← Фикх общий

Фикх общий · id 828

المرأة بين الفقه والقانون

مصطفى السباعي

Полный текст (242 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

في قانوننا: كان العمل قديماً قبل صدور قانون حقوق العائلة برأي أبي حنيفة وأبي يوسف من أن العلل التي تبيح للرجل طلب فسخ النكاح إذا وجدت في المرأة هي العلل الجنسية الثلاثة المذكورة آنفاً. وهي الجَب، والخصاء، والُعنة. ثم جاء قانون حقوق العائلة فأخذ بقول محمد وأجاز للرجل طلب الفسخ لكل العيوب المنفرة. ولما صدر قانوننا للأحوال الشخصية كان موقفه غريباً من هذا الموضوع فقد كان رجعة الى الوراء، إذ جعل من حق الزوجة طلب التفريق بينها وبين زوجها إذا كان فيه احدى العلل المانعة من الدخول بشرط سلامتها منها، وإذا أصيب بالجنون بعد الزواج. ومعنى هذا أن المرأة لا حق لها في طلب التفريق اذا وجدت بزوجها مرضاً معدياً أو منفراً، كالسل والجزام والبرص والزهري وغير ذلك. وهذا في منتهى الغرابة، إذ كيف تستطيع المرأة أن تصبر على زوج مبتلي بمثل تلك الأمراض وتعيش معه وتمنحه حبها وقلبها؟! وكيف يتحقق السكن النفسي في مثل هذا الزواج؟ مع أن بعض العلل المانعة من الدخول قد تكون أخف على المرأة كثيراً من الأمراض المؤذية والمعدية، فالمرأة قد ترضى بالعيش مع رجل عاجز عن الاتصال الجنسي، ولكنها لا ترضى أنتعيش مع رجل مصاب بمرض مؤذ أو معدٍ ولو كان قادراً على الدخول بها ... فكيف غاب هذا الأمر عن واضعي القانون. يقول ابن القيم (زاد المعاد: ٤/ ٣٠) في التعقيب على ما ذكره بعض فقهاء الحنابلة من أن الامام أحمد قصر العيوب الجنسية على ثلاثة أو خمسة فقط: "وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها فلا وجه له، فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين أو الرجلين أو أحدهما، أو كون الرجل كذلك، من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، وهو منافٍ للدين، والاطلاق في العقد إنما ينصرف الى السلامة فهو كالمشروط عرفاً، وقد قال عمر لمن تزوج امرأة وهو لا يولَد: أخبرها أنك عقيم وخّيرها، فماذا يقول ﵁ في العيوب التي هذا (أي العقم) عندها (عند تلك العيوب) كمال بلا نقصان، والقياس أن

стр. 107

كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار". ثم قال: "ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما يشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رحجان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة". وقصارى القول إن قانون الأحوال الشخصية السوري قصر في هذا الموضوع تقصيرا ضاراً بالمرأة والرجل على السواء، ومن الواجب تعديله بما يعطي حق كل من المرأة والرجل في طلب الفسخ إذا اطلع أحدهما في الآخر على عيب منفر أو معد بحيث لا يمكن المقام معه إلا بضرر، وهذا متفق مع قول محمد ومع الصحيح من مذهب الحنابلة، وهو قبل كل شيء متفق مع قواعد الشريعة ومقاصدها وحكمة التشريع في الزواج. ٩ - التفريق للشقاق: قلنا إن الاسلام أوجب تأليف لجنة محكّمة لبحث أسباب النزاع بين الزوجين على أن يكون من أهل الزوج، والآخر من أهل الزوجة. وقد نص قانوننا على اتخاذ هذا الإجراء عند ادعاء الزوج أو الزوجة أن أحدهما يضر بالآخر ويتعمد الإساءة إليه، ثم تقدم اللجنة المحكّمة تقريراً الى القاضي عن نتيجة تحقيقاتها في النزاع وأسبابه، فان اقترحا الإصلاح بينهما لم يكن للقاضي التفريق، وإن اقترحا التفريق فرق القاضي بينهما، ويعتبر ذلك طلقة بائنة. وقد فصل القانون في الحكم بالمهر، على حسب ما يتحقق له من أن الإساءة كانت من الزوج أو الزوجة. هذا والقول بالتفريق للشقاق هو مذهب مالك وأحمد، ولا يرى أبو حنيفة والشافعي جواز التفريق للشقاق، فيكون القانون قد استمد هذا الحكم من مذهبي المالكية والحنابلة، ونعم ما فعل، فان الحياة الزوجية لا تستقيم مع الشقاق والنزاع، عدا ما في ذلك من ضرر بالغ بتربية الأولاد وسلوكهم. ولا خير في اجتماع بين متباغضين، ومهما يكن أسباب هذا النزاع خطيراً أو تافهاً فإن من الخير أن تنتهي العلاقة الزوجية بين هذين الزوجين لعل الله يهيئ لكل واحد منهما شريكا آخر لحياته يجد معه الطمأنينة والاستقرار.

стр. 108

١٠ - الطلاق التعسف: كل الأسباب السابقة التي ذكرناها يكون الطلاق أو التفريق فيها أمراً تحتمه المصلحة، إما مصلحة الزوجة أو مصلحة الزوج. وهنالك حالتان يكون الطلاق فيهما تعسفاً وعدواناً خالصاً. وقد تعرض القانون لهما أيضاً: ١ - أن يطلق الرجل المريض مرض الموت زوجته ليحرمها من ارثها منه، وهذا بلا شك عدوان لا يرضاه الله وتأباه المروؤة، وللأئمة فيه آراء مختلفة: فيرى الشافعي أن المرأة إذا طلقها زوجها طلاقاً بائناًَ وهو في مرض الموت ثم مات قبل أن تنتهي عدتها، لا ترث من ذلك الزوج، لأن الطلاق البائن يقطع عرى الزوجية فلما مات لم تكن زوجته فلا ترث منه، أما أن يكون قصده من طلاقها حينئذ الفرار من ارثها فذلك أمر يعاقبه الله عليه، ولا يؤثر على الصيغ والعقود. ويرى الأئمة الثلاثة أن العدل يقتضي معاقبته على قصد اضراره بالزوجة، واختلفوا بعد ذلك في الحكم: فرأى أبو حنيفة توريثها منه إذا مات وهي لا تزال في عدتها، فان انقضت عدتها من الطلاق ثم مات بعد ذلك لم ترث منه. ورأى أحمد أنها ترث منه ولو مات بعد انتهاء عدتها ما لم تتزوج زوجاً آخر، فاذا تزوجت فلا إرث لها من زوجها الأول. ورأى مالك أنها ترث ولو انتهت عدتها وتزوجت من آخر، وهذا كما ترى على طرف النقيض من رأي الشافعي، بينما ذهب أبي حنيفة وأحمد متوسطان. وقد اختار القانون رأي أبي حنيفة، ونحن نختار رأي أحمد فهو أقرب الآراء الى العدالة، وأدناها الى معاملة الزوج بخلاف قصده، إذ قصد الفرار من إرثها، فورثناها منه ما لم تتزوج زوجا آخر، فإنها سترث من هذا الأخير فلا معنى لتوريثها من الأول. ٢ - والحالة الثانية من حالات التعسف أن يطلقها لغير سبب معقول،

стр. 109

وقد تكون فقيرة أو عجوزا لا أمل في زواجها مرة ثانية، فبقاؤها من غير زوج ينفق عليها إضرار بها، ولؤم في معاملتها، وهو آثم بلا شك فيما بينه وبين الله تعالى، ولكن العمل قديماً على عدم إنصاف مثل هذه المرأة، فجاء قانوننا يعطي الحق للقاضي أن يفرض لها على مطلقها بالتعويض بنسبة التعسف ودرجته. وهذا مبدأ جديد في قوانيننا، ومستنده - فيما نظن - أن الله أوجب لبعض المطلقات متعة - وهي مثل ثيابها عند خروجها من بيتها ويجوز أن يقدر ذلك بدراهم - كما رغب في اعطاء المتعة لبعض المطلقات الأخر. بحيث لا تخلو مطلقة من متعة تأخذها من الزوج، وليس للمتعة كما قال الفقهاء حد معين ولا لباس معين، وإنما تقدر بحسب عرف البلد وتعامل الناس، لأن القرآن الكريم قيدها " بالمعروف" وهذا مما يختلف فيه الناس بين بلد وبلد، وبين زمن وزمن، وبين امرأة وأخرى، فاستند قانوننا الى هذا المبدأ الشرعي فأجاز للقاضي أن يحكم على المطلق بتعويض يتناسب مع ظلمه للمرأة وتعسفه في طلاقها. وهذا تشريع جميل بلا ريب من شأنه أنه يخفف عن المطلقة ألم الطلاق، ولكننا نأخذ على القانون أنه اشترط أن لا يزيد التعويض عن نفقة سنة لأمثالها فوق نفقة العدة، فنحن نرى أن لا يقيد ذلك بنفقة سنة، فما دام الزوج ظالماً متعسفاً، وما دامت الزوجة مظلومة، فلم لا يلزم بالانفاق عليها حتى تتزوج ان كانت في سن قابل للزواج، أو حتى تلقى وجه ربها إن كانت عجوزاً شارفت على وداع الحياة؟ والشريعة الاسلامية في عدالتها تأبى أن تترك مثل هذه المرأة العجوز تعاني آلام البؤس والفاقة حتى تلقى وجه ربها، بعد أن أمضت زهرة شبابها مع زوج لم يكن عنده من الوفاء ما يحفظ لها كرامتها في أخريات أيامها. الخلاصة: نجد من كل ما تقدم أن الاسلام في أصل نظامه الذي وضعه للطلاق راعى فيه ضرورات الحياة وواقع الناس في كل زمان، كما أنصف فيه المرأة من فوضى الطلاق التي كانت سائدة عند عرب الجاهلية حيث لا عدد ولا عدة ولا حقوق ولا التزامات، كما كانت سائدة في الشعوب التي تبيح شرائعها الطلاق.

стр. 110

ونجد أيضاً أن المرأة لم تعد تحت رحمة الرجل الذي يملك حق الطلاق، بل فتح لها الاسلام منافذ تنفذ منها الى حياة الراحة من زوجية شقية بائسة مع زوج قاس ظالم، فأعطاها حق اشتراط أن يكون الطلاق بيدها عند عقد الزواج، ويسر لها الخلاص من الزوج برضاه ورضاها إذا كفلت له التعويض عن خسائره المالية بسبب الطلاق، وذلك عن طريق "الخلع" أو "المخالعة" كما فتح لها الطريق الى القضاء ليحكم بالتفريق بينها وبين زوجها في حالات لا تستطيع الحياة فيها مع زوجها. وحتى في حالات الطلاق التعسفي من جانب الرجل فقد ضمن لها الاسلام حقوقها كما رأينا، فلم يبق بعد ذلك مجال للشكوى إلا من حالات أساء فيها الزوج استعمال حق الطلاق، ومثل هذه الحالات لا يستطيع أي قانون في الدنيا أن يحتاط لمنع وقوعها، وإنما المدار في ذلك على التربية الدينية، ويقظة الضمير واستقامة الوجدان، وهذا ما حرص الاسلام على أن يربى عليه المسلم تربية تمنعه من الاساءة لا إلى زوجته فحسب، بل الى أي انسان كان قريباً أو بعيداً، مواطناً أو أجنبياً، وإني أحيل الذين يشككون في هذا الأمر الى احصاءات الطلاق ليروا كيف يكاد الطلاق ينعدم في البيئات المتدينة تديناً واعياً صادقاً لا جهل فيه ولا غباوة، ولا تدجيل ولا تجارة ...

