← Фикх общий

Фикх общий · id 828

المرأة بين الفقه والقانون

مصطفى السباعي

Полный текст (242 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

صحبة النساء ذوات الطبائع الخفيفة اللاتي كان عددهن بالغاً في الكثرة، فصار الحال اليوم كما كان في ذلك العهد ترى النساء اندفعن في تيار الحب البالغ حد الجنون وراء البذخ واللذات". وقالت الكاتبة الانجليزية (اللادي كوك) في جريدة (الايكو): "إن الاختلاط يألفه الرجال، ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها، وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا، وههنا البلاء العظيم على المرأة". ثم قالت: "أما آن لنا أن نبحث عما يخفف - إذا لم نقل عما يزيل - هذه المصائب العائدة بالعار على المدنية الغربية؟ أما آن لنا أن نتخذ طرقاً تمنع قتل ألوف الآلاف من الأطفال الذين لا ذنب لهم بل الذنب على الرجل الذي أغرى المرأة المجبولة على رقة القلب". "يا أيها الوالدان! لا يغرنكما بعض دريهمات تكسبها بناتكما باشتغالهن في المعامل ونحوها، ومصيرهن إلى ما ذكرنا، علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد، لقد دلنا الاحصاء على أن البلاء الناتج عن حمل الزنا يعظم ويتفاقم حيث يكثر إختلاط النساء بالرجال، ألم تروا أن أكثر أمهات أولاد الزنا من المشتغلات في المعامل والخادمات في البيوت وكثير من السيدات المعرضات للأنظار، ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للاسقاط لرأينا أضعاف ما نرى الآن، لقد أدت بنا هذه الحال الى حد من الدناءة لم يكن تصورها في الإمكان ... وهذا غاية الهبوط بالمدنية (١) ". وقال شوبنهور الفيلسوف الألماني في كتابه "كلمة عن النساء": "قل هو الخلل العظيم في ترتيب أحوالنا الذي دعا المرأة لمشاركة الرجل في علو مجده وباذخ رفعته، وسهل عليها التعالي في مطامعها الدنيئة (كذا .. ) حتى أفسدت المدنية الحديثة بقوي سلطانها ودنيء آرائها (كذا ... ). " ويجدر بي أن أذكر هنا ما قاله اللورد (بيرون) في كتابه "الرسائل والجرائد" جزء ٢ ص ٣٩٩ قال: لو تفكرت أيها المطالع فيما كانت عليه المرأة في عهد قدماء اليونان لوجدتها في حالة يقبلها العقل، ولعلمت أن الحالة

стр. 142

الحاضرة (حالة المرأة) لم تكن غير بقية من همجية القرون الوسطى (عند الغربيين): حالة مصطنعة مخالفة للطبيعة، ولرأيت معي وجوب اشغال المرأة بالأعمال المنزلية مع تحسين غذائها وملبسها فيه، وضرورة حجبها عن الاختلاط بالغير، وتعليمها الدين، وابعادها عن الشعر والسياسة، وعن قراءة كل كتاب يبحث في غير الدين والطباخة (١) ". أقول: إن ديننا لا يسمح بوصف النساء بما وصفهن شوبنهور، ولكن ذكرته للعظة والاعتبار. وكتب الأستاذ (جيوم فريرو) في المجلد الأول من مجلة المجلات ما يلي: إن العلامات المنذرة بقرب حلول الأزمة النهائية لهذا الشكل من المدنية الذي تعيش فيه كثيرة جداً "بحيث لا يمر يوم حتى يقف الباحث على إنذارات جديدة فيه، فلنعط نحن أيضاً أنفسنا وظيفة الطبيب، ولنجتهد في مساعدة ما شخصه الأطباء من هذا المرض الاجتماعي في زماننا هذا بدرس الشكل الجديد من الرهبنة التي مع عدم استنادها الى دين تهددنا بأنها ستصل الى الحد الذي وصلت إليه الرهبنة الدينية في زمن من أزمنة القرون الوسطى". إلى أن يقول: "إن الشروط الاجتماعية الحالية تستدعي عفة المرأة في عزوبتها، والعفاف يقتضي حذف وظيفة الأمومة وهي الوظيفة التي خلقت المرأة لأجلها جسما وروحاً، لا شك إذاً أن في هذه الحالة يجب أن تفسد شخصيتها فسادا ذريعاً، ولا شك أيضاً في أن عدداً كبيراً من هذه النسوة يحدثن آثاراً هائلة على الهيئة الاجتماعية (٢) ". حجة المنادين بوجوب اشتغال المرأة لا بد لنا من أن نتعرض لأهم حجة يستند إليها المتحمسون في بلادنا لاشتغال المرأة خارج بيتها، وهي أن إشتغالها يزيد في الثروة القومية للبلاد، وان البلاد تخسر كثيرا بقصر عمل المرأة على أعمال البيت، عدا ما فيه من تعويد على الكسل وقتل وقتها بما لا يفيد، ويتندر بعضهم بسمن النساء في

стр. 143

بلادنا سمناً لا يوجد مثيله في البلاد الغربية التي يشتغل فيها نساؤها. ودحض هذه الحجة "الاقتصادية" سهل إذا تذكرنا الحقائق التالية: ١ - إن اشتغال المرأة يؤثر على الحياة الاقتصادية تأثيراً سيئاً، باعتبار أن إشتغالها فيه مزاحمة للرجل في ميدان نشاطه الطبيعي، مما يؤدي الى نشر البطالة في صفوف الرجال، كما وقع في بلادنا منذ أخذت المرأة طريقها الى وظائف الدولة فقد أصبح عدد كبير من حملة الشهادات الثانوية والعليا عاطلين عن العمل، يملؤون المقاهي، ويقرعون أبواب الحكومة طلباً للوظائف، بينما تحتل أمكنتهم فتيات لا يحملن غالباً مثل مؤهلاتهم وكفاءاتهم. ومثل ذلك يقع الآن في أمريكا فقد أدت مزاحمة المرأة للرجل إلى بطالة متفسية في الرجال تزداد يوماً بعد يوم، وسترى في "الملاحق" ما يؤيد هذا. ٢ - إذا ثبت أن إشتغال المرأة يؤدي الى بطالة الرجل، كان من المحتمل أن يكون هذا الرجل الذي زاحمته زوجها أو أباها أو أخاها، فأي ربح إقتصادي للأسرة، إذا كان اشتغال المرأة يؤدي إلى بطالة عميدها والمكلف بالانفاق عليها؟ ٣ - إن مصالح الشعوب لا تقاس دائماً بالمقياس المادي البحت، فلو فرضنا أن اشتغال المرأة يزيد في الثروة القومية، إلا أنه من المؤكد أن الأمة تخسر بذلك خسارة معنوية واجتماعية لا تقدر، تلك هي خسارتها بانسجام الأسرة وتماسكها، فقد ذكرنا فيما مضى - وسترى ذلك في الملاحق - أن الغرب خسر كثيراً باشتغال المرأة، حيث انهار صرح الأسرة، وفسدت أخلاق الأولاد، فأي الخسارتين أبلغ ضرراً في الأمة؟ الخسارة المادية! أم الخسارة الاجتماعية! إن الذين يلحون على ضرورة إشتغال المرأة خارج بيتها لتكسب البلاد نتيجة عمل المرأة، لا يبالون بما تخسره البلاد من تفكك الأسرة، وفقدان الرقابة والرعاية على تربية أبنائها وبناتها، ومثل هؤلاء يتبنون فلسفة مادية بحتة - وهذا ما تفعله الشيوعية تماماً - ولكن المجتمع لا تتم سعادته إذا نظر الى القيم الأخلاقية والروحية والعائلية نظرة ثانوية أو نظرة ازدراء، ومجتمعنا مجتمع متدين تسيّر سلوكه المبادئ الأخلاقية التي جاءت بها أديانه، فلا يمكن أبداً أن ينظر إلى الأسرة بالمنظار الذي تنظر به الشيوعية والحضارة الغربية المادية اليها،

стр. 144

وإلا كان ذلك خراباً للمجتمع في نظر أديانه ومبادئه ومثله الخلقية، ورسالته الانسانية. إن النظر الى كل فرد في المجتمع كآلة منتجة لا تهتم الدولة إلا بزيادة إنتاجها، هو رجوع بالانسان الى الوراء .... إلى عهود الرق والعبودية والسخرة ... وهذا ما لا ترضاه الانسانية الكريمة في انسان مجتمعنا المتدين الراقي بعواطفه وأخلاقه ومثله العليا ... ٤ - على أن هذه النظرة المادية لا تنطبق على واقع حياتنا وحياة المجتمعات الأخرى حتى في الشيوعية نفسها، فهنالك - في كل مجتمع - فئات معطلة عن الانتاج المادي، فالجيوش والموظفون لا يزيدون في ثروة الأمة المادية، وقد رضيت كل الأمم بأن يتفرغ الجيش لحماية البلاد، دون أن تلزمه بالعمل والكسب، فهل يقال أن هذا تعطيل للثروة البشرية يؤدي الى انخفاض الثروة القومية في البلاد؟ أم إن هؤلاء المنادين باشتغال المرأة خارج بيتها يوافقون على حرمان الأمة من جهود أفراد الجيش الاقتصادية في سبيل مصلحة أعلى وأثمن من المنفعة الاقتصادية؟ وإذا كان كذلك فهل يكون التفرغ لشؤون الأسرة أقل فائدة للأمة من تفرغ الجيش لحماية البلاد؟ أم يريدون أن ترهق المرأة بالعملين معاً؟ إن حياة الناس - أي ناس كانوا - ليست كلها تحسب بحساب الربح والخسارة المادية، فالكرم والشهامة والتضحية والوفاء، وبذل العون للآخرين كل ذلك خسران مادي، ولكنه ربح عظيم لا يتخلى عنه الناس الشرفاء الذين يعتزون بكرامتهم الانسانية. وليست صيانة الأسرة، ورعاية الطفولة، وتربية الأولاد بأقل شأناً في نظر الانسان الراقي المعتز بانسانيته من تلك القيم الاخلاقية التي لا تقاس بالمقياس المادي البحت. وأخيراً فإن خوض الأمة معارك الدفاع عن حياتها أو انتزاع استقلالها من أيدي المغتصبين، ترحب به كل أمة، بل لا تستطيع أي أمة كانت أن تفعل غيره، فكم تحلق بالأمة من خسائر مادية وبشرية في سبيل الدفاع المشروع؟ وهل يجرؤ أحد على أن يدعو الأمة الى تسريح جيشها، وعدم شراء الأسلحة والذخائر أو صنعهما، وعدم مقاومة المغيرين المعتدين بحجة أن في ذلك كله خسارة مادية، واضراراً بالانتاج القومي والثروة العامة في البلاد؟.

