← Акыда

Акыда · id 8314

العواصم من القواصم ط دار الجيل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (277 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فقدم مكة فقضى طوافه، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد وقال: أما بعد يا ابن عمر، فقد كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير. وإني أحذرك أن تشق عصا المسملين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم. فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير منهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار. وإنك تحذر أن أشق عصا المسلمين، ولم أكن لأفعل، وإنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمرنا فإنما أنا واحد منهم. فخرج ابن عمر٤١٨. وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهد ثم أخذ في الكلام،

стр. 212

فقطع عليه كلامه، فقال: إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمرا بنك إلى الله. وإنا والله لا نفعل. والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين أو لتفرنها عليك جذعة٤١٥ ثم وثب فقال معاوية: اللهم اكفينيه٤٢٠ بما شئت. ثم قال: على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن لأهل الشام، فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك، حتى أخبر العشية أنك قد بايعت، ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك. ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا ابن الزبير، إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل في آخرن وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما. فقال ابن الزبير: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه. أرأيات إذا باعيت ابنك معك لأيكما نسمع، لأيكما نطيع؟ لا نجتمع البيعة لكما أبدا٤٢١. ثم قام. فخرج معاوية فصعد المنبر فقال: إنا وجدناه أحاديث الناس ذوات عوار. زعموا أن ابن عمر وان الزبير وابن ابي بكر لم يبايعوا يزيد، قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له. فقال أهل الشام: لا والله، لا نرضى حتا يبايعوا على رؤوس الأشهاد، وإلا ضربنا أعناقهم. فقال: سبحان الله، ما أسرع الناس إلى قري بالشرب لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم، ثم نزل. فقال الناس: بايعوا. ويقولون هم: لم نبايع. ويقول الناس: قد بايعتهم. وروى وهب من طريق أخرى قال: خطب معاوية فذكر ابن عمر فقال: والله ليبايعين أو لأقتلنه. فخرج عبد الله بن عمر إلى أبيه

стр. 213

وسار إلى مكة ثلاثا وأخبره٤٢٢، فبكى ابن عمر، فبلغ الخبر إلى عبد الله ابن صفوان: فدخل على ابن عمر فقال: أخطب هذا بكذا؟ قال: نعم. قال: فما تريد، أتريد قتاله؟ قال: يا ابن صفوان، الصبر خير من ذلك. فقال ابن صفوان: والله لئن أراد ذلك لأقاتلنه٤٢٢. فقدم معاوية مكة فنزل ذا طوى، وخرج إليه عبد الله بن صفوان فقال: أنت تزعم أنك تقتل ابن عمر إن لم يبايع لابنك؟ قال: أنا أقتل ابن عمر؟ إني والله لا أقتله. وروى وهب من طريق ثالث٤٢٤ قال: إن معاوية لما راح عن بطن مر قاصدا إلىمكة قال لصاحب حرسه: لا تدع أحدا يسير معي إلا من حملته. فخرج يسير وحده، حتى إذاكان وسط الأراك لقيه الحسن بن علي، فوقف وقال: مرحبا وأهلا بابن بنت رسول الله ﵌ سيد شباب المسلمين. دابة لأبي عبد الله يركبها. فأتى ببرذون، فتحول عليه. ثم طلع عبد الرحمن بن أبي بكر٤٢٥، فقال مرحبا بابن شيخ قريش وسيدهم

стр. 214

وابن صديق هذه الأمة. دابة لأبي محمد يركبها. فأتى ببرذون فركبه. ثم طلع ابن عمر فقالك مرحبا وأهلا بصاحب رسول الله وابن الفاروق وسيد المسلمين، ودعا له بدابة فركبها. ثم طلع ابن الزبير فقال: مرحبا وأهل بابن حواري رسول الله ﵌ وابن الصديق وابن عمة رسول الله ﵌، ودعا له بدابة فركبها. ثم أقبل يسير بينهم لا يسايره غيرهم حتى دخل مكة، ثم كانوا أول داخل، وآخر خارج ليس في الرض صباح إلا لهم فيه حباء وكرامة، ولا يعرض لهم بذكر شيء مما هو فيه حتى قضى نسكه وترحلت أثقاله وقرب مسيره إلى الشام وأنخيت رواحله، فأقبل بعض القوم على بعض فقالوا: ايها القوم لا تخدعوا، إنه والله ما صنع هذا لحبكم ولا لكرامتكم ولا صنعه إلا لما يريد، فأعدوا له جوابا. وأقبلوا على الحسين فقالوا: أنت يا أبا عبد الله. قال: وفيكم شيخ قريش وسيدها؟ وهو أحق بالكلام. فقالوا: أنت يا أبا محمد- لعبد الرحمن بن أبي بكر- فقال: لست هناك، وفيكم صاحب رسول الله ﵌ وابن سيد المسلمين- يعني ابن علي- فقالوا لابن عمر: أنت! فقال: ليست بصاحبكم، ولكن ولوا٤٢٦ الكلام ابن الزبير يكفيكم. قالوا: أنت يابن الزبير. قال: نعم، إن أعطيتموني عهودكم ومواثيقكم أن لا تخالفوني كفيتكم الرجل. فقالوا فلك ذلك. فخرج الإذن، فأذن لهم. فدخلوا. فتكلم معاوية فحمد الله واثنى عليه ثم قال: لقد علمتم سيرتي فيكم، وصلتي لأرحامكم، وصفحي عنكم، وملي لما يكون منكم، ويزيد ابن أمير المؤمنين أخوكم وابن عمكم وأحسن الناس لكم رأيا. وإنما أرادت أن تقدموه باسم الخلافة وتكونوا أنتم الذي تنزعون وتؤمرون وتجبون وتقسمون لا يدخل عليكم في شيء من ذلك. فسكت القوم. فقال: ألا تجيبوني؟ فسكت القوم. فقال: ألا تجيبوني. فسكتوا. فأقبل على ابن الزبير قال: هات يا ابن الزبير، فإنك لعمري صاحب خطبة القوم. فقال: نعم يا أمير المؤمنين أخيرك بين ثلاث خصال أيها أخذت فهي لك رغبة. قال: لله أبوك، اعرضهن. قال: إن شئت صنعت