стр. 111

في الحقوق السياسية

стр. 112

الوضع السياسي للمرأة في السابق لم تكن المرأة العربية في صدر الإسلام - برغم ما أعطاها الاسلام من حقوق تتساوى مع الرجل فيها - تعنى بالشؤون السياسية، فلا نعلم أن المرأة اجتمعت مع الصحابة في سقيفة بني ساعدة إثر وفاة الرسول ﷺ للتشاور فيمن يختارونه خليفة لهم، ولا نعلم أنها كانت تشارك الرجال في هذا الشأن، ولا نعلم أن الخلفاء الراشدين - بصورة خاصة - كانوا يجمعون النساء لاستشارتهم في قضايا الدولة كما يفعلون ذلك مع الرجال، ولا نعلم في تاريخ الاسلام كله أن المرأة تسير مع الرجل جنباً إلى جنب في إدارة شؤون الدولة وسياستها وقيادة معاركها. وكل ما يرويه لنا التاريخ أن النبي ﷺ أخذ من النساء بيعة - دون أن يصافحهن - على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصين رسول الله في معروف، وقد كانت هذه البيعة يوم فتح مكة، ثم أخذ بيعة الرجال على مثل ما أخذ من بيعة النساء. ومن زعم أن هذا يدل على اشتغال المرأة المسلمة بالسياسة فقد ركب متن الشطط وحمّل وقائع التاريخ ما لا تحتمل. ونعلم أيضاً أن بعض نساء الصحابة كن يخرجن مع الرجال في معارك الرسول ﷺ يضمدن الجرحى ويسقين العطشى، وكانت لرفيدة خيمة تداوي فيها الجرحى، فإذا أصيب بعض المسلمين في المعركة أمر الرسول ﷺ أن يؤخذ الى خيمتها. وهذا أيضاً لا يدل على اشتغال المرأة بالسياسة، بل على أساسها في الوقائع الحربية ما بين أعمال التمريض والسقاية، وما بين القتال عند الضرورة، وهذا الحكم باق لا ينازع أحد فيه كما سيأتي. ونعلم أيضاً أن المرأة المسلمة أسهمت في بدء الدعوة الاسلامية بقسط وافر من التضحية والفداء، كما فعلت أخت عمر بن الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر، وغيرهما.

стр. 113

وهذا يدل على أثر المرأة في حركات الاصلاح ووجوب اسهامها فيها ولا يزال هذا الحكم قائما، أما أن يدل على الاشتغال بالسياسة بمعناه المفهوم اليوم، فلا. ونعلم أيضاً أن النساء في حياة الرسول ﷺ كن يحضرن خطبة العيد، ودروس وعظه ﷺ منفصلات عن الرجال. وهذا لا يدل على اشتغالهن بالسياسة، ومن زعم ذلك، فقد ارتكب شططاً. ونعلم أن عائشة أم المؤمنين خاضت معركة شهيرة في التاريخ بمعركة الجمل، وكانت قائدة المعركة فيها من وراء ستار وهي على هودجها. ولكن المؤكد أن عائشة ندمت على ما فعلت، وأن أمهات المؤمنين لمنها على ذلك، إذ ما كان يجوز لها الخروج من بيتها كزوجة للرسول بنص القرآن، ولكنها تأولت فأخطأت، ثم تابت واستغفرت، وأحاطها علي بعد المعركة بكل مظاهر الاكرام والحراسة حتى عادت الى بيتها في المدينة. فلا يمكن إذاً أن يتخذ عملها هذا دليلاً على اشتغال المرأة المسلمة بالسياسة في تلك العصور، كما يزعم بعض المتهورين، لأنها حادثة فردية أدركت فيها عائشة خطأها. ونعلم أنه في بعض أدوار التاريخ الاسلامي تولت احدى النساء الملك والحكم كما فعلت شجرة الدر، وأن منهن من كن ذات تأثير كبير على أزواجهن كزبيدة زوجة هارون الرشيد. ولكن هذه حوادث فردية، وتدخلهن إنما كان من قبيل السيطرة والنفوذ على أزواجهن، لا على انه اسهام منهن في سياسة الدولة بالمعنى المفهوم اليوم. إذاً فمن المؤكد أن المرأة المسلمة لم تشتغل في السياسة، ولم تسهم في الأحداث السياسية التي مرت بالمسلمين في كل أدوار التاريخ، فلمَ هذا؟ مع أننا قررنا أن الاسلام رفع مكانتها وسواها في الأهلية القانونية بالرجل ورفع عنها الغبن اللاحق بها في مختلف البيئات والشعوب؟ هنا يجب أن نذكر حقيقة تلقي لنا الضوء على هذه الظاهرة التي تكاد تبدو متناقضة، وهي أن الاسلام برغم إعطائه المرأة كل حقوقها المسلوبة من

стр. 114

قبل، وبرغم مساواته لها بالرجل في الأهلية الحقوقية والمالية، يرى أن من الخير لها ولأسرتها وللمجتمع أن تتفرغ لشؤون الأسرة وتهتم بها ولذلك أسقط عنها تكاليف المعيشة، فألزم زوجها بالانفاق عليها - مع أنها أهل لأن تبيع وتشتري وتزاول كل أعمال الكسب - كما ألزم أباها بالانفاق عليها حتى تتزوج، لتكون متمرسة بأعمال البيت تحت اشراف أمها، فكأنها وهي في البيت تحت رعاية أبيها وأمها في مدرسة الفنون النسوية: الأم تعلم، والأب ينفق. وبهذا الموقف الحكيم صان الاسلام كرامة المرأة فلم يسلبها حقوقها، وصان سعادة الأسرة فلم يلزم الزوجة بترك البيت لتشتغل بشغل آخر مما يعمل فيه الرجال من سياسة أو تجارة أو غيرها. ومن هنا نفهم سر عدم اشتغال المرأة المسلمة بالسياسة في جميع أدوار التاريخ، مع ما نالته من حقوق كانت تمكنها من أن تشتغل بالسياسة، ولكنها أدركت واجبها الأول في الحياة، وهي أن تكون أماً وربة بيت ويشبه موقفها هذا موقف المرأة السويسرية التي نالت حقوقها وتساوت مع الرجل في حقوقه، ومنها الحق السياسي، ومع ذلك فهي لم تستعمله، ولا تريد أن تستعمله، لأنها تفضل أن تتفرغ لبيتها وأولادها على أن تخوض معارك السياسة بخصوماتها ومشكلاتها. في الحقوق السياسية - المرأة والسياسة في عصرنا الحديث غير أن المرأة المسلمة لم تبق على ما كانت عليه قابعة في بيت الزوجية تتفرغ لشؤون زوجها وأولادها، بل أخذت - بتأثير الحضارة الغربية - أو أخذ المقتنعون باتجاه الحضارة الغربية في قضية المرأة يطالبون لها بأن تنال حقوقاً سياسية كالرجل، وأخيراً حصلت في بلادنا على حق الانتخاب وحق الترشيح للنيابة في المجالس النيابية. وأريد أن أسجل هنا للتاريخ أن هذين الحقين لم تنلهما المرأة بإرادة الشعب الحرة، وإنما نالتهما في غيبة الحياة النيابية وقيام الانقلابات العسكرية، أو الحكم الفردي المستبد. وأيا ما كان فقد أصبح من حقها أن تنتخب وأن تُنتخب، فما هو موقف الاسلام من ذلك؟

стр. 115

حق الانتخابات كان أول مرة أعطيت فيها المرأة في بلادنا حق الانتخاب في عام ١٩٤٩ وفي عهد حسني الزعيم إثر إنقلابه المعروف، فقد صدر في عهده قانون جديد للانتخاب أعطيت فيه المرأة حق الانتخاب، وقد فرض هذا القانون على الأمة فرضاً. ولما قامت الجمعية التأسيسية في ذلك العام وبدأ بوضع الدستور، رأينا بعد المناقشة وتقليب وجهات النظر أن الاسلام لا يمنع من اعطاء هذا الحق، فالانتخاب هو اختيار الأمة لوكلاء ينوبون عنها في التشريع ومراقبة الحكومة، فعملية الانتخاب عملية توكيل، يذهب الشخص الى مركز الاقتراع فيدلي بصوته فيمن يختارهم وكلاء عنه في المجلس النيابي يتكلمون باسمه ويدافعون عن حقوقه، والمرأة في الاسلام ليست ممنوعة من أن توكل إنساناً بالدفاع عن حقوقها والتعبير عن إرادتها كمواطنة في المجتمع، وكان المحظور الوحيد في إعطاء المرأة حق الانتخاب هو أن تختلط بالرجال أثناء التصويت والاقتراع، فيقع ما يحرمه الاسلام من الاختلاط والتعرض للمحصنات وكشف ما أمر الله به أن يستر. وقد تقرر دفعاً لذلك المحظور أن يجعل لهن مراكز للاقتراع خاصة بهن، فتذهب المرأة وتؤدي واجبها ثم تعود الى بيتها دون أن تختلط بالرجال أو تقع في المحرمات. وتقرر في الدستور الذي أصدرناه عام ١٩٥٠ حق المرأة في الانتخاب فقط، ثم جاء عهد الوحدة، فصدر قانون بإرادة الحاكم الفرد يعطي المرأة حق الترشيح للنيابة، ومع أن عدداً من النساء قد رشحن أنفسهن للانتخابات بعد ذلك إلا أن واحدة منهن لم تنجح لأن الأمة لم تقتنع بعد بفائدة نيابة المرأة واشتغالها بالسياسة، وقد كان فرض منهن عدد في مجلس الأمة أيام الوحدة لم يكن للشعب نفسه رأي في اختيارهن ولا نيابتهن.

стр. 116

حق النيابة وإذا كانت مبادئ الاسلام لا تمنع أن تكون المرأة ناخبة، فهل تمنع أن تكون نائبة؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال يجب أن نعرف طبيعة النيابة عن الأمة انها لا تخلو من عملين رئيسين: ١ - التشريع: تشريع القوانين والأنظمة. ٢ - المراقبة: مراقبة السلطة التنفيذية في تصرفاتها وأعمالها. أما التشريع فليس في الاسلام ما يمنع أن تكون المرأة مشرعة، لأن التشريع يحتاج قبل كل شيء الى العلم مع معرفة حاجات المجتمع وضروراته التي لا بد منها والاسلام يعطي حق العلم للرجل والمرأة على السواء، وفي تاريخنا كثير من العالمات في الحديث والفقه والأدب وغير ذلك. وأما مراقبة السلطة التنفيذية فإنه لا يخلو من أن يكون أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، والرجل والمرأة في ذلك سواء في نظر الاسلام، يقول الله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾. وعلى هذا فليس في نصوص الاسلام الصريحة ما يسلب المرأة أهليتها للعمل النيابي كتشريع ومراقبة. ولكننا اذا نظرنا إلى الأمر من ناحية أخرى نجد مبادئ الاسلام وقواعده تحول بينها وبين استعمالها هذا الحق - لا لعدم أهليتها - بل لأمور تتعلق بالمصلحة الاجتماعية. فرعاية الأسرة توجب على المرأة أن تتفرغ لها ولا تشتغل بشيء عنها. واختلاط المرأة بالأجانب عنها محرم في الاسلام - وبخاصة الخلوة مع الأجنبي.

