← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 825

الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (640 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الطيب منها فهذبتها وصقلتها، ثم استعملها القرآن الكريم؛ لذا يصح أن يقال إن القرآن أنزل على لسان قريش، أي على سياستها (١). (٢) خامسًا: جمع الصديق ﵁ لم يتضمن نوع الزام للمسلمين وحملهم على هذا الجمع ولزومه، ولذا كان بعض من لم يشهد العرضة الأخيرة من الصحابة لا يعلم بنسخ بعض الآيات، فكان يقرأ ببعض ما نُسخ من القرآن مما سمعه من رسول الله ﷺ ، دون علمه بالنسخ المتأخر الذي استقرت عليه العرضة الأخيرة. سادسًا: وجمع الصديق ﵁ يصعب الجزم والقطع بأنه اشتمل على الأحرف السبعة، ومما يدلل حتمًا على ذلك أن هناك كلمات لا يكفي فيها الكتابة وحدها، إذ لابد فيها من الجمع بين الكتابة وطريقة النطق الصحيحة بها، ولا مجال لذلك البتة إلا بالصوت، ولنأخذ على سبيل المثال كلمة "الصراط" والتي قد كتبت في جميع المصاحف بالصاد، وقد قرئت بـ "الزاي" إشمامًا، أي بإشمام الصاد زايًا، وقد قرأ بها خلف عن حمزة، فالمعتمد فيها على الصوت نطقًا لا على المرسوم خطًا، وقل كذلك أيضًا في الإمالة والتقليل والإدغام وما شابه ذلك مما لا يمكن ضبطه إلا بالنقل والضبط الصوتي، ولاشك أن هذه الأمور لم ينقل ولم يحفظ أن جمع الصديق قد حواها، ومن ادعى غير ذلك فليأت ببرهان ساطع ودليل قاطع. وأقصى ما يُقال في ذلك أن جمع الصديق ﵁ لم يهمل وجوه القراءة وفق الرسم، وذلك لأن جمعه لم يكن بواسطة المكتوب في السطور فحسب، بل كان معتمدًا كذلك على مطابقته لما هو محفوظ في الصدور، ذلك لأنَّ الأصل في قراءة القرآن نقله وتلقيه بالمشافهة، ولا يفهم من هذا أن جمعه كان محتملًا لوجه واحد من الرسم فيكون قد أهمل إعمال وجوه القراءة الأخرى التي يحتملها الرسم؛ فإن مثل هذا لا يُنقل إلا عن طريق التلقي والمشافهة لا عن طريق الرسم المكتوب، ذلك لأن أخذ القراءة بالتلقي والمشافهة قاض على الرسم، ولذا فإن الصحابة حين كتابة الصحف لم يعتبروا اختلاف الرسم بل اعتبروا القراءة أولًا وجعلها قاضية وحاكمة على الرسم وذلك باعتبار أنها الأصل والرسم تابع لها. والقول بثبوت الأحرف السبعة في الصحف البكرية قول يفتقر لحُجّة واضحة قاطعة ودليل ثابت صحيح يُعتمد عليه، لأن مثل هذه الدعوى لا يمكن قبولها أبدًا إلا بنقل ثابت صحيح يصلح للاحتجاج، إذ يلزم من هذا القول أن تكون الصحف البكرية قد كتبت جمعًا بين الأحرف السبعة في الرسم في المصحف الواحد وهو أمر محال، إذ يلزم بثبوتها في الصحف البكرية تكرار كتابة الكلمات التي فيها اختلاف في أوجه القراءة على غرار كتابة المصاحف العثمانية التي بعثها عثمان

стр. 562

رضي الله عنه إلى الأمصار، ويترتب على ذلك الجزم بعدم احتواء جمع الصديق ﵁ للأحرف السبعة، والباحث في حدود بحثه لا يعلم عن أحد من السلف قال خلاف هذا القول. والله أعلم. (١) ب- الجمع العثماني: أولًا: إذا كان مقصود الجمع البكري هو جمع ما تفرق من القرآن في مصحف واحد، فإن الجمع العثماني لم يكن كذلك، وذلك لأن الباعث في الجمع العثماني قد اختلف عن الباعث في الجمع البكري تمامًا. ثانيًا: كان مقصود الجمع العثماني جمع الأمة على مصحف واحد إمام لنزع فتيل الفتنة التي كادت أن تقع بين بعض القراء في الفتوحات الإسلامية، وقد دخل في الإسلام فئام من البشر لا يعلمون أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأن أي حرف قرئ به فهو شاف كاف. فكان الجمع العثماني على مصحف واحد خشية الاختلاف، ولذا فقد تم إحراق ما سواه من المصاحف التي في أيدي الناس، وجمعهم على مصحف واحد إمام حسمًا لمادة النزاع. ثم نسخ بعد ذلك من المصحف الإمام نسخًا عدة بُعِثَ بها إلى الأمصار (٢)، ولم يحذف منها أي شيء، ولكن أثبت في بعضها بعض الاختلافات الواردة في الأحرف السبعة، وذلك وفق قراءة أهل كل مصر من الأمصار التي بعث عثمان إليها المصاحف، وقد أرسل مع كل مصحف قارئًا ممن توافق قراءته في الأكثر الأغلب، على أن يقرأ بنفس القراءة التي في المصحف الذي بين يديه، مع أن هذه القراءة قد تخالف ما ذاع وانتشر في مصر آخر من الأمصار التي بعث عثمان فيها المصاحف عن طريق مبعوث بمصحف آخر مغاير لها في المرسوم. ثالثًا: لقد اشتمل الجمع العثماني على ما لم تنسخ تلاوته وأهمل ما نسخ منها،

стр. 563

وقد رسمت تلك الصحف على طريقة تحتمل أوجه الأحرف السبعة جميعًا مما استقرت عليه العرضة الأخيرة ولم ينسخ، وكان ذلك تسهيلًا على الأمة ورفعًا للحرج والمشقة عنها. رابعًا: من أهم مقاصد الجمع العثماني إلزام الناس في جميع الأمصار بما في تلك الصحف المنسوخة عن المصحف الإمام، والتي حوت ما بقي من الأحرف السبعة التي ثبتت قراءتها ولم تنسخ، وقد وافق الصحابةُ ﵃ عثمانَ على ذلك وشكروا له حسن صنيعه، وقد رسمت تلك الصحف بطريقة يمكن معها قراءة القرآن بجميع الأوجه وفق ما تحققت قراءته، لذا انحسرت القراءة في الجمع العثماني فيما ثبتت قراءته في العرضة الأخيرة فحسب، وإهمال المنسوخ منها، وبهذا الفعل تميزت القراءة الثابتة من القراءة المنسوخة والتي اطلق عليها فيما بعد "القراءة الشاذة"، لذا فإن أي قراءة نسخت في العرضة الأخيرة ولم يقرأ بها أحد من الأئمة، تُعَد من القراءات الشاذة حتى ولو صح سندها. ويؤيد ما سبق ذكره من استقرار جمع أبي بكر وعثمان على موافقة ما ثبت في العرضة الأخيرة ما أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن حسين بن علي، عن سفيان بن عُيَيْنَةَ، عن ابن سيرين، عن عَبِيْدَةَ، قال: القراءةُ التي عُرِضَتْ على النبي ﷺ في العام الذي قُبِضَ فيه، هي القراءةُ التي يقرؤها الناسُ اليوم. وهذا إسنادٌ غاية في الصحة. وعبيدة ثقة مخضرم، أدرك جمع أبي بكر وجمع عثمان، وكان من أبرز تلاميذ ابن مسعود. (١) المطلب الثاني: علاقة الأحرف السبعة بالعرضة الأخيرة لمعرفة علاقة الأحرف السبعة بالعرضة الأخيرة لابد أولًا من معرفة ما له علاقة تلازم بها ليتم تصورها تصورًا صحيحًا، ومن أبرز ذلك ما يلي: أولًا: لابد من الرجوع إلى تصور مفهوم الأحرف السبعة والمقصود بها، والذي سبق التنبيه عليه في المبحث السابق. ثانيًا: ولابد من الرجوع إلى تصور بيان الغاية من معارضة القرآن عمومًا والعرضة الأخيرة خصوصًا. (٢) ثالثًا: ولابد من الرجوع إلى تصور علاقة الأحرف السبعة بالجمع العثماني، وذلك من جهة اشتمالها عليها من عدمه. (٣)

стр. 564

وإن تصور هذه الأمور الثلاثة حين مناقشة مبحث علاقة الأحرف السبعة بالعرضة الأخيرة يعطي رؤية واضحة تصلح لأن تكون مدخلًا سهلًا لمناقشة ومدارسة هذا المبحث. وفي ضوء ما سبق بيانه إجمالًا يتبين لنا ما يلي: أولًا: أن القول بأن جبريلَ كان يعارض النبيَ ﷺ القرآن كل عام في رمضان بحرف من الأحرف السبعة أمر غير صحيح البتة، فهو مع افتقاره لمستند يُعتمد عليه من نص ثابت صحيح، أو دليل واضح صريح، غير ثابت أصلًا، وإن المتأمل في أحاديث طلب الاستزادة من الأحرف السبعة والرخصة بها يتأكد لديه أنها كانت في المدينة، وأنها كانت قبيل انتقال النبي- ﷺ إلى الرفيق الأعلى بعامين على الأكثر - تقريبًا -، ومن المعلوم أن بدء نزول القرآن كان في رمضان في صدر البعثة، والمعارضة كانت في رمضان كذلك من كل عام، وقد مر معنا ذكر أحاديث المعارضة تكرارًا ومرارًا، فكيف كان يعارضه كل عام بحرف والاستزادة لم تكن وقعت، والرخصة بها لم تكن بعد قد شرعت. ثانيًا: أن القول بأن الصحف العثمانية كانت على حرف واحد قول لا يصح، نعم قد تتأتى من الحرف الواحد قراءات متعددة، غير إن تلك القراءات وردت على حرف ورسم واحد احتمالًا لها جميعًا إلا ما لا يمكن أن يقرأ برسم واحد ولو احتمالًا كالكلمات التي ذكرناها مثل "ووصى"، "وأوصى" فقد كتبت في مصاحف الأمصار أكثر من مرة لاستحالة كتابتها في مصحف واحد مرتين، وكذلك القول بأنها احتملت الأحرف السبعة كلها أيضًا لا يصح وإن كان دون القول الأول، وقد مر معنا بيان ذلك بالتفصيل وذكرنا أن القول الراجح والأقرب للصواب هو أنها اشتملت على كل ما ثبت في العرضة الأخير فحسب، وأنها أهملت كل ما نُسِخَت تلاوتُه، وكان ذلك وفق على ما يحتمله الرسم العثماني للمصاحف، وأما كل ما لا يحتمله الرسم العثماني من باقي الأحرف فيُعد منسوخًا كما أسلفنا. (١) و أن "الحروف التي ثبتت في العرضة الأخيرة ثابتة كلها في الرسم العثماني، عن قصد من الصحابة، وهو رأي أكثر أهل العلم من المحققين، مثل أبي الفضل الرازي، وابن الجزري، والرازي، وابن قتيبة، وابن حزم، وغيرهم". (٢)

