Полный текст (277 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أوله١٣٨. وقد قيل: إن الهرمزان سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر وظهر تحت ثيابه١٣٩. وكان قتل عبيد الله له، وعثمان لم يَلِ بعد. ولعل عثمان كان لا يرى على عبيد الله حقًّا، لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله١٤٠.
الحواشي
(١) ١٣٨ وقد تصرف عثمان في هذا الأمر بعد أن ذاكر الصحابة فيه، قال الطبري: ٤١:٥ جلس عثمان في جانب المسجد، ودعا عبيد الله، وكان محبوسًا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده.. فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا علي في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق، فقال علي: أرى أن تقتله. فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس، ويقتل ابنه اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن الله أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك. قال عثمان: أنا وليهم، وقد جعلتها دية، واحتملتها في مالي."خ".
١٣٩ في تاريخ الطبري: ٤٢:٥ حديث سعيد بن المسيب أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال غداة طعن عمر: "مررت على أبي لؤلؤة عشى أمس، ومعه جفينة "وكان نصرانيًّا من أهل الحيرة ظئرًا لسعد ابن أبي وقاص" والهرمزان، وهم نهجى، فلما رهقتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فانظ، فرجع إليهم التميمي وقد كان ألفظ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر حتى أخذه. وجاء بالخنجر الذي وصف عبد الرحمن بن أبي بكر. فسمع بذلك عبيد الله بن عمر. فأمسك حتى مات عمر، ثم اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله."خ".
١٤٠ وكذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس رأى جواز قتل علوج الفرس الذين في المدينة بلا استثناء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: ٢٠٠:٣: وقد قال عبد الله بن عباس لما طعن عمر -وقال له عمر: كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة- فقال "أي ابن عباس": إن شئت أن نقتلهم، فقال عمر: "كذبت" أفبعد أن تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم؟. قال ابن تيمية: فهذا ابن عباس -وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير- يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقًا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموه بالفساد، اعتقد جواز مثل هذا ... وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان من المفسدين في الأرض المحاربين، فيجب قتله لذلك، ولو قدر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله، لكن القاتل متأولًا ويعتقد حل قتله لشبهة ظاهرة، صار ذلك شبهة تدرأ على القاتل "يعني عن عبيد الله بن عمر". قلت: وإلى هذا ذهب عثمان في اكتفائه بالدية=стр. 107
تحقيق علمي عن الكتاب المنسوب لعثمان
وأيضًا فإن أحدًا لم يقم بطلبه، [فكيف] يصح مع هذه الاحتمالات كلها أن ينظر في أمر لم يصح؟.
١٨- وأما تعلقهم بأن الكتاب وجد مع غلامه -ولم يقل أحد قط أنه كان غلامه١٤١- إلى عبد الله بن أبي سرح يأمره بقتل حامليه١٤٢
الحواشي
(١) = واحتملها من ماله الخاص*. ولو أن حادث مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -بجميع ظروفه- وقع مثله في أي بلد آخر مهما بلغ في ذروة الحضارة لما كان منهم مثل الذي كان من الصحابة في تسامحهم إلى حد المطالبة حتى بقتل ابن أمير المؤمنين المقتول بيد الغدر والنذالة والبغي الذميم. "خ".
١٤١ وإنما قالوا أنه غلام الصدقة، أي أحد رعاة إبل الصدقة. وإبل الصدقة ألوف كثيرة لها مئات من الرعاة، وإن صح أنه من رعاة إبل الصدقة فهؤلاء لكثرتهم وتبدلهم دائمًا بغيرهم لا يكاد يعرفهم رؤسائهم فضلًا عن أن يعرفهم أمير المؤمنين وكبار عماله وأعوانه. ومع افتراض أنه من رعاة إبل الصدقة فما أيسر أن يستأجره هؤلاء البغاة لغرض من أغراضهم، وقد ثبت أن الأشتر وحكيم بن جبلة تخلفا في المدينة عند رحيل الثوار عنها مقتنعين بأجوبة عثمان وحججه. وفي مدة تخلف الأشتر وحكيم بن جبلة تم تدبير الكتاب وحامله للتذرع بهما في تجديد الفتنة ورد الثوار، ولم يكن لأحد غير الأشتر وأصحابه مصلحة في تجديد الفتنة. وكم لها من حيل أكثر التواءًا من استئجار راعٍ يرعى في إبل الصدقة. بل لقد ذكروا عن محمد بن أبي حذيفة ربيب عثمان الآبق من نعمته أنه كان في نفس ذلك الوقت موجودًا في مصر يؤلب الناس على أمير المؤمنين ويزوِّر الكتب على لسان أزواج النبي ﷺ ، ويأخذ الرواحل فيضمرها ويجعل رجالًا على ظهور البيوت في الفسطاط ووجوههم إلى الشمس لتلوح وجوههم تلويح المسافر ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق الحجاز بمصر ثم يرسلوا رسلًا يخبرون عنهم الناس ليستقبلوهم ... فإذا لقوهم قالوا إنهم يحملون كتبًا من أزواج النبي ﵌ في
_________
* وكما قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان، قتل ابنة أبي لؤلؤة، وقتل أيضًا جفينة النصراني لاتهامه بذلك، فقال أعداء عثمان ﵁ إنه لم يقتص من عبيد الله بسبب ذلك.
والجواب أن ابنة أبي لؤلؤة كانت مجوسية، وجفينة كان نصرانيًّا، وقد قال النبي ﵊ كما جاء في البخاري: "لا يقتل مسلم بكافر"، وقد دفع عثمان ديتهما كما دفع دية الهرمزان بعد عفو ابنه عن عبيد الله كما رأينا في غير هذا المكان. "م".стр. 108
قول علي أن الخارجين على عثمان حساد طلاب دنيا
فقد قال لهم عثمان: إما أن تقيموا شاهدين علي [بذلك] ، وإلا فيميني أني ما كتبت ولا أمرت١٤٣. وقد يكنز على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه١٤٤.
فقالوا: [تسلم] لنا مروان، فقال: لا أفعل، ولو سلمه لكان ظالمًا١٤٥، وأنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان وسواه، فما ثبت
الحواشي
(١) = الشكوى من حكم عثمان، وتتلى هذه الكتب في جامع عمرو بالفسطاط على ملأ الناس وهي مكذوبة مزورة وحملتها كانوا في مصر ولم يذهبوا إلى الحجاز، انظر كتاب الأستاذ المحقق الشيخ صادق عرجون عن عثمان بن عفان صـ ١٣٢-١٣٣. فتزوير الكتب في مأساة البغي على أمير المؤمنين عثمان كان من أسلحة البغاة، استعملوه من كل وجه وفي كل الأحوال. وقد تقدم المثال على ذلك، وسيأتي طرف منه فيما بعد.
١٤٢ وكيف يكتب إلى عبد الله بن سعيد بن أبي سرح وقد أذن له بالمجيء إلى المدينة، ويعلم أنه خرج من مصر "الطبري ١٢٢: ٥" وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة. ومضمون الكتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه. وسيأتي الكلام على ذلك كله فيما بعد. "خ".
١٤٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ١٨٨: ٣: كل ذي علم بحال عثمان يعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ولا أمثاله، ولا عرف منه قط أنه قتل أحدًا من هذا الضرب. وقد سعوا في قتله "أي في قتل أمير المؤمنين عثمان" ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا يأمر بقتالهم دفعًا عن نفسه، فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم. "خ".
١٤٤ وقد حدث مثل ذلك في زمن عمر، كما رواه البلاذري في فتوح البلدان: صـ ٤٤٨ طبع سنة ١٣٥٠، والحافظ بن حجر في الإصابة: ٥٢٨: ٣ طبع سنة ١٣٢٨. "خ".
١٤٥ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ١٨٩: ٣: بل عثمان إن كان أمر بقتل محمد بن أبي بكر هو أولى بالطاعة ممن طلب قتل مروان؛ لأن عثمان إمام هدى وخليفة راشد يجب عليه سياسة رعيته، وقتل من لا يدفع شره إلا بقتله، وأما الذين طلبوا قتل مروان فقوم خوارج مفسدون في الأرض، ليس لهم قتل أحد ولا إقامة حد، وليس مروان أولى بالفتنة والشر من محمد ابن أبي بكر، ولا هو "أي ابن أبي بكر" أشهر بالعلم والدين منه "أي من مروان". بل أخرج أهل الصحاح عدة أحاديث عن مروان، وله قول مع أهل الفتيا، واختلف في صحبته. ومحمد بن أبي بكر ليس بهذه المنزلة عند الناس ... ومروان من أقران ابن الزبير ... إلخ. "خ".стр. 109
كان هو منفذه وآخذه ان كان له اخذه والممكن لمن يأخذه بالحق ومع سابقته وفصيلته ومكانته لم يثبت عليه ما يوجب خلعه فضلا عن قتله
وأمثل ما روى في قصته انه بالقضاء السابق تألب عليه قوم لأحفاداعتقدوها ممن طلب امرا فلم يصل اليه وحسد حسادة اظهر داءها وحمله على ذلك قلة دين وضعف يقين وإيثار العاجلة على الآجلة ١٤٦ وإذا نظرت اليهم ذلك صريح ذكرهم على دناءة قدرهم وبطلان أمرهم ١٤٧
كان الغافقي المصري أمير القوم ١٤٨ وكنانة بن بشر التجيبي ١٥٠
الحواشي
(١) ١٤٦ بمثل هذه الأوصاف وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الخطبة التي خطبها على الغرائر في معسكره بالكوفة عندما كان الصحابي الفارس المجاهد القعقاع بن عمرو التميمي يسعى بإتمام المهمة التي جاءت عائشة وطلحة والزبير لإتمامها، فروى الطبري (٥: ١٩٤) أن عليا ذكر إنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ ، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه. وقال على مسمع من قتلة عثمان: «ثم حدث هذا الحادث الذي جره على الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاء الله عليه على الفضيلة، وأرادوا رد الأشياء على أدبارها» ثم ذكر أنه راحل غدا إلى البصرة ليجتمع بأم المؤمنين وأخويه طلحة والزبير وقال: «ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان على عثمان ﵁ بشيء في شيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم» .
١٤٧ أجملنا في هامش ص ٥٨ أوصاف البارزين ممن خرج على عثمان. أول من اكتشف سريرتهم، ونظر إلى وجوههم بنور الله فتشاءم منهم، رجل الإسلام المحدث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صاحب الفراسة التي لا تخطئ. روى الطبري (٤: ٨٦) أن عمر لما استعرض الجيوش للجهاد سنة ١٤ مرت أمامه قبائل السكون اليمنية مع أول كندة يتقدمهم حصين بن نمير السكوني ومعاوية بن حديج أحد الصحابة الذين فتحوا مصر ثم كان أحد ولاتها، فاعترضهم عمر، فإذا فيهم فتية دلم سباط، فأعرض عنهم ثم أعرض ثم أعرض، حتى قيل له: ما لك ولهؤلاء؟ فقال: إني عنهم لمتردد، وما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم. فكان منهم سودان بن حمران وخالد بن ملجم وكلاهما من البغاة على عثمان.
١٤٨ هو الغافقي بن حرب العكي من أبناء وجوه القبائل اليمنية التي نزلت مصر عند الفتح. فلما تظاهر ابن سبأ بالتشيع لعلي. ولم يجد مرتفعا =стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لفساده في الحجاز ولا في الشام، اكتفى باصطناع بعض الأعوان في البصرة والكوفة، واختار الإقامة في الفسطاط، فكان الغافقي هذا من قنائصه، وقد استمالوه من ناحية تهافته على الرئاسة والجاه. وكان محمد بن أبي حذيفة ابن عتبة الأموي ربيب عثمان الآبق من نعمته هو اليد اليمنى لتنفيذ خطط السبأيين في مصر. والغافقي للتصدر والظهور. وفي شوال سنة ٣٥ أعوا عدتهم للزحف من مصر على المدينة بأربع فرق مجموع رجالها نحو ستمائة، وعلى كل فرقة رئيس ورئيسهم العام الغافقي هذا، وتظاهروا بأنهم يقصدون الحج، وفي المدينة تطورت حركاتهم حتى استفحل الأمر، ومنعوا عثمان من الصلاة بالناس في المسجد النبوي، فصار الغافقي هو الذي يصلي بالناس "الطبري: ١٠٧: ٥" ثم لما أقنعهم الشيطان بالجرأة على الجناية الكبرى كان الغافقي أحد المجترئين عليه وضربه بحديدة معه، وضرب* المصحف برجله، فاستدار "الطبري: ١٣٠: ٥" وبعد قتل عثمان بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب "الطبري: ١٥٥: ٥". "خ".
١٥٠ وهذا أيضًا كان من قنائص ابن سبأ في مصر. ولما أرسل عثمان عمارا** إلى مصر؛ ليكتشف له أمر الإشاعات وحقيقة الحال، استماله السبأبون, وكان كنانة بن بشر هذا واحدًا منهم "الطبري: ٩٩: ٥". وعندما جمعوا أوشاب القبائل للزحف على المدينة بحيلة الحج في شوال سنة ٣٥ انقسموا في مصر إلى أربع فرق على كل فرقة أمير، وكان كنانة بن بشر أميرًا على إحدى هذه الفرق "الطبري: ١٠٣: ٥" ثم كان في طليعة من اقتحم الدار على عثمان، وبيده شعلة من نار تنضج بالنفط، فدخل من دار عمرو بن حزم، ودخلت الشعل على أثره "الطبري: ١٢٣: ٥"، ووصل كنانة التجيبي إلى عثمان فأشعره مشقصًا "أي نصلًا طويلًا عريضًا" فانتضح الدم على آية ﴿فَسَيَكْفِيْكَهُمُ الله﴾ [الطبري: ١٢٦: ٥] وقطع يد نائلة زوجة عثمان، واتكأ بالسيف على صدر عثمان وقتله "الطبري: ١٣١: ٥"، قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني المتوفى سنة ٤٣ قال: الذي قتل أمير المؤمنين عثمان هو كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي "الطبري: ١٣٢: ٥" وفيه يقول الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
_________
* في سند الخبر الغريب الموحش سيف الذي يكتب التاريخ، وهو متهم بالكذب كما جاء في الميزان واللسان. "م".