стр. 215

ما صنع رسول الله ﵌، وإن شئت صنعتما صنع أبو بكر فهو خير هذه الأمة بعد رسول الله ﵌، وإن شئت صنعت ما صنع عمر فهو خير هذه الأمة بعد أبي بكر. قال: لله أبوك، ما صنعوا؟ قال: قبض رسول الله ﵌ فلم يستخلف أحدا، فارتضى المسلمون أبا بكر. فإن شئت أن تدع أمر هذه الأمة حتى يقضي الله فيها قضاءه فيختار المسلمون لأنفسهم. فقال: إليه، ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر، وإني لا آمن عليكم الاختلاف. قال: فاصنع كما صنع أبو بكر، عهد إلى رجل من قاصبة قريش ليس من بني أمية فاستخلفه. قال: لله أبوك. الثالثة؟ قال: تصنع ما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة نفر من قريش ليس أحد منهم من وليد أبيه. قال هل عندك غير هذا؟ قال: لا. قال: فأنتم؟ قالوا: ونحن أيضا. قال: أما لا، فإني أحببت أن أتقدم إليكم، إنه قد أعذر من أنذر، وإنه قد كان يقوم القائم منكم إلى فيكذبني على رؤوس الناس فأحتمل له ذلك. وإني قائم بمقالة، فإن صدقت فلي صدقي وإن كذبت فعلي كذبي. وإني أقسم باله لكم لئن رد علي إنسان منكم لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إلى رأسهز ثم دعا بصاحب حرسه فقال: أقم على كل رجل من هؤلاء رجلين من حرسك، فإن ذهب رجل يرد على كلمته بصدق أو كذب فليضرباه بسيفيهما٤٢٧. ثم خرج وخرجوا معه، حتى رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يستبد بأمر دونهم، ولا يقضى أمر إلا عن مشورهم. وإنهمد قد ارتضوا وبايعو ليزيد ابن أمير المؤمنين من بعده، فبايعوا باسم الله. فضربوا على يده، ثم دلس على راحلته وانصرف. فلقيهم الناس فقالوا: زعمتم وزعمتم، فلم أرضيتم وحبيتم فعلتم. قالوا: إنا لله وما فعلنا. قال: فما منكم أن ترددوا على الرجل إذ كذب؟ ثم بايع أهل المدينة والناس: ثم خرج إلى الشام.

стр. 216

قال القاضي أبو بكر ﵁: لسنا ننكر، ولا تبلغ بنا الجهالة ولا لنافي الحق حمية جاهلية، ولا تنطوي على غل لأحد من أصحاب محمد ﵌، بل نقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إلا أن نقول: إن معاوية ترك الأفضل في أن يجعلها شورى، وألا يخص بها أحد من قرابته فكيف ولدا٤٢٨، وأن يقتدي بما أشار به عبد اله بن الزبير في الترك أو الفعل٤٢٩ فعدل إلى ولاية ابنه وعقد له

стр. 217

البيعة وبايعه الناس، وتخلف عنها من تخلف،٤٣٠ فانعقدت البيعة شرعا، لأنها تنعقد بواحد وقيل باثنين. فإن قيل: لمن فيه شروط الإمامة. قلنا: ليس السن في شروطها، ولم يثبت أنه يقصر يزيد عنها. فإن قيل: كان منها العدالة والعلم، ولم يكن يزيد عدلا ولا عالما. قلنا: وبأي شيء نعلم عدم علمه أو عدم عدالته٤٣١؟ ولو كان مسلوبهما لذكر ذلك الثلاثة الفضلاء الذين اشاروا عليه بأن لا يفعل، وإنما رموا إلى الأمر يعيب التحكم، وأرادوا أن تكون شورىز فإن قيل: كان هناك من هو أحق منه عدالة وعلما، منهم مائة ورما ألف. قلنا: إمامة المفضول- كما قدمنا- مسألة خلاف بين العلماء على ذكر العلماء في موضعه. وقد حسم البخاري الباب، ونهج جادة الصواب، فروى في صحيحه ما يبطل جميع هذا المتقدم، وهو أن معاوية خطب وابن عمر حاضر في خطبته، فيما رواه البخاري عن عكرمة بن خالد أن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنطف٤٣٤. قلت: قد كان من الأمر ما ترين، فلم يجعل

стр. 218

نقد أخبار ملفقة على وهب بن جرير في تمهيد معاوية لولاية يزيد لي من الأمر شيء. فقالت: الحق، فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب. فلما تفرق الناس خطب معاوية فقال: من كان يريد أن يتكم في هذا الأمر فيلطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة٤٣٥: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقو: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك واباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدماء وتحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان، فقال حبيب: حظفت وعصمت. وروى البخاري٤٣٦ أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده وقال: إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة " وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله وروسهل٤٣٧، وإني لأعلم غدرا أعظم من أن نبايع رجلا على