стр. 565

ثالثًا: أن الغاية التي كان يعارض جبريلُ النبيَ ﷺ القرآنَ كل سنة من أجلها لم تكن إلا لأمرين عظيمين: أما الأمر الأول: فلاستثبات حفظ النبي ﷺ للقرآن وفق ما أوحاه الله إليه بواسطة جبريل، وهي كانت كذلك بمثابة تحقيق الضمان والأمان لحفظ القرآن من أي تغيير أو تبديل بزيادة أو نقصان. وأما الأمر الثاني: فلتثبيت وإبقاء ما لم ينسخ من القرآن، ونسخ ما يريد الله تعالى نسخه منه. وفي نحو ذلك يقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: جبريل كان يعارض النبي ﷺ بالقرآن في شهر رمضان، وفي ذلك حكمتان: إحداهما: تعاهده. والأخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ. (١) رابعًا: وإنما سميت العرضة "الأخيرة" بذلك لكونها المعارضة الأخيرة بالقرآن بين جبريل-﵇-وبين رسول الله- ﷺ . وكانت المعارضة الأخيرة كالمراجعة النهائية والختامية للقرآن ليبقى محفوظًا في صدره الشريف- ﷺ ، كما كانت كالتوديع للوحي كذلك، لِيُرفع ما نسخ منه نهائيًا، ويبقى ما ثبت قرآنيته من كل ما أوحاه الله إليه ولم تنسخ تلاوته، وليبقى محفوظًا كذلك إلى ما شاء الله أن يبقى حتى يرفع في آخر الزمان. خامسًا: لقد ثبت معنا أن القول بأن جبريلَ كان يعارض النبيَ ﷺ القرآن كل عام في رمضان بحرف من الأحرف السبعة أمر غير صحيح البتة، ويترتب على ذلك، إضافة لما سبق ذكره آنفًا من بيان الغاية من المعارضة الأخيرة، الوصول إلى حقيقة هامة في هذا المبحث ألا وهي: إن تلك المعارضة كانت على حرف واحد ألا وهو حرف قريش الذي نزل به القرآن ابتداءً، وهو الحرف المنزل الذي جمع وكتب بين يدي النبي ﷺ أول نزوله، والذي نسخت منه الصحف البكرية بعد جمع شتاتها ثم نسخ المصحفُ الإمام من تلك الصحف، فكان جمع عثمان ما تواتر نقله عن رسول الله ﷺ مما استقر في العرضة الأخيرة، ولم تنسخ تلاوته، ولا نعلم أي دليل يدل على أن العرضة الأخيرة كانت بأكثر من حرف أبدًا، وهذا القول إنما صدر عن تصور غير صائب في فهم الأحرف السبعة وعن العلاقة بينها بين العرضة الأخيرة.

стр. 566

وفي نحو ذلك يقول ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀: أجمع الصحابة على كتابة القرآن العظيم على العرضة الأخيرة التي قرأها النبي ﷺ على جبريل عام قبض، وعلى ما أنزل الله تعالى دون ما أذن فيه، وعلى ما صح مستفاضًا عن النبي ﷺ دون غيره إذ لم تكن الأحرف السبعة واجبة على الأمة، وإنما كان ذلك جائزًا لهم مرخصًا فيه، وقد جعل إليهم الاختيار في أي حرف اختاروه. قالوا: فلما رأى الصحابة أن الأمة تتفرق وتختلف وتتقاتل إذا لم يجتمعوا على ضلالة، ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل محظور. قلت: فكتبوا المصاحف على لفظ لغة قريش والعرضة الأخيرة، وما صح عن النبي ﷺ واستفاض دون ما كان قبل ذلك مما كان بطريق الشذوذ والآحاد من زيادة، وإبدال وتقديم وتأخير وغير ذلك، وجردوا المصاحف عن النقط والشكل لتحتمله صورة ما بقي من الأحرف السبعة كالإمالة والتفخيم والإدغام والهمز والحركات وأضداد ذلك مما هو في باقي الأحرف السبعة غير لغة قريش، وكالغيب والجمع والتثنية، وغير ذلك من أضداده مما تحتمله العرضة الأخيرة إذ هو موجودة في لغة قريش وفي غيرها، ووجهوا بها إلى الأمصار، فأجمع الناس عليها. (١) سادسًا: ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أنه لم يكن بين العرضة الأخيرة والتي كانت في رمضان من السنة العاشرة وبين لحوق النبي بالرفيق الأعلى والذي كان في ربيع الأول سنة إحدى عشرة سوى أشهر قليلة معدودة، ألا وهي ستة أشهر تقريبًا، وأنها لم تتميز عن أي عرضة سنوية بشيء أبدًا، إلا أنها كانت في العام الأخير من حياته ﷺ "مرتين"، ولذا فقد قال ﷺ "وما أراه إلا قد حضر أجلي". وهو ما ثبت عند مسلم من حديث عائشة: " أن فاطمة ﵄ قالت: أخبرني [أي: رسول الله ﷺ ] (أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الْآنَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ) (٢) وفي رواية البخاري: (إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي القُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِ، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: (أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ) فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ. (٣).

стр. 567

وختامًا: يستخلص مما سبق بيانه في هذا المبحث ١ - أن العرضة الأخيرة كانت الغاية منها كالغاية من العرضة السنوية سواء بسواء. ٢ - أن العرضة الأخيرة كانت لتثبيت القرآن في قلب النبي ﷺ ، وإهمال ما نسخ وإبقاء مالم ينسخ فحسب. ٣ - أن العرضة الأخيرة لم تختلف في شيء عن العرضة في كل عام في شيء أبدًا غير أنها كانت في العام الأخير مرتين. ٤ - أن العرضة الأخيرة كانت على حرف واحد ألا وهو حرف قريش الذي نزل به القرآن ابتداءً، و"حرف قريش" يُحْمَلُ هنا على مرسوم المصحف لا على قراءته؛ وهو الأمر الذي قصده عثمان ﵁ في قوله: للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. (١)، فإن توجيهه ﵁ في قوله للجنة الجمع: (فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم) يُحْمَلُ على أنه أراد الرسم لا القراءةِ، وذلك حتى يبقى الرسم ثابتًا بلغة قريش ليصبح مرجعًا عند الاختلاف، ولذا لما اختلفوا في "التابوه" و"التابوت" كتبوها "التابوت" بلسان قريش، وكذلك يبقى الأمر على عمومه في أن القراءة قاضية على الرسم لا العكس. والعرضة الأخيرة لا علاقة لها بالأحرف السبعة البتة وأن القول بأن جبريلَ كان يعارض النبيَ ﷺ القرآن كل عام في رمضان بحرف منها أمر غير صحيح ولا دليل عليه. وإن أصح وأصوب ما يُقَال في ذلك أن جمع الصديق ﵁ قد حوى ما بقي من الأحرف السبعة التي لم تنسخ وبقيت في العرضة الأخيرة، لأنه قد نُسِخَ منها من وجوه القراءت ما قد نُسخَ، وقد أثبت الصديق ﵁ في مصحفه ما بقي من تلك الأحرف ووافق رسمها. ٥ - أن القول بأن الصحف العثمانية كانت على حرف واحد قول لا يصح، والصواب وإن من أقوم ما قيل فيها أنها جُمِعَتْ على ما تواترت قراءته عن رسول الله ﷺ واستقرت عليه العرضة الأخيرة، وثبتت تلاوته ولم تنسخ. ٦ - أن العرضة الأخيرة نتج عنها نسخ بعض آي القرآن الكريم كما هو معلوم، والقراءات الشاذة "المنسوخة" شاهد عيان على نسخ تلك الآيات من الأحرف السبعة.

стр. 568

ولعل فيما مضى معتبر لأهل البحث والنظر، والحمد لله رب العالمين. المطلب الثالث: علاقة الأحرف السبعة بلغات العرب عند مناقشة أي بحث له تعلق بالأحرف السبعة لابد من الرجوع لمفهوم تلك الأحرف واستحضارها في الذهن حتى تتجلى تلك العلاقة بصورة جلية واضحة صحيحة، وقد مر معنا ذكر ذلك في ثنايا البحث والتأكيد عليه تكرارًا ومرارًا، وحديث الأحرف السبعة قد ثبتت صحته ونُقِلَ متواترًا بإجماع أهل العلم الثقات، وهو مروي عن نيِّف وعشرين صحابيًا، وقد تتبع بعض أهل العلم طرق هذا الحديث ورواياته، فمنهم من أفرد له مصنفًا مستقلًا كابن الجزري (١)، ومنهم من تتبع طرقه وروايات وضمنها بعض مصنفاته كالإمام ابن كثير في" فضائل القرآن "، ومنهم من تناولها بالشرح والإيضاح والبيان كالحافظ ابن حجر في " فتح الباري" .. والله أنزل القرآن بلسان عربي مبين كما قال ربنا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥). وقوله: "بلسان عربي مبين" أي: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك " أنزلناه "بلسانك العربي الفصيح الكامل الشامل، ليكون بينًا واضحًا ظاهرًا، قاطعَا للعذر، مقيمًا للحجة، دليلا إلى المحجة. (٢) فوصَفه جلّ ثناؤه بأبلغ مَا يوصَف بِهِ الكلام، وهو البيان. (٣) وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف: ٢) أي: إنَّا أنزَلْناه كِتابًا يُقرَأُ بلُغَتِكم- أيُّها العربُ- كي تعلَموا وتفهَموا مَعانيَه. (٤) وهذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ اللِّسانَ العربيَّ أفصَحُ الألسنةِ وأوسَعُها وأقوَمُها وأعدَلُها؛ لأنَّ مِن المقَرَّرِ أنَّ القولَ- وإن خُصَّ بخِطابِه قومٌ- يكونُ عامًّا لِمَن سِواهم. (٥) وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس; فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان

