاحد أو جاهل، ولا يجادل في ذلك إلا معاند ومكابر.
القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان:
ولإيضاح ذلك بصورة جلية يجب أن يُعْلَم أن إن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، وليسا شيئًا واحدًا، وهذا المعنى يتضح أكثر عند تعريف القرآن وتعريف القراءات.
فالقرآن كما هو معلوم: هو كلام الله حقيقة، المنزل على النبي ﷺ يقظة، لا منامًا، بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المعجز بلفظه، والمُتحدى بأقصر سورة منه، المكتوب في المصاحف، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس. (١)
وأما علم القراءات: فهو علم يعتني بكيفية النطق بألفاظ القرآن، والطريق الأمثل لأدائها كما نزلت ونقلت، ويعتني بنقل الخلاف الأصولي والفرشي عن أئمة القراءات والأداء بأسانيد متصلة، وذلك من حيث أحوال النطق بهذه الكلمات وكيفية أدائها.
يقول القسطلاني ﵀ (ت ٩٢٣ هـ) في "لطائف الإشارات":
القراءات: علم يعرف منه اتفاق الناقلين لكتب الله، واختلافهم في اللغة والاعراب، والحذف والاثبات، والتحريك والاسكان، والفصل والاتصال، وغير ذلك من هيئة النطق والابدال من حيث السماع. (٢)
وقيل علم القراءات: علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوا لناقله. (٣)
وقيل علم القراءات: علم بكيفيات أداء كلمات القرآن الكريم ونطقها، من تخفيف، وتشديد، واختلاف ألفاظ الوحي في الحروف. (٤)
стр. 533
من هنا يتبين أن القرآن والقراءات متغايرا المعنى، وإن كانا كليهما منزل من عند الله، فالمنزل وإن كان واحدًا، إلا أن طريقة النطق به مختلفة، فهما إذًا حقيقتان لكنهما متغايرتان، فالاختلاف في
طريقة أداء النطق بألفاظ القرآن لا يعني الاختلاف في ثبوت الكلام نفسه، بل هما شيئان متغايران مختلفان. وقد قرر هذا المعنى وأشار إليه غير واحد من الأئمة.
قال الزركشي ﵀ (ت: ٧٩٤ هـ) ﵀ في "البرهان":
اعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما. (١)
وقال أحمد بن البنا الدمياطي ﵀ (ت: ١١١٧ هـ) ﵀ في "الإتحاف":
القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل للإعجاز والبيان، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف، أو كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما. (٢)
فالقرآن هو الوحي المنزل من عند الله، والقراءات هي اختلاف نطق ألفاظ هذا الوحي المنزل، فطريقة نطق هذ الوحي المنزل من عند الله مختلفة، فهما إذاً حقيقتان متغايرتان.
وهذا المعنى لا يعني أن الأحرف السبعة لبشر فيها أي إنشاء، فالأحرف السبعة كلها وحيٌ تلقاه النبي ﷺ عن جبريل ﵇.
فإن قيل إن القراءات تتعلق باللفظ لا بالتركيب، قيل بأن المقروء حاكم وقاض على المرسوم وكله وحيٌ منزل.
وفي نحو ذلك يقول أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀:
جميع هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن رسول الله ﷺ وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وتلقيها منه. (٣)
وعن تواتر القرآن يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: والقرآن الذي بين لوحي المصحف متواتر؛ فإن هذه المصاحف المكتوبة اتفق عليها الصحابة، ونقلوها قرآنا عن النبي ﷺ وهي متواترة من عهد الصحابة، نعلم علمًا ضروريًا أنها ما غيرت، والقراءة المعروفة عن السلف الموافقة للمصحف تجوز القراءة بها بلا نزاع بين الأئمة. (٤)
стр. 534
وقد تابع ابن مجاهد في صنيعه- تسبيع السبعة- كل من:
١ - أبو عمرو عثمان بن سعيد الدَاني (ت: ٤٤٤ هـ) فألف كتابه "التيسير في القراءات السبع"
٢ - والقاسم بن فِيرُّه بن أبي القاسم الرُّعيني الشاطبي (ت: ٥٩٩ هـ) فألف متن الشاطبية المسمى بـ"حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع"
٣ - وعلي بن عثمان بن محمد المعروف بابن القاصح العذري البغدادي (ت: ٨٠١ هـ) فألف كتابه" سراج القاري".
وقد اختار الإمام المقرئ أبو جعفر أحمد بن جبير الكوفي نزيل أنطاكية (ت: ٢٥٨ هـ) القول بأن المصاحف المرسلة للأمصار خمسة مصاحف، فجعل عدد القراء على عدد المصاحف، وألف كتابه "الخمسة".
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀:
لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة التي ذكر النبي ﷺ أن القرآن أنزل عليها ليست قراءات القراء السبعة المشهورة، بل أول من جمع ذلك ابن مجاهد; ليكون ذلك موافقًا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده واعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبع هي الحروف السبعة، أو أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءتهم. (١)
وقال أبو العباس أحمد بن عمار التميمي المهدوي (ت: ٤٣٠ هـ) ﵀:
أصح ما عليه الحُذاق أنَّ الذي يُقرأ الآن (٢) بعض الحُروف السَّبعة المأذون في قِراءتها لا كُلها، وضابِطُه ما وافق رَسمَ المُصحَف. (٣)
ما يزال الكلام متصلًا عن الأحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات
رابعًا: في ضوء ما مضي يتبن لنا أن أنه لا يُعد كل حرف من الأحرف السبعة المأذون بها قراءة مستقلة، وإلا لترتب على ذلك حصر القراءات المتواترة في سبع قراءات فحسب، ومن المعلوم أن القراءات المتواترة هي عشر قراءات، وهذه القراءات العشر المتواترة هي بعض من تلك الأحرف السبعة، وهذا بإجماع جماهير أهل العلم سلفًا وخلفًا.
خامسًا: ولابد وأخير من التأكيد مرة أخرى على أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ليست هي القراءات السبع التي اشتهرت في الأمصار بل هي جزء منها باتفاق القراء والأئمة جميعًا، ولذا فإن
стр. 535
بعض العلماء إنما كره صنيع ابن مجاهد خشية تداخل الأمر بين الأحرف السبعة والقراءات السبع على عموم الناس.
وفي ذلك يقول ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀:
ولذلك كره كثير من الأئمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء، وخطَّؤوه في ذلك، وقالوا: ألا اقتصرَ على دون هذا العدد أو زاده أو بيَّن مراده ليَخْلُصَ من لا يعلم من هذه الشبهة؟!. (١)
المطلب الخامس: ما المقصود من هذه الأحرف السبعة
هذا المبحث كثرت فيه الأقوال وتضاربت فيه الآراء، واتسعت فيه رقعة الخلاف، وتباينت فيه أقوال العلماء حتى عده بعضهم من المشكل، ولم يُر موضوعُ خلافٍ قد اتسع بحثُه وطال النقاش حوله وكثر الأخذ والرد فيه مثل مبحث "المراد والمقصود من الأحرف السبعة"، وكذلك في المباحث المتفرعة عنه، كمبحث "حقيقة العدد سبعة"، هل هو مراد بعينه، أم هو للتكثير، وكمبحث "بقاء تلك الأحرف" هل هي موجودة للآن أم أنها قد اندثرت، وكذلك عموم ما يتعلق بالأحرف السبعة من مباحث.
ومنشأ هذا الخلاف يرجع إلى أنه لم يرد في روايات هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ما يحدد المراد بالأحرف السبعة (٢)؛ وجاء المتأخرون، ومن بعدهم، ونظروا في هذه
الأحاديث النبوية، وأراد بعضهم تفسيرها على سبيل القطع والجزم، مع أنه لم يأت في معناها نص ولا أثر متعين؛ فذهبوا في ذلك مذاهب شتى، أكثرها لا يؤيده نقل صحيح ولا منطق سليم، يعول عليه، فكانت سببًا لنشوب المشكلة، ومدعاة للاختلاف، بل تأبى فهم المراد من الأحرف السبعة على بعض العلماء؛
فقال المقرئ محمد بن سعدان الكوفي (ت ٢٣١ هـ) ﵀:
معنى قول النبي ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" (٣) مشكل لا يدرى معناه. (٤)
стр. 536
ولهذا قال القاضي ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) ﵀:
لم يأت في معنى هذه السبع نص ولا أثر، واختلف الناس في تعينيها. (١)، كما لم ينقل عن الصحابة ﵃ ما يوضح ذلك أيضًا، كأن الأمر كان من الوضوح لهم إلى حد لا يحتاج إلى تفسير، غير ما نقله التابعي الإمام محمد بن شهاب الزهري (ت: ١٢٤ هـ) عنهم في قوله: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلال ولا حرام. (٢) أي أن الألفاظ المختلف في قراءتها لا يتغير معناها، وإنما الذي يتغير هو النطق والقراءة فقط.
قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ) ﵀:
اختلف الناس في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولاً ذكرها أبو حاتم محمد بن حِبّان السُبْتي. (٣) ولكنه لم يذكُرْ مِنها إلا خمسة أقوال؛ ولعل من أبرز الدواعي إلى ذلك هو أنَّ أكثَرَه هذه الأقوال غيرُ مُختارٍ، وقد صَرَّح بذلك غير واحد من أهل العلم منهم: الحافظ المُنذِري وقد نقله عنه الحافظ في الفتح (٤)، ومنهم كذلك الزركشي في البرهان وغيرهما.