стр. 145

٥ - ثم أي معنى لقول من يقول: ان وجود المرأة في البيت يعودها الكسل ولذلك تسمن نساؤنا أكثر من الغربيين، إن مثل هؤلاء لا يعرفون متاعب البيت وأعماله، وكيف تشكو المرأة من عنائه، فما يمسي المساء إلا وهي منهوكة القوى تروح عن نفسها بالاجتماع الى جاراتها وصديقاتها. والبنت ما دامت في المدرسة فهي تتلقى العلم فلا يجوز ارهاقها بالعمل معه. واذا انتهت من المدرسة لا تمكث في بيت أبيها وأمها إلا بمقدار ما تتهيء للانتقال الى بيت الزوجية، فهي في هذه الحالة تتلقى دروساً عملية عن أمها في إدارة البيت وأعماله وشؤونه، فلا يجوز مع ذلك إرهاقها بالعمل خارج البيت .... إن الذي أؤكده في الموضوع أن اعمال المرأة في البيت - بنتاً كانت أم زوجة - لا تقل عن أعمالها خارج البيت مشقة وعناءً. وكثيرا ما تكون أكثر مشقة وإرهاقاً. أما ما يزعمون من سمن المرأة الشرقية فهذه نكتة لا تستحق المناقشة لولا اننا سمعناها كثيرا من هؤلاء المتحمسين لعمل المرأة خارج بيتها، ذلك أن السمن والنحافة تابعان لنظام التغذية "ومما لا ينكر أن نظامنا في الطعام يؤدي الى السمنة في الرجل والمرأة على السواء، بل الملاحظ أن السمن عند الرجال في الغرب كما شاهدنا ذلك، ويؤكد هذا ان الاعراب المقيمين في الصحراء قل أن يوجد فيهم السمين، ولقد لاحظت في احدى المرات التي أديت فيها فريضة الحج وقد حضره من مختلف أنحاء الجزيرة العربية ما يبلغ نحواً من ثلاثمائة ألف بدوي، لاحظت حينئذ أنه قل أن يوجد بينهم سمين، بل إني لم أر من هذا العدد الضخم سميناً واحداً قط. فالقضية تابعة لنظام التغذية ونوع الغذاء لا الى الراحة أو التعب. الخطر المرتقب: من هذا كله يتبين لنا أن الخطر الذي يحدق اليوم بالحضارة الغربية كما أحدق من قبل بالحضارتين اليونانية والرومانية نتيجة تبرج المرأة واختلاطها الفاحش بالرجال، سيحدق بنا نحن أيضاً مع فارق واضح، وهو أن هذه الحضارات التي كان تبرج المرأة مرضاً من أمراضها القاضية عليها قد بلغ أصحابها ذروة الحضارة عندهم، بينما يحدق بنا الخطر ونحن في أول طريق

стр. 146

النهوض والتقدم، ومن العجيب أن يريد لنا بعض الناس أن نبدأ من حيث انتهى غيرنا، وأن نساير الغربيين في أمر بدؤا يعلنون أنه سيقضي على حضارتهم. وليس للأمة مصلحة في استجلاب هذا الخطر الى بيوتها وأسرها، وهي هانئة تنعم بالاستقرار والتماسك وجو الحب والثقة، الأمر الذي لا يعرفه الغربيون بعد أن تفشت فيهم تلك الأمراض، بل بدؤا يحنون اليه ويعلنون عن أسفهم للحرمان منه. خطر أدباء الجنس: وفي يقيني أن هؤلاء الذين يحرضون المرأة في أدبهم على الخروج على الآداب الصالحة التي عرفنا بها، ويغرونها بأن تتبع طريق المرأة الغربية ويعملون على حرمانها من هدوئها وسعادتها، يحملون أكبر وزر من انجراف المرأة والمجتمع في هذا التيار الضار، وقد كان الظن بهم أن يكونوا رواد نهضة حقيقية تبعث في الأمة روح الكفاح وتحبذ لها حياتها الأسروية الهانئة، ليكون مجتمعنا في نهضته الجديدة مجتمعاً متماسكاً قوي البنيان، إن هؤلاء الناس من أدباء الجنس يحملون بأيديهم معاول التهديم في صرح كياننا الداخلي المتين، وهم في هذا الطريق الذي اختطوه لا يريدون بذلك مصلحة الأمة ولا يندفعون وراء عقولهم. بل وراء أهوائهم وشهواتهم، وهم يبغون منه الاثراء المادي بنشر هذا الأدب الرخيص المدمر بين الشباب والفتيات ليقبلوا عليه ويلتهموا ما فيه. إني لا أرى فرقاً بين أثرياء الجنس وأثرياء الحرب، فكلاهما يجد في الأزمات فرصة للربح والكسب، بل في رأيي ان أثرياء الجنس أشد خطراً وأسوأ أثراً، فلماذا نتركهم يخربون بيوتنا باسم الحرية، وما كانت الحرية الخالصة من الشوائب إلا حرية بناء لا تهديم، وحرية تقدم حقيقي لا رجوع الى الوراء آلاف السنين حين كان الانسان ينطلق وراء شهواته لا يبالي بمجتمع ولا يتقيد بنظام؟ ومن الغريب أن أدباء الجنس يقصرون انتاجهم كله على هذا النوع المؤدي الى تفسخ الاخلاق وانحلال الأسرة وشيوع الميوعة، بينما نعيش أخطر مرحلة في تاريخنا كله، مرحلة الكفاح مع اسرائيل، والكفاح - كما تعلم - يقتضي أدب الرجولة لا أدب الميوعة، وأدب القوة لا أدب الضعف، وأدب التضحية لا أدب المنفعة، وأدب الحرمان لا أدب اللذة وإحياء الغرائز والشهوات.

стр. 147

إني لأهيب بعقلاء الأمة، وشبابها وفتياتها الفاضلات الطاهرات، وبجمعياتها النسائية، أهيب بكل مخلص في هذه الأمة رجالاً ونساءً، أن يقفوا في وجه هؤلاء العابثين يمنعونهم من التخريب باسم حرية الكلمة، ويشعرونهم أن شرف الكلمة قبل حريتها، وأن تنظيم الطاقات الجنسية هو غير كبتها كما يزعمون وأننا في معركة لا سلاح لها إلا العلم والإيمان والاخلاق، وإن كل من يريد أن يُدخل الى بيوتنا .. الى بناتنا ... الى زوجاتنا .. مرض الاباحية والتحلل الأخلاقي إنما هم لصوص سارقون، سارقون لأشرف ما تحتفظ به الأمة من أخلاق، وأكرم ما تعتز به من فضائل .. نحن نقول لهؤلاء .. اتركوا لنا بناتنا عفيفات، اتركوا لنا زوجاتنا وفيات مخلصات .. اتركوا لنا شبابنا شباب ثورة وكفاح لا شباب ميوعة وانحلال .. إن الذي يريد أن يهدم بيتي لا أتركه يتم جريمته باسم الحرية، ولكن آخذ على يده باسم القانون، ولا أتركه يحرق بيتي باسم الفن، ولكن أحول منه وبين ما يريد باسم الحق، باسم الكرامة، باسم القوة التي نحن أحوج ما نكون اليها. والفن اذا لم يخدم مبادئ النهضة الأساسية في الأمة كان عبثاً ولهواً وفساداً (١). التضليل باسم التحرير إن كل ما يقال حول قضية المرأة و "تحريرها" كلام فيه قليل من الحق وكثير من الباطل والتضليل، ليس في بلادنا قضية باسم "تحرير المرأة" بعد أن حررها الاسلام، وإنما هي مشكلة كانت عند الغربيين ولا تزال، وليس طلب الاسلام حشمة المرأة وتفرغها لاداء رسالتها الاجتماعية الكبرى "كبتا" للطاقة، بل "تنظيم" لها، والتنظيم غير الكبت، ووضع كل شيء في موضعه ومنعه من تجاوز حده، أمر غير الفوضى والانفلات من كل حق للأسرة أو المجتمع. وكلنا يعلم الفرق بين "الكبت" وبين "التنظيم" كما يعلم الفرق بين "التخريب" وبين "البناء" وبين "القانون" وبين "الفوضى".

стр. 148

الخاتمة خلاصة رأينا في قضية المرأة: وأحب أن أوجز خلاصة رأيي في قضية المرأة: ١ - يجب تعليمها، وجعل برامج التعليم للبنات يختلف قليلاً عن برامج التعليم للشبان بما يهيؤها لحياتها في المستقبل. ٢ - يجب أن تتمتع بجميع الحقوق التي منحها إياها الإسلام - وقد ذكرتها في أول هذا البحث. ٣ - يجب العناية باعدادها لأيام النكبات والحروب، فنحن معرضون لحروب دامية اقليمية أو عالمية، فيجب أن تتعلم ما يتعلق بالدفاع المدني، والاسعاف المنزلي وغيره، وأن تتدرب على استعمال السلاح واتقان الرمي والدفاع، وكل ذلك يجب أن يتم في حدود الاخلاق الاسلامية. ٤ - يجب أن يضيق من نطاق توظيفها في الدولة، بحيث لا توظف إلا في وظائف تتفق مع رسالتها ومع طبيعتها، كالتطبيب للنساء، وتطبيب الأطفال، والتعليم في مدارس الأطفال، وفي المدارس الثانوية للبنات وما أشبهها من أعمال التوجيه الاجتماعي للأسر والعائلات. ٥ - يجب أن تهيء لأداء رسالتها الاجتماعية النبيلة بما يجعل منها امرأة صالحة لتكوين الأسرة "والاشراف على شؤون البيت والأولاد". ٦ - يجب منع اختلاطها بالرجال الأجانب عنها، إلا ما تقتضيه الضرورة الماسة في حدود الأخلاق الاسلامية، ومن ذلك أداؤها للعبادات في المساجد، وتلقيها العلم في الجامعات. ٧ - يجب عدم افساد سعادتها بالاشتغال بالسياسة، لتصان داخل المجتمع - وهو مجموع العائلات فيه - من خطر الخلافات الحزبية، ولتفرغ لاداء رسالتها الكبرى. ٨ - يجب أن تهيء للقيام بالصلاح الاجتماعي والاخلاقي في الأوساط النسائية، فعائلاتنا وأمهاتنا ونساؤنا في أشد الحاجة الى وعي حقيقي تعرف به

стр. 149

المرأة كيف تؤدي رسالتها على أكمل وجه، والمرأة أقدر من الرجل وأصلح منه للقيام بهذا العمل الاصلاحي العظيم في أوساط النساء. ٩ - يجب أن لا يسمح للمرأة بالاشتغال خارج منزلها، إلا حين تكون فقيرة لا عائل لها من زوج أو أب أو قريب، وذلك الى أن ينفذ نظام الاسلام القاضي بإعالة مثل هؤلاء من بيت المال دون إلجائهن الى ذل الكسب وإرهاق مطالب العيش. ١٠ - يجب منع التبرج وإبداء ما حرم الله إبداءه من جسمها وزينتها، ويجب وضع القوانين التي تحقق ذلك، ومعاقبة من تصر على إبداء معالم فتنتها للرجال بعقوبات متناسبة مع وضع المرأة ونفسيتها. ١١ - يجب إيقاف هذا الطوفان الخطير من أدب الجنس، وأن تتعاون الحكومة مع الشعب في هذا الشأن، وفي اعتقادي أن عبء هذا الايقاف يقع أثقله على عاتق سيداتنا وآنساتنا الفضيلات، بأن يبدين رأيهن صريحاً في استنكار هذا النوع من الأدب واستهجانه. كلمة أخيرة وأخيراً فما لا أخشى لومة لائم حين أعلن أن أمتنا لا ترضى أن تخرج عن حدود دينها، لأنها مقتنعة بصلاح نظامه وفلسفته، وأن كل خروج على حدود ما جاء به الاسلام نحو المرأة سيقابل من علماء الأمة وعقلائها، من جيلها المؤمن، من نسائها وبناتها الفضيلات الكريمات، بالرفض والاعراض والمحاربة لكل من يحمل لواء مثل تلك الدعوة الآثمة. ولسنا مؤاخذين بعد أن نقوم بهذا الواجب، اذا انتشر هذا التيار المخالف للاسلام وللحق ولمصلحة المجتمع، برغم مقاومتنا له، فحسبنا أننا عملنا وسنعمل في تنوير الأذهان، وتبيين الأخطاء بكل ما في وسعنا من جهد، واذا استمر التيار بعد ذلك في تدفقه يخرب ويهدم، فيكفينا في انصاف التاريخ أن نقف موقف "كاتون" ويكفينا من ثواب الله أن يصدق علينا قوله تعالى ﴿واذ قالت منهم لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يرجعون﴾. حسبنا أننا قمنا بالواجب ونبهنا الى الخطر، وفرقنا بين الحق والباطل في هذه القضية الخطيرة.

стр. 150

ولئن بدا للناس أن هذا التيار لا يمكن ايقافه لوقوعنا تحت سلطان الحضارة الغربية المادي والمعنوي، فان الواضح أيضاً أنه قد أصبح للحق الذي ننادي به جيش ضخم من الشباب المؤمن والشابات المؤمنات، عاهدوا الله عهداً لا رجعة فيه على أن يجهروا بالحق ويحملوا لواءه، ويكافحوا في سبيله، غير عابئين بالعقبات، ولا مكترثين بالاتهامات من فئات تحيط بها كل الشبه والاتهامات. هذا الجيش المؤمن الذي انتشر جنوده في جميع أنحاء العالم العربي والاسلامي ليس الا امتداد لكتائب الخير التي حملت لواء الكفاح مع الشر منذ ابتدأ الصراع بين الخير والشر على ظهر الأرض، وسيمضون في طريقهم يرددون قوله تعالى: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار﴾.