стр. 569

ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه. (١) وفي الآية: استِئنافٌ يُفيدُ تَعليلَ الإبانةِ مِن جِهَتَيْ لَفظِه ومَعناه؛ فإنَّ كونَه قُرآنًا يَدُلُّ على إبانةِ المعاني؛ لأنَّه ما جُعِل مَقروءًا إلَّا لِما في تَراكيبِه مِن المعاني المفيدةِ للقارئِ، وكونُه عَربيًّا يُفيدُ إبانةَ ألفاظِه المعانِيَ المقصودةَ للَّذين خُوطِبوا به ابتِداءً، وهم العرَبُ. (٢) من أبرز صور علاقة الأحرف السبعة بلغات العرب ما يلي: ١ - إنه لمَّا كان من أبرز أسباب نزول القرآن على سبعة أحرف التيسير والتهوين على هذه الأمة والتوسعة عليها في قراءة القرآن، وكان الإذن في هذه التوسعة قُبَيل نهاية العهد المدني كما دلت الأحاديث الصحيحة الثابتة الواردة بهذا الصدد على ذلك، وقد زامن ذلك كثرة دخول القبائل في الإسلام، طالب النَّبيُ ﷺ جبريلَ ﵇ بالاستزادة من تلك الأحرف تسهيلًا وتهوينًا على تلك القبائل الداخلة في دين الله، وعموم الأمة تبعًا لهم في لذلك، فقال عليه الصلاة والسلام لجبريلَ: "إني أرسلت إلى أمة أمية فيهم الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابًا قط" (٣). ٢ - إنه لمَّا كان إنزال القرآن الكريم بلغة العرب واحتواء الأحرف السبعة للهجاتهم مفخرة وإعزازًا لهم، كان كذلك حافظًا للهجاتهم من الاندثار. ٣ - احتواء الأحرف السبعة للغات العرب وتعدد لهجاتهم يُبْرِز تنوُّع للمعاني، ذلك لأن تعدد تلك اللهجات يترتب عليه تعدد معانيها مما يدفع ويحث على التأمل والتدبر في كلام الله تعالى، كما أنه يُثري البحث والنظر في تفسير تلك المعاني وما يترتب عليها من أحكام شرعية. ٤ - وإنما كان نزول القرآن بلسان العرب واحتواء الأحرف السبعة للهجاتهم ليتحقق لهم كمال بيان معاني آياته، ليفهموه، وليهتدوا بهداياته. ٥ - استيعاب الأحرف السبعة لكل لغات العرب مع اتساع لهجاتها دلالة من دلائل إعجاز القرآن. فـ" في اختلاف القراءات نهاية البلاغة، وكمال الإعجاز، وغاية الاختصار، وجمال الإيجاز؛ إذ كل

стр. 570

قراءة بمنزلة الآية؛ إذ كان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات، ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها لم يخف ما كان في ذلك من التطويل". (١) ٦ - كتبت الصحف العثمانية على لسان قريش الذي نزل به القرآن ابتداءً وظل المسلمون يقرأون القرآن على حرف قريش إلى أن حصلت الاستزادة المشهورة بالرخصة في القراءة على سبعة أحرف، وهذا في دلالة أن القراءة استمرت على هذا الحرف زمنًا، وهذا لا شك يشير ويدلل على أن لغات العرب تندرج تحت الأحرف السبعة بلا شك. المطلب الرابع: علاقة الأحرف السبعة برسم القرآن (٢) هذا المبحث له تعلق وثيق بلغات العرب، والمعنى المقصود والمراد هنا من هذا المبحث هو رسم القرآن وفق الأحرف السبعة، أما لهجات العرب فتعلقها باللفظ المنطوق لا بالخط المرسوم، ذلك لأن اللهجات لا تؤخذ من الخط المرسوم، وإنما تؤخذ من طريقة اللفظ المنطوق. الرسم في المفهوم اللغوي: الرسم بمعنى المرسوم في اللغة، وأصله: الأثر، والمقصود هنا: أثر الكتابة في اللفظ. ويرادفه الخط، وهو في اللغة: الطريقة المستطيلة في الشيء، وجمعه أخطاط وخطوط، ويرادفه كذلك الكتب بالقلم. (٣) مفهوم الرسم العثماني: ورسم المصحف يراد به الوضع الذي ارتضاه عثمان- ﵁ في كتابة كلمات القرآن وحروفه. والأصل في المكتوب أن يكون موافقًا تمام الموافقة للمنطوق من غير زيادة ولا نقص ولا تبديل ولا تغيير. لكن المصاحف العثمانية قد أهمل فيها هذا الأصل فوجدت بها حروف كثيرة جاء رسمها مخالفًا لأداء النطق وذلك لأغراض شريفة. (٤) سبب نسبة الرسم إلى عثمان: ونسبة هذا الرسم إلى عثمان ليست نسبةَ اختراع؛ وإنما نسب إليه لأنه هو الذي أذاعه في الآفاق وعمَّمه، بعد أن نقله من صحف أبي بكر الصديق ومما مع الصحابة، مع وفرة الشهود الذين

стр. 571

شهِدوا بأن ما معهم كُتِب بين يدي رسول الله ﷺ ؛ وكل ذلك لتكون كتابة المصحف على قاعدة كتابة النسخة الأولى النبوية إلى ما شاء الله. (١) من هنا يتبين لنا ما يلي: أولًا: أن كون رسم المصحف كتب موافقًا للأحرف السبعة، فالمراد به طريقة رسم الكلمات وطريقة النطق بما هو مكتوب لا بما هو مسموع. قال أبو العباس أحمد بن عمار التميمي المهدوي (ت: ٤٣٠ هـ) ﵀: أصح ما عليه الحُذاق أنَّ الذي يُقرأ الآن (٢) بعض الحُروف السَّبعة المأذون في قِراءتها لا كُلها، وضابِطُه ما وافق رَسمَ المُصحَف. (٣) وقول أبي العباس: (لا كُلها) لأن المعتمد في باقي الأحرف هو النقل الصوتي لأنه قاض على الرسم. ثانيًا: أن المسموع الصوتي لابد فيه من التلقي عن طرق المشافهة فحسب، والمسموع الصوتي إنما يؤخذ بالتلقي والرواية بالإسناد المروي والمأخوذ مشافهة من كابرٍ عن كابرٍ من بداية السند إلى منتهاه، حتى ينتهي بمن أنزل عليه القرآن ﷺ . ثالثًا: إنه لما كان مرسوم المصحف بحرف ولسان قريش يتعلق بالكلمات والألفاظ المكتوبة فحسب، فيستخلص من ذلك أنه يستحيل أن يحوي جميع أوجه الأحرف السبعة، لأن تلك الأوجه إنما تؤخذ بالمشافهة عن طريق التلقي بالرواية والإسناد عن أئمة الأداء ومشايخ الإقراء من أول السند إلى منتهاه برسول الله ﷺ كما أسلفنا. رابعًا: أن القرآن الكريم قد رسم في غالبه بلغة قريش، فمع هذا لا يمنع رسم طائفة من الحروف بلغة غيرها؛ لأن رسم المصحف قد احتوى على ما استقر من الحروف القرآنية في العرضة الأخيرة. (٤) وفي نحو ذلك يقول مكيّ بن أبي طالب القيسي القيرواني (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: فالمصحف كتب على حرف واحد، وخطه محتمل لأكثر من حرف. إذ لم يكن منقوطًا، ولا مضبوطًا. فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية. (٥)

стр. 572

فمقصود" القيسي" هنا بالحرف الواحد الذي كتب عليه المصحف هو حرف قريش، وأنه كتب محتملًا لباقي الأحرف السبعة. وفي نحو هذا يقول ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀: وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي على جبرائيل متضمنة لها لم تترك حرفًا منها، (قلت): وهذا القول هو الذي يظهر صوابه. (١) فالأولى أن يقال: جامعة للعرضة الأخيرة، ويلغى التقييد بِما يحتمله رسم المصاحف، إذ قد علمنا أن الصحابة ﵃ قد كتبوا مصاحف متعددة، وفاوتوا بينها ليحتمل البعض منها من أوجه القراءة ما لا يحتمله البعض الآخر. (٢) وقد مر بنا التنبيه على ذلك مرارًا في طيات البحث لأهميته. ولذا فإن مصاحف الأمصار تعددت لاختلاف بعض الكلمات في المرسوم ولا يمكن أن تقرأ على عدة أحرف برسم واحد، وقد سبق ضرب أمثلة ذلك مرارًا، مثل: "ووصى"، و"أوصى" ونحوها. خامسًا: ومما يدلل على بقاء ما ثبتت قراءته مما لم ينسخ من تلك الأحرف، بقاء أوجه القراءات المختلفة بالمصاحف العثمانية. ويترتب عليه: أن الله تعالى تكفّل بحفظ سائر الأحرف القرآنية التي أنزلها؛ لأن كل حرف منها بمنزلة الآية، فضياع شيء منها واندثاره يعني أن بعض أبعاض القرآن ضاعت، أو اندثرت. وهذا يتنافى مع مقتضى الحفظ الرباني للقرآن. (٣) قال البَغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀ في "شَرح السُّنَة": المُصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العَرضات على رسولِ الله ﷺ ؛ فأمر- عُثمان- ﵁ بِنَسخِه في المَصاحِف وجَمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك؛ قَطعًا لمادة الخِلاف فصار ما يُخالِفُ خَطَّ المُصحف في حُكم المَنسوخ والمَرفوع كسائِر ما نُسخ ورُفِع، فليس لأحدٍ أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارِج عَن رَّسم المُصحَف. (٤) والذي يظهر للباحث أن البغوي ﵀ في قوله:

стр. 573

(فليس لأحدٍ أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارِج عَن رَّسم المُصحَف) يقصد بـ" المصحف" عموم المصاحف العثمانية، والله أعلم. سادسًا: قد علمنا أن القراءة قاضية على الرسم لا العكس كما مر معنا، ومما يؤكد ذلك فعل عثمان ﵁ في بعث المصاحف إلى الأمصار، فإنه أرسل مع كل مصحف قارئًا يقرأ بالمصحف الذي بين يديه وغالبًا ما كانت قراءته توافق ما كتب به المصحف الذي معه. فقيل أنه أمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي (عبد الله بن حبيب) مع الكوفي، وعامر بن عبد القيس مع البصري. (١) سابعًا: لابد من التأكيد على أن الأداء اللفظي الصوتي هو الذي يُفَرَّقُ به بين اللهجات في طريقة النطق بها وطريقة الأداء لها، وأن المراد بـ "الأحرف" في أحاديث "الأحرف السبعة" هو الأداء الصوتي وما يتعلق بالأداء لا ما يتعلق بالمرسوم، مع كون النطق والأداء الصوتي لتلك الأحرف قاض على الرسم كما علمنا. والله أعلم. المطلب الخامس: تلخيص المراد بالأحرف السبعة ما ينبغي اعتقاده في الأحرف السبعة: إن هذه الأحرف نزل بها القرآن من عند الله تعالى كما دلت على ذلك أحاديث النبي ﷺ ، وهذه الأحرف ليس فيها تضادٌّ ولا تنافٍ للمعنى، ولا إحالة ولا فساد؛ قال أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀: وجملة ما نعتقده من هذا الباب وغيره: من إنزال القرآن، وكتابته، وجمعه وتأليفه، وقراءته، ووجوهه، ونذهب إليه ونختاره، أن القرآن مُنزَّل على سبعة أحرف كلها شافٍ كافٍ، وحقٌّ وصوابٌ، وأن الله تعالى قد خيَّر القُرَّاء في جميعها، وصوَّبهم إذا قرؤوا بشيء منها، وأن هذه الأحرف السبعة المختلف معانيها تارة، وألفاظها تارة مع اتِّفاق المعنى، ليس فيها تضادٌّ ولا تَنافٍ للمعنى، ولا إحالة ولا فساد، وأنَّا لا ندري حقيقة، أي هذه السبعة الأحرف كان آخر العرض أو آخر العرض كان ببعضها دون جميعها وأن جميع هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن النبي ﷺ وضبطتها الأمة على اختلافها عنه وتلقَّتْها منه، ولم يكن شيء منها مشكوكًا فيه، ولا مرتابًا به. (٢) والخلاصة أن:

