Полный текст (277 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
خروج علي إلى الكوفة وما وقع في العراق قبل وصوله
وخرج علي إلى الكوفة٢٤٢، وتعسكر الفريقان والتقوا٢٤٣، وقال عمار -وقد دنا من هودج عائشة-: ماتطلبون؟ قالوا: نطلب دم عثمان، قال: قتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب لغير الحق٢٤٤.
والتقى علي والزبير، فقال له علي: أتذكر قول النبي ﵌ أنك تقاتلني؟ فتركه ورجع٢٤٥. وراجعه ولده، فلم يقبل، وأتبعه الأحنف من قتله"٢٤٦.
الحواشي
(١) ٢٤٢ خرج من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ٣٦؛ ليكون على مقربة من الشام. وكان ابنه الحسن يود لو بقى والده بالمدينة، فيتخذها دار خلافته كإخوانه الثلاثة قبله فلا يبرحها "الطبري ١٧١: ٥:، وانظر: ١٦٣: ٥، وقد سلك علي من المدينة إلى العراق طريق الربذة وفيد والثعلبية والساود وذي قار، ومن الربذة أرسل إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فرجعا إليه وهو في ذي قار بأن أبا موسى وأهل الحجا من الكوفيين يروى القعود، فأرسل الأشتر وابن عباس، ثم أرسل ابنه الحسن وعمارًا لاستمالة القوم إليه، وبينما هو في الطريق أنشب عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة القتال مع أصحاب الجمل. وفي الأساود جاءه خبر مصرع حكيم بن جبلة بن جبلة وقتلة عثمان، ثم جاء عثمان بن حنيف إلى علي وهو في الثعلبية منتوف اللحية ومغلوبًا على أمره، وفي ذي قار أقام على معسكره، ثم قام بمن معه إلى البصرة، وفيها أصحاب الجمل. "خ".
٢٤٣ بعد وصول علي إلي ذي قار وقيام القعقاع بن عمرو بمساعي التفاهم تقدم علي بمن معه إلى البصرة، فأسرع قتلة عثمان إلى إحباط مساعي الإصلاح بإنشاب القتال.
٢٤٤ كان الفريقان يطلبان التفاهم وجمع الكلمة، وأما الباغي فهم قتلة عثمان، وقد قتلهم الله جميعًا إلا واحدًا منهم، وسيأتي بيانه. "خ".
٢٤٥ إن هذا الخبر غير صحيح، وقد ذكر الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: ٢١٣/٦ ما يماثله وهو ضعيف. "م".
روى البيهقي -وقد أسنده- عن أبي وجزة المازني قال: سمعت عليًّا والزبير، وعلي يقول له: ناشدتك الله يا زبير "أما سمعت رسول الله ﵌ يقول: "أنك تقاتلني وأنت ظالم"، قال: "بلى ولكني نسيت"، قال البيهقي: وهذا غريب. "م".
٢٤٦ الذي قتل الزبير عمير بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع التميمي، والأحنف أتقى لله من أن يأمرهم بقتله، بل سمعوه يتذمر من قتال المسلمين بعضهم مع بعض فلحقوا بالزبير فقتلوه, "الطبري ١٨: ٥". "خ".стр. 142
ونادى علي طلحة من بعد: "ما تطلب؟ " قال: "دم عثمان"، قال: "قاتل الله أولادنا بدم عثمان"، ألم تسمع النبي ﵌ يقول:"اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله" وأنت أول من بايعني ونكث٢٤٨.
الحواشي
(١) = ٢٤٧ كان طلحة أصدق إيمانًا وأسمى أخلاقًا من أن يبايع وينكث، وإنما كان يريد جمع الكلمة للنظر في أمر قتلة عثمان، واستجاب علي لهذه الدعوة كما سيأتي في البحوث التالية، ولكن الذين جنوا على الإسلام أول مرة بالبغي على عثمان كانوا أعداء الله مرة أخرى بإنشاب القتال بين هذين الفريقين من المسلمين."خ".
٢٤٨ الحديث صحيح كما سنرى في غير هذا الوضع ولكن ليس فيه: "اللهم انصر من نصره واخذل من خذله"." م".стр. 143
عاصمة
مجيء أصحاب الجمل إلى البصرة لتأليف الكلمة وللتوصل بذلك إلى إقامة الحد على قتلة عثمان
أما خروجهم إلى البصرة فصحيح لا إشكال فيه.
ولكن لأي شيء خرجوا؟ لم يصح فيه نقل، ولا يوثق فيه بأحد؛ لأن الثقة لم ينقله، وكلام المتعصب [غير مقبول] . وقد دخل مع المتعصب من يريد الطعن في الإسلام واستنقاص الصحابة:
فيحتمل أنهم خرجوا خلعًا لعلي لأمر ظهر لهم٢٤٩، وهو أنهم بايعوا لتسكين الثائرة، وقاموا يطلبون الحق.
ويحتمل أنهم خرجوا ليتمكنوا من قتلة عثمان٢٥٠.
ويمكن أنهم خرجوا [لينظروا] في جمع طوائف المسلمين، وضم [تشردهم] ، وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا، وهذا هو الصحيح، لا شيء سواه. بذلك وردت صحاح الأخبار.
فأما الأقسام الأُوَل فكلها باطلة وضعيفة:
أما بيعتهم كرها فباطل [وقد بيناها] .
وأما خلعهم فباطل؛ لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع، فيمكن
الحواشي
(١) ٢٤٩ وهذا الاحتمال بعيد عن هؤلاء الأفاضل الصالحين، ولم يقع منهم ما يدل عليه، بل الحوادث كلها دلت على نزاهتهم عنه، وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ٤١: ١٣-٤٢ فنقل عن كتاب "أخبار البصرة" لعمر بن شبة قول الملهب: "إن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًّا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة". "خ".
٢٥٠ وهذا ما كانوا يذكرونه، إلا أنهم يريدون أن يتفقوا مع علي على الطريقة التي يتوصلون بها إلى ذلك، وهذا ما كان يسعى به الصحابي المجاهد القعقاع بن عمرو، وقبله الطرفان كما سيأتي. "خ".стр. 144
أن يولى واحد أو اثنان، ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان.
وأما خروجهم في أمر قتلة عثمان فيضعف؛ لأن الأصل قبله تأليف الكلمة. ويمكن أن يجتمع الأمران٢٥٣.
ويروى أن تغيبهم٢٥٤ قطعًا للشعب بين الناس، فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ﵃ رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم، فيرعوا حرمة نبيهم، واحتجوا عليها٢٥٥ بقول الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] ، وقد خرج النبي ﵌ في الصلح وأرسل فيه، فرجت المثوبة، واغتنمت [الفرصة] ، وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها.
وأحس بهم أهل البصرة، فحرض من كان بها من المتألبين على عثمان الناس، وقالوا: أخرجوا إليهم حتى تروا ما جاءوا إليه، فبعث عثمان بن حنيف حكيم بن جبلة٢٥٦، فلقى طلحة والزبير بالزابوقة، فقتل
الحواشي
(١) ٢٥٣ واجتماع الأمرين هو الذي كاد يقع، لولا أن السبئيين أحبطوه، فأصحاب الجمل جاءوا في أمر قتلة عثمان، ولم يجيئوا إلا لذلك، إلا أنهم أرادوا أن يتفاهموا عليه مع علي؛ لأن التفاهم معه أول الوسائل للوصول إلى ما جاءوا له."خ".
٢٥٤ أي تغيب طلحة والزبير وعائشة عن المدينة."خ".
٢٥٥ لما أقنعوها بالخروج إلى البصرة."م".
٢٥٦ عثمان بن حنيف أنصاري من الأوس، كان عند هجرة النبي ﵌ إلى المدينة أحد الشبان الأوسيين الخمسة عشر الذين انضموا إلى عبد عمرو بن صيفي عند خروجه إلى مكة مغاضبًا النبي ﵌، وكان عبد عمرو يسمى في الجاهلية الراهب فسماه النبي ﵌ الفاسق. "الطبري: ١٦:٢". والظاهر أن عثمان بن حنيف عاد من مكة وأسلم قبل وقعة أحد؛ لأنها أول مشاهده "الإصابة: ٤٥٩:٢". وتزعم الشيعة أنه شاغب على خليفة رسول الله ﵌ أبي بكر الصديق في أول خلافته "تنقيح المقال للمامقاني: ١٩٨:١" =стр. 145
الاجتماع في البصرة
حكيم٢٥٧، ولو خرج مسلمًا مستسلمًا لا مدافعًا٢٥٨ لما أصابه شيء، وأي خير كان له في المدافعة، وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة، وإنما ساعين في الصلح، راغبين في تأليف الكلمة، فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم، كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد.
فلما وصلوا إلى البصرة تلقاهم الناس بأعلى المربد مجتمعين٢٥٩، حتى لو رمى حجر ما وقع إلا على رأس إنسان، فتكلم طلحة وتكلمت عائشة ﵂.
الحواشي
(١) = وأعتقد أن هذا من كذبهم، وقد تولى لعمر مساحة أرض العراق وضرب الجزية والخراج على أهلها، فلو صح ما زعموه من شغبه على أبي بكر لتنافى هذا مع استعمال عمر له، إلا أن يكون تاب، ولما بويع لعلي آخر سنة ٣٥ واختار ولاته في بداية سنة ٣٦ ولى عثمان بن حنيف على البصرة "الطبري: ١٦١: ٥"، ولما وصل أصحاب الجمل إلى الحفير على أربعة أميال من البصرة أرسل إليهم عثمان بن حنيف عمران بن حصين الخزاعي صاحب راية النبي ﵌ على خزاعة يوم الفتح ليعلم له علمهم، فلما عاد إليه وذكر له حديثه مع أصحاب الجمل قال له عثمان بن حنيف: أَشِرْ علي يا عمران. فقال له: إني قاعد، فاقعد. فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين علي. وأشار عليه هشام بن عامر الأنصاري -أحد الصحابة المجاهدين الفاتحين- بأن يسالمهم حتى يأتي أمر علي، فأبى عثمان بن حنيف ونادى في الناس، فلبسوا السلاح، وأقبل عثمان على الكيد "الطبري: ١٧٤: ٥-١٧٥"، وكانت العاقبة فشله، وخروج الأمر من يده إلى أيدي أصحاب الجمل، ووقع ابن حنيف في أسر الجماهير فنتفت لحيته، ثم أنقذه أصحاب الجمل منهم فانسحب إلى معسكر علي في الثعلبة ثم في ذي قار. هذا هو عثمان بن حنيف وموقفه من أصحاب الجمل، أما حكيم بن جبلة فالقارئ يعلم أنه من قتلة أمير المؤمنين عثمان، وقد تقدم التعريف به. "خ".
٥٧ الزابوقة: موضع قريب من البصرة كانت فيه وقعة الجمل في دورها الأول بعد أن خطب طلحة والزبير وعائشة في المربد، أما مصرع حكيم بن جبلة فكان بعد المعارك الأولى التي انتهت بغلبة أصحاب الجمل واستيلائهم على الحكم في البصرة، فتمرد حكيم بن جبلة على هذه الحالة الجديدة وقاتل مع ثلاثمائة من أعوانه حتى قتل. "خ".
٢٥٨ أي مقاتلًا. "خ".
٢٥٩ مربد البصرة: موضع كانت تقام فيه سوق الإبل خارج البلد =стр. 146
كتابة الكتاب بين عثمان بن حنيف وأصحاب الجمل بالكف عن القتال
وكثر اللغط٢٦٠، وطلحة يقول: "أنصتوا" فجعلوا يركبونه ولا [ينصتون] ، فقال: "أُفٍّ، أُفٍّ، فراش نار، وذباب طمع"، وانقلبوا على غير بيان٢٦١.
وانحدروا إلى بني نهد، فرمامهم الناس بالحجارة حتى نزلوا الجبل٢٦٢، والتقى طلحة والزبير وعثمان بن حنيف- عامل علي، على البصرة-
الحواشي
(١) = ثم صارت تكون فيه مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء، ثم اتسع عمران البصرة، فدخل المربد في العمران، فكان من أجل شوارعها، وسوقه من أجل أسواقها، وصار محطة عظيمة سكنها الناس، ولما انحطت منزلة البصرة، وهزم عمرانها تضاءلت، فأمسى المربد بائنًا عنها حتى كان بينه وبين البصرة في زمن ياقوت ثلاثة أميال، والمربد خراب كالبلدة المفردة في وسط البرية، وكان موضع البصرة يومئذ قريبًا من موضع ضاحيتها الزبير في أيمنا هذه.