стр. 151

الملاحق - تمهيد هذه الملاحق التي ألحقناها بالكتاب - دون المحاضرة - إنما نتوخى منها كما قلت في المقدمة تأييد ما أوردناه في الكتاب من آراء في مختلف شؤون المرأة وقصدنا من ذلك أن يفتح المخدوعون بمظاهر حياة المرأة في الغرب وتمتعها بحريتها المزعومة، أعينهم على واقع تلك الحياة البراقة الخادعة، فيعلموا أن الاسلام كان قبل أربعة عشر قرناً أهدى سبيلاً من هذه الحضارة، وأبعد نظراً، وأكثر تقديراً واحتراماً للمرأة، حين رفع من شأنها وأعطاها حقوقها، كما كان أحرص على سعادتها وهنائها، حين منعها من التبرج والاختلاط، ووقاها شقاء العمل وأضراره لها، بالزام الرجل الانفاق عليها لتتفرغ لشؤون الأسرة وتربية الأطفال. وسيرى القارئ أن كل ما أوردناه في هذه الملاحق، أسندناه الى المراجع الغربية ذاتها أو الى غيرها من كتب وصحف ومجلات وأنباء.

стр. 152

الملاحق - المرأة قبل الاسلام جاء في المجلد السادس من مجلة الأزهر ص ٧٢١ عن مقال نشر في المجلة الاسلامية التي تصدر بلندن تحت عنوان "الاسلامية والمسيحية" ما يلي: إن الاسلام قد اعتبر المرأة مستقلة في نظر القانون، وأعطاها حق حيازة الملك، وجعلها مسؤولة عما تدخل فيه من الالتزامات، وتعلمون أن الحال ليست كذلك في نظر أوروبا المسيحية، ففي أغلب الممالك الأوروبية تنتقل ملكية أملاك المرأة الى زوجها عند الزواج، وفي انجلترا تصبح المرأة في نظر القانون العام هي وزوجها شخصاً واحداً، ليس لها الحق وحدها في التملك أو الدخول في الالتزامات، ثم جاء قانون ١٨٨٢ لملكية النساء المتزوجات، فأعطاهن الحق الذي لم يتمتعن به من قبل، فأصبحت المرأة مسؤولة عما تدخله من الالتزامات والتعهدات بقدر أملاكها الخاصة إلا أن هذا القانون لم يجعل الزوج خالياً من تبعة تصرفات زوجته، فإن للمدعي حق الاختيار بين مقاضاة الزوجة بمفردها أو إشراك زوجها معها، وإذا لم يكن للزوجة مال خاص أمكن للمدعي مقاضاة الزوج بصفته مسؤولاً عن تصرفات زوجته. نستنتج من ذلك أن فكرة الاسلام في اعتبار المرأة مستقلة أمام القانون سبقت كل ما أحدثه فقهاء الغرب، ثم اننا نجد غير ذلك: أن كل شخص ذكراً كان أو أنثى، له الحق في الميراث، ولا يمكن سلبه هذا الحق (أي في الشريعة الاسلامية) فاذا قارنا ذلك بالحرية المطلقة في الوصية في القانون الانجليزي (بحيث يستطيع حرمان جميع ورثته) نحمد الله على ما هدانا اليه من ضرورة الاعتراف بحقوق الأسرة.

стр. 153

الملاحق - بيع الزوجات في أوروبا قال الأستاذ السيد رشيد رضا في كتابه: "نداء للجنس اللطيف" ما يلي: يقول الفيلسوف "هربرت سبنسر" الانجليزي في كتابه "علم وصف الاجتماع" إن الزوجات كانت تباع في انجلترا فيما بين القرن الخامس والقرن الحادي عشر، وإنه حدث أخيراً في القرن الحادي عشر أن المحاكم الكنيسة سنت قانوناً على أن للزوج أن ينقل أو (يعير) زوجته الى رجل آخر لمدة محدودة حسبما يشاء الرجل المنقولة اليه المرأة، وشرٌ من ذلك ما كان للشريف النبيل (حاكما روحانياً كان أو زمنياً) من الحق في الاستمتاع بامرأة الفلاح الى مدة أربع وعشرين ساعة بعد عقد زواجها عليه (أي على الفلاح). وفي سنة ١٥٦٧ ميلادية صدر قرار من البرلمان الاسكوتلاندي بأن المرأة لا يجوز أن تمنح أي سلطة على أي شيء من الأشياء. وأغرب من هذا كله أن البرلمان الانجليزي أصدر قراراً في عهد هنري الثامن ملك انجلترا يحظر على المرأة أن تقرأ كتاب العهد الجديد، أي يحرم عليها قراءة الاناجيل وكتب رسل المسيح. ويقول السيد رشيد معقباً على هذا: فأين هذا من وضع الصحابة المصحف الأول الذي كتب في خلافة أبي بكر عند امرأة وهي حفصة أم المؤمنين؟ ويعقب السيد رشيد على بيع النساء في انجلترا بقوله: من الغرائب التي نقلت عن بعد صحف انجلترا في هذه الأيام (أي منذ ثلاثين سنة تقريباً) أنه لا يزال يوجد في بلاد الارياف الانجليزية رجال يبيعون نساءهم بثمن بخس جداً، كثلاثين شلناً (١٥ ليرة سورية) وقد ذكرت أسماء بعضهم " ١. همن ص ٣٦ من الكتاب المذكور. يبيع زوجته ثم يقتل المشتري جاء في حضارة الاسلام مجلة ص ١٠٧٨ من المجلد الثاني لعام ١٩٦٢ ما يلي: أوردت إحدى وكالات الانباء من ريجيو كالابريا في إيطاليا أن شخصاً أقدم على قتل آخر، ولما سئل في التحقيق عن سبب اقترافه هذه الجريمة أفاد

стр. 154

بأنه كان قد اتفق مع القتيل لبيعه زوجته بمبلغ خمسمائة وسبعين جنيهاً استرلينياً وقد دفع منه أربعمائة جنيه ومضت مدة طويلة دون أن يدفع باقي الحساب، ولما طالبه تهرب من الدفع وأقدم على قتله. ... الملاحق - في انصاف الاسلام وتقديره للمرأة قال جورج سال في مقدمة ترجمة القرآن الانجليزية ص ٨٠: ليس صحيحاً ما ينسب الى الاسلام من التهمة الكاذبة التي اتهمه بها بعض الكتاب قولهم أنه لا يعتبر المرأة ذات نفس (الإسلام روح المدنية ٢٦٧) نقلاً عن كتاب "الهلال والصليب". وقال فولتير في (مقالة القرآن) في معجم الفلسفة: ولقد نسبنا الى القرآن كثيرا من السخافات وهو في الحقيقة خال منها. إن مؤلفينا الذين كثروا كثرة الانكشارية يجدون من السهل أن يجعلوا نساءنا من حزبهم بواسطة اقناعهن أن محمداً اعتبرهن حيوانات ذات ذكاء، وأنهن في نظر الشريعة بمثابة الارقاء، لا يملكن شيئاً من دنياهن، ولا نصيب لهن في أخراهن، وبديهي أن هذا الكلام باطل، ومع ذلك فقد كان الناس يصدقونه. نحن لا نجهل أن القرآن يميز الرجل تلك الميزة المعطاة له من الطبيعة ولكن القرآن يختلف عن التوراة في أنه لا يجعل ضعف المرأة عقاباً إلهياً كما ورد في سفر التكوين الاصحاح الثالث العدد ١٦. ومن الخلط أن ينسب إلى شارع عظيم نظير محمد مثل تلك المعاملة المنكرة للنساء. والحقيقة أن القرآن يقول: ﴿فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً﴾. ويقول: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ (الاسلام روح المدنية ص ٢٦٧ نقلا عن كتاب الهلال والصليب). وقالت "أني بيزنت" زعيمة التيوصوفية العالمية في كتابها: الاديان المنتشرة في الهند":

стр. 155

"ما أكبر خطأ العالم في تقدير نظريات النبي فيما يتعلق بالنساء، فقد قيل إنه قرر بأن المرأة لا روح لها! فلماذا هذا التجني على رسول الله! أعيروني أسماعكم أحدثكم عن حقيقة تعاليمه في هذا الشأن. جاء في القرآن: ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً﴾ وبعد أن سردت كثيراً من الآيات القرآنية التي تحث على رعاية المرأة وإكرامها قالت: ولا تقف تعاليم النبي عند حدود العموميات، فقد وضع قانوناً لوراثة النساء، وهو قانون أكثر عدلاً وأوسع حرية من ناحية الاستقلال الذي يمنحها إياه من القانون المسيحي الانجليزي الذي كان معمولاً به الى ما قبل نحو عشرين سنة، فما وضعه الاسلام للمرأة يعتبر قانوناً نموذجياً فقد تكفل بحمايتهن في كل ما يمكنه، وضمن لهن عدم العدوان على أي حصة مما يرثنه عن أقاربهن واخوانهن وأزواجهن" (مجلة الأزهر، المجلد الثامن ص ٢٩٠). ويقول "بول تيتو" كما نقلته عن مجلة الأزهر المجلد العاشر ص ٧١٢: "ولا تنسى أن القرآن أصلح حال المرأة في الحياة الاجتماعية اصلاحاً عظيماً". وقالت جريدة "المونيتور" الفرنسية كما نقلته مجلة الأزهر في المجلد الحادي عشر ٣١٥: "وقد أوجد الاسلام اصلاحاً عظيما في حالة المرأة في الهيئة الاجتماعية، ومما يجب التنويه به أن الحقوق الشرعية التي منحها الاسلام للمرأة تفوق كثيراً الحقوق الممنوحة للمرأة الفرنسية". وتقوله "لورافيشيافا غليري" في كتابها "دفاع عن الاسلام" (ص ١٠٦): ولكن إذا كانت المراة قد بلغت من وجهة النظر الاجتماعية في أوروبا مكانة رفيعة، فان مركزها، شرعياً على الأقل، كان حتى سنوات قليلة جداً ولا يزال في بعض البلدان أقل استقلالاً من المرأة المسلمة في العالم الاسلامي". وفيما يلي فقرات متفرقة من كتاب "حضارة العرب" لغوستاف لوبون: "ومبادئ المواريث التي نص عليها القرآن على جانب عظيم من العدل والانصاف، ويمكن القارئ أن يدرك ذلك من الآيات التي أنقلها منه، وأن أشير فيه بدرجة الكفاية الى أحكامها العامة، ويظهر من مقابلتي بينها وبين الحقوق الفرنسية والانجليزية أن الشريعة الاسلامية منحت الزوجات، اللاتي

стр. 156

يزعم أن المسلمين لا يعاشرونهن بالمعروف، حقوقا في المواريث لا نجد مثلها في قوانيننا" (ص ٤٧٤ الطبعة الثانية. ترجمة المرحوم الأستاذ عادل زعيتر). "كان الاسلام ذا تأثير عظيم في حال المرأة في الشرق. فهو قد رفع حال المرأة الاجتماعي وشأنها رفعا عظيما بدلاً من خفضهما، خلافا للمزاعم المكررة على غير هدى، فالقرآن قد منح المرأة حقوقا إرثية بأحسن مما في قوانيننا الأوروبية". ثم قارن المؤلف بين حال المرأة العربية قبل الاسلام وبين حالها بعده، وتابع حديثه قائلاً: "وإذا أردنا أن نعلم درجة تأثير القرآن في أمر النساء وجب علينا أن ننظر اليهن أيام ازدهار حضارة العرب، فقد ظهر مما قصه المؤرخون فنذكره فيما بعد أنه كان لهن من الشأن ما اتفق لاخواتهن حديثاً في أوروبة، وذلك حين انتشار فروسية عرب الأندلس وظرفهم". "وقد ذكرنا - في فصل سابق - أن الأوروبيين أخذوا عن العرب مبادئ الفروسية وما اقتضاه من احترام المرأة، فالإسلام أذن - لا النصرانية هو الذي رفع المرأة من الدرك الأسفل الذي كانت فيه، وذلك خلافاً للاعتقاد الشائع، فاذا نظرت الى امراء النصارى الاقطاعيين في القرون الوسطى، رأيتهم لم يحملوا شيئاً من الحرمة للنساء". "وإذا تصفحت كتب تاريخ ذلك الزمن وجدتَ ما يزيل كل شك في هذا الأمر فعلمتَ أن رجال عصر الاقطاع كانوا غلاظاً نحو النساء قبل أن يتعلم النصارى من العرب أمر معاملتهن بالحسنى، فمن ذلك ما جاء في تاريخ "غاران لولوهيران" من معاملة النساء في عصر شارلمان وعن معاملة شارلمان نفسه لهن: "انقض القيصر شارلمان على أخته في أثناء جدال، وأخذ بشعرها وضربها ضرباً مبرحاً وكسر بقفازه الحديدي ثلاثاً من أسنانها"! .. فلو حدث مثل ذلك الجدل مع سائق عربة في الوقت الحاضر لبدا هذا السائق أرحم منه بلا ريب". "ومن الأدلة على أهمية النساء أيام حضارة العرب كثرة من اشتهر منهن بمعارفهن العلمية والأدبية، فقد ذاع صيت عدد غير قليل منهن في العصر العباسي في المشرق والعصر الأموي في أسبانية".