стр. 574

١ - الأحرف السبعة غير القراءات السبع، فالقراءات القرآنية كلها "السبع، والعشر" جزء من الأحرف السبعة ٢ - حديث الأحرف السبعة مشتهر ومعلوم عند العام والخاص من المسلمين فقد ثبتت صحته ونُقِلَ متواترًا بإجماع أهل العلم الثقات وهو مروي عن نيِّف وعشرين صحابيًا. ٣ - من المسلمات اليقينية المشتهرة أن الله أنزل الأحرف السبعة رخصة للتسهيل والتهوين على الأمة لِيُقْرَأ بأي حرف منها، فلا يُلْزْم أحدٌ من الأمة استيعابها جميعًا، كما أنه لا يُلْزْم أحدٌ كذلك بحرف معين منها، فله أن يقتصر على حرف واحد منها، فأي حرف قُرِئ به فهو شاف كاف، فكل حرف منها قرآن منزل متعبد بتلاوته. ٤ - أن نزول القرآن على سبعة أحرف فيهـ " تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين؛ فقد كانت العرب قبائل متعددة، وكان بينها اختلاف وتباين في اللهجات واللغات وطريقة الأداء، فلو ألزمت الأمة بكيفية واحدة من كيفيات القراءة لشقّ ذلك على مجموع الأمة، وإن كان يخدم بعضها". (٢٠). ٥ - الأحرف السبعة نزل بها كلها جبريلُ ﵇ جميعًا وأقرأ بها رسولَ الله ﷺ حرفًا حرفًا، وسمعها منه رسول الله ﷺ طرفًا طرفًا وأقرأ بها أصحابه كما أقرأه بها جبريلُ ﵇، وليس للناس فيها أي اختيار أبدًا لأن كل حرف منها قرأن منزل ليس لرسول الله ﷺ فيه إلا البلاغ عن رب العالمين. ٦ - كل ما ثبتت قراءته ولم ينسخ في العرضة الأخيرة من أوجه الاختلاف في القراءات القرآنية الواردة في الأحرف السبعة فهو باق في المصاحف العثمانية الموجودة بين أيدي الناس إلى زماننا الحاضر. ٧ - من أنكر حرفًا من الأحرف السبعة فقد أنكر القرآن المنزل ٨ - لم يأت في معنى هذه السبع نص ولا أثر، واختلف الناس في تعينيها. (١). ٩ - الخلاف في المراد والمقصود من الأحرف السبعة واسع جدًا ولا يمكن لأحد الجزم بالقول بواحد من هذه الأقوال، وإن أقصى ما يُقال في ذلك أقرب الأقوال وأرجاها أن يكون القول الراجح فحسب.

стр. 575

١٠ - إن أصح الأقوال وأولاها بالصواب في" الأحرف السبعة"، وهو الذي عليه أكثر العلماء، وصححه البيهقي، واختاره الأبهري وغيره، واختاره في القاموس. (١)، أن المراد بالأحرف "أوجه من اللغات". وذلك لأن الحرف يطلق لغة على الوجه، ومنه قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) (الحج: ١١). المطلب السادس: موقف الرافضة من الأحرف السبعة قد مر معنا بيان موقف علماء الرافضة من القرآن عمومًا ومن المصاحف العثمانية خصوصًا (٢)، كما أنه قد مر معنا بيان أدلة تحريفهم القرآن من خلال أهم مصادرهم، وقد عرجنا على بعض ما صنفه أكابر مجرميهم في ادعائهم بـ"إثبات تحريف القرآن" بهتانًا وزورًا- كذلك-. وها نحن نصل لنهاية هذا السفر المبارك لنختم به كشف عوار القوم المجرمين الذين كذَّبوا الله ورسوله ﷺ ، وقالوا بتحريف كلامه المنزل سبحانه. والقول بتحريف القرآن يُعد من أبرز عقائد الرافضة التي ذاعت وانتشرت عنهم وامتلأت بها مصادرهم الأصلية المعتمدة عندهم مما أملاه أئمة الضلال وسادة الزور والبهتان قديمًا وحديثًا، كما إن مقالتهم بتحريف القرآن قد ذاعت وشاعت فيما أملاه أذنابهم من المعاصرين كذلك، ليعلنوا وليبرهنوا وليثبتوا بذلك أنهم شر خلف لشر سلف. أبرز أقوال الرافضة وعقائدهم في الأحرف السبعة: قبل الخوض في هذا المبحث الخاتم ولتصوره تصورًا كاملًا لابد أولًا من استحضار ما يلي ذهنيًا: ١ - عقيدة الرافضة في القرآن عمومًا ٢ - عقيدتهم وأقوال أئمتهم في المصاحف العثمانية التي أجمع عليها الصحابة ﵃ وتلقتها الأمة بالقبول قاطبة ٣ - أباطيلهم في القول بإثبات تحريف القرآن وطعنهم فيه ٤ - ادعائهم بهتانًا وزورًا بأن عندهم مصحف فاطمة، وأنه ثلاثة أضعاف المصحف الذي بين أيدينا، وأن ليس فيه حرف واحد مما بين أيدينا ٥ - إذا كانت تلك عقائدهم في القرآن، فإن عقائدهم في الأحرف السبعة لا يُعد أمرًا مستغربًا ولا مستبعدًا من القوم المجرمين.

стр. 576

ولابد هنا من وقفات هامة، نذكرها إجمالًا على النحو التالي: الوقفة الأولى: بيان حكم من أنكر حديثًا صحيحًا ثابتًا متواترًا الوقفة الثانية: ثبوت حديث الأحرف السبعة ونقله بالتواتر الوقفة الثالثة: بيان ذيوع حديث الأحرف السبعة واستفاضة شهرته عند الصحابة الوقفة الرابعة: بيان أن الأحرف السبعة وحيٌ وقرآنٌ منزل من عند الله تعالى الوقفة الخامسة والأخيرة: أبرز أقوال الرافضة وعقائدهم في الأحرف السبعة ثم نذكرها تفصيلًا على النحو التالي: الوقفة الأولى: بيان حكم من أنكر حديثًا صحيحًا ثابتًا متواترًا لابد هنا من بيان مكانة السنة من الشرع وذكر دلالة حجيَّتها من الكتاب والسنة، ودلالة العقل السليم السوي، وبيان عَلاقتها بالقرآن الكريم، ثم لابد من نقل إجماع أهل العلم على حجيَّة السنَّة كذلك، ثم بيان حكم من كذب بحديث رسول الله ﷺ قبل الشروع في الكلام عن موقف الرافضة من الأحرف السبعة، وذلك كله لبلوغ الحجة ووضوح المحجة. أولًا: بيان حجيَّة السنَّة النبوية وأنها المصدر الثاني من مصادر التشريع، وأنها وحيٌ كالقرآن إذا كان القرآن الكريم هو المصدر الأوَّل والرَّئيس للتَّشريع، فإن السنة تُعد المصدر الثاني من مصادر التشريع، وقد بين الله سبحانه مكانة السنة في محكم آيات التنزيل؛ لتكون نبراسًا يستضيء به أهل الإيمان، ولتكون حجة على أهل الكفر والجحود والنكران. أ- دلالة حجيَّة السنَّة النبوية من القرآن الكريم لقد علم أهل الإيمان أن مهمة الرسول ﷺ هي البلاغ عن الله تعالى، فكل ما يبلغه فهو وحي من الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣ - ٤) وهذه الآية عامَّة لكل ما يَنطق به الرسول ﷺ ، ولذا فقد استدل بها أهل العلم على حجيَّة السنَّة؛ وأنها وحي كالقرآن. وبما أن هذه الآية عامة، فهي تشمل كل ما ينطق به النبي ﷺ من وحيي التنزيل "كتابًا وسنة"، فالأصل في العموم أن يبقى على عمومه، ولا يُخصَّصَ إلا بدليل مخصص له.

стр. 577

قال الغزالي: (ت: ٥٠٥ هـ) ﵀: وقول رسول الله ﷺ حجَّة؛ لدلالة المعجزة على صدقه، ولأمر الله تعالى إيَّانا باتباعه، ولأنه لا يَنطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يُوحى، لكنَّ بعض الوحي يُتلى فيُسمَّى كتابًا، وبعضه لا يُتلى، وهو السنَّة. (١) قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: وفيها أيضًا دلالة على أن السنَّة كالوحي المنزَّل في العمل. (٢) وفي نحو ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: إن ما أخبر به الرسول ﷺ عن ربه، فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق. فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وإن لم يفهم معناه. (٣) ولقد أوجب الله تعالى على جميع العباد التسليم التام والانقياد لكل ما جاء به رسول الله ﷺ دون حصول أدنى تردد أو جود أي حرج في النفس كما قال ربنا ﵎: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: ٦٥). ولقد بين الله ﵎ في هذه الآية أن طاعة رسوله ﷺ من أسس ولوازم الإيمان، وأن مخالفته من علامات الشقاق النفاق، وقد جعلها سبحانه كذلك أصل أصيل في وجوب التحاكم إلى رسول ﷺ حال حياته، وإلى شريعته التي جاء بها من عند الله بعده مماته، مع وجوب الرضى بحكمه، وعدم التسخط أو التذمر منه أو الإنكار له، المصحوب بكمال الانقياد والتسليم لما قضى، ذلك لأنه يحكم ويشرع ويقضي بما أمره الله به، فهو مبلغ لرسالات الله، عن الله، لعباد الله.