стр. 117

وكشف المرأة من غير ما سمح الله بكشفه وهو الوجه واليدان محرم في الاسلام. وسفر المرأة وحدها خارج بلدتها دون أن يكون معها محرم منها لا يبيحه الاسلام. وهذه الأمور الأربعة التي تؤكدها نصوص الاسلام تجعل من العسير - إن لم يكن من المستحيل - على المرأة أن تمارس النيابة في ظلها ففي النيابة ترك للبيت خلال أكثر النهار والليل، وفيها اختلاط بالنواب في غير قاعة المجلس النيابي، وفيها تضطر المرأة أن تكشف ما حرم الله اظهاره من زينتها وجسمها، وفيها سفرها خارج بلدتها - اذا كانت من مدينة غير العاصمة - وليس معها أحد من محارمها، وقد تسافر الى مؤتمرات برلمانية في دول أجنبية. مثل هذه المحرمات لا يجرؤ مسلم أن يقول بإباحتها، فالمرأة إن كانت بحسب أهليتها لا يمنعها الاسلام من النيابة، ولكنها بحسب طبيعة النيابة وما يقتضيها ستقع في محرمات يمنعها الاسلام منها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، نرى الاسلام يجعل للمصلحة العامة الاعتبار الأول في تشريعه، فما كانت تقتضيه المصلحة أباحه، وما لا تقتضيه المصلحة منعه أو حذر منه. وإذا أردنا أن نناقش نيابة المرأة من حيث المصلحة العامة نرى مضارها أكثر من فوائدها. فمن مضارها إهمال البيت وإهمال شؤون الاولاد، ومن ذلك ادخال الخصومات الحزبية الى بيتها وأولادها، وقد قرأنا في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة أن زوجة قتلت زوجها لأنها كانت تتحمس لمرشح غير مرشح الحزب الذي ينتمي اليه الزوج. واشتغال المرأة بالسياسة من المشكلات التي لا ينكرها منصف، فهي عاطفية وتتأثر بالدعاية الى حد كبير، وللجمال والذوق أثر كبير فيمن تختاره من المرشحين. ونضيف الى ذلك احتمال أن تكون هي جميلة، فتستعمل جمالها سلاحاً لاقناع الرجال بانتخابها، ومن عانى الدعايات الانتخابية وعناء المرشحين في الطواف على بيوت الناخبين وأحيائهم وقراهم، ومواصلتهم سهر الليل بعمل

стр. 118

النهار، أدرك أي شقاء وتعب وهموم ستتعرض لها المرأة المرشحة. أنا لا أريد أن أذكر الناس بما جرى في الانتخابات التكميلية سنة ١٩٥٧ في مراكز اقتراع النساء في دمشق - من شد شعور بعضن لبعض واتهام بعض المتحمسات لأحد المرشحين، لكرائم السيدات بتهم تأنف من سماعها المروءات، وما كان من هجوم بعضهن على بعض وضربهن بالأحذية، والاستنجاد بالشرطة، مما جعل المتحمسين لاشتغال المرأة عندنا بالسياسة يندمون على موقفهم - أنا لا أريد أن أذكر الناس بتفاصيل ما وقع، ولكني أريد أن أذكر السيدات اللاتي يحسبن النيابة أمراً هيناً، بأن الحكم بالأشغال الشاقة أهون مما يجب على المرشح أن يقوم به من استرضاء لخواطر الناخبين وتردد عليهم وتزلف لهم، فهل تتحمل طبيعة المرأة هذا؟ أم تحسب أن مجرد ترشيحها نفسها كاف لنجاحها؟ ثم ماذا نفعل بالأمومة؟ هل نحرم النائبة أن تكون أما؟ وذلك ظلم لفطرتها وغريزتها وظلم للمجتمع نفسه، أم نسمح لها بذلك على أن تتقطع عن عملها النيابي مدة ثلاثة أشهر كما تفعل المدرسات والموظفات؟ وهل نسمح لها أن تقطع أيام "الوحم" وقد تمتد شهرين فأكثر، وطبيعة المرأة في تلك الأيام طبيعة غير هادئة ولا هانئة، بل تكون عصبية المزاج، تكره كل شيء؟ فماذا بقي لها بعد ذلك من أيام العمل الخالصة وقد تكون الدورة البرلمانية خلال هذه الأشهرالتي تنقطع فيها عن العمل الخارجي؟ أنا لا أفهم ما هي الفائدة التي تجنيها الأمة من نجاح بضعة مرشحات في النيابة: أيفعلن ما لا يستطيع الرجال أن يفعلوه؟ أيحللن من المشاكل ما يعجز الرجال عن حلها؟ ألأجل أن يطالبن بحقوقهن؟ إن كانت حقوقاً كفلها الاسلام فكل رجل مطالب بالدفاع عنها وإن كانت حقوقا لا يقرها الاسلام. فلن تستجيب الأمة لهن وهي تحترم دينها وعقائدها. يقولون: إن الفائدة من ذلك إثبات كرامة المرأة وشعور المرأة بانسانيتها! .... ونحن نسأل: هل إذا منعن من ذلك كان دليلاً على أن لا كرامة لهن ولا انسانية؟ ... أفليس في قوانيننا القائمة مواطنون منعهم القانون من الاشتغال بالسياسة

стр. 119

كأفراد الجيش مثلاً؟ فهل يعني منعهم من حق الاشتغال بالسياسة أنهم دون المواطنين كرامة وإنسانية؟ أليست قوانيننا تمنع الموظف من الاشتغال بالتجارة؟ فهل يعني ذلك أنه فاقد الأهلية أو ناقصها؟ إن مصلحة الأمة قد تقضي تخصيص فئات منها بعمل لا تزاول غيره، وليس في ذلك غض من كرامتها، أو انتقاص من حقوقها، فلماذا لا يكون عدم السماح للمرأة بالاشتغال بالسياسة هو من قبيل المصالح التي تقتضيها سعادة الامة كما تقتضي تفرغ الجندي لحراسة الوطن دون اشتغاله بالسياسة؟ وهل تفرغ الأم لواجب الأمومة أقل خطراً في المجتمع من تفرغ الجندي للحراسة، وتفرغ الموظف للادارة دون التجارة؟ كلمة صريحة: لنكن صريحين في معالجة هذا الموضوع، فأنا لا يخيفني أن أتهم بالجمود والرجعية وعداوة المرأة بمقدار ما يهمني أن أذكر آرائي بكل حرية وأن أنبه أمتي الى الاخطاء. لقد وفدت الينا عدوى اشتغال المرأة بالسياسة من الغرب، ومع أن الغرب لم يعط هذا الحق للمرأة إلا بعد مئات السنين من نهضته، نحب أن نتساءل: ماذا كانت نتيجة هذه التجربة عند الغربيين؟ إن أول شيء يبدو للمتتبع لهذه القضية تناقص عدد النائبات سنة عن سنة، ومعنى ذلك أن الغربي بدأ يشعر بعد التجربة أن إعطاء المرأة حق الاشتغال بالسياسة لا فائدة منه إن لم يكن قد عمل على تفكك الأسرة، أو أن المرأة نفسها أصبحت عازفة عن الاشتغال بالسياسة والنيابة عن الشعب. وثاني الملاحظات - وقد زرت أوروبا أربع مرات أقمت في بلادها بضعة شهور - أني لم أحس أبداً بأثر المرأة الغربية في السياسة عندهم بوجه عام، وفي المجالس النيابة بوجه خاص، ولقد زرت مرة مجلس العموم البريطاني وحضرت جلسة طويلة من جلساته، فلم أشاهد نائبة واحدة من نائباته، بل كن كلهن غائبات! ... وثالث الملاحظات، أن المرأة السويسرية ما تزال حتى الآن ترفض باختيارها أن تمارس حقها السياسي، وفي كل مرة تستفتى في هذا الموضوع

стр. 120

يكون جواب ٩٥% منهن رفض الاشتغال بالسياسة، هذا مع العلم بأن سويسرا من أرقى بلاد العالم الحديث، ونساءها لا يتهمن بالجمود والرجعية والرضى بالقيود والأغلال! كما يحلو لبعض المتمردات عندنا أن يتهمن زميلاتهن اللاتي يعلن عن رفضهن للإشتغال بالسياسة ... ولذلك فإني أعلن بكل صراحة أن اشتغال المرأة بالسياسة يقف الاسلام منه موقف النفور الشديد إن لم أقل موقف التحريم - لا لعدم أهلية المرأة لذلك - بل للأضرار الاجتماعية التي تنشأ عنه، وللمخالفات الصريحة لآداب الاسلام وأخلاقه، وللجناية البالغة على سلامة الأسرة وتماسكها، وانصراف المرأة عن معالجة شؤونها بكل هدوء وطمأنينة.

стр. 121

في الشؤون الاجتماعية

стр. 122

١ - حق التعلم كانت المرأة عندنا في العصور الأخيرة محرومة من التعليم، مع أن الاسلام يحث على العلم ويرغب فيه الرجال والنساء على السواء، وليس فيه نص واحد صحيح يحرم على المرأة أن تتعلم، وقد قلت إن في تاريخنا مئات العالمات والأدبيات والمحدثات ممن شهرن بذلك ودونت سيرتهن في كتب التراجم. وتحضرني الآن سيرة فاطمة بنت الشيخ علاء الدين السمرقندي الفقيه الحنفي الكبير صاحب تحفة الفقهاء (المتوفي عام ٥٣٩ هـ) فقد كانت فقيهة جليلة، تزوجها تلميذ أبيها الشيخ علاء الدين الكاساني (المتوفي ٥٨٧ هـ) صاحب البدائع الذي بسط فيه كتاب شيخه السمرقندي حتى قيل عنه شرح تحفته وزوجه ابنته، وكانت فاطمة من جلالتها في الفقه ان كان زوجها يخطيء فترده الى الصواب، وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها وخط أبيها، فلما تزوجت بصاحب البدائع كانت الفتوى تخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها. ومما لا ريب فيه أن لجهل المرأة المسلمة في العصور الأخيرة أثراً في تأخر المسلمين، فالأمهات الجاهلات ينجبن أبناء جاهلين خاملين. لذلك كان من النهضة المحمودة أن يفتح للفتاة باب التعليم وأن تكثر فينا الزوجات المتعلمات والأمهات المتعلمات. وكل ما نلاحظه على تعليم الفتاة أنها كانت تدرس نفس المناهج والدروس التي يدرسها الفتى، وهذا خطأ بالغ، فان الفتاة تحتاج في حياتها العملية بعد التخرج الى ما لا يحتاج اليه الفتى، فهي مهيئة بفطرتها وخلقتها لتكون زوجة وأما "ومن ثم فمن الواجب أن تتعلما ما يفيدها في حياتها المقبلة، وقد انشئت في البلاد مدارس لتعلم الفنون النسوية، ومن الخير أن نكثر مثل هذه المدارس وأن تطعم مناهج الدراسة للبنات بقسط أكبر من أصول التربية المنزلية لتكون لها من الخبرة ما يساعدها على النجاح في حياتها المرتقبة. ***

стр. 123

٢ - حق التوظف قلت فيما سبق إن الاسلام نص بصراحة على منع تولي المرأة رئاسة الدولة وبينت الحكمة في ذلك، ثم قلت ويلحق برئاسة الدولة كل ما كان بمعناها في تحمل المسؤوليات الخطيرة. أما سائر الوظائف الأخرى فليس في الاسلام ما يمنع المرأة من توليها لكمال أهليتها، ولكن يجب أن يتم ذلك وفق مبادئ الإسلام وأخلاقه. فلا يصح أن تكون الوظيفة معطلة لعمل الأم في بيتها وإشرافها على شؤون بيتها. ولا يصح أن تختلط الموظفة بالرجال وتبدي من جسمها مالا يجوز كشفه. ولا يصح أن تكون الموظفة في غرفة واحدة مع موظف أو أكثر من الرجال لئلا تتم الخلوة التي يحذر منها الشارع أشد تحذير. هذا من الناحية الشرعية، أما من الوجهة الاجتماعية فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن توظيف المرأة في وظائف الدولة يزاحم الرجال في ميدان عملهم الطبيعي، ومن المشاهد أنه في الوقت الذي تزدحم فيه دوائر الحكومة عندنا بالموظفات، نرى العديدين من المتعلمين حملة الشهادات العليا يتسكعون في الطرقات، أو يملؤون المقاهي جالسين طيلة النهار إذ لا يجدون لهم عملاً في دوائر الحكومة. إن توظيف المرأة بدلاً من الرجل عمل لا تبرره المصلحة، فلو كنا نشكو قلة الأكفاء من الرجال لملء وظائف الدولة لجاز أن يبرر ذلك توظيف المرأة، أما أن نخرج المرأة من بيتها ونأتي بها الى دواوين الدولة، ثم نطرد الشاب من مكانه الطبيعي في دواوين الدولة، ونرده الى البيت أو المقهى أو الشارع. فهذا قلب للأوضاع، وإفساد للمجتمع، وسير بقافلة البلاد الى طريق الفوضى والأزمات.