стр. 157

ثم نقل عن مؤرخي عبد الرحمن الثالث قولهم: "إن ذلك الزمن الذي كان فيه للعلم والأدب شأن عظيم ببلاد الأندلس "كنّ محبات للدرس في خدورهن، وكانت الكثيرات منهن يتميزن بدماثتهن ومعارفهن" ثم أخذ يذكر الأمثلة على ذلك وقال: "خبت حضارة قدماء الخلفاء الساطعة في عهد وارثي العرب، ولا سيما في عهد الترك - فنقص شأن النساء كثيرا، وسأبين في مكان آخر أن حالتهن الحاضرة أفضل من حالة أخواتهن في أوروبة حتى عند الترك، وما تقدم يثبت أن نقصان شأنهن حدث خلافاً للقرآن لا بسبب القرآن على كل حال". "وهنا نستطيع أن نكرر إذن قولنا: إن الاسلام الذي رفع المرأة كثيرا بعيد من خفضها، ولم نكن أول من دافع عن هذا الرأي، فقد سبقنا إلى مثله "كوسان دوبر سفال" ثم مسيو "بارتلمي سنت هيلر". "ولم يقتصر فضل الاسلام على رفع شأن المرأة، بل نضيف الى هذا أنه أول دين فعل ذلك، ويسهل إثبات هذا ببياننا أن جميع الأديان والامم التي جاءت قبل العرب أساءت الى المرأة". ص ٤٨٨ - ٤٩٠. "وحقوق الزوجية التي نص عليها القرآن ومفسروه أفضل كثيرا من حقوق الزوجية الأوروبية" ص (٤٩٧). "وتعامل المرأة المسلمة باحترام عظيم فضلاً عن تلك الامتيازات، فتنال بذلك حالاً اجمع الباحثون المنصفون - ومنهم من ناصب بعاطفته مبدأ تعداد الزوجات العداء - على الاعتراف بحسنها. وعلى هؤلاء مسيو "دو أميسبس" الذي قال في معرض الحديث عن المرأة في الشرق، وذلك بعد أن أنحى باللائمة على تعدد الزوجات وفق وجهة نظره الأوروبية: "إن المرأة في الشرق تحترم بنبل وكرم، على العموم، فلا أحد يستطيع أن يرفع يده عليها في الطريق، ولا يجرؤ جندي أن يسيء الى أوقح نساء الشعب حتى في أثناء الشغب، وفي الشرق يشمل البعل زوجته بعين رعايته، وفي الشرق يبلغ الاعتناء بالأم درجة العبادة، وفي الشرق لا تجد رجلاً يقدم على الاستفادة من كسب زوجته (أقول: هذا قبل أن تسري الينا مبادئ الحضارة الغربية) والزوج هو الذي يدفع المهر الى زوجته في الشرق، الخ (ص ٤٩٧). وختم "لوبون" كلامه قائلاً:

стр. 158

وإنني أطمع أن يعقتد القارئ بعد وقوفه على ما تقدم، أن مبدأ تعدد الزوجات أمر طيب، وأن حب الأسرة، وحسن الأدب، وجميل الطبائع أكثر نمواً في الأمم القائلة به مما في غيرها على العموم، وأن الاسلام حسن حال المرأة كثيراً، وأنه أول دين رفع شأنها، وأن المرأة في الشرق أكثر احتراماً وثقافة وسعادة منها في أوروبة على العموم ص (٥٠٣). وقال هملتن من علماء الانجليز: إن أحكام الاسلام في شأن المرأة صريحة في وفرة العناية بوقايتها من كل ما يؤذيها ويشين سمعتها، (الاسلام والحضارة العربية: ١/ ٩١). الملاحق - رأي زعيمة الحركة النسائية في الشرق في نصيب الأنثى من الميراث نشرت مجلة "الفتح" القاهرية في عددها الصادر في ٢٢ رجب ١٣٤٧هـ ٣ يناير ١٩٢٩م ص ٤٥٢ ما يلي: علم القراء مما نشرناه في العدد الماضي أن سلامة موسى خطب في جمعية الشبان المسيحية في أمر لا علاقة له به كما أنه لا علاقة لجمعية الشبان المسيحيين به أيضاً، وهو التعرض للمرأة المسلمة وحجابها وسفورها، وما عينه لها القرآن الكريم من نصيب في الميراث، فتدخل هؤلاء الفضوليون في أمر لا يعنيهم، وظنوا أن المرأة المسلمة اذا تطرفت في بعض الشؤون ممكن اتخاذها أداة للسعي في هدم دينها، فوجه هؤلاء الفضوليون همهم لتحريض السيدة هدى شعراوي على مطالبة حكومة مصر الاسلامية بالعدوان على حكم الله في القرآن فيما يتعلق بنصيب المرأة في الميراث. ولم يكتف القوم بذلك بل أرسلوا رسالة خصوصية الى هدى هانم شعراوي يحرضونها على هذا العدوان. وقد أرادت هدى هانم أن تفهمهم أنها مهما بلغ بها الأمر في المساعي النسوية فإنها لم تصل الى حد أن ترضى لنفسها بأن تكون آلة لخداع هؤلاء الزعانف، ولذلك ألقمت سلامة موسى وجماعته حجراً بما نشرته في الصفحة

стр. 159

الأولى من جريدة الاهرام صباح يوم الجمعة الماضي، قالت: دعاني الاستاذ الفاضل سلامة أفندي موسى في كتاب أرسله إلي بناء على اقتراح وجه اليه، أن أطلب الى وزارة الحقانية (العدل) سن قانون يساوي بين المرأة والرجل في حق الميراث، وأرفق خطابه بملخص محاضرة ألقاها بدار جمعية الشبان المسيحية عن نهضة المرأة في مصر ونشرت بجريدة المقطم في يوم ٢٣ ديسمبر الماضي (من عام ١٩٢٨). يهمني أن أبلغ حضرة الأستاذ ومن حضروا خطبته أني في خدمتي لهذه النهضة أؤدي واجباً معهوداً الي من جمعية الاتحاد النسائي التي شرفتني برئاستها، ولما كان نصيب المرأة في الميراث ليس من المسائل الداخلة في برامجها فليس لي أن أتدخل في هذا الموضوع لا بإقرار الحالة الحاضرة ولا بتعديلها. وإن كان ولا بد من ابداء رأيي في هذا الموضوع فأقول بصفتي الشخصية إني لست من الموافقين على رأي الأستاذ الخطيب (سلامه موسى) فيما يتعلق بتعديل نصيب المرأة في الميراث، ولا أظن مثله أن النهضة النسوية في هذه البلاد لتأثرها بالحركة النسوية بأوروبا يجب أن تتبعها في كل مظهر من مظاهرها، وذلك لأن لكل بلد تشريعه وتقاليده، وليس كل ما يصلح في بعضها يصلح في البعض الآخر. على أننا لم نلاحظ تذمراً من المرأة أو شكوى من عدم مساواتها للرجل في الميراث، والظاهر أن اقتناعها بما قسم لها من نصيب، ناشيء من أن الشريعة عوضتها مقابل ذلك بتكليف الزوج بالانفاق عليها وعلى أولادها، كما منحتها حق التصرف في أموالها. أما القول بأن عدم المساواة في الميراث من دواعي إحجام كثير من الشبان عن الزواج في الشرق فغير وجيه، لأننا نشاهد في أوروبا انتشار هذا الداء (الاعراض عن الزواج) في عصرنا الحالي انتشاراً أشد خطورة منه في الشرق، بالرغم من أن المرأة الأوروبية ترث بمقدار ما يرث الرجل، فضلاً عن أنها ملزمة بدفع المهر، ومكلفة بالتخلي عن إدارة أموالها لزوجها. ولو سلمنا بنظرية الأستاذ سلامة موسى وجاريناه في طلب تشريع جديد فهل لا يخشى أن يؤدي الى اسقاط الواجبات الملقاة على عاتق الزوج نحو

стр. 160

زوجته وأولاده بالزام الزوجة بالاشتراك في الصرف، وفي ذلك ما فيه من حرمان يعود بالشقاء والبؤس على الزوجات الفقيرات اللاتي لم ينلن ميراثاً من ذويهن؟ .. وهذه الطبقة تشمل أغلبية الزوجات ولا يخفى ما هنّ عليه من جهل وأمية لا تسمحان لهن بمقاومة هذا الشقاء أو تلطيفه، بخلاف مثيلاتهن في الفقر بأوروبا لأن التعليم هناك يشمل الطبقات. نرى الغربية أكثر حظاً منها لأنها تظهر لنا حائزة لقسط كبير من الحرية المدنية المساوية للرجل، بيد أنها أقل حظاً من أختها الشرقية في الحرية الاقتصادية، فبينما الشرقية غير المتساوية بالرجل في حق الميراث، تتمتع بكافة أنواع الاستقلال في إدارة أعمالها وأموالها، نجد الغربية المساوية لأخيها في الميراث، محرومة من هذه النعم، إذ لا يمكنها أن تنفق أي مبلغ من مالها ولا أن تتعاقد مع الغير، ولا أن تحترف حرفة، دون تصديق زوجها وموافقته، لذلك نراها ثائرة في جميع بلدان أوروبا على تلك القيود التي تحول بينها وبين الحرية الحقيقية والاستقلال الذين تتمتع بهما المرأة الشرقية منذ عصور طويلة. ثم قالت: إن أهم ما يشغلها اليوم في الوصول بالمرأة الى المركز اللائق بها ليس هو السعي في تغيير القوانين، أو قلب الشريعة، فلله الحمد لم نجد في هذه ولا تلك من الأحكام ما يحملنا على التذمر والشكوي، بل كل ما نسعى اليه هو حسن تطبيق هذه القوانين بما يطابق غرض الشارع وحكمه، اهـ. وقد علقت مجلة "الفتح" على هذا البيان فقالت: في هذا البيان من هدى هانم شعراوي أمور يحسن الاشارة إليها: منها: أن الاتحاد النسوي يطالب بتحسين حالة المرأة وفقاً لأحكام الشرع الاسلامي، ولا يعمل قط عملاً يخرج عن أحكام الشريعة الغراء، فإذا احتُرمت هذه القاعدة أمكن من السهل التفاهم مع المتقيدين بها والاحتكام الى الشريعة في أي مطلب منهم يلوح أن فيه شذوذاً عن أحكامها. وفي هذا البيان اعلان أن المرأة المسلمة أحسن حالاً من المرأة الاوروبية فيما خولتها الشريعة الاسلامية من حق التصرف بما تملك، بينما المرأة الاوروبية مقيدة بارادة زوجها.