стр. 219

تحذير ونصيحة من المؤلف للمسلمين من الدخول في دماء الصحابة وأعراضهم بسوء بيع الله ورسوله ثم تنصب له القتال. وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلا كنت الفيصل بيني وبينه. فانظروا معشر المسلمين إلى ما روى البخاري في الصحيح، وإلى ما سبق ذكرنا له من رواية بعضهم أن عبد الله بن عمر لم يبايع، وان معاوية كذب وقال قد بايع، وتقدم إلى حرسه يأمره بضرب عنقه إن كذبه. وهو قد قال في رواية البخاري: قد بايعناه على بيع الله ورسوله وما بينهما من التعارض، وخذوا لأنفسكم بالأرجع في طلب السلامة، والخلاص بين الصحابة والتابعين فلا تكونوا ولم تشاهدوهم- وقد عصمكم الله من فتنتهم- ممن دخل بلسانه في دمائهم، فيلغ فيها ولوغ الكلب بقية الدم على الأرض بعد رفع الفريسة بلحمها، ولم يحلق الكلب منها إلا بقية دم سقط على الأرض. وروى الثبت العدل عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد: إن كان خيرا رضيان، وإن كان شرا صبرنا. وثبت عن حميد بن عبد الرحمن قال: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله ﵌ حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: تقولون إن يزيد بن معاوية ليس بخير أمة محمد، ولا أفقهها فيها فقها، ولا أعظمها فيها شرفا. وأنا أقول ذلك. ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد أحب إلى من أن تفترق. أرأيتم بابا دخل فيه أمة محمد ووسعهم، أكان بعجز عن رجل واحد لو كان دخل فيه؟ قلنا: لا. قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أريق دم أخي ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذلك ما أقول لكم. ثم قال: قال رسول الله ﵌: "لا يأتيك من الحياء إلا خير" ٤٣٨.

стр. 220

فهذه الأخبار الصحاح كلها تعطيك أن ابن عمر كان مسلما في أمرة يزيد، وأنه بايع عقد له والتزم ما التزم الناس، ودخل فيما دخل فيه المسلمون، وحرم على نفسه ومن إليه بعد ذلك أن يخرج على هذا أو ينقضه. وظهر لك أن قول من قال: غن معاوية كذب في قوله بايع ابن عمر ولم يبايع، وان ابن عمر وأصحابه سئلوا فقالوا لم نبايع فقد كذب. وقد صدق البخاري في روايته قول معاوية على المنبر أن ابن عمر قد بايع بإقرار ابن عمر ذلك وتسليمه له وتماديه عليه. فأي الفريقين أحق بالصديق إن كنتم تعلمو؟ الفريق الذي فيه البخاري، أم الذي فيه غيره؟ فخذوا لأنسفكم بالأحزم والأصح، أو اسكتوا عن الكل، والله يتولى توفيقكم وحفظكم. والصاحب الذي كنى عنه حميد بن عبد الرحمن هو ابن عمر، والله أعلم. وإن كان غيره فقد أجمع رجلان عظيمان على هذه المقالة وهي تعضد ما أصلنا لكم من أو ولاية المفضول نافذة وغن كان هنالك من هو أفضل منه إذا عقدت له. ولما في حلها- أو طلب الأفضل- من استباحة ما لا يباح، وتشتيت الكلمة، وتفريق أمر الأمة. فإن قيل: كان يزيد خمارا. قلنا: لا يحل٤٤٠ إلا بشاهدين، فمن شهد بذلك عليه٤٤١ بل شهد العدول بعدالته فروى يحيى بن بكير عن الليث

стр. 221

الليث بن سعد يسمي يزيد أمير المؤمنين ابن سعد، قال الليث: توفى أمير المؤمنين* يزيد في تاريخ كذا فسماه

стр. 222

الليث أمير المؤمنين بعد ذهاب ملكهم وانقراض دولتهم، ولولا كونه عنده كذلك ما قال إلا توفى يزيد.

стр. 223

فإن قيل: ولو لم يكن ليزيد إلا قتله للحسين بن علي قلنا: يا أسفا على المصائب مرة، ويا أسفا على مصيبة الحسين ألف مرة. بوله يجري على صدر النبي ﵌، ودمه يراق على البوغاء لا يحقن٤٤٢ يا لله ويا للمسلمين. وإن أمثل ما روى فيه أن يزيد كتب إلى الوليد بن عتبة بنعى له معاوية ويأمره أن يأخذه له البيعة على أهل المدينة- وقد كانت تقدمت فدعاة مروان فأخبره فقال له: أرسل إلى الحسين بن علي وابن الزبير، فإن بايعوا وإلا فاضرب أعناقهم. قال: سبحان الله، تقتل الحسين بن علي وابن الزبير؟ قال: هو ما أقول لك. فأرسل إليهما، فأتاه ابن الزبير، فنعى إليه معاوية وسأله البيعةن فقال: ومثلي يبايع هنا؟ أرق المنبر، وأنا أبايعكم٤٤٣ مع الناس علانية. فوثب مروان وقال: اضرب عنقه، فإنه صاحب فتنة وشر فقال ابن الزبير: إنك لهنالك يا ابن الزرقاء؟ واستبا فقال الوليد: اخرجهما٤٤٤ عني، وأرسل إلى الحسين ولم يكلمه بكلمة في شيء، وخرجا من عنده. وجعل الوليد عليهما الرصد. فلما دنا الصبح خرجا مسرعين إلى مكة فالتقيا بهماز فقال له ابن الزبير: ما يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك؟ فوالله لو أن لي مثل لذهبت إليهم. فهذا ما صح٤٤٥.