وقال ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) ﵀:
ولا زلت استشكل هذا الحديث وأفكر فيه وأمعن النظر من نيف وثلاثين سنة حتى فتح الله على بما يمكن أن يكون صوابًا إن شاء الله وذلك إني تتبعت القراءات صحيحها وضعيفها وشاذها فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها. (٥)
وقال في موضع آخر:
وقد اختلفت أقوال العلماء في المراد بهذه الأحرف السبعة على نحو من أربعين قولًا، مع إجماعهم على أنه ليس المراد بها قراءات سبعة من القراء كالسبعة المشهورين وإن كان يظن ذلك بعض العوام، لأن السبعة لم يكونوا خلقوا ولا وجدوا، وأول من جمع قراءاتهم: أبو بكر بن مجاهد في أثناء المائة الرابعة، فلو كان الحديث منصرفًا إلى قراءة السبعة المشهورين أو سبعة من القراء الذين ولدوا بعد التابعين لأدى ذلك إلى أن يكون الخبر عاريًا عن الفائدة إلى أن يولد هؤلاء السبعة الأئمة فتوجد عنهم القراءة، ولأدى أيضًا إلى أنه لا يجوز لأحد من الصحابة أن يقرأ إلا بما يعلم
стр. 537
أن هؤلاء السبعة من القراء إذا ولدوا وتعلموا اختاروا القراءة به. وهذا باطل، إذ طريق أخذ القراءة أن تؤخذ عن إمام ثقة، لفظًا عن لفظ، إمامًا عن إمام، إلى أن تتصل بالنبي ﷺ
ومع إجماعهم أيضًا على أنه ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبعة أوجه، إذ لا يوجد ذلك في كلمة من المشهور. (١)
وقال السيوطي (ت ٩١١ هـ) ﵀:
" إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف. والمراد به أكثر من ثلاثين قولاً حكيتها في الاتفاق والمختار عندي أنه من المتشابه الذي لا يدري تأويله. (٢)
وحقيقة الخلاف في الأحرف السبعة واسع جدًا، وكما ذكر بعض أهل العلم آنفًا أنها على نحو من أربعين قولًا، كما عدها بعضهم من المشكل المتشابه الذي لا يُعْلَم معناه؛ وذلك لأن "الحرف" مشترك لفظي يصدق على معان عدة، ويعبر عن معان مختلفة، ولا يُعلم المقصود والمراد منه ولا يتعين إلا بقرينة.
من هنا يتبين لنا وعورة هذا المبحث، لكثرة الأقوال الواردة فيه، وتقارب وتشابه المعاني التي تحوم حوله، فيصعب الجزم بأن قولًا منها هو المعتمد المختار، أنى لأحد ذلك؟! وقد حارت فيه عقول كبار لهم قدم سبق ورسوخ، ولم تتمكن من الجزم به أقلام لها مكانتها وقدرها، وهذا مما
يجلي ويوضح صعوبة هذا المبحث وتشابه وتشابك أطرافه، وهذه محاولة للوصول لما يُرْجَى أن يكون أقرب للصواب من غيره.
ولعل الباحث في عرضه هذا قد يكون قد أصاب الحق بذكر أقرب الأقوال التي يرجو أن تكون أقرب للصواب من غيرها، وذلك بعد النظر والتأمل في أقوال العلماء التي يُظن أن الحق في هذه المسألة محصور فيها أكثر من غيرها، فتكون أرجى الأقوال
وأولاها بالصواب من غيرها.
أصح الأقوال وأولاها بالصواب
وأصح الأقوال وأولاها بالصواب، وهو الذي عليه أكثر العلماء، وصححه البيهقي، واختاره الأبهري وغيره، واختاره في القاموس. (٣)، أن المراد بالأحرف "أوجه من اللغات". وذلك لأن
стр. 538
الحرف يطلق لغة على الوجه، ومنه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) (الحج: ١١).
قالوا: على وجه واحد. وهو أن يعبده على السراء دون الضراء. (١)
أي أن من الناس من يعبد الله على شك، وحقيقته أن يعبده على حرف الطريقة في الدين، لا يدخل في الدين دخول متمكن؛ فإن أصابه خير أي خصب و كثر ماله
وماشيته اطمأن بما أصابه، ورضي بدينه، وإن أصابته فتنة اختبار بجدب وقلة مال، انقلب على وجهه أي رجع عن دينه إلى الكفر و عبادة الأوثان. (٢)
قال الحافظ أبو عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ) ﵀:
معنى الأحرف التي أشار إليها النبي ﷺ ههنا
يتوجه إلى وجهين:
أحدهما: أن يعني أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات، لأن الأحرف جمع حرف في القليل كفلس وأفلس، والحرف قد يراد به الوجه بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (الحج: ١١). الآية، فالمراد بالحرف هنا الوجه، أي على النعمة والخير وإجابة السؤال والعافية، فإذا استقامت له هذه الأحوال اطمأن وعبد الله، وإذا تغيرت عليه وامتحنه الله بالشدة
والضر ترك العبادة وكفر، فهذا عبد الله على وجه واحد، (٣) فلهذا سمى النبي ﷺ هذه الأوجه المختلفة من القراءات والمتغايرة من اللغات أحرفًا، على معنى أن كل شيء منها وجه.
والوجه الثاني: أن يكون سمى القراءات أحرفًا على طريق السعة كعادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه، وما قاربه وجاوره وكان كسبب منه، وتعلق به ضربًا من التعلق، كتسميتهم الجملة باسم البعض منها، فلذلك سمى النبي ﷺ القراءة حرفًا وإن كانت كلامًا كثيرًا، من أجل أن منها حرفًا قد غير نظمه أو كسر أو قلب إلى غيره أو أميل أو زيد أو نقص منه على ما جاء في المختلف فيه من القرآن، فسمى القراءة إذا كان ذلك الحرف منها حرفًا على عادة العرب في ذلك، واعتمادًا على استعمالها. انتهى.
стр. 539
قال ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) ﵀ وكلا الوجهين محتمل:
إلا أن الأول محتمل احتمالاً قويًا في قوله ﷺ "سبعة أحرف" أي سبعة أوجه وأنحاء. والثاني محتمل احتمالاً قويًا في قول عمر ﵁ "سمعت هشامًا يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ "، أي على قراءات كثيرة. وكذا
قوله في الرواية الأخرى "سمعته يقرأ أحرفًا لم يكن رسول الله ﷺ أقرأنيها". (١)
ومما يؤيد أن المراد أوجه من اللغات أن حكمة إتيان القرآن على سبعة أحرف التخفيف والتيسير على هذه الأمة في التكلم بكتابهم كما خفف عليهم في شريعتهم، وهو كالمصرح به في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ "أسأل الله معافاته ومعونته" (٢) وكقوله: "إن ربي أرسل إلى أن أقرأ القرآن على حرف واحد فرددت عليه أن هون على أمتي ولم يزل يردد حتى بلغ سبعة أحرف". (٣)
وكقوله لجبريل: "إني أرسلت إلى أمة أمية فيهم الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتاباً قط" (٤). وذلك لأنه ﷺ أرسل للخلق كافة وألسنتهم مختلفة غاية الاختلاف، كما هو مشاهد فينا، ومن كان قبلنا مثلنا، وكلهم مخاطب بقراءة القرآن،
قال تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (المزمل: ٢٠) فلو كلفوا كلهم النطق بلغة واحدة لشق ذلك عليهم وتعسر، إذ لا قدرة لهم على ترك ما اعتادوه وألفوه من الكلام إلا بتعب شديد وجهد جهيد، وربما لا يستطيعه بعضهم ولو مع الرياضة الطويلة وتذليل اللسان كالشيخ والمرأة، فاقتضى يسر الدين أن يكون القرآن على لغات. (٥)
وإذا عرفنا المعنى المراد بالأحرف السبعة لغة واصطلاحًا، فلا يذهبن الوهم بذهن أحدنا أن يفهم من ذلك أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، أو أن كل كلمة تقرأ كذلك على سبعة أوجه هذا
стр. 540
لم يقل به أحد، ولكن نقول: هذه الفوارق اللفظية واللغوية في طريقة أداء تلاوة القرآن متفرقة بين دفتيه، منثورة في سوره وآياته وكلماته، ومعانيها في هذا كله واحدة أو شبه واحدة، بحيث لا تتجاوز وجوه الاختلاف سبعة أوجه، مهما كثر ذلك التعدد والتنوع في أداء اللفظ الواحد، ومهما تعددت القراءات وطرقها في الكلمة الواحدة.
وقد نبه الحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ) ﵀ إلى هذا بقوله:
باب أنزل القرآن على سبعة أحرف: أي على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها، وليس المراد أنه كل كلمة ولا جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة ثم قال: فإن قيل: فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه؟ فالجواب: إن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة، وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوهما. (١)
قال ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) ﵀:
وإنما تأويل قوله، ﵌: "نزل القرآن على سبعة أحرف": على سبعة أوجه من اللغات متفرّقة في القرآن، يدلّك على ذلك قول رسول الله، ﵌: "نزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ فاقرؤوا كيف شئتم". (٢)
تفرق ما ثبت قرآنيته من الأحرف السبعة وفق العرضة الأخيرة في جميع القرآن الكريم، وقد نص على ذلك أبو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ فقال:
وَلَيْسَ مَعْنَى تِلْكَ السَّبْعَةِ أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الْوَاحِدُ يُقْرَأُ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ، هَذَا شَيْءٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَلَكِنَّهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى سَبْعِ لُغَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ، فَيَكُونُ الْحَرْفُ مِنْهَا بِلُغَةِ قَبِيلَةٍ، وَالثَّانِي بِلُغَةٍ أُخْرَى سِوَى الْأُولَى، وَالثَّالِثُ بِلُغَةٍ أُخْرَى سِوَاهُمَا، كَذَلِكَ إِلَى السَّبْعَةِ. وَبَعْضُ الْأَحْيَاءِ أَسْعَدُ بِهَا وَأَكْثَرُ حَظًّا فِيهَا مِنْ بَعْضٍ، وَذَلِكَ يُبَيَّنُ فِي أَحَادِيثَ تَتْرَى. (٣)
стр. 541
وما يقوي هذا القول الذي ذهب أصحابه إلى تفسير الأحرف السبعة على أصح الأقوال وأصوبها أنها اللغات واللهجات، بيان ذكر الباعث على استزادة النبيِّ ﷺ جبريلَ، فما زال جبريلُ يزيده، والنَّبيُّ ﷺ يستزيده حتى بلغت الزيادة إلى سبعة أحرف، والسبب الرئيس الباعث على ذلك كما مر معنا هو التهوين والتسهيل والتيسير على الأمة، وإنما كانت هذه الاستزادة في العهد المدني الذي شهد دخول فئام من قبائل العرب في دين الله أفواجًا، وهم قبائل شتى بين كل قبيلة منها اختلاف وتنوع كبير في لهجاتها وطريقة أداء بعض حروفها وكلماتها، فلو اكتفى بنزول القرآن على الحرف الأول الذي نزل به ابتداءً، ألا وهو حرف قريش، لحصل الكثير
من المشقة والعنت على قبائل كثيرة، ولا شك في أن بيان معنى هذه الحروف متفرع عن سبب ورودها، ذلك لأن سبب ورودها هو المبحث الرئيس الذي يتفرع عنه كل ما يتعلق بالأحرف السبعة من مباحث.