стр. 124

ومن الملاحظ أن بعض دواوين الدولة عندنا تكاد تكون كلها من النساء، وحسبك أن تقف على بابها عند انتهاء الدوام الرسمي، ثم تنظر أفواج الفتيات وهن خارجات من وظائفهن، فيروعك ما ترى وما تشهد. وقد أصبح من المؤكد أن المرأة في الوظيفة لا تكاد تؤدي نصف عمل الرجل، وقد أذاع بذلك بيانا رئيس دائرة موظفي الدولة في مصر في العام الماضي، وفيه يؤكد هذه الحقيقة، وقد تأكد أيضاً أن الموظفة إن اجتمعت بموظفة مثلها أمضت كثيرا من الوقت في كلام عاطفي لا علاقة له بالوظيفة ولا يمت إلى مصلحة البلاد بسبب. ومن هنا عدلت كثير من الدوائر عندنا عن توظيف المرأة بعد أن كانت تشجع على ذلك، فهنا مؤسسة من أهم مؤسسات الدولة فائدة، وقد أوقفت منذ سنوات توظيف فتيات عندها بعد ما ثبت لها أن الرجل أكثر انتاجا. وقد امتنعت وزارة الخارجية في عهد الوحدة من توظيف النساء في دوائرها بعد ما ثبت لها أن لا فائدة من ذلك الدولة سوى إنفاق الأموال وضياع الأوقات سدى. وإذا أضفنا الى ذلك ما ينشأ من العلاقات العاطفية بين الفتاة الموظفة وبين الرجل الموظف الذي يكون معها في غرفة واحدة، وقد يكون متزوجا وأبا لعدة أولاد. وقد كثرت الشكوى من ذلك على صفحات الصحف، إذا أضفنا هذا الى ما سبق أيقن أنه لا داعي للإكثار من توظيف النساء في دوائر الدولة إلا تقليد الغربيين، ومحاولة إثبات تقدمنا وتطورنا مما يرفع شأننا في نظرهم! .. والواقع أن هذا التفكير ساذج يدعو الى الاستغراب الشديد، فرقي الأمة واحترام الدول لها لا يكون بطرد الشبان من وظائف الدولة، وإحلال الفتيات محلهم، وإنما يكون بمبلغ ما تصل اليه الأمة من وعي، وما تتصف به من نشاط وما تطمح إليه من آمال، وما تملكه من قوة ... فهل يؤدي الى هذا كله توظيف النساء في مؤسسات الدولة؟ هذا سؤال نحيله الى المتحمسين لتوظيف السيدات والفتيات منهن خاصة، من رؤساء بعض المؤسسات الحكومية؟ إن المرأة تستطيع أن تفيد كثيراً في بعض مؤسسات الدولة، كالمستشفيات ومدارس الأطفال، والمدارس الإعدادية والثانوية للبنات، وفي مختلف نواحي

стр. 125

النشاط الاجتماعي الذي تنجح فيه نجاحا كبيراً، وهذا ما يدعونا الى الاهابة بالمسؤولين أن لا يفتحوا باب التوظيف للمرأة على مصراعيه، بل يقتصروا فيه على ما لا ينجح فيه إلا المرأة وما تنجح فيه أكثر من الرجل. وهذا ميدان واسع نستطيع أن نستفيد فيه من مواهب المرأة وخصائصها التي خصها الله بها.

стр. 126

٣ - العمل لا ينازع أحد يفقه أحكام الإسلام في أن عقود المرأة وتصرفاتها التجاربية صحيحة منعقدة لا تتوقف على إجازة أحد من ولي أو زوج، وقد قدمنا ذلك في أول هذه الأبحاث. ولا ينازع أحد في أن المرأة إذا لم تجد من يعولها من زوج أو أقرباء، ولم يقم بيت المال بواجبه نحوها أنه يجوز لها أن تعمل لتكسب قوتها. حتى إن الأب الذي يكلف بالانفاق على ابنته حتى تتزوج، لو رضي بأن تعمل بنته عملاً تكتسب منه كالخياطة مثلاً سقطت نفقتها عنه، وأصبحت هي مسؤولة عن نفسها. قال ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار (٢/ ٦٧١). قال الخير الرملي: لو استغنت الانثى بنحو خياطة وغزل يجب أن تكون نفقتها في كسبها كما هو ظاهر، ولا نقول: تجب (أي النفقة) على الأب مع ذلك إلا إذا كان لا يكفيها فتجب على الأب كفايتها بدفع القدر المعجوز عنه، ولم أره لأصحابنا، ولا ينافيه قولهم بخلاف الأنثى لأن الممنوع إيجارها، ولا يلزم منه عدم الزامها بحرفة تعلمها اهـ. أي أن الممنوع إيجارها للخدمة ونحوهما مما فيه تسليمها للمستأجر، بدليل قولهم لأن المستأجر يخلو بها، وذا لا يجوز في الشرع، وعليه فله دفعها لامرأة تعلمها حرفة كتطريز وخياطة مثلاً. فنحن لا نتكلم الآن فيمن تضطرها حالتها المادية للعمل خارج بيتها، فذلك جائز قطعاً بشرط المحافظة على آداب الاسلام في ذلك كأن لا تخلو بالرجل، وأن لا تبدي زينتها لهم وأن لا تطمعهم في نفسها بمعسول القول أو مشبوه التصرف. وإنما نتكلم في اشتغال المرأة بوجه عام وتركها بيتها وأولادها إن كانت أماً، أو تركها البيت ان كانت فتاة، مع وجود من يتكفل بالانفاق عليها، وصيانتها عن ذل الحاجة في العمل وإرهاقه ومشقاته.

стр. 127

هناك فلسفتان في هذا الموضوع ولكل منها آثارهما الواضحة في المجتمع: ١ - فلسفة الاسلام، في أن البنت والمرأة بوجه عام لا يصح أن تكلف بالعمل لتنفق على نفسها، بل على أبيها أو زوجها أو أخيها مثلاً أن يقوم بالانفاق عليها، لتتفرغ لحياة الزوجية والأمومة، وآثار ذلك جلية واضحة في انتظام شؤون البيت، والاشراف على تربية الأولاد، وصيانة المرأة من عبث الرجال وإغرائهم وكيدهم، لتظل لها سمعتها الكريمة النظيفة في المجتمع. ٢ - فلسفة الغربيين، في أن البنت متى بلغت سناً معينة - وهو في الغالب سبعة عشر عاماً - لا يجب على أبيها أو أقربائها الانفاق عليها، بل يجب عليها أن تفتش عن عمل لها تعيش منه وتدخر ما تقدمه بائنة (دوطة) لزوجها المرتقب. فاذا تزوجت كان عليها أن تسهم مع زوجها في نفقات البيت والأولاد، فاذا شاخت - وكانت لا تزال قادرة على الكسب - وجب عليها أن تستمر في العمل لكسب قوتها ولو كان ابنها من أغنى الناس. وآثار هذه الفلسفة واضحة كما شاهدناه بأعيننا في ديار الغرب، وكما قرأنا عنها في كتابات المفكرين الغربيين، وفي صرخات المرأة الغربية أخيراً. كما ترى في "الملاحق". إن أهم آثار هذه الفلسفة المادية أنها خالية من كل تقدير لرسالة المرأة الخطيرة في الحياة، وأنها تلقى بها في أتون شهوات الرجال وشرهم الجنسي لقاء لقمة العيش، وأنها ترهق المرأة من أمرها عسراً فوق ارهاقها الطبيعي بالحمل والولادة، وأنها تؤدي الى تفكك الأسرة وتشتت شملها، ونشوء الأولاد بعيدين عن مراقبة آبائهم وأمهاتهم. إن كثيرين عندنا - رغبة في مسايرة الحضارة الغربية في كل شيء - ينادون بوجوب فتح باب العمل للمرأة كالرجل سواء بسواء، وهم يغالطون أنفسهم حين يزعمون أن مساواة المرأة بالرجل لا تتم إلا بهذا، وأن سر قوة الغربيين في أن المرأة عندهم تكافح في سبيل الحياة بجانب الرجل، وتتحمل من المسؤوليات مثل ما يتحمل. ولقد ناقشتني فتاة جامعية مرة في هذا الموضوع، وكانت تشتغل ضاربة على الآلة الكاتبة في محل تجاري الى جانب دراستها الجامعية، وهي غير