стр. 224

وذكر المؤرخون أن كتب أهل الكوفة وردت على الحسين٤٤٦، وأنه

стр. 225

أرسل مسلم بن عقيل- ابن عمه- إليهم ليأخذ عليهم البيعة وينظرو هو في أتباعه، فنهاه ابن عباس وأعلمهم أنهم خذبوا أباه وأخاه، واشار عليه ابن الزبير با لخروج فخرج، فلم يبلغ الكوفة إلا مسلم بن عقيل قد قتل وأسلمه من كان استدعاه. ويكفيك بهذا عظة لمن اتعظ. فتمادى واستمر غضبا للدين وقياما بالحق. ولكنه- ري الله عنه- لم يقبل نصيحة أعلم أهل

стр. 226

زمانه ابن عباس، وعدل عن رأي شيخ الصحابة ابن عمر٤٧،٤٤٨

стр. 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 228

حزن يزيد لاستشهاد الحسين ومعاملته لأهل بيته . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 229

طعن آل البيت بالشيعة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 232

وطلب الابتداء في الانتهاء، والاستقامة من أهل٤٤٩ الاعوجاج، ونضارة الشيبة في هشيم المشيخة. ليس حوله مثله، ولا له من الأنصار من يرعى حفه، ولا من يبذل نفسه دونه، فأردنا أن نطهر الأرض من خمر يزيد٤٥٠ فارقنا دم الحسين، فجاءتنا مصيبة لا يجبروها سرور الدهر٤٥١. وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر عن الدخول في الفتن. وأقوال في ذلك كثيرة: منها ما روى مسلم عن زياد بن علاقة عن عرفجة بن شريح

стр. 233

قوله صلى الله عليه وآله وسلم٤٥٢: "إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ٤٥٣". فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله. ولو أن عظيمها وابن عظيمها وشريفها وابن شريفها الحسين يسعه بيته أو ضيعته أو إبله- ولو جاء الخلق يطلبونه ليقوم بالحق وفي جملتهم ابن عباس وابن عمر لم يلتفت إليهم- وحضره ما أنذر به النبي ﵌ وما قال في أخيه٤٥٤، ورأى أنها قد خرجت عن أخيه ومعه جيوش الأرض وكبار الخلق يطلبونه فكيف ترجع إليه بأوباش الكوفة، وكبار الصحابة ينهونه وينأون عنه؟ وما أدري في هذا إلا التسليم لقضاء الله، والحزن على ابن بنت رسول الله ﵌ بقية الدهر. ولولا معرفة أشياخ الصحابة وأعيان الأمة بأنه أمر صرفه الله عن اهل البيت، وحال من الفتنة لا ينبغي لأحد أن يدخلها، ما اسلموه أبدا. وهذا أحمد بن حنبل- على تقشفه وعظيم منزلته في الدين وورعه- قد أدخل عن يزيد بن معاوية في كتاب الزهد أنه كان يقول في خطبته إذا مرض أحدكم مرضا فأشفى ثم تماثل، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فيلزمه، ولينظر إلى أسوأ عمل عنده فليدعه وهذا يدل على عظيم منزلته عنده حتى يدخله في جملة الزهاد من الصحابة والتابعين الذين يقتدى بقولهم

стр. 234

ويرعوي من وعظهم. ونعم، ما أدخله إلا في جملة الصحابة٤٥٥، قبل أن يخرج إلى ذكر التابعين٤٥٦. فأين هذا من ذكر المؤرخين له في الخمر وأنواع الفجور، ألا تستحيون؟! وإذا سلبهم الله المروءة والحياء، ألا ترعوون أنتم وتزدجرون، وتقتدون بالأحبار والرهبان من فضلاء الأمة، وترفضون الملحدة والمجان من المنتمين إلى الملة ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . والحمد لله رب العالمين. وانظروا إلى ابن الزبير بعد ذلك وما دخل فيه من البيعة له بمكة، والأرض كلها عليه. وانظروا إلى ابن عباس وعقله وإقباله على أمر نفسه

стр. 235

وانظروا إلى ابن عمر وسنه وتسليمه للدنيا ونبذه لها. ولو كان للقيام وجه لكان أولى بذلك ابن عباس، فإنه ولدي أخيه عبيد الله قد ذكر أنهما قتلا ظلما٤٥٧. ولكن رأى بعقله أن دم عثمان لم يخلص إليه، فكيف بدم ولدي عبيد الله! وأن الأمر راهق٤٥٨، قد خرجا عنه حفظا للأصل وهو اجتماع أمر الأمة وحقن دمائها وائتلاف كلمتها، ودع الأمر يتولاه أسود مجدع حسبما أمر به صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه٤٥٩. وكل منهم عظيم القدر مجتهد وفيما دخل فيه مصيب مأجور، ولله فيهم حكم في الدنيا قد أنفذه، وحكم في الآخرة قد أحكمه وفرغ منه. فاقدروا هذه الأمور مقاديرها، وانظروا بما قابلها ابن عباس وابن عمر فقابلوها، ولا تكونوا من السفهاء الذين يرسلون ألسنتهم وأقلامهم بما لا فائدة لهم فيه، ولا يغني من الله ولا من دنياهم شيئا عنهم. وانظروا إلى الأئمة الأخيار وفقهاء الأمصار، هل أقبلوا على هذه الخرافات وتكلموا في مثل هذه الحماقات؟ بل علموا أنها عصبيات جاهلية، وحمية باطلة، لا تفيد إلا قطع الحبل بين الخلق وتشتيت الشمل واختلاف الأهواء- وقد كان ما كان، وقال الأخباريون ما قالوا- فإما سكوت، وإما اقتداء بأهل العلم، وطرح لسخافات المؤرخيون والأدباء. والله يكمل علينا وعليكم النعماء برحمته.