وحول هذا المقصد يقول ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) ﵀:
فأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة، وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها، شرفًا لها، وتوسعة، ورحمة، وخصوصية لفضلها، وإجابة لقصد نبيها أفضل الخلق، وحبيب الحق. (١)
فإن أدركنا الحكمة المتوخاة من نزول القرآن على سبعة أحرف- والتي أشرنا إليها أيضًا ضمن جملة المعالم في صدر البحث- وعلمنا أنها التخفيف على الأمة وتسهيل سبيل قراءة القرآن عليها، ثم بحثنا بعدئذ عما يمكن أن يصدق عليه ويحقق هذا التيسير في القراءة، لوجدناه يتمثل في كل من اللهجات واللغات، ولرأينا هذه الرخصة منوطة بهما سوية، وأن افتقارهما وحاجتهما إليها أمر مشاهد ملموس، لا نزاع ولا جدال فيه.
قال البغوي (ت ٥١٦ هـ) ﵀:
وأظهر الأقاويل وأصحها وأشبهها بظاهر الحديث؛ أن المراد من هذه الحروف اللغات، وهو أن يقرأه كل قوم من العرب بلغتهم. (٢)
ومما يُجدا الإشارة إليه في ختام هذا المبحث الهام ما يلي:
أولًا: أن جبريل نزل على رسول الله ﷺ بها حرفًا حرفًا، وأنه ﷺ قرأ بها جميعًا، وأقرأ الناس عليها، وقرءوا بها، فلا يسبقن إلى الذهن أن الأحرف السبعة راجعة إلى لغات الناس واختيارهم في ذلك كما يشاءون.
стр. 542
ثانيًا: إن الحرف الواحد والأحرف السبعة للقرآن الكريم هي تنزيل من لدن حكيم حميد، وليس فيه لرسولنا ﷺ إلا البلاغ المبين، وقد فعل ﷺ وأدى الأمانة، وبلّغ الرسالة، على أكمل وجه.
ثالثًا: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن القرآن أنزل على هذا الشرط وهذه التوسعة، بحيث لا تتجاوز وجوه الاختلاف سبعة أوجه، مهما كثر ذلك التعدّد والتنوع في أداء اللفظ الواحد، ومهما تعددت القراءات وطرقها في الكلمة الواحدة.
رابعًا: لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة ليست قراءات القراء السبعة المشهورة، بل أول من جمع ذلك ابن مجاهد في القرن الرابع؛ ليكون ذلك موافقًا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده واعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبع هي الحروف السبعة، أو أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءاتهم. (١) وقد سبق بيان ذلك تحقيقًا وتدقيقًا.
والحمد لله رب العالمين.
المطلب السادس: مصير الأحرف السبعة
إن بقاء الأحرف السبعة بالمصاحف العثمانية من المسائل التي وقع فيها خلاف واسع بين العلماء قديمًا وحديثًا، ولم يُحْسَم أمرُ النزاع في هذه المسألة بسبب الخلاف الواقع في المقصود من هذه الأحرف السبعة نفسها، وقد تعددت فيها أقوالهم، وكثرت فيها أراؤهم، وذهب كل فريق منهم مذهبًا ساق له من الحجج والبراهين والأدلة ما يؤيد به ما ذهب إليه ويعاضد رأيه.
وقد حُصِرت أبرز أراء العلماء في أقوال معدودة، وكان حصرها مبني على اختلافهم في المراد بالأحرف السبعة- وكان ذلك على ثلاثة أقوال:
ذكر الأقوال الثلاثة إجمالًا:
القول الأول: اشتمال المصاحف العثمانية على حرف واحد فقط من الأحرف السبعة، ونسخ باقي الأحرف.
القول الثاني: اشتمال المصاحف العثمانية على جميع الأحرف السبعة، وعدم إهمالها أي حرف واحد منها.
القول الثالث: اشتمال المصاحف العثمانية على كل ما جُمِعَ في العرضة الأخيرة.
стр. 543
ذكر الأقوال الثلاثة تفصيلًا:
القول الأول:
أن المصاحف العثمانية اشتملت على حرف واحد فقط من الأحرف السبعة، وهو حرف قريش، وأن الأحرف الباقية إما نسخت في زمن النَّبِيّ ﷺ أو اتفق الصحابة على تركها درءًا للفتنة التي كادت تفتك بالأمة عندما اختلف الناس في قراءة القرآن.
وإلى ذلك ذهب ابن جرير الطبري، وأبو جعفر الطحاوي، وابن حبان، والحارث المحاسبي، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو عبيد الله بن أبي صفرة. (١)
وقال أبو شامة (ت ٦٦٥ هـ) ﵀:
وصرَّح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده بأنه حرف منها. (٢)
قال ابن عبد البر (ت ٦٧١ هـ) ﵀:
فهذا معنى الأحرف السبعة المذكورة (٣) في الأحاديث عند جمهور أهل الفقه والحديث، منهم سفيان بن عيينة، وابن وهب، ومحمد بن جرير الطبري، والطحاوي وغيرهم، وفي مصحف عثمان الذي بأيدي الناس منها حرفٌ واحد. (٤)
وقال أبو عبيد الله بن أبي صفرة (ت:؟؟) ﵀:
هذه القراءات السبع إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث، وهو الذي جمع عثمان عليه المصحف، وهذا ذكره النحاس وغيره. (٥)
وهذا القول مبني على القول بأن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات في الكلمة الواحدة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، وهو قول ابن جرير ومن وافقه.
والتحقيق أن القول باشتمال المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة كلها أو بعضها يتوقف على أمرين:
أحدهما: تحديد المراد من الأحرف السبعة
وثانيهما: الرجوع إلى ما هو مكتوب وماثل بتلك المصاحف في الواقع ونفس الأمر. (٦)
стр. 544
ولقد رأى القائلون بِهذا القول ندرة الكلمات القرآنية التي يصدق عليها ما رأوه في المراد بالأحرف السبعة، فقالوا إنَّها نسخت، أو اتفق الصحابة على منع القراءة بِها، وكتبوا المصاحف على حرف واحد، هو لسان قريش.
واحتج القائلون بِهذا القول بأدلة منها:
١ - قول عثمان ﵁ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا ذَلِكَ. (١) قالوا: وهذا يدل على أنَّهم جمعوا القرآن على حرف واحد، وهو لسان قريش، وتركوا ما سوى ذلك من الأحرف الستة.
٢ - أن الأحرف السبعة كانت في أول الأمر خاصة؛ للضرورة؛ لاختلاف لغة العرب ومشقة أخذ جميع الطوائف بلغة واحدة، فلما كثر الناس والكتاب، وارتفعت الضرورة ارتفع حكم هذه السبعة، ورجَّح ذلك قيامُ الخلاف بين القراء، بما كاد يؤدي إلى فتنة عظيمة، فأجمعت الأمة بقيادة إمامها الناصح الشفيق عثمان بن عفان ﵁ على أن تقتصر على حرف واحد من الأحرف السبعة، جمعًا لكلمة المسلمين، فأخذت به، وأهملت كل ما عداه، فعاد ما يُقرأ به القرآن على حرفٍ واحدٍ. (٢)
٣ - أن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبةً على الأمة، وإنما كانت جائزةً لهم مرخصًا لهم فيها، وقد جعل إليهم الاختيار في أي حرف اختاروه، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف إذا لم يجتمعوا على حرف واحد، اجتمعوا على ذلك اجتماعًا شائعًا، وهم معصومون من الضلالة، ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل حرام. (٣)
٤ - ثم اختلف القائلون بأن الباقي من الأحرف السبعة هو حرف واحد، هل نسخت الأحرف الستة في حياة النَّبِيّ ﷺ ، أو أن الصحابة اتفقوا على تركها؟ فذهب أكثرهم إلى أنَّها
نسخت في حياة النَّبِيّ ﷺ ، واستقر الأمر على حرف واحد (٤)، وذلك بعدما لانت ألسنة العرب بالقرآن، وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة.
قال القرطبي: (ت: ٦٧١ هـ) ﵀:
ثم اختلفوا: هل استقر في حياته ﷺ أو بعد وفاته ﷺ والأكثرون على الأول. (٥)
стр. 545
ولجواب أهل هذا الرأي نقول:
من ادعى النسخ يُسأل أي حرف تبقى من تلك الأحرف؟!، فلو أجاب بأنه حرف " قريش"، "وهذا هو جوابهم" لأجيب عنه وكيف تجيب عما وقع بين عمر وهشام بن حكيم من خلاف في قراءة سورة الفرقان كما مر معنا تكرارًا ومرارًا، وهما قرشيان، ومع ذلك فقد اختلفا.
