← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8316

النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (877 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

النوع الخامس: معرفة المتصل النوع السادس: معرفة المرفوع النوع السابع: معرفة الموقوف النوع الثامن: معرفة المقطوع هذه الأنواع الأربعة لم ينكت فيها الحافظ ابن حجر على العرقي.. النوع التاسع: معرفة المرسل وفيه ست نكت: (٢٩) النكتة الأولى (ص٥٤٠) : كانت اعتراضا على ابن الصلاح والعراقي وتأييدا لرأي مغلطاي. حيث عد ابن الصلاح عبيد الله بن عدي بن الخيار في كبار التابعين الذين يعد قولهم عن رسول الله ﷺ مرسلا، فاعترض عليه مغلطاي بأن عبيد الله قد عد في الصحابة، فرجح العراقي عدم صحبته. فتعقبه الحافظ ورجح إثبات صحبته بناء على أنه وجد في منقولات كثيرة أن الصحابة كانوا يحضرون أولادهم إلى النبي ﷺ يتبركون بذلك، وعبيد الله منهم، لكن هل هذا النوع من الصحبة تعد روايته من مراسيل الصحابة المقبولة، رجح الحافظ أنها ليست من النوع المقبول. وبين أن قولهم مراسيل الصحابة مقبولة إنما يعنون بذلك من أمكنه التحمل والسماع. وأما من لم يمكنه ذلك فحكم حديثه حكم غيره من المخضرمين الذين لم يسمعوا من النبي ﷺ .

стр. 142

(٣٠) النكتة الثانية (ص٥٥٨) : تعتبر ردا لتعقب العراقي على ابن الصلاح حيث عد الزهري في صغار التابعين الذين لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد أو الاثنين. فقال العراقي: "هذا ليس بصحيح بالنسبة للزهري، فتعقبه الحافظ بأن تمثيل ابن الصلاح بالزهري صحيح؛ لأنه لا يلزم من كونه لقي كثيرا من الصحابة أن يكون من لقيهم من كبار الصحابة حتى يكون هو من كبار التابعين؛ لأن جميع من سموه من مشايخ الزهري من الصحابة كلهم من صغارهم أو ممن لم يلقهم الزهري وإن روى عنهم أو ممن لم يثبت له صحبة". (٣١) النكتة الثالثة (ص٥٦٣) : تضمنت تقوية لانتقاد العراقي للبيهقي في جعله ما رواه التابعي عن رجل من الصحابة مرسلا. قال العراقي: "وليس هذا بجيد اللهم إلا أن يسميه مرسلا ويجعله حجة كمراسيل الصحابة فهو قريب". قال الحافظ: "يريد شيخنا ألا يجعل الخلاف من البيهقي لفظيا، وقد صرح البيهقي بذلك في "كتاب المعرفة في الكلام على القراءة خلف الإمام". لكنه خالف ذلك في كتاب السنن فقال في حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري: "حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ في النهي عن الوضوء بفضل المرأة" هذا حديث مرسل، أورد ذلك في معرض رده معتذرا عن الأخذ به ولم يعلله إلا بذلك، وقد بالغ صاحب الجوهر النقي في الإنكار على البيهقي بسبب ذلك وهو إنكار متجه". (٣٢) النكتة الرابعة (ص٥٦٩) : فيها موافقة لتعقب العراقي على ابن الصلاح حيث ذكر ابن الصلاح أنه