стр. 128

محتاجة الى العمل، ولكنها قالت: أنا إنما أعمل لأشعر بانسانيتي! فأجبتها بأن العمل وعدمه لا علاقة له بشعور الانسان بانسانيته، فكثير من الذين يشتغلون لا يشعرون أبداً بانسانيتهم، وكثير من الذين لا يعملون بأيديهم، ولكنهم يعملون بجهودهم الفكرية وغيرها هم أكثر الناس شعوراً بانسانيتهم وتقديراً لها. وضربت لها مثلاً بالجندي والموظف، فكل منهما ممنوع بحسب القوانين المرعية في أكثر بلاد العالم من التجارة والكسب بأيديهم، وذلك ليتفرغوا لأداء رسالة اجتماعية هي أكثر فائدة للمجتمع من اشتغالهم بأيديهم، فهل يعتبر منعهم من التجارة والعمل امتهانا لانسانيتهم؟ وهل يشعر الموظف من رئيس الجمهورية حتى أصغر موظف في الدولة أنه فاقد لانسانيته حين يكون في غرفته مكباً على أوراق بين يديه يدرسها ويوقع عليها؟ قالت: أنا لا أريد أن أكون عالة على أبي، بل أريد أن آكل من كد يميني وعرق جبيني. قلت لها: ليس الموظف ولا الجندي اللذان يقبضان رواتبهما من خزينة الدولة أول كل شهر، يشعران بأنهما عالة على الدولة، بل يقبضان رواتبهما بكل كرامة وإعتزاز، لأنهما يؤديان واجباً اجتماعياً نبيلاً، وأنت حين تكونين في بيت أهلك قبل الزواج، تتمرسين على شؤون البيت وأعماله وإدارته بعد الزواج، فأنت في عمل اجتماعي نبيل، أنت في مدرسة تتعلمين فيها الحياة البيتية عملياً من اساتذة مخلصين "وهم أبوك وأمك" ومتى كانت البنت التي تتفرغ للدراسة تخجل من أن تأكل من بيت أبيها؟ ثم اذا تزوجت بعد ذلك تبدأين بالعمل فوراً، وهو عمل يستغرق وقتك كله، فهل أنت حينئذ تكونين عالة على زوجك؟ أم إنك ستقومين بأعمال مرهقة قد تكون أكثر ارهاقاً من عمل زوجك خارج البيت؟ هل ستتركين العمل في البيت لتعملي خارجه؟ أم تقومين بالعملين معاً؟ ان التي أوكلها الله اليك، وفي قيامك بالعملين معاً ارهاق لجسمك لا تتحملينه ولا تقدرين عليه، وهو ظلم منك لنفسك ما بعده ظلم، فالاسلام حين أراد منك أن تتفرغي للأمومة وأعبائها، وألزم زوجك أو وليك بالانفاق عليك إنما صانك عن الابتذال. وكفاك مشقة العمل فوق عملك المرهق فهل انقلبت العناية بك في نظرك الى احتقار وازدراء؟ إن الرغبة المتفشية الآن عندنا في اشتغال المرأة خارج البيت، هو تقليد

стр. 129

غربي بحت، وعلى المرأة أن تتحمل كل ما تحملته المرأة الغربية في هذا السبيل، وعليها أن تقبل بكل نتائج الفلسفة الغربية في هذا الموضوع، فعليها أن تتكفل بنفقات حياتها ودراستها منذ تجاوز الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، وعليها أن تعمل كثيراً لتدخر ما تقدمه لمن ترغب في الاقتران به من مال يرضيه، وعليها أن تشارك الزوج بعد ذلك في نفقاتها ونفقات بيتها وأولادها، وعليها أن تستمر في العمل لكسب قوتها حتى تبلغ الستين من عمرها إذا كانت هنالك أنظمة للتكافل الاجتماعي تكفل معونة الانسان بعد بلوغه سن الستين، وإلا فعليها أن تستمر في العمل حتى تلقى ربها، ولا يحق لها أينما كان، وكيفما كان: في دوائر الحكومة، في الشركات، في المكاتب التجارية، في المخازن الكبرى بائعة أو محاسبة، في بيع الجرائد، في تنظيف الشوارع، في مسح الأحذية، في جمع القمامة (الزبالة) في قطع تذاكر الركاب في السكك الحديدية أو سيارات النقل الكبرى، في تنظيف المحطات، في تنظيف المراحيض العامة، في حراسة الأبنية الكبيرة في أخريات الليل، في قيادة سيارات التكسي (السيارات العمومية) في حمل الاثقال في صناعة الصلب والحديد في حمل الصناديق الثقيلة في المعامل، في كل ما يشتغل فيه الرجل ويقوم به من أعمال. وهذه أعمال رأينا المرأة الغربية تقوم بها في جميع بلاد أوروبا وفي بلاد الاتحاد السوفياتي. فاذا كانت المرأة عندنا الآن ترغب في العمل خارج بيتها، ولا تتعرض إلا لأعمال سهلة لا مشقة فيها، فإنها يجب أن تنتظر الأعمال الشاقة المرهقة كالمرأة الغربية، فالأمر يجر بعضه الى بعض، ومساواة المرأة بالرجل من شأنها أن تجعلها تقوم بكل ما يقوم به. تفكك الأسرة نتيجة اشتغال المرأة وأهم ما في الأمر من خطورة أن فسح المجال أمام المرأة للعمل خارج البيت سيغريها أول الأمر، إذ تجد فيه حرية أوسع من حريتها في بيتها، ثم ما تلبث أن تجد نفسها متورطة في أعمال لا تستطيع الشكوى منها، وآخر ما ينشأ عن ذلك من أخطاء، تفكك الأسرة وتشرد الأطفال، وهذا من أكبر العوامل في انحلال المجتمع وانهياره.

стр. 130

شكوى الغربيين وتذمرهم ولا تظن أن الغربيين راضون بما انتهت إليه حالة الأسرة وحالة المرأة بعد نزولها إلى ميدان العمل، فقد بدأ المفكرون منهم منذ أواخر القرن الماضي يشكون من ذلك، وينذرون بالأخطاء الناشئة عنها، ويعلنون عن قرب انهيار حضارتهم نتيجة لذلك. ونحن نذكر شيئاً من أقوالهم في ذلك. يقول العالم الشهير (أجوست كونت) مؤسس علم الاجتماع الحديث في كتابه (النظام السياسي)، "لو نال النساء يوماً من الأيام هذه المساواة المادية التي يتطلبها لهن الذين يزعمون الدفاع عنهن بغير رضائهن، فان ضمانتهن الاجتماعية تفسد على قدر ما تفسد حالتهن الأدبية لأنهن في تلك الحالة سيكنّ خاضعات في أغلب الصنائع لمزاحمة يومية قوية، بحيث لا يمكنهن القيام بها كما أنه في الوقت نفسه تتكدر المنابع الأصلية للمحبة المتبادلة" (١). ولما كتبت مدام (هيركور) الشهيرة بالمدافعة عن حقوق النساء الى الفيلسوف الاشتراكي المشهور (برودون) تسأله رأيه في مسألة النساء أجابها كما يقول في كتابه (ابتكار النظام) بأن هذه الجهود المبذولة من النساء لا تدل إلا على علة أصابت جنسهن، وهي تبرهن على استعدادهن لتقدير قوة أنفسهن وسياسة أمورهن بذاتهن". وبعد أن برهن على ذلك بالأدلة العلمية قال: إن حالة المرأة في الهيئة الاجتماعية إذا جرت على النسق الذي تريدينه كما هو في حالة الرجل فيكون أمرها انتهى فانها تصير مستعبدة مملوكة (٢) ". ويقول الفيلسوف الاقتصادي "جول سيمون" في مجلة المجلات (المجلد ١٧): "النساء قد صرن الآن نساجات وطباعات الخ الخ وقد استخدمتهن الحكومة في معاملها، وبهذا فقد اكتسبن بضعة دريهمات، ولكنهن في مقابل

стр. 131

ذلك قد قوضن دعائم أسرهن تقويضاً، نعم إن الرجل صار يستفيد من كسب امرأته، ولكن بإزاء ذلك قل كسبه لمزاحمتها له في عمله، ثم قال: "وهناك نساء أرقى من هؤلاء يشتغلن بمسك الدفاتر، وفي محلات التجارات، ويستخدمن في الحكومة في وظيفة التعليم، وبينهن عدد عديدات في التلغرافات والبوسطات (هكذا) والسكك الحديدية وبنك فرنسا والكريدي ليونيه، ولكن هذه الوظائف قد سلختهن من أسرهن سلخاً" (١). ويقول أيضاً (أجوست كونت) في كتابه السابق: "يجب أن يغذي الرجل المرأة: هذا هو القانون الطبيعي لنوعنا الانساني وهو قانون يلائم الحياة الأصلية المنزلية للجنس المحب (النساء) وهذا الاجبار (اجبار الرجل على تغذية المرأة) يشبه ذلك الاجبار الذي يقضي على الطبقة العاملة من الناس بأن تغذي الطبقة المفكرة منهم، لتسطيع هذه أن تتفرغ باستعداد تام لأداء وظيفتها الأصلية، غير أن واجبات الجنس العامل من الجهة المادية (الرجل) نحو الجنس المحب (المرأة) هي أقدس من تلك تبعاً لكون الوظيفة النسوية تقتضي الحياة المنزلية، ولكن بالنسبة للمفكرين فإن هذا الاجبار يكون تضامنياً فقط بخلافه بالنسبة الى النساء فإنه ذاتي". ثم يقول: "وفي حالة عدم وجود زوج ولا أقارب (للمرأة) يجب على الهيئة الاجتماعية أن تضمن حياة كل امرأة، إما في مقابل عدم استقلالها الذي لا يمكنها أن تتجنبه، وإما على الخصوص بالنسبة إلى وظيفتها الأدبية الضرورية، واليك في هذا الموضوع المعنى الحقيقي للرقي الانساني، يجب أن تكون الحياة النسوية منزلية على قدر الامكان، ويجب تخليصها من كل عمل خارجي ليمكنها على ما يرام أن تحقق وظيفتها الحيوية (٢) ". هـ. ويقول (جيوم فربور) البحاثة الشهير في أحوال الانسان وتطوراته في (مجلة المجلات، المجلد: ١٨). "يوجد في أوروبا كثير من النساء اللواتي يتعاطين اشغال الرجال،

стр. 132

ويلتجئن بذلك الى ترك الزواج بالمرة، وأولاء يصح تسميتهن بالجنس الثالث، أي انهن لسن برجال ولا نساء". ثم قال: وقد ابتدأ علماء العمران يشعرون بوخامة عاقبة هذا الأمر المنافي للسنن الطبيعية، فان هاته النسوة بمزاحمتهن للرجال صار بعضهن عالة على المجتمع لا يجدن ما يشتغلن به، ولو تمادى الحال على هذا المنوال لنشأ منه خلل اجتماعي عظيم الشأن (١) ". ويقول (جول سيمون): "يجب أن تبقى المرأة امرأة .. فإنها بهذه الصفة تستطيع أن تجد سعادتها وأن تهبها لسواها، فلنصلح حال النساء ولكن لا نغيرها، ولنحذر من قلبهن رجالاً، لأنهن بذلك يفقدن خيراً كثيراً ونفقد نحن كل شيء، فان الطبيعة قد أتقنت كل ما صنعته، فلندرسها ولنسع في تحسينها، ولنخش كل ما يبعد عن قوانينها وامثلتها (٢) ". وتقول الكاتبة الشهيرة (أنى رورد) في مقالة نشرتها في جريدة (الاستران ميل) في عدد ١٠ مايو ١٩٠١: "لأن يشتغل بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاءً من اشتغالهن في المعامل، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها الى الأبد، الا ليت بلادنا كبلاد المسلمين، فيها الحشمة والعفاف والطهارة رداء الخادمة والرقيق يتنعمان بأرغد عيش ويعاملان كما يعامل أولاد البيت، ولا تمس الأعراض بسوء. نعم إنه لعار على بلاد الانجليز أن تجعل بناتها مثلاً للرذائل بكثرة مخالطة الرجال. فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل بما بوافق فطرتها الطبيعية من القيام في البيت وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها؟ (٣) ". ويقول (جون سيمون) في مجلة المجلات الفرنسية: "المرأة التي تشتغل خارج بيتها تؤدي عمل عامل بسيط ولكنها لا تؤدي عمل امرأة (٤) ".