стр. 578

ومن أبرز ما ورد في المناظرة المشهورة التي ناظر فيها عبدُ العزيز الكناني (ت ٢٤٠ هـ) بِشرَ المريسي (ت ٢١٨ هـ)، ما يلي: قال بشر المريسي: فإنما أمر الله أن يُردَّ إليه، وإلى الرسول، ولم يأمرنا أن نردَّه إلى كتابه العزيز، وإلى سنة نبيه ﵇. فأجابه عبدالعزيز الكناني قائلًا: هذا ما لا خلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم، إن رددناه إلى الله فهو إلى كتاب الله، وإن رددناه إلى رسوله بعد وفاته رددناه إلى سُنَّته، وإنما يشكُّ في هذا الملحدون، وقد رُوي هذا بهذا اللفظ عن ابن عباس، وعن جماعة من الأئمة. (١) وفي الآية أيضًا دلالة على حجيَّة السنَّة، ووجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى أقسم بنفسه الشريفة على نفي الإيمان عن العباد حتى يُحكِّموا رسوله ﷺ في كلِّ نزاعٍ بينهم، وينتفي عن صدورهم الحرجُ والضِّيقُ عن قضائه وحُكمه، ويُسلِّموا تسليمًا". (٢) وفي ذلك يقول ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة، أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حَكَمَ به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا؛ ولهذا قال: (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: من آية: ٦٥). أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. (٣) ولنا أن تأمل كذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩)

стр. 579

وفي هذه الآية دلالة على حجيَّة السنَّة - كذلك، ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أن سائر ما قُرِنَ فيه طاعة الرسول بطاعة الله فهو دال على أنَّ طاعةَ الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه، وطاعةَ الرسول ما أمر به ونهى عنه ممَّا جاء به ممَّا ليس في القرآن، إذْ لو كان في القرآن لكان من طاعةِ الله، والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سُنَّته بعد موته. (١) ووجه آخر للدلالة من الآية الكريمة على حجية السنة: أن الله تعالى أمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وأعاد الفِعْلَ إعلامًا بأنَّ طاعة الرسول ﷺ تجب استقلالاً من غير عَرْضِ ما أمر به على القرآن، فتجب طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في القرآن أم لم يكن فيه. (٢) ب- دلالة حجيَّة السنَّة النبوية من السنة المطهرة نفسها لقد ورد في السنة المطهر الكثير من الأحاديث الدالة على حُجِّية السنة النبوية: ومن ذلك ما ورد من ترهيب النبي ﷺ وإعلان براءته لمن ترك سنته ورغب عنها، فقد ثبت عند مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁، قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رغب عن سُنَّتي، فليس منِّي". (٣) ولما كانت الأحاديث في هذا الباب أكثر من أن يحصيها مقال، فاكتفى الباحث بهذا الحديث لكونه من أجمع الأحاديث الدالة على حُجِّية السنة. ثمَّ المحفوظ من أقضية الصحابة وتعامُلاتهم شاهدٌ على اعتمادهم سنةَ النبيِّ وهدْيَه، وبعدهم التابعون ومَنْ بعدهم، ومَن يطالع الكتب المسندة التي جمعت أخبارهم، يجد ذلك صريحًا؛ كالجوامع والمصنَّفات، وغيرها من الكتب. ومن العقل: لا يمكن الاستقلال بمعرفة الدين الإسلاميِّ عن طريق القرآن الكريم فقط، فمن أراد الإسلام وشرائعه: من أين يأخذ أعداد الصلوات وكيفيتها، أو الحج والصيام والزكاة، وغيرها من شرائع الإسلام؟! فعَلاقة السُّنة النبوية بالقرآن الكريم تأتي في عدة صور، على النحو التالي: ١ - تأتي السنة النبوية مؤكِّدةً لبعض الأحكام: كالأمر بالصلاة والزكاة.

стр. 580

٢ - وقد تأتي مُفسِّرة للقرآن: كما في هيئات الصلاة، ومقادير الزكاة، وغيرهما. ٣ - كذلك تأتي مُخصِّصة لعموم القرآن: كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (المائدة: ٣)؛ فجاء الحديث وخصَّص الكَبِد، والطِّحال، والسمك، والجراد. ٤ - وقد تكون مُقيِّدة لحكم مُطلق: كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: ٣٨)، فهل نقطع كلتا اليدين؟ وهل هو من الكتفين؟ فجاءت السُّنة النبوية فقيَّدت مكان القطع. ٥ - وأخيرًا تأتي مستقلَّة بإضافة حكم جديد: فقد تُضيف السنة النبوية بعضَ الأحكام التي لم تُذْكَر في القرآن الكريم؛ كما في رجم الزاني المحصن، أو ميراث الجدَّة، أو تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، أو تحريم الرضاع بالنسب وأصنافه، وغيرها من الأحكام. (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: فهذه النصوص توجب اتباع الرسول وإن لم نجد ما قاله منصوصًا بعينه في الكتاب، كما أنَّ تلك الآيات توجب اتباع الكتاب وإن لم نجد ما في الكتاب منصوصًا بعينه في حديث عن الرسول غير الكتاب، فعلينا أن نتَّبع الكتاب وعلينا أن نتَّبع الرسول، واتباع أحدهما هو اتباع الآخر؛ فإنَّ الرسول بلَّغ الكتاب، والكتاب أمر بطاعة الرسول، ولا يختلف الكتاب والرسول البتة، كما لا يخالف الكتاب بعضه بعضًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢). (٢) ثانيًا: إجماع أهل العلم على حجيَّة السنَّة أجمعت أمة الإسلام قاطبة؛ من الصحابة ﵃ والتابعين والأئمة المجتهدين، وسائر علماء المسلمين - على حجية السُّنة ووجوبِ العمل بها، والتحاكم إليها، والسَّير على هديها في كل جوانب حياة المسلمين؛ بل لم نجد إمامًا من الأئمة المجتهدين يُنكر الاحتجاج بها، والعمل بمقتضاها إلاَّ نفرًا ممَّنْ لا يُعتدُّ بخروجهم على إجماع المسلمين من الخوارج، والروافض، ومَنْ نحا نحوهم وشذَّ شذوذهم من دعاة الإلحاد في عصرنا. (٣)

стр. 581

كان الصحابة رضوان الله عليهم في حياته ﷺ يتبعون كل ما صدر منه في الأحكام الشرعية، لا يختلف في ذلك واحد منهم، فيقبلون بتسليم عام بأقواله، واتباع كامل لأفعاله. (١) وقد نُقل الإجماع على حجية السنة جمع غفير من العلماء، منهم: ١ - الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز (١٠١ هـ) (٢) ٢ - الإمام محمد بن إدريس الشافعي (٢٠٤ هـ) (٣) ٣ - أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم- الأندلسي (ت: ٤٥٦ هـ) (٤) ٤ - الإمام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ) (٥) ٥ - شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) (٦) ٦ - الإمام ابن قيّم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ) ٧ - خليل بن كيكلدي العلائي (٧) ٨ - الإمام محمد بن على الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ٩ - العلامة جمال الدين القاسمي (ت: ١٢٨٣ هـ) (٨)

стр. 582

١٠ - العلامة الأصولي عبد الوهاب خلاف (ت: ١٣٧٥ هـ) (١) ١١ - حافظ بن أحمد الحكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) (٢) ١٢ - عبد الرحمن بن يحيى بن علي المعلمي اليماني (ت: ١٣٨٦ هـ). ونصطفي من أبرز ما قيل في ذلك فيما يلي: ١ - قال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز (ت: ١٠١ هـ) ﵀: إن رأس القضاء اتِّباعُ ما في كتاب الله، ثم القضاء بسنة رسول الله ﷺ . (٣) ٢ - قال الإمام الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀: ولا أعلم من الصَّحابة ولا التَّابعين أحدًا أخبر عَن رسول الله ﷺ إِلَّا قبل خَبره وانتهى إِليه، وأثبت ذلك سنة … وصنع ذلك الذين بعد التابعين، والذين لقيناهم، كلُّهم يُثبت الأخبار، ويجعلها سُنةً، يُحمد من تبعها، ويُعاب من خالفها، فمن فارَقَ هذا المذهب، كان عندنا مفارقَ سبيلِ أصحابِ رسول الله ﷺ ، وأهلِ العلم بعدهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة (٤) ٣ - قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم- الأندلسي (ت: ٣٨٤ هـ) ﵀: والبرهان على أنَّ المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآنِ، والخَبَرِ عن رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ الأُمَّة مُجمِعة: على أنَّ هذا الخطاب (٥) متوجِّه إلينا، وإلى كلِّ مَنْ يُخلق ويُركَّب روحُه في جسده إلى يوم القيامة من الجِنة والناس، كتوجُّهِه إلى مَنْ كان على عهد رسول الله ﷺ ، وكلِّ مَنْ أتى بعده ﵇ وقبلنا، ولا فرق. (٦) ٤ - وقال الإمام أبو عمر بن عبد البر (ت: ٤٦٣ هـ) ﵀: وأجمع أهلُ العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت - على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميعُ الفقهاء في

стр. 583

كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تُعدُّ خلافًا. (١) ٥ - قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية - (ت: ٧٢٥ هـ) - ﵀: وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عامًّا يتعمَّد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سُنَّتِه دقيق ولا جليل، فإنَّهم مُتَّفقون اتِّفاقًا يقينيًّا: على وجوب اتِّباع الرسول، وعلى أنَّ كلَّ أحدٍ من الناس يؤخذ من قوله ويُترك إلاَّ رسول الله ﷺ . (٢) ٦ - قال الإمام ابن قيّم الجوزية (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدِّينِ كُلِّهِ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكُلُّ وَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ ذِكْرٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (النساء: ١١٣) فَالْكِتَابُ: الْقُرْآنُ، وَالْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ) (٣)، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُوتِيَ السُّنَّةَ كَمَا أُوتِيَ الْكِتَابَ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ ضَمِنَ حِفْظَ مَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ؛ لِيُقِيمَ بِهِ حُجَّتَهُ عَلَى الْعِبَادِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ. (٤) ٧ - قال العلامة جمال الدين القاسمي (ت: ١٢٨٣ هـ) ﵀: انتهى العلماء المحققون إلى أن الحديث الصحيح حجة على جميع الأمة، وأيدوا رأيهم هذا بالآيات القرآنية التي تفرض على المؤمنين اتباع الرسول ﵇، والتسليم لحكمه، ورأوا مَنْ يحكي خلاف هذا المذهب غيرَ خليقٍ بالانتساب إلى العلم وأهله، وإن نسب نفسه أو نَسَبَتْه العامة إلى سعة المعرفة والتفقه في الدين. (٥) ٨ - قال الإمام محمد بن على الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀: والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لاحظ له في دين الاسلام. (٦)