٢٦٠ لأن الذين في الميسرة كانوا يقولون تعليقًا على خطبتي طلحة والزبير: فجرا، وغدرا، وقالا الباطل، وأمرا به. وقد بايعا ثم جاءا يقولان ما يقولان. والذين كانوا في الميمنة يقولون: صدقا، وبرا، وقالا الحق، وأمرا بالحق. وتحاثى الناس وتحاصبوا وأرهجوا، إلا أنه لما انتهت عائشة من خطبتها ثبت الذين مع أصحاب الجمل على موالاتهم لهم، وافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين فقالت فرقة: صدقت والله وبرت وجاءت بالمعروف، وقال الآخرون: كذبت، ما نعرف ما تقولون، فتحاثوا وتحاصبوا أرهجوا. "خ".
٢٦١ لما رأت عائشة ما يفعل أنصار عثمان بن حنيف انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لابن حنيف حتى وقفوا في موضع آخر، ومال بعض الذين كانوا مع ابن حنيف إلى عائشة وبقى بعضهم مع عثمان بن حنيف "الطبري: ١٧٥: ٥".
٢٦٢ حفظ لنا الطبري: ١٧٦: ٥-١٧٧ وصفًا دقيقًا نقله سيف بن عمر التميمي عن شيخيه محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، وطلحة بن الأعلم الحنفي عن موقف أصحاب الجمل السلمي في هذه الوقعة، وإسراف حكيم بن جبلة في إنشاب القتال، قالا: وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن ثم حجز الليل بين الفريقين. وفي اليوم التالي انتقل أصحاب الجمل إلى جهة دار الرزق، وأصبح عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة فجددوا التقال، وكان حكيم يطيل لسانه بسب أم المؤمنين ويقتل من يلومه على ذلك من نساء ورجال، ومنادي عائشة يدعو الناس إلى الكف عن القتال فيأبون، حتى إذا مسهم الشر وعضهم نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح. "خ".стр. 147
وصول علي إلى البصرة ووقع التفاهم بينه وبين أصحاب الجمل
وكتبوا بينهم أن يكفوا عن القتال، ولعثمان دار الإمارة والمسجد وبيت المال، وأن ينزل طلحة والزبير من البصرة حيث شاءا، ولا يعرض بعضهم لبعض حتى يقدم علي٢٦٣.
وروي أن حكيم بن جبلة عارضهم حينئذ، فقل بعد الصلح.
وقدم علي البصرة٢٦٥، وتدانوا ليتراءوا٢٦٦، فلم يتركهم أصحاب الأهواء، وبادروا بإراقة الدماء، واشتجر [بينهم] الحرب، وكثرة الغوغاء على البوغاء؛ كل ذلك حتى لا يقع برهان، ولا [تقف] الحال على بيان، ويخفى قتلة عثمان، وإن واحدًا في الجيش يفسد تدبيره، فكيف بألف.
الحواشي
(١) ٢٦٣ ونص كتاب الصلح في تاريخ الطبري ١٧٧: ٥: ولما بلغ عليًّا ما وقع كتب إلى عثمان بن حنيف يصفه بالعجز، وجمع طلحة والزبير الناس، وقصدوا المسجد وانتظروا عثمان بن حنيف فأبطأ، ولم يحضر، ووقعت فتنة في المسجد من رعاع البصرة أتباع حكيم بن جبلة، وكان لها رد فعل من أناس ذهبوا إلى عثمان بن حنيف ليحضروه، فتوطأه الناس ونتفوا شعر وجهه، أمرهم بذلك مجاشع بن مسعود السلمي زعيم هوازن وبني سليم والأعجاز من قبائل البصرة. "الطبري ١٧٨: ٥". "خ".
٢٦٥ فنزل مكانًا منها يسمى الزاوية. وكان أصحاب الجمل نازلين مكانًا منها يسمى الفرضة. "خ".
٢٦٦ عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، وكان ذلك يوم الخميس في النصف من جمادى الأخرة سنة ٣٦ "الطبري ١٩٩: ٥". وكان الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي قد قام بين الفريقين بالوساطة الحكيمة المعقولة، فاستجاب له أصحاب الجمل، وأذعن علي لذلك، وبعث علي إلى طلحة والزبير، يقول: "إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو، فكفوا حتى ننزل، فننظر في هذا الأمر"، فأرسلا إليه::إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس". قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: ٢٣٩: ٧: فاطمأنت النفوس وسكنت، واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين. فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم، وبعثوا محمد بن طلحة السجاد إلى علي، وعولوا جميعًا على الصلح، وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية. وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة. وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السر، واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من =стр. 148
وقد روي أن مروان لما وقعت عينه في الاصطفاف على طلحة قال: لا [أطلب] أثرًا بعد عين، ورماه بسهم فقتله٢٦٧. ومن يعلم هذا إلا علام الغيوب، ولم ينقله ثبت.
وقد روي "أنه" أصابه سهم بأمر مروان، لا أنه رماه.
وقد خرج كعب بن سور بمصحف منشور بيده يناشد الناس أن لا يريقوا دماءهم٢٦٩، فأصابه سهم غرب فقتله٢٧٠، ولعل طلحة مثله.
الحواشي
(١) = الشر، فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم، انسلوا إلى ذلك الأمر انسلالًا "وانظر مع ذلك الموضع من تاريخ ابن كثير تاريخ الطبري ٢٠٢:٥-٢٠٣ ومنهاج السنة ١٨٥:٥، ٢٢٥:٣، ٢٤١" وهكذا أنشبوا الحرب بين علي وأخويه الزبير وطلحة، فظن أصاب الجمل أن عليًّا غدر بهم، وظل علي أن إخوانه غدروا به، وكل منهم اتقى الله من أن يفعل ذلك في الجاهلية، فكيف بعد أن بلغوا أعلى المنازل من أخلاق القرآن."خ".
٢٦٧ آفة الأخبار رواتها، وفي العلوم الإسلامية علاج آفة الكذب الخبيثة، فإن كل راوي خبر يطالبه الإسلام بأن يعين مصدره على قاعدة: من أين لك هذا؟ ولا تعرف أمة مثل هذه الدقة في المطالبة بمصادر الأخبار كما عرفه المسملون، ولا سيما أهل السنة منهم، وهذا الخبر عن طلحة ومروان لقيط لا يعرف أبوه ولا صاحبه، وما دام لم ينقله ثبت بسند معروف عن رجال ثقات فإن للقاضي ابن العربي أن يقول بملء فيه: ومن يعلم هذا إلا علم الغيوب؟
٢٦٩ كعب بن سور الأزدي أو قضاةء المسلمين على البصرة ولاه أمير المؤمنين عمر. قال الحافظ بن عبد البر: كان مسلمًا في زمن النبي ﵌ لكنه لم يره.
٢٧٠ قال الحافظ ابن عساكر ٨٥:٧ في ترجمة طلحة: وقالت عائشة لكعب بن سور الأزدي: "خلِّ يا كعب عن البعير، وتقدم بكتاب الله فادعهم إليه"، ودفعت إليه مصحفًا، وأقبل القوم وأمامهم السبئية يخافون أن يجري الصلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، وعلي من خلفهم يزعهم ويأبون إلا إقدامًا، فلما دعاهم كعب رشقوه رشقًا واحدًا فقتلوه، ثم راموا أم المؤمنين ... فكان أول شيء أحدثته حين أبوا أن قالت: "أيها الناس، العنوا قتلة عثمان وأشياعهم"، وأقبلت تدعو، وضج أهل البصرة بالدعاء. وسمع علي =стр. 149
ومعلوم أنه عند الفتنة، وفي ملحمة القتال يتمكن أولوا الإحن والحقود، من حلِّ العرى ونقض العهود، وكانت آجالا حضرت، ومواعد انتجزت٧٧١.
فإن قيل: لم خرجت عائشة ﵂ وقد قال صلى الله عليه وآله
الحواشي
(١) = الدعاء فقال: "ما هذه الضجة؟ " فقالوا: عائشة تدعو ويدعو الناس معها على قتلة عثمان وأشياعهم. فأقبل علي يدعو وهو يقول: "اللهم العن قتلة عثمان وأشياعهم". قلت: وهكذا اشترك صالحوا الفريقين في لعن قتلة أمير المؤمنين الشهيد المظلوم في الساعة التي كان فيها قتلة عثمان ينشبون القتال بين صالحي المسلمين.
٢٧١ نقل الحافظ ابن عساكر ٨٦:٧-٨٧ قول الشعبي: رأى علي بن أبي طالب طلحة ملقى في بعض الأودية، فنزل فمسح التراب عن وجهه، ثم قال: "عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلًا في الأودية وتحت نجوم السماء. إلى الله أشكو عجري وبجري" "قال الأصمعي: أي سرائري وأحزاني التي تجول في جوفي". وقال: "ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة". وقال أبو حبيبة مولى طلحة: دخلت أنا وعمران بن طلحة على علي بعد الجمل، فرحب بعمران وأدناه وقال: "إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك من الذين قال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ، وكان الحارث الأعور* جالسًا في ناحية، فقال: الله أعدل من أن نقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة، فقال له علي: قم إلى أبعد أرض الله وأسحقها، فمن هو ذا إن لم أكن أنا وطلحة في الجنة؟ وذكر محمد بن عبد الله أن عليًّا تناول دواة فحذف بها الأعور يريده بها فأخطأه، وقال له ابن الكواء**: "الله أعدل من ذلك"، فقام إليه علي بدرة فضربه، وقال له: "أنت -لا أم لك- وأصحابك تنكرون هذا؟ ".
_________
* هو الحارث بن عبد الله الهمداني الحوثي أبو زهير الكوفي الأعور أحد كبار الشيعة. قال عنه الشعبي وابن المديني: كذاب. قلت: وإنما كان يدفعه إلى الكذب تحزبه وتشيعه، فالحزبية والتشيع والتعصب المذهبي من مدارج الباطل، والإسلام دين الاعتدال والإنصاف والصدق، وأن تقول الحق ولو على نفسك."م".
** ابن الكواء: عبد الله بن أبي أوفى اليشكري أحد القائمين بالفتنة على عثمان. وبعد صفين والتحكيم كان على رأس الخوارج على علي، فلما حاجهم علي وابن عباس رجع إلى علي قبل وقعة النهروان، هذان التعليقان السابقان للخطيب."م".стр. 150
وسلم لهن في حجة الوداع "هذه ثم ظهور الحصر"٢٧٢. قلنا: حدث حديثين امرأة، فإن أبت فأربعة، يا عقول النسوان ألم أعهد إليكم ألا ترووا أحاديث البهتان، وقدمنا لكم على صحة خروج عائشة البرهان٢٧٣،، فلم تقولون ما لا تعلمون؟ وتكررون ما وقع الانفصال عنه كأنكم لا تفهمون؟ ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ .
وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب، فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حوب٢٧٤، ما كان قط شيء مما ذكرتم، ولا قال٢٧٥ النبي صلى الله
الحواشي
(١) ٢٧٢ في مسند أحمد: ٤٤٦:٢ الطبعة الأولى من حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لما حج بنسائه قال: "إنما هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر"، وفيه ٢١٨:٥ الطبعة الأولى من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أنه ﵌ قال لنسائه في حجته: "هذه ثم ظهور الحصر". وحديث أبي واقد في باب فرض الحج من كتاب المناسك بسنن أبي داود: ك١١ب١. والحصر جمع حصير، أي لزوم المنزل. ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٢١٥:٥ على أنه إشارة نبوية إلى أنه ﵌، ينعى لهن نفسه، وأن هذه آخر حجة له ﵌، وليس فيه أمر منه بأن لا يزايلن الحصر إلى حج أو مصلحة أو إصلاح بين الناس، فاستشهاد أعداء الصحابة بهذا الحديث على المنوع مطلقًا عده القاضي ابن العربي من البهتان؛ لأنه استشهاد به لغير ما أراده النبي ﵌. "خ".
٢ روى الإمام ابن حزم في بحث "وجوه الفضل والمفاضلة" من كتاب "الإمامة والمفاضلة" المدرج في الجزء الرابع من الفصل صـ ١٣٤ عن شيخه أحمد بن محمد الخوزي عن أحمد بن الفضل الدينوري عن محمد بن جرير الطبري أن علي بن أبي طالب بعث عمار بن ياسر والحسن بن علي إلى الكوفة، إذ خرجت أم المؤمنين إلى البصرة، فلما أتياها اجتمع إليهما الناس في المسجد، فخطبهم عمار، وذكر لهم خروج عائشة أم المؤمنين إلى البصرة ثم قال لهم: "إني أقول لكم، ووالله إني لأعلم أنها زوجة رسول الله ﵌ في الجنة كما هي زوجته في الدنيا، ولكن الله ابتلاكم بها لتطيعوها أو لتطيعوه" فقال مسروق أو أبو الأسود: يا أبا اليقظان، فنحن مع من شهدت له بالجنة دون من لم تشهد له، فسكت عمار."خ".