стр. 161

وأن المرأة المسلمة أحسن حالاً من المرأة الاوروبية من جهة أن الشريعة الاسلامية كلفت الزوج بالانفاق على الزوجة والأولاد. وزعم محرضو المسلمين على مخالفة الاسلام أن التشريع الاسلامي الخاص بالميراث نشأ عنه إحجام كثير من الشبان عن الزواج، فقالت لهم السيدة التي يحرضونها: انكم كاذبون لأن الامتناع عن الزواج في أوروبا هو الفظيع، وأما عندنا فالأمر بخلاف ذلك. الملاحق - حول تعدد الزوجات يقول المستشرق الفرنسي المسلم "ناصر الدين دينيه" في كتابه "محمد رسول الله": "الواقع يشهد بأن تعدد الزوجات شيء ذائع في سائر أرجاء العالم، وسوف يظل موجوداً ما وجد العالم، مهما تشددت القوانين في تحريمه، ولكن المسألة الوحيدة هي معرفة ما إذا كان الأفضل أن يشرع هذا المبدأ ويحدد، أم أن يظل نوعاً من النفاق المتستر، لا شيء يقف أمامه ويحد من جماحه؟ وقد لاحظ جميع الرحالة الغربيين - ونخص بالذكر منهم "جيرال دي نيرفال" و "الليدي مورجان" أن تعدد الزوجات عند المسلمين - وهم يعترفون بهذا المبدأ - أقل انتشاراً منه عند المسيحيين الذين يزعمون أنهم يحرمون الزواج بأكثر من واحدة، وليس ذلك بالأمر الغريب على الفطرة البشرية، فالمسيحيون يجدون لذة الثمرة المحرمة عند خروجهم على مبدئهم في هذا. ولكن: هل تعدد الزوجات حقيقة أمر يصح أن نعلق عليه كبير اهتمام في عصرنا هذا؟ إن مقتضيات الحياة الحديثة - ولندع جانباً كل الظروف الأخرى - تجعل من العسير جداً وجود تعدد الزوجات في المدن الكبيرة، وسوف يزول هذا الأمر بين المسلمين الذين يأخذون بأسباب الحضارة الحديثة خلال فترة قصيرة، واذا كان مبدأ التعدد سوف يبقى، فلن نجده مطبقاً إلا في قلب البادية، حيث تضطر الناس اليه ظروف الحياة التي لا مفر لها. ومع ذلك فإننا نتساءل: هل في زوال تعدد الزوجات فائدة أخلاقية؟ إن هذا أمر مشكوك فيه، فالدعارة تندر في أكثر الأقطار الاسلامية وبغيره

стр. 162

سوف تتفشى فيها وتنشر آثارها المخربة. وكذلك سوف يظهر في بلاد الاسلام داء لم تعرفه من قبل، ذلك هو عزوبة النساء التي تنتشر بآثارها المفسدة في البلاد المقصور فيها الزواج على واحدة، وقد ظهر ذلك فيها بنسبة مفزعة، وخاصة عقب فترات الحروب". ويقول هذا المستشرق المسلم نفسه في كتابه "أشعة خاصة بنور الاسلام": لا يتمرد الاسلام على الطبيعة التي لا تغلب، وإنما هو يساير قوانينها ويزامل أزماتها، بخلاف ما تفعل الكنيسة من مغالطة الطبيعة ومصادمتها في كثير من شؤون الحياة، مثل ذلك الفرض الذي تفرضه على أبنائها الذين يتخذون الرهبنة، فهم لا يتزوجون وإنما يعيشون عزباء. وعلى أن الاسلام لا يكفيه أن يساير الطبيعة وأن لا يتمرد عليها، وإنما هو يدخل على قوانينها ما يجعلها أكثر قبولاً وأسهل تطبيقاً، في اصلاح ونظام ورضا ميسور مشكور، حتى لقد سمي القرآن لذلك "بالهدي" لأنه المرشد الى أقوم مسالك الحياة، ولأنه الدال على أحسن مقاصد الخير. والأمثلة العديدة لا تعوزنا، ولكنا نأخذ بأشهرها، وهو التساهل في تعدد الزوجات وهو الموضوع الذي صادف النقد الواسع، والذي جلب للاسلام في نظر أهل الغرب مثالب جمة، ومطاعن كبيرة. ومما لا شك فيه أن التوحيد في الزوجة هو المثل الأعلى، ولكن ما العمل وهذا الأمر يعارض الطبيعة ويصادم الحقائق. بل هو الحال الذي يستحيل تنفيذه؟ لم يكن للاسلام أمام الأمر الواقع، وهو دين اليسر، إلا أن يستبين أقرب أنواع العلاج، فلا يحكم فيه حكماً قاطعاً. ولا يأمر به أمراً باتاً. والذي فعله الاسلام أول كل شيء أنه أنقص عدد الزوجيات الشرعيات، وقد كان عند العرب الأقدمين مباحا دون قيد، ثم أشار بعد ذلك بالتوحيد في الزوجة، في قوله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة﴾. وأي رجل في الوجود يستطيع أن يعدل بين زوجاته المتعددات؟ ولذا كان التعدد بهذا الشرط مستحيل التنفيذ (١). ولكن انظر كيف وضعه الاسلام وضعاً هو غاية في الرقة والدقة واللطف مع الحكمة.

стр. 163

ثم انظر: هل حقيقي أن الديانة المسيحية بتقريرها الجبري لفردية الزوجة والتوحيد فيها وتشديدها في تطبيق ذلك، قد منعت تعدد الزوجات؟ وهل يستطيع شخص أن يقول ذلك دون أن يأخذ منه الضحك مأخذه؟ وإلا فهؤلاء ملوك فرنسا - ودع عنك الأفراد - الذين كانت لهم الزوجات المتعددة، والنساء الكثيرات، وفي الوقت نفسه لهم من الكنيسة كل تعظيم وإكرام. إن تعدد الزوجات قانون طبيعي، وسيبقى ما بقي العالم! ولذلك فإن ما فعلته المسيحية، لم يأت الغرض الذي أرادته، فانعكست الآية معها، وصرنا نشهد الإغراء بجميع أنواعه، وكان مثلها في ذلك مثل الشجرة الملعونة التي حرمت ثمراتها فكان التحريم إغراء. على أن نظرية التوحيد في الزوجة، وهي النظرية الآخذة بها المسيحية ظاهراً، تنطوي تحتها سيئات متعددة ظهرت على الأخص في ثلاث نتائج واقعية شديدة الخطر جسيمة البلاء، تلك هي "الدعارة" و "العوانس من النساء" و "الأبناء غير الشرعيين". وإن هذه الأمراض الاجتماعية ذات السيئات الأخلاقية لم تكن تعرف في البلاد التي طبقت فيها الشريعة الاسلامية تمام التطبيق، وإنما انتشرت فيها بعد الاحتكاك بالمدنية الغربية. - ... وتقول الكاتبة الايطالية "لورافيشيا فاغليري" استاذة اللغة العربية وتاريخ الحضارة الاسلامية في "نابولي" بايطاليا، في كتابها "دفاع عن الاسلام" ص ٩٧: "إنه لم يقم الدليل حتى الآن بأي طريقة مطلقة، على أن تعدد الزوجات هو بالضرورة شر اجتماعي وعقبة في طريق التقدم. ولكننا نؤثر أن لا نناقش المسألة على هذا الصعيد، وفي استطاعتنا أيضاً أن نصر على أنه في بعض مراحل التطور الاجتماعي عندما تنشأ أحوال خاصة بعينها - كأن يقتل عدد من الذكور ضخم الى حد استثنائي في الحرب مثلاً - يصبح تعدد الزوجات ضرورة اجتماعية، وعلى أية حال فليس ينبغي أن نحكم على هذه الظاهرة بمفاهيم العصور القديمة المتأخرة، لأنها كانت في أيام محمد ﷺ مقبولة قبولاً كاملاً، وكانت معترفا به من وجهة النظر الشرعية، لا بين العرب فحسب، بل بين كثير من شعوب المنطقة أيضاً.

стр. 164

الملاحق - يشجعون تعدد الزوجات جاء في مجلة "الفتح" القاهرية في العدد الصادر بتاريخ ١٥ من المحرم ١٣٤٦هالموافق ١٤ يولية (تموز) ١٩٢٧م في ص ٣ ما يلي: لحظت بعض الصحف الفرنسية ان جريدة (دايلي ميل) الانجليزية الشهيرة نشرت اخيراً مقالة غريبة في الاشادة بتعدد الزوجات لو نشرت قبل اليوم لجلبت على الجريدة والكاتب أشد سخط وأروع عقاب، فقد كان المساس بالعادات والتقاليد في انجلترا من أشد الخطورات. لحظ كاتب المقال أن في انجلترا وبلاد الغال زيادة في عدد النساء على الرجال تقدر بمليونين من السيدات، وقال: إن إباحة تعدد الزوجات هي الطريقة الوحيدة للعلاج الناجع. قال الكاتب: وليست مسألة الزوجة الواحدة إلا مسألة اعتقاد واتفاق وهي في الحق والواقع نتيجة نسبة عددية، ثم ذكر أن نظرية المرأة الواحدة للرجل الواحد هي نظرية الأنسب والأوفق، ولكن الاستمساك بها لا يستحسن إلا عند التعادل العددي في الجنس، أما اذا زاد عدد جنس على الآخر. ولم تتخذ التدابير لذلك فلا مفر من حرب طاحنة تنشب بين الجنسين. الملاحق - تعدد الزوجات عند الغربيين نشرت مجلة "الفتح" في عددها الصادر بتاريخ ٩ جمادى الأولى ١٣٤٦هالموافق ٣ نوفمبر ١٩٢٧م ص ٣٠٢ ما يلي: كتب "اليوتنان كولونيل كادي" مقالة في عدد ٢ أكتوبر من جريدة "لا ديبش دوليست" ترجمتها جريدة "النجاح" التي تصدر في الجزائر ومما جاء في مقالة الكولونيل كادي: "إن تعدد الزوجات تجيزه الشريعة الاسلامية بشروط محدودة، وبالفعل نرى العالم كله يستعمله، وكم من بائع خمر من مدينة "تربون" - ان كان ذا ثروة - يكون له بيت مختفٍ في كل المدن التي تدعوه اليها أموره".