стр. 133

هذا ما كان من الغربيين منذ أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن، ثم اشتدت حالة الأسرة سوءاً نتيجة كثرة اشتغال النساء خارج بيوتهن. وإنا لنذكر أن هتلر في أواخر أيامه قد بدأ يمنع الجوائز لكل امرأة تترك عملها خارج البيت وتعود الى بيتها، وكذلك فعل موسوليني يومئذ. وقد كثر في الآونة الأخيرة شكوى المفكرين الغربيين من انحلال الأسرة عندهم، وكثرت أبحاثهم لحل هذه المشكلة ويكادون يجمعون على أنه ليس هنالك من سبب لتفكك الأسرة إلا هجر المرأة بيتها لتعمل خارجه. قال الفيلسوف المعاصر "برتراندرسل": "إن الأسرة انحلت باستخدام المرأة في الأعمال العامة، وأظهر الاختبار أن المرأة تتمرد على تقاليد الأخلاق المألوفة، وتأبى أن تظل أمينة لرجل واحد إذا تحررت اقتصاديا (١) ". حين كنت في لندن عام ١٩٥٦ سألني أحد الأساتذة الانجليز: ما هو موقف الاسلام من الحضارة الغربية؟ فأجبته: نأخذ أحسن ما فيها ونترك أسوأ ما فيها. قال: إن هذا غير ممكن، فالحضارة لا تتجزأ، وسأضرب لك مثلاً: إننا في أوروبا منذ بدأ عندنا عصر التصنيع بدء تفكك الأسرة، لأن المرأة صارت تشتغل في المعامل، وهذا أمر لا بد منه ومن هنا تفككت الأسرة. فأجبته: بأن تفكك الأسرة عندكم ليس راجعاً في رأيي الى التصنيع، بل ناشيء من اخراج المرأة من بيتها، وأنتم الغربيون أخرجتموها لباعثين: الأول نفسي وهو رغبتكم في أن تروا المرأة بجانبكم في كل مكان .. في الترام وفي الطريق، وفي المتجر، وفي المطعم، وفي المكتب في دواوين الدولة، والثاني مادي أناني وهو أنكم لا تريدون أن تتحملوا نفقات المرأة من بنت أو زوجة أو أم، فأجبرتموها على العمل لتعيل نفسها بنفسها، فاضطرت لمغادرة البيت، ومن هنا تفككت الأسرة عندكم. قال: وأنتم ماذا تفعلون في مثل هذه المشكلة؟

стр. 134

قلت: إن نظام النفقات في الاسلام يجبر الأب على الانفاق على بنته حتى تتزوج، فاذا تزوجت كانت نفقتها ونفقة أولادها على الزوج وحده، فاذا مات زوجها ولم يكن لها مال ولا ولد، فنفقتها على والدها وهكذا ... إنها لا تجد نفسها في فترة من فترات حياتها في الغالب محتاجة الى أن تدخل المعمل لتأكل وتعيش ... وهنا قال صاحبي متعجباً: نحن الغربيين لا نستطيع أن نتحمل مثل هذه التضحيات! وأذكر أننا حين كنا على ظهر الباخرة من ميناء دوفر بانجلترا الى ميناء اوستن في بلجيكا في تلك الرحلة العلمية، التقينا بفتاة ايطالية تدرس الحقوق في جامعة اكسفورد. وتحدثنا عن المرأة المسلمة وكيف تعيش وما هي حقوقها في الاسلام، وكيف وفر الاسلام لها كل مظاهر الاحترام حين اعفاها من مؤنة العمل لتعيش، بل جعلها تتفرغ لأداء رسالتها كزوجة وأم وربة بيت .. وبعد أن أفضنا في هذا الحديث وقارنا بين حال المرأة في الاسلام وبين حالها في الحضارة الغربية، قالت الفتاة بكل بساطة ووضوح: إنني أغبط المسلمة وأتمنى أن لو كنت مولودة في بلادكم؟ وهنا اغتنمت هذه الفرصة فقلت لها: هل ستحاولين أن تطلبي الى المرأة الغربية العودة الى البيت وأن يقوم الرجل بواجبه نحوها؟. قالت: هيهات! لقد فات الأوان! إن المرأة الغربية بعد أن اعتادت حرية الخروج من البيت وغشيان المجتمعات، يصعب عليها جداً أن تعتاد حياة البيت بعد هذا ولو أني اعتقد في ذلك سعادة لا توازيها سعادة. والواقع أن المجتمع الغربي يعاني من إهمال المرأة للبيت واشتغالها خارجه ما ارتفعت منه الشكوى وما ظهر أثره الواضح في هذا الجيل الجديد الذي نشأ عندهم ويسمى في ألمانيا (هالب شتارك) وفي غيرها (جيمس دين) هذا الجيل الصاخب الفوضوي الذي يطيل شعره ويطلق لحيته ويلبس لباساً غريباً .. ويعربد في الشوارع، ويقلق الراحة العامة، ويحطم الحانات والمقاهي، وهو الآن يشغل رجال الأمن وعلماء التربية والاجتماع .. وقد أجمعت الآراء على أن سبب وجوده هو خلو البيت من المرأة. وقد بدأت المرأة الغربية أو بعض النساء هناك يطالبن بالعودة الى البيت للتفرغ الى اولادهن على أن يجبر الزوج أو الدولة على تأمين معيشتها ومعيشة أولادها. فقد نشرت مجلة "الأسبوع الألمانية" وهي أكبر مجلة أسبوعية تصدر في

стр. 135

ميونيخ بألمانيا رسالة من سيدة ألمانية بتاريخ ٢٩/ ٠٨/١٩٥٩ تقول فيها: "دوما يسمع الانسان ويقرأ كيف قضي على الزوجات والأمهات اللاتي يمارسن عملاً (مثلاً إنهن لا يحصلن على الكفاية) بغض النظر عن النسبة القليلة اللواتي يمارسن عملاً حقيقياً حسب وظيفتهن، فقلائل تلك السيدات اللواتي يعملن من أجل حاجتهن الكمالية ... إن أغلب النساء يعملن لأنهن يجب أن يعملن، ولأن ايراد الرجل قليل لا يكفي حاجيات العائلة الضرورية .. أنا نفسي مثلاً يجب أن أرسل ولدي كل صباح من البيت حتى أستطيع الذهاب الى العمل، لأن ما يكسبه زوجي للبيت لا يكفي لمعيشتنا. إنني أرغب البقاء في منزلي ولكن طالما إن "اعجوبة الاقتصاد الألماني الحديث" لم تشمل كل طبقات الشعب فان أمراً كهذا (العودة الى المنزل) مستحيل ويا للأسف. ويجمع كل من زار الغرب من الشرقيين وبخاصة العرب المسلمين، على أن المرأة هناك أصبحت في وضع مؤلم لا تحسد. وقد زرت أوروبا أربع مرات فما تألمت فيها لشيء كما تألمت لشقاء المرأة الغربية وابتذالها في سبيل لقمة العيش أو رغبتها في أن تكون مثل الرجل تماماً، وقد استطاع الرجل الغربي أن يستغل ضعف المرأة في هذه الناحية فسخرها الى أقصى الحدود في سبيل منافعه المادية وشهواته الجنسية، قد تأكد لي بعد كل ما رأيته أن المرأة المسلمة على ما هي عليه اليوم أسعد حالاً وأكرم منزلة من المرأة الغربية. وأزيد على ذلك أن الذين يخدعون بمظاهر حياة المرأة الغربية كما تبدو في السينما والتلفزيون والمجلات المصورة والحفلات العامة هم قصار النظر جداً، ففي أوروبا كلها عشرات من النساء يحللن مراكز مرموقة؟ بينما تعيش عشرات ملايين النساء فيها في حياة شقية مضنية تشبه حياة الارقاء، وقد تأكد لي أيضاً أن هذه الحرية التي نالتها بالعمل خارج البيت وحضور الحفلات العامة وغيرها هي أوقعتها في رق من نوع جديد لم تعرفه المرأة في أية حضارة من الحضارات السابقة. يقول الأستاذ شفيق جبري في كتابه "أرض السحر": "إن المرأة في أمريكا أخذت تخرج عن طبيعتها في مشاركتها للرجل في اعماله، ان هذه المشاركة لا تلبث أن تضعضع قواعد الحياة الاجتماعية، فكيف تستطيع المرأة أن تعمل في النهار وأن تعنى بدارها وبأولادها في وقت

стр. 136

واحد؟ فالمرأة الأميركية قد اشتطت في هذا السبيل اشتطاطاً قد يؤدي في عاقبة الأمر الى شيء من التنازع بينها وبين الرجل". وقد علقت على ذلك السيدة سلمى الحفار الكزبري من زعيمات الحركة النسائية في بلادنا وقد زارت أوروبا وأمريكا أكثر من مرة فقالت (في جريدة الايام تاريخ ٣ أيلول (سبتمبر) ١٩٦٢): "يلاحظ الأديب الرحالة مثلاً الاميركان يوجهون اطفالهم منذ نعومة أظفارهم لحب الآلة والبطولة في ألعابهم، كما يلاحظ أن النساء أصبحن يمارسن أعمال الرجال في مصانع السيارات، وتنظيف الطرقات، فيتألم لشقاء المرأة في صرف شبابها وعمرها في غير ما يتناسب مع الأنوثة والطبيعة والمزاج، ولقد اسعدني ما قاله الاستاذ جبري لأني عدت من رحلتي للولايات المتحدة منذ خمسة أعوام وأنا أرثي لحال المرأة التي جرفها تيار المساواة الأعمى، فأصبحت شقية في كفاحها لكسب العيش، وفقدت حتى حريتها، هذه الحرية المطلقة التي سعت طويلاً لنيلها إذ أسمت أسيرة للآلة وللدقيقة، لقد أصبح التراجع أمراً صعباً، ومن المؤسف حقاً أن تفقد المرأة أعز وأسمى ما منحتها اياه الطبيعة. وأعني: أنوثتها، ومن ثم سعادتها، لأن العمل المستمر المضني قد أفقدها الجنات الصغيرات التي هي الملجأ الطبيعي للمرأة والرجل على حد سواء والتي لا يمكن أن تتفتح براعمها ويفوح شذاها بغير المرأة الأم وربة البيت، ففي الدور وبين أحضان الأسرة سعادة المجتمع والأفراد، ومصدر الالهام، وينبوع الخير والإبداع". وخلاصة القول في هذا الموضوع أننا لا بد لنا من أن نختار احدى الفلسفتين: فلسفة الاسلام الذي يصون كرامة المرأة ويفرغها لاداء رسالتها الاجتماعية كزوجة وأم، وفي سبيل ذلك يجب أن يتكفل المجتمع بضمان حاجاتها المعاشية، وذلك بالزام الزوج واقربائها الانفاق عليها وعلى أولادها، وليس في ذلك غضاضة عليها، ما دامت تتفرغ لأهم عمل اجتماعي فيه سعادة الأمم ورقيها. أو بين فلسفة الحضارة الغربية المادية التي ترهقها بمطالب الحياة وتجبرها على أن تكدح وتعمل لتأمين معيشتها، مع وظيفتها الطبيعية كزوجة وأم. وبذلك تخسر نفسها وأولادها ويخسر المجتمع استقرار حياة الأسرة فيه وتماسكها والعناية بها. ونحن المسلمون ما رأينا خيراً من فلسفة الاسلام ونظامه: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون؟﴾