стр. 143

لم يعد مراسيل الصحابة في جملة المراسيل التي يحكم عليها بالضعف. لأن الصحابة لا يروون إلا عن الصحابة، وهم كلهم عدول. فتعقبه العراقي بقوله: "بل الصواب أن يقال: لأن أكثر رواياتهم (يعني الصحابة) إذ قد سمع جماعة من الصحابة عن بعض التابعين". قال الحافظ: "وهو تعقب صحيح". ثم أتبع الحافظ هذا الكلام بأن بعض الحنفية ألزم من يرد المرسل أنه يرد على أصله مراسيل الصحابة لاحتمال أن يكون سمعه من تابعي ضعيف. ثم رد الحافظ هذه الشبهة بأن هذا الاحتمال ضعيف لندرة أخذ الصحابة عن التابعي الضعيف. (٣٣) النكتة الخامسة (ص٥٧٠) : كانت تعقبا على العراقي حيث قال: "فإن المحدثين وإن ذكروا مراسيل الصحابة فإنهم لم يختلفوا في الاحتجاج بها". قال الحافظ: "في إطلاق هذا النفي عن المحدثين نظر؛ فإن أبا الحسن ابن القطان صاحب بيان الوهم والإيهام منهم، وقد رد أحاديث من مراسيل الصحابة ﵃ ليست لها علة إلا ذلك، ثم ضرب الحافظ لذلك مثالا". (٣٤) النكتة السادسة (ص٥٧١) : تضمنت مدافعة عن قول العراقي: "وفي بعض شروح المنار في الأصول الحنفية دعوى الاتفاق على الاحتجاج (يعني بمراسيل الصحابة) ، ونقل الاتفاق مردود بقول الأستاذ أبي إسحاق". قال الحافظ: "وقد صرح غيره بأن الاتفاق كان حاصلا قبل الأستاذ فجعل الإسناد محجوجا بذلك، وفي ذلك نظر، فإن جماعة من أهل الأصول يوافقون الأستاذ في رأيه، وفيهم من هو قبله، فلم ينفرد بذلك في الجملة".

стр. 144

النوع العاشر: المنقطع لم ينكت فيه الحافظ على العراقي. النوع الحادي عشر: المعضل وفيه ثلاث نكت: (٣٥) النكتة الأولى (ص٥٧٢) : تضمنت تعقبا على العراقي حيث أجاب عن إشكال أورد على نقل ابن الصلاح عن أبي نصر السجزي: "أن نحو قول مالك بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "للمملوك طعامه وكسوته ... " الحديث يسميه المحدثون معضلا". قال العراقي: "وقد استشكل أن يكون هذا الحديث معضلا لجواز أن يكون الساقط بين مالك وأبي هريرة واحدا ... " والجواب: أن مالكا قد وصل هذا الحديث خارج الموطأ، فرواه عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة فقد عرفنا سقوط اثنين منه فلذلك سموه معضلا". فتعقب ابن حجر شيخه العراقي بقوله: "أقول: بل السياق يشعر بعدم السقوط؛ لأن معنى قوله بلغني يقتضي ثبوت مبلغ، فعلى هذا فهو متصل في إسناده مبهم لا أنه منقطع".

стр. 145

وقول الشيخ في الجواب أنا عرفنا منه سقوط اثنين فيه نظر على اختياره، لأنه يرى أن الإسناد الذي فيه مبهم لا يسمى منقطعا، فعلى هذا لم يسقط من الإسناد بعد التبين سوى واحد". (٣٦) النكتة الثانية (ص٦٠١) : تضمنت تأكيدا لمدافعة العراقي عن البخاري حيث اتهم بالتدليس. فقال العراقي: "حول ما يقول البخاري في صحيحه ((وقال فلان)) وهل يكون تدليسا أو لا؟ وساق مثالين من هذا النوع قد صرح البخاري فيهما بالسماع في موضعين آخرين: "وعلى هذا فلا يسمى ما وقع من البخاري على هذا التقدير تدليسا". قال الحافظ: "لا يلزم من كونه يفرق في مسموعاته بين صيغ الأداء من أجل مقاصد تصنيفه أن يكون مدلسا ومن هذا الذي صرح بأن استعمال قال إذا عبر بها المحدث عما رواه أحد مشايخه مستعملا لها فيما لم يسمعه منه يكون تدليسا، لم نرهم صرحوا بذلك إلا في العنعنة. ثم أضاف الحافظ أن هناك فرقا بين عن وقال، ونقل عن الخطيب أن كثيرا من المحدثين لا يسوون بين قال وعن في الحكم، فمن أين يلزم أن يكون قال وعن حكمهما عند البخاري سواء. وفيما قاله الحافظ نظر من أن قال إذا عبر بها المحدث عما رواه أحد مشايخه مستعملا لها فيما لم يسمعه منه لا يكون تدليسا. فهذا شيخه العراقي يقول في ألفيته تدليس الإسناد بأن يسقط من حدثه ويرتقي بعن وأن. وقال يوهم اتصالا ... فقد سوى بين عن وأن وقال؛ لأنها كلها من الصيغ المحتملة للسماع وعدمه وليست صريحة فيه ... أقول هذا مع اعتقادي بأن البخاري يتصرف تصرفا يخرجه عن وصمة التدليس حيث إذا جاء بقال أو عن في موضع من كتابه في إسناد ما فإنه يصرح بسماعه في موضع آخر تبعا لمقاصد كتابه كما أشار إليه الحافظ والعراقي، لكن غيره إذا عبر بقال عما لم يسمعه من شيخه ولم يلتزم مثل منهج البخاري فإنه حتما يكون مدلسا".