ومن المعلوم أن " عمر " قرشيٌ، من بني عدي، وأن " هشامًا " قرشيٌ" من بني أسد. وقد أقرهما النبي ﷺ مصوبًا لقراءة وحرف كلٍ منهما، فقال لكل منهما: هَكَذا أُنْزِلَت. ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ: إنَّ القرآنَ أُنزِلَ علَى سَبعةِ أحرُفٍ. (١)
وعمر من السابقين الأولين، وهشام بن حكيم قد تأخر إسلامه، فهو من مسلمة الفتح، وعمر مع طول ملازمته للنبي ﷺ ومكانته وعلمه وفضله وسبقه، لم يعلم بهذه الأحرف ولذا أنكر على هشام قراءته، لأن مبدأ نزول القرآن كان على حرف واحد، هو حرف قريش، وإن الاستزادة من الأحرف إنما كانت في العهد المدني، بدليل أن استزادة النبيِّ ﷺ جبريلَ من الأحرف إنما كان عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ، وهو- موضع بالمدينة-، ولاشك أبدًا في أن واقعة إنكار عمر لقراءة هشام كانت بعد إسلامه، وقد تأخر إسلام هشام حتى العام الثامن من الهجرة الذي هو "عام الفتح"، وأن هذه الواقعة وقعت بعد عام الفتح بلا شك، قيل على الأغلب والأعم كانت في العام التاسع من الهجرة، وإنما كان انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى بعد عامين من عام الفتح تقريبًا، فمتى كانت دعوى هذا النسخ؟!، وما الذي يثبتها؟.
وبهذا يتبين عدم صحة القول بنسخ الأحرف السبعة، أو أنها كانت للضرورة ثم رفعت، وبذلك يزول الإشكال. والحمد لله رب العالمين.
القول الثاني:
أن المصاحف العثمانية اشتملت على جميع الأحرف السبعة، ولم تُهمل منها حرفًا واحدًا.
وهو ما ذهب إليه جماعات من القراء والفقهاء والمتكلمين، وهو الذي اختاره القاضي الباقلاني وابن حزم والداودي وغيرهم.
قال القاضي الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) ﵀:
الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رَسُول اللهِ صلى الله عليه
стр. 546
وسلم، وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والجماعة في المصحف، وأخبروا بصحتها، وإنَّما حذفوا منها ما لم يثبت متواترًا، وأن هذه الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى، وليست متضاربة ولا متنافية. (١)
وإن قيل أين الأحرف السبعة الآن؟
يقرر السخاوى (ت: ٦٤٣ هـ) ﵀ ذلك فيقول:
فإن قيل: فأين السبعة الأحرف التي أخبر رسول الله ﷺ أن القرآن أنزل عليها في قراءتكم هذه المشهورة؟. قلت: هي متفرقة في القرآن. (٢)
وقال الدَّاوُدِيُّ: (٣)
وهذه القراءات السبع التي يقرأ الناس اليوم بِها ليس كل حرف منها هو أحد تلك السبعة، بل تكون مفرقة فيها. (٤)
واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
١ - أنه لا يجوز على الأمة أن تُهمل نقل شيء من الأحرف السبعة؛ لأنَّها قرآن منَزَّل. ٢ - أن الصحابة أجمعوا على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر، وقد كانت مشتملة على الأحرف السبعة، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك. (٥)
٣ - الأحرف السبعة كان مرخصًا فيها، ولا يجوز أن يُنهى عن القراءة ببعض المرخص فيه، إذ ليس بعضه بأولى من بعضٍ. (٦)
٤ - أن الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف كانت للتيسير على الأمة في تلاوة القرآن، والتيسير ما زال محتاجًا إليه، إذ لم تكن قراءة القرآن على حرف واحد، في العصر الأول بين العرب الأقحاح -أصعب منها على من أتى بعدهم من المسلمين في العصور المتأخرة، وقد فشا فيهم اللحن والعجمة، فهم أحوج إلى التيسير من العرب الأُوَل.
стр. 547
ولجواب أهل هذا الرأي نقول:
أن المصاحف العثمانية المنسوخة عن المصحف الإمام الذي أجمع عليه الصحابة ﵃ قد حوت كل ما ثبت قرآنيته وتحققت- من تلك الأحرف-فحسب-، وأهملت ما عداها من كل ما لم تثبت قرآنيته وفق ما استقرت عليه العرضة الأخيرة، وهذا ما سيوضحه أهل القول الثالث في هذه المسألة.
ومما يُجدر الإشارة إليه -هنا-
أن المصحف الإمام ليس نسخة واحدة، وإن باقي المصاحف العثمانية المرسلة للأمصار ليست نسخة عن المصحف الإمام متطابقة مع معه تمام التطابق، وإنما التطابق حاصل في أغلب مرسومها مع تغاير واختلاف في بعضها من حيث الرسم، ولذا فإن كل مصحف أرسل لمصر من الأمصار يعد مصحفًا إمامًا لأهل هذا المصر، يصح لهم النسخ منه.
وأن الكلمات التي تشتمل على الزيادة أو النقص، لا يمكن أن تكتب في المصحف الواحد مرتين أو أكثر، لما في ذلك من الخلط والتغيير.
وهذا النوع كتب في كل مصحف على حسب ما يقرأ أهل المصر الذي سيرسل إليه المصحف، وبذلك تكون المصاحف -في مجموعها- مشتملة على ما صح نقله، ولم تنسخ تلاوته، لا أن كل مصحف كان مشتملاً على جميع هذه الأحرف.
قال أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀:
فإن سأل سائل عن السبب الموجب لاختلاف مرسوم هذه الحروف الزوائد في المصاحف.
قلت: السبب عندنا أن أمير المؤمنين "عثمان بن عفان" ﵁ لما في المصاحف ونسخها على صورة واحدة، وآثر في رسمها لغة قريش دون غيرها، مما لا يصح ولا يثبت، نظرًا للأمة، واحتياطًا على أهل الملة، وثبت عنده أن هذه الحروف من عند الله كذلك منزلة، ومن رسول الله ﷺ مسموعة، وعلم أن جميعها في مصحف واحد على تلك الحال غير متمكن إلا بإعادة الكلمة مرتين، وفي رسم ذلك كذلك من التخليط والتغيير ما لا خفاء به، ففرقها من المصاحف، لذلك جاءت مثبتة في بعضها، ومحذوفة من بعضها، لكن تحفظها
الأمة كما نزلت من عند الله وعلى ما سمعت من رسول الله ﷺ فهذا سبب مرسومها في المصاحف أهل الأمصار". (١)
стр. 548
ومن أمثلة ما اختلفت فيه مصاحف أهل الأمصار ما يلي:
١ - قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم) (التوبة: آية ١٠٠)
" في المصحف المكي بزيادة "من" أي: "تجري من تحتها الأنهار".،
وهذا هو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي حُذف منه حرف الجر (من) قبل (تحتها) ـ على قِراءة جمهور القرَّاء من أصحاب القراءات السَّبع المتواترة، خلافًا لابنِ كثيرٍ المكيِّ وأهلِ مكَّة الذي قرأوا بإثباتِه وخَفْض تاء (تحتها) بعدَه، وهو مُثبَتٌ في المصاحف المكيَّة.
٢ - قوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة: ١٣٢).
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "وأوصى"، وقرأ الباقون: (وَوَصَّى) ولذلك رسمت في مصحف أهل المدينة ومصحف أهل الشام: "وأوصى"
وفي مصحف أهل الكوفة والبصرة "ووصى" بغير ألف (١) حسب قراءة أهل كل مصر.
٣ - قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (آل عمران: ١٣٣).
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "سارعوا" بدون واو، وقرأ الباقون (وَسَارِعُوا) بالواو، ولذلك رسمت في مصحفي أهل المدينة والشام بدون واو، وفي مصحفي أهل الكوفة وأهل البصرة بالواو (٢) حسب قراءة كل منهم.
٤ - قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) (المائدة: ٥٣).
قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر "يقول" بغير واو، وبرفع اللام. وقرأ أبو عمرو "ويقول" بالواو ونصب اللام. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف في اختياره "ويقولُ" بالواو ورفع اللام.
ولذلك رسمت في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام "يقول" بغير واو، وفي مصاحف أهل الكوفة والبصرة وسائر العراق "ويقول" بالواو، حسب قراءة كل منهم. (٣)
стр. 549
٥ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (المائدة: ٥٤).
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "من يرتد منكم" بدالين، الأولى مكسورة والثانية مجزومة، وقرأ الباقون "يرتد" بدال واحدة مفتوحة مشددة. ورسمت في مصاحف أهل المدينة والشام "يتردد" بدالين.
قال أبو عبيد (ت: ٢٢٤ هـ) ﵀: وكذا رأيتها في الإمام بدالين.
وفي سائر المصاحف "يرتد" بدال واحدة. (١)
٦ - قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) (التوبة: ١٠٧).
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "الذين اتخذوا" بدون واو. وقرأ الباقون بالواو.
وقد رسمت في مصاحف أهل المدينة والشام بدون واو، وفي بقية المصاحف بالواو (٢). حسب قراءة كل منهم.
٧ - قال الله تعالى: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) (الكهف: ٣٦).
قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر "خيرًا منهما" بزيادة الميم بعد الهاء على التثنية، والضمير يعود إلى الجنتين.
وقرأ الباقون (مِنْهَا) بغير ميم على الإفراد، فالضمير عائد على الجنة المدخولة في قوله تعالى: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ). (٣)
وقد رسمت في مصاحف أهل المدينة ومكة والشام "منهما" بزيادة الميم، وفي بقية المصاحف "منها" بدون الميم. (٤)
٨ - قال الله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (الشعراء: ٣٦).