** قضية استمالة السبئيين لعمار، وصلاة الغافقي بالناس في المدينة في سندهما سيف بن عمر التيمي الجرمي: ضعيف جدًّا واتهم بالوضع والزندقة، كما جاء في التهذيب لابن حجر، وهكذا نرى قسمًا كبيرًا من تاريخنا من وضع الزنادقة، فهل من معتبر؟!. "م".стр. 111
وسودان بن حمران١٥١، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي١٢٥،
الحواشي
(١) =
ألا إن خير الخلق بعد ثلاثة ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر
وكانت عاقبة كنانة هذا وقوعه قتيلًا في الحرب التي نشبت سنة ٣٨ في مصر بين محمد بن أبي بكر الصديق نائب علي، وبين عمرو بن العاص ومن معه من جيش معاوية ابن حديج السكوني "الطبري ٥٨:٦-٥٩، ٦٠". "خ".
١٥١ السكوني، من قبائل مراد اليمنية النازلة في مصر. وقد تقدم أنه كان في سنة ١٤- أحد الذين قدموا في خلافة عمر للجهاد مع جيوش اليمن بقيادة حصين بن نمير ومعاوية بن حديج، فلما استعرضهم أمير المؤمنين وقع نظره على سودان بن حمران هذا وعلى زميله خالد بن ملجم فتشاءم منهما وكرههما. ولما أرسل أمير المؤمنين عثمان عمارًا إلى مصر؛ ليكتشف له مصدر الإشاعات الكاذبة وحقيقة الحال التف السبأيون بعمار وكان سودان بن حمران منهم "الطبري: ٩٩:٥". ولما سير السبأيون متطوعة الفتنة من أوشاب القبائل اليمنية التي في مصر في شوال سنة ٣٥ نحو المدينة وجعلوهم أربع فرق كان سودان قئد إحدى هذه الفرق "الطبري: ١٠٣:٥"، ولما وصل متطوعة الفتنة إلى المدينة، وخرج لهم محمد بن مسلمة ليعظم لهم حق عثمان وما في رقابهم من البيعة له رآهم ينقادون لأربعة هذا واحد منهم "الطبري ١١٨:٥". وفي ١٣١:٥ من تاريخ الطبري وصف تَسَوُّر سودان ومعه آخرون من دار عمرو بن حزم إلى دار عثمان، وفي ١٣٠:٥ بعض تفاصيل ما وقع من سودان عند ارتكابهم الجناية العظمى. ولما انتهوا من قتل أمير المؤمنين خرج سودان من الدار وهو ينادي: قد قتلنا عثمان بن عفان "الطبري ١٢٣:٥"."خ".
١٥٢ كان أبوه رجلًا مسنًّا من مسلمة الفتح. وورد ذكر عبد الله بن بديل في الفتنة العظمة على أمير المؤمنين عثمان، فذكر الطبري ١٢٤:٥-١٢٥ أن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بن زهرة خرج هو وعبد الله بن الزبير ومروان وغيرهم يدافعون عن أمير المؤمنين على باب الدار، فحمل عبد الله بن بديل على الأخنس بن شريق وقتله. ونقل الحافظ ابن حجر في الإصابة ٢٨٠:٢ عن ابن الكلبي أن عبد الله بن بديل وأخاه عبد الرحمن شهدا صفين مع علي وقتلا بها، والظاهر أن أخاه قتل قبله، فقد نقل ابن حجر في الإصابة ٢٨١:٢ عن ابن إسحاق في كتاب الفردوس أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما قدم الكوفة -أي مع جيش أهل الشام- لقى عبد الله بن بديل، فنصح له ابن بديل بأن لا يهرق دمه في هذه الفتنة، فاعتذر عبيد الله بن عمر بأنه يطلب بدم أمير المؤمنين عثمان الذي قتل ظلمًا، واعتذر ابن بديل بأنه يطلب بدم أخيه الذي قتل ظلمًا. وكيف يكون أخوه قتل ظلمًا =стр. 112
وحكيم بن جبلة من أهل البصرة١٥٣، ومالك بن الحارث الأشتر١٥٤ في طائفة هؤلاء رؤوسهم، فناهيك بغيرهم.
الحواشي
(١) = وقد قتل في فتنة تطوع للمساهمة فيها مختارًا، بينما عثمان وهو أمير المؤمنين الذي له حق الولاية عليه من ابن بديل وأمثاله ومن هم أقل منه شأنًا، ومع ذلك لم يقاتل أحدًا، ولم يدافع عن نفسه، ونهى الناس عن أن يدافعوا عنه أوباشًا قدموا إلى مدينة الرسول ﵌ من مختلف البلاد ليرتكبوا الشر والإثم. وأين عثمان الذي ملأت حسناته الأرض وتعطرت بأريجها السماء، من عبد الرحمن بن بديل الذي لا يكاد يعرف له التاريخ عملًا."خ".
١٥٣ حكيم بن جبلة العبدي من قبائل عبد القيس، أصلهم من عمان وسواحل الخليج الفارسي*، وتوطن بالبصرة بعد تمصيرها، وكان حكيم هذا شابًّا شجاعًا، وكانت الجيوش الإسلامية التي تزحف نحو الشرق لنشر الدعوة والفتوح تصدر عن البصرة والكوفة، فكان حكيم بن جبلة يرافق هذه الجيوش. ويجازف في بعض حملات الخطر، كما تفعل كتائب "الكوماندوز" في هذا العصر. وقد استعملته جيوش أمير المؤمنين عثمان في إحدى هذه المهمات عند محاولتها استشكاف الهند، كما نوهت بذلك في مقالة "طلائع الإسلام في الهند"، ويؤكد شيوخ سيف بن عمر التميمي "وهو أعرف المؤرخين بتاريخ العراق" على ما نقله عنه الطبري ٩٠:٥ أن حكيم بن جبلة كان إذا قفلت الجيوش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس، فيغير على أهل الذمة ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ثم يرجع، فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر أن أحبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدًا، فحبسه "أي منعه من مبارحة البصرة". فلما قدم عبد الله بن سبأ البصرة نزل على حكيم بن جبلة، واجتمع إليه نفر، فنفث فيهم سمومه، فأخرج ابن عامر عبد الله بن سبأ من البصرة، فأتى الكوفة فأخرج منها، ومن هناك رحل ابن سبأ إلى الفسطاط ولبث فيه وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم، وذكر الطبري ١٠٤:٥ أن السبئية لما قرروا الزحف من الأمصار على مدينة الرسول ﵌ كان عدد من خرج منهم من البصرة كعدد من خرج من مصر، وهم مقسمون كذلك إلى أربع فرق، والأمير على إحدى هذه الفرق حكيم بن جبلة، ونزلوا في المدينة في مكان يسمى ذا خشب. ولما حصبوا أمير المؤمين عثمان، وهو يخطب على المنبر النبوي كان حكيم بن جبلة واحدا منهم "الطبري: ١٠٦:٥" ولما رحل الثوار عن المدينة في المرة الأولى بعد مناقشتهم لعثمان =
_________
* بل الخليج العربي. م.стр. 113
تسيير عثمان مثيري الفتنة إلى معاوية بالشام
وقد كانوا أثاروا فتنة، فأخرجهم عثمان بالاجتهاد، وصاروا في جماعتهم.
الحواشي
(١) وسماعهم دفاعه واقتناعهم، تخلف في المدينة الأشتر وحكيم بن جبلة "الطبري ١٢٠: ٥" وفي ذلك شبهة قوية بأن لهما دخلًا في افتعال الكتاب المزور على أمير المؤمنين، ولما جاءت عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة، وأوشكوا أن يتفاهموا مع أمير المؤمنين علي على رد الأمور إلى نصابها كان حكيم بن جبلة هو الذي أنشب القتال؛ لئلا يتم التفاهم والاتفاق "الطبري ١٧٦: ٥، وما بعدها" وارتكب دناءة قتل امرأة من قومه سمعته يشتم أم المؤمنين عائشة فقالت له: يا ابن الخبيثة أنت أولى بذلك، فطعنها فقتلها "الطبري ١٧٩: ٥" وحينئذ تخلى قومه عن نصرته إلا الأغمار منهم، وما زال يقاتل حتى قطعت رجله، ثم قُتِل وقتل معه كل من كان في الواقعة من البغاة على عثمان، ونادى منادي الزبير وطلحة بالبصرة: ألا من كان فيكم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة، فليأتنا بهم" فجيء بهم كما يجاء بالكلاب فقتلوا، فما أفلت منهم إلا حرقوص بن زهير السعدي من بني تميم "الطبري ١٨٠: ٥". روى عامر بن حفص عن أشياخه قال: ضرب عنق حكيم بن جبلة رجل من الحدان، يقال له ضخيم، فمال رأسه فتعلق بجلده فصار وجهه في قفاه "الطبري ١٨٢: ٥". "خ".
١٥٤ من النخع، وهي قبيلة يمنية من قبائل مذحج. بطل شجاع من أبطال العرب، كان أول مشاهده الحربية في اليرموك، وفيها فقد إحدى عينيه. ثم شاء أن يكون سيفه مسلولًا على إخوانه المسلمين في مواقف الفتنة. ولو أنه لم يكن ممن ألب على أمير المؤمنين عثمان، وكتب الله أن تكون وقائعه الحربية في نشر دعوة الإسلام وتوسيع الفتوح، لكان له في التاريخ شأن آخر.
والذي دفعه في هذا الطريق غُلُوُّه في الدين وحبه للرئاسة والجاه، ولست أدري كيف اجتمعتا فيه. والأشتر أحد الذين اتخذوا الكوفة دار إقامة لهم، فلما كانت إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة كان الأشتر يشعر في نفسه بأنه أهل للولاية والرئاسة. فأنزلق مع العائبين على الدولة ورجالها من الخليفة الأعلى في المدينة إلى عامله على الكوفة الوليد بن عقبة. ولما سرق أبو زينب وأبو مورع خاتم الوليد من منزله وذهبا به إلى المدينة، فشهدا على الوليد بشرب الخمر كما تقدم في صـ ٧٦ أسرع الأشتر وآخرون معه بالذهاب إلى المدينة لتوسيع دائرة الفتنة، حتى إذا عزل عثمان الوليد سعيد بن العاص عاد الأشتر مع سعيد إلى الكوفة "الطبري ٦٣: ٥". وكان عثمان قد سن نظام مبادلة الأراضي، فمن كانت له أرض من الفيء في مكان بعيد عنه يبادل عليها بأرض قريبة منه بالتراضي بين المتبادلين. وبهذه الطريقة تخلى طلحة بن عبيد الله عن أسهمه في خيبر واشترى بها من فيء أهل المدينة بالعراق أرضًا يقال لها النشاستج "الطبري ٦٤: ٥". وبينما كان سعيد بن العاص في دار الإمارة بالكوفة والناس عنده أثنى رجل على طلحة بن عبيد الله بالجود، فقال سعيد =стр. 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = بن العاص: لو كان لي مثل أرض النشاستج لأعاشكم الله عيشًا رغدًا.
فقال له عبد الرحمن بن خنيس الأسدي: وددت لو كان هذا الملطاط لك.
والملطات أرض على جانب الفرات كانت لآل كسرى. فغضب الأشتر وأصحابه وقالوا للأسدي: تتمنى له سودانا! فقال والده: ويتمنى لكم أضعافه.
فثار الأشتر وصحبه على الأسدي وأبيه وضربوهما في مجلس الإمارة حتى غشى عليهما. وسمعت بذلك بنو أسد فجاءوا وأحاطوا بالقصر ليدافعوا عن رجليهما، فتلافى سعيد بن العاص هذه الفتنة بحكمته، ورد بني أسد عن الأشتر وجماعته، وكتب أشراف الكوفة وصلحاؤها إلى عثمان في إخراج هؤلاء المشاغبين من بلدهم، فأرسلهم إلى معاوية في الشام "الطبري ٨٥: ٥-٨٦" ثم أخرجهم معاوية فنزلوا جزيرة ابن عمر تحت حكم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد إلى أن تظاهروا بالتوبة، فذهب الأشتر إلى المدينة ليرفع إلى عثمان توبتهم، فرضي عنه عثمان، وأباح له الذهاب حيث شاء، فاختار العودة إلى زملائه الذين عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد في الجزيرة "الطبري ٨٧: ٥-٨٨". وفي الوقت الذي كان فيه الأشتر يعرض على عثمان توبته وتوبة زملائه، وذلك في سنة ٣٤ كان السبأيون في مصر يكاتبون أشياعهم في الكوفة والبصرة بأن يثوروا على أمرائهم، واتعدوا يومًا، فلم يستقم ذلك إلا لجماعة الكوفة، فثار بهم يزيد بن قيس الأرحبي "الطبري ١٠١: ٥".