стр. 165

"نعم من الواضح أن الفرنسوي الثري الذي يمكنه أن يتزوج باثنتين فأكثر، هو أقل حالاً من المسلم الذي لا يحتاج الى الاختفاء اذا أراد أن يعيش مع اثنتين فأكثر، وينتج عن ذلك هذا الفرق: ان أولاد المسلم الذي تعددت زوجاته متساوون ومعترف بهم، ويعيشون مع آبائهم جهرة بخلاف أولاد الفرنسوي الذي يولدون في فراش "مختف" فهم خارجون عن القانون. وفي مقال للأمير شكيب ارسلان في مجلة الفتح بتاريخ ١٦ شعبان ١٣٤٨هـ / ١٦ يناير ١٩٣٠م ص ٥٠١ ما يلي: - ... وكان الألمان بعد حرب الثلاثين سنة قد نقص عدد رجالهم كثيراً، فقرر مجلس حكومة فرانكونيا إجازة أن يزوج الرجل بامرأتين، ونفذ هذا القرار مدة طويلة. وهذا منذ ٢٥٠ سنة. -٨ - دفاع احرار الفكر في الغرب عن تعدد الزوجات قالت "آني بيزانت" زعيمة التيوصوفية العالمية في كتابها: "الأديان المنتشرة في الهند": إني أقرأ في العهد القديم (التوراة) أن صديق الله الذي يفيض قلبه طبقاً لإرادة الله كان معددا للزوجات، وزيادة على هذا فإن العهد الجديد (الانجيل لا يحرم تعدد الزوجات إلا على من كان أسقفاً أو شماساً، فإنهما هما المكلفان أن يكتفيا بزوجة واحدة، وإني لأجد كذلك تعدد الزوجات في الكتب الهندية القديمة، وما يتهمون الاسلام إلا لأنه من السهل على الانسان أن يتتبع العيوب في عقائد الغير ويشهر بها. ولكن كيف يحوز أن يجرؤ الغربيون على الثورة ضد تعدد الزوجات المحدود عند الشرقيين ما دام البغاء شائعاً في بلادهم! ومن يتأمل فلا يجد وحدة الزوجة محترمة إلا لدى نفر قليل من الرجال الطاهرين، فلا يصح أن يقال عن بيئة أهلها موحدون للزوجة ما دام فيها الى جانب الزوجة الشرعية خدينات من وراء ستار. ومتى وزنا الأمور بقسطاس العدل المستقيم ظهر لنا إن تعدد الزوجات الاسلامي الذي يحفظ ويحمي ويغذي ويكسو النساء، ارجح وزناً من البغاء الغربي الذي يسمح بأن يتخذ الرجل امرأة لمحض اشباع شهواته، ثم يقذف بها

стр. 166

الى الشارع متى قضى منها أوطاره، صرحوا بأن الأمرين قبيحان! ولكن لا تسمحوا للمسيحي أن يذم أخاه المسلم بسبب أمر يشتركان في ارتكابه" ١. هـ. عن مجلة الأزهر: المجلد الثامن ص ٢٩١. أقول: لا يسلم للكاتبة بأن تعدد الزوجات كالبغاء! وهذا ما لا يختلف فيه. بل إنها هي ذاتها فيما سبق تعترف بأن التعدد أشرف وأكرم للمرأة وأولادها من البغاء، فكيف يستويان في القبح؟. الملاحق - التعدد في نظر المنصفين من المسيحيين قال الدكتور نظمي لوقا في كتابه: "محمد" الرسالة والرسول: ص ٦٧ ما يلي: الزوجة الواحدة أو الزوجات الكثيرات. هذا هو لباب ما يثور حول موضوع الزواج في دين الاسلام فلا بد من وقفة هاهنا لنتبين الحقيقة في هذا. من المسلم به أن الدين لا يقصد به مستوى من البشر دون مستوى، ولا عصراً من العصور دون سائرها، ولا بيئة من البيئات بعينها. وإنما يراد به التشريع للكافة وتنظيم حياة البشر من حيث هم كذلك، مع مراعاة فطرتهم السوية .. ولكن مع الاشارة الى ما فوق ذلك من درجات السمو التي لا يبلغ اليها إلا الخاصة وأولو العزم من الناس. وعلاقة المساكنة بين الذكر والأنثى هي أساس الأسرة، وهي تنبعث من غريزة طبيعية ينظمها التشريع أو العرف الاجتماعي ما وسعه التنظيم، عسى أن يضع حدوداً لتلك القوة الحيوية العارمة ترتفع بالانسان فوق مستوى البهيم. وما من شك أن نظام الزوجة الواحدة الدائمة نظام مثالي. ومن البديهي أيضاً ألا يطيقه إلا المثاليون، وخاصة ذوي العزم، وما لهؤلاء فحسب جعلت هداية الدين. ونظرة الى واقع الحياة البشرية في تاريخ مجتمعاتها الغابرة والحاضرة، تطلعنا على تعدد النساء في حياة الرجل الواحد، سواء جهرا أو سرا، وسواء برخصة من القانون أو الدين، أو حتف القانون والعقيدة.

стр. 167

وما من عاقل يفضل التعدد بغير رخصة على التعدد برخصة، فإن أثر الشعور بالاثم والاختلاس على السلوك البشري بعامة أثر خبيث يسمم حلاوته ويعكر صفاءه الذي لا تقوم السعادة الروحية والنفسية بغيره. فضلاً عما في العلاقات المختلسة من أضرار بالمرأة وإفساد لحياتها لا حلية فيه. ثم إن حياة البداوة والريف غير حياة الحضر. ففي الريف والبادية يعز القوت أحياناً ولا سيما على المرأة. وقد يكون في عدد النساء زيادة عن الرجال. فلا يصان عرض المرأة ولا تستقر معيشتها مادياً ونفسياً إلا اذا صارت في كنف رجل. وعندئذ لا حيلة في التعدد، لأنه الحل السليم الوحيد، أو هم أسلم أساس لجماعة هذه حقيقة ظروفها، والضرورات تبيح المحظورات. هي رخصة إذن تستخدم بحقها، وعند حصول مسوغاته الطبيعية من أحوال البيئة، أو من أحوال الأفراد. وما القول في زوجة أقعدها المرض؟ وما القول في الزوجة العقيم؟ وما القول في الزوجة الفاترة؟ وما القول في الزوجة السقيمة الأعصاب؟ أطلاقها أرحم بها أم إردافها بزوجة أخرى؟ لا شك أن الأمر واضح. هي رخصة إذن تستخدم بحقها. ولكنها ليست الزاماً، فهذه سورة النساء تقول بصريح النص: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ بل وتقول أكثر من هذا: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ وفي هذا إيحاء، بل حض على التزوج بواحدة. وليس من الانصاف في شيء أن نقيس هذا الحض بمقياس زماننا وآدابنا. بل بمقياس زمان الدعوة وآدابه، ففي تلك البيئة الصحراوية الجاهلية كان التعدد مطلقاً من كل قيد .. ومن هذا نفهم سر قول القرآن: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ بلهجة من يعدد للطامع ما هو مباح، بأسلوب يوحي بالتوسيع، وهو يرمي الى التضييق كل التضييق .. ما أشبه هذا - في تصوري - بالأب الذي يقول لطفله الشره الى الحلوى شرها لا يقف عند حد، أو لا يؤذن بقناعة دون العشرة والعشرين:

стр. 168

- سنعطيك واحدة في الصباح، أو قل اثنتين. وثالثة في الظهر ورابعة في العصر. أرأيت أني لم أبخل عليك؟ أما ما زاد عن ذلك فليس اليه سبيل!. ثم تلا ذلك الايحاء بالواحدة لا تزيد لمن خاف الظلم عند التعدد، وليس عن الظلم عند تعدد محيص. أما في غير تلك البيئة وشبيهاتها من بيئات البشر كافة الذين تتوجه اليهم الدعوة، فالمسألة أوضح، ولن تضيرهم رخصة التعدد وهم على التوحد أو أقرب اليه طبعاً ونشأة، ولهذا قيل ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ ففي ميدان الفضل والتعفف سعة، وبه يتفاضل الناس بعضهم فوق بعض درجات. ولا يتم النظر في موضوع الزواج، ما تعدد منه وما توحد، من غير النظر في كيفية الزواج، أو نوع الصلة الزوجية. إنها ليست مسافدة حيوانية بين ذكر وأنثى. على إطلاق بواعث الرغبة والاشتهاء الغريزي بين جنسي النوع البشري. بل لغير هذا قامت كوابح الآداب وضوابط الشرائع والعقائد. كلا! ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾. هكذا جاء في سورة الروم. واني لأرى في قوله ﴿من أنفسكم﴾ لمسة تمس شغاف القلب، وقد ذكر بما في الزواج من قربى تجعل الزوجة قطعة من النفس ثم أردف ذلك بالسكن. وما أقرب السكن من سكينة النفس في هذا الباب لا مساكنة الأجساد، بدليل ما أردف بذلك من المودة والرحمة. مشاطرة نفس، وسكنها وسكينتها، ومودة ورحمة، ما من شيء في هذه كلها من خصائص المتعة الشهوية والرغبة الجنسية البحت. فإن الشهوة تأخذ، وتنال، وهي معتصمة بأنانيتها وانعزالها عن الطرف الآخر، ولا تزيد بعد مأربها الا شعوراً بالعزلة والوحدة الموحشة. وشتان هذا والمشاطرة، وسكن النفس، والمودة والرحمة. كل أولئك من صفات الحنان: الحنان الذي يرحم ويؤثر، ومن صفات المحبة التي تعطى قبل أن تأخذ، وتنيل قبل أن تنال، وتقيم مطمئنة لتزداد

стр. 169

بالمساكنة غنى وأمناً وأنساً .. وتلك عليا مناعم المعاشرة والانسانية، بما فيها من غلبة الروح على نزوات الأجساد ودفعات الرغبة العمياء .. الزواج مطلب نفسي وروحي عند الانسان، وليس مطلباً شهويا جسديا وإن كان له أساس جسدي. فما كان أحرى الناس لو أن مطلب الجسد رائدهم ومبتغاهم ألا يعرفوا حدود الزواج وقيوده، التي تفرض الالتزامات على كل حال، ثقلت تلك الالتزامات أو خفت، وتربط بين الزوج وزوجه برباط هو قيد على كل حال، وفي خارج الزواج لا قيد لمن كل همه متاع البدن وقضاء اللبانات الشهوية. ورب قائل: أما والزواج مطلب نفسي وروحي عند الانسان وليس مطلباً شهوياً جسدياً وإن كان له أساس جسدي .. ففيم التعدد إذن، وإن كان رخصة يهتبلها من شاء ويتنكبها متعففاً من شاء؟ .. أما كان التوحد هو سبيل ذلك السكن النفسي بمعنى الكلمة؟ والجواب ان هذا صحيح من حيث المبدأ ولا مراء .. ولكن المبادئ قلما تعيش في دنيا البشر فتتيسر في أمور هي أمس ما تكون بالحياة اليومية والحقائق المادية. وأزيد الأمر وضوحاً: أين هي الزوجة المثلى التي تملأ جوانب الرجل النفسية وتسكن اليها نفسه سكناً كاملاً حتى لا يفتقد في كنفها لونا من السكينة والطمأنينة كان يرجوه أو يشتاق اليه؟ قليل. أقل من القليل. وسل سليمان الحكيم، الذي عرف ألوف النساء من جميع الأصناف والألوان، وقد اجتمع في خطابه من التجارب الزوجية، والنسوية ما لم يجتمع لانسان، يقول لك: "الزوجة الفضلى أثمن من اللؤلؤ النفيس .. من ذا يجدها؟! ". حتى أنت يا سليمان؟! فماذا يقول اذن سواك من عباد الله الذين لم يؤتوا الملك العضوض والجاه العريض؟ إن من وجد هذه اللؤلؤة بين النساء لن تهفو نفسه الى سواها، بل يتعلق بها تعلق الطفل بصدر أمه لا يرضى به بديلاً ولا يروم عنه حولا ...

стр. 170

أما من لم يجدها، ففي نفسه أشواق ظمأى، تتلفت صادفة تنشد ريها هنا وهناك. وهنا وهناك هذه واقع نلمسه كل يوم، وكل ساعة، في رجال محصنين بالزواج، تصبو نفوسهم الى غير زوجاتهم، في علاقات مختلسة، تسف بهم وبشريكاتهم الى درك الحيوان، أو درك الخزي والتأثم المهدد لشعور الكرامة الذي هو خاصة الانسان بالاطلاق .. فراغ ينشد الامتلاء، فالطبيعة تفزع من الفراغ وتأباه كما يقول الحكيم القديم .. ومن هنا يكون في رخصة التعدد ملاذ يكفي الناس شرين: أولهما شر التورط في الآثام التي قد تشوه النفس مهما أرضت نوازع الاشواق الجسدية وثاني الشرين تطليق الزوجة القديمة لتفسح للزوجة الجديدة مكانا في نظام التوحد وقد تكون للزواج الأول ثمرات تذوق التشرد. وقد تكون الزوجة الأولى مثقلة بالسنين أو العلة أو الأبناء أو عاطلة من الجمال، خالية اليد من مهنة، خالية الوفاض من مال فتقوض حياتها، ولعلها كانت تؤثر البقاء في كنف زوجها على كل حال. وإني أعرف من تجربتي الشخصية حالات كثيرة من هذا القبيل، سأذكر منها حالة جار لنا في دمنهور منذ عشرين سنة كان متزوجاً من سيدة قضى معها ربع قرن لم تشركها زوجة أخرى، وكان لهما ولد واحد تجاوز العشرين من عمره، ثم مات فجأة .. وخيم الحزن على البيت .. وكان واضحاً أن الزوجة بلغت من اليأس منذ زمن .. واذا بها تلح على زوجها أن تخطب له زوجة تنجب لها ولدا تقر به أعينهما في خريف العمر! وخطبت الزوجة لزوجها. وأعرس في دارهما. وكانت الزوجة الأولى من أبر الناس وأرفقهم بالزوجة الجديدة وكأنها ابنتها .. وكان فرحها بالمولود البكر فرحاً جارفاً، فكأنما دبت الخضرة في عودها الجاف، وعود زوجها الثاكل .. وأشهد أن هذا الطفل كان ألصق بصدر زوجة أبيه الكهلة من صدر أمه الشابة. وأشهد أني أدركت من أحوال هذه الأسرة معنى ما حفلت به كتب بني اسرائيل من ندب الزوجة العاقر جارية لها كي تحمل من زوجها وتلد لها نسلا! وفي اعتقادي ان هذا الرأي المستمد من الواقع في تحديد ظروف التوحد والتعدد هو أقرب ما يكون للتعليل الطبيعي.