стр. 146

(٣٧) النكتة الثالثة (ص٦٠٩) : فيها تعقب على العراقي حيث حكى عن الأصوليين فيما يتعلق بتعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف أن الاعتبار يكون بالكثرة، فإذا كانت الكثرة في جانب الرفع أو الوصل رجح جانبهما، وإذا كانت في جانب الإرسال والوقف رجح جانبهما. فتعقب الحافظ هذا التعميم وقال: "هذا قول بعض الأصوليين كالرازي وأن البيضاوي مال إلى القبول مطلقا". ثم نقل عن الماوردي وابن الجوزي وأبي الحسن ابن القطان مذهب الشافعي في مسألة الرفع والوقف أن الوقف يحمل على أنه رأي الراوي والمسند على أنه روايته. وزاد ابن القطان أن الرفع يترجح بأمر آخر وهو تجويز أن يكون الواقف قصر في حفظه أو شك في رفعه. ورد عليه الحافظ بأن هذا يقابل بمثله فيترجح الوقف بتجويز أن يكون الرافع تبع العادة وسلك الجادة وضرب لذلك مثلا بين فيه رجحان الوقف على الرفع.

стр. 147

النوع الثاني عشر: المدلس وفيه أربع نكت على العراقي: (٢٨) النكتة الأولى (ص٦١٤) : تضمنت ردا على شيخه العراقي حيث استدرك على ابن الصلاح بأنه ترك من أقسام التدليس قسما ثالثا وهو تدليس التسوية وهو شر الأقسام ... الخ. قال الحافظ: "فيه مشاحة، وذلك أن ابن الصلاح قسم التدلي إلى تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ، والتسوية على تقدير تسميتها تدليسا من قبيل القسم الأول، فعلى هذا لم يترك قسما ثالثا. وإنما ترك تفريع القسم الأول أو أخل بتعريفه". قال الحافظ: "ومشى العلائي على ذلك فقال تدليس السماع نوعان، فذكره، ثم نبه الحافظ إلى أنهم فاتهم جميعا من تدليس الإسناد تدليس العطف وتدليس القطع، ثم استطرد في بحث التسوية وما يسمى منها تدليسا، وضرب لذلك أمثلة". وذكر الحاكم أنه قسم التدليس إلى ستة أقسام وتبعه أبو نعيم في ذلك. ثم ذكر الحافظ أن حاصل هذه الأقسام يرجع إلى القسمين اللذين ذكرهما ابن الصلاح.

стр. 148

(٣٩) النكتة الثانية (ص٦٢٢) : فيها تعقب على ابن الصلاح والعراقي في تعريف التدليس حيث قال ابن الصلاح: "أن يروي الراوي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهما سماعه سواء لقيه أو لم يلقه" فأيده العراقي وقال: أنه المشهور بين أهل الحديث ... فتعقبهما الحافظ: "بأن الذي يظهر من تصرفات الحذاق منهم أن التدليس مختص باللقى، فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين مثل: قيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي ﷺ من قبيل المرسل لا من قبيل المدلس. ونقل الخطيب ما يؤيد هذا الرأي". (٤٠) النكتة الثالثة (ص٦٢٦) : فيها تعقب على العراقي حيث نقل عن ابن الصباغ حكم تدليس الشيوخ ومنه: "وإن كان لصغر سنه فيكون ذلك رواية عن مجهول لا يجب قبول خبره حتى يعرف". قال الحافظ: "وفيه نظر، لا يصير بذلك مجهولا إلا عند من لا خبرة له بالرجال وأحوالهم وأنسابهم وبلدانهم وحرفهم وألقابهم وكناهم، فتدليس الشيوخ دائر بين ما وصفنا، فمن أحاط بذلك علما لا يكون الرجل المدلس عنده مجهولا، وتلك أنزل مراتب المحدث". ثم أردف ذلك بذكر مصلحة التدليس ومفسدته وامتحان المحدثين طلبتهم به؛ ليتبين حفظهم وفهمهم أو عدم ذلك. (٤١) ٤- النكتة الرابعة (ص٦٣٢) : كانت شرحا وتوضيحا لما نقله العراقي عن الخطيب من ثبوت الخلاف في رواية المدلس الثقة إذا صرح بالسماع.