ولما وصل الأشتر من المدينة إلى إخوانه الذين عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وجد بين أيديهم كتابًا من يزيد بن قيس الأرحبي يقول لهم فيه: لا تضغوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا. فتشاءموا من هذه الدعوة وآثروا البقاء، وخالفهم الأشتر، فرجع عاصيًا بعد توبته، والتحق بثوار الكوفة، وقد نزلوا في الجرعة "مكان مشرف على القادسية"، وهناك تلقوا سعيد بن العاص أمير الكوفة وهو عائد من المدينة فردوه، ولقي الأشتر مولى لسعيد بن العاص فضرب الأشتر عنقه. وبلغ عثمان أنهم يريدون إقالة سعيد بأبي موسى الأشعري، فأجابهم ألى ما طلبوا "الطبري ٩٣: ٥-٩٤". ولما فشل موعد سنة ٣٤ واقتصرت الفتنة على ما كان في الجرعة، اتعد السبأيون للسنة التي بعدها سنة ٣٥، ورتبوا أمرهم على التوجه إلى المدينة مع الحجاج كالحجاج، وكان الأشتر مع خوارج الكوفة رئيسًا على فرقة من فرقهم الأربع "الطبري ١٠٤: ٥" وبعد وصولهم إلى المدينة ناقشتهم أمير المؤمنين عثمان، وبيَّن لهم حجته في كل ما كانوا يظنونه فيه، فاقتنع جمهورهم بذلك، وحملوا رؤساء الفتنة على الرضا بأجوبة عثمان، وارتحلوا من المدينة للمرة الأولى. إلا أن الأشتر وحكيم بن جبلة اختلفا في المدينة ولم يرتحلا معهم "الطبري ١٢٠: ٥". ولما وصل المصريون إلى مكان يسمى البويب اعترضهم راكب مثل لهم دور حامل الكتاب المزعوم، =стр. 115
عند معاوية١٥٥، فذكرهم بالله وبالتقوى لفساد الحال وهتك حرمة الأمة١٥٦، حتى قال له زيد بن صوحان [يومًا]- فيما يروى١٥٧-:
الحواشي
(١) = وسيأتي الحديث عن ذلك فيما بعد، ونقل الطبري ١٩٤:٥ أن الأشتر كان في مؤتمر السبئيين الذي عقدوه قبيل ارتحال علي من الكوفة إلى البصرة للتفاهم مع طلحة والزبير وعائشة. فقرر السبئيون في مؤتمرهم هذا أن ينشبوا الحرب بين الفريقين قبل أن يصطلحا عليهم. وفي وقعة الجمل اصطرع عبد الله بن الزبير والأشتر واختلفا ضربتين وقال عبد الله بن الزبير كلمته المشهورة: "اقتلوني ومالكًا" فأفلت منه مالك الأشتر، روى الطبري ٢١٧:٥ عن الشعبي أن الناس كانوا لا يعرفون الأشتر باسم مالك، ولو قال ابن الزبير "اقتلوني والأشتر"، وكانت للأشتر ألف ألف نفس ما نجا منها شيء، ومازال يضطرب في يدي ابن الزبير حتى أفلت، وروى الطبري ١٩٤:٥ أن عليًّا لما فرغ من البيعة بعد وقعة الجمل واستعمل عبد الله بن عباس على البصرة بلغ الأشتر الخبر باستعمال علي ابن عباس فغضب وقال: على ما قتلنا الشيخ إذن؟ اليمن لعبيد الله، والحجاز لقثم، والبصرة لعبد الله، والكوفة لعلي! ثم دعا بدابته فركب راجعًا. وبلغ ذلك عليًّا فنادى: الرحيل ثم أجد السير فلحق به فلم يُرِهِ أنه بلغه عنه وقال: "ما هذا السير؟ سبقتنا" وخشي إن ترك والخروج أن يوقع في نفس الناس شرًّا، ثم اشترك الأشتر في حرب صفين. وولاه علي إمارة مصر بعد صرف قيس بن سعد بن عبادة عنها. فلما وصل القلزم "السويس" شرب شربة عسل فمات، فقيل إنها كانت مسمومة، وكان ذلك سنة ٣٨ "الإصابة ٤٨٢:٣"."خ".
١٥٥ أثاروا الفتنة يوم ضربوا عبد الرحمن بن خنيس الأسدي وأباه وهم في دار الإمارة بالكوفة، فكتب أشراف الكوفة وصلحاؤها إلى عثمان بإخراجهم إلى بلد آخر، فسيرهم إلى معاوية في الشام. والذين سُيِّروا إلى معاوية هم: الأشتر النخعي، وابن الكواء اليشكري، وصعصعة بن صوحان العبدي، وأخوه زيد، وكميل بن زياد النخعي، وجندب بن زهير الغامدي وجندب بن كعب الأزدي، وثابت بن قيس بن منقع، وعروة بن الجعد البارقي، وعمرو بن الحمق الخزاعي."خ".
١٥٦ نص كلام معاوية كما رواه الطبري: ٨٦:٥: "إنكم قوم من العرب، لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفًا، وغلبتم الأمم، وحويتم مراتبهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشًا، وإن قريشًا لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم. إن أئمتكم اليوم جنة، فلا تسدوا عن جئتكم، وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور، ويحتملون منكم المؤونة، لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونوا شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم"."خ".
١٥٧ بل القائل أخوه صعصعة."خ".стр. 116
قولهم لمعاوية كم تكثر علينا بالأمرة وبقريش
"كم تكثر علينا [من الأمرة] وبقريش، فما زالت العرب تأكل من قوائم سيوفها وقريش تجاهد١٥٨" فقال له معاوية: "لا أم لك، أذكرك بالإسلام وتذكرني بالجاهلية، قبح الله من كثر على أمير المؤمنين بكم، فما أنتم ممن ينفع أو يضر. أخرجوا عني"١٥٩.
وأخبره ابن الكوا بأهل الفتنة١٦٠ في كل بلد ومؤامراتهم١٦٤.
الحواشي
(١) ١٥٨ وقال أيضًا لمعاوية: "وأما ما ذكرت من الجنة، فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا" أي إذا قتلنا ولاتنا صارت الولاية إلينا. ولو أن هذه الكلمة قالها ثائر وهو من قبضة حاكمه -منذ بدأت الحكومات إلى أن تقوم الساعة- ما وجد من حاكمه حلمًا وسعة صدر كالذي وجده صعصعة من معاوية مع قدرته عليه. "خ".
١٥٩ وجواب معاوية على كلام صعصعة في وصف قريش ومكانتها طويل ونفيس، وقد أورده الطبري ٨٦: ٥. "خ".
١٦٠ قد يقول قائل: فلا يدل ما وقع من الحوادث في مأساة استشهاد الخليفة عثمان على غفلته في عدم علمه فيما يجري في الخفاء من تآمر المتآمرين.
في الحقيقة أن هذا الخليفة لم يكن على الرغم من اشتغاله بالفتوحات الواسعة التي تمت في عهده، غافلًا عن المؤامرات التي كانت تحاك ضده من أجل الكيد للإسلام، بل كان على مستوى الأحداث بعيدًا عن تهمة الضعف التي تتردد على ألسنة خصومه.
قال الأستاذ المؤرخ محمد عزة دروزة:
وقد نشط ابن سوداء "أي عبد الله بن سبأ" وجماعاته في بث الدعاية ضد عثمان وأمرائه حتى أوسعوا الأرض إذاعة كما جاء في رواية الطبري. وكانوا يكتبون كتبًا في الغيب فيهم ويرسلونها للناس في الأمصار. وبلغ ذلك أهل المدينة فجاءوا إلى عثمان يسألونه هل أتاه من الأمصار مثل ما أتاهم. فقال لهم: والله ماجاءني إلا السلامة، فأخبروه. فقال لهم: أنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا علي، فأشاروا عليه إرسال أشخاص ممن يثق فيهم للأمصار، ليقولوا لأهلها إنهم لم ينكروا شيئًا من عثمان، لا أعلامهم ولا عوامهم ... وأن الأمراء يقسطون بين الناس "الطبري ج٣ صـ ٣٧٩".
ثم كتب إلى أهل الأمصار كتابًا عامًّا يذكر فيه ما بلغه من الإذاعات والطعن على الأمراء، ويقول: إنه تولى أمر المؤمنين ليقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنه ولى عماله على ذلك، وأنه مستعد لسماع كل شكوى منه ومن عماله وإنصاف صاحبها، وإعطاء كل ذي حق حقه، ويدعو من له شكوى إلى موافاته في الموسم "٣٨٠-٣٨١" الطبري نقلًا عن تاريخ الجنس العربي: ٢٣١/٧ ثم استدعى ولاة الأمصار واستطلعهم الأمر: وقال: إني أخشى أن=стр. 117
فكتب إلى عثمان يخبره بذلك، فأرسل إليه بأشخاصهم إليه، فأخرجهم
الحواشي
(١) =
يكون مصدقًا عليكم، فأكدوا له أنهم سالكون طريق الحق والمصلحة، وإن ما بلغه دسائس ووساوس تبث سرًّا، واقترح بعضهم تعقب المذيعين، وقتلهم، فأمرهم بالانتباه والرفق والتسامح فيما لا يكون فيه ضياع حقوق الأمة، ومن الولاة معاوية بن أبي سفيان "عن الجنس العربي: ٢٣٢/٧" وقد نقله عن الطبري، وذكر المؤرخون أن عثمان جمع بعض خاصته، فشاورهم في أمر الناس، سمع منهم ثم قال لهم:
لقد سمعت كل ما أشرتم به، ولكل أمر باب يؤتى منه. إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن. وإن بابه الذي يغلق عليه ليفتحن، فنكفكفه باللين والمواتاة إلا في حدود الله، فإن فتح فلا يكونن لأحد علي حجة، وقد علم الله أن لم آل الناس خيرًا، وإن رحى الفتنة دائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها.
سكِّتُوا الناس وهبوا لهم حقوقهم، فإذا تعوطيت حقوق الله فلا توهنوا، "الخليفة المفترى عليه: صـ ٦٤ للأستاذ محمد صادق عرجون".
ومن أروع الأدلة على قوة عثمان ورباطة جأشه موقفه حين اشتد عليه هجوم الثوار وأصحاب الفتنة، يقتحمون عليه داره ليقتلوه، وكبار الصحابة الصناديد مع أبنائهم يرجونه للدفاع عنه، كما فصلنا القول في غير هذا المكان، "فيعزم على كل من رأى أن له عليه سمعًا وطاعة أن يكف يده ويلقى سلاحه" حرصًا على دماء المسلمين، ولو بتعريض حياته للهلاك والقتل.
ليت شعري أي شجاعة نفسية، وأي صبر يطلبه الناس وراء هذا؟ إذا كانت الشجاعة هي ضبط النفس عند النوازل في غير قلق، والصبر على المكاره من غير جزع، ومصابرة الحوادث من غير سأم، والثبات لجسام الأحداث بلا تزعزع، فلم تنجب الأمهات مثل عثمان في شجاعته ورباطة جأشه، وقوة يقينه، وثباته على رأيه فإن أحدًا من الناس في مثل حال عثمان وشأنه، لم يلقَ ما لقي عثمان، ولا شيئًا منه، ولم يصبر أحد على ما لقي من البلاء والمحنة مثل ما صبر عثمان. وكيف بصبر ينتهي بصاحبه -على علم منه وبصيرة- إلى الموت قتلًا، وكان له لو كان جزوعًا وأراد إلا يصبر عن يقين ورضًا، مخارج ينفذ منها، ويعيش في خفض من العيش، ولكن عثمان ﵁ لم يكن ضعيفًا ولا مستضعفًا -كما يزعم القاصرون والمقصرون- بل كان قويَّ الإيمان، عظيم اليقين، كبير النفس، عبقري الشجاعة، نبيل الصبر، نفاذ البصيرة، فَفَدَى الأمة، ووضع لها بذلك أعظم قواعد النظام في تكوينها الاجتماعي "الخليفة المفترى عليه، للأستاذ عرجون صـ ٦٥"."م".
١٦١ قال ابن الكواء فيما نقله الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخ دمشق ٢٩٩:٧ وأبو جعفر الطبري في تاريخه ٩٢:٥ يصف لمعاوية=стр. 118
انتقال مثيري الفتنة إلى منطقة عبد الرحمن بن خالد ومعاملته لهم بالحزم
معاوية١٦٢، فمروا بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد١٦٣، فحبسهم، ووبخهم؛ وقال لهم: "اذكروا [لي] ما كنتم تذكرون لمعاوية"١٦٤، وحصرهم، وأمشاهم بين يديه أذلاء حتى تابوا بعد حول١٦٥.
وكتب إلى عثمان بخبرهم، فكتب إليه أن سرِّحْهم إلي، فلما مثلوا بين يديه جددوا التوبة، وحلفوا على صدقهم، وتبرأوا مما نسب إليهم١٦٦
الحواشي
(١) =
أهل الأحداث من أهل الأمصار، أما أهل الأحداث من أهل المدينة فهم أحرص الأمة على الشر، وأعجزهم عنه. وأما أهل الأحداث من أهل الكوفة فإنهم أنظر الناس في صغير، وأركبه الكبير، وأما أهل الأحداث من أهل البصرة فإنهم يردون جميعًا ويصدرون شتى. وأما أهل الأحداث من أهل مصر فهم أوفى الناس بشر، وأسرعه ندامة. وأما أهل الأحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاه لمغويهم. "خ".
١٦٢ وكتب فيهم إلى عثمان: "إنه قدم على أقوام ليست لهم عقول ولا أديان. أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدل. لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة. إنما همهم الفتنة، وأموال أهل الذمة. والله مبتليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم. وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم. فانْهَ سعيدًا ومن قبله عنهم، فإنهم ليسوا لأكثر من شغب أو نكير". "الطبري: ٨٧: ٥". "خ".
١٦٣ وكان يلي حمصًا لمعاوية، ويتبعه منطقة الجزيرة حران والرقة. "خ".
١٦٤ وذلك بعد قوله لهم: "يا آلة الشيطان، لا مرحبًا بكم ولا أهل. وقد رجع الشيطان محسورًا وأنتم بعد نشاط. خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم حتى يحصركم. يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم، لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم تقولون لمعاوية. أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من عجمته العاجمات، أن ابن فاقئ الردة. والله لئن بلغني يا صعصعة بن ذل أن أحدًا ممن معي دق أنفك ثم أمصك لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى" "الطبري: ٨٧: ٥". "خ".
١٦٥ كان كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به "صعصعة" قال: أيا ابن الحطيئة، أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر؟ مالك لا تقول كما كان يبلغني أنك تقول لسعيد ومعاوية فيقول ويقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله "الطبري: ٨٧: ٥-٨٨". "خ".
١٦٦ الذي قدم إلى أمير المؤمنين عثمان في المدينة هو الأشتر النخعي وحده، وهو الذي ناب عن ابني صوحان وابن الكواء والآخرين في تجديد التوبة التي أعلنوها من قبل لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، غير أن الفتنة =стр. 119
[فخيرهم] حيث يسيرونه، فاختار كل واحد ما أراد من البلاد: كوفة، وبصرة، ومصر، فأخرجهم، فما استقروا في [جنب] ما ساروا حتى ثاروا وألبوا، حتى انضاف إليهم جمع١٦٧.