стр. 137

٤ - الإختلاط هنا حقائق شرعية ينبغي أن نتذكرها في هذا الشأن: ١ - لا يجيز الاسلام أن تبدي المرأة من زينتها ولا من سائر جسمها إلا وجهها وكفيها من غير زينة ولا بهرجة، فلا يجيز كشف الشعر والصدر والنحر والساعدين مما تفعله كثير من نسائنا وبناتنا المتأثرات بالحضارة الغربية. ٢ - لا يجيز الاسلام أن تخلو المرأة برجل أجنبي عنها ولو كانت محتشمة في لباسها ومظهرها. وفي ذلك جاء الحديث الشريف: "ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" وهذا شاهد معلوم مؤيد بالوقائع والحوادث المتعددة. وعلى هذا فلا يجيز الاسلام أن تستقبل المرأة في بيتها رجلاً أجنبيا عنها أو قريباً غير محرم لها مهما يكن صديقاً لزوجها أو للأسرة كما يقولون. ٣ - لا يجيز الاسلام أن تختلط المرأة بالرجال في الحفلات العامة أو المنتديات ولو كانت محتشمة، وإنما الذي يجيزه الاسلام أن تجتمع المرأة مع الرجال في ثلاث مواطن: أ- مواطن العبادة. فيجوز أن تحضر صلاة الجمعة وصلاة الجماعة على أن يكون مكانها منفصلاً عن الرجال. ب- في أماكن العلم. فيجوز أن تحضر المرأة مجالس العلم مع الرجال على أن تكون منفصلة عنهم أيضاً، وأن تكون مرتدية اللباس الشرعي الذي لا يبدي غير وجهها وكفيها. جـ- في ميدان الجهاد حين يعلن النفير العام، فتخرج للجهاد مع الرجال على أن تكون منفصلة عنهم، لها مكانها الخاص وتجمعاتها الخاصة. وفلسفة الاسلام في هذه الأحكام متمشية مع فلسفته الخاصة بالمرأة فهو يرى أن إكرامها يكون بالاعتراف بحقوقها التي تقتضيها اهليتها، وبابعادها عن

стр. 138

مواطن الشباب ومزالق الشهوات حتى تكون لها سمعتها العطرة كفتاة يتزاحم الشباب على الاقتران بها، وكزوجة يتحدث الناس عن اخلاصها لزوجها واستقامتها، وكأم تعرف كيف تغرس في نفوس أبنائها وبناتها معاني الشرف والفضيلة، والكرامة والرجولة الكاملة أو الأنوثة الفاضلة. فكل ما يفوت على المرأة هذه الأجواء الكريمة يقصيها الاسلام عنها، ولو كانت في ذاتها من أفضل النساء وأعفهن، فإن ألسنة السوء تتناول الصالحة والطالحة حين التعرض للشبهات، والنفس أمارة بالسوء، وطبيعة الرجل اذا التقت مع طبيعة المرأة كان منهما ما يكون بين كل رجل وامرأة من الميل والأنس والاستراحة الى الحديث والكلام، وبعض الشيء يجر الى بعض الشيء، وإغلاق باب الفتنة أو الشبهة احزم وأحكم وأبعد عن الندامة في المستقبل. لهذا كله يتشدد الاسلام في منع اختلاط النساء بالرجال، وقد قامت حضارته الزاهرة التي فاقت كل الحضارات في انسانيتها ونبلها وسموها على الفصل بين الجنسين، ولم يؤثر هذا الفصل على تقدم الأمة المسلمة وقيامها بدورها الحضاري الخالد في التاريخ. واليوم وقد امتدت الينا عدوى عادات الغربيين في كل شيء، بدأت مجتمعاتنا تفتح صدرها للاختلاط في الحفلات العامة، وفي دور السينما وغيرها، ثم امتدت الى الحفلات الرسمية، فبدأت الدعوات توجه الى الرجل وعقيلته، ومن المؤسف أن هذه العدوى امتدت أخيراً الى سفارات عربية اسلامية تمثل دولاً عرفت في العالم كله بأنها دول اسلامية، فكان على سفاراتها أن تراعي تمثيلها لأخلاق دولها وآداب دينها، ولكنه التقليد الأعمى لما يشكو منه عقلاء الغربيين أنفسهم. ومن الواجب أن نذكر هنا تأثير اختلاط المرأة كما نعرفه في أوروبا على حضارة الأمة ونهضتها، وأثر ذلك في سقوط الحضارتين اليونانية والرومانية، وفي سقوط الحضارة الغربية الحديثة. فمن المعلوم تاريخياً أن من أكبر أسباب انهيار الحضارة اليونانية تبرج المرأة ومخالطتها للرجال ومبالغتها في الزينة والاختلاط. ومثل ذلك حصل تماما للرومانيين، فقد كانت المرأة في أول حضارتهم مصونة، محتشمة فاستطاعوا أن يفتحوا الفتوح ويوطدوا أركان امبراطوريتهم

стр. 139

العظيمة، فلما تبرجت المرأة وأصبحت ترتاد المنتديات والمجالس العامة وهي في أتم زينة وأبهى حلة فسدت أخلاق الرجال، وضعفت ملكتهم الحربية وانهارت حضارتهم انهياراً مريعاً. تقول دائرة معارف القرن التاسع عشر: "كان النساء عند الرومانيين محبات للعمل مثل محبة الرجال له، وكن يشتغلن في بيوتهن، أما الأزواج والآباء فكانوا يقتحمون غمرات الحروب، وكان أهم أعمال النساء بعد تدبير المنزل الغزل وشغل الصوف". ثم دعاهم بعد ذلك داعي اللهو والترف الى إخراج النساء من خدورهن ليحضرن معهم مجالس الأنس والطرب، فخرجن كخروج الفؤاد من بين الأضالع، فتمكن الرجل لمحض نفسه من اتلاف أخلاقهن وتدنيس طهارتهن وهتك هيائهن حتى صرن يحضرن المراقص ويغنين في المنتديات، وساد سلطانهن حتى صار لهن الصوت الأول في تعيين رجال السياسة وخلعهم، فلم تلبث دولة الرومان على هذه الحالة حتى جاءها الخراب من حيث تدري ولا تدري. وقد قام في اليونان حكماء نبهوا أمتهم إلى أخطار التهاون في تبرج المرأة واختلاطها بالرجال. قالت دائرة معارف القرن التاسع عشر (١): لما حصلت لدى الرومان ثورة يقصد بها نسخ القانون الذي كان يحدد بذخ النساء وتبرجهن. قام (كاتون) وهو ذلك الروماني المشهور بالفلسفة والحكمة بين جمهور الرومانيين في القرن الثاني قبل الميلاد وقال: "أتتوهمون معشر الرومانيين أنه يسهل عليكم احتمال النساء والرضاء بهن إذا مكنتموهن من فصم الروابط التي تقيد استقلالهن وتخضعهن لأزواجهن؟ ألم يصعب علينا حتى مع وجود هذه القيود إلجاؤهن إلى أداء واجباتهن؟ أما ترون أنهن سيصرن مساويات لنا وسيوقعننا تحت نيرهن؟ أي حجة مقبولة يمكنكم بسطها لتبرئة اجتماعهن الثوري؟ لقد أجابتني واحدة منهن قائلة إننا نريد أن نكون متلألئات في الذهب والأقمشة القرمزية، وأن نتمشى في طرق المدينة في

стр. 140

أيام الأعياد وسائر الأيام الأخرى، ونركب في المركبات الفخمة لأجل أن نظهر انتصارنا (على ذلك القانون الممسوخ الذي يجبرهن علىعدم الابتذال) وأن نتمتع بحرية انتخابكم، ونريد أيضاً أن لا تضعوا حداً لنفقاتنا وبذخنا". "فيا أيها الرومان لقد سمعتموني كثيراً ما أشكوا من إسراف الرجال والنساء والعامة والمشترعين أيضاً، ولقد سمعتموني كثيراً ما أقول: إن الجمهورية مصابة بدائين متناقضين: الشح والبذخ، وهما الداءان اللذان قلبا الممالك العظيمة رأساً على عقب". ثم أردفت دائرة معارف القرن التاسع عشر تقول: إن (كاتون) لم ينجح في دفاعه عن ذلك القانون، ولكن تحققت انذاراته كاملة، وفي حياتنا الاجتماعية الحاضرة التي يتمتع فيها النساء بحرية مفرطة نرى دناءة ذوقهن (كذا! ... ) وميلهن الشديد الذي يحملهن دائماً على الاشتغال بجمالهن وبكل ما يزيد حسنهن ورُواءهن، كل ذلك أكثر حظاً مما كانت عليه الحالة في روما. ثم قالت دائرة المعارف: إنا لسنا أول من لاحظ هذا الأثر السيء الذي يحدثه حب النساء للزينة يوماً فيوماً على أخلاقنا، فان أشهر كتابنا لم يهملوا الاشتغال بهذا الموضوع الخطير. فكيف النجاة من هذا الداء الذي يقرض مدنيتنا الحالية ويهددنا بسقوط سريع جداً، وإن شئت فقل بانحطاط لا دواء له (١). ومن الملاحظ أن عقلاء الأوروبيين بدؤوا يحذرون قومهم من المصير الذي انتهى اليه الرومان نتيجة الافراط في تبرج المرأة واختلاطها، فنجد العلامة (لويز برول) يقول في مجلة المجلات (المجلد ١١) تحت عنوان السياسي ما يأتي: "إن فساد الأسس السياسية وجد في كل زمان، ومن الغريب المدهش أن عوامله في الزمن الغابر هي ذات عوامله في الزمن الحاضر، يعني أن المرأة كانت العامل الأقوى في هدم الأخلاق الفاضلة (٢) ". ثم أخذ هذا العالم يقارن بين العلامات المنذرة اليوم وبين ما كان في عهد جمهورية الرومان حتى قال: "لقد كان الرجال السياسيون في آخر عهد الجمهورية الرومانية يعيشون

стр. 141

صحبة النساء ذوات الطبائع الخفيفة اللاتي كان عددهن بالغاً في الكثرة، فصار الحال اليوم كما كان في ذلك العهد ترى النساء اندفعن في تيار الحب البالغ حد الجنون وراء البذخ واللذات". وقالت الكاتبة الانجليزية (اللادي كوك) في جريدة (الايكو): "إن الاختلاط يألفه الرجال، ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها، وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا، وههنا البلاء العظيم على المرأة". ثم قالت: "أما آن لنا أن نبحث عما يخفف - إذا لم نقل عما يزيل - هذه المصائب العائدة بالعار على المدنية الغربية؟ أما آن لنا أن نتخذ طرقاً تمنع قتل ألوف الآلاف من الأطفال الذين لا ذنب لهم بل الذنب على الرجل الذي أغرى المرأة المجبولة على رقة القلب". "يا أيها الوالدان! لا يغرنكما بعض دريهمات تكسبها بناتكما باشتغالهن في المعامل ونحوها، ومصيرهن إلى ما ذكرنا، علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد، لقد دلنا الاحصاء على أن البلاء الناتج عن حمل الزنا يعظم ويتفاقم حيث يكثر إختلاط النساء بالرجال، ألم تروا أن أكثر أمهات أولاد الزنا من المشتغلات في المعامل والخادمات في البيوت وكثير من السيدات المعرضات للأنظار، ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للاسقاط لرأينا أضعاف ما نرى الآن، لقد أدت بنا هذه الحال الى حد من الدناءة لم يكن تصورها في الإمكان ... وهذا غاية الهبوط بالمدنية (١) ". وقال شوبنهور الفيلسوف الألماني في كتابه "كلمة عن النساء": "قل هو الخلل العظيم في ترتيب أحوالنا الذي دعا المرأة لمشاركة الرجل في علو مجده وباذخ رفعته، وسهل عليها التعالي في مطامعها الدنيئة (كذا .. ) حتى أفسدت المدنية الحديثة بقوي سلطانها ودنيء آرائها (كذا ... ). " ويجدر بي أن أذكر هنا ما قاله اللورد (بيرون) في كتابه "الرسائل والجرائد" جزء ٢ ص ٣٩٩ قال: لو تفكرت أيها المطالع فيما كانت عليه المرأة في عهد قدماء اليونان لوجدتها في حالة يقبلها العقل، ولعلمت أن الحالة