стр. 149

قال الحافظ: "حكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص فقال التدليس جرح، وأن من ثبت أنه كان يدلس لا يقبل حديثه مطلقا". قال: "وهو الظاهر من أصول مالك". ونقل نحو ذلك عن يحيى بن معين.

стр. 150

النوع الثالث عشر: معرفة الشاذ وفيه على العراقي نكتتان: (٤٢) النكتة الأولى (ص٦٥٤) : تضمنت اعتراضا على العراقي إذ قال: "ولكن الخليلي يجعل تفرد الثقة شاذا صحيحا". فتعقبه الحافظ بقوله: "فيه نظر فإن الخليلي لم يحكم له بالصحة بل صرح بأنه يتوقف فيه ولا يحتج به". (٤٣) النكتة الثانية (ص٦٧١) : اشتملت على تعقب على العراقي حيث ذكر عن حديث ابن عمر في النهي عن بيع الولاء وهبته، أنه رواه غير يحيى بن سليم (يعني عن عبيد الله بن عمر) . فتعقبه الحافظ بقوله: "ليس هذا متابعا ليحيى بن سليم عن عبيد الله، وقد وجدت له متابعا، فذكر سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه عن عبيد الله، وقبيصة عن سفيان الثوري عن عبيد الله، ثم بين أن قبيصة قد وهم، لأن الشيخين قد خرجاه من حديث الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر".

стр. 151

النوع الرابع عشر: المنكر وفيه نكتتان: (٤٤) النكتة الأولى (ص٦٧٦) : تضمنت تعقبا على العراقي حيث ذكر أن جماعة من أصحاب الزهري خالفوا مالكا في قوله في إسناد حديث أسامة بن زيد: "لا يرث المسلم الكافر ... " عمر بن عثمان بدل عمرو بن عثمان. فتعقبه الحافظ بقوله: "في رواية هشيم مخالفة في المتن أشد من مخالفة مالك في اسم أحد رواة الإسناد، فكان التمثيل به أولى (يعني للمنكر) ". ثم بين الحافظ مخالفة هشيم في المتن وأشار إلى سبب الخطأ. (٤٥) النكتة الثانية (ص٦٧٦) : فيها تعقبا على العراقي في تمثيله للمنكر بحديث أنس في وضع النبي ﷺ الخاتم عند دخول الخلاء من طريق ابن جريج عن الزهري عن أنس، ونقل عن أبي داود حكمه عليه بالنكارة، ثم بين علة ذلك. فأورد الحافظ احتمالا يبعد هذا الحديث أن يكون منكرا. وأورد مثالا رأى أنه هو الصالح للتمثيل به. النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد

стр. 152

النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات النوع السابع عشر: معرفة الأفراد وهذه الثلاثة الأنواع لم ينكت فيها الحافظ على العراقي. النوع الثامن عشر: معرفة الحديث المعلل وفيه عشرة نكت: (٤٦) النكتة الأولى (ص٧١٥) : كانت تعقبا على العراقي حيث ذكر حديث ((كفارة المجلس)) وسؤال مسلم للبخاري عن هذا الحديث من طريق ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا، فأجاب البخاري هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد إلا أنه معلول. قال العراقي: "هكذا أعل الحاكم في علومه هذا الحديث بهذه الحكاية والغالب على الظن عدم صحتها، وأنا أتهم بها أحمد بن حمدون القصار راويها عن مسلم، فقد تكلم فيه، وهذا الحديث صححه الترمذي وابن حبان والحاكم". فتعقبه الحافظ بقوله: "قلت: الحكاية صحيحة قد رواها الحاكم على الصحة من غير نكارة، وكذا رواها البيهقي عن الحاكم على الصواب، لأن المنكر إنما هو قوله: إن البخاري قال: لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد المعلول، والواقع أن في الباب عدة أحاديث لا يخفى مثلها على البخاري".