٢٧٤. الحوب: الإثم."خ".
٢٧٥ بل هو حديث صحيح، أخرجه أحمد ٥٢/٦ و ٩٧ وغيره من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عن عائشة، وهذا إسناد صحيح =стр. 151
تحقيق علمي لمسألة الحوأب
عليه وآله وسلم ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام، ولا شهد أحد
الحواشي
(١) =
رجاله كلهم ثقات، وقد صححه ابن حبان ١٨٣١ والحاكم والحافظ والذهبي وابن كثير.
وبمناسبة الكلام على حديث الحوأب، لا بد لنا من التصريح بأن خروج عائشة ﵂ كان اجتهادًا منها لتحقيق غاية طلحة والزبير، والتعاون مع علي ﵁ من أجل إطفاء الفتنة والقضاء على المنافقين والمفسدين من قتلة عثمان ﵃ جميعًا. وقد جاء في كتاب التحفة الاثنى عشرية في رد المطاعن في حق أم المؤمنين وحبيبة حبيب رب العالمين عائشة الصديقة وزوج مفخرة العوالم على الحقيقة. منها أنها خرجت من المدينة إلى مكة، ومنها إلى البصرة، ومعها يزيد على ستة عشر ألف رجل من العسكر. وقد قال تعالى في الأزواج المطهرات:
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ فأمرهن بالسكون في البيوت، ونهاهن عن الخروج من بيوتهن.
والجواب: أن الأمر باستقرارهن في البيوت والنهي عن الخروج منها ليس بمطلق، ولو كان مطلقًا لما أخرجهن رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم بعد نزول الآية إلى الحج والعمرة والغزوات، ولا رخص بهن بزيارة الوالدين وعيادة المريض وتعزية أقاربهن. واللازم باطل، فكذا الملزوم. والمراد من هذا الأمر والنهي تأكيد التستر والحجاب، بأن لا يدرن ولا يتسكعن في الطرق كنساء العوام.
وما طعن به أعداء الله على أم المؤمنين ﵂ وجد في فاطمة ﵂ لما ثبت في كتبهم بطريق التواتر أن الأمير -عليًّا- قد أركب فاطمة على مطية وطاف بها في محلات المدينة ومساكن الأنصار طالبًا منهم الإعانة على ما غصب من حقها في خلافة أبي بكر ﵁، وذلك بناء على رواية الخصوم.
ولما ظهر علي ﵁ جاء إلى أم المؤمنين ﵂ فقال: "غفر الله لك"، قالت: "ولك، ما أردت إلا الإصلاح".
ثم أنزلها دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار في البصرة على سنية بنت الحارث أم طلحة الطلحات، وزارها ورحبت به وبايعته وجلس عندها.
فقال رجل: يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلين ينالان من عائشة، فأمر القعقاع بن عمرو أن يجلد كل منهما مئة جلدة وأن يجردهما من ثيابهما ففعل. "الطبري: ٢٢٣: ٥" ولما أرادت الخروج من البصرة بعث إليها بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وأرسل معها أربعين امرأة وسير معها أخاها محمدًا.
ولما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي ﵁ فوقف على الباب
=стр. 152
بشهادتهم، وقد كتبت شهاداتكم بهذا الباطل وسوف تسألون٢٧٦.
الحواشي
(١) =
وخرجت من الدار في الهودج، فودعت الناس ودعت لهم وقالت: "يا بني، لا يغتب بعضكم بعضًا، إنه والله ما كان بيني وبين علي بن أبي طالب ﵁ في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه لمن الأخيار"، فقال علي ﵁:
"صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم ﵌ في الدنيا والآخرة، وسار معها مودعا أميالًا سرح بيته معها بقية ذلك اليوم.
أما خروج عائشة ﵂ فهو اجتهاد منها لتحقيق غاية طلحة والزبير، والتعاون مع علي من أجل إطفاء الفتنة والقضاء على المنافقين من قتلة عثمان ﵃ جميعا. "التحفة صـ ٢٦٠-٢٦٨، ٢٧٥، ٢٧٦ باختصار".
فأين هذه البراءة مما زعمه بعض المفترين بأن خروج عائشة ﵂ يوم الجمل كان انتقامًا من علي ﵁ من أنه حض الرسول ﵌ على طلاقها في حادثة الإفك لما رأى من حزنه من كلام بعض الناس. وقد قال غير واحد أنها اجتهدت، ولكنها أخطأت في الاجتهاد، ولا إثم على المجتهد المخطيء، بل له أجر على اجتهاده، وكونها رضي الله تعالى عنها من أهل الاجتهاد مما لا ريب فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
إن عائشة لم تقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت كلما ذكرت تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقن ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير ﵃ أجمعين، ولم يكن لهؤلاء قصد في القتال، ولك وقع القتال بغير اختيارهم. "المنتقى صـ ٢٢٣"."م".
٢٧٦ تقدم بيان موضع الحوأب. وأن الكلام الذي نسبوه إلى النبي ﵌ وزعموا أن عائشة ذكرته عند وصولهم إلى ذلك الماء ليس له موضع في دواوين السنة المعتبرة. وقد رأينا خبره عند الطبري ١٧٠:٥ فرأيناه يرويه عن إسماعيل بن موسى الفزاري "وهو رجل قال فيه ابن عدي: أنكروا منه الغلو في التشيع"، ويرويه هذا الشيعي عن علي بن عابس الأزرق "قال عنه النسائي: ضعيف"، وهو يرويه عن أبي الخطاب الهجري "قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: مجهول" وهذا الهجري المجهول يرويه عن صفوان بن قبيصة الأحمسي "قال عنهстр. 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال": مجهول". هذا هو خبر الحوأب. وقد بني على أعرابي زعموا أنهم لقوه في طريق الصحراء ومعه جمل أعجبهم، فأرادوا أن يكون هو جمل عائشة، فاشتروه منه، وسار الرجل معهم حتى وصلوا إلى الحوأب، فسمع هذا الكلام ورواه، مع أنه هو نفسه -أي الأعرابي صاحب الجمل- مجهول الاسم، ولا نعرف عنه أن كان من الكذابين أو الصادقين.
ويظهر لي أنه ليس من الكذابين ولا من الصادقين؛ لأنه من أصله رجل موهوم لم يخلق، ولأن جمل عائشة واسمه "عسكر" جاء به يعلى بن أمية من اليمن وركبته عائشة من مكة إلى العراق، ولم تكن ماشية على رجلها حتى اشتروا لها ٠جملا من هذا الأعرابي الذي زعموا أنهم قابلوه في الصحراء، وركبوا على لسانه هذه الحكاية السخيفة ليقولوا أن طلحة والزبير -المشهود لهما بالجنة ممن لا ينطق عن الهوى- قد شهدا الزور، ولو كنا نستجيز نقل الأخبار الواهية لنقلنا في معارضة هذا الخبر خبرًا آخر نقله ياقوت في معجم البلدان "مادة حوأب" عن سيف بن عمر التميمي أن المنبوحة من كلاب الحوأب هي أم زمل سلمى بنت مالك الفزارية التي قادت المرتدين ما بين ظفر والحوأب، فسباها المسلمون، ووهبت لعائشة فأعتقتها، فقيلت فيها هذه الكلمة. وهذا الخبر ضعيف والخبر الذي أوردوه عن عائشة أوهى منه. وما برح الكذب بضاعة يتجر بها الذين لا يخافون الله. ذكرنا فيما سبق أن خبر الحوأب صحيح فليرجع إليه. "م".стр. 154
الباب الرابع
قاصمة
ودارت الحرب بين أهل الشام وأهل العراق٢٧٧: هؤلاء يدعون إلى علي بالبيعة وتأليف الكلمة على الإمام، وهؤلاء يدعون إلى التمكين من قتلة عثمان، ويقولون: لا نبابع من يؤوي القتلة٢٧٨.
وعلي يقول: "لا أمكن طالبا من مطلوب ينفذ فيه مراده بغير حكم ولا حاكم"، ومعاوية يقول: "لا نبايع متهمًا [بقتله] أو قاتلًا له، هو أحد من نطلب فكيف نحكمه أو نبايعه، وهو خليفة عداء وتسور".
الحواشي
(١) ٢٧٧ في موضع يسمى صفين بقرب الرقة على شاطيء الفرات آخر تخوم العراق وأول أرض الشام، سار إليها علي بجيوشه في أواخر ذي القعدة سنة ٣٦. "خ".
٣٧٨ لما انتهى علي من حرب الجمل وسار من البصرة إلى الكوفة، فدخلها يوم الاثنين ١٢ من رجب، أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية في دمشق يدعوه إلى طاعته. فجمع معاوية رءوس الصحابة وقادة الجيوش وأعيان أهل الشام، واستشارهم فيما يطلب عليه، فقالوا: لا نبايعه حتى يقتل قتلة عثمان، أو يسلمهم إلينا، فرجع جرير إلى علي: بذلك، فاستخلف علي على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر، وخرج منها فعسكر بالنخيلة أول طريق الشام من العراق، وقد أشار عليه ناس بأن يبقى في الكوفة، وبعث غيره إلى الشام فأبى، وبلغ معاوية أن عليًّا تجهز وخرج بنفسه لقتاله، فأشار عليه رجلاه أن يخرج هو أيضًا بنفسه، فخرج الشاميون نحو الفرات من ناحية صفين، وتقدم علي بجيوشه إلى تلك الجهة، وكان جيش علي في مائة وعشرين ألفًا وجيش معاوية في تسعين ألفًا، وبدأ القتال في ذي الحجة سنة ٣٦ بمناوشات ومبارزات، ثم تهادنوا في المحرم سنة ٣٧ واستؤنف القتال بعده، وقتل في هذه الحرب سبعون ألفًا، وكانت الوقائع ٩٠ وقعة في ١١٠ أيام، وامتازت هذه الحرب بنبل الشجاعة في القتال، ونبل التعامل والاتصال عند التهادن والراحة، ثم كتب كتاب التحكيم يوم ١٣ صفر سنة ٣٧ على أن يعلن الحكمان حكمهما في رمضان بدومة الجندل بمكان منها يسمى أذرح. "خ".стр. 155
وذكروا في تفاصيل ذلك كلمات آلت إلى استفعال رسائل٢٧٩، واستخراج أقوال، وإنشاء أشعار، وضرب أمثال تخرج عن سيرة السلف، يقرأها الخَلْف وينبذها الخَلَف٢٨٠.
الحواشي
(١) ٢٧٩ أي انتحالها زورًا ولا أصل لها، وأكثر ما تجد فيما يرويه أخباريو الشيعة عن رواة مجهولين أو كذابين. وأخفهم وطأة أبو مخنف لوط بن يحيى، قال الحافظ الذهبي: "أبو مخنف إخباري تالف، لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره". وقال فيه ابن عدي: "شيعي محترق صاحب أخبارهم" ثم جاء بعده آخرون منهم كانوا شرًّا على تاريخ الإسلام من لوط هذا ... فأفسدوا على الأمة معرفتها بماضيها."خ".
٢٨٠ الخَلْف بفتح الخاء وسكون اللام: الطالح. وفي التنزيل ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾ . والخَلَف بفتح الخاء واللام: الصالح. ومنه الحديث "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين "*."خ ".
_________
* يريد بذلك علماء الحديث محاربي المبتدعة والمعطلة."م".стр. 156
عاصمة
موقف علي من قتلة عثمان
أما وجود الحرب بينهم فمعلوم قطعًا، وأما كونه بهذا السبب فمعلوم كذلك قطعًا، وأما الصواب فيه فمع علي؛ لأن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، وتهمة الطالب للقاضي لا توجب عليه أن يخرج عليه، بل يطلب الحق عنده، فإن ظهر له قضاء وإلا سكت وصبر، فكم من حق يحكم الله فيه، وإن لم يكن له دين فحينئذ يخرج عليه، فيقوم له عذر في الدنيا٢٨١.