стр. 584

٩ - قال العلامة الأصولي عبد الوهاب خلاف (١) ﵀: أجمع المسلمون على أن ما صدر عن رسول الله من قول أو فعل أو تقرير، وكان مقصودًا به التشريع والاقتداء، ونقل إلينا بسند صحيح يفيد القطع أن الظن الراجح بصدقه يكون حجة على المسلمين (٢) ١٠ - وقال حافظ بن أحمد الحكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: الإجماع العملي من عهد الرسول إلى يومنا هذا على اعتبار السنة دليلًا تستمد منه الأحكام، فإن المسلمين في جميع العصور استدلوا على الأحكام الشرعية بما صح من أحاديث الرسول ﷺ ، ولم يختلفوا في وجوب العمل بما ورد في السنة. (٣) ثالثًا: حكم من كذب بحديث رسول الله ﷺ - هذا وقد أجمع العلماء على كفر من كذَّبَ حديث النبي ﷺ ورده، وكذلك كفر كل من أنكر حجية السنة، وذلك لإنكاره معلومًا من الدين بالضرورة، ولأن معتقد ذلك لم يحقق أدنى درجات الإسلام والاستسلام لله والانقياد لأمره وأمر رسوله ﷺ ، ولا يُحْكَمُ بكفر إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وبلوغ الحجة ووضوح المحجة. فـ" الذي ينكر العمل بالسنة يكون كافرًا؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين ". (٤) ١ - قال الإمام إسحاق بن راهويه (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: مَنْ بلغه عن رسول الله ﷺ خبر يقر بصحته، ثم ردَّه بغير تقية، فهو كافر. (٥) ويقول الإمام البربهاري (ت: ٣٢٩ هـ) في "شرح السنة": وإذا سمعت الرجل يطعن على الأثر، أو يرد الآثار، أو يريد غير الآثار: فاتّهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع. وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقمْ من عنده وودّعه. (٦)

стр. 585

٢ - ويؤكد ذلك العلامة ابن الوزير (ت: ٨٢٢ هـ) ﵀ بقوله: التكذيب لحديث رسول الله ﷺ مع العلم أنه حديثه كفر صريح. (١) ٣ - قال السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀: اعلموا رحمكم الله أنَّ مَن أنكر كون حديث النبي ﷺ قولًا كان أو فعلًا بشرطه المعروف في الأصول -حجة- كفر-، وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو من شاء من فرق الكفرة. (٢) وإنما حَكَمَ العلماءُ بكفر مكذب الحديث الشريف ومنكر السنة المطهرة، لأن الإيمان بالسنة والتصديق بها يُعَدُ أصلًا أصيلًا من أصول الشرع ومصدر رئيس من مصادره الأصلية بعد القرآن، واعتقاد ذلك والإيمان به أمر عقدي لأنه مقترن بالإيمان برسالة خاتم الرسل ﷺ وبما جاء به من عند الله ﵎. ولقد أوجب الله تعالى طاعة رسوله ﷺ في مواضع شتى من كتابه، وجعلها مقترنة بطاعته سبحانه وملازمة لها في آيات كثيرة، وتوعد سبحانه تارك طاعته ﷺ بنار جهنم كما مر معنا في طيات البحث. الوقفة الثانية: ثبوت حديث الأحرف السبعة ونقله بالتواتر بعد ما تبين لنا مكانة السنة من الدين، ونقل إجماع العلماء على حجيتها، وحكم منكرها، فها نحن ها هنا نعرج على ثبوت حديث الأحرف السبعة ونقله بالتواتر. لقد مر معنا ذكر تواتر حديث الأحرف السبعة، وأن صحته قد ثبتت وبلغت أعلى درجات الصحة والثبوت، وأنه قد نُقِلَ متواترًا بإجماع أهل العلم الثقات، وبلوغه حد التواتر يفيد العلم اليقيني المقطوع بثبوته وصحته، وهو مروي عن نيِّف وعشرين صحابيًا، وقد نقله العدول الثقات الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة من أول السند إلى منتهاه، وقد رواه عنهم إماما المحدثين البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة بإجماع جماهير أهل السنة من السلف والخلف قاطبة. وأحاديث الأحرف السبعة قد روى البخاري بعضها في صحيحه وبوب لها بابًا خاصًا أسماه "باب أنزل القرآن على سبعة أحرف"، كما قد بوب النووي ﵀ كذلك في شرحه لصحيح مسلم بابًا أسماه "باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه"، كما أن روايات أحاديث الأحرف السبعة قد رويت في غير الصحيحين من دواوين السنة بسند صحيح كذلك، فقد رواها أصحاب السنن والمسانيد وبوبوا لها أبوابًا كما بُوِبَ لها في الصحيحين. الوقفة الثالثة: بيان ذيوع حديث الأحرف السبعة واستفاضة شهرته عند الصحابة ﵃ -:

стр. 586

من أعظم ما يدل على شهرة حديث الأحرف السبعة عند الصحابة ﵃، عناية كتب السنة بإخراجه والتبويب له بباب خاص. وقد روى عن نيِّف وعشرين صحابيًا كما أسلفنا، وهذا وحده كاف في إثبات ذيوع حديث الأحرف السبعة واستفاضة شهرته عند الصحابة ﵃. فإن اُحْتُّجَ على هذا الاشتهار بقصة عمر وهشام بن حكيم في اختلاف قراءتيهما في سورة الفرقان، وأن هشامًا من مسلمة الفتح، وأن ذلك كان قُبيل انتقال النبي ﷺ للرفيق الأعلى بعامين، وكذلك ما وقع لأبي بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل. أجيب عنه بأمور منها: ١ - أن قصة عمر مع هشام، وما وقع لأبي بن كعب مع ابن مسعود، كانتا بداية شيوع وانتشار خبر حديث الأحرف السبعة وشيوعه عند الصحابة ﵃ أجمعين. ٢ - أن كون الرخصة في القراءة بالأحرف السبعة وإن كان في أواخر العهد المدني، فإن هذا لا يمنع من ذيوعه وانتشاره بعد ذلك لدواعي توافر وجود الصحابة ﵃ وانتشارهم في الأمصار للدعوة والجهاد في سبيل الله بعد عهد النبوة المبارك. ٣ - ومما يجاب به عن ذلك أيضًا: موقف حذيفة بن اليمان ﵁، لما رأى اختلاف القراء الذين لم يشهدوا عهد التنزيل وقت الفتوحات الإسلامية في غزوة أرمنية وأذربيجان، ولم يعلموا بنزول القرآن على سبعة أحرف، فأنكر عليهم ورفع أمرهم لإمام المسلمين وثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان ﵁. ٤ - ومن أعظم ما يجاب به كذلك ما ثبت عند أبي يعلى بسند صحيح عن أبي المنهال قال: بلغنا أن عثمان ﵁ قال يومًا وهو على المنبر: أذكر الله رجلًا سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف" (١)، فقال عثمان ﵁: وأنا أشهد معهم. (٢) ولا يشك مؤمنٌ بالله تعالى أبدًا في أن الروافض أهل وزر وبهتان، وأثر أبي المنهال من الشواهد الحسان والسهام التي يرمى بها أهل النفاق والشقاق وسوء الديانة والأخلاق ممن ليس لهم في الآخرة من خلاق.

стр. 587

الوقفة الرابعة: بيان أن الأحرف السبعة وحيٌ وقرآنٌ منزل من عند الله تعالى لقد مر معنا ذكر ذلك وبيانه كثيرًا في ثنايا البحث في غير ما موضع، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: (أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. (١). فدل هذا الحديث كما دل ما في معناه من الأحاديث الواردة في هذا الشأن على ما يلي: أولًا: أن الأحرف السبعة كلها من القرآن الذي أوحاه الله ﵎ إلى النبي ﷺ بواسطة الأمين جبريل ﵇، فكان جبريل ﵇ يقرأ، ورسول الله ﷺ يصغي ويستمع حتى ينتهي جبريل، فيعيد قراءة ما سمعه منه قبل أن ينصرف عنه فيحفظه، وتلك الطريقة هي المتبعة في كل ما تلقَّاه من الوحي ويؤيد هذا قوله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)) (القيامة: ١٦ - ١٩)، ولا شك في أن هذا عام في كل ما تلقَّاه رسول الله صلى الله ﷺ عن جبريل ﵇. ثانيًا: أن من قرأ بحرف من الأحرف السبعة، فإنما يقرأ قرأنًا منزلًا ويتلو وحيًا من عند الله تعالى، وقد أصاب بذلك الصواب أيَّاً كان ذلك الحرف المقروء به، كما دل على ذلك قول النبي ﷺ لكل من عمر وهشام لما قرأ كل منهما بحرف مخالف للآخر من سورة الفرقان: "هَكَذا أُنْزِلَت. ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ القرآنَ أُنزِلَ علَى سَبعةِ أحرُفٍ". (٢).، وكما دل عليه كذلك قول جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ : " إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرْآنَ علَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فأيُّما حَرْفٍ قَرَؤُوا عليه فقَدْ أَصَابُوا. " (٣). فهذا الحديث يدل كذلك على أن أيّ حَرفٍ قَرَؤوا عليه، فَقدْ أصابوا الحق، ووافَقُوا الصَّوابَ. وفي نحو ذلك يقول أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀: جميع هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن رسول الله ﷺ وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وتلقيها منه. (٤) ثالثًا: أنه لا فرق بين هذه الأحرف في الفضل والقدر والمنزلة، لأنه لم يخرج بأي حرف قرئ به منها عن كونه من الوحي المنزل بلسان عربي مبين.

стр. 588

رابعًا: أن الأحرف السبعة كلها على اختلاف نطقها وصفة قراءتها هي كلام الله، ولا دخل لمخلوق فيها البتة، فكلها وحيٌ من عنده الله، قد تلقَّاها رسول الله ﷺ كلَّها عن جبريل ﵇، ولمَّا كانت تلك الأحرف من القرآن المنزل فهي محفوظة من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان كما قال ربنا سبحانه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩). وفي نحو ذلك يقول ابن قتيبة الدِّيْنَوَرِي (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀: وكل هذه الحروف كلام الله تعالى، نزل به الروح الأمين على رسوله ﵇، وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن، فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسر على عباده ما يشاء، فكان من تيسيره أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم. (١) وفي نحو ذلك يقول ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٦ هـ) ﵀ أيضًا -: فأباح الله تعالى لنبيه هذه الحروف السبعة وعارضه بها جبريل في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز وجودة الرصف، ولم تقع الإباحة في قوله ﷺ (فاقرؤوا ما تيسر منه) (٢) بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه. ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن، وكان معرضًا أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله، وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي ﷺ ليوسع بها على أمته، فقرأه مرة لأُبيّ بما عارضه به جبريل صلوات الله عليهما ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضًا. وعلى هذا تجيء قراءة عمر بن الخطاب لسورة الفرقان وقراءة هشام بن حكيم لها، وإلا فكيف يستقيم أن يقول النبي ﷺ في قراءة كل منهما وقد اختلفتا: (هكذا أنزلت) (٣)، هل ذلك إلا لأنه أقرأه بهذه مرة وبهذه مرة. (٤) وقول ابن عطية: (ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن) حجة قوية الدلالة على كل مخالف.