стр. 153

والحق أن البخاري لم يعبر بهذه العبارة. قال الحافظ: "وقد رأيت أن أسوق لفظ الحكاية هذه من الطرق التي ذكرها الحاكم وضعفها الشييخ". ثم أسوقها من الطرق الأخرى الصحيحة التي لا مطعن فيها ولا نكارة، ثم أبين حال الحديث ومن أعله أو صححه لتتم الفائدة. ثم وفى الحافظ بما وعد وأطال النفس في ذلك. هذا وقد ذكر العراقي أن الحديث ورد من حديث جماعة من الصحابة، فذكر منهم ثمانية وهم: ١- أبو برزة. ٢- رافع بن خديج. ٣- الزبير بن العوام. ٤- عبد الله بن مسعود. ٥- عبد الله بن عمرو. ٦- السائب بن يزيد. ٧- أنس بن مالك. ٨- عائشة. وأنه بيّن أحاديثهم في تخريج الإحياء. فقال الحافظ: "إنما بينها في التخريج الكبير فقد لا يصل إلى الفائدة منه كل أحد، فرأيت عزوها إلى من خرجها على طريق الاختصار بزيادة كبيرة جدا في العزو إلى المخرجين". ثم ذكر الحافظ ما وعد به، وتوسع في تخريجها وعزوها إلى مصادر كثيرة، وبين اختلاف الطرق عندما يوجد اختلاف على بعض الرواة.

стр. 154

ثم زاد على أحاديث الصحابة السابق ذكرهم حديث: ١- أبي بن كعب. ٢- حديث معاوية. ٣- حديث ابن عمر. ٤- حديث أبي أمامة. ٥- حديث أبي سعيد الخدري. ٦- حديث علي. ٧- حديث رجل من الصحابة. ٨- حديث أبي أيوب. ثم عزا الحافظ هذه الأحاديث كلها إلى مصادرها وبين عللها وخرج بعض الآثار في الموضوع. ثم ترجم لأحمد بن حمدون القصار، وذكر من جرحه ومن عدله، ونفى عنه التهم وقرر أنه لا يدفع عن الصدق ولا ينبغي اتهامه، ورحج أن الخطأ في احكاية من الحاكم وهو قوله: "لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث". وأن الثابت إنما هو "لا أعلم في الدنيا بهذا الإسناد غير هذا الحديث" وهو كلام مستقيم. (٤٧) النكتة الثانية (ص٧٤٩) : فيها تكميل واستدراك على العراقي وذلك أن الحافظ: مثل لما وقعت العلة فيه في المتن دون الإسناد بحديث أنس: "لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها"، ثم قال: وقد تكلم شيخنا على هذا الموضع بما لا مزيد عليه في الحسن، إلا أن فيه مواضع تحتاج إلى تنبيه عليها فمنها قوله: "إن ترك قراءة البسملة في حديث أنس ورد من ثلاث طرق وهي:

стр. 155

أ- رواية حميد. ب- رواية قتادة. ج- رواية إسحاق بن أبي طلحة. قال الحافظ: "قد يتوهم منه أن باقي الروايات عن أنس ليس فيها تعرض لتركها، وليس كذلك بل قد جاء ترك الجهر بها أيضا أ- من رواية ثابت. ب- والحسن ابن أبي الحسن ج- ومنصور بن زاذان. د- وأني نعامة قيس بن عباية. ?- وأبي قلابة. و وثمامة بن عبد الله بن أنس. ثم ذكر الحافظ طرقها والكتب التي أخرجتها. ثم قال: "فهذه الروايات متضافرة على عدم الجهر". (٤٨) ٣- النكتة الثالثة (ص٧٥٢) : اشتملت على تعقب على العراقي وابن عبد البر، حيث نقل العراقي ادعاء ابن عبد البر الاضطراب في حديث أنس في نفي الجهر بالبسملة، وأقرن على هذا الادعاء. قال الحافظ: "وليس بجيد؛ لأن الاضطراب شرطه تساوي وجوهه ولم يتهيأ الجمع بين مختلفها أما مع إمكان الجمع بين ما اختلف من الروايات ولو تساوت وجوهها، فلا يستلزم اضطرابا، وهذا في الحديث موجود وأشار إلى كيفية الجمع بينها؟ " (٤٩) النكتة الرابعة (ص٥٣٣) : فيها اعتراض على العراقي حيث ذكر أن رواية الوليد بن مسلم عن