الحواشي
(١) ٢٨١ وجود قتلة عثمان في معسكر علي حقيقة لا يماري أحد فيه، بل أن الأشتر، وهو من رؤوس البغاة على عثمان كان أكبر مسعر للحرب بين أصحاب رسول الله ﵌ الذين في معسكر علي والذين في معسكر معاوية، ولما طالب علي معاوية ومن معه من الصحابة والتابعين أن يبايعوه احتكموا إليه في قتلة عثمان، وطلبوا منه أن يقيم حد الله عليهم، أو أن يسلمهم إليهم، فيقيموا عليهم حد الله، وقد اعتذرنا عن أمير المؤمنين علي بأن قتلة عثمان لما صاروا مع علي في العراق صاروا في معقل قوتهم وعنجهية قبائلهم، فكان علي يرى -بينه وبين نفسه- أن قتلهم يفتح عليه بابًا لا يستطيع سده بعد ذلك. وقد انتبه لهذه الحقيقة الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي، وتحدث بها مع أم المؤمنين عائشة وصاحبي رسول الله ﵌ طلحة والزبير، فأذعنوا لها وعذروا عليًّا، ووافقوا على التفاهم معه على ما يوصلهم إلى الخروج من هذه الفتنة، فما لبث قتلة عثمان أن أنشبوا الحرب بين الفريقين، فالمطالبون بإقامة حد الله على قتلة عثمان معذورون لأنهم يطالبون بحق، سواء كانوا من أصحاب الجمل، أو من أهل الشام. وتقصير علي في إقامة حد الله كان عن ضرورة قائمة ومعلومة، ولكن إذا كانت حرب البصرة ناشئة عن إنشاب قتلة عثمان الحرب بين الفريقين الأولين، فقد كان من مصلحة الإسلام أن لا تنشب حرب صفين بين الفريقين الآخرين، وكان سبط رسول الله ﵌ الحسن بن علي كارهًا خروج أبيه من المدينة إلى العراق لما يخشاه من نشوب الحرب مع أهل الشام، ولو أن عليًّا لم يتحرك من الكوفة استعدادًا لهذا القتال لما حرك معاوية فيه ساكنًا، قال شيخ الإسلام بن تيمية في منهاج السنة ٢١٩: ٢: "لم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء"، ومع ذلك فإن هذه الحرب المثالية هي الحرب
=стр. 157
حرب صفين ودعوى الفريقين وما اخترع في ذلك من أكاذيب
ولئن اتهم علي بقتل عثمان فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي ﵌ إلا وهو متهم به، أو قل معلوم قطعًا أنه قتله؛ لأن ألف رجل جاءوا لقتل عثمان لا يغلبون أربعين ألفًا٢٨٢.
وهبك أن عليًّا وطلحة والزبير تضافروا على قتل عثمان، فباقي الصحابة من المهاجرين والأنصار، ومن اعتد فيهم وضوى إليهم ماذا صنعوا بالقعود عن نصرته؟.
فلا يخلو أن يكون لأنهم رأوا أولئك طلبوا حقًّا، وفعلوا حقًّا، فهذه شهادة قائمة على عثمان فلا كلام لأهل الشام. وإن كان قعدوا عنه استهزاء بالدين، وأنهم لم يكن لهم [رأس مال] في الحال، ولا مبالاة عندهم بالإسلام ولا فيما يجري فيه من اختلال، فهي ردة ليست معصية؛ لأن التهاون بحدود الدين وإسلام حرمات الشريعة للتضييع كفر، وإن كانوا قعدوا لأنهم لم يروا أن يتعدوا حد عثمان وإشارته فأي ذنب لهم فيه؟ وأي حجة لمروان وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين وابن عمر وأعيان العشرة معه في داره يدخلون إليه ويخرجون عنه في الشكة والسلاح -[والمطالبون] ينظرون؟
الحواشي
(١) =
الإنسانية الأولى في التاريخ التي جرى فيها المتحاربان معًا على مبادئ الفضائل التي يتمنى حكماء الغرب لو يعمل بها في حروبهم، ولو في القرن الحادي والعشرين، وأن كثيرًا من قواعد فقه الحرب في الإسلام لم تكن لتعلم وتدون لولا وقوع هذه الحرب، ولله في كل أمر حكمة. "خ".
٢٨٢ ليس في أهل السنة رجل واحد يتهم عليًّا بقتل عثمان، لا في زماننا ولا في زمانه، وقد مضى الكلام على ذلك في هذا الكتاب، وكل ما في الأمر وجود قتلة عثمان مع علي، وموقف علي منهم، وعذره بينه وبين الله في موقفه هذا.
فنحن جميعًا على رأي القعقاع بن عمرو بأن موقف علي موقف ضرورة، غير أن الحمقى من أخباريي الشيعة دسوا على علي أخبارًا تشعر بغير ما كان في قلبه من المحبة والرضا والموالاة والتأييد لعثمان أثناء محنته، فأساءوا بذلك إلى علي من حيث يريدون الإساءة إلى عثمان، أما معاوية وفريقه فلم يذكروا عليًّا في أمر البغي على عثمان إلا لمناسبة انضواء قتلة عثمان إليه واستعانته بهم، فقتلة عثمان هم الذين أساءوا إلى الإسلام وإلى عثمان وإلى علي أيضًا، فالله حسيبهم، ولو أن كل المسلمين كانوا كعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في حزمه قبل أن تستفحل الفتنة ويفلت زمام من أيدي العقلاء لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه.стр. 158
ولو كان بهم قوة أو أووا إلى ركن شديد لما مكنوا أحدًا أن يراه منهم ولا يداخله، وإنما كانوا نظارة، فلو قام في وجوههم الحسن والحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله ابن الزبير ما جسروا، ولو قتلوهم ما بقي على الأرض منهم حي.
ولكن عثمان سلَّم نفسه، فتُرك ورأيه، وهي مسألة اجتهاد كما قدمنا.
وأي كلام كان يكون لعلي [لو كتبت عنده البيعة] ٢٨٤ وحضر عنده ولي عثمان وقال الخليفة "له: يا أيها" [وما] ٢٨٥ تمالأ عليه ألف نسمة حتى قتلوه، وهم معلومون، ماذا كان يقول إلا: أثبت، وخذ. وفي يوم كان يثبت، إلا أن يثبتوا هم أن عثمان كان مستحقًّا للقتل٢٨٦.
وتالله لتعلمن يا معشر المسلمين أنه ما كان يثبت على عثمان ظلم أبدًا، وكان يكون الوقت أمكن للطلب، وأرفق في الحال، وأيسر وصولًا إلى المطلوب٢٨٧.
الحواشي
(١) ٢٨٤ غير الشيخ محب هذه العبارة فكتب "لما تمت له البيعة"، ولم يشر إلى ذلك، وهو مخالف للنص في جميع النسخ "صـ ١٦٧"، وهذا أدلى إلى تغيير المعنى الذي قصد إليه المؤلف. "س".
٢٨٥ غير الشيخ محب الدين النص هنا أيضًا هكذا "وقال له: إن الخليفة قد تمالأ عليه ... "وهو مخالف لجميع النسخ المخطوطة ومؤدٍ إلى تغيير في المعنى. "س".
٢٨٦المؤلف معترف بأن الإثبات كان في متناول اليد؛ لأن الجريمة مشهودة، والمجرمون أعلنوا فيها فجورهم، فلم يتكتموا، ولكن كيف يكون التنفيذ، ومن الذي يقوم به ومدينة الرسول مسكتينة تحت وطأة الإرهاب؟ ومن ذا الذي يضمن لعلي حياته إذا أصدر هذا الحكم؟ أليس هؤلاء هم الذين تداولوا في قتله لما عقدوا مؤتمرهم في ذي قار بعد خطبة علي التي ألقاها على الغرائر قبيل مسيره إلى البصرة؟ "الطبري ١٦٥:٥" ألم يسخط الأشتر على أمير المؤمنين علي بعد وقعة الجمل؛ لأنه ولى ابن عمه عبد الله بن عباس على البصرة، ولم يولها الأشتر، ففارقه غاضبًا، ولحق به علي فتلافى ما يكون منه من الشر "الطبري ١٩٤:٥"، والخوارج على علي ألم ينبتوا من هذه النواة؟ ولما قتل علي ألم يقتل بمثل السلاح الذي قتل به عثمان؟ "خ".
٢٨٧ كان يكون الوقت أمكن الطالب لو وجدت في المدينة القوة التي كان يتمناها عثمان، ويقال إن قوة من جند الشام كانت خرجت من دمشق قاصدة المدينة، فلما جاءها خبر شهادة أمير المؤمنين عثمان رجعت من
=стр. 159
والذي يكشف الغطاء في ذلك أن معاوية لما صار إليه الأمر لم يمكنه أن قتل من قتلة عثمان أحدًا، إلا بحكم، إلا قمن قتل في حرب بتأويل، أو دس عليه فيما [قيل] ٢٨٨. حتى انتهى الأمر إلى "زمان" الحجاج، وهم يقتلون بالتهمة لا بالحقيقة، فتبين لكم أنهم ما كانوا في ملكهم أن يفعلوا ما أضحوا له يطلبون.
والذي تثلج به صدوركم أن النبي ﵌ ذكر في الفتن، وأشار وبين. وأنذر [الخوارج] ٢٩٠ وقال:" تقتلهم أدنى الطائفتين
الحواشي
(١) =
الطريق، فبقيت المدينة خاضعة لقتلة عثمان حتى بعد البيعة لعلي، وهم إن نزلوا على أحكام هذه البيعة فيما لا ضرر منه عليهم، لا ريب أنهم ينقلبون وحوشًا ضارية لو صدرت عليهم أحكام الله بإقامة الحدود فيما ارتكبوا من جرم شنيع."خ".
٢٨٨ إن سطوة الله وعدله الأعلى نزلا بأكثر قتلة عثمان فلم يبق منهم في ولاية معاوية إلا المشرد الخائف الباحث عن جحر يختبيء فيه، وبزوال سطوتهم وتقلص شرهم لم يبق بمعاوية حاجة إلى تتبعهم.
٢٩٠ اسم الخوارج جاء من جماعة خرجوا على علي بن أبي طالب وصحبه؛ لأنه قبل بالتحكيم قائلين: إن حكم الله واضح لا يحتاج إلى هذا التحكيم، وكان شعارهم: "لا حكم إلا لله"، ويسمون أيضًا بالحرورية نسبة إلى قرية في الكوفة تسمى "حروراء" خرجوا إليها، وقد حاربهم أمير المؤمنين علي ﵁ في الوقعة الشهيرة بوقعة "النهروان" وهزمهم، وقتل منهم كثيرًا، ولكنه لم يستطع إبادتهم، حتى دبروا له مكيدة قتله على يد عبد الرحمن بن ملجم عليه من الله ما يستحق.
وقد حارب الخوارج الدولة الأموية وأقلقوا راحتها في حروب متواصلة؛ بحجة أنها مغتصبة الخلافة بزعمهم، ولكنها استطاعت أن تنهك قواهم، غير أنها لم تستطع استئصالهم.
والخوارج يقولون بتكفير عثمان لما غير وبدل بزعمهم، وبتكفير علي لقبوله التحكيم وطعنوا في أصحاب الجمل، وكل ذلك من جهلهم وضلالهم.
وكان من نظريتهم أن الخلافة تكون باختيار حر من المسلمين، وقد خالفوا بذلك الشيعة القائلين بانحصار الخلافة في بيت النبي ﷺ ، كان ذلك بخلاف أهل السنة القائلين بأن الخلافة من قريش إذا وجدوا وتحققت فيهم الجدارة، وهو الحق.стр. 160
الطائفتان كانتا على حق والبغات على عثمان ليسوا من إحداهما
إلى الحق"٢٩١ فبين أن كل طائفة "منهما" تتعلق بالحق، ولكن طائفة علي أدنى إليه. ٢٩٢ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] فلم يخرجهم عن الإيمان بالبغي بالتأويل، ولا سلبهم اسم الأخوة بقوله بعده: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] .
الحواشي
(١) =
والخوارج على الرغم من ضلالهم وانحرافهم، لم يعرفوا بالكذب كالرافضة الذين ينكرون الأحاديث الصحيحة، ويضعون الأحاديث المكذوبة على لسان رسول الله ﵌، ويؤولون آيات القرآن الكريم حسب أهوائهم. "م".
٢٩١ في صحيح مسلم: "ك١٢ ح١٥٠ ج٣ صـ ١١٣" من حديث أبي سعيد الخدري: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق". "خ".
٢٩٢ أهل السنة المحمدية يدينون لله على أن عليًّا ومعاوية ومن معهما من أصحاب رسول الله ﵌ كانوا جميعًا من أهل الحق، وكانوا مخلصين في ذلك. والذي اختلفوا فيه إنما اختلفوا عن اجتهاد، كما يختلف المجتهدون في كل ما يختلفون فيه. وهم لإخلاصهم في اجتهادهم مثابون عليه في حالتي الإصابة والخطأ وثواب المصيب أضعاف ثواب المخطيء، وليس بعد رسول الله ﵌ بشر معصوم عن أن يخطيء وقد يخطيء بعضهم في أمور ويصيب في أخرى، وكذلك الآخرون، ومن مرق عن الحق في إثارة الفتنة الأولى على عثمان لا يعد من إحدى الطائفتين اللتين على الحق، وإن قاتل معها والتحق بها؛ لأن الذين تلوثت أيديهم ونياتهم وقلوبهم بالبغي الظالم على أمير المؤمنين عثمان -كائنًا من كانوا- استحقوا إقامة الحد الشرعي عليهم سواء استطاع ولي الأمر أن يقيم عليهم هذا الحد أو لم يستطع، وفي حالة عدم استطاعته فإن مواصلتهم تسعير القتال بين صالحي المسلمين كلما أحسوا منهم بالعزم على الإصلاح والتآخي -كما فعلوا في وقعة الجمل وبعدها- يعد إصرارًا منهم على الاستمرار في الإجرام ما داموا على ذلك.