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "فتوكل" بالفاء. وهي كذلك في مصاحف.
أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون بالواو، وهي كذلك في مصاحفهم. (٥)
стр. 550
٩ - قال الله تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر: ٢٦).
في هذه الآية الكريمة أربع قراءات:
الأولى: لنافع وأبي عمرو وأبي جعفر "وأن يُظْهِر في الأرض الفسادَ" بغير ألف قبل واو العطف، وضم الياء وكسر الهاء من "يظهر" من "أظهر" المعتدي بالهمزة و"الفساد" بالنصب على أنه مفعول به.
الثانية: لابن كثير وابن عامر "وأن يَظْهَر في الأرض الفسادُ" بالواو وفتح الياء والهاء من "يظهر" ورفع "الفساد" على أنه فاعل.
الثالثة: لحفص ويعقوب (أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) بزيادة همزة مفتوحة قبل الواو، مع سكون الواو، وضم الياء وكسر الهاء من "يظهر" ونصب "الفساد".
الرابعة: لشعبة وحمزة والكسائي وخلف العاشر "أو أن يَظْهَرَ في الأرض الفسادُ" بزيادة همزة قبل الواو، وفتح الياء والهاء من "يظهر" ورفع "الفساد". (١)
وقد رسمت "وأن" بدون همزة قبل الواو في مصاحف أهل المدينة ومكة والبصرة والشام، حسب قراءة أهل هذه الأمصار، كما رسمت في بقية المصاحف "أو أن" بهمزة قبل الواو. (٢)
١٠ - قال الله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (الشورى: ٣٠).
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "بما كسبت" بدون فاء، وهي كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون (فَبِمَا كَسَبَتْ) بالفاء، وهي كذلك في مصاحفهم. (٣)
١١ - قال تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) (الزخرف: ٣١).
قرأ نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر (تَشْتَهِيهِ) بهائين، ورسمت كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون "تشتهي" بهاء واحدة، وهي مرسومة هكذا في بقية المصاحف. (٤)
стр. 551
١٢ - قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). (الحديد: ٢٤).
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "فإن الله الغنى الحميد" بدون "هو" وهي مرسومة كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) وهي كذلك في مصاحفهم. (١)
١٣ - قال الله تعالى: (وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا) (الشمس: ١٥).
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "فلا يخاف" بالفاء، ورسمت كذلك في مصاحف أهل المدينة والشام.
وقرأ الباقون (وَلا يَخَافُ) وهي مرسومة كذلك في مصاحفهم. (٢)
وقد حصر بعض العلماء هذه الكلمات التي اختلفت فيها المصاحف فبلغت نحوًا من ثمانية وخمسين كلمة بدون تكرار. (٣)
القول الثالث:
أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، متضمنة لما ثبت في العرضة الأخيرة.
قال ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀:
وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أنَّ هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي صلى الله عليه و سلم على جبريل ﵇، متضمنة لَها، لم تترك حرفًا منها.
قال: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة، والآثار المستفيضة تدلُّ عليه، وتشهد له. (٤)
стр. 552
فالأولى أن يقال:
جامعة للعرضة الأخيرة، ويلغى التقييد بِما يحتمله رسم المصاحف، إذ قد علمنا أن الصحابة ﵃ قد كتبوا مصاحف متعددة، وفاوتوا بينها ليحتمل البعض منها من أوجه القراءة ما لا يحتمله البعض الآخر. (١)
واحتج أصحاب هذا القول بِما احتج به أصحاب المذهب الثاني- بما يلي:
١ - احتجوا- على بقاء بعض الأحرف السبعة، والحاجة إليها
٢ - واحتجوا على أن السبعة لم تبق كلها بِما ورد من الآثار التي تدل على حدوث النسخ في العرضة الأخيرة لبعض أوجه القراءة، فكتب الصحابة في المصاحف عند الجمع ما تيقنوا أنه قرآن ثابت في العرضة الأخيرة، وتركوا ما سوى ذلك.
قال السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀ في "الإتقان":
ولا شك أن القرآن نُسخ منه في العرضة الأخيرة وغُيِّر، فاتفق الصحابة على أن كتبوا ما تحققوا أنه قرآن مستقرٌّ في العرضة الأخيرة، وتركوا ما سوى ذلك. (٢)
وقال البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀ في شرح السنة:
يُقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة (٣) التي بين فيها ما نُسخ وما بقي، وكتبِها لرسول الله ﷺ ، وقرأها عليه، وكان يُقرئ بِها الناس حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كَتْبَ المصاحف. (٤)
وقد وردت الآثار بأن القرآن قد نسخ منه وغُيِّر في العرضة الأخيرة، وأن قراءتنا التي جمعها الصحابة هي ما كان في تلك العرضة.
فَعَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ (ت: ٧٢ هـ) ﵀ أنه قال:
القراءة التي عُرِضَت على رسول الله صلى الله عليه و سلم في العام الذي قبض فيه -هذا القراءة التي يقرأها الناس. (٥) يعني بذلك قراءة زيد بن ثابت.
стр. 553
وعن سمرة (١) قال:
عُرض القرآنُ على رَسُول اللهِ صلى الله عليه و سلم عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه العرضة الأخيرة. (٢)
وعن ابن سيرين (٣) قال:
كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه و سلم كل سنة في شهر رمضان مرةً، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه مرتين، فيرون أن تكون قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة. (٤)
القول الأقرب للصواب، والذي يرجى أن يكون هو القول الراجح:
والقول الذي يظهر صوابه- والله أعلم- هو ما ذهب إليه جماهير العلماء من السلف والخلف من أن الباقي من الأحرف السبعة هو ما ثبت في العرضة الأخيرة، وأن الصحابة ﵃ لم يختاروا بعض الأحرف الثابتة دون بعض، بل دونوا ونقلوا كل ما ثبتت قرآنيته، وتركوا ما سوى ذلك.
ولكن ينبغي التنبه إلى أن قولهم:
إن المصاحف غير مشتملة إلاَّ على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي صلى الله عليه و سلم على جبريل، متضمنة لها، لم تترك حرفًا منها -فيه نوع تناقض، إذ قد يُفهم منه أن هناك شيئًا من الأحرف السبعة عرضه النَّبِيّ صلى الله عليه و سلم على جبريل في العرضة الأخيرة، ولم يكتبه الصحابة في المصاحف العثمانية.
فالأولى أن يقال:
стр. 554
جامعة للعرضة الأخيرة، ويلغى التقييد بِما يحتمله رسم المصاحف، إذ قد علمنا أن الصحابة ﵃ قد كتبوا مصاحف متعددة، وفاوتوا بينها ليحتمل البعض منها من أوجه القراءة ما لا يحتمله البعض الآخر. (١)
والخلاصة:
أن المصاحف العثمانية جامعة للعرضة الأخيرة بالكيفية السابقة:
- ما يصح أن يقرأ بوجهين أو عدة وجوه والرسم يحتمل ذلك رسم في جميع المصاحف برسم واحد بدون نقط ولا شكل.
-ما لا يحتمله الرسم من خلاف بالزيادة أو النقص، رسم في مصحف كل قطر بما يوافق قراءتهم غالبًا.
وبذلك تكون المصاحف العثمانية مشتملة على جميع ما صح نقله عن رسول الله ﷺ ولم تنسخ تلاوته، واستقر في العرضة الأخيرة، وليست مشتملة على جميع الأحرف السبعة ولا قاصرة على حرف واحدة - كما تقدم. (٢)
ولعل هذا العرض الموجز والمختصر يكون فيه الغُنية للوصول للصواب الذي نرجوه تحققه في هذه المسألة. والحمد لله رب العالمين.
المطلب السابع: الفرق بين الأحرف السبعة والقراءات
قد مر معنا في المطلب الرابع مناقشة الأحرف السبعة وعلاقتها بالقراءات، وفي هذا المطلب نناقش الفرق بينهما.
الأحرف السبعة والقراءات السبع
الذي لا شك فيه أن قراءة الأئمة السبعة والعشرة والثلاثة عشر وما وراء ذلك بعض الأحرف السبعة من غير تعيين، ونحن لا نحتاج إلى الرد على من قال إن القراءات السبعة هي الأحرف
السبعة فإن هذا قول لم يقله أحد من العلماء، لا كبير ولا صغير، وإنما هو شيء اتبعه العلماء قديمًا وحديثًا في حكايته والرد عليه وتخطئة أنفسهم وهو شيء يظنه جهلة العوام لا غير فإنهم يسمعون إنزال القرآن على سبعة أحرف وسبع روايات فيتخيلون ذلك لا غير. (٣)
стр. 555
الفرق بين الأحرف والقراءات:
يحسن بنا قبل أن نذكر الفرق بين الأحرف والقراءات، أن نحدّد مصدر القراءات، وطريقة تلقيها وأخذها عن رسول الله ﷺ ، ونذكر من اشتهر بالقراءة من الصحابة والتابعين، وذلك في الفقرات التالية:
أولاً: مصدر القراءات
مصدر القراءات: كالأحرف السبعة: قراءة رسول الله ﷺ بأمر ربه، فقد كان ﷺ يقرأ على أصحابه ما نزل عليه من القرآن فربما قرأ ألفاظًا منه بوجوه عديدة من النطق والأداء، مما يتعلق بأوجه في الإعراب جائزة أو بمد أو قصر، أو تخفيف وتثقيل أو نقل أو
إبدال ونحو ذلك مما يتفق على وجه واحد من الكتابة في الجملة، ويختلف اختلافًا ما في النطق والأداء، فكان يجيز للصحابة رضوان الله تعالى عليهم أن يقرؤوا بأيّ هذه الوجوه شاءوا.