стр. 589

وفي نحو ذلك أيضًا يقول البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: ولا يكون هذا الاختلاف داخلاً تحت قوله : (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرًا) (النساء: ٨٢)، إذ ليس معنى هذه الحروف أن يقرأ كل فريق بما شاء مما يوافق لغته من غير توقيف، بل كل هذه الحروف منصوصة، وكلها كلام الله ، نزل بها الروح الأمين على النبي ﷺ ، يدل عليه قوله ﵇: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف)، فجعل الأحرف كلها منزلة. (١) فقول البغوي: (إذ ليس معنى هذه الحروف أن يقرأ كل فريق بما شاء مما يوافق لغته من غير توقيف، بل كل هذه الحروف منصوصة). هو ردٌ رصين: يرد فيه هنا على من زعم أن الأحرف السبعة رخصة تقرأ بها كل قبيلة بلهجتها الخاصة من قِبَلِ نفسها، مدعين أن أمر الأحرف السبعة لو كان مقصورًا على المسموع من النبي ﷺ فحسب، حتى لو كان ذلك في صفة الأداء، إذًا لانتفت الحكمة التي من أجلها كانت الاستزادة من تلك الأحرف، والتي كانت من أبرزها الرفق بالضعفاء الذين ذكرهم النبي ﷺ لجبريل بقوله: "إني أرسلت إلى أمة أمية فيهم الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابًا قط" (٢). فيؤخذ من فحوى كلامهم أنه يباح لكل قبيلة أن تقرأ بالمرادف ولو لم يكن له مسموعًا، أي دون أن يكون الأمر بالرواية والسماع بلفظ متلقى من النبي ﷺ . الوقفة الخامسة والأخيرة: أبرز أقوال الرافضة وعقائدهم في الأحرف السبعة كانت الوقفات السابقة بمثابة مقدمة بين يدي هذه الوقفة الخامسة والخاتمة والأخيرة، فلسنا هنا في حاجة لتقدمة أخرى وللننتقل لأبرز أقوال الرافضة وعقائدهم في الأحرف السبعة مباشرة. أقوال الرافضة وعقائدهم في الأحرف السبعة: أولًا: روايات أحاديث "الأحرف السبعة من طرق أهل البيت عند "الرافضة " لقد مر معنا ذكر تواتر حديث الأحرف السبعة، وأن صحته قد ثبتت وبلغت أعلى درجات الصحة والثبوت، وأنه قد نُقِلَ متواترًا بإجماع أهل العلم الثقات، وبلوغه حد التواتر يفيد العلم اليقيني المقطوع بثبوته وصحته، كما بينا أنه مروي عن نيِّف وعشرين صحابيًا، وقد رواه عنهم إماما المحدثين البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة بإجماع جماهير أهل

стр. 590

السنة من السلف والخلف قاطبة، كما أنه قد رواه أصحاب السنن والمسانيد بأسانيد صحيحة كذلك. ونعرج ها هنا على أبرز روايات أحاديث الأحرف السبعة عند الرافضة ورواياته عندهم على النحو التالي: الرواية الأولى: رواية القمّي حيث رواها في: "الخصال " عن حمّاد بن عثمان قال: قلتُ لأبي عبد الله: إن الأحاديث تختلف عنكم! قال: فقال: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه. (١) نقضهم للرواية الأولى: تعاني هذه الرواية من ضعف السند؛ إذ في سندها محمد بن يحيى الصيرفي، وهو مجهولٌ، ولم يَرِدْ فيه توثيقٌ، ولا مدحٌ أو ذمّ. (٢) مع اشتماله من حيث الدلالة على شيء من الإجمال؛ إذ لم يعلم ما إذا كان المراد من "الأحرف السبعة" في هذه الرواية هو الوجوه اللفظية، أو القراءات المختلفة. وقد قال الشيخ معرفت (٣) في بيان مفاد هذه الرواية: إن العلماء فسَّروا "الأحرف" في هذا الحديث بمعنى البطون. (٤) الرواية الثانية: رواية القمّي حيث رواها في: "الخصال" -أيضًا - عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن آبائه، قال: قال رسول الله: أتاني آتٍ من الله فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلتُ: يا ربِّ، وسِّعْ على أمتي؛ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفٍ واحد، فقلتُ: يا ربِّ، وسِّعْ على أمتي؛ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفٍ واحد، فقلتُ: يا ربِّ، وسِّعْ على أمتي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف. (٥) نقضهم للرواية الثانية:

стр. 591

وفي سند هذا الحديث أحمد بن هلال. وقد ورد فيه الذمّ كثيرًا من قبل الإمام العسكري. وجاء في فهرست الشيخ الطوسي أنه كان غاليًا، ومتَّهمًا في دينه. (١) وقال الأستاذ معرفت (٢) حول مفاد هذا الحديث: إن الأحرف في هذا الحديث تعني مختلف لهجات العرب، كما ورد ذلك في أحاديث أهل السنَّة أيضًا. (٣) الرواية الثالثة: رواية الصفّار، حيث رواها في: "بصائر الدرجات " عن زرارة، عن أبي جعفر، قال: تفسير القرآن على سبعة أحرف؛ منه ما كان؛ ومنه ما لم يكُنْ بعد، ذلك تعرفه الأئمّة. (٤) نقضهم للرواية الثالثة: إن لهذا الحديث ظهورًا في بطون القرآن والوجوه المعنوية، دون اللفظية؛ ولذلك لا صلة له بمسألة القراءات، وخاصّة أنه قد ورد في بعض الروايات "سبعة أوجه"، بدلاً من "سبعة أحرف". (٥) ومضافًا إلى ذلك في سنده تردُّد بين ابن أبي عمير وغيره. (٦) ثانيًا: أقوال علماء الطائفة (٧) حول الأحرف السبعة -عليهم من الله ما يستحقوا - القول الأول: قول شيخ الطائفة الطوسي: (٨) حيث قال في "التبيان ":

стр. 592

" واعلموا أن العرف من مذهب أصحابنا والشائع من أخبارهم ورواياتهم: أن القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد. (١) القول الثاني: قول أمين الإسلام الشيخ الطبرسي (٢) حيث قال في "مجمع البيان ": الظاهر من مذهب الإمامية أنهم أجمعوا على القراءة المتداولة وكرهوا تجريد قراءة مفردة والشائع في أخبارهم أن القرآن نزل بحرف واحد. (٣) القول الثالث: قول الفيض الكاشاني (٤) حيث قال في "تفسير الصافي ": أقول: والتوفيق بين الروايات كلها أن يقال: إن القرآن سبعة أقسام من الآيات وسبعة بطون لكل آية ونزل على سبع لغات. وأما حمل الحديث على سبعة أوجه من القراءات، ثم التكلّف في تقسيم

стр. 593

وجوه القراءات على هذا العدد - كما نقله في مجمع البيان عن بعضهم - فلا وجه له، مع أنه يكذبه ما رواه في الكافي بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر ﵇ قال: إن القرآن واحد نزل من عند الواحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة. وبإسناده عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال: كذبوا أعداء الله و لكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد. ومعنى هذا الحديث معنى سابقه، و المقصود منهما واحد و هو: أن القراءة الصحيحة واحدة، إلا أنه ﵇ لما علم أنهم فهموا من الحديث الذي رووه صحة القراءات جميعًا مع اختلافها كذّبهم. وعلى هذا فلا تنافي بين هذين الحديثين و شيء من أحاديث الأحرف أيضًا. (١) القول الرابع: قول المحقق الهمداني (٢) حيث قال في: "مصباح الفقيه ": والحق إنه لم يتحقق أن النبي صلى الله عليه وآله قرأ شيئًا من القرآن بكيفيات مختلفة بل ثبت خلافه فيما كان الاختلاف في المادة أو الصورة النوعية التي يؤثر تغييرها في انقلاب ماهية الكلام عرفًا كما في ضم التاء من أنعمت ضرورة أن القرآن واحد نزل من عند الواحد كما نطقت به الأخبار المعتبرة المروية عن أهل بيت الوحي والتنزيل مثل ما رواه ثقة الإسلام الكليني. (٣)

стр. 594

القول الخامس: قول حجة الله البلاغي (١) حيث قال في "آلاء الرحمن في تفسير القرآن ": ولا تتشبث لذلك بما روي من أن القرآن نزل على سبعة أحرف فإنه تشبث واه واهن. أما أولًا فقد قال في الإتقان (٢) في المسألة الثانية من النوع السادس عشر: اختلف في معنى السبعة أحرف على أربعين قولًا و ذكر منها عن ابن حيان خمسة وثلاثين. وما ذاك إلا لوهن روايتها و اضطرابها لفظًا و معنى. وفي الإتقان … فذكر باقي الأدلة. (٣) القول السادس: قول الطباطبائي (٤) حيث قال في "الميزان ": فالمتعيّن حمل السبعة أحرف على أقسام الخطاب وأنواع البيان، وهي سبعة على وحدتها في الدعوة إلى الله و إلى صراطه المستقيم، و يمكن أن يستفاد من هذه الروايات حصر أصول المعارف الإلهية في الأمثال، فإن بقية السبعة لا تلائمها إلا بنوع من العناية على ما لا يخفى. (٥)

стр. 595

القول السابع: قول مير محمدي زرندي (١) حيث قال في "بحوث في تاريخ القرآن ": ولا يوافق الأئمة المعصومون على هذا التفسير الشائع لسبعة أحرف، وقد سئل الإمام أبو عبد الله الصادق ﵇ عما يقوله الناس من أن القرآن نزل على سبعة أحرف فقال: كذبوا - إلى أن قال - ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد. (٢) القول الثامن: قول المجلسي (٣) وتعليقه على ما رواه في "بحار الأنوار" حيث روى عن النبي ﷺ أنه قال: (أتاني آت من الله، فقال إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: يا رب وسع على أمتي، فقال إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف) ثم قال: بيان، الخبر ضعيف ومخالف للأخبار الكثيرة كما سيأتي، وحملوه على القراءات السبع (٤)، ولا يخفى بعده لحدوثها بعده ﷺ وسنشبع القول في ذلك في كتاب القرآن إن شاء الله. ولاريب في أنه يجوز لنا الآن أن نقرأ موافقًا لقراءاتهم المشهورة. (٥) القول التاسع: قول المحقق البحراني (٦) حيث قال في "الحدائق الناضرة ":

стр. 596

ثم اعلم أن العامة قد رووا في أخبارهم أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف كلها شاف واف، وادعوا تواتر ذلك عنه ﷺ ، واختلفوا في معناه الى ما يبلغ أربعين قولاً، أشهرها الحمل على القراءات السبع. وقد روى الصدوق (ره) في كتاب الخصال بإسناده إليهم (ع)، قال قال رسول الله ﷺ أتاني آت من الله يقول إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت يارب وسع على أمتي فقال إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف. وفي هذا الحديث ما يوافق أخبار العامة المذكورة، مع أنه (ع) قد نفى ذلك في الأحاديث المتقدمة وكذبهم في ما زعموه من التعدد، فهذا الخبر بظاهره مناف لما دلت عليه تلك الأخبار والحمل على التقية أقرب فيه. (١) القول العاشر: قول الخوئي: (ت: ١٤١٣ هـ) حيث قال في "مستند العروة ": هذا وحيث قد جرت القراءة الخارجية على طبق هذه القراءات السبع لكونها معروفة مشهورة ظن بعض الجهلاء أنها المعني بقوله ﷺ على ما روي عنه، إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وهذا كما ترى غلط فاحش، فإن أصل الرواية لم تثبت، وإنما رويت من طريق العامة، بل هي منحوله مجعولة كما نص الصادق (ع) على تكذيبها بقوله: كذبوا أعداء الله نزل على حرف واحد … (٢).