وساروا إليه١٦٨: على أهل مصر عبد الرحمن بن عدس البلوي١٦٩،
الحواشي
(١) = لم تكن مقتصرة على هؤلاء، بل كانت جرثومتها في يد ابن سبأ الذي اختار الإقامة في الفسطاط، وكان لها جناح في البصرة، وللأشتر وإخوانه بقية في الكوفة. وبينما كان الأشتر يجدد توبته وتوبة إخوانه في المدينة كان أعوان ابن سبأ يكاتبون البصرة والكوفة في موعد يثبون فيه على ولاتهم، فما رجع الأشتر بتوبته إلى إخوانه الذين كانوا عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد تى وجد عندهم كتابًا من أخوانهم في الكوفة يدعونهم للاشتراك فيما اتعدوا له، فلم يبتهج بهذه الدعوة إلى الفتنة والشر إلا الأشتر الذي لم يكن قد نسى توبته بعد، فأسرع إلى الكوفة وانضم إلى الفتنة التي تسمى في التاريخ "يوم الجرعة" وكان ذلك في سنة ٣٤."خ".
١٦٧ لما خفق السبأيون في الوثوب على ولاتهم سنة ٣٤ في الموعد الذي وقعت فيه فتنة يوم الجرعة، اتعدوا لفتنة أخرى بمقياس أوسع يقومون بها في العام التالي سنة ٣٥ فيذهب الحجاج للقيام بطاعة الله، ويذهب دعاة الفتنة للمجاهرة بمعصية الله. وقد نظموا أنفسهم في اثنتي عشرة فرقة: أربع فرق من مصر، وأربع من البصرة، وأربع من الكوفة. وفي كل فرقة نحو مائة وخمسين مفتونًا، أي من كل بلد نحو ستمائة رجل."خ".
١٦٨ أي إلى أمير المؤمنين عثمان في مدينة الرسول ﵌."خ".
١٦٩ فارس شاعر، نزل مصر مع جيش الفتح، ولم يعرف له في سيرته شيء انفرد بالامتياز به غير اشتراكه في هذه الفتنة، مع دعواه أنه كان من الذين بايعوا تحت الشجرة. وأظنه لم يكن من الرؤوس المدبرين للفتنة، ولكن مدبريها استغلوا ميله إلى الرئاسة، فاستفادوا من سنه ووجاهته بين فرسان القبائل العربية بمصر، وولوه القيادة على إحدى الفرق الأربع التي خرجت من مصر إلى المدينة، "وقادة الفرق الثلاثة الأخرى: كنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران السكوني، وقتيرة السكوني، ورئيسهم الأعلى الغافقي بن حرب العكي"، وكان عبد الرحمن بن عديس في مدة الحصار شديد الوطأة على أمير المؤمنين عثمان وأهل بيته. ثم كانت عاقبته القتل في جبل الجليل بالقرب من حمص، لقيه أحد الأعراب فلما اعترف له بأنه من قتلة عثمان بادر =стр. 120
مسير فرق الثوار إلى المدينة
وعلى أهل البصرة حكيم بن جبلة١٧٠، وعلى أهل الكوفة الأشتر مالك بن الحارث النخعي١٧١. فدخلوا المدينة هلال ذي القعدة سنة خمس وثلاثين١٧٣.
فاستقبلهم عثمان، فقالوا: ادع بالمصحف، فدعا به. فقالوا: افتح [السابعة] ١٧٣-يعني يونس- فقالوا: اقرأ. فقرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُوْنَ﴾ قالوا له: قف. قالوا له: أرايت ما حميت من الحمى، أذن الله لك أم علي الله افتريت؟ قال: امضه، إنما نزلت في كذا، وقد حمى عمر، وزادت الإبل فزدت.
فجعلوا يتبعونه هكذا، وهو ظاهر عليهم، حتى قال لهم: ماذا تريدون؟ فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه ستًّا أو خمسًا١٧٥: أن المنفي [يقلب] ١٧٦
الحواشي
(١) = بقتله "معجم البلدان لياقوت الحموي: الجليل". وأخطأ من نسب ابن عديس إلى تجيب، فإنه بلوي من قضاعة،
أما تجيب بنت ثوبان المذحجية فلا ينسب إليها إلا بنو ولديها سعد وعدي ابني أشرس بن شبيب بن السكون من كندة، وأين كندة من قضاعة. "خ".
١٧٠ تقدم التعريف به، وهو أمير إحدى الفرق الأربع البصرية "والثلاثة والآخرون: ذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح "الحطم"، وابن المحرش الحنفي، ورئيسهم الأعلى حرقوص بن زهير السعدي". "خ".
١٧١ تقدم التعريف به، وهو أمير إحدى الفرق الأربع الكوفية "والثلاثة الآخرون: زيد بن صوحان العبدي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، ورئيسهم الأعلى عمرو بن الأصم". "خ".
١٧٢ نزلوا خارج المدينة على ثلاث مراحل منها، ثم تقدم ثوار البصرة فنزلوا في ذي خشب، ونزل ثوار الكوفة الأعوص، ونزل عامتهم بذي المروة. "خ".
١٧٣ ب، ج، ز: التاسعة. قارن "الطبري ج٢ صـ ١١٧" "ويونس" يأتي ترتيبها السابعة في مصحف ابن مسعود ﵁. ونسخة "د" تتفق مع ما ورد في الطبري. وكان الشيخ محب الدين الخطيب ﵀ قد أثبتها التاسعة في أصل الكتاب. "س".
١٧٥ أي اشترطوا عليه ستة شروط أو خمسة في المعاني الآتية. "خ".
١٧٦ ب، ج، ز: "يعلب". وكتبها الشيخ محب الدين: "يعاد"؛ اجتهادًا منه، ولكنه لم ينبه إلى ذلك، رغم أن الشيخ ابن باديس اقترح نفس اللفظة "بقلب" في الهامش. وشهدت نسخة "د" لاقتراح العلامة ابن باديس. "س".стр. 121
والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل [ذو] الأمانة والقوة، فكتبوا ذلك في كتاب، وأخذ عليهم أن لا يشقوا عصًا، ولا يفرقوا جماعة، ثم رجعوا راضين١٧٧، وقيل: أرسل إليهم عليًّا فاتفقوا على الخمس المذكورة ورجعوا راضين، فبينما هم كذلك١٧٨، إذا راكب يتعرض لهم١٧٩، ثم يفارقهم مرارًا١٨٠. قالوا: مالك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر١٨١ ففتشوه، فإذا هم بالكتاب على لسان
الحواشي
(١) ١٧٧ كان الزاحفون من أمصارهم على مدينة الرسول ﵌، فريقين: رؤساء خادعين على درجات متفاوتة، ومرءوسين مخدوعين، وهم الكثرة التي بثت فيها دعايات مغرضة حتى ظنت أن هنالك منفيين مظلومين ومحرومين سلبوا حقهم ... إلخ. وقد رأيت شهادة أصدق شاهدين في العراق حينئذ، وهما الحسن البصري وصنوه ابن سيرين عن وفرة الأعطيات والأرزاق وأنواع الخيرات حتى كان منادي عثمان ينادي بدعوة الناس لها فلا يمنع عنها أحد. ورأيت فيما سبق شهادة الإمام الشعبي عن تعميم الرزق والخير حتى إلى الإماء والعبيد. ولما أصغى عامة الثائرين إلى أجوبة عثمان وعرفوا الحقيقة اقتنعوا ورجعوا، وكان رجوعهم من طريقين مختلفين باختلاف اتجاه أمصارهم، فالمصريون اتجهوا شمالًا لغرب ليسايروا ساحل البحر الأحمر إلى السويس ومصر، والعراقيون من بصريين وكوفيين اتجهوا شمالًا لشرق منجدين ليبلغوا البصرة والكوفة من أرض العراق."خ".
١٧٨ أي فبينما العراقيون من بصريين وكوفيين في طريقهم نحو الشرق إلى الشمال، والمصريون في طريقهم نحو الغرب إلى الشمال، وبين الفريقين مراحل بعيدة؛ لأنهما تقدما في السير والمسافة تزداد بعدًا بينهما."خ".
١٧٩ أي للمصرين وحدهم."خ".
١٨٠ ولا يتعرض لهم، ثم يفارقهم، ويكرر ذلك إلا ليلفت أنظارهم إليه، ويثير شكوكهم فيه. وهذا ما أراده مستأجروا هذا الرجل لتمثيل هذا الدور، ومدبرو هذه المكيدة لتجديد الفتنة بعد أن صرفها الله وأراح المسلمين من شرورها، ولا يعقل أن يكون تدبير هذا الدور التمثيلي صادرًا عن عثمان أو مروان أو أي إنسان يتصل بهما؛ لأنه لا مصلحة لهما في تجديد الفتنة بعد أن صرفها الله، وإنما المصلحة في ذلك للدعاة الأولين إلى إحداث هذا الشغب، ومنهم الأشتر وحكيم بن جبلة اللذان لم يسافرا مع جماعتهما إلى بلديهما، بل تخلفا في المدينة "الطبري ١٢٠:٥"، ولم يكن لهما أي عمل يتخلفان في المدينة لأجله إلا مثل هذه الخطط والتدابير التي لا يفكران يومئذ في غيرها."خ".
١٨١ وقد صرحوا بأنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح "الطبري: ١٢٠:٥" =стр. 122
عثمان، عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم ويقطع أيديهم وأرجلهم١٨٢.
فأقبلوا حتى قدموا المدينة١٨٣، فأتوا عليًّا فقالوا له: ألم تر إلى عدو الله
الحواشي
(١) = ولا يعقل أن يكتب إليه عثمان أو مروان؛ لأنه كان عقب خروج الثوار من مصر متوجهين إلى المدينة كتب إلى عثمان يستأذنه بالقدوم عليه "الطبري: ١٢٢:٥" وخرج بالفعل من مصر نحو العريش وفلسطين وأيلة "العقبة" وتغلب محمد ابن أبي حذيفة على الحكم في مصر، وهو عدو لله ورسوله، وخارج على خليفة المسلمين. فكيف يكتب عثمان أو مروان إلى عبد الله بن سعد وعندهما كتابه الذي يستأذن به في القدوم إلى المدينة؟."خ".
١٨٢ الأخبار التي جاء فيها أن الراكب غلام عثمان، وأن الجمل جمل الصدقة، وأن عثمان اعترف بذلك، كلها أخبار مرسلة لا يعرف قائلها أو مكذوبة أذاعها رواة مطعون في صدقهم وأمانتهم، ومضمون الكتاب اضطربت الروايات فيه، ففي بعض الروايات: "إذا قدم عليك عبد الرحمن بن عديس، فاجلده مائة واحلق له رأسه ولحيته وأطل حبسه حتى يأتيك أمري. وعمرو ابن الحمق فافعل به مثل ذلك. وسودان بن حمران مثل ذلك. وعروة ابن التباع الليثي مثل ذلك"، وفي رواية: "إذا أتاك محمد بن أبي بكر الصديق وفلان وفلان فاقتلهم، وأبطل كتابهم، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي"، وفي رواية ثالثة أن مضمون الكتاب أمر عامله بالقتل والقطع والصلب على هؤلاء الثوار، وهذا الاختلاف في مضمون كتاب واحد مما يزيد بالريبة في أمره."خ".
١٨٣ وأعجب العجب أن قوافل الثوار العراقيين التي كانت متباعدة في الشرق والغرب عادت معًا إلى المدينة في آن واحد، أي أن قوافل العراقيين التي كانت بعيدة مراحل بعيدة عن قوافل المصريين علمت بالرواية المسرحية في الساعة التي مثلت فيها في البويب فرجعت إلى المدينة وقت رجوع المصريين، ووصلتا إلى المدينة معًا كأنما كانوا على ميعاد. ومعنى هذا أن الذين استأجروا الراكب ليمثل دور حامل الكتاب أمام قوافل المصريين استأجروا راكبًا آخر خرج من المدينة معه قاصدًا قوافل العراقيين ليخبرهم بأن المصريين اكتشفوا كتابًا بعث به عثمان إلى عبد الله بن سعد في مصر بقتل محمد بن أبي بكر، قال الطبري: ١٠٥:٥. فقال لهم علي: "كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقى أهل مصر، وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة" "يشير كرم الله وجهه إلى تخلف الأشتر وحكيم في المدينة، وأنهما هما اللذان دبرا هذه المسرحية". قال الثوار العراقيون: "فضعوه على ما شئتم. لا حاجة لنا إلى هذا الرجل. ليعتزلنا" وهذا تسليم منهم بأن قصة الكتاب مفتعلة، وأن الغرض الأول والأخير هو خلع أمير المؤمنين عثمان وسفك دمه الذي عصمه الله بشريعة رسوله ﵌."خ".стр. 123
كتب فينا بكذا؟ وقد أحل الله دمه، قالوا له: فقم معنا إليه، قال والله لا أقوم معكم، قالوا له: فلم كتبت١٨٤ إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم. فنظر بعضهم إلى بعض١٨٥. وخرج علي من المدينة.
فانطلقوا إلى عثمان، فقالوا له: كتبت فينا كذا. قال لهم: إما أن تقيموا
الحواشي
(١) ١٨٤ "د": "كتب" ورواية خليفة بن خياط: "كتبت" "تاريخ خليفة بن خياط: ١٤٦/١" والمؤلف هنا اعتمد على خليفة بن خياط في رواية أخبار الفتنة، ووثقه فيها ونوه بإسناده "د. عمار طالبي"."س".