стр. 236

نكتة: النبي ﷺ أول من عقد الولاية لبني أمية وعجبا لاستكثار الناس ولاية بني أمية، وأول من عقد لهم الولاية رسول الله ﵌، فإنه ولي يوم الفتح عتاب بن أسيد ابن ابي العيص بن أمية مكة- حرم الله وخير بلاده- وهو فتى السن قد أبقل أو لم يبقل. واستكتب معاوية بن أبي سفيان أمينا على وحيه. ثم ولي أبو بكر يزيد بن أبي سفيان- أخاه- الشام. ومازالوا بعد ذلك يتوقلون في سبيل المجد، ويترقون في درج العز، تى أنهتهم الأيام، إلى منازل الكرام. وقد روى الناس أحاديث فيهم لا أصل لها، منها حديث رؤية النبي ﵌ بني أمية ينزون على منبره كالقردة، فعز ذلك عليه، فأعطى ليلة القدر خير من ألف شهر يملكها بنو أمية بعده. ولو كان هذا صحيحا ما استفتح الحال بولايتهم، ولا مكن لهم في الأرض بأفضل نقاعها وهي مكة. وهذا أصل يجب أن تشد عليه اليد. فإن قيل: أحدث معاوية في الإسلام الحكم بالباطل، والقضاء بما لا يحل من استلحاق زياد. قلنا: قد بينا في غير موضع أن استلحاق زياد إنما كان لأشياء صحيحة، وعمل مستقيم نبينه بعد ذكر أمثل ما ادعى فيه المعون من الانحراف عن الاستقامة، إذ لا سبيل إلى تحصيل باطلهم، لأن خرق الباطل لا يرفع، ولسانه أعظم منه فكيف به لا يقطع؟! قالوا: كان زياد ينتسب إلى عبيد الثقفي من سمية جارية الحارث بن كلدة٤٦٠، واشترى زياد عبيدا أباه بألف درهم فأعتقه٤٦١.

стр. 237

ما روي من اعتراف أبي سفيان لعلي بن أبي طالب بأبوته لزياد قال أبو عثمان النهدي: فكنا نغيطه. واستعمله عمر على بعض صدقات البصرة، وقيل بل كتب لأبي موسى٤٦٣، فلما لم يقطع الشهادة مع الشهود على المغيرة جلدهم وعزله وقال له: ما عزلتك لخزية، ولكني كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك. ورووا أن عمر أرسله إلى اليمن في إصلاح فساد فرجع وخطب خطبة لم يسمع مثلها، فقال عمرو بن العاص: أما والله لو كان هذا الغلام قرشيا لساق الناس بعصاه، فقال أبو سفيان والله إني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه، فقال له علي: ومن؟ قال: أنا. قال: مهلا يا أبا سفيان. فقال أبو سفيان أبياتا من الشعر: أما والله لولا خوف شخص٤٦٣ ... يراني يا علي من الأعادي

стр. 238

لأظهر أمره صخر بن حرب ... ولم تكن المقالة عن زياد وقد طالبت مخاتلتي ثقيفا ... وتركي فيهم ثمر الفؤاد فذلك الذي حمل معاوية. واستعمله علي على فارس، وحمى، وجبي، وفتح، وأصلح. وكاتبه معاوية يروم إفساده، فوجه زياد بكتابه إلى علي بشعر، فكتب إليه علي: إني وليتك: ما وليتك وأنت أهل لذلك عندي. ولن يدرك ما تريد بما أنت فيه إلا بالصبر والبقين. وإنما كانت من أبي سفيان فلتة ومن عمر، لا تستحق بها نسبا ولا ميرثا. وإن معاوية يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه. فلما قرأ زياد الكتاب قال: شهد لي أبو حسن ورب الكعبة. فذلك الذي جرأ زياد ومعاوية بما صنعا. ثم ادعاه معاوية سنة أربع واربعين، وزوج معاوية ابنته من ابنه محمد. وبلغ الخبرة أبا بكرة- أخاه لأمه- فآلى يمينا ألا يكلمه أبدا، وقال هذا زنى أمه، وانتفى من ابيه. والله ما رأيت سمية أبا سفيان قط، وكف، وكيف يفعل بأم حبيبة٤٦٤: أيراها فيهتك حرمة رسول الله، وإن حجبته فضحته. فقال زياد: جزى الله أبا بكرة خيرا، فإنه لم يدع النصيحة في حال. وتكلم فيه الشعراء، ورووا عن سعيد بن المسيب أنه قال: أول قضاء كان في الإسلام بالباطل استلحاق زياد. قال القاضي أبو بكر ﵁: قد بينا في غير موضع هذا الخبر، وتكلمنا عليه بما يغني عن إعادته، ولكن لابد في هذه الحالة من بيان المقصود منه فنقول: كل ما ذكرتم لا ننفيه ولا نثبته لأنه لا يحتاج إليه. والذي ندريه حقا ونقطع عليه علما أن زيادا من الصحابة بالمولد والرؤية٤٦٥، ولا بالتفقه