ولم تكن هذه الوجوه من القراءات محصورة في سبع أو عشر قراءات، بل ربما بلغت أوجه القراءات في مجموعها أكثر من ذلك.
ثانيًا: المعول عليه في تلقي القرآن الكريم
إن المعول عليه في القرآن الكريم إنما هو التلقي والحفظ ثقة عن ثقة وإمام عن إمام إلى النبيّ ﷺ ، فقد يقع خطأ في نسخ المصحف كما تقع أخطاء في طبعه، ولأن الأصل في القرآن أنه لا يكون منقوطًا ولا مشكولاً ليسع القراءات فلابد من أخذ القراءة عن إمام.
ثالثًا: تفاوت الصحابة في أخذ القرآن وتلقيه كثرة وقلة
لقد اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في أخذ القرآن عنه ﷺ ، فمنهم من أخذه عنه بحرف واحد، ومنهم من أخذه بحرفين، ومنهم من زاد، ثم تفرّقوا في البلاد، وهم على هذه الحال، فاختلف بسبب ذلك أخذ التابعين عنهم.
رابعًا: طريقة عثمان في بعث المصاحف إلى الأمصار
وقد بعث عثمان ﵁ بالمصاحف- حين كتبها زيد بن ثابت ﵁ بأمره- إلى الأمصار والآفاق العديدة، وأرسل مع كل مصحف- قارئًا- ممن توافق قراءته في الأكثر الأغلب،
وهذه القراءات قد تخالف الذائع الشائع في القطر الآخر عن طريق المبعوث الآخر بالمصحف الآخر.
خامسًا: المشتهرون بالإقراء من الصحابة والتابعين
كان المشتهرون من الصحابة بإقراء القرآن عثمان، وعليّ، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وسائر أولئك الذين أرسلهم عثمان ﵁ وعنهم بالمصاحف إلى
стр. 556
الآفاق الإسلامية. وكان المشتهرون من التابعين بإقراء القرآن سعيد بن المسيب، وعروة، وسالم، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وأخوه عطاء وآخرون.
سادسًا: عناية الأئمة بالقراءات - ضبطًا - وحصرًا - وإسنادًا
ففي آخر عهد التابعين انتبه كثير من علماء القرآن إلى ما أخذ يتسلل إلى الناس من اضطراب السلائق، ومظاهر العجمة وبوادر اللحن، فتجرد قوم منهم ونهضوا بأمر القراءات يضبطونها ويحصرونها ويعنون بأسانيدها كما فعلوا مثل ذلك في الحديث وعلم التفسير.
وقد اشتهر ممن نهض بذلك أئمة سبعة حازوا ثقة العلماء والقراء في مختلف الأمصار وإليهم تنسب القراءات السبعة. وقد سبق ذكرهم في طيات البحث. (١)
الفرق بين الأحرف والقراءات:
إن الفروق بين الأحرف السبعة والقراءات متعددة ومتنوعة من جهات عدة، ولعل من أبرزها ما يلي:
أولًا: من جهة التغاير بينهما في تعدد الألفاظ وانفرادها
فإن الأحرف "ألفاظ متعدّدة" تجمع على مصحف واحد، أما القراءات "فلفظ واحد" قد يقرأ على أوجه من القراءات.
ثانيًا: من جهة التيسير والتنوع
فالحكمة من تعدّد الأحرف-هو- التيسير على الأمة، أما القراءات فقد تفيد كلّ قراءة فائدة زائدة ليست في الأخرى، كما في قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) (البقرة: ٢٢٢) قرئ: (حَتَّى يَطْهُرْنَ)، فالأولى معناها: ينقطع حيضهن، والثانية معناها: يغتسلن. وهي باقية ما بقي القرآن الكريم. (٢)
ثالثًا: من جهة العموم والخصوص
فالأحرف السبعة أعم، والقراءات كلها -السبع والعشر- أخص، ذلك لأن القراءات كلها -السبع والعشر- هي جزء من الأحرف السبعة بلا شك، فهي أخص منها، والأحرف السبعة أعم من القراءات، فبينهما عموم وخصوص، وكليهما مُتعبد لله بتلاوته.
رابعًا: من جهة الثبوت في المصاحف العثمانية
فالقراءات كلها مثبتة في المصاحف العثمانية، أم الأحرف السبعة فالراجح كما مر معنا-أن المثبت منها في المصاحف العثمانية هو ما استقرت عليه العرضة الأخيرة فحسب، وكان ذلك كله موافقًا للرسم العثماني لا يخرج عنه البتة.
стр. 557
وقد مر معنا أن الأولى أن يقال:
جامعة للعرضة الأخيرة، ويلغى التقييد بِما يحتمله رسم المصاحف، إذ قد علمنا أن الصحابة ﵃ قد كتبوا مصاحف متعددة، وفاوتوا بينها ليحتمل البعض منها من أوجه القراءة ما لا يحتمله البعض الآخر. (١)
خامسًا: من جهة توافر الضوابط والشروط
فالقراءة الصحيحة الثابتة لها ضوابط وشروط معتبرة متفق عليها عند أئمة القراءات، ألا وهي موافقة العربية ولو بوجه، وموافقة المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصحة السند، وقد سبق ذكرها وتناولها في ثنايا البحث بالشرح والإيضاح، وأما الأحرف السبعة فليس لها تلك الضوابط والشروط.
سادسًا: من جهة المحتوى والمضمون
فالأحرف السبعة متضمنة للقرآن كله كما هو معلوم، وأما القراءات فتتناول طرق وأوجه قراءة القرآن وهيئة وطريقة النطق بكلماته وألفاظه وآياته.
سابعًا: من جهة النسب
فالقراءة تُنسب لأحد أئمة القراءات، وذلك من بعد تسبيع ابن مجاهد (ت: ٣٢٤ هـ)، وأما الأحرف السبعة فلا تُنسب لأحد، لأن النبي ﷺ تلقها عن جبريل بلا واسطة.
ثامنًا: من جهة الزمن
فالأحرف السبعة مرتبطة ببعثة النبي ﷺ وبزمن نزول الوحي وتتابعه عليه ﷺ في عهديه المكي والمدني.
فحرف قريش نزل به القرآن ابتداءً في العهد المكي، وباقي الأحرف السبعة كانت الاستزادة منها غالبًا في نهاية العهد المدني، وذلك لقرائن كثيرة أغلبها أخذ بالاستقراء من أحاديث الأحرف السبعة برواياتها وألفاظها المتعددة.
وأما القراءات فزمانها كان متأخرًا عن ذلك بزمن بعيد، وذلك من تاريخ ابن مجاهد أول من سبع السبعة، في كتابه "كتاب السبعة"، وكان ذلك في القرن الرابع الهجري، فتحديد القراءات السبع قد جاء متأخرًا عن نزول القرآن بثلاثة قرون تقريبًا.
تاسعًا: من جهة المصدر
فالأحرف السبعة والقراءات مصدرهما جميعًا التوقيف، فالأحرف السبعة مصدر تلقيها هو الوحي الذي نزل به جبريل ﵇ على قلب النبي ﷺ .
стр. 558
وأما القراءات فمصدر تلقيها إنما كان عمن نزل عليه الوحي، فقد تلقَّها الصحابةُ ﵃، عن النبي ﷺ ، فتلقَّها ونقلها عنهم جيل عن جيل.
المبحث الثاني: الجمع العثماني والأحرف السبعة
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: علاقة الأحرف السبعة بمصحف أبي بكر ومصاحف عثمان ﵄
ما يزال يتكرر معنا ما تقرر في طيات البحث حول الأحرف السبعة، من أنها من المباحث الشائكة- قديمًا وحديثًا- وأنها تحتاج بُعْد نظر وسعة أفق وكبير تأمل، كما أنها تحتاج لتدخل المجامع العلمية المتخصصة والمتأصلة لبحث مثل تلك القضايا الهامة المتعلقة بعلوم القرآن، لتقدم للأمة حلولًا لإشكالات طال الكلام حولها، وكثر الأخذ والرد فيها، ومن تلك القضايا الكبرى قضية" الأحرف السبعة "، وما يتعلق بها من مباحث وقضايا.
علاقة الأحرف السبعة بمصحف أبي بكر ومصاحف عثمان:
ولابد وأن يُعْلم أن مبحث "علاقة الأحرف السبعة بمصحف أبي بكر ومصاحف عثمان" يتعلق تعلقًا لازمًا بأمور هامة، من أبرزها ما يلي:
أولًا: مفهوم الأحرف السبعة والمقصود بها
ثانيًا: صفة الرسم الذي استقرت عليه الصحف العثمانية، والخلاف والفرق بين حرف المصحف الإمام، وحروف الصحف المرسلة للأمصار
ثالثًا: تنوع الأحرف التي تفرع عنها تنوع القراءات، المقروءة بالألسن، الموافقة للأحرف المكتوبة في السطور، المحفوظة في الصدور.
ومن هنا وجب التنبه للأمور التالية:
الأمر الأول: أن الجزم بأن الصحف البكرية قد حوت الأحرف السبعة، لا يعدو إلا أن يكون أمرًا ظنيًا لا أكثر، وأنَّ أحدًا لم يقف على دليل قاطع واضح يصح الاستدلال به على ما كتبه الخليفة الأول ﵁ خلاف ما كان عليه الجمع الأول.
الأمر الثاني: أن الجزم بأن الصحف العثمانية قد كُتِبَت على حرف واحد هو "حرف قريش" وأنها أهملت باقي الأحرف السبعة، أمر ظنيٌ غير مقطوع به، وقد مر بنا في طيات البحث ذكر الخلاف الوارد في مصير الأحرف السبعة (١)، وذكر الأقوال الثلاثة الواردة في مصيرها، وكان الترجيح
للقول الثالث والأخير منها القاضي بأن الصحف العثمانية اشتملت على كل ما ثبت في العرض
стр. 559
الأخير، وأنها أهملت كل ما نُسِخَت تلاوتُه، ومن هنا يتبين لنا خطأ الجزم بأن الصحف العثمانية كُتِبَت على حرف قريش فحسب.