١٨٥ الطبري ١٠٨:٥. وهذا الحوار بين علي والثوار مجمع عليه في كل الروايات، وهو نص قاطع على أن اليد التي زورت الكتاب على عثمان، وبعثت إلى العراقيين تخبرهم بذلك وتطلب منهم أن يعودوا إلى المدينة، وهي اليد التي زورت على علي كتابًا إلى الثوار العراقيين بأن يعودوا. وقد قلنا من قبل أن الثوار فريقان -خادع ومخدوع- فالذين نظر بعضهم إلى بعض عندما حلف علي بأنه لم يكتب إليهم هم الفريق المخدوع، يتعجب كيف لم يكتب علي إليهم وقد جاءهم كتابه، ومن ذا الذي يكون قد كتب الكتاب على لسانه إن لم يكن هو الذي كتبه؟ وسيأتي قريبا أن مسروق بن الأجدع الهمداني "وهو من الأئمة الأعلام المقتدى بهم" عاتب أم المؤمنين عائشة بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان، فأقسمت له بالله الذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون أنها ما كتبت إليهم سوادًا في بياض. قال سليمان بن مهران الأعمش "أحد الأئمة الأعلام الحفاظ": "فكانوا يرون أنه كتب على لسانها"، أيها المسملون في هذا العصر وفي كل عصر، إن الأيدي المجرمة التي زورت الرسائل الكاذبة على لسان عائشة أو علي وطلحة والزبير هي التي رتبت هذا الفساد كله، وهي التي طبخت الفتنة من أولها إلى آخرها، وهي التي زورت الرسالة المزعومة على لسان أمير المؤمنين عثمان إلى عامله في مصر في الوقت الذي كان يعلم فيه أنه لم يكن له عامل في مصر، وقد زورت هذه الرسالة على لسان عثمان بالقلم الذي زورت به رسالة أخرى على لسان علي، كل ذلك ليرتد الثوار إلى المدينة بعد أن اقتنعوا بسلامة موقف خليفتهم، وأن ما كان ولم يكن صهر رسول الله ﵌ المبشر منه بالشهادة والجنة هو المجني عليه وحده بهذه المؤامرة السبئية الفاجرة، بل الإسلام نفسه كان مجنيًّا عليه قبل ذلك. والأجيال الإسلامية التي تلقت تاريخها الطاهر الناصع مشوهًا ومحرفًا هي كذلك ممن جنى عليهم ذلك اليهودي الخبيث، والمنقادون له بخطام الأهواء والشهوات.стр. 124
وقائع ومحاورات بين عثمان والبغاة عليه
اثنين من المسلمين، أو [بينة] * -كما تقدم ذكره- فلم يقبلوا ذلك منه١٨٦، ونقضوا عهده١٨٧، وحصروه.
وقد روي أن عثمان جيء إليه بالأشتر، فقال له: يريد القوم منك إما أن تخلع نفسك، أو تقص منها، أو يقتلوك. فقال: "أما خلعي، فلا أترك أمة محمد بعضها على بعض. وأما القصاص، فصاحباي قبلي لم يقصا من أنفسهما، ولا يحتمل ذلك بدني"١٨٨.
وروي أن رجلًا قال له: نذرت دمك. قال: [له: خذ جنبي، فشرط فيه بالسيف شرطة أراق منه دمه] ١٨٩،، ثم خرج الرجل وركب راحلته وانصرف في الحين١٩٠.
الحواشي
(١) ١٨٦ لأنهم ما جاءوا ليقبلوا حقا أو يرجعوا إلى شرع، وإنما جاءوا ليخلعوه أو يسفكوا دمه. "خ".
١٨٧ الذي تقدم أنهم قطعوه على أنفسهم بأن لا يشقوا عصًا، ولا يفرقوا جماعة. "خ".
* وفي طبعة الشيخ الخطيب "يميني". "س".
١٨٨ هذا الخبر في تاريخ الطبري: ١١٧: ٥-١١٨، وفي البداية والنهاية ١٨٤: ٧، وفي أنساب الأشراف للبلاذري ٩٢: ٥.
١٨٩ وفي مطبوعة الشيخ الخطيب "خذ جبتي، فشرط فيها شرطة بالسيف أراق منه دمه". "س".
١٩٠ هذا الخبر في كتاب التمهيد للإمام أبي بكر الباقلاني صـ ٢١٦.
وأعجب من ذلك ما رواه الطبري ١٣٧: ٥-١٣٨ أن عمير بن ضابيء البرجمي وكميل بن زياد النخعي خضرا إلى المدينة ليغتالا عثمان تنفيذًا لقرار اتخذوه بالكوفة مع بقية عصابتهم، فلما وصلا إلى المدينة نكل عمير، وترصد كميل للخليفة حتى مر به، فلما التقيا ارتاب منه عثمان، ووجأ وجهه فوقع على استه، فقال لعثمان: أوجعتني يا أمير المؤمنين، قال عثمان: أولست بفاتك؟ قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، فاجتمع الناس وقالوا: نفتشه يا أمير المؤمنين. فقال: لا. قد رزق الله العافية، ولا أشتهي أن أطلع منه على غير ما قال. ثم قال لكميل: "إن كان كما قلت فاقتد مني "وجثا"، فوالله ما حسبتك إلا تريدني". وقال: "إن كنت صادقًا فأجزل الله، وإن كنت كاذبًا فأذل الله" وقعد له على قدميه وقال: "دونك" فقال كميل: "تركت" أيها القارئ الكريم، إن هذا الموقف ليس موقف خليفة فضلًا عمن دونه، بل هو موقف المتخلقين بأخلاق الأنبياء، على أن الله يمهل ولاстр. 125
فتوى ابن عمر لعثمان بألا يخلع نفسه لئلا تتخذ عادة
ولقد دخل عليه ابن عمر، فقال "له عثمان: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك. قال له "ابن عمر": أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا، قال: هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا، قال: هل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال: لا، قال: فلا تخلع قميص الله عنك، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم خلعوه أو قتلوه١٩١.
وقد أشرف عليهم عثمان، واحتج عليهم بالحديث الصحيح في بنيان المسجد، وحفر بئر رومة، وقول النبي ﵌ حين رجف بهم أحد١٩٣. وأقروا له به في أشياء ذكرها١٩٣.
الحواشي
(١) يهمل، فقد جاء الحجاج بعد أربعين سنة، فقتل ضائبًا وقتل كميلًا بما أراده في هذا الحادث من الفتك برجل خلق قلبه من رحمة الله، و"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"*.
١٩١ أورد البلاذري هذا الخبر في أنساب الأشراف: ٧٦: ٥ من حديث نافع عن ابن عمر، وقبل أن يفتي ابن عمر لخليفته بذلك ويدعوه إلى هذه التضحية النبيلة، كان عثمان على بينة من ذلك ونور من الله، فقد أخرج ابن ماجه في مقدمة سننه الباب ١١ ج ١، صـ ٢٨ من حديث النعمان بن بشير عن أم المؤمنين عائشة أن رسول الله ﵌ قال لعثمان: "يا عثمان، إن ولاك الله هذا الأمر يومًا فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه ** يقول ذلك ثلاث مرات" وفي مسند الإمام أحمد ج٦ الطبعة الأولى: صـ ٧٥، ٨٦، ١١٤، ١٤٩ حديث عائشة هذا بألفاظ مختلفة يرويه عنها عروة بن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهما.
١٩٢ قوله ﵌: "اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" رواه البخاري. "م".
١٩٣ انظر في مسند الإمام أحمد: ٥٩: ١ الطبعة الأولى رقم ٤٢٠ الطبعة الثانية حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن. وسنن النسائي ١٢٤: ٢-١٢٥ وجامع الترمذي ٣١٩: ٤-٣٢٠.
_________
* رواه البخاري ومسلم. "م".
** أورد الترمذي وابن ماجه نحوه حسنه الترمذي وصححه محقق المشكاة. "م".стр. 126
إشراف عثمان على الناس واستشهاده إياهم بسوابقه
وقد ثبت أن عثمان أشرف عليهم وقال: أفيكم ابنا محدوج؟ أنشدكما الله ألتسما تعلمان أن عمر قال: إن ربيعة فاجر أو غادر، وإني والله لا أجعل فرائضهم وفرائض قوم جاءوا من مسيرة شهر، وإنما مهر أحدهم عند [طبيبه] ١٩٤. وإني زدتهم في غزاة واحدة خمسمائة، حتى ألحقتهم بهم؟ قالوا: بلى.
قال: أذكركما الله ألستما تعلمان أنكما أتيتماني، فقلتما: إن كندة آكلة رأس، وإن ربيعة هي الرأس، وإن الأشعث بن قيس قد أكلهم. فنزعته واستعملتكما؟ قالا: بلي.
قال: اللهم إنهم كفروا معروفي، وبدلوا نعمتي، فلا ترضهم عن إمامهم، ولا ترض إمامًا عنهم.
وقد روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عثمان في الدار، فقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه١٩٥.
الحواشي
(١) ١٩٤ كذا في طبعة الشيخ الخطيب، لكن في: ب، ج، ز: "طسه" وفي "د": "طنيه" وهو ما نختاره، والطني: الفجور، والتهمة، وفي رواية خليفة بن خياط: ١٤٩/١ طنبه: وهو سير يوصل بوتر القوس. س.
١٩٥ الذي يدل عليه مجموع الأخبار عن موقف عثمان من أمر الدفاع عن أو الاستسلام للأقدار، هو أنه كان يكره الفتنة، ويتقي الله في دماء المسلمين. إلا أنه صار في آخر الأمر يود لو كانت لديه قوة راجحة يهابها البغاة، فيرتدعون عن بغيهم، بلا حاجة إلى استعمال السلاح للوصول إلى هذه النتيجة، وقبل أن تبلغ الأمور مبلغها عرض عليه معاوية أن يرسل إليه قوة من جند الشام تكون رهن إشارته، فأبى أن يضيق على أهل دار الهجرة بجند يساكنهم "الطبري: ١٠١: ٥"، وأن لا يظن أن الجرأة تبلغ بفريق من إخوانه المسلمين إلى أن يتكالبوا على دم أول مهاجر إلى الله في سبيل دينه. فلما تذاءب عليه البغاة، واعتقد أن الدفاع عنه تسفك فيه الدماء جزافًا، عزم على كل من له عليهم سمع وطاعة أن يكفوا أيديهم وأسلحتهم عن مزالق العنف.
والأخبار بذلك مستفيضة فلي مصادر أوليائه وشانئيه. على أنه لو ظهرت في الميدان قوة منظمة ذات هيبة تقف في وجوه الثوار، وتضع حدًّا لغطرستهم وجاهليتهم، لارتاح عثمان لذلك وسر به، مع ما هو مطئمن إليه من أنه لن يموت إلا شهيدًا. "خ".стр. 127
موقف عثمان من أمر الدفاع عنه بالاستسلام للأقدار
ثم قال: قم يا ابن عمر- وعلى ابن عمر سيفه متقلدا- فأخبر به الناس١٩٦ فخرج ابن عمر. ودخلوا فقتلوه١٩٧.
وجاءه زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين. قال عثمان لا حاجة لي في ذلك كفوا١٩٨.
الحواشي
(١) ١٩٦ في البداية والنهاية: ١٨٢: ٧ عن مغازي ابن عقبة "أن ابن عمر لم يلبس سلاحه إلا يوم الدار في خلافة عثمان، ويوم أراد نجدة الحروري أن يدخل المدينة مع الخوارج أيام عبد الله بن الزبير". "خ".
١٩٧ في تاريخ الطبري ١٢٩: ٥ كان آخر من خرج عبد الله بن الزبير، أمره عثمان أن يصير إلى أبيه بوصيته التي كتبها استعدادًا للموت، وأمره أن يأتي أهل الدار "أي المدافعين عنه في ساحة القصر" فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم، فما زال يدعى بها ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه، وإنما أوصى عثمان إلى الزبير؛ لأن الزبير كان محل الثقة من كبار الصحابة، روى الحافظ ابن عساكر: ٣٦٢: ٥ إن ستة من الصحابة أوصوا إليه: عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، والمقداد، ومطيع بن الأسود، وأبو العاص بن الربيع، فكان ينفق على أيتامهم من ماله، ويحفظ لهم أموالهم. "خ".
١٩٨ أورده البلاذري في أنساب الأشراف: ٧٣: ٥ من حديث ابن سيرين، وأخرج الحافظ ابن عساكر عن مؤرخ الصدر الأول موسى بن عقبة الأسدي الذي قال فيه الإمام مالك: "عليكم بمغازي ابن عقبة، فإنه ثقة، وهي أصح المغازي" أن أبا حبيبة الطائي "وهو ممن يروي عنهم أبو داود والنسائي والترمذي قال: "لما حضر عثمان جاء بنو عمرو بن عوف إلى الزبير فقالوا: يا أبا عبد الله، نحن نأتيك ثم نصير إلى ما تأمرنا به" "أي من الدفاع عن أمير المؤمنين" قال أبو حبيبة: فأرسلني الزبير إلى عثمان، فقال: أقرءه السلام وقل: "يقول لك أخوك: إن بني عمرو بن عوف جاءوني ووعدوني أن يأتوني، ثم يصيروا إلى ما أمرتهم به. فإن شئت أن آتيك فأكون رجلًا من أهل الدار يصيبني ما يصيب أحدهم، فعلت. وإن شئت انتظرت معياد بني عمرو فأدفع بهم عنك، فعلت" قال أبو حبيبة: فدخلت عليه "أي على عثمان" فوجدته على كرسي ذي ظهر، ووجدت رياطًا مطروحة ومراكن مغلوة، ووجدت في الدار الحسن بن علي، وابن عمر، وأبا هريرة، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، فأبلغت عثمان رسالة الزبير، فقال: الله أكبر، الحمد الله الذي عصم أخي. قل له: إنك إن تأت الدار تكن رجلًا
=стр. 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = من المهاجرين، حرمتك حرمة رجل، وغناؤك غناء رجل. ولكن انتظر ميعاد بني عمرو بن عوف، فعسى الله أن يدفع بك". قال: فقام أبو هريرة فقال: "أيها الناس، لقد سمعت أذناي رسول الله ﵌ يقول: "تكون بعدي فتن وأحداث" فقلت: وأين النجاء منها يا رسول الله؟ قال: "الأمير وحزبه" وأشار إلى عثمان**. فقال القوم: ائذن لنا فلنقاتل، فقد أمكنتنا البصائر. فقال عثمان: "عزمت على أحد كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل". قال: فبادر -أي سبق- الذين قتلوا عثمان ميعاد بني عمرو بن عوف فقتلوه.
وبنو عمرو بن عوف قبيل كبير من الخزرج أحد فرعي الأنصار، وكان النبي ﵌ عند وصوله إلى المدينة مهاجرًا من مكة نزل ضيفًا عليهم ثلاثة أيام ثم انتقل إلى بني النجار. "خ".
_________
** رواه البيهقي في دلائل النبوة. "م".
* وهذه المواقف المشرفة للصحابة رضوان الله عليهم تلقم خصوم الإسلام الذين يقولون بأن الصحابة كلهم كانوا راضين بقتل عثمان، ويتبرؤون منه حتى تركوه، ولم يدافعوا عنه، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا.
وقد ثبت في نهج البلاغة من كلام علي بن أبي طالب أنه قال: "والله دفعت عنه".