стр. 171

ولو نظرنا الى حياة الرسول نفسه لوجدناه لم يشرك في فراشه أحداً مدة حياة خديجة، وقد طال زواجها ربع قرن تقريباً، هو طور الفحولة في حياة الانسان، ما بين الخمسة والعشرين والخمسين .. ولم تتعدد زوجاته الا بعد وفاتها. وليس هذا موضع الكلام في ظروف زواجه باولئك الزوجات، بل حسبنا الاشارة الى أن خديجة كانت الزوجة المثلى في حياة الرسول، ظل يشهد بذلك ويغار عليها الى ختام أيامه، ويؤكد لعائشة الصغيرة البكر أن الله لم يبدله بخديجة خيراً منها قط؟ زوجة مثلى ملأت فراغ النفس فسكنت اليها. ولما ذهبت تركت فراغاً هائلاً لم تستطع واحدة أن تملأه. وأكاد أحس أن الكثيرات عجزن عن ملء هذا الفراغ الكبير على وجه التمام .. وأيا كان التعدد بموجبات تلك الرخصة، فهو مشروط على كل حال بالمودة والرحمة، فلا تحل فيه المغايظة والاضرار الاناني اللئيم ... وبحسبي أن أشير هنا الى ما يذهب اليه المعتزلة من تحريم زواج الرجل بثانية ما دامت الأولى في عصمته لما في ذلك من المضارة للزوجة وهي سيئة لا يستحسنها العقل. وهذا في اعتقادي من باب السمو الذي يحض القرآن عليه اذ أشار الى الاكتفاء بواحدة خيفة الظلم الذي لا مناص منه في حال التعدد، ولكن الرخصة واضحة، والحكمة منها قاطعة بأن التعدد غير محرم لمن عجز عن الخطة المثلى وهي التوحد. رخصة مبذولة لمن لا مندوحة لهم عنها، والمرتقى فوق ذلك مفتوح لمن استطاع وهو محمود. وها نحن نرى ظروف الناس تتقدم بهم يوماً بعد يوم نحو سياسة التوحد في الزواج، مع ارتقاء العلم، وانفساح الفرص للزواج عن بينة ودرس وتمحيص. ... ولا بد في هذا المقام من التعرض لناموس الزواج أصلاً، بعد أن أشاعت المسيحية حوله جوا خاصاً، خلاصته أن العفة وأن الرهبانية هي الأصل، ومن لم يستطع ذلك فليتزوج. فكان الزواج رخصة يرتخصها من لا مندوحة له من ذلك والسلام.

стр. 172

ولا شك أن هذا المفهوم مرتبط بفكرة الخطيئة الأولى، واعتبار أن العلاقة الجنسية شر في ذاتها ولذاتها. وإن الجسد كله عورة بكل رغائبه وطلبه للطيبات من الدنيا، فهذا الترهب، مع النسك، والصيام المسيحي العزوف عن أطايب الادام، أدلة على الضيق بالبدن، وازدرائه، وصحبته على مضاضة، والنظر الى مطالبه، والى زينة الدنيا جملة نظرة عداء وخصومة. البدن شر لا بد منه، وكذلك الزواج. والخير كل الخير في محاربتها وعدم الانسياق لهما والاخلاد اليهما. حياة لا طمأنينة فيها ولا قرار. وإنما هو الصراع المستعر، والقلق المستمر، الذي تفسد به الدنيا، وتعيا به النفس. وقد كشف لنا علم النفس الحديث عن العلل والآفات المخربة التي تسمم ينابيع الحياة بسبب الشعور بالتأثم من الجسم وغرائزه النوعية. وما حال إنسان يمارس الحياة حزيناً من كل نبضة سرور بها وكل خلجة استمتاع فيها وكل انتفاضة طبيعية اليها؟ إن الإسلام لا يقاوم الحياة، بل يقر الفطرة البشرية على تقديسها، وهيانة ينابيعها من الاكدار. ولا يفصل بين حياة الروح وحياة الجسد حيث لا انفصال لهما في واقع الجبلة التي جبلها خالقها الحكيم الخبير. إن القرآن يكرر فضل الخالق وحكمته السامية في ابداع الجنسين وكيف ان هذه سنة الله في خلقه كافة في جميع مراتب الحياة. والرسول يؤكد ان الزواج نصف الدين. وأي تعبير أقرب الى فطرة الحياة، ويرفع عن تلك الصلة كل شبهة في خزي أو هبوط معيب، مما ورد في سورة البقرة، بذلك التعبير اللطيف الرقيق اللبق: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾. أو كما ورد في سورة النساء في باب تعظيم ما يكون بالزواج من ميثاق وعقد وعهد له حرمة ترعى: ﴿ ... وقد أفضى بعضكم الى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ... ﴾

стр. 173

بل ان الكراهة أمر لا يسوّغ البدار الى فصم العروة الوثقى، كما جاء في سورة النساء أيضاً: ﴿ ... وعاشروهن بالمعروف .. فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله في خيراً كثيراً .. ﴾. إن الأساس في ذلك العقد أنه لا ضرر ولا ضرار ﴿فإمساك أو تسريح بإحسان﴾. كما جاء في سورة البقرة .. وإن ذلك لمسبار الخلق الكريم الذي يترفع في سمت الفروسية عن الافتئات الذميم والجور اللئيم. حتى ان الرسول قال في خطبة الوداع: "واستوصوا بالنساء خيراً فانهن عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله". إن الرجل يمسك المرأة ويقوم على أمرها في كنفه، فهي تحت رحمته، ومن ثم وجبت عليه الرحمة بها ولم يجز له الاستبداد بأمرها. إنها أمانة في يده وعنقه. وليس بعد أمانة الله محرجة لمن ألقى السمع وهو شهيد! استجابة للحياة في طلاقة وبراءة من التأثم. وتقديس لدوافعها وورود طلق لينابيعها، مع الحفاظ عليها من أكدار البهيمية المسفة. بذلك يسعد المرء من بني الانسان، وتترقرق في نفسه نضارة الثقة وافراح الحياة. ولا يجد حرجاً بين ربه ونفسه، وربه قد خلقه على تلك الفطرة، ولو شاء لجعله ملكاً لا بدن له ولا شهوة. كان لا بد من اصلاح ما بين الانسان وبين نفسه التي بين جنبيه بعقيدة موفقة بين الدين والدنيا. وقد نهض بهذا الاسلام، وكانت سنته في الزواج كفاء خطته في جوانب الهداية البشرية الفطرية، لتحرير البشر من الذعر، والخزي وعقيدة الاثم الشوهاء التي كبلته ولم تزل تكبل الكثيرين عن انطلاقة الحياة وسواء الفطرة.

стр. 174

الملاحق - الغربيون يطالبون بما يشبه تعدد الزوجات نشرت الأهرام في سبتمبر عام ١٩٥٣ نبأ مؤتمر "تورنتو" بإيطاليا الذي عقده اتحاد القانونيات العالميات، وسبق عقده من قبل في باريس وجنيف وستراسبورج وغيرها، ومثلت فيه بعض الدول العربية، ويعنى الاتحاد ببحث حقوق العائلة والأحوال الشخصية للمرأة، والعمل على وضع القوانين التي تكفل حمايتها. قالت الأهرام: وقد بحث المؤتمر في دورته الحالية مسألتين: حقوق النساء والابن غير الشرعي، وما سموه بالأم الآنسة، أي التي أنجبت أطفالاً دون أن تتزوج، ورأت المجتمعات ترتيب حقوق لكل امرأة قِبَل أي رجل يتصل بها، وذكرت رئيسة المؤتمر أن الاتحاد وضع مشروع معاهدة لحماية الابن غير الشرعي، وعلاقة المرأة بالرجل. وقد خطت امرأة انجليزية خطوة ايجابية لعلها من آثار الدعوة الى هذه المعاهدة، ورفعت قضية على طيار أمريكي تطلب النفقة لها ولوليدها منه، فرفضت المحكمة دعواها بحجة أن على فتيات الانجليز أن يحرصن في علاقاتهن مع الأمريكان. وكانت هذه واحدة من سبعين ألفاً من الأمهات الأوانس في الأيام الأخيرة شغلن الضمير المتمدن في نصف العالم الحر ... ! بالاستماع لحظة الى أمريكي مسؤول ينادي بعقد معاهدة في شأن أولئك الفتيات البائسات. وقد علقت الأهرام في "باب ما قل ودل" بتاريخ ١٨/ ٠٢/١٩٥٤ بما يلي: ستعقد بين بريطانيا وأمريكا معاهدة من نوع جديد فلا هي سياسية ولا هي عسكرية، ولا هي مالية، إنها معاهدة غرامية. ويقول السناتور "جرين" عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي. إن الضمير الأمريكي يجب أن يتحرك، وإن معاهدة لتصحيح الموقف يجب أن تعقد .. أما الموقف فهو خاص بسبعين ألف ابن حرام، ولدوا بسبب الجنود الأمريكان، فلما حاولت إحداهن أن ترفع قضية نفقة حكم القضاء البريطاني ضدها، وقال القاضي في حكمه: إن العبرة تقضي بضرورة أن

стр. 175

تحرص هؤلاء الشباب في علاقتهن مع الجنود الأمريكان حرصاً أكثر من ذلك وبذلك سقطت نفقة سبعين ألف فتاة وامرأة" (١). أقول: ماذا بقي من إباحة تعدد الزوجات بعد المطالبة بوجوب انفاق الرجل على من اتصل بامرأة اتصالاً محرماً، وبالاعتراف بالاولاد الناشئين عن هذه العلاقة الآثمة؟ أليس الأفضل والأكرم للمرأة نفسها أن تكون علاقتها بالرجل علاقة مشروعة تحت سمع القانون وبصره، وفي رعاية المجتمع وتكريمه؟ أليس من حق هؤلاء الأولاد غير الشرعيين أن تكون ولادتهم عن طريق شرعي، فعيشوا في المجتمع مرفوعي الرأس، موفوري الكرامه؟ أليس الاصرار على منع التعدد قانونا مع المطالبة بالاعتراف بنتائج التعدد غير القانوني إهانة للمرأة، وإساءة الى الاولاد، وتشجيعاً على الاثم والفجور وفساد الاخلاق؟ بلى! ولكن الغربيين قوم منافقون في ادعاء المعاني الانسانية النبيلة! الملاحق - نتائج منع تعدد الزوجات في الغرب بالارقام والاحصاءات نشرت مجلة حضارة الاسلام في المجلد الثاني عام ١٩٨١ هو ١٩٦١م ص ١٦٥ ما يلي: تدل الاحصاءات في السويد على أنه بين كل سبع زيجات تنتهي واحدة بالطلاق، وفي التزويج بين كل ست زيجات تنتهي واحدة بالطلاق. وليس نادراً أن تجد شابات في الدانمرك طلقن مرتين أو ثلاث مرات قبل أن يبلغن الثلاثين. أما الاطفال غير الشرعيين ففي السويد يولد طفل غير شرعي بين كل عشرة أطفال. وفي الدانمرك طفل بين كل ثلاثة عشر طفلاً، كما تتم حالات إجهاض كثيرة بواسطة سيدات غير اخصائيات مما حفز الصحف على مطالبة