стр. 239

والمعرفة. وأما أبوه فما علمنا له أبا قبل دعوى معاوية على التحقيق٤٦٦، وإنما هي أقوال غائرة من المؤرخين. وأما شراؤه له فمراعاة للحضانة، فإنه حضنه عند أمه إذ دخل عليه فيه شبهة، بالحضانة إليه إن كان ذلك. وأما قولهم إن أبا عثمان النهدي غبطه بذلك، فهو بعيد على أبي عثمان، فإنه ليس في أن يبتاع أحد حاضنه أو أباه فيعتقه من المزية بحيث يغبطه عليه أبو عثمان وأمثاله، لن هذه مرتبة يدركها الغنى والفقير والشريف والوضيع، ولو بذل من المال ما يعظم قدره، فيدري به قر مروءته في إهانة الكثير العظيم، في صلة الولي الحميم. وإنما ساقوا هذه الحكاية ليجعلوا له أبا، ويكون بمنزلة من انتفى من أبيه. وأما استعمال عمر له فصحيح، وناهيك بذلك تزكية وشرفا ودينا. وأما قولهم أن عمر عزله لأنه لم يشهد بباطل فباطل، بل روى أنه لما شهد أصحاب الثلاثة٤٦٧ وعمر يقول للمغيرة: ذهب ربعك، ذهب نصفك، ذهب ثلاثة أرباعك، فلما جاء زياد قال له: أني أراك صبيح الوجه، وإني لأرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلا من أصحاب محمد ﵌. وأما خطبته التي ذكروا أنه عجب منها عمرو، فما كان عنده فضل علم ولا فصاحة يفوق بها عمرا فمن فوقه أو دونه. وقد أدخل له الشيخ المفترى٤٦٨ خطبا ليست في الحد المذكور. وأما قولهم إن أبا سفيان اعترف به، وقال شعرا فيه، فلا يرتاب ذو تحصيل في أن أبا سفيان لو اعترف به في حياة عمر لم يخف شيئا، لأن الحال

стр. 240

لم يكن تخلو من أحد قسمين: إما أن يرى إلاطته به٤٦٩ كما روى عنه في غيره فيمصي ذلك، أو يرد ذلك فلا يلزم أبا سفيان شيء باقتراف ما كان في الجاهلية. فذكرهم هذه الحكاية المخترعة الباردة المتهافتة الخارجية عن حد الدين والتحصيل لا معنى لها٤٧٠. وأما تولية على له فتزكية. وأما بعث معاوية إليه ليون معه فصحيح في الجملة. وأما تفاصيل ما كتب معاوية، أوكتب زياد به إلى علي، أو جاوب به على زيادا، فهذا كله مصنوع. وأما قول علي إنما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر لا تستحق بها نسبا فلو صح لكان ذلك شهادة، كما روى عن زياد، ولم يكن ذلك بمبطل لما فعل معاوية، لأنها مسألة اجتهادا بين العلماء: فرأى علي شيئا ورأى معاوية وغيره، غيره. وأما نكتة الكلام وهو القول في استلحاق معاوية زيادا وأخذ الناس عليه في ذلك، فأي أخذ عليه فيه إن كان سمع ذلك من أبيه؟ وأي عار على أبي سفيان في أن يليط بنفسه ولد زنا كان في الجاهلية. فمعلوم أن سمية لم تكن لأبي سيا، كما لم تكن وليدة زمعة لعتبة، ولكن كان لعتبة منازع تعين القضاء له، ولم يكن لمعاوية منازع في زياد. اللهم إن هاهنا نكتة اختلف العلماء فيها، وهي أن الأخ إذا استحلق أخا بقول هو ابن أبي ولم يكن له منازع بل كان وحده، فقال مالك، يرث ولا يثبت النسب. وقال الشافعي- في آخرين- يثبت النسب ويأخذ المال، هذا إذا كان المقر به غير معروف النسب. واحتج الشافعي بقول النبي ﵌: " هو لك يا عبد بن زعمة، الولد للفراش للعاهر الحجر" ٤٧١ فقضى بكونه للفراش وبإثبات النسب. قلنا هذا هل عظيم،

стр. 241

وذلك أن قوله أن النبي ﵌ قضى بكونه للفراش صحيح، وأما قوله بثبوت النسب فباطل، لأن عبد ادعى سببين: أحدهما الأخوة، والثاني ولادة الفراش. فلو قال النبي ﵌: هو أخوك، الولد للفراش. لكان إثباتا للحكم وذكرا للعلة. بيد أن النبي ﵌ عدل عن الأخوة ولم يتعرض لها، وأعرض عن النسب ولم يصرح به، وإنما هو في الصحيح في لفظ هو أخوك وفي آخر هو لك، معناه فأنت أعلم به. وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف٤٧٢. فالحارث بن كلدة لم يدع زيادا ولا كان إليه منسوبا، وإنما كان ابن أمته ولد في فراشه- أي في داره- فكل من ادعاه لهو له، إلا أن يعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز، بل فعل فيه الحق على مذهب مالك. فإن قيل: فلم أنكر عليه الصحابة؟ فقلنا: لأنها مسألة اجتهاد، فمن رأى أن النسب لا يلحق بالوارث الواحد أنفكر ذلك وعظمه. فإن قيل: ولم لعنوه، وكان يحتجون بقول النبي ﵌: "ملعون من انتسب لغير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه" ٤٧٣. قلنا: إنما لعنه من لعنه لوجهين: أحدهما لأنه أثبت نسبه من هذا الطريق، ومن لم ير لعنه لهذا لعنه لغيره. وكان زياد أهلا أن يلعن-عندهم- لما أحدث بعد استلحاق معاوية٤٧٤. فإن قيل: جعل النبي ﵌ للزنا حرمة، ورتب عليها