وقد نقل البلاذري في كتابه: أنساب الأشراف: ١٠٣: ٥ عن المدائني عن سلمة بن عثمان عن علي بن زيد عن الحسن قال: "دخل علي بن أبي طالب على بناته وهن يمسحن عيونهن، فقال: مالكنَّ تبكين؟ قلن: نبكي على عثمان، فبكى وقال: ابكين".
وروى ابن السمان عن قيس بن عباد قال: سمعت عليًّا يوم الجمل يقول: "اللهم أبرأ إليك من دم عثمان، وقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوني للبيعة فقلت: ألا تستحي من الله أن أبايع قومًا قتلوا رجلًا قال له رسول الله: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة". رواه مسلم.
وقد جاء في العقد الفريد لابن عبد ربه عبارة تصور موقف علي من مقتل عثمان أحسن تصوير قال سعيد الخزاعي:
لقيت عليًّا بعد الجمل، فقلت له: إني سائلك عن مسألة كانت منك ومن عثمان، فإن نجوت اليوم نجوت غدًا إن شاء الله، قال: سل عما بدا لك، قلت: أخبرني أي منزلة وسعتك إذ قتل عثمان ولم تنصره؟ قال: إن عثمان كان =стр. 129
عثمان في ساعته الأخيرة
وقال له أبو هريرة: اليوم طاب الضرب معك. قال: عزمت عليك لتخرجن١٩٩.
وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم، وخروجهم، ولزوم بيوتهم.
فقال له الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا ألا نبرح، ففتح عثمان الباب، ودخلوا عليه في أصح الأقوال٢٠٠.
فقتله المرء الأسود٢٠١.
وقيل: أخذ ابن أبي بكر بلحيته، وذبحه [رومان] ٢٠٢، وقيل:
الحواشي
(١) ١٩٩ هذا الخبر في تاريخ الطبري: ٥: ١٢٩. "خ".
٢٠٠ أصل هذا الخبر في تاريخ الطبري: ١٢٨: ٥ عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخه. "خ".
٢٠١ كذا في مطبوعة الجزائر، والذي في تاريخ الطبري: ١٢٥: ٥ "الموت الأسود"، والأصول التي طبع عليها تاريخ الطبري أصح من الأصول التي طبع عليها كتابنا في الجزائر، ومن الثابت أن ابن سبأ كان مع ثوار مصر عند مجيئهم من الفسطاط إلى المدينة "الطبري: ١٠٣: ٥-١٠٤" وهو في كل الأدوار التي مثلها كان شديد الحرص على أن يعمل من وراء ستار، فلعل الموت الأسود اسم مستعار له أراد أن يرمز به إليه؛ ليتمكن من مواصلة دسائسه لهدم الإسلام. "خ".
توضيح: ب، ج، ز: المرء. وتتفق "د" مع ما ورد في تاريخ الطبري حيث عبر عن ذلك بالموت، فقال: ودخل عليه رجل يقال له الموت الأسود، وذكر خليفة بن خياط: أنه رجل من بني سدوس يقال له: الموت الأسود: "١٥٢/١". "س".
٢٠٢ رومان رجل من بني أسد بن خزيمة، وليس محرفًا كما قال الشيخ محب الدين الخطيب، حيث وضع مكانه "كنانة بن بشر" بدعوى أن نسخة الجزائر كثيرة التحريف، انظر تاريخ خليفة بن خياط: ١٥٣/١. "س".
_________
= إمامًا وأنه نهى عن القتال، وقال: من سلَّ سيفه فليس مني، فلو قاتلنا دونه عصيناه، قال: فأي منزلة وسعت عثمان إذا استسلم؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم إذ قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ .
. وما أروع ما قاله محمد بن سيرين في هذا الموضوع: "ما علمت أن عليًّا اتُّهِم في دم عثمان حتى بويع، فلما بويع اتهمه الناس، وذلك أمر مركوز في الطبائع". "م".стр. 130
رجل من أهل مصر يقال له حمار٢٠٣، فسقطت قطرة من دمه على المصحف على قوله: ﴿فَسَيَكْفِيْكَهُم﴾ فإنها فيه ما حكت إلى الآن٢٠٤.
وروي أن عائشة ﵂ قالت: "غضبت لكم من السوط، ولا أغضب لعثمان من السيف؟ استعتبتموه حتى إذا تركتموه [كالفل] ٢٠٥ المصفى، ومصتموه موص الإناء، وتركتموه كالثوب المنقى من الدنس، ثم قتلتموه".٢٠٦ قال مسروق٢٠٧: قلت لها: "هذا عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه". فقالت عائشة: "والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سوادًا في بياض". قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها٢٠٨.
وقد روي أنه ما قتله أحد إلا أعلاج من أهل مصر.
قال القاضي أبو بكر ﵁: فهذا أشبه ما روي في الباب.
الحواشي
(١) ٢٠٣ لم أر هذا الاسم فيمن اجترءوا على ارتكاب الجريمة العظمى، ولعل النساخ حرَّفوا اسم سودان بن حمران أو اسم عمرو بن الحمق."خ".
٢٠٤ ذكرت هذه الحادثة في الطبري بسند حسن، وقد بعث الله على قتلة عثمان من قتلهم جميعًا، ولعل الآية تشير إلى هذا الانتقام."م".
٢٠٥ ب، ج، ز: "العبد"، وأصلحه الشيخ محب الدين: "القند"، ولعله الذهب، لأنه قد ورد في تاريخ ابن الأثير في شأن عثمان "كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه إذا ما صوه كما يماص الثوب بالماء": ٢٠٧/٢."س".
٢٠٦ قالت ذلك أول مرة عند وصولها إلى المدينة عائدة من الحج، فاجتمع إليها الناس، وألقت فيهم خطبة بليغة، وردت هذه الجملة في آخرها، الطبري: "١٦٥:٥-١٦٦". والموص: الغسل بالصابع، والقند: عسل قصب السكر إذا جمد."خ".
٢٠٧ هو من أئمة التابعين المقتدى بهم، توفي سنة ٦٣. وهو الذي قال لعمار بالكوفة قبل يوم الجمل: يا أبا اليقظان، علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا** فقال مسروق: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين "الطبري: ١٨٧:٥".
وقد وجدت بعده في تاريخ الطبري ما يخالفه: خرج أبو موسى فلقى الحسن بن علي ... وقال لعمار: يا أبا يقظان، عدوت على أمير المؤمنين عثمان قتلته؟، فقال: لم أفعل."٧: ٣٥"."م".
٢٠٨ كما كتب على لسان علي: ولسان عثمان."خ".стр. 131
الحكم الفقهي في موقف عثمان من الدفاع أو الإستسلام
وبه يتبين -وبأصل المسألة سلوك سبيل الحق- أن أحدًا من الصحابة لم يسع عليه، ولا قعد عنه. ولو استنصر ما غلب ألف أو أربعة آلاف غرباء عشرين ألفًا بلديين أو أكثر من ذلك٢٠٩، ولكنه ألقى بيده إلى المصيبة٢١٠.
وقد اختلف العلماء فيمن نزل به مثلها: هل يلقى بيده، أو يستنصر٢١١، وأجاز بعضهم أن يستسلم ويلقى بيده اقتداء بفعل عثمان، وبتوصية النبي ﵌ بذلك في الفتنة٢١٢
قال القاضي أبو بكر ﵁: ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يكُ [ترى] في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب فتألبوا
الحواشي
(١) ٢٠٩ أين هذه المواقف الشريفة للصحابة دون استثناء واحد منهم مما يزعم السفهاء من أن الصحابة كلهم كانوا راضين بقتله، ويتبرَّءون منه حتى تركوه بعد قتله ثلاثة أيام بلا دفن، كما ذكره مؤلف التحفة الاثني عشرية ورد عليهما بما ألقمهم حجرًا فكان مما قاله: " ... إن هذا كله كذب صريح وبهتان صريح لا يخفى على الصبيان فضلًا عن ذوي العرفان "مختصر التحفة الاثني عشرية٢٦٦". "م".
٢١٠ لأنه اختار بذلك أهون الشرين، فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين، وعثمان افتدى دماء أمته بدمه مختارًا، فما أحسن الكثيرون منا جزاءه، وإن أوربا تعبد بَشَرًا بزعم الفداء، ولم يكن فيه مختارًا. "خ".
٢١١ من سياسة الإسلام أن يختار في كل أقلها شرًّا وأخفها ضررًا، فإذا كانت للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته، فالإسلام يهدي إلى قمع الشر بقوة الخير بلا تردد، وإن لم يكن للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته -كما كانت الحال في موقف أمير المؤمنين عثمان من البغاة عليه- فمصلحة الإسلام في مثل ما جنح إليه عثمان أعلى الله مقامه في دار الخلود. "خ".
٢١٢ وهي قوله ﵌ على ما رواه الإمام البخاري في كتاب المناقب ك٦١ ب ٢٥ ج ٤، صـ ١٧٧، وفي كتاب الفتن ك ٩٢ ب٩، ج ٨، صـ ٩٢ من صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ﵌ قال: "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم، فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به"، وأعلن أبو موسى الأشعري في الكوفة قبل وقعة الجمل أنه سمعه من رسول الله ﵌ "الطبري: ١٨٨: ٥". "خ".стр. 132
وألبوا، وثاروا إليَّ [واستسلمت] لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدافعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا علي، وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار لكنت قتيل الدار.
وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور: أحدها وصاية النبي ﵌ المتقدمة٢١٤، والثاني الاقتداء بعثمان، والثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله ﵌ المؤيدة بالوحي٢١٥ فإن من غاب عني، بل من حضر من الحسدة معي، خفت أن يقول: إن الناس مشوا [مستعينين به] مستغيثين له، فأراق دمائهم.
وأمر عثمان كله سنة ماضية، وسيرة راضية، فإنه تحقق أنه مقتول بخير الصادق له بذلك، وأنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد.
وروى أنه قال له في المنام: إن شئت نصرتك، أو تفطر عندنا الليلة٢١٧.
الحواشي
(١) ٢١٤ وقد نقلناها آنفا عن حديث أبي هريرة في صحيح البخاري، ومن حديث أبي موسى في الكوفة قبل وقعة الجمل."خ".
٢١٥ وذلك لما قال ابن سلول في غزوة بني المصطلق: "إذا رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، فأراد عمر أن يقتله، فمنعه النبي ﵌ وقال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"." خ".
٢١٧ هذه الرواية لابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن سلام في البداية والنهاية: ١٨٢:٧-١٨٣، ومن طريق آخر عنه في أنساب الأشراف للبلاذري: ٨٢:٥. وفي مسند أحمد: "٧٢/١ الطبعة الأولى رقم ٥٢٦ الثانية" من حديث مسلم أبي سعيد مولى عثمان قال: إن عثمان أعتق عشرين مملوكًا، ودعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: "إني رأيت رسول الله ﵌ البارحة في المنام ورأيت أبا بكر وعمر، وأنهم قالوا لي: اصبر، فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه". وروى الإمام أحمد هذا الحديث عن نائلة زوجة عثمان ٧٣:١ رقم ٥٣٦ بقريب من هذا. وفي البداية والنهاية ١٨٢:٧ من حديث أيوب السختياني عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومن طرق أخرى متعددة، وانظر تاريخ الطبري*: ١٢٥:٥."خ".
_________
* روى الطبري نحوه مختصرًا وإسناده حسن."م".стр. 133
وقد انتدبت المردة والجهلة إلى أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه مشاغبًا مؤلبًا، وبما جرى عليه راضيًا، واخترعوا كتابًا فيه فصاحة وأمثال كتب عثمان به مستصرخًا إلى علي، وذلك كله مصنوع؛ ليوغر قلوب المسلمين على السلف الماضين والخلفاء الراشدين٢١٨.
قال القاضي أبو بكر ﵁: فالذي ينخل من ذلك أن عثمان مظلوم، محجوج بغير حجة٢١٩. وأن الصحابة برآء من دمه بأجمعهم؛ لأنهم أتوا إرادته، وسلموا له رأيه في إسلام نفسه.
ولقد ثبت -زائدًا إلى ما تقدم عنهم- أن عبد الله بن الزبير قال لعثمان: إنا معك في الدار عصابة مستبصرة ينصر الله بأقل منهم، فائذن لنا، فقال: أذكر الله رجلًا أراق لي دمه "أو قال دمًا"٢٢٠.
الحواشي
(١) ٢١٨ هذه الكتب المصنوعة والأخبار المبالغ فيها أو المكذوبة شحنت بها أسفار الأخبار وكتب الأدب. ولتمييز الحق فيها من الباطل طريقان: أحدهما طريق أهل الحديث في أن لا يقبلوا إلا الأخبار المسندة إلى أشخاص بأسمائهم، ثم يستعرضوا أحوال هؤلاء الأشخاص، فيقبلوا من صادقهم، ويضربوا وجه الكذاب بكذبه، والطريق الثاني طريق علماء التاريخ: وهو أن يعرضوا كل خبر على سجايا من يخبر عنه، ويقارنوه بسيرته، وهل هو مما ينتظر وقوعه ممن نسب إليه، ويلائم المعروف من سابقته وأخلاقه أم لا، وتمحيص تاريخنا يحتاج إلى هاتين الطريقين معًا يقوم بهما علماء راسخون فيهما."خ".
٢١٩ كما تبين في هذا الكتاب بأسانيده القاطعة. وانظر كتاب "التمهيد" للإمام أبي بكر الباقلاني: صـ ٢٢٠-٢٢٧."خ".
٢٢٠ ولما بدأ حجاج بيت الله يعودون إلى المدينة كان أول المسرعين منهم المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي الصحابي، فأدرك عثمان قبل أن يقتل، وشهد المناوشة على باب دار عثمان فجلس على الباب من داخل وقال: ما عذرنا عند الله أن تركناك، ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت، وكان أول من برز للبغاة المهاجمين، وقاتل حتى قتل. وخرج معه لقتالهم الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو يقول في تسفيه عمل البغاة:
لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى أسير إلى طمار شمام
أي إلى جبل أشم لا ينجو من سقط منه، وخرج معهما محمد بن طلحة بن عبيد الله -وكان يعرف بالسجاد؛ لكثرة عبادته- وهو يقول:
أنا ابن من حامى عليه بأحد ... ورد أحزابًا على رغم معد
انظر تاريخ الطبري: ١٢٨:٥-١٢٩."خ".стр. 134
الذين دافعوا عن عثمان في الساعة الأخيرة خارج الدار
وقال سليط بن أبي سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، فلو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم عن أقطارها٢٢١.
وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم غناء من كف يده وسلاحه٢٢٢.
وثبت أن الحسن والحسين وابن الزبير وابن عمر ومروان كلهم شاك في السلاح حتى دخلوا الدار، فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم٢٢٣.
فلما قضى الله من أمره ما قضى، ومضى في قدره ما مضى، علم أن الحق [ألا] يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه، ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدرًا وعلمًا وتقىً ودينًا.
الحواشي
(١) ٢٢١ رواه الحافظ ابن عبد البر في "الاستيعاب: ١١٨: ٢-١١٩ هامش الإصابة" من حديث ابن سيرين عن سليط، وأورده الحافظ ابن حجر مختصرًا في الإصابة ٧٢: ٢. "خ".
٢٢٢ وفي تاريخ الطبري: ١٢٧: ٥ أن عثمان دعا عبد الله بن عباس فقال له: "اذهب فأنت على الموسم" أي على إمارة الحج، فقال ابن عباس: "والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إليَّ من الحج" فأقسم عليه لينطلقن، فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة. "خ".
٢٢٣ قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: "١٨١: ٧": كان الحصار مستمرًّا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة.
فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار-وكانوا قريبًا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة وخلق من مواليه ولو تركهم لمنعوه-: "أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده، وأن ينطلق إلى منزله"، وقال لرقيقه: "من أغمد سيفه فهو حر" فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج. حتى كانت الساعة التي تم فيها للشيطان ما سعى له وتمناه، ويكفي لبيان ما كان لهذه الفاجعة الكبرى من الأثر في النفوس ما نقله البلاذري في أنساب الأشراف: ١٠٣: ٥ عن المدائني عن سلمة بن عثمان عن علي بن زيد عن الحسن قال: دخل علي يومًا على بناته وهن يمسحن عيونهن. قال: مالكن تبكين؟ قلن: نبكي على عثمان، فبكى وقال: ابكين ... "خ".стр. 135
خلافة علي
فانعقدت له البيعة، ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه، ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضًا عليه، فانقاد إليه٢٢٤.
الحواشي
(١) ٢٢٤ في تاريخ الطبري: ١٥٥: ٥ عن سيف* بن عمر التميمي عن أشياخه قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان خمسة أيام أميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه: يأتي المصريون عليًّا فيختبيء منهم ويلوذ بحيطان المدينة "أي يختبيء في بساتينها" فإذا لقوه باعدهم وتبرأ منهم ومن مقالتهم مرة بعد مرة. ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، فأرسلوا إليه حيث هو رسلًا فباعدهم وتبرأ من مقالتهم، ويطلب البصريون طلحة، فإذا لقيهم باعدهم وتبرأ من مقالتهم ... فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع، فأقدم نبايعك، فبعث إليهم: "إني وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها".. ثم إنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا، والله لا أتعرضن له فالتمسوا غيري، وأخرج الطبري: ١٥٦: ٥ عن الشعبي قال: أتى الناس عليًّا وهو في سوق المدينة، وقالوا له: ابسط يدك نبايعك، قال: لا تعجلوا، فإن عمر كان رجلًا مباركًا، وقد أوصى بها شورى، فأمهلوا يجتمع الناس ويتشاورون، فارتد الناس عن علي، ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان، ولم يقم بعده قائم بهذا الأمر لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة، فعادوا إلى علي، فأخذ الأشتر بيده، فقبضها علي، فقال: أبعد ثلاثة؟ أما والله لئن تركتها لتعصرن عينيك عليها حينًا، فبايعته العامة، وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر، وروى سيف عن أبي حارثة محرز العبشمي وعن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني قالا: لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان جمعوا أهل المدينة، فوجدوا سعدًا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له ... فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلًا تنصبونه، ونحن لكم تبع. فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون ... فقال علي: دعوني والتمسوا غيري ... فقالوا: ننشدك الله، ألا ترى الفتنة، ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم. ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد "أي يوم الجمعة" فلما أصبحوا من يوم الجمعة حضر الناس المسجد، وجاء علي حتى صعد المنبر فقال: "يا أيها الناس عن ملأ وأذن. إن هذا أمركم، ليس لأحد
_________
* سيف هذا متهم بالكذب كما جاء في اللسان والميزان. "م".стр. 136
قولهم في بيعة طلحة يد شلاء وفي طلحة والزبير بايعا مكرهين
وعقد له البيعة طلحة، فقال الناس: بايع عليًّا يد شلاء، والله لا يتم هذا الأمر٢٣٥.
فإن قيل: بايعا مكرهين٢٣٦. قلنا: حاشا لله أن يكرها، لهما ولمن بايعهما، ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك؛ لأن واحدا أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعًا، ولو لم يبايعا ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام٢٢٧.
وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع، ولم يكن كذلك٢٢٨.
فإن قيل: فقد قال طلحة: "بايعت واللج٢٢٩ على قفى"٢٣٠. قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل الحديث في "القفا" لغة "قفى" كما يجعل في "الهوى": "هوى". وتلك لغة هذيل لا قريش٢٣١ فكانت كذبة لم تدبر.
الحواشي
(١) = فيه حق إلا إن أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم عقدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد" فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس. وهذه الوقائع على بساطتها تدل على أن بيعة علي كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدرها وفي إبانها، وإنها مستمدة من رضا الأمة في حينها، لا من وصية سابقة مزعومة أو رموز خيالية موهومة. "خ".
٢٢٥ قائل هذه الكلمة حبيب بن ذؤيب. رواه الطبري: ١٥٣: ٥ عن أبي المليح الهذلي. "خ".
٢٢٦ يعني طلحة والزبير. "خ".
٢٢٧ القاضي ابن العربي يقر هنا الحكم الشرعي في عقد البيعة، لا على أنه رأى له، وللإمام أبي بكر الباقلاني كلام سديد في التمهيد: صـ ٢٣١. "خ".
٢٢٨ وقد علمت أن أهل الكوفة يقولون إن الأشتر كان أول من بايع، ولو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أعظم بركة؛ لأنها يد دافعت عن رسول الله ﵌، ويد الأشتر لا تزال رطبة من دم الشهيد المبشر بالجنة. "خ".
٢٢٩ في جميع النسخ المخطوطة "اللح" وصوابه "اللج" وهو كالسيف، وقد أصلحه الشيخ محب الدين الخطيب ولم ينبه إلى ذلك. "س".
٢٣٠ بل هي أبعد عن لغة قريش من لهجة هذيل، فقد قال ابن الأثير في النهاية "مادة لجج" إنها لغة طائية، يشددون ياء المتكلم. "خ".
٢٣١ كان طلحة من العصابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله =стр. 137
وأما قولهم "يد شلاء" لو صح فلا متعلق فهم فيه، فإن يدًا شلت في وقاية رسول الله ﵌ يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه٢٣٢، وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه. وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه.
الحواشي
(١) = وسلم على الموت يوم أحد حين انهزم المسلمون، فصبروا ولزموا، ورمى مالك بن زهير الجشمي بسهم يريد رسول الله ﵌ -وكان لا يخطيء رميه- فاتقاه طلحة بيده عن رسول الله ﵌، فكان ذلك سبب الشلل في يده من خنصره، وأقبل رجل من بني عامر يجر رمحًا له على فرس كميت أغر مدججًا في الحديد يصيح أنا أبو ذات الودع، دلوني على محمد، فضرب طلحة عرقوب فرسه، فاكتسعت، ثم تناول رمحه فلم يخطيء به عن حدقته، فخار كما يخور الثور، فما برح طلحة واضعًا رجله على خده حتى مات، قالت بنتاه -عائشة وأم إسحاق-: جرح أبونا يوم أحد أربعًا وعشرين جراحة في جميع جسده، وقد غلبه الغشى، وهو مع ذلك محتمل رسول الله ﵌ حتى كسرت رباعيتاه يرجع به القهقرى، كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب. فكان النبي ﵌ يقول إذا رأى طلحة: "من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" * رواه أبو نعيم الأصبهاني، وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: "ذاك يوم كان يوم طلحة". وسمع علي بن أبي طالب رجلًا يقول بعد يوم الجمل: ومن طلحة؟ فزبره علي، وقال: "إنك لم تشهد يوم أحد، لقد رأيته وإنه ليحترس بنفسه دون رسول الله ﵌، وإن السيوف لتغشاه، وإن هو إلا جنة بنفسه لرسول الله ﵌". أخرج الحافظ ابن عساكر: ٧٨:٧ من طريق ابن منده عن طلحة قال: سماني رسول الله ﵌ يوم أحد "طلحة الخير"، وفي غزوة العسرة "طلحة الفياض" ويوم حنين "طلحة الجود"."خ".
٢٣٢ وانظر "التمهيد" للباقلاني: صـ ٢٣١، ٢٣٥، ٢٣٦، وحقيقة موقف علي من قتلة عثمان أنهم عند البيعة له كانوا هم المستولين على زمام الأمر في المدينة، وفي حالة الإرهاب التي كانت سائدة يومئذ لم يكن في استطاعة علي ولا غيره أن يقف منهم مثل موقف الصحابة من عبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان، مع الفارق العظيم بن دم أمير المؤمنين الخليفة الراشد، والأسير الحربي المجوسي الذي قال أنه أسلم بعد وقوعه في الأسر، ولما انتقل علي من المدينة إلى العراق ليكون على مقربة من الشام انتقل معه قتلة عثمان، ولاسيما أهل البصرة والكوفة منهم، فلما صاروا في بصرتهم وكوفتهم صاروا في معقل =
_________
* إسناده صحيح لشواهده كما جاء في الأحاديث الصحيحة "٢/ ٣٢."م".стр. 138
موقف علي من قتلة عثمان
فإن قيل: بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان، قلنا: هذا لا يصح في شرط البيعة، وإنما يبايعونه على الحكم بالحق، وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب، وتقع الدعوى، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويقع الحكم، فأما على الهجم عليه بما كان من قول مطلق، أو فعل غير محقق، أو سماع كلام، فليس ذلك في دين الإسلام٢٣٢.
قالت العثمانية: تخلف عنه من الصحابة جماعة، منهم سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وأسامة بن زيد وسواهم من نظرائهم.
قلنا: أما بيعته فلم يتخلف عنها، وأما نصرته فتخلف عنها قوم، منهم من ذكرتم؛ لأنها كانت مسألة اجتهاد، فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره٢٣٣.
الحواشي
(١) = قوتهم وعنجهية قبائلهم، ولا شك أن عليًّا أعلن البراءة منهم، وأراد أن يتفق مع أصحاب الجمل على ما يمكن الاتفاق عليه في هذا الشأن، فأنشب قتلة عثمان القتال بين معسكر علي ومعسكر أصحاب الجمل، وتمكن أصحاب الجمل من قتل المصريين من قتلة عثمان إلا واحدًا من بني سعد بن زيد مناة بن تميم حمته قبيلته، فلما اتسعت الأمور وسفكت الدماء كان علي في موقف يحتاج فيه إلى بأس هؤلاء المعروفين بأنهم من قتلة عثمان، وفي مقدمتهم الأشتر وأمثاله، وأن كثيرين منهم انقلبوا على علي بعد ذلك، وخرجوا عليه معتقدين كفره.
ويقول علماء السنة والمؤرخون أن الله كان بالمرصاد لقتلة عثمان، فانتقم منهم بالقتل والنكال واحدًا بعد واحد، حتى الذين طال بهم العمر إلى زمن الحجاج كانت عاقبتهم سفك دمائهم؛ جزاء بما قدمت أيديهم، والله أعدل الحاكمين. "خ".
٢٣٣ وانظر التمهيد للباقلاني: صـ ٢٣٣-٢٣٤.стр. 139
الباب الثالث
قاصمة
اجتماع أصحاب مكة وخروجهم إلى البصرة
روى قوم أن البيعة لما تمت لعلي استاذن طلحة والزبير عليًّا في الخروج إلى مكة٢٣٤. فقال لهما علي: لعلكما تريدان البصرة والشام، فأقسما ألا يفعلا٣٣٥.
وكانت عائشة بمكة٢٣٦.
وهرب عبد الله بن عامر عامل عثمان على البصرة إلى مكة، ويعلى بن أمية عامل عثمان على اليمن.
فاجتمعوا بمكة كلهم، ومعهم مروان بن الحكم، واجتمعت بنو أمية، وحرضوا على دم عثمان، وأعطى يعلى لطلحة والزبير وعائشة أربعمائة ألف درهم، وأعطى لعائشة "عسكرًا" جملًا اشتراه باليمن بمائتي دينار، فأرادوا الشام، فصدهم ابن عامر وقال: لا ميعاد لكم بمعاوية، ولي بالبصرة صنائع، ولكن إليها.
الحواشي
(١) ٢٣٤ وممن استأذنه في الخروج إلى مكة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسبب ذلك أن عليًّا لما تمت له البيعة عزم على قتال أهل الشام، وندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه، فطلب عبد الله بن عمر، وحرضه على الخروج معه فقال: إنما أنا رجل من أهل المدينة إن خرجوا خرجت على السمع والطاعة، لكن لا أخرج لقتال في هذا العام. ثم تجهز ابن عمر وخرج إلى مكة، "ابن كثير: ٢٣٠: ٧"، وكان الحسن بن علي مخالفًا لأبيه في أمر الخروج لمقاتلة أهل الشام ومفارقته المدينة كما ترى فيما بعد. "خ".
٢٣٥ قول علي لهما وقسمهما له من زيادات مرتكبي "القاصمة" ورواتها. "خ".