стр. 156

الأوزاعي التي أخرج بها مسلم حديث أنس في نفي الجهر بالبسملة معلولة بتدليس الوليد تدليس التسوية. قال الحافظ: "لا يتجه تعليله بتدليس الوليد؛ لأنه صرح بسماعه وصرح بأن الأوزاعي ما سمعه من قتادة وإنما كتب به إليه، وقتادة سمعه من أنس". ثم ساق الإسناد الذي صرح فيه قتادة بسماعه من أنس وبين أنه كان الأولى بالعراقي أن يعلل هذا الإسناد بجهالة كاتب قتادة. (٥٠) النكتة الخامسة (ص٧٥٦) : تضمنت تعقبا على العراقي حيث رجح رواية ابن عبد البر لحديث أنس: "كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين" من طريق محمد بن كثير على رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي التي فيها نفي البسملة. قال الحافظ: "أقول: الوليد بن مسلم أحفظ من محمد بن كثير بكثير، ومع ذلك فقد صرح الوليد بسماعه فيما أخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريق دحيم وهشام بن عمار عنه، وكذا أخرجه الدارقطني من طريق هشام ثنا الوليد ثنا الأوزاعي ... ثم الحافظ تنبيها تعقب فيه العراقي حيث عزا رواية محمد بن كثير إلى ابن عبد البر في حين أنه رواها أبو عوانة في صحيحه، والطحاوي في شرح معاني الآثار والجوزقي في المتفق. قال الحافظ: "فعزوها إلى أحدهم أولى من عزوها إلى ابن عبد البر لتأخر زمنه". (٥١) النكتة السادسة (ص٧٥٨) : كانت تعقبا على العراقي حيث ذكر أن حميدا صرح بذكر قتادة في روايته لحديث نفي الجهر بالبسملة فيما رواه ابن أبي عدي. قال الحافظ: "هذا يوهم أن حميدا لم يسمعه من أنس أصلا، وإنما دلسه

стр. 157

عنه كذلك، فإن حميدا كان قد سمعه من أنس، لكن موقوفا وهذا في رواية مالك كما في الموطآت، ورواه عنه حفاظ أصحابه موقوفا". (٥٢) النكتة السابعة (ص٧٦٠) : فيها تعقب على العراقي وأبي شامة وذلك أن كلا من قتادة وأبي سلمة سألا أنسا عن قراءة النبي ﷺ فأجابهما بجوابين مختلفين، فنقل العراقي عن أبي شامة أنهما سؤالان. فسؤال فتادة عن الاستفتاح بأي سورة، وفي صحيح مسلم أن قتادة قال: نحن سألناه عنه، وسؤال أبي سلمة عن البسملة وتركها. قال الحافظ: "وفيه نظر؛ لأنه يوهم أن اللفظ المذكور في صحيح مسلم – يعني الاستفتاح – وليس كذلك بل الذي فيه ((فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم". فهذا لفظ صريح في أن السؤال كان عن عدم سماع القراءة لا عن الاستفتاح بأي سورة. ثم نقل سؤال قتادة من عدد من المصادر ثم عقبه بقوله فوضح بذلك أن سؤال قتادة ليس مخالفا لسؤال أبي سلمة.. ثم جمع بين بين الإجابتين عن هذا السؤال بأن سؤال أبي سلمة كان متقدما وفي حال نسيان أنس، وسؤال قتادة كان متأخرا، وفي حال كان فيها متذكرا فأجابه بأنه لم يسمع قراءة بسم الله الرحمن الرحيم من النبي ﷺ ولا منأحد من الخلفاء في حال الصلاة. (٥٣) النكتة الثامنة (٧٦٢) : تضمنت اعتراضا على دعوى العراقي أن جواب أنس حين سئل عن قراءة النبي ﷺ قال مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم أن ذلك يشمل حال الصلاة وخارجها ...

стр. 158

قال الحافظ: "فيه نظر؛ لأن الأعم لا دلالة له على الأخص والمراد أن النبي ﷺ كان حيث يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم فأين له من هذه الأحاديث أنه كان يجهر بها في الصلاة". (٥٤) ٩- النكتة التاسعة (ص٧٦٤) : فيها تعقب على العراقي حيث ساق حديث قتادة عن أنس "كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين" ثم حكى عن الشافعي أنه أوله بمعنى يبدأون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها، ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم. قال العراقي: "ما أوله به الشافعي مصرح به في رواية الدارقطني ... " فتعقبه الحافظ بقوله: "لم يبين الشيخ رواية الدارقطني كيف هي؟ "وظاهر السياق يشعر بأنها من رواية قتادة عن أنس ﵁ وليس كذلك، فإنها عنده من رواية الوليد عن الأوزاعي عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس ﵁، وقد رواها راويها بالمعنى بلا شك، فإن رواية الوليد بلفظ يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، فرواها بعض الرواة بلفظ بدأ بأم القرآن بدل الحمد لله رب العالمين فلا تنتهض الحجة بذلك. (٥٥) النكتة العاشرة (ص٧٦٥) : تضمنت تعقبا على العراقي حيث قال بعد سياقه لحديث قتادة عن أنس: "فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم" قال: "ولا يلزم من نفي السماع نفي الوقوع". قال الحافظ: "وللمخالف أن يقول: لكن التوفيق بين الروايتين أن يحمل نفيه للقراءة على عدم سماعه لها، فتلتئم الروايتين في عدم الجهر".