فإن قلنا إن الطائفتين كانتا من أهل الحق فإنما نريد أصحاب رسول الله ﵌ الذين كانوا من الطائفتين ومن سار معهم على سنته ﵌ من التابعين، ونرى أن عليًّا المبشر بالجنة أعلى مقاما عند الله من معاوية خال المؤمنين وصاحب رسول الله رب العالمين، وكلاهما من أهل
=стр. 161
حديث ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين
وقال ﵌ في عمار: "تقتله الفئة الباغية" ٢٩٣.
وقال في الحسين: "ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، فحسن له خلعه نفسه وإصلاحه٢٩٤.
الحواشي
(١) =
الخير، وإذا اندس فيهم طوائف من أهل الشر فإن من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يَرَهُ، نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٢٧٧: ٧، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني قاضي أفريقية المتوفى سنة ١٥٦، وكان رجلًا صالحًا من الآمرين بالمعروف -وذكر أهل صفين- فقال: كانوا عربًا يعرف بعضهم بعضًا في الجاهلية، فالتقوا في الإسلام معهم على الحمية وسنة الإسلام، فتصابروا، واستحيوا من الفرار، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، وهؤلاء في عسكر هؤلاء، فيستخرجون قتلاهم فيدفنونهم، قال الشعبي: "هم أهل الجنة، لقى بعضهم بعضًا، فلم يفر أحد من أحد". "خ".
٢٩٣ قال النبي ﵌ ذلك لما كانوا يبنون المسجد، فكان الناس ينقلون لبنة لبنة، وعمار ينقل لبنتين لبنتين، فقال النبي ﵌ فيه هذه الكلمة على ما رواه أبو سعيد الخدري لعكرمة مولى ابن عباس ولعلي بن عبد الله بن عباس، وهو في كتاب الجهاد والسير من صحيح البخاري: ك ٥٦ ب ١٧ ج ٣، صـ ٢٠٧، وقد كان معاوية يعرف من نفسه أنه لم يكن منه البغي في حرب صفين؛ لأنه لم يردها، ولم يبتئدها، ولم يأتِ لها إلا بعد أن خرج علي من الكوفة، وضرب معسكره في النخيلة ليسير إلى الشام كما تقدم، ولذلك لما قتل عمار قال معاوية: إنما قتله من أخرجه. وفي اعتقادي الشخصي أن كل من قتل من المسلمين بأيدي المسلمين منذ قتل عثمان، فإنما أثمه على قتلة عثمان لأنهم فتحوا باب الفتنة، ولأنهم واصلوا تسعير نارها، ولأنهم الذين أوغروا صدور المسلمين بعضهم على بعض، فكما كانوا قتلة عثمان فإنهم كانوا القاتلين لكل من قتل بعده، ومنهم عمار، ومن هم أفضل من عمار كطلحة والزبير، إلى أن انتهت فتنتهم بقتلهم عليًّا نفسه، وقد كانوا من جنده، وفي الطائفة التي كان قائما عليها. فالحديث من أعلام النبوة. والطائفتان المتقاتلتان في صفين كانتا طائفتين من المؤمنين، وعلي أفضل من معاوية، وعلي ومعاوية من صحابة رسول الله ﵌، ومن دعائم دولة الإسلام. وكل ما وقع من الفتن قائمة على مورئي نارها؛ لأنهم السبب الأول فيها، فهم الفئة الباغية التي قتل بسببها كل مقتول في وقعتي الجمل وصفين وما تفرع عنهما. "خ".
٢٩٤ سيأتي الكلام على هذا عند الكلام على الصلح بين الحسن ومعاوية. "خ".стр. 162
وكذلك يروى أنه أذن في الرؤيا لعثمان أن يستسلم ويفطر عنده الليلة.
فهذه كلها أمور جرت على رسم النزاع، ولم تخرج عن طريق الفقه، ولا تعدت سبيل الاجتهاد الذي يؤجر فيه المصيب عشرة٢٩٦.
وما وقع من روايات في كتب التاريخ -عدا ما ذكرناه- فلا تلتفوا إلى حرف منها، فإنها كلها باطلة.
الحواشي
(١) ٢٩٦ نص الحديث:" إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد" رواه البخاري ومسلم."م".
٢٧٩ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ٢١٩:٢-٢٢٠: "لم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء، بل كان من أشد الناس حرصًا على أن لا يكون قتال، وكان غيره أحرص على القتال منه. وقتال صفين للناس فيه أقوال: فمنهم من يقول كلاهما كان مجتهدًا مصيبًا، كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام والفقه والحديث ممن يقول: كل مجتهد مصيب، ويقول: كانا مجتهدين. وهذا قول كثير من الأشعرية والكرامية والفقهاء وغيرهم، وهو قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، وتقول الكرامية: كلاهما أمام مصيب، ويجوز نصب إمامين للحاجة، ومنهم من يقول: بل المصيب أحدهما لا بعينه، وهذا قول طائفة منه، ومنهم من يقول: علي هو المصيب وحده ومعاوية مجتهد مخطئ، كما يقول ذلك طوائف من أهل الكلام والفقهاء أهل المذاهب الأربعة، وقد حكى هذه الأقوال الثلاثة أبو عبد الله حامد من أصحاب الإمام أحمد وغيره ومنهم من يقول: كان الصواب أن لا يكون قتال، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن علي كان أقرب إلى الحق من معاوية، والقتال قتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، مع أن عليًّا كان أولى بالحق، وهذا قول أحمد وأكثر أهل الحديث وأكثر أئمة الفقهاء، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو قول عمران بن حسين ﵁، وكان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال، ويقول: هو بيع السلاح في الفتنة. وهو قول أسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﵃، ولهذا كان من مذهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة؛ فإنه قد ثبتت فضائلهم ووجبت موالاتهم ومحبتهم."خ".стр. 163
الباب الخامس
قاصمة التحكيم
الصحيح فيما رواه الدارقطني وخليفة بن خياط
وقد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضي الله، وإذا لاحظتموه بعين المروءة -دون الديانة- رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل بين.
والذي يصح من ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط٧٩٨، والدارقطني٧٩٩: أنه لما خرج الطائفة العراقية في مائة ألف والشامية في سبعين أو تسعين ألفًا ونزلوا على الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم وهو الثلاثاء على الماء، فغلب أهل العراق عليه٣٠٠.
ثم التقوا يوم الأربعاء لبسع خلون من صفر سنة "سبع وثلاثين" ويوم
الحواشي
(١) ٢٩٨ هو الإمام الحافظ أبو عمرو خليفة بن خياط العصفري البصري أحد أوعية العلم، ومن شيوخ الإمام البخاري. قال عنه ابن عدي: هو صدوق مستقيم الحديث من متيقظي رواة السنة. توفي سنة٢٤٠. "خ".
٢٩٩ هو الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ٣٠٦-٣٨٥ كان مع جلالته في الحديث من أئمة فقهاء الشافعية، وله تقدم في الأدب ورواية الشعر، وجاء من بغداد إلى مصر ليساعد ابن حنزابة وزير كافور على تأليف مسنده فبالغ الوزير في إجلاله، قال الحافظ عبد الغني بن سعيد: "أحسن الناس كلامًا على حديث رسول الله ﵌ ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون القيسي في وقته، والدارقطني في وقته". "خ".
٣٠٠ لم يكن القتال على الماء جديًّا، وقد قال عمرو بن العاص يومئذ "ليس من النصف أن نكون ريانين وهم عطاش"، والذين تظاهروا في الجيش الشامي بمنع العراقيين عن الماء أرادوا أن يذكروهم بمنعهم الماء عن أمير المؤمنين عثمان في عاصمة خلافته، وهو الذي اشترى بئر رومة من ماله ليستقي منه إخوانه المسلمين، وبعد اشتراكهم في الماء تناوشوا شهر ذي الحجة من سنة ٣٦، ثم تهادنوا شهر المحرم من سنة ٣٧، ووقعت وقائع شهر صفر التي سيشير إليها المؤلف. "خ".стр. 164
العراقيون جاءوا بأبي موسى من عزلته لأنه كان ناصحا بالدعوة إلى السلم
حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعويين بالحق، فكان من جهة علي الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت٣٠١، ورفعت المصاحف من أهل الشام، ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل أبو موسى٣٠٢، ومن جهة معاوية عمرو بن العاص.
وكان أبو موسى رجلًا تقيًا ثقفًا فقيهًا عالِمًا حسبما بيناه في كتاب سراج المريدين٣٠٣، أرسله النبي ﵌ إلى اليمن مع معاذ، وقدمه عمر وأثنى عليه بالفهم٣٠٤، وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله، ضعيف الرأي، مخدوعًا في القول، وأن ابن العاص كان ذا دهاء وأرب حتى ضربت الأمثال بدهائه تأكيدًا لما أرادت من الفساد، وتبع في ذلك بعض الجهال بعضًا، وصنفوا فيه حكايات، وغيره من الصحابة كان أحذق منه وأدهى. وإنما بنوا ذلك على أن عمرًا لما غدر أبا موسى في قصة التحيكم صار له الذكر في الدهاء [والفكر] .
الحواشي
(١) ٣٠١ وكانت تسمى "ليلة الهرير" اقتتل الناس فيها حتى الصباح. "خ".
٢٠٣ وكان آخر العهد بأبي موسى عندما كان واليًّا على الكوفة، وجاء دعاة علي يحرضون الكوفيين على لبس السلاح والالتحاق بجيش علي استمدادًا لما ينتظرونه من قتال مع أصحاب الجمل في البصرة، ثم مع أنصار معاوية في الشام، فكان أبو موسى يشفق على دماء المسلمين أن تسفك بتحريض الغلاة، ويذكر أمة محمد ﵌ بقول نبيهم في الفتنة: "القاعد فيها خير من القائم"، فتركه الأشتر يحدث الناس في المسجد بالحديث النبوي، وأسرع إلى دار الإمارة فاحتلها، فلما عاد إليها أبو موسى منعه الأشتر من الدخول وقال له: اعتزل إمارتنا. فاعتزلهم أبو موسى، واختار الإقامة في قرية يقال لها "عرض" بعيدًا عن الفتن وسفك الدماء. فلما شبع الناس من سفك الدماء واقتنعوا بأن أبا موسى كان ناصحًا للمسلمين في نهيهم عن القتال طلبوا من علي أن يكون هو ممثل العراق في أمر التحكيم؛ لأن الحالة التي كان يدعو إليها هي التي فيها الصلاح، فأرسلوا إلى أبي موسى وجاءوا به من عزلته. "خ".
٣٠٣ من مؤلفات أبي بكر بن العربي وهو في الزهد والتصوف السني، وتوجد منه نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٢٠٣٤٨ ب. "س".
٣٠٤ واختصه بكتابه الشهير في القضاء وآدابه وقواعده. "خ".стр. 165
معاوية لم يكن يومئذ خليفة حتى يخلعه عمرو أو يثبته
وقالوا: إنهما لما اجتمعا بأذرح من دومة الجندل٣٠٥، وتفاوضا اتفقا على أن يخلعا الرجلين٣٠٦، فقال عمرو لأبي موسى: "اسبق بالقول". فتقدم فقال: "إني نظرت فخلعت عليًّا عن الأمر، ولينظر المسلمون لأنفسهم، كما خلعت سيفي هذا من عاتقي" وأخرجه من عنقه فوضعه في الأرض، وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: "إني نظرت فأثبت معاوية في
الحواشي
(١) ٣٠٥ أذرح: قرية من أعمال الشراة تقع في منطقة بين أراضي شرقي الأردن والمملكة العربية السعودية في الأطراف الجنوبية من بادية الشام. "خ".