стр. 597

القول الحادي عشر: قول الخوئي حيث قال في البيان في "تفسير القرآن" بعد إيراد روايات السبعة أحرف: وعلى هذا فلا بد من طرح الروايات، لأن الالتزام بمفادها غير ممكن. (١) وهذه حكايات في نقل الإجماع عن أئمتهم في إنكارهم الصريح للأحرف السبعة من منتصف القرن الخامس وما بعده. ولنعيد التأمل في خلاصة أبرز ما مضى ذكره من شنيع أقوالهم، وذلك حتى تكون أقرب للأذهان وأرسخ في العقول، نسأل الله تعالى السلامة في ديننا. ١ - أن القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد، قاله الطوسي في: " التبيان". ٢ - والشائع في أخبارهم أن القرآن نزل بحرف واحد، قاله الطبرسي في: "مجمع البيان": ٣ - كذبوا أعداء الله و لكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد، قاله: الفيض الكاشاني في: "تفسير الصافي" ٤ - أن القرآن واحد نزل من عند الواحد كما نطقت به الأخبار المعتبرة المروية عن أهل بيت الوحي والتنزيل مثل ما رواه ثقة الإسلام الكليني، قاله المحقق الهمداني في: "مصباح الفقيه". ٥ - ولا تتشبث لذلك بما روي من أن القرآن نزل على سبعة أحرف فإنه تشبث واه واهن، قاله حجة الله البلاغي في "آلاء الرحمن في تفسير القرآن". ٦ - فالمتعيّن حمل السبعة أحرف على أقسام الخطاب وأنواع البيان، قاله الطباطبائي في: "الميزان". ٧ - … كذبوا - إلى أن قال - ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد، قاله مير محمدي زرندي في: "بحوث في تاريخ القرآن". ٨ - الخبر ضعيف ومخالف للأخبار الكثيرة كما سيأتي، وحملوه على القراءات السبع، قاله المجلسي في: "بحار الأنوار". ٩ - … وادعوا تواتر ذلك عنه ﷺ ، … مع أنه (ع) قد نفى ذلك في الأحاديث المتقدمة وكذبهم في ما زعموه من التعدد، فهذا الخبر بظاهره مناف لما دلت عليه تلك الأخبار والحمل على التقية أقرب فيه، قاله المحقق البحراني في: "الحدائق الناضرة".

стр. 598

١٠ - … وهذا كما ترى غلط فاحش، فإن أصل الرواية لم تثبت، … كذبوا أعداء الله نزل على حرف واحد … قاله السيد الخوئي في: "مستند العروة " ١١ - وعلى هذا فلا بد من طرح الروايات، لأن الالتزام بمفادها غير ممكن. قاله السيد الخوئي في البيان في "تفسير القرآن". ثالثًا: أبرز أقوال بعض المعاصرين من باحثي الرافضة عن "الأحرف السبعة " القول الأول: لـ"صادق العلائي" في كتابه" إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف " يقول عليه من الله ما يستحق: فاتضح أن عقيدة أهل السنة في الأحرف السبعة عقيدة صارخة وبكل وقاحة (١) أن القرآن الكريم يتبع أهواء القرّاء ولا يثبت على حال، وأن كل من أراد الاستمزاج والتفنن بكتاب الله فإن الباب على مصراعيه مشرّع! حتى ليُظن أن القرآن لم ينزل لتُتبع نصوصه، بل ليتبع هو أمزجتنا!، وهكذا أصبح تحريف القرآن دينًا بين طوائف المسلمين، فلا تجد لدعوى تحريف القرآن هذه رادعًا أو مستنكرًا بين صفوفهم! نعوذ بالله من الخذلان. نقول: "صَدقكَ وَهُو كَذوبٌ" (٢)، فعلًا كما قال: نعوذ بالله من الخذلان!، فالمخذول حقيقة من خذله الله، والمصيبة العظمى و الطامة الكبرى أنه لا يدري أنه هو المخذول!، وعند الله تجتمع الخصوم. "ولهذا يقال فيهم: ليس لهم عقل ولا نقل ولا دين صحيح .. " (٣) وأما سوء الأدب فالرافضة قد حازوا فيه المرتبة الأولى بلا منازع. يقول أحدهم "إن الأحداث التي جرت في ذلك القرن تدلل على خلاف ذلك، إذ كان شر قرن، فما ذكر إلا وتبادرت إلى أذهاننا تلك المآسي والمظالم، ومر شريط الأحداث ناقلاً أفظع وأقسى الأيام والساعات .. (٤) ثم يتابع العلائي ويقول: لعل البعض يستشكل وجود هذا الكم من روايات الأحرف السبعة في مصنفات القوم ولا يرى له وجهًا مقبولًا من وضع أو كذب، والحق أن الوجه المقبول لها موجود وبوجوه متعددة أيضًا، إذ

стр. 599

من المحتمل قويًا دخول زوائد حرفت معنى الأحرف السبعة في ضمن تلك الروايات، وليس ذلك ببعيد بعد حصول التضارب في نقل الحادثة الواحدة وبملاحظة المعنى الذي حكته روايات أهل البيت ﵈، أما أصل مفهوم الأحرف السبعة فلا أحد ينكر وجوده في القرآن، وإنما الكلام كله دائر حول المعنى الذي جعل من مفهومها دعوة مفتوحة لتحريف القرآن. نقول: إذا كان يرى ويقرر أن الأحرف السبعة دعوى لتحريف القرآن، إذا فما مصدر تلك الأحرف التي لا ينكر وجودها في القرآن؟! ثم يتابع العلائي ويقول: فيتضح أن تأويل وتخريج اجتهادات السلف كانت السبب الرئيس في بيان معنى الأحرف السبعة، ويا ليت أحدهم يخبرنا، كيف عرفوا أن كل فلتات سلفهم الصالح في نصوص القرآن واجتهاداتهم في تغيير كلماته قد وصلت إليهم بتمامها حتى فسّروا عليها الأحرف السبعة وهي في نظرهم أمرٌ إلهي جاء به الوحي؟! أهكذا يصبح الدين رخيصًا؟. نقول وبالله التوفيق: إن القرآن نزل على حرف واحد ابتداءً، ألا وهو حرف قريش، ثم جاءت الاستزادة من الأحرف السبعة في ختام العهد المدني بعد عام الفتح بقليل، وقد كتبت الصحف العثمانية المرسلة للأمصار والمنسوخة عن المصحف الإمام موافقة للعرضة الأخيرة، وهي مشتملة كذلك على ما تبقى من الأحرف السبعة، فكل ما ثبتت قرآنيته ولم ينسخ في العرضة الأخيرة فهو القرآن الذي وعد الله بحفظه بقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩). ثم يقول عليه من الله ما يستحق: ويؤيد أن هذه التفسيرات جاءت لتلميع صورة الصحابة لا أكثر ولا أقل أن من انتهج منهج صحابتهم وأخذ بقول رسول الله ﵌ بزعمهم- وصار يقرأ القرآن على حرف من الأحرف السبعة تلاحقه اللعنات ويرمى بالتكفير من كل حدب وصوب حتى يقام عليه الحد. إلى أن قال -عامله الله بعدله-: وهذه الامتيازات إنما نزلت من السماء للصحابة فقط!! نقول: والصحابة الذين ﵃ وزكاهم في كتابه هل يحتاجوا لامتيازات ممن جاء من بعدهم، وهم حملة الشريعة وحماة الإسلام، لكنه الجهل بقدرهم، والحقد المجوسي الذي يجري في عروقهم.

стр. 600

فـ "من أعظم خُبث القلوب أن يكون في قلب العبد غلٌ لخيار المؤمنين وسادات أولياء الله بعد النبيين". (١). وإنما قصدهم بالطعن في الصحابة ﵃ الطعن في الرسالة. فـ"الرافضة يطعنون في الصحابة ونقلِهِم، وباطنُ أمرهم: الطعن في الرسالة. " (٢) ثم هو يختم مبحث الأحرف السبعة بتلك الطامة الكبرى فيقول: وإلى هنا تم الكلام عن الأحرف السبعة، وتبين أن أهل السنة لم يعتمدوا أي دليل ناهض لإدخال هذا المعنى للأحرف السبعة في دين الله الذي يفتح المجال لتحريف القرآن بل إن الأدلة قائمة على بطلانه، أما الشيعة الإمامية فرفضوا هذا المبدأ المخل بقداسة القرآن تبعًا لأهل البيت ﵈. (٣) نقول: بالطبع إن أهل السنة لم يعتمدوا أي دليل يروق لكم، لأن السنة ليست من مصادر دينكم، وأن رواتها من ألد أعدائكم، وأن حديث الأحرف السبعة ورواته من الصحابة الأخيار كفار عندكم، ورواته من الأئمة الثقات لا قيمة لهم في دينكم. وقوله: "أما الشيعة الإمامية فرفضوا هذا المبدأ المخل بقداسة القرآن تبعًا لأهل البيت ﵈". نقول: ذلك لأنكم اتخذتم ما اختلقتموه من الروايات المكذوبة ستارًا، ونسبتموها لأهل البيت الكرام زورًا وبهتانًا، وجعلتموها دينًا وشريعة ومنهاجًا، وأهل البيت الكرام ﵈ من فعلكم هذا بُرَءآء. "فالأدلة إما نقلية، وإما عقلية، والقوم من أكذب الناس في النقليات، وأجهل الناس في العقليات". (٤) يتابع اتهاماته فيقول:
следующие страницы →