٢٣٦ ذهبت إليها هي وأمهات المؤمنين لما قطع البغاة الماء عن أمير المؤمنين عثمان، وأخذ يستسقي الناس، فجاءته أم حبيبة بالماء فأهانوها، وضربوا وجه بغلتها، وقطعوا حبل البغلة بالسيف. "الطبري ١٢٧: ٥"، فتجهز أمهات المؤمنين إلى الحج فرارًا من الفتنة. "ابن كثير ٢٢٩: ٧". "خ".стр. 140
خبر الحوأب وثبوت صحة الحديث
فجاءوا إلى ماء الحوأب٢٣٧، ونبحت كلابه، فسألت عائشة، فقيل لها: هذا ماء الحوأب، فردت خطامها عنه، وذلك لما سمعت النبي ﵌ يقول: "أيتكن صاحبة الجمل الأَدْبَب ٢٣٨، والتي تنبحها كلاب الحوأب" فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب٢٣٩، وخمسون رجلًا إليهم٢٤٠ وكانت أول شهادة زور دارت في الإسلام٢٤١.
الحواشي
(١) ٢٣٧ الحوأب من مياه العرب على طريق البصرة. قاله أبو الفتح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري فيما نقله عنه ياقوت في معجم البلدان، وقال أبو عبد البكري في معجم ما استعجم: ماء قريب من البصرة، على طريق مكة إليها، سمي بالحوأب بنت كلب بن وبرة القضاعية. "خ".
٢٣٨ الأَدْبَب: الأَدبّ "أظهر الإدغام لأجل السجعة"، والأدبّ: الكثير وبر الوجه. قاله ابن الأثير في النهاية. "خ".
٢٣٩ هذا الخبر عن الصحابي الجليل الزبير عارٍ عن الصحة. وقد ذكر الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: ٢١٢/٦ خلافه فقال:
روى أبو نعيم بن حماد في الملاحم -وقد أسنده- ثم روى أحمد -وقد أسنده- عن أبي حازم أن عائشة لما أتت على الحوأب، فسمعت نباح الكلاب فقالت: "ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ﵌ قال لنا: "أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب"، فقال لها الزبير: ترجعين؟ وعسى الله أن يصلح بك بين الناس، قال ابن كثير: وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه. "م".
٢٤٠ لم يشهدوا، ولم تقل عائشة، ولم يقل** النبي ﵌، وسنبين ذلك في موضعه من العاصمة فيما بعد. "خ".
٢٤١ شهادة الزور تصدر عن رعاع لا يخافون الله كأبي زينب وأبي المورع كما تقدم، وتصدر عمن يزعم لنفسه أنه قادر على خلق شخصية لم يخلقها الله كالذي اخترع اسم ثابت مولى أم سلمة كما تقدم، أما طلحة والزبير المشهود لهما بالجنة من نبي الرحمة ﵌ الذي لا ينطق عن الهوى- فكانا أسمى أخلاقًا وأكرم على أنفسهما وعلى الله من أن يشهدا زورًا، وهذه الفرية عليهما من مبغضي أصحاب رسول الله ﵌ ليست أول فرية لهم في الإسلام، ولا آخر ما يفترونه من الكذب عليه وعلى أهله. "خ".
_________
** لقد صح حديث الحوأب كما نرى ذلك واضحًا عما قريب. "م".стр. 141
خروج علي إلى الكوفة وما وقع في العراق قبل وصوله
وخرج علي إلى الكوفة٢٤٢، وتعسكر الفريقان والتقوا٢٤٣، وقال عمار -وقد دنا من هودج عائشة-: ماتطلبون؟ قالوا: نطلب دم عثمان، قال: قتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب لغير الحق٢٤٤.
والتقى علي والزبير، فقال له علي: أتذكر قول النبي ﵌ أنك تقاتلني؟ فتركه ورجع٢٤٥. وراجعه ولده، فلم يقبل، وأتبعه الأحنف من قتله"٢٤٦.
الحواشي
(١) ٢٤٢ خرج من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ٣٦؛ ليكون على مقربة من الشام. وكان ابنه الحسن يود لو بقى والده بالمدينة، فيتخذها دار خلافته كإخوانه الثلاثة قبله فلا يبرحها "الطبري ١٧١: ٥:، وانظر: ١٦٣: ٥، وقد سلك علي من المدينة إلى العراق طريق الربذة وفيد والثعلبية والساود وذي قار، ومن الربذة أرسل إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فرجعا إليه وهو في ذي قار بأن أبا موسى وأهل الحجا من الكوفيين يروى القعود، فأرسل الأشتر وابن عباس، ثم أرسل ابنه الحسن وعمارًا لاستمالة القوم إليه، وبينما هو في الطريق أنشب عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة القتال مع أصحاب الجمل. وفي الأساود جاءه خبر مصرع حكيم بن جبلة بن جبلة وقتلة عثمان، ثم جاء عثمان بن حنيف إلى علي وهو في الثعلبية منتوف اللحية ومغلوبًا على أمره، وفي ذي قار أقام على معسكره، ثم قام بمن معه إلى البصرة، وفيها أصحاب الجمل. "خ".
٢٤٣ بعد وصول علي إلي ذي قار وقيام القعقاع بن عمرو بمساعي التفاهم تقدم علي بمن معه إلى البصرة، فأسرع قتلة عثمان إلى إحباط مساعي الإصلاح بإنشاب القتال.
٢٤٤ كان الفريقان يطلبان التفاهم وجمع الكلمة، وأما الباغي فهم قتلة عثمان، وقد قتلهم الله جميعًا إلا واحدًا منهم، وسيأتي بيانه. "خ".
٢٤٥ إن هذا الخبر غير صحيح، وقد ذكر الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: ٢١٣/٦ ما يماثله وهو ضعيف. "م".
روى البيهقي -وقد أسنده- عن أبي وجزة المازني قال: سمعت عليًّا والزبير، وعلي يقول له: ناشدتك الله يا زبير "أما سمعت رسول الله ﵌ يقول: "أنك تقاتلني وأنت ظالم"، قال: "بلى ولكني نسيت"، قال البيهقي: وهذا غريب. "م".
٢٤٦ الذي قتل الزبير عمير بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع التميمي، والأحنف أتقى لله من أن يأمرهم بقتله، بل سمعوه يتذمر من قتال المسلمين بعضهم مع بعض فلحقوا بالزبير فقتلوه, "الطبري ١٨: ٥". "خ".стр. 142
ونادى علي طلحة من بعد: "ما تطلب؟ " قال: "دم عثمان"، قال: "قاتل الله أولادنا بدم عثمان"، ألم تسمع النبي ﵌ يقول:"اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله" وأنت أول من بايعني ونكث٢٤٨.
الحواشي
(١) = ٢٤٧ كان طلحة أصدق إيمانًا وأسمى أخلاقًا من أن يبايع وينكث، وإنما كان يريد جمع الكلمة للنظر في أمر قتلة عثمان، واستجاب علي لهذه الدعوة كما سيأتي في البحوث التالية، ولكن الذين جنوا على الإسلام أول مرة بالبغي على عثمان كانوا أعداء الله مرة أخرى بإنشاب القتال بين هذين الفريقين من المسلمين."خ".
٢٤٨ الحديث صحيح كما سنرى في غير هذا الوضع ولكن ليس فيه: "اللهم انصر من نصره واخذل من خذله"." م".стр. 143
عاصمة
مجيء أصحاب الجمل إلى البصرة لتأليف الكلمة وللتوصل بذلك إلى إقامة الحد على قتلة عثمان
أما خروجهم إلى البصرة فصحيح لا إشكال فيه.
ولكن لأي شيء خرجوا؟ لم يصح فيه نقل، ولا يوثق فيه بأحد؛ لأن الثقة لم ينقله، وكلام المتعصب [غير مقبول] . وقد دخل مع المتعصب من يريد الطعن في الإسلام واستنقاص الصحابة:
فيحتمل أنهم خرجوا خلعًا لعلي لأمر ظهر لهم٢٤٩، وهو أنهم بايعوا لتسكين الثائرة، وقاموا يطلبون الحق.
ويحتمل أنهم خرجوا ليتمكنوا من قتلة عثمان٢٥٠.
ويمكن أنهم خرجوا [لينظروا] في جمع طوائف المسلمين، وضم [تشردهم] ، وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا، وهذا هو الصحيح، لا شيء سواه. بذلك وردت صحاح الأخبار.
فأما الأقسام الأُوَل فكلها باطلة وضعيفة:
أما بيعتهم كرها فباطل [وقد بيناها] .
وأما خلعهم فباطل؛ لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع، فيمكن
الحواشي
(١) ٢٤٩ وهذا الاحتمال بعيد عن هؤلاء الأفاضل الصالحين، ولم يقع منهم ما يدل عليه، بل الحوادث كلها دلت على نزاهتهم عنه، وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ٤١: ١٣-٤٢ فنقل عن كتاب "أخبار البصرة" لعمر بن شبة قول الملهب: "إن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًّا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة". "خ".
٢٥٠ وهذا ما كانوا يذكرونه، إلا أنهم يريدون أن يتفقوا مع علي على الطريقة التي يتوصلون بها إلى ذلك، وهذا ما كان يسعى به الصحابي المجاهد القعقاع بن عمرو، وقبله الطرفان كما سيأتي. "خ".стр. 144
أن يولى واحد أو اثنان، ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان.
وأما خروجهم في أمر قتلة عثمان فيضعف؛ لأن الأصل قبله تأليف الكلمة. ويمكن أن يجتمع الأمران٢٥٣.
ويروى أن تغيبهم٢٥٤ قطعًا للشعب بين الناس، فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ﵃ رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم، فيرعوا حرمة نبيهم، واحتجوا عليها٢٥٥ بقول الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] ، وقد خرج النبي ﵌ في الصلح وأرسل فيه، فرجت المثوبة، واغتنمت [الفرصة] ، وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها.
وأحس بهم أهل البصرة، فحرض من كان بها من المتألبين على عثمان الناس، وقالوا: أخرجوا إليهم حتى تروا ما جاءوا إليه، فبعث عثمان بن حنيف حكيم بن جبلة٢٥٦، فلقى طلحة والزبير بالزابوقة، فقتل
الحواشي
(١) ٢٥٣ واجتماع الأمرين هو الذي كاد يقع، لولا أن السبئيين أحبطوه، فأصحاب الجمل جاءوا في أمر قتلة عثمان، ولم يجيئوا إلا لذلك، إلا أنهم أرادوا أن يتفاهموا عليه مع علي؛ لأن التفاهم معه أول الوسائل للوصول إلى ما جاءوا له."خ".
٢٥٤ أي تغيب طلحة والزبير وعائشة عن المدينة."خ".
٢٥٥ لما أقنعوها بالخروج إلى البصرة."م".
٢٥٦ عثمان بن حنيف أنصاري من الأوس، كان عند هجرة النبي ﵌ إلى المدينة أحد الشبان الأوسيين الخمسة عشر الذين انضموا إلى عبد عمرو بن صيفي عند خروجه إلى مكة مغاضبًا النبي ﵌، وكان عبد عمرو يسمى في الجاهلية الراهب فسماه النبي ﵌ الفاسق. "الطبري: ١٦:٢". والظاهر أن عثمان بن حنيف عاد من مكة وأسلم قبل وقعة أحد؛ لأنها أول مشاهده "الإصابة: ٤٥٩:٢". وتزعم الشيعة أنه شاغب على خليفة رسول الله ﵌ أبي بكر الصديق في أول خلافته "تنقيح المقال للمامقاني: ١٩٨:١" =стр. 145
الاجتماع في البصرة
حكيم٢٥٧، ولو خرج مسلمًا مستسلمًا لا مدافعًا٢٥٨ لما أصابه شيء، وأي خير كان له في المدافعة، وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة، وإنما ساعين في الصلح، راغبين في تأليف الكلمة، فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم، كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد.
فلما وصلوا إلى البصرة تلقاهم الناس بأعلى المربد مجتمعين٢٥٩، حتى لو رمى حجر ما وقع إلا على رأس إنسان، فتكلم طلحة وتكلمت عائشة ﵂.
الحواشي
(١) = وأعتقد أن هذا من كذبهم، وقد تولى لعمر مساحة أرض العراق وضرب الجزية والخراج على أهلها، فلو صح ما زعموه من شغبه على أبي بكر لتنافى هذا مع استعمال عمر له، إلا أن يكون تاب، ولما بويع لعلي آخر سنة ٣٥ واختار ولاته في بداية سنة ٣٦ ولى عثمان بن حنيف على البصرة "الطبري: ١٦١: ٥"، ولما وصل أصحاب الجمل إلى الحفير على أربعة أميال من البصرة أرسل إليهم عثمان بن حنيف عمران بن حصين الخزاعي صاحب راية النبي ﵌ على خزاعة يوم الفتح ليعلم له علمهم، فلما عاد إليه وذكر له حديثه مع أصحاب الجمل قال له عثمان بن حنيف: أَشِرْ علي يا عمران. فقال له: إني قاعد، فاقعد. فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين علي. وأشار عليه هشام بن عامر الأنصاري -أحد الصحابة المجاهدين الفاتحين- بأن يسالمهم حتى يأتي أمر علي، فأبى عثمان بن حنيف ونادى في الناس، فلبسوا السلاح، وأقبل عثمان على الكيد "الطبري: ١٧٤: ٥-١٧٥"، وكانت العاقبة فشله، وخروج الأمر من يده إلى أيدي أصحاب الجمل، ووقع ابن حنيف في أسر الجماهير فنتفت لحيته، ثم أنقذه أصحاب الجمل منهم فانسحب إلى معسكر علي في الثعلبة ثم في ذي قار. هذا هو عثمان بن حنيف وموقفه من أصحاب الجمل، أما حكيم بن جبلة فالقارئ يعلم أنه من قتلة أمير المؤمنين عثمان، وقد تقدم التعريف به. "خ".
٥٧ الزابوقة: موضع قريب من البصرة كانت فيه وقعة الجمل في دورها الأول بعد أن خطب طلحة والزبير وعائشة في المربد، أما مصرع حكيم بن جبلة فكان بعد المعارك الأولى التي انتهت بغلبة أصحاب الجمل واستيلائهم على الحكم في البصرة، فتمرد حكيم بن جبلة على هذه الحالة الجديدة وقاتل مع ثلاثمائة من أعوانه حتى قتل. "خ".
٢٥٨ أي مقاتلًا. "خ".
٢٥٩ مربد البصرة: موضع كانت تقام فيه سوق الإبل خارج البلد =следующие страницы →