فاختلاف أحرف المصاحف العثمانية المرسلة إلى الأمصار يُعد وحده أكبر دليل قطعي على أن الصحف العثمانية لم تُكْتَب على حرف واحد، وقد مر معنا ذكر أمثلة منها في طيات البحث. (١)
الأمر الثالث: وجوب التأمل في دواعي الجمع في عهديه الثاني والثالث،
فبالتأمل والتدقيق في أهم بواعث ودواعي الجمع في جمع أبي بكر، وجمع عثمان ﵄، يتبين لنا ما يلي:
أ- الجمع البكري:
أولًا: إن المتأمل في جمع الصديق ﵁ يعلم يقينًا أن الباعث الأول عليه هو تحر القتل في القراء يوم اليمامة، وقد قُتِلَ منهم عدد كبير ينتهي إلى السبعين وقد أنهاه بعضهم إلى خمسمائة. وكان الهدف الأسمى منه جمع القرآن في مكان واحد خشية ذهابه بذهاب حفظته.
ثانيًا: كان عمل الصديق ﵁ هو جمع القرآن النازل الثابت قراءته في مصحف واحدٍ بعد أن كان مفرقًا في الرقاع واللخاف والأقطاب والعسيب، وهو القرآن الذي جمعه وكتبه كتَّابُ
الوحي ودوّنوه بين يدي رسول ﷺ ، فكان عمل أبي بكر ﵁ هو جمع ما تفرق من القرآن في مصحف واحدٍ فحسب، ذلك لأن القرآن الذي جمع في عهد النبي ﷺ لم يجمع في مصحف واحد بل كان متفرقًا، فجمع الصديق هو نفس الجمع النبوي، غير أن الجمع النبوي كان مفرقًا، وجمع الصديق صار جمعًا للقرآن بين دفتي مصحف واحد.
ثالثًا: التزم الصديق ﵁ في جمعه ترتيب سور وآيات القرآن وفق ما استقرت عليه العرضة الأخيرة، وهذا الترتيب هو الموافق للقرآن المثبت في اللوح المحفوظ لأنه توقيفي على القول الراجح، ولذا يبقى جمع الصديق للأصل الذي كان عليه القرآن في الجمع النبوي الأول مرتب السور والآيات، وهذا الأمر لا يمكن الحيد عنه إلا بنص واضح الدلالة؛ لأن الصديق انحصرت مهمته في جمع القرآن الذي جمع في العهد الأول مفرقًا، يجمعه في مصحف واحد متأسيًا ومتبعًا فيه ما انتهى إليه أمر الجمع الأول الذي أتمه النبي ﷺ ، ولم يلحق ﷺ بالرفيق الأعلى إلا وقد اتضحت أماكن السور والآيات واستقرت في ترتيبها المصحفي وفق ما استقرت عليه العرضة الأخيرة، أما كونه قد اقتصر في جمعه على إثبات وتقيد وكتابة ما ثبتت تلاوته وقرآنيته في العرضة الأخيرة مما لم تنسخ تلاوته فحسب، وإهمال المنسوخ منها، فهذا
стр. 560
القول وإن كان هو أقرب الأقوال للصواب، غير أنه يحتاج لزيادة تحقيق واستيثاق واستقراء للأدلة وتثبت منها، وإن كانت النفس تميل إليه. مع وجوب التنبه إلى ما سيأتي في فقرة "خامسًا".
وقد نتج من جراء ذلك الجمع أن جمعت نسخة واحدة من القرآن بين اللوحين في مكان واحد وليس نسخًا متعددة لكل حرف نسخة، وبقيت في مصحف واحد عند خليفة المسلمين حياته.
رابعًا: أن الجمع في عهد عثمان كان موافقًا لما استقرت عليه العرضة الأخيرة كجمع الصديق سواء بسواء، وذلك من جهة ترتيب السور والآيات، ومما يؤكد ذلك حتمًا أن الذي تولى الجمع في العهدين شخص واحد هو زيد، غير أنهم (١) في حين الاختلاف في الجمع العثماني كانت الكتابة على حرف قريش للمصحف الإمام،
والمعنى المقصود هنا أنهم يكتبوا ما أجمعوا عليه وذلك وفق ما ثبتت قراءته من الأحرف السبعة ولم ينسخ في العرضة الأخيرة، وحين وقوع اختلافهم فلسان قريش هو الفيصل والحكم والمرجع، وفي هذا إشارة إلى الرسم لا إلى القراءة (٢)، وذلك لأن حرف قريش هو الذي نزل به
القرآن ابتداءً، بدليل اختلافهم في (التابوت والتابوه) فقال اكتبوها بلسان قريش، وكان ذلك بأمر الحليفة الراشد.
قال الزهري (ت: ١٢٤ هـ) ﵀:
فاختلفوا (الصحابةُ) يومئذ في (التابوت والتابوه) فقال القرشيون "التابوت"، وقال زيدٌ: (وهو مدني) "التابوه" فَرُفِعَ اختلافُهم إلى عثمان فقال اكتبوه "التابوت" فإنه نزل بلسان قريش" (٣).
وفي هذا- جمع الأمة الإسلامية على لسان واحد، وهو لسان قريش، حيث كان القرشيون يستملحون ما شاءوا، ويصطفون ما راق لهم وطاب من ألفاظ العرب الوافدين، ثم يصقلونه ويهذبونه ويدخلونه في لغتهم، وهكذا كانت سياسة (٤) القرءان الحكيم، اصطفت من كل لغة
стр. 561
الطيب منها فهذبتها وصقلتها، ثم استعملها القرآن الكريم؛ لذا يصح أن يقال إن القرآن أنزل على لسان قريش، أي على سياستها (١). (٢)
خامسًا: جمع الصديق ﵁ لم يتضمن نوع الزام للمسلمين وحملهم على هذا الجمع ولزومه، ولذا كان بعض من لم يشهد العرضة الأخيرة من الصحابة لا يعلم بنسخ بعض الآيات، فكان يقرأ ببعض ما نُسخ من القرآن مما سمعه من رسول الله ﷺ ، دون علمه بالنسخ المتأخر الذي استقرت عليه العرضة الأخيرة.
سادسًا: وجمع الصديق ﵁ يصعب الجزم والقطع بأنه اشتمل على الأحرف السبعة، ومما يدلل حتمًا على ذلك أن هناك كلمات لا يكفي فيها الكتابة وحدها، إذ لابد فيها من الجمع بين الكتابة وطريقة النطق الصحيحة بها، ولا مجال لذلك البتة إلا بالصوت، ولنأخذ على سبيل المثال كلمة "الصراط" والتي قد كتبت في جميع المصاحف بالصاد، وقد قرئت بـ "الزاي" إشمامًا، أي بإشمام الصاد زايًا، وقد قرأ بها خلف عن حمزة، فالمعتمد فيها على الصوت نطقًا لا على المرسوم خطًا، وقل كذلك أيضًا في الإمالة والتقليل والإدغام وما شابه ذلك مما لا يمكن ضبطه إلا بالنقل والضبط الصوتي، ولاشك أن هذه الأمور لم ينقل ولم يحفظ أن جمع الصديق قد حواها، ومن ادعى غير ذلك فليأت ببرهان ساطع ودليل قاطع.
وأقصى ما يُقال في ذلك أن جمع الصديق ﵁ لم يهمل وجوه القراءة وفق الرسم، وذلك لأن جمعه لم يكن بواسطة المكتوب في السطور فحسب، بل كان معتمدًا كذلك على مطابقته لما هو محفوظ في الصدور، ذلك لأنَّ الأصل في قراءة القرآن نقله وتلقيه بالمشافهة، ولا يفهم من هذا
أن جمعه كان محتملًا لوجه واحد من الرسم فيكون قد أهمل إعمال وجوه القراءة الأخرى التي يحتملها الرسم؛ فإن مثل هذا لا يُنقل إلا عن طريق التلقي والمشافهة لا عن طريق الرسم المكتوب، ذلك لأن أخذ القراءة بالتلقي والمشافهة قاض على الرسم، ولذا فإن الصحابة حين كتابة الصحف لم يعتبروا اختلاف الرسم بل اعتبروا القراءة أولًا وجعلها قاضية وحاكمة على الرسم وذلك باعتبار أنها الأصل والرسم تابع لها.
والقول بثبوت الأحرف السبعة في الصحف البكرية قول يفتقر لحُجّة واضحة قاطعة ودليل ثابت صحيح يُعتمد عليه، لأن مثل هذه الدعوى لا يمكن قبولها أبدًا إلا بنقل ثابت صحيح يصلح للاحتجاج، إذ يلزم من هذا القول أن تكون الصحف البكرية قد كتبت جمعًا بين الأحرف السبعة في الرسم في المصحف الواحد وهو أمر محال، إذ يلزم بثبوتها في الصحف البكرية تكرار كتابة الكلمات التي فيها اختلاف في أوجه القراءة على غرار كتابة المصاحف العثمانية التي بعثها عثمان
стр. 562
رضي الله عنه إلى الأمصار، ويترتب على ذلك الجزم بعدم احتواء جمع الصديق ﵁ للأحرف السبعة، والباحث في حدود بحثه لا يعلم عن أحد من السلف قال خلاف هذا القول. والله أعلم. (١)
ب- الجمع العثماني:
أولًا: إذا كان مقصود الجمع البكري هو جمع ما تفرق من القرآن في مصحف واحد، فإن الجمع العثماني لم يكن كذلك، وذلك لأن الباعث في الجمع العثماني قد اختلف عن الباعث في الجمع البكري تمامًا.