стр. 242

حكا حين قال" احتجبي منه يا سودة٤٧٥ "، وهذا يدل على أن الزنا يتعلق به من حرمة الوطء ما يتعلق بالنكاح الصحيح. هكذا قال الكوفيون. ومالك في رواية ابن القاسم يساعدهم على المسأة ولا يساعدهم على دليلها من هذا الوجه، وقد بينها في كتاب النكاح. وقال الشافعي: العدر في أمر النبي ﵌ لسودة بالاحتجاب مع ثبوت نسبة من زمعة وصحة أخوته لها بدعوى عبد أن لك تعظيم لحرمة أزواج النبي ﵌ لأنهم لم يكن كأحد من النساء في شرفهن وفضلهن. قلنا: لو كان أخاها بنسب ثابت صحيحت كما قلتم، ويكون قول النبي ﵌:"الولد للفراش" تحقيقا للنسب لما منع النبي ﵌ سودة منه، كما لم يمنع عائشة من الرجل الذي قالت: هو أخي من الرضاعة، وإنما قال:"انظرن من إخوانكن". وأما ما روى عن سعيد بن المسيب، فأخبر عن مذهبه في أن هذا الاستلحاق ليس بصحيح، وكذلك رأى غيره من الصحابة والتابعين. وقد صارت المسأة إلى الخلاف بين الأمومة وفقهاء الأمصار، فخرجت من حد الانتقاد إلى حد الاعتقاد. وقد صرح مالك في كتاب افسلام وهو الموطأ بنسبه فقال في دولة بني العباس زياد بن أبي سفيان. ولم يقل كما يقول المخاذل زياد بن أبيه هذا على أنه لا يرى النسب يثبت بقول واحد، ولكن في ذلك فقه بديع لم يتفطن له أحد، وهو أنها لما كانت مسألة خلاف،

стр. 243

نكتة: للولايات والعزلات معان وحقائق لا يعرفها كثير من الناس ونفذ الحكم فيها بأحد الوجهين، لم يكن لنا رجوع فإن حكم القاضي في مسائل الخلاف بأحد القولين يمضيها ويرف الخلاف فيها، والله أعلم. وأما روايتهم أن عمر قال كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس فهذه زيادة ليس لها أصل، من ناقص عقل. وأي عقل كان لزياد يزيد به على الناس في ايام عمر٤٧٦، وغلام كل واحد من الصحابة كانأ عقل من زياد وأعلم منه، ولهذا كل من كمل عقله أكثبر من الآخر فهو أولى أن يختلط مع الناس. ويقولون: إنه كان داهية، وهي كلمة واهية، والهاء والأرب وهو المعرفة بالمعاني، والاستدلال على العواقب بالمبادئ. وكل أحد من الصحابة والتابعين فوق زياد. وتلك الروايات التي يروي المؤرخون- من كذبهم- في حيل الحرب والفتك بالناس، كل أحد اليوم يقدر على مثلها وأكثر منها، والحيلة إنما تكون بديعة وتنثي وتروى إذا وافقت الدين، وأما كل حكاية تخالف الدين فليست في روايتها ولا في رواتها خير ولا عقل. وكل الناس كما قدمنا- وخذ من ولاة بني أمية خاصة- أعقل من زياد وأفصح منه. فلا تلتفتوا إلى ما روى من الأباطيل. *** نكتة: والولايات والعزلات لها معان وحقائق لا يعلمها كثير من الناس. لقد علمتم أن رسول الله ﵌ مات عن زهاء اثنى عشر ألفا من الصحابة معلومين. منهم ألفان أو نحوهما مشاهير في الجلالة، ولي منهم أبةو بكر سعدا وابا عبيدة ويزيد وخالد بن الوليد وعكرمة بن ابي جهل ونفرا غيرهم فوقهم، وولي أنس بن مالك بن عشرين سنة على البحرين اقتداء بالنبي ﵌ في عتاب٤٧٧. ومتى كان استوفى

стр. 244

تسمية الذين شهدوا بأبوة أبي سفيان لزياد المشيخة حتى يأخذ الشبان. وولي عمر أيضا كذلك، وبادر بعزل خالد. وذلك كله لفقه عظيم ومعارف بديعة بيانهافي موضعها من كتب الإمامة والسياسة من الصول، فخذوا في فن غير هذا، فليس هذا الباب مما تلوكه أشداق أهل الآداب. وأما ما روى عن معاوية أنه استدعى شهودا فشهد السلولي وسواه٤٧٨ فسل من الحق، ما روى عن السلولي، فإنه لم يكن قط. واسعد بإسقاط ما روى في القصة سعيد أو سعد. وأما كلام أبي بكرة- أخيه لأمه- فيه فغير ضائر له، لأن ذلك رأي أبي بكرة واجتهاد. أما قولهم فيها عن أبي بكرة أنه زنى أمه، فلو كان ذلك صحيحا لم يضر امه ما جرى في الجاهلية في الدين، فإنه الله عفا عن أمر الجاهلية كلها بالإسلام، وأسقط الإثم والعار منه، فلا يذكره إلا جاهل به. قال القاضي أبو بكر ﵁: والناس إذا لم يجدوا عيبا لأحد وغلبهم الحسد عليه وعدواتهم له أحدثنا له عيوبا. فاقبلوا الوصية، ولا تلتفوا إلا على ما صح من الأخبار، واجتنبوا- كما ذكرت لكم- أهل التواريخ، فإنما ذكروا عن السلف أخبارا صحيحة يسيرة ليوسلوا بذلك إلى رواية الباطيلن فيقذفوا-كما قدمنا- في قلوب الناس ما لا يرضاه الله تعالى، وليحتقروا السلف ويهونوا الدين، وهوأعز من ذلك، وهم أكرم منا، فرضى الله عن جميعهم. ومن نظر إلى أفعال الصحابة تبين منها بطلان هذه الهتوك التي يختلقها أهل التواريخ فيدسونها في قلوب الضعفاء، وهذا زياد لما أحسن النية