стр. 159

النوع التاسع عشر: معرفة المضطرب النوع العشرون: معرفة المدرج هذان النوعان لم ينكت فيهما الحافظ على العراقي. النوع الحادي والعشرون: معرفة الموضوع وفيه نكتتان على العراقي: (٥٦) النكتة الأولى (ص٨٤٠) : تضمنت تعقبا على قول العراقي: "وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم على الحديث بالوضع بإقرار واضعه لأن فيه عملا بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع فقال – في الاقتراح -: "هذا كاف برده ليس بقاطع ... الخ". قال الحافظ متعقبا لشيخه ومبينا لمقصود ابن دقيق العيد من كلامه هذا: "كلام ابن دقيق العيد ظاهر في أنه لم يستشكل الحكم لأن الأحكام لا يشترط فيها القطعيات، ولم يقل أحد إنه يقطع بكون الحديث موضوعا بمجرد الإقرار، وإنما نفى ابن دقيق العيد القطع بكون الحديث موضوعا بمجرد إقرار الراوي بأنه وضعه ... وثبوت فسقه لا يمنع العمل بموجب إقراره كالقاتل مثلا إذا اعترف بالقتل عمدا من دون تأويل، فإن ذلك يوجب فسقه ومع ذلك

стр. 160

فنقتله عملا بموجب إقراره مع احتمال كونه في باطن الأمر كاذبا في ذلك الإقرار بعينه". (٥٧) ٢- النكتة الثانية (ص٨٦٠) : ضمنت ردا على اعتراض أورده على قول العراقي في شأن حديث ثابت بن موسى: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار". قال ابن عدي: "لا يعرف إلا بثابت بن موسى، وسرقه جماعة منه من الضعفاء عبد الحميد بن بجر وعبد الله بن شبرمة الشريكي". فادعى المعترض على العراقي بأن عبد الله بن شبرمة الكوفي الفقيه رواه عن شريك أيضا فيما رواه أبو نعيم في تاريخه، وعبد اله بن شبرمة هو الفقيه الكوفي أحد الأعلام احتج به مسلم". قال الحافظ: "وأخطأ هذا المتأخر خطأ فاحشا لا مستند له ولا عذر؛ لأن عبد الله بن شبرمة المذكور هو الشريكي وهو كوفي أيضا وأما الفقيه فإنه قديم على هذه الطبقة، ثم ساق كلاما يدعم به ما يقول. وهنا انتهت تعقبات الحافظ على شيخه العراقي ... وهناك انتقادات للحافظ على علماء آخرين يوردها خلال بحوثه واستطراداته في هذا الكتاب.

стр. 161

الفصل الثالث: في مناهج الحفاظ الثلاثة ابن حجر وابن الصلاح والعراقي أ- منهج الحافظ ابن حجر: ١- لقد سلك الحافظ ابن حجر في نكته على كل من الإمام ابن الصلاح والحافظ العراقي وغيرهما مسلك الناقد البصير الشجاع الصريح في آرائه وتعقباته مع الأدب والإجلال والتقدير، غير أن الحق أكبر في نظره من الأشخاص، فهو يقول ما يعتقده أنه الحق حينما ينتقد ويقيم الأدلة على صواب رأيه، وحينما يدافع يقول ما يرى أنه الحق مع إقامة حججه على ما يرى. ٢- ويمتاز الحافظ على كثير من الباحثين والناقدين بتقصي الأقوال في المسائل المختلف فيها والتوسع في ذلك وإطالة النفس فيه وعرض الأدلة لكل جانب بأسلوب علمي رصين يروي ظمأ المتعطش للاطلاع. فمثلا إذا ذكر ابن الصلاح أو العراقي أو غيرهما رأيا أو مثالا لأي نوع من أنواع الحديث كالمرسل أو الشاذ أو المعل أو المعضل أو المضطرب أو غيرها من أنواع علوم الحديث، وكان هناك مجال للأخذ والرد والتصحيح والتعليل فإن الحافظ يورد كل الطرق لذلك الحديث الممثل به ويناقش أسانيده ناقلا أقوال العلماء ومبديا رأيه في كل طريق وينفذ في الأخير إما إلى الجمع بين تلك الطرق التي استعصى فيها الجمع على غيره