ثانيًا: كان مقصود الجمع العثماني جمع الأمة على مصحف واحد إمام لنزع فتيل الفتنة التي كادت أن تقع بين بعض القراء في الفتوحات الإسلامية، وقد دخل في الإسلام فئام من البشر لا يعلمون أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأن أي حرف قرئ به فهو شاف كاف.
فكان الجمع العثماني على مصحف واحد خشية الاختلاف، ولذا فقد تم إحراق ما سواه من المصاحف التي في أيدي الناس، وجمعهم على مصحف واحد إمام
حسمًا لمادة النزاع.
ثم نسخ بعد ذلك من المصحف الإمام نسخًا عدة بُعِثَ بها إلى الأمصار (٢)، ولم يحذف منها أي شيء، ولكن أثبت في بعضها بعض الاختلافات الواردة في الأحرف السبعة، وذلك وفق قراءة أهل كل مصر من الأمصار التي بعث عثمان إليها المصاحف، وقد أرسل مع كل مصحف قارئًا ممن توافق قراءته في الأكثر الأغلب، على أن يقرأ بنفس القراءة التي في المصحف الذي بين يديه، مع أن هذه القراءة قد تخالف ما ذاع وانتشر في مصر آخر من الأمصار التي بعث عثمان فيها المصاحف عن طريق مبعوث بمصحف آخر مغاير لها في المرسوم.
ثالثًا: لقد اشتمل الجمع العثماني على ما لم تنسخ تلاوته وأهمل ما نسخ منها،
стр. 563
وقد رسمت تلك الصحف على طريقة تحتمل أوجه الأحرف السبعة جميعًا مما استقرت عليه العرضة الأخيرة ولم ينسخ، وكان ذلك تسهيلًا على الأمة ورفعًا للحرج والمشقة عنها.
رابعًا: من أهم مقاصد الجمع العثماني إلزام الناس في جميع الأمصار بما في تلك الصحف المنسوخة عن المصحف الإمام، والتي حوت ما بقي من الأحرف السبعة التي ثبتت قراءتها ولم
تنسخ، وقد وافق الصحابةُ ﵃ عثمانَ على ذلك وشكروا له حسن صنيعه، وقد رسمت تلك الصحف بطريقة يمكن معها قراءة القرآن بجميع الأوجه وفق ما تحققت قراءته، لذا انحسرت القراءة في الجمع العثماني فيما ثبتت قراءته في العرضة الأخيرة فحسب، وإهمال المنسوخ منها، وبهذا الفعل تميزت القراءة الثابتة من القراءة المنسوخة والتي اطلق عليها فيما بعد "القراءة الشاذة"، لذا فإن أي قراءة نسخت في العرضة الأخيرة ولم يقرأ بها أحد من الأئمة، تُعَد من القراءات الشاذة حتى ولو صح سندها.
ويؤيد ما سبق ذكره من استقرار جمع أبي بكر وعثمان على موافقة ما ثبت في العرضة الأخيرة ما أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه":
عن حسين بن علي، عن سفيان بن عُيَيْنَةَ، عن ابن سيرين، عن عَبِيْدَةَ، قال:
القراءةُ التي عُرِضَتْ على النبي ﷺ في العام الذي قُبِضَ فيه، هي القراءةُ التي يقرؤها الناسُ اليوم. وهذا إسنادٌ غاية في الصحة. وعبيدة ثقة مخضرم، أدرك جمع أبي بكر وجمع عثمان، وكان من أبرز تلاميذ ابن مسعود. (١)
المطلب الثاني: علاقة الأحرف السبعة بالعرضة الأخيرة
لمعرفة علاقة الأحرف السبعة بالعرضة الأخيرة لابد أولًا من معرفة ما له علاقة تلازم بها ليتم تصورها تصورًا صحيحًا، ومن أبرز ذلك ما يلي:
أولًا: لابد من الرجوع إلى تصور مفهوم الأحرف السبعة والمقصود بها، والذي سبق التنبيه عليه في المبحث السابق.
ثانيًا: ولابد من الرجوع إلى تصور بيان الغاية من معارضة القرآن عمومًا والعرضة الأخيرة خصوصًا. (٢)
ثالثًا: ولابد من الرجوع إلى تصور علاقة الأحرف السبعة بالجمع العثماني، وذلك من جهة اشتمالها عليها من عدمه. (٣)
стр. 564
وإن تصور هذه الأمور الثلاثة حين مناقشة مبحث علاقة الأحرف السبعة بالعرضة الأخيرة يعطي رؤية واضحة تصلح لأن تكون مدخلًا سهلًا لمناقشة ومدارسة هذا المبحث.
وفي ضوء ما سبق بيانه إجمالًا يتبين لنا ما يلي:
أولًا: أن القول بأن جبريلَ كان يعارض النبيَ ﷺ القرآن كل عام في رمضان بحرف من الأحرف السبعة أمر غير صحيح البتة، فهو مع افتقاره لمستند يُعتمد عليه من نص ثابت صحيح، أو دليل واضح صريح، غير ثابت أصلًا، وإن المتأمل في أحاديث طلب الاستزادة من الأحرف السبعة والرخصة بها يتأكد لديه أنها كانت في المدينة، وأنها كانت قبيل انتقال النبي- ﷺ إلى الرفيق الأعلى بعامين على الأكثر - تقريبًا -، ومن المعلوم أن بدء نزول القرآن كان في رمضان في صدر البعثة، والمعارضة كانت في رمضان كذلك من كل عام، وقد مر معنا ذكر أحاديث المعارضة تكرارًا ومرارًا، فكيف كان يعارضه كل عام بحرف والاستزادة لم تكن وقعت، والرخصة بها لم تكن بعد قد شرعت.
ثانيًا: أن القول بأن الصحف العثمانية كانت على حرف واحد قول لا يصح، نعم قد تتأتى من الحرف الواحد قراءات متعددة، غير إن تلك القراءات وردت على حرف ورسم واحد احتمالًا لها جميعًا إلا ما لا يمكن أن يقرأ برسم واحد ولو احتمالًا كالكلمات التي ذكرناها مثل "ووصى"، "وأوصى" فقد كتبت في مصاحف الأمصار أكثر من مرة لاستحالة كتابتها في مصحف واحد مرتين، وكذلك القول بأنها احتملت الأحرف السبعة كلها أيضًا لا يصح وإن كان دون القول الأول، وقد مر معنا بيان ذلك بالتفصيل وذكرنا أن القول الراجح والأقرب للصواب هو أنها اشتملت على كل ما ثبت في العرضة الأخير فحسب، وأنها أهملت كل ما نُسِخَت تلاوتُه، وكان
ذلك وفق على ما يحتمله الرسم العثماني للمصاحف، وأما كل ما لا يحتمله الرسم العثماني من باقي الأحرف فيُعد منسوخًا كما أسلفنا. (١)
و أن "الحروف التي ثبتت في العرضة الأخيرة ثابتة كلها في الرسم العثماني، عن قصد من الصحابة، وهو رأي أكثر أهل العلم من المحققين، مثل أبي الفضل الرازي، وابن الجزري، والرازي، وابن قتيبة، وابن حزم، وغيرهم". (٢)
стр. 565
ثالثًا: أن الغاية التي كان يعارض جبريلُ النبيَ ﷺ القرآنَ كل سنة من أجلها لم تكن إلا لأمرين عظيمين:
أما الأمر الأول: فلاستثبات حفظ النبي ﷺ للقرآن وفق ما أوحاه الله إليه بواسطة جبريل، وهي كانت كذلك بمثابة تحقيق الضمان والأمان لحفظ القرآن من أي تغيير أو تبديل بزيادة أو نقصان.
وأما الأمر الثاني: فلتثبيت وإبقاء ما لم ينسخ من القرآن، ونسخ ما يريد الله تعالى نسخه منه.
وفي نحو ذلك يقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀:
جبريل كان يعارض النبي ﷺ بالقرآن في شهر رمضان، وفي ذلك حكمتان: إحداهما: تعاهده.
والأخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ. (١)
رابعًا: وإنما سميت العرضة "الأخيرة" بذلك لكونها المعارضة الأخيرة بالقرآن بين جبريل-﵇-وبين رسول الله- ﷺ .
وكانت المعارضة الأخيرة كالمراجعة النهائية والختامية للقرآن ليبقى محفوظًا في صدره الشريف- ﷺ ، كما كانت كالتوديع للوحي كذلك، لِيُرفع ما نسخ منه نهائيًا، ويبقى ما ثبت قرآنيته من كل ما أوحاه الله إليه ولم تنسخ تلاوته، وليبقى محفوظًا كذلك إلى ما شاء الله أن يبقى حتى يرفع في آخر الزمان.
خامسًا: لقد ثبت معنا أن القول بأن جبريلَ كان يعارض النبيَ ﷺ القرآن كل عام في رمضان بحرف من الأحرف السبعة أمر غير صحيح البتة، ويترتب على ذلك، إضافة لما سبق ذكره آنفًا من بيان الغاية من المعارضة الأخيرة، الوصول إلى حقيقة هامة في هذا المبحث ألا وهي: إن تلك المعارضة كانت على حرف واحد ألا وهو حرف قريش الذي نزل به القرآن ابتداءً، وهو الحرف المنزل الذي جمع وكتب بين يدي النبي ﷺ أول نزوله، والذي نسخت
منه الصحف البكرية بعد جمع شتاتها ثم نسخ المصحفُ الإمام من تلك الصحف، فكان جمع عثمان ما تواتر نقله عن رسول الله ﷺ مما استقر في العرضة الأخيرة، ولم تنسخ تلاوته، ولا نعلم أي دليل يدل على أن العرضة الأخيرة كانت بأكثر من حرف أبدًا، وهذا القول إنما صدر عن تصور غير صائب في فهم الأحرف السبعة وعن العلاقة بينها بين العرضة الأخيرة.