стр. 176

الحكومة كي تجعل الاجهاض قانونياً! .. لا يسأل الأطباء عنه إذا قاموا به علانية! أما في أمريكا فقد ولد ٢٢١ ألف طفل غير شرعي في الولايات المتحدة خلال عام ١٩٥٩ أي بنسبة ٥٢ طفلاً في كل ألف طفل ولد في أمريكا خلال ذلك العام. وقدمت الدكتورة - راشل دافيز - عضو الجمعية العمومية لولاية شمال كارولينا مشروعاً بتعقيم السيدات اللاتي يلدن أكثر من مولودين غير شرعيين!. ونشرت المجلة المذكورة في ص ٤٨٩ من المجلد الثاني ما يلي: يحاول البوليس الانجليزي الآن لقضاء على مائة ألف امرأة تعمل في البغاء وبعد أن صدر قانون بالغائه. وقد أعلن البوليس أخيراً أنه عجز عن القيام بهذه المهمة وحده، وطلب من كل سيدة أن تتولى الابلاغ عن كل فتاة من بنات الليل تجدها تتسكع في الطرقات، للقبض عليها في الحال. وقد نشرت جريدة اللواء الدمشقية في عددها الصادر بتاريخ ١٩ شعبان ١٣٨٢هالموافق ١٤ كانون الثاني ١٩٦٣م برقية صادرة عن الأمم المتحدة من وكالة "رويتر" ما يلي: يقول تقرير الأمم المتحدة حول التمييز ضد الأطفال غير الشرعيين أن ما يقارب ٣٠% من الأطفال في بعض البلدان يولدون خارج نطاق الزواج! -١٢ - سكرتيرات بدل تعداد الزوجات عند الغربيين نشرت مجلة حضارة الاسلام في المجلد الثاني ص ٣٦٤ ما يلي: طلبت جوزبي الطلاق من زوجها في شهر العسل، ووقفت تبكي أمام القاضي وهي تروي له قصتها، قالت لقد احتفلنا بزواجنا في الأسبوع الماضي وقررنا أن نمضي شهر العسل على شاطئ البحر، ولكنني صدمت في اليوم التالي عندما وجدت فتاة شقراء جميلة تشاركنا في شهر العسل، لقد قال لي

стр. 177

زوجي: "إنها سكرتيرته الخاصة وإنه لا يستطيع أن يستغني عنها لحظة واحدة! " ولم يكن ممكناً أن أحتمل وجود امرأة أخرى وهي تجلس أمام زوجي بالمايوه ليملي عليها خطاباته، ويمضي معها نصف شهر عسلي أنا .. " وطلب القاضي من الزوج أن يختار بين الزوجة والسكرتيرة، فخرج من المحكمة وهو يتأبط ذراع سكرتيرته! ... الملاحق - حول طائفة "المورمون " نقل الاستاذ كرد علي في كتابه: الاسلام والحضارة العربية: ١/ ٢ عن غوستاف لوبون ما يلي: "إن شيعة المورمون الأميركية القائلة بتعدد الزوجات لم يمنعها اعتقادها هذا من الارتقاء، ومن منتحليها من يتزوج عشر نساء، وقد كان البروتستانت هناك حاربوها إبان ظهورها حرب إبادة وتدمير، فهرب من دانوا بالمورمونية الى ولايات أخرى، ونشأت لهم في خمسين سنة مدنية زاهرة وأسسوا بكدهم في أرض كانت قفراء ممحلة ما يغبطون عليه من الصناعات الراقية، والزراعة المتقنة، والمعامل والمصانع، والمدن الزاهرة". ولقد سئلت احدى نساء المورمون عن رأيها في تعدد الزوجات فقالت: أفضل أن أكون المرأة العاشرة لرجل سامٍ بمداركه على أن أكون الزوجة الوحيدة لرجل متوسط. ويقول الأستاذ جبري وهو يقص ما شاهده في أمريكا في كتابه "أرض السحر": أما المورمون فهم نصارى ولكنهم يعتقدون أن الكاثوليك والبروتستانت ليسوا نصارى في حقائقهم، فهم لا يمثلون النصرانية على النحو الذي أراده السيد المسيح، وقد اجتمعت الى رجل من أكابر رجالهم، وأخذ يقص عليّ حقيقة معتقداتهم، وفي جملة ما قال لي: إننا نؤمن بنبيكم محمد ﷺ فقلت له: هل أستطيع اذا رجعت الى بلادي أن أقول لهم هذا القول؟ فتردد حينئذ دقيقة، وأخذ يشرح لي معنى إيمانهم بأنبياء الديانات، ولا بد لي أن أعترف في هذا المقام بأن صدري ضاق من الدخول في أمثال هذه الأمور. ولكني أستطيع أن أقول وهو كل ما بقي في

стр. 178

ذهني من شرح صاحبنا، أنهم يقولون بتعدد الزوجات، ولقد كان لقائدهم "يونج Yunng " عشرون زوجة! .. ويتزوج الرجل منهم ثلاث أخوات ويجمع بينهم، ويتزوج أماً وبنتها، وقد كانت الحكومة في الماضي ساكتة عن ذلك، أما اليوم فقد منعت تعدد الزوجات، فاضطر المورمون الى الاكتفاء بزوجة واحدة، ولكنهم في المبدأ لا يزالون يعتقدون بتعدد الزوجات، ومعنى هذا أن الحكومة اذا سمحت لهم بهذا المبدأ عادوا اليه، وقد قرأت مقالا في بعض المجلات الامريكية لرجل مورموني يشرح قصته ويقول: عندي خمس زوجات! ولماذا يعجب الناس من هذا الأمر؟ اذا سألنا كل أمريكي عن رأيه في النساء، أفلا يشتهي أن يكون عنده أكثر من امرأة؟ .... (ص ١٧٧، ١٧٨). وقد صرح بهذه الحقيقة الكاتب الانجليزي الشهير "سومرست موم" حين قال: قلما يوجد في الدنيا رجل يحب أن يقضي حياته مع امرأة واحدة ... (حضارة الاسلام) السنة الأولى، ص ٢٥٠). وقد علقت المجلة على ذلك بقولها: لماذا يشنعون اذاً على تعدد الزوجات في الاسلام؟ وأقول: إن الكاتب الانجليزي إنما تحدث عن أخلاقه وأخلاق قومه الغربيين، ولكننا نحن المسلمين عشنا قروناً طويلة ونعيش اليوم - في جماهيرنا الساحقة - بالقناعة بامرأة واحدة، وأكثر الذين يعددون الزوجات وهم نسبة ضئيلة جداُ في جماهيرنا لم يعددوا لشهوات جنسية. الملاحق - رأي في تفسير آيات التعدد للأستاذ الشيخ محمد المدني شيخ كلية الشريعة في جامعة الأزهر رأي في فهم الآيات التي تحدثت عن التعدد نوجزه فيما يلي: ملخصاً من رسالته بعنوان "رأي جديد في تعدد الزوجات". يرى الأستاذ ان الآية التي أباحت التعدد جاءت في صدد اليتيمات، ومشروطة بالخوف من عدم العدل معهن، واستنتج من ذلك ان التعدد المباح في الاسلام مشروط بشرطين:

стр. 179

١ - أن يكون له مبرر، وقد كان هذا المبرر في القرآن الكريم الخوف من عدم العدل في شؤون اليتيمات وعدم قيام الأوصياء بما يجب لهن من رعاية، وذلك أن مبادئ الاسلام تقتضي عدم الاختلاط بالاجنبيات، وذلك قد يؤدي أن لا يختلط الوصي بالمرأة التي مات عنها زوجها او البنت التي مات أبوها، خشية من الوقوع في الحرام، مع أن مصلحتهن قد تقتضي الدخول عليهن وسؤالهن عما يحتجن اليه، فأبيح له أن يتزوجهن اتقاءً لهذا المحظور وبذلك أبيح تعدد الزوجات الى أربع. هذا مرر واحد ذكره القرآن، ومثله مبررات الحروب التي تفني الرجال وتستبقي النساء. ٢ - أن يعرف من نفسه القدرة على العدل بين زوجاته. هذان هما الشرطان اللذان يشترطهما القرآن لإباحة التعدد، وهو يرى أن الشريعة لا تمنع "أن يعهد بظروف الناس في هذا الى هيئة رسمية أو قضائية وأن يقيد الناس في التعدد بحكم هذه الهيئة جوازاً أو منعاً". ثم يقول: وليس ذلك من باب تحريم المباح، فان الذي معنا مباح بشرطين: أحدهما أن يكون له مبرر وداع شريف معترف به شرعاً، والآخر أن لا يؤدي التعدد الى الجور وعدم العدل، فولي الأمر لا يقول: أحرّم ما أحله الله، وأمنع ما أباحه، ولكن يقول: أراقب تحقق الشرطين اللذين قيد الله بهما هذه الاباحة، لئلا يقع من عدم تحققهما ضرر يكرهه الله ولا يأذن به، فهو بذلك خادم للحكم الشرعي لا معطل له (١) ". هذا خلاصة رأيه، وهو يرى أن بإمكان أي هيئة رسمية أو قضائية ان تتأكد من استطاعته العدل بين الزوجات، ونحن لا نزال على رأينا الذي ذكرناه في بحث التعدد أنه من المستحيل أن تحكم هيئة أو أناس بما سيكون عليه الزوج في المستقبل من عدل بين الزوجات أو عدم عدل بينهن، لأن هذا أمر نفسي متغير، فقد يكون فيما مضى من عمره متخلقاً بخلق العدل، ولكنه لا يكون كذلك في المستقبل، وبخاصة أن من يتزوج ثانية - مهما كانت الأسباب والمبررات - ستكون أحب الى قلبه من الأولى وآثر عنده منها، وهذا الإيثار

стр. 180

في الحب يستلزم غالباً تفضيل الثانية على الأولى في الرعاية والعناية، فالقضية قضية خلق يحاسبه الله عليه، لا قضية تحكم المحكمة بوجوده أو عدمه. الملاحق - تناقص عدد النائبات في البرلمانات الغربية جاء في كتاب "فتاة الشرق في حضارة الغرب" للأستاذ البحاثة محمد جميل بيهم ما يلي: "كان عدد الممثلات الأمريكيات في مجلسي النواب والشيوخ سنة ١٩٢٦ يبلغ ١٠٨ امرأة، ثم تصاعد هذا العدد في الانتخابات اللاحقة الى ١٣١ امرأة، ولكن الزهد الذي استحوذ من بعد على نساء الولايات المتحدة في هذه الناحية جعل هذا العدد يتراجع حتى لم يبق في الكونجرس الأمريكي الآن إلا تسع نائبات فقط على ما قرأت! ". الملاحق - من فوائد اشتغال المرأة بالسياسة ! .. نشرت مجلة "حضارة الاسلام" في عددها الثاني للسنة الثانية بتاريخ صفر ١٣٨١هوتموز ١٩٦١م ما يلي: لجأ الحزب الاشتراكي الياباني المعارض الى وسيلة جديدة للدعاية الانتخابية فقد أعلن أنه سيبيع أحمر الشفاه وأنواع الكريم وأدوات الزينة بالتخفيض للناخبات اليابانيات، وذلك لمحاولة كسب أصواتهن الى جانبه في الانتخابات! ... الملاحق - أقوال الغربيين في المساواة يقول ول ديورانت مؤلف قصة الحضارة: إن المرأة التي تحررت من عشرات الواجبات المنزلية، ونزلت فخورة الى ميدان العمل بجانب الرجل، في الدكان والمكتب، قد اكتسبت عاداته، وأفكاره، وتصرفاته، ودخنت سجائره ولبست بنطلونه ... ونشرت الأهرام ٣٠/ ٠٤/١٩٥٥ ما يلي:
следующие страницы →