стр. 142

الحاضرة (حالة المرأة) لم تكن غير بقية من همجية القرون الوسطى (عند الغربيين): حالة مصطنعة مخالفة للطبيعة، ولرأيت معي وجوب اشغال المرأة بالأعمال المنزلية مع تحسين غذائها وملبسها فيه، وضرورة حجبها عن الاختلاط بالغير، وتعليمها الدين، وابعادها عن الشعر والسياسة، وعن قراءة كل كتاب يبحث في غير الدين والطباخة (١) ". أقول: إن ديننا لا يسمح بوصف النساء بما وصفهن شوبنهور، ولكن ذكرته للعظة والاعتبار. وكتب الأستاذ (جيوم فريرو) في المجلد الأول من مجلة المجلات ما يلي: إن العلامات المنذرة بقرب حلول الأزمة النهائية لهذا الشكل من المدنية الذي تعيش فيه كثيرة جداً "بحيث لا يمر يوم حتى يقف الباحث على إنذارات جديدة فيه، فلنعط نحن أيضاً أنفسنا وظيفة الطبيب، ولنجتهد في مساعدة ما شخصه الأطباء من هذا المرض الاجتماعي في زماننا هذا بدرس الشكل الجديد من الرهبنة التي مع عدم استنادها الى دين تهددنا بأنها ستصل الى الحد الذي وصلت إليه الرهبنة الدينية في زمن من أزمنة القرون الوسطى". إلى أن يقول: "إن الشروط الاجتماعية الحالية تستدعي عفة المرأة في عزوبتها، والعفاف يقتضي حذف وظيفة الأمومة وهي الوظيفة التي خلقت المرأة لأجلها جسما وروحاً، لا شك إذاً أن في هذه الحالة يجب أن تفسد شخصيتها فسادا ذريعاً، ولا شك أيضاً في أن عدداً كبيراً من هذه النسوة يحدثن آثاراً هائلة على الهيئة الاجتماعية (٢) ". حجة المنادين بوجوب اشتغال المرأة لا بد لنا من أن نتعرض لأهم حجة يستند إليها المتحمسون في بلادنا لاشتغال المرأة خارج بيتها، وهي أن إشتغالها يزيد في الثروة القومية للبلاد، وان البلاد تخسر كثيرا بقصر عمل المرأة على أعمال البيت، عدا ما فيه من تعويد على الكسل وقتل وقتها بما لا يفيد، ويتندر بعضهم بسمن النساء في

стр. 143

بلادنا سمناً لا يوجد مثيله في البلاد الغربية التي يشتغل فيها نساؤها. ودحض هذه الحجة "الاقتصادية" سهل إذا تذكرنا الحقائق التالية: ١ - إن اشتغال المرأة يؤثر على الحياة الاقتصادية تأثيراً سيئاً، باعتبار أن إشتغالها فيه مزاحمة للرجل في ميدان نشاطه الطبيعي، مما يؤدي الى نشر البطالة في صفوف الرجال، كما وقع في بلادنا منذ أخذت المرأة طريقها الى وظائف الدولة فقد أصبح عدد كبير من حملة الشهادات الثانوية والعليا عاطلين عن العمل، يملؤون المقاهي، ويقرعون أبواب الحكومة طلباً للوظائف، بينما تحتل أمكنتهم فتيات لا يحملن غالباً مثل مؤهلاتهم وكفاءاتهم. ومثل ذلك يقع الآن في أمريكا فقد أدت مزاحمة المرأة للرجل إلى بطالة متفسية في الرجال تزداد يوماً بعد يوم، وسترى في "الملاحق" ما يؤيد هذا. ٢ - إذا ثبت أن إشتغال المرأة يؤدي الى بطالة الرجل، كان من المحتمل أن يكون هذا الرجل الذي زاحمته زوجها أو أباها أو أخاها، فأي ربح إقتصادي للأسرة، إذا كان اشتغال المرأة يؤدي إلى بطالة عميدها والمكلف بالانفاق عليها؟ ٣ - إن مصالح الشعوب لا تقاس دائماً بالمقياس المادي البحت، فلو فرضنا أن اشتغال المرأة يزيد في الثروة القومية، إلا أنه من المؤكد أن الأمة تخسر بذلك خسارة معنوية واجتماعية لا تقدر، تلك هي خسارتها بانسجام الأسرة وتماسكها، فقد ذكرنا فيما مضى - وسترى ذلك في الملاحق - أن الغرب خسر كثيراً باشتغال المرأة، حيث انهار صرح الأسرة، وفسدت أخلاق الأولاد، فأي الخسارتين أبلغ ضرراً في الأمة؟ الخسارة المادية! أم الخسارة الاجتماعية! إن الذين يلحون على ضرورة إشتغال المرأة خارج بيتها لتكسب البلاد نتيجة عمل المرأة، لا يبالون بما تخسره البلاد من تفكك الأسرة، وفقدان الرقابة والرعاية على تربية أبنائها وبناتها، ومثل هؤلاء يتبنون فلسفة مادية بحتة - وهذا ما تفعله الشيوعية تماماً - ولكن المجتمع لا تتم سعادته إذا نظر الى القيم الأخلاقية والروحية والعائلية نظرة ثانوية أو نظرة ازدراء، ومجتمعنا مجتمع متدين تسيّر سلوكه المبادئ الأخلاقية التي جاءت بها أديانه، فلا يمكن أبداً أن ينظر إلى الأسرة بالمنظار الذي تنظر به الشيوعية والحضارة الغربية المادية اليها،

стр. 144

وإلا كان ذلك خراباً للمجتمع في نظر أديانه ومبادئه ومثله الخلقية، ورسالته الانسانية. إن النظر الى كل فرد في المجتمع كآلة منتجة لا تهتم الدولة إلا بزيادة إنتاجها، هو رجوع بالانسان الى الوراء .... إلى عهود الرق والعبودية والسخرة ... وهذا ما لا ترضاه الانسانية الكريمة في انسان مجتمعنا المتدين الراقي بعواطفه وأخلاقه ومثله العليا ... ٤ - على أن هذه النظرة المادية لا تنطبق على واقع حياتنا وحياة المجتمعات الأخرى حتى في الشيوعية نفسها، فهنالك - في كل مجتمع - فئات معطلة عن الانتاج المادي، فالجيوش والموظفون لا يزيدون في ثروة الأمة المادية، وقد رضيت كل الأمم بأن يتفرغ الجيش لحماية البلاد، دون أن تلزمه بالعمل والكسب، فهل يقال أن هذا تعطيل للثروة البشرية يؤدي الى انخفاض الثروة القومية في البلاد؟ أم إن هؤلاء المنادين باشتغال المرأة خارج بيتها يوافقون على حرمان الأمة من جهود أفراد الجيش الاقتصادية في سبيل مصلحة أعلى وأثمن من المنفعة الاقتصادية؟ وإذا كان كذلك فهل يكون التفرغ لشؤون الأسرة أقل فائدة للأمة من تفرغ الجيش لحماية البلاد؟ أم يريدون أن ترهق المرأة بالعملين معاً؟ إن حياة الناس - أي ناس كانوا - ليست كلها تحسب بحساب الربح والخسارة المادية، فالكرم والشهامة والتضحية والوفاء، وبذل العون للآخرين كل ذلك خسران مادي، ولكنه ربح عظيم لا يتخلى عنه الناس الشرفاء الذين يعتزون بكرامتهم الانسانية. وليست صيانة الأسرة، ورعاية الطفولة، وتربية الأولاد بأقل شأناً في نظر الانسان الراقي المعتز بانسانيته من تلك القيم الاخلاقية التي لا تقاس بالمقياس المادي البحت. وأخيراً فإن خوض الأمة معارك الدفاع عن حياتها أو انتزاع استقلالها من أيدي المغتصبين، ترحب به كل أمة، بل لا تستطيع أي أمة كانت أن تفعل غيره، فكم تحلق بالأمة من خسائر مادية وبشرية في سبيل الدفاع المشروع؟ وهل يجرؤ أحد على أن يدعو الأمة الى تسريح جيشها، وعدم شراء الأسلحة والذخائر أو صنعهما، وعدم مقاومة المغيرين المعتدين بحجة أن في ذلك كله خسارة مادية، واضراراً بالانتاج القومي والثروة العامة في البلاد؟.

стр. 145

٥ - ثم أي معنى لقول من يقول: ان وجود المرأة في البيت يعودها الكسل ولذلك تسمن نساؤنا أكثر من الغربيين، إن مثل هؤلاء لا يعرفون متاعب البيت وأعماله، وكيف تشكو المرأة من عنائه، فما يمسي المساء إلا وهي منهوكة القوى تروح عن نفسها بالاجتماع الى جاراتها وصديقاتها. والبنت ما دامت في المدرسة فهي تتلقى العلم فلا يجوز ارهاقها بالعمل معه. واذا انتهت من المدرسة لا تمكث في بيت أبيها وأمها إلا بمقدار ما تتهيء للانتقال الى بيت الزوجية، فهي في هذه الحالة تتلقى دروساً عملية عن أمها في إدارة البيت وأعماله وشؤونه، فلا يجوز مع ذلك إرهاقها بالعمل خارج البيت .... إن الذي أؤكده في الموضوع أن اعمال المرأة في البيت - بنتاً كانت أم زوجة - لا تقل عن أعمالها خارج البيت مشقة وعناءً. وكثيرا ما تكون أكثر مشقة وإرهاقاً. أما ما يزعمون من سمن المرأة الشرقية فهذه نكتة لا تستحق المناقشة لولا اننا سمعناها كثيرا من هؤلاء المتحمسين لعمل المرأة خارج بيتها، ذلك أن السمن والنحافة تابعان لنظام التغذية "ومما لا ينكر أن نظامنا في الطعام يؤدي الى السمنة في الرجل والمرأة على السواء، بل الملاحظ أن السمن عند الرجال في الغرب كما شاهدنا ذلك، ويؤكد هذا ان الاعراب المقيمين في الصحراء قل أن يوجد فيهم السمين، ولقد لاحظت في احدى المرات التي أديت فيها فريضة الحج وقد حضره من مختلف أنحاء الجزيرة العربية ما يبلغ نحواً من ثلاثمائة ألف بدوي، لاحظت حينئذ أنه قل أن يوجد بينهم سمين، بل إني لم أر من هذا العدد الضخم سميناً واحداً قط. فالقضية تابعة لنظام التغذية ونوع الغذاء لا الى الراحة أو التعب. الخطر المرتقب: من هذا كله يتبين لنا أن الخطر الذي يحدق اليوم بالحضارة الغربية كما أحدق من قبل بالحضارتين اليونانية والرومانية نتيجة تبرج المرأة واختلاطها الفاحش بالرجال، سيحدق بنا نحن أيضاً مع فارق واضح، وهو أن هذه الحضارات التي كان تبرج المرأة مرضاً من أمراضها القاضية عليها قد بلغ أصحابها ذروة الحضارة عندهم، بينما يحدق بنا الخطر ونحن في أول طريق
следующие страницы →