٣٠٦ من الحقائق ما إذا أسيء التعبير عنه وشابته شوائب المغالطة يوهم غير الحققة، فينشأ عن ذلك الاختلاف في الحكم عليه، ومن ذلك حادثة التحكيم، وقول المغالطين أن أبا موس وعمرًا اتفقا على خلع الرجلين، فلخلعهما أبو موسى، واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية. وأصل المغالطة من تجاهل المغالطين أن معاوية لم يكن يومئذ خليفة. ولا هو ادعى الخلافة حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه، بل إن أبا موسى وعمرًا اتفقا على أن يعهدا بأمر الخلافة على المسلمين إلى الموجودين على قيد الحياة من أعيان الصحابة الذين توفي رسول الله ﵌ وهو عنهم راضٍ، واتفاق الحكمين على ذلك لا يتناول معاوية؛ لأنه لم يكن خليفة، ولم يقاتل على الخلافة، وإنما كان يطالب بإقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان، فلما وقع التحكيم على إمامة المسلمين، واتفق الحكمان على ترك النظر فيها إلى كبار الصحابة وأعيانهم تناول التحيكم شيئًا واحدًا هو الإمامة، أما التصرف العملي في إدارة البلاد التي تحت حكمه، ومعاوية متصرف في البلاد التي تحت حكمه، فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر، ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة، وكان يكون محل للمكر أو الغفلة لو أن عمرًا أعلن في نتيجة التحكيم أنه ولى معاوية إمارة المؤمنين وخلافة المسلمين، وهذا ما لم يعلنه عمرو، ولا ادعاه معاوية، ولم يقل به أحد في الثلاثة عشر قرنًا الماضية. وخلافة معاوية لم تبدأ إلا بعد الصلح مع الحسن بن علي، وقد تمت بمبايعة الحسن لمعاوية، ومن ذلك اليوم فقط سمي معاوية أمير المؤمنين، فعمرو لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه، إنه لم يعطِ معاوية شيئًا جديًّا، ولم يقرر في التحيكم غير الذي قرره أبو موسى، ولم يخرج عما اتفقا عليه معًا، فبقيت العراق والحجاز وما يتبعهما تحت يد من كانت تحت يده من قبل، وبقيت الشام وما يتبعها تحت يد من كانت تحت يده من قبل، وتعلقت الإمامة بما سيكون من اتفاق أعيان الصحابة عليها، وأي ذنب لعمرو في أي شيء مما وقع؟ إن البلاهة لم تكن من أبي موسى، ولكن ممن يريد أن يفهم الوقائع على غير ما وقعت عليه، فليفهمها كل من شاء كما يشاء. أما هي، فظاهرة واضحة لكل من يراها كما هي. "خ".стр. 166
الأمر٣٠٧، ٣٠٨ كما أثبت سيفي هذا في عاتقي، وتقلده، فأنكره أبو موسى، فقال عمرو: كذلك اتفقنا، وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف.
الحواشي
(١) ٣٠٧ أي أمر؟ إن كان الاستمرار في إدارة البلاد التي تحت يده، فإن هذا لأمر ماضٍ على معاوية وعلي معًا، فكل منهما باقٍ في الحكم على ما تحت يده، وإن كان المراد بالأمر الإمامة العامة وإمارة المؤمنين فإن معاوية لم يكن إمامًا -أي خليفة- حتى يثبته عمرو كما كان. وقد أوضحنا هذه الحقيقة في الفقرة السابقة، وهذه هي نقطة المغالطة التي هزأ بها مؤرخو الإفك المفترى، فسخروا بجميع قرائهم وأوهموهم بأن هناك خليفتين أو أميرين للمؤمنين، وأن الاتفاق بين الحكمين كان على خلعهما معًا، وأن أبا موسى خلع الخليفتين تنفيذًا للاتفاق، وأن عمرًا خلع أحدهما وأبقى الآخر خليفة خلافًا للاتفاق.
وهذا كله كذب وإفك وبهتان، والذي فعله عمرو هو نفس الذي فعله أبو موسى لا يفترق عنه قط في نقير ولا قطمير، وبقي أمر الإمامة والخلافة أو إمارة المؤمنين معلق على نظر أعيان الصحابة ليروا فيه رأيهم متى شاءوا وكيف شاءوا.
وإذا كانت هذه الخطوة الثانية لم تتم، فما في ذلك تقصير من أبي موسى ولا من عمرو، فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى إليه اجتهادهما واقتناعهما؟
ولو لم تكلفهما الطائفتان معًا بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها، ولا أبديا رأيًا فيها.
ولو كان موقف أبي موسى في هذا الحادث التاريخي العظيم موقف بلاهة وفشل لكان ذلك سبة عليه في التاريخ، وأن الأجيال التي بعده فهمت موقفه على أنه من مفاخره التي كتب الله له بها النجاح والسداد، حتى قال ذو الرمة الشاعر يخاطب حفيده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى:
أبوك تلافى الدين والناس بعدما ... تشاءوا وبيت الدين منقطع الكسر
فشد أصار الدين أيام أذرح ... ورد حروبًا قد لقحن إلى عقر
"خ".
٣٠٨ قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى بعدما روى هذه القصة: "فإنه حديث منكر ورفعه موضوع والله أعلم، إذ لو كان هذا معلومًا عند علي لم يوافق على تحكيم الحكمين، حتى لا يكون سببًا لإضلال الناس كما نطق به هذا الحديث، وآفة هذا الحديث هو زكريا بن يحيى، وهو الكندي الحميري الأعمى. قال ابن معين: ليس بشيء البداية ٣٨٥/٧."م".стр. 167
عاصمة:
قال القاضي أبو بكر ﵁: هذا كله كذب صراح، ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء [اخترعته] المبتعدة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثته أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع٣٠٩.
وإنما الذي روى الأئمة الثقات الأثبات أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر-
الحواشي
(١) ٣٠٩ إن التاريخ الإسلامي لم يبدأ تدوينه إلا بعد زوال بني أمية وقيام دول لا يسر رجالها التحدث بمفاخر ذلك الماضي ومحاسن أهله، فتولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف: طائفة كانت تنشد العيش والجدة من التقرب إلى مبغضي بني أمية بما تكتبه وتؤلفه، وطائفة ظنت أن التدين لا يتم، ولا يكون التقرب إلى الله، ألا بتشويه سمعة أبي بكر وعمر وعثمان وبني عبد شمس جميعًا، وطائفة ثالثة من أهل الإنصاف والدين -كالطبري وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير- رأت أن من الإنصاف أن تجمع أخبار الإخباريين من كل المذاهب والمشارب -كلوط بن يحيى الشيعي المحترق، سيف بن عمر العراقي المعتدل- ولعل بعضهم اضطر إلى ذلك إرضاء لجهات كان يشعر بقوتها ومكانتها، وقد أثبت أكثر هؤلاء الأسماء رواة الأخبار التي أوردها؛ ليكون الباحث على بصيرة من كل بخبر بالبحث عن حال راويه، وقد وصلت إلينا هذه التركة لا على أنها هي تاريخنا، بل على أنها مادة غزيرة للدرس والبحث يستخرج منها تاريخنا، وهذا ممكن وميسور إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المراجع، وله من الألمعية ما يستخلص به حقيقة ما وقع ويجردها عن الذي لم يقع، متكفيًا بأصول الأخبار الصحيحة عن الزيادات الطارئة عليها، وأن الرجوع إلى كتب السنة، وملاحظات أئمة الأمة، مما يسهل هذه المهمة، وقد آن لنا أن نقوم بهذا الواجب الذي أبطأنا فيه كل الإبطاء، وأول من استيقظ في عصرنا للدسائس المدسوسة على تاريخ بني أمية العلامة الهندي الكبير الشيخ شبلي النعماني في انتقاده لكتب جرجي زيدان، ثم أخذ أهل الألمعية من المنصفين في دراسة الحقائق؛ فبدأت تظهر لهم وللناس منيرة مشرقة، ولا يبعد -إذا استمر هذا الجهاد في سبيل الحق- أن يتغير فهم المسلمين لتاريخهم، ويدركوا أسرار ما وقع في ماضيهم من معجزات."خ".стр. 168
رواية الدارقطني خبر التحكيم فضحت الأكاذيب المفتراة
في عصبة كريمة من الناس منهم ابن عمر ونحوه عزل [عمرو] معاوية٣١٠ ذكر الدارقطني بسنده إلى حصين بن المنذر٣١١: لما عزل عمرو معاوية جاء "جاء حصين بن المنذر" فضرب فسطاطه قريبًا من فسطاط معاوية، فبلغ [ثناه] ٣١٢ معاوية، فأرسل "إلي" فقال: إنه بلغني عن هذا "أي عن عمرو" كذا وكذا٣١٣، فاذهب فانظر ما هذا الذي بلغني عنه، فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت وأبو موسى كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ما كان الأمر على ما قالوا٣١٤، ولكن قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى أنه في النفر الذي توفي رسول الله ﵌ وهو عنهم راضٍ، قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغنِ عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما. قال: فكانت هي التي قتل معاوية منها نفسه. فأتيته فأخبرته "أي فأتى حصين معاوية فأخبره" أن الذي بلغني عنه كما بلغه. فأرسل إلى ابن الأعور الذكواني٣١٥ فبعثه في خيله، فخرج يركض فرسه ويقول: أين عدو الله، أي هذا الفاسق؟
قال أبو يوسف٣١٦: أظنه قال: "إنما يريد حوباء نفسه" فخرج
الحواشي
(١) ٣١٠ أي بتقريره مع أبي موسى أن أمامة المسلمين يترك النظر فيها إلى أعيان الصحابة. "خ".
٣١١ قال الدارقطني: حدثنا إبراهيم بن همام، حدثنا أبو يوسف الفلوسي وهو يعقوب بن عبد الرحمن بن جرير، حدثنا الأسود بن شيبان، عن عبد الله بن مضارب، عن حصين بن المنذر "وحصين من خواص علي الذين حاربوا معه". "خ".
٣١٢ أي عزله عليًّا ومعاوية وتفويضه الأمر إلى كبار الصحابة. "خ".
٣١٣ أي أنهما لم يعزلا، ولم يوليا، ولكن تركا الأمر لأعيان الصحابة. "خ".
٣١٤ وكتبها الشيخ محب: "نباه"، "س".
٣١٥ هو أبو الأعور السلمي، "وذكوان قبيلة من سليم" واسمه عمرو بن سفيان، كان من كبار قواد معاوية، وفي حرب صفين طلب الأشتر أن يبارزه، فرفع عن ذلك؛ لأنه لم ير الأشتر من أنداده.
٣١٦ أي الفلوسي راوي هذا الخبر عن الأسود بن شيبان عن عبد الله بن مضارب عن حصين.стр. 169
"عمرو" إلى فرس تحت فسطاطه فجال في ظهره عريانًا، فخرج يركضه نحو فسطاط معاوية وهو يقول: "إن الضجور قد تحتلب العلبة، يا معاوية إن الضجور قد تحتلب العلبة"، فقال معاوية: " [أحسبه] ، وتزيد الحالب فتدق أنفه، وتكفأ إناءه"٣١٩.
قال الدارقطني، وذكر سندًا عدلًا٣٢٠ [وساق الحديث] : ربعي عن أبي موسى أن عمرو بن العاص قال: "والله لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال، وهو يحل لهما منه شيء لقد غبنا ونقصنا رأيهما. وايم الله ما كانا مغبونين ولا ناقصي الرأي، ولئن كانا أمرأين يحرم عليهما هذا المال الذي أصبناه بعدهما لقد هلكنا، وايم الله ما جاء الوهم إلا من قبلنا"٣٢١.
الحواشي
(١) ٣١٧ الضجور: الناقة التي ترغو وتعربد عند الحلب. و"قد تحلب الضجور العلبة" مَثَل، ومعناه: أن الناقة التي ترغو قد تحلب ما يملأ العلبة، يضربونه للسيء الخلق قد يصاب منه الرفق واللين، وللبخيل قد يستخرج منه المال.
٣١٨ في نسخة الشيخ محب "أجل". "س".
٣١٩ ثم قال: ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ودعلج بن أحمد قالا: حدثنا محمد بن أحمد بن النضر، ثنا معاوية بن عمر، ثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن...."س".
٣٢٠ أورد المؤلف هذا الخبر للدلالة على ورع عمرو* ومحاسبته لنفسه وتذكيره بسيرة السلف.
٣٢١ وأسقطها الشيخ محب من النص وجعلها في الهامش."س".
_________
* قال النبي ﵌ في الثناء على عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه:" أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص" وهو حديث حسن كما جاء في الأحاديث الصحيحة: ٦٤/٢.
قال شيخنا محدث الديار الشامية في المصدر السابق: وفي هذا الحديث منقبة عظيمة لعمرو بن العاص ﵁، أن شهد له النبي ﵌:" لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة" متفق عليه. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ .
وعلى هذا لا يجوز الطعن في عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه كما يفعل بعض الكتاب المعاصرين، وغيرهم من المخالفين؛ بسبب ما وقع من الخلاف بل القتال مع علي ﵁؛ لأن ذلك لا ينافي الإيمان، فإنه لا يستلزم العصمة كما لا يخفى، لاسيما إذا قيل: إن ذلك وقع منه بنوع من الاجتهاد وليس اتباعًا للهوى."م".стр. 170
نصيحة المؤلف للناس بالأدب مع الصحابة
فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه، فأعرضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين، وعرجوا عن سبيل الناكثين، غلى سنن الهتدين. وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين، إياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله ﵌، فقد هلك من كان أصحاب النبي ﵌ خصمه، دعوا ما مضى، فقد قضى الله فيه ما قضى، وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقادًا وعملًا، ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعنيكم مع كل [ماجن] اتخذ الدين هملًا، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. ورحم الله الربيع بن خثيم٣٢٢ فإنه لما قيل له: قتل الحسين قال: أقتلوه؟ قالوا: نعم. فقال: ﴿اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦] ولم يزد على هذا أبدًا، فهذا العقل والدين، والكف عن أحوال المسلمين، والتسليم لرب العالمين.
الحواشي
(١) ٣٢٢ هو من تلاميذ عبد الله بن مسعود وأبي أيوب الأنصاري وعمرو بن ميمون، وأخذ عنه الإمام الشعبي وإبراهيم النخعي وأبو بردة، قال له ابن مسعود: "لو رآك النبي ﵌ لأحبك، توفي سنة ٦٤. "خ".
تكلمة: ب، ج، ز ومطبوعة الشيخ محب: "خيثم" وهو خطأ والتصحيح من طبقات ابن خياط - صفحة ١٤١. "س".стр. 171
الباب السادس
قاصمة
احتجاج الشيعة بحديث خم ودعاء وال من والاه
قال قيل: إنما يكون ذلك في المعاني التي تشكل، وأما هذه الأمور كلها فلا إشكال فيها؛ لأن النبي ﵌ نص على استخلاف علي بعده فقال: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي"٣٢٣، وقال: " اللهم٣٢٤ والِ من والاه، وعادِ من عاداه،
الحواشي
(١) ٣٢٣ في كتاب المغازي من صحيح البخاري: ك ٦٤ ب ٧٨ ج ٥، صـ ١٢٩، وفي فضائل الصحابة من صحيح مسلم: ك ٤٤ ح ٣١ ج ٧، صـ ١٢٠ من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﵌ خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي". وانظر المناقشة في هذا الحديث بين السيد عبد الله بن الحسين السويدي سنة ١١٥٦ وبين الملا باشي علي أكبر، شيخ علماء الشيعة ومجتهديهم في زمن نادر شاه في كتاب مؤتمر النجف** صـ ٢٥-٢٧ طبع السلفية. "خ".
٣٢٤ أخرجه النسائي في "خصائص علي" وأحمد والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وله طرق أخرى كلها صحيحة، ولكن ليس في طريق من طرقها جميعها: "اللهم انصر من نصره واخذل من خذله". " م".
_________
** رجعت إلى كتاب مؤتمر النجف الذي أشار إليه محب الدين الخطيب، فإذا به يذكر على لسان السويدي أن ابن الجوزي قال: إن هذا الحديث موضوع، مع أنه رواه البخاري ومسلم.
وليس في هذا الحديث نص على استخلاف علي بعد الرسول ﵌، قال الشيخ السويدي:
لو دل هذا على الاستخلاف، لاقتضى أن ابن أم مكتوم خليفة بعد النبي ﵌؛ لأنه استخلفه على المدينة، واستخلف أيضًا غيره، فلم خص علي ﵁ بالخلافة دون غيره، مع اشتراك الكل في الاستخلاف؟
وأيضًا لو كان هذا من باب الفضائل، لما وجد علي على نفسه وقال: " أتجعلني مع النساء والأطفال والضعفة؟ فقال النبي ﵌ تطييبًا لنفسه: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ ".стр. 172
افتراء الشيعة على أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وأهل الشام
وانصر من نصره، واخذل من خذله٣٢٥ " فلم يبق بعد هذا خلاف لمعاند.
فتعدى عليه أبو بكر، واقتعد في غير موضعه.
ثم خلفه في التعدي عمر.
ثم رجا أن يوفق عمر للرجوع إلى الحق، فأبهم الحال وجعلها شورى نصرًا للخلاف، للذي سمع من النبي ﵌.
ثم تحيل ابن عوف حتى ردها عنه إلى عثمان.
ثم قتل عثمان لتسوره على الخلافة وعلى أحكام الشريعة٣٢٦، وصار الأمر إلى علي بالحق الإلهي النبوي، فنازعه من عاقده، وخالف عليه من بايعه، ونقض عهده من شده.
وانتدب أهل الشام [مع معاوية] إلى الفسوق في الدين، بل الكفر٣٢٧.
الحواشي
(١) وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معرض كلامه على الحديث السابق:
" ... وقد شبه النبي ﵌ أبا بكر بإبراهيم وعيسى، وشبه عمر بنوح وإبراهيم عليهم جميعًا الصلاة والسلام؛ لما أشارا في الأسرى، وهذا أعظم من تشبيه علي بهارون، ولم يوجب ذلك أن يكونا بمنزلة أولئك الرسل. وتشبيه الشيء بالشيء لمشابهته في بعض الوجوه كثير في الكتاب والسنة، وكلام العرب". "مجموع الفتاوى ٤١٩/٤ باختصار". "م".
٣٢٥ في مسند أحمد ١٥٢، ١١٩، ١١٨، ٨٨، ٨٤: ١ الطبعة الأولى رقم ١٣١٠، ١٣١، ٩٦١، ٩٥٠، ٦٧٠، ٦٤١ وفي ٣٧٢، ٣٧٠، ٣٦٨، ٢٨١: ٤ الطبعة الأولى و ٤١٩، ٣٧٠، ٣٦٦، ٣٤٧: ٥ الطبعة الأولى.
وانظر تفسير الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب لهذا الحديث، وسيأتي كلام المؤلف على الحديثين في صـ ٢٦٣. "خ".
٣٢٦ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا. وقد جاء في هذا الكتاب مايثبت كذبهم. "م".
٣٢٧ كل هذه الفقرات من هذيان مرتكبي "القاصمة" وشيعتهم، وقد أجاب المؤلف في العاصمة التالية مدحضًا سخافاتهم، ولكن اتسع عليه ميدان القول ففاته الكلام على موقف أهل الشام من هذه الفتن التي وقعت في الإسلام، وقد رأيت في صـ ٩٢ قول ابن الكوا أحد زعماء الفتنة وهو يصف =стр. 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = أشباهه في الأمصار الكبرى: "وأما أهل الأحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاهم لمغويهم، وإذا كان كان أهل الأحداث في الشام هكذا على ما شهد به زعيم من زعماء الفتنة، , فإن أهل العافية والإيمان منهم قد شهد لهم أمير المؤمنين علي: فيما نقله ابن كثير في البداية والنهاية: ٢٠: ٨ عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني أحد الأئمة الأعلام الحافظ، عن شيخه معمر بن راشد البصري وهو أيضًا من الأعلام، عن الزهري مدون السنة وشيخ الأئمة أن عبد الله بن صفوان الجمحي قال: قال رجل من صفين: "اللهم العن أهل الشام" فقال له علي: "تسب أهل الشام، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال"*، وروي هذا الحديث من وجه آخر مرفوعا@ إلى النبي ﵌، وروى أبو إدريس الخولاني وهو من أعلام حملة السنة والشريعة، ومن شيوخ الحسن البصري، وابن سيرين، ومكحول، وأضرابهم أن أبا الدرداء قال: قال رسول الله ﵌: "بينما أنا نائم رأيت الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام، وأن الإيمان -حين تقع الفتنة- بالشام". ** وروى هذا الحديث من الصحابة غير أبي الدرداء أبو أمامة وعبد الله بن عمرو بن العاص، وللمقارنة بين أهل الشام والذين كانوا يحاربونهم ننقل عن ابن كثير ٣٢٥: ٧ خبر الأعمش، عن عمرو بن مرة بن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأرقم قال: خطبنا علي يوم جمعة فقال: "نبئت أن بشرًا قد طلع اليمن، وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم وطاعتهم إمامهم، وبيخانتكم وأمامنتهم، وإفسادكم في أرضكم وإصلاحهم، وقد بعثت فلانًا فخان وغدر، وبعثت فلانًا فخان وغدر، وبعث المال إلى معاوية، لو ائتمنت أحدكم على قدح لأخذ علاقته، اللهم سئمتهم وسئموني، وكرهتهم وكرهوني، الله فأرحهم مني وارحني منهم"، بهذا وصف علي جيشه وطائفته، وبعكسه في الفضائل وصف أهل الشام الذين اضطروا إلى أن يقفوا من طائفته موقف المحارب، وليس بعد وصف علي لأهل الشام بالطاعة والأمانة والإصلاح، إلا الضرب بهذه القنبلة وجوه واصفيهم بالكفر والفسوق في الدين. "خ".
_________
* حديث الأبدال لعلي ضعيف لانقطاعه، فإن شريح بن عبيد الحمصي لم يدرك عليًّا.
وبمناسبة الكلام على الأبدال نسوق رأي شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى نظرًا لخطورة الموضوع:
" ... أما الأسماء الدائرة على ألسنة الكثيرين من النساك والعامة مثل "الغوث" الذي بمكة، و"الأوتاد الأربعة"، و"الأقطاع السبعة"،стр. 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = و"الأبدال الأربعين"، و"النجباء الثلاثمائة" فهذه أسماء ليست موجودة في كتاب الله تعالى، ولا هي أيضًا مأثورة عن النبي ﵌ بإسناد صحيح، ولا ضعيف، يحمل عليه ألفاظ الأبدال ...
أما الغوث والغياث، فلا يستحقه إلا الله، فهو غياث المستغيثين، فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره، لا يملك مقرب، ولا نبي مرسل "أي بعد موته أو في حياته مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى"، ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر عنهم ... إلى الغوث فهو كاذب ضالٌّ مشرك، قد كان المشركون كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاه﴾ .
فكيف يكون المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعده بوسائط من الحجاب، وهو القائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ .
وليس من أولياء الله المتقين، ولا عباد الله المخلصين الصالحين، ولا أنبيائه المرسلين: "من كان غائب الجسد دائمًا عن أبصار الناس، بل هذا من جنس قول القائلين أن عليًّا في السحاب، وأن محمد بن الحنفية في جبال رضوى، وأن محمد بن الحسن بسرداب سامري، وأن الحاكم بجبل مصر، وأن الأبدال الأربعين بجبل لبنان، فكل هذا ونحوه من قول أهل الإفك والبهتان ... "الفتاوى: ٤٣٣/١١-٤٤٣" باختصار".
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
روى في الأبدال حديث أنهم أربعون رجلًا، وأنهم بالشام، وهو في المسند من حديث علي ﵁، وهو حديث منقطع ليس بثابت، ومعلوم أن عليًّا ومن معه من الصحابة، كانوا أفضل من معاوية ومعه بالشام، فلا يكون أفضل الناس في عسكر معاوية دون عسكر علي "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" طبعة المكتب الإسلامي لصاحبه الأستاذ زهير الشاويش.
قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على المسند: إسناده ضعييف لانقطاعه. شريح بن عبيد الحضرمي الحمصي لم يدرك عليًّا، بل، لم يدرك إلا بعض متأخري الوفاة من الصحابة.
وما أحسن ما قاله الإمام ابن تيمية أيضًا:
وأما أهل العلم فكانوا يقولون عن "أهل الحديث" هم "الأبدال" أبدال الأنبياء، وقائمون مقامهم حقيقة، ليس من المعدمين الذين لا يعرف لهم حقيقة، كل منهم يقوم مقام الأنبياء في القدر الذي ناب عنهم فيه: هذا في العلم والمقال، وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعًا، وكانوا =стр. 175
الصحابة كلهم كفرة عند الشيعة
وهذه حقيقة مذهبهم٣٢٨، أن الكل [منهم] ٣٢٩ كفرة٣٣٠، ٣٣١ لأن من
الحواشي
(١) = يقولون: هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، الظاهرون على الحق؛ لأن الهدى ودين الحق الذي بعث به رسله معهم، وهو الذي وعد الله بظهوره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا.
إن الذين يعيبون أهل الحديث ويعدلون عن مذهبهم جهلة زنادقة مناقون بلا ريب، ولهذا لما بلغ الإمام أحمد عن "أبي قتيلة" أنه ذكر عنده أهل الحديث بمكة، فقال: قوم سوء، فقام الإمام أحمد، وهو ينفض ثوبه، ويقول: زنديق، زنديق، زنديق، ودخل بيته، "الفتاوى ٩٦/٤-٩٧".