стр. 162

وإما إلى الترجيح وأحيانا يصل إلى دفع الاضطراب أو نفي الشذوذ والنكارة أو الضعف إذا حكم غيره على حديث من الأحاديث بشيء من ذلك. ويسوق ما يرى أنه يصلح للتمثيل. ٣- ويمتاز بالإنصاف في ملاحظاته وتعقباته سواء كان ناقدا أو مدافعا، فهناك علماء تعقبوا ابن الصلاح، وآخرون دافعوا عنه، فينقل الحافظ أقوال المدافعين أو المتعقبين ويناقشها ثم لا يتردد في إعلان رأيه بالصواب سواء في هذا الجانب أو ذاك. ٤- يمتاز الحافظ بالاستقراء التام والتتبع الوافر للمسائل والقضايا التي يريد أن يعطي فيها أحكاما، فيصل فيها بتوفيق الله إلى نتائج حاسمة، ربما خاض غيره في تلك القضايا ولم يحالفه التوفيق، فمن تلكم القضايا الأحاديث المعلقة في صحيح البخاري وشرط مسلم في صحيحه، وهل استوفى روايات الطبقات الثلاث التي ذكرها في مقدمته. وشرط أبي داود في سننه، وما يسكت عنه في سننه، هل يصلح للاحتجاج أو الاستشهاد، وأقسام هذا النوع الذي يسكت عنه. وما يحسنه الترمذي فقط أو يقول فيه حسن صحيح، وشرط النسائي، وهل هو متشدد أو متساهل؟ ومتى يترك وكيف يترك الرواية عن الرجل؟ وشرط ابن ماجة ومكانته، وشرط الحاكم في المستدرك، وهل فيه أحاديث على شرط الشيخين؟ وتقييم أحاديثه وتقسيمها والمستخرجات وأحكامها وفوائدها، والمسانيد ودرجاتها، كل هذه الأمور خاض فيها العلماء وأبدوا فيها آراءهم، فمنهم من يبعد النجعة، ومنهم منن يقارب الحقيقة ويحوم حولها ولا يبديها واضحة، فيأتي الحافظ ويكشف عن الحقيقة كشفا كاملا، ويعطي كل موضوع حقه من التوضيح والتفصيل القائمين على الدراسة المستوعبة والاستقراء الكامل، مما يجعل القارئ يرى الصواب أمام عينيه ويلمس الحقيقة بيديه.

стр. 163

٥- ومن منهجه الرجوع إلى المصادر الأصلية والأخذ منها مباشرة والعزو إليها غالبا والتنصيص على الأبواب أحيانا، في تلك الكتب التي ينقل عنها، ولا ينقل النص من كتاب تأخر زمانه إذا كان في كتاب متقدم. ويحاسب غيره إذا خرج عن هذا السنن، حاسب على ذلك الحافظ ابن الصلاح حينما نقل عن أبي عمرو الداني إجماع أئمة النقل على قبول الإسناد المعنعن فقال الحافظ ناقدا له: "إنما أخذه الداني من كلام الحاكم، ولا شك أن نقله عن الحاكم أولى، لأنه من أئمة الحديث، وقد صنف في علومه، وابن الصلاح كثير النقل من كتابه"، فكيف نزل عنه إلى النقل عن الداني. وأعجب من ذلك أن الخطيب قاله في الكفاية التي هي معول المصنف في هذا المختصر. وحاسب على ذلك شيخه العراقي حيث عزا إحدى الروايات المتعلقة بالبسملة إلى ابن عبد البر فتعقبه الحافظ قائلا: "رواها أبو عوانة في صحيحه وأبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار، وأبو بكر الجوزقي في المتفق، فعزوها إلى رواية أحدهم أولى من عزوها إلى ابن عبد البر لتأخر زمانه". والحق يقال: "إن هذا المنهج وهو منهج عزو الأقوال إلى قائليها والنصوص إلى مصادرها خصوصا الأصلية منها وتقديم أهل الاختصاص على غيرهم هو منهج علماء الأمة الإسلامية، وهم أساتذة الدنيا في هذا الميدان، خصوصا علماء الحديث وعليهم تتلمذ وتتطفل أهل