стр. 245

استخلف سمرة بن جندب من كبار الصحابة فقبل خلافته، وكيف ظن به - على منزلته- أنه يقبل ولاية ظالم لغير رشده، وهو على ما هو عليه من الصحبة، وذلك من غير إكراه ولا تقية؟ إن هذا لهو الدليل المبين. فمع من تحبون أن تكونوا: مع سمرة بن جندب، أو مع المسعودي والمبرد وبن قتيبة ونظرائهم٤٧٩؟ هذا غاية في البيان. ***

стр. 246

الباب الثامن قاصمة كانت الجاهلية مبنية على العصبية وافتراق المسلمين بعد وفاة النبي ﷺ كانت الجاهلية مبنية على العصبية، متعاملة بينها بالحمية. فلما جاء الإسلام بالحق، وأظهر الله منته على الخق، قال الله سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران: ١٠٣] . وقال لنبيه: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] فكانت بركة النبي ﵌ تجمعهم، وتجمع شملهم، وتصلح قلوبهم، وتمحو ضغائنهم. واستأثر الله برسوله ﵌، ونفرت النفوس، وتماسكت الظواهر منجرة، مادام الميزان قائما. فلما رفع الميزان- كما تقدم ذكره في الحديث- أخذ الله القلوب عن الألفة، ونشر جناحا من التقاطع، حتى سوى جاحين بقتل عثمان، فطار في الآفاق، واتصل الهرج إلى يوم المساق. وصارت الخلائق عزين٤٨١، وفي واد من العصبية يهيمون:

стр. 247

ظهور الأحزاب البكرية والعمرية والعلوية والعباسية فمنهم بكرية، وعمرية، وعثمانية، وعلوية، وعباسية- كل تزعم أن الحق معها وفي صاحبها، والباقي ظلوم غشوم مقتر من الخير عديم. وليس ذلك بمذهب، ولا فيه مقالة، وإنما هي حماقات وجهالات، أو دسائس للضلالات، حتى تضمحل الشريعة، وتهزأ الملحدةمن الملة، ويلهو بهم الشيطان ويلعب، وقد سار بهم في غير مسير ولا مذهب. قالت البكرية، أبو بكر نص عليه رسول الله ﵌ في الصلاة، ورضيته الأمة للدنيا، وكان عند النبي ﵌ بتلك المنزلة العليا، والمحبة الخالصة. وولي فعدل، واختار فأجاد. إلا أنه أوهم في عمر فإنه أمره غليظ، وفظاظته غلبت. وذكروا مايب. وأما عثمان فلم يخف ما عمل وكذلك علي. وأما لعباس فغير مذكور. وقالت العمرية: أما أبو بكر ففاضل ضعيف، وعمر إمام عدل قوي بمدح النبي ﵌ له في حديث الرؤيا والدلو والعبقري كما تقدم، وأما عثمان فخرج عن الطريق: ما اختار واليا ولا في أحدا حقا، ولا كف أقاربه ولا اتبع سنن من كان قبله. وأما علي فجريء على الدماء. لقد سعت في مجالس ابن جريج٤٨٣ كان يقدم عمر على أبي بكر وسمعت الطرطوشي يقول: لو قال أحد بتقديم عمر لتبعته. وقالت العثمانية: عثمان له السوابق المتقدمة، والفضائل والفواضل في الذات والمال، وقتل مظلوما. قالت العلوية: علي ابن عمه وصهره وأبو سبطي النبي ﵌ وولد النبي ﵌ حضانة. وقالت العباسية: هو أبو النبي ﵌ وأولاهم بالتقديم بعده. وطولوا في ذلك من الكلام ما لا معنى لذكره لدناءته٤٨٥. وروا أحاديث لا يحل لنا أن نذكرها لعظيم الافتراء فيها ودناءة رواتها.

стр. 248

وأكثر الملحدة على التعلق بأهل البيت٤٨٦، وتقدمة علي على جميع الخلق، حتى إن الرافضة انقسمت إلى عشرين فرقة أعظمهم باسا من قال إن عليا هو الله. والغرابية يقولون إنه رسول الله لكن جبريل عدل بالرسالة عنه إلى محمد حمية منه معه ... في كفر بارد لا تسخنه إلا حرارة السيف، فأما دفء المناظرة فلا يؤثر فيه. ***

стр. 249

عاصمة تحذير المسلمين من أهواء المفسرين والمؤرخين الجهلة منهم وكذا أهل الآداب إنما ذكرت لكم هذا لتحترزوا من الخلق، وخاصة من المفسرين، والمؤرخين، وأهل الآداب، فإنهم أهل جهالة٤٨٧ بحرمات الدين، أو على بدعة مصرين، فلا تبالوا بما رووا، ولا تقبلوا رواية إلا عن أئمة الحديث، ولا تسمعوا لمؤرخ كلاما إلا للطبري٤٨٨، ٤٨٩ وغير ذلك هو الموت الأحمر، والداء الأكبر، فإنهم ينشئون أحاديث استحقار الصحابة والسلف٤٩٠، والاستخفاف بهم، واختراع الاسترسال في الأقوال والأفعال

стр. 250

ابن قتيبة بريء من كتاب الإمامة والسياسة عنهم، وخروج مقاصدهم عن الدين إل الدنيا، وعن الحق إلى الهوى، فإذا قاطعتهم أهل الباطل واقتصرتم على رواية العدول، سلمتم من هذه الحبائل، ولم تطووا كشحا على هذه الغوائل. ومن أشد شيء على الناس اهل عاقل٤٩١، أو مبتدع محتال. فأما الجاهل فهو ابن قتيبة، فلم يبق ولم يذر للصحابة رسما في كتاب الإمامة والسياسية إن صح عنه جميع ما فيه٤٩٢ وكالمبرد في كتابه الأدبي٤٩٢. وأين عقله من عقل ثعلب الإمام
следующие страницы →