٣٢٨ أي حقيقة مذهب الرافضة وأعداء الصحابة. "خ".
٣٢٩ وفي طبعة الشيخ الخطيب "عندهم". "س".
٣٣٠ يستثنون منهم -بعد علي: وبعض آله- سلمان الفارسي وأبا ذكر والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وأبا الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف، وعبادة بن الصامت وأبا أيوب الأنصاري وخزيمة بن ثابت وأبا سعيد الخدري، وبعض الشيعة يرى أن الطيبين من أصحاب رسول الله ﵌ أقل عددًا من هؤلاء. "خ".
٣٣١ ومما يحتج به الرافضة على ارتداد الصحابة بعد وفاة الرسول ﵌ حديث ابن عباس عن النبي ﵌: "أن أناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال"، أي إلى جهنم.
_________
* يريد حديث رواه شريح بن عبيد قال: "ذكر أهل الشام عند علي ﵁ وقيل: العنهم يا أمير المؤمنين قال: "لا، إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: "الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلًا، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا، يسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب"، وهو حديث ضعيف؛ لانقطاعه، فإن شريح هذا لم يدرك عليًّا.
** رأيت في المشكاة نحوه بلفظ قال رسول الله ﵌: "رأيت عمودًا من نور، خرج من تحت رأسي حتى استقر بالشام"، رواه البيهقي في دلائل النبوة وسنده صحيح كما قال محقق المشكاة.
وروى أبو داود بإسناد صحيح، قال رسول الله ﵌: "ستفتح الشام، فإذا خيرتم المنازل فيها، فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، فإنها معقل المسلمين من الملاحم وفسطاطها، منها أرض يقال لها: الغوطة" وسنده صحيح كما قال محقق المشكاة. "م".стр. 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =
فأقول: أصيحابي، أصيحابي" على صيغة القلة والتصغير، لقلة عددهم.
"فيقول": أي الله سبحانه: " إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم".
فأقول كما قال العبد الصالح- أي عيسى ﵇ معتذرا: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ - إلى قوله- ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ متفق عليه.
وتمام الآية: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
قال في أشعة اللمعات في الرد على الرافضة:
قالوا: ليس المراد بهذا خواص الأصحاب، لأنا نعلم- يقينا- أنه لم يرتد أحد منهم بعد النبي ﵌ إلا قوم من جفاة العرب من اصحاب مسليمة الكذاب والأسود العنسي أو بعض مؤلفة القلوب الذين لم تكن لهم بصيرة بالدين، ولا قوة في افيمان..
ولما كانكل من رأى النبي صلى الله عليه وىله وسلم لحظة* يطلق عليه لفظ صاحب، كان هذا الحديث بحث من لم يرسخ افسلام في نفسه، وهو بحق هؤلاء الأصحاب!
مما سبق ندرك مبلغ افتراء الرافضة بالاحتجاج بهذا الحديث على ردة أكابر الصحابة الذين وردت في الثناء عليهم الآيات والأحاديث الكثيرة التي رأينا بعضها في أول هذا الكتاب وقد حضنا رسول الله ﵌ على التمسك بسنته وسنتهم في قوله: في الحديث الصحيح: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
عن ابن مسعود ﵁ قال: من كان مستنا، فليستن بمن قد مات. أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وىله وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة، وأقلها تكلفا، اختارهم الله لصحة نبيه، ولإقامة دينهن فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما اسطتعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
ويقصد الرافضة من وراء الدعوة إلى ارتداد كبار الصحابة نسف الشريعة التي نقولها إلينا، وزرع الشك في نفوسنا في نقلهم ماداموا قد ارتدوا، لذلك فهم يزعمون أن لهم قرآنا غير قرآننا، راجع كتاب الكافي للكليني طبعة إيران سنة ١٣٧٨ ص٤ ٥، ٥٧ وكتب الكافي هذا هو كتاب موثوق لديهم
=
_________
* ومات على الإسلام. س.стр. 177
تكفيرهم كل عاص بكبيرة
مذهبهم التكفير بالذنوب٣٣٣. وكذلك تقوم هذه الطائفة التي تسمى
الحواشي
(١) = يشبه كتاب البخاري عندنا، وراجع كذلك كتاب: فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب وهو محشو بالأكاذيب والأباطيل.
ومن أغراض الرافضة التي يقصدونها من وراء ادعاء ارتداد الصحابة العمل على فقدان الثقة في الأجيال الإسلامية بسلفيهم وحرمانهم الاقتداء بالجيل المثالي الأول الذي ترى في مدرسة محمد ﵌، فيصبحون هملا لا تاريخ عظيم لهم ولا قدورة صالحة يقتدو بها..
وقد حقق الرافضة مآربهم، فدسوا في تاريخنا الإسلامي ما يريدونه من تشويه تاريخ الصحابة وتضليل الناشئة مئات السنين ... مما رأينا في هذا الكتاب نماذج من أكذيبهم وأضاليلهم، وكيف رد عليها القاضي ابن العربي، ومحب الدين الخطيب.
ومما يؤسف له أن جميع هذه الردود، ومثلها الكتاب العظيم: منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية بقيت حبرا على ورق ولم تدخل دارسنا ولم توضع بين أيد يالمؤلفين والأساتذة والطلبة الذين مازالوا في فتنة عمياء وفي ضلال مبين. وقد حدثت كثير من هؤلاء المؤلفين والأساتذة عن كذب كثير مما يدرسونه فكانوا يعتذرون بانهم إنما استقوا معلوماتهم من تاريخ الطبري.
وقد جهلوا أن في هذا المصدر قد اختلط الصواب والخطأ والصحيح والمكذوب مما لا يستطيع التمييز بينهما إلا المؤرخ العارف بتاريخ الرجال ومعرفة الثقة من الكاذب من الرواة. وكل ذلك تكفلت ببيانه كتب الرجال أمثال ميزان الاعتدال ولسان الميزان وتهذي التهذيب وغيرها.
ومن مكائد الرافضة التي تخفى على الكثيرين أنهم يلجؤون إلى الكتب التي تفضح مؤامراتهم، فيجمعونها من الأسواق ويحضرون أتباعهم على حرقها، فقد ذكر لي ثقة أن أحد الدجالين من المتطببين يصف لمرضاه وجوب إحراق منهاج السنة أو العواصم من القواصم والتبخر على نارها طلبا للشفاء، فيسارع المريض المغفل بشراء كتاب من هذين الكتابين، ولو بأغلى الأسعار، وحرقه كما وصف له المتطببون من الرافضة.
كل هذا يدعونا إلى المسارعة لتصحيح تاريخنا وتنظيفه من التحريف والتضليل، وهذا ما قصدناه من نشر هذا الكتاب بعد مراجعته، وعرضناه في الأسواق بسعر رخيص ليسهل على الجميع اقتناؤه. خ.
٣٣٢ ومن مذهبهم أن عليا واحد عشر من آله معصومون عن الخطأ،
_________
* قال شرح حجازي - كان الله له-: هذا أيضاما دعانا إلى الجروع إلى المخطوطات الصلية لهذا الكتاب- النافع- لننشره على الناس خليا من التحريف والتصحيف، أداء للأمانة، وتحملا للمسئولية ... مسئولية نشر العلم والذب عن الدين أمام تحريف الغالبين وانتحال المبطلين.стр. 178
طعن الشيعة في الصحابة
بالإمامية: إن كل عاص بكبيرة كافر٣٣٣، على رسم القدرية ٣٣٤، ولا أعصى من الخلفاء المذكورين٣٣٥ ومن ساعدهم على أمرهم، وأصحاب محمد ﵌ أحرص الناس على دنيا٣٣٦، وأقلهم
الحواشي
(١) = وأنهم مصدر تشريع. ويقبلون التشريع الذي ينسبه إليهم رواة يشترط فيهم التشيع والموالاة، وأن عرفهم الناس بما ينافي الصدق أو يناقض ما هو معلوم من الدين بالضرورة. خ
٣٣ ومدلول الكبيرة عندهم عبر مدلولها عند المسلمين. خ.
٣٣٤ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ٢٤: كان قدماء الشيعة متفقين على إثبات القدر والصفات. وإنما شاع فيهم رد القدر من حين اتصلوا بالمعتزلة في دولة بني بويه. خ.
٣٣٥ وهم أبو بكر وعمر ومثان. خ.
٣٣٦ قال الإمام ابن تيمية ﵀ تعلى ردا على قول ابن المطهر الرافضي: فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق، وبايعه أكثر الناس طلبا للدنيا.
وهذا إشارة إلى أبي بكر، فإنه هو الذي بايعه أكثر الناس، ومن المعلوم أن أبا بكر لم يطلب الأمر لنفسه لا بحق ولا بغير حق، بل قال: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: أما عمر بن الخطاب، وإما أبا عبيدة، فقا لعمر فوالله لأن أقدم فتضر ب عنقي، لا يقربني ذلك إلى إثم، أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر. وهذا للفظ في الصحيحين.
وقد روى عنه أيضا أنه قال: أقيلوني أقيلوني فالمسلمون اختاروه وبايعوه لعلمهم بأنه خيرهمم ... والمسلمون اختراروه كما قال النبي ﵌ في الحديث الصحيح لعائشة: " ادعي لي أباك.. الحديث " وقد ذكرنواه كاملا في موضع آخر.
ثم قال ابن تيمية: هب أنه طلبها وبايعه أكثر الناس. فقولكم إن ذلك طلب الدنيا كذب ظاهر. فإن أبا بكر ﵁ لم يعطهم دنيا.
والذين بايعوه أزهد الناس في الدنيا، وهم الذين أثنى الله تعالى عليهم.
وكان أبو بكر ﵁ قد أنفق ماله في حياة الرسول ﵌، فلم يأخذ بدله، واوصى بأن يرد إلى بيت المال جرد قطيعة، وبكر وأمة سوداء ونحو ذلك منهاج السنة باختصار ٢٥/٢-٤١.стр. 179
حماية٣٣٧ على دين، وأهدمهم لقاعدة وشريعة٣٢٨.
***
الحواشي
(١) ٣٣٧: وفي نسخة الشيخ محب الدين الخطيب حمية!.س.
٣٣٨ ومع ذلك يوجد فيمن ينتمي إلى الأزهر، وإلى السنة، من يوالي دار التقريب بين المذاهب التي تأسست في القاهرة بعد الحرب العالمية الثانية، ويتسلى بصرف بعض عمره في الاختلاف إليها وتبادل التقية مع القائمين عليها. خ.стр. 180
عاصمة
يكفيك من شر سماعه
قال القاضي أبو بكر ﵁: يكفيك من شر سماعه، فكيف التململ به. خمسمائة عام عدا إلى يوم مقال هذا- لا ينقص منها يوما ولا يزيد يوما- وهو مهل شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وماذا يرجى بعد التمام إلا النقص؟
ما رضيت النصارى واليهود في أصحاب موسى وعيسى ما رضيت الروافض في أصحاب محمد ﵌ حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على افكر والباطل٣٣٩. فما يرجى من هؤلاء، وما يستبقى منهم؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ [سورة النور: ٥٥] ، وهذا قول صدق، ووعد حق. وقد انقضر عصرهم ولا خليفة فهيم ولا تمكين، ولا أمن ولا سكون، إلا في ظلمن وتعد وغصب وهرج وتشتيت وإثارة ثائرة.
وقد أجمعت ٣٤١ الأمة على أن النبي ﵌ ما نص
الحواشي
(١) ٣٣٧ أخرد الحافظ ابن عساكر ١٦٥: ٤ أن الحسن المثني بن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب قال لرجل من الرافضة: والله لئن لمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم، ثم لا نقبل منكم توبة. فقال له الرجل: لم لا تقبل منهم توبة؟ قال: نحن أعلم بهؤلاء منكم. إن هؤلاء إن شاءوا صدقوكم، وإن شاءوا كذبوكم وزعموا أن ذليك يستقيم لهم في التقية. ويلك! إن التقية هي باب رخصة للمسلم، إذا اضطر إليها وخاف من ذي سلطان أعطاه غير ما في نفسه يدرأ عن ذمة الله، وليست باب فضل، إنما الفضل في القيام بأمر الله وقول الحق. وايم الله ما بلغ من التقية أن يجعل بها لعبد من عبد الله أن يضل عباد الله. خ.
٣٤١ ليس هناك إجماع. قال شارح العقيدة الطحاوية:
ثم اختلف أهل السنة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ هل كانت
=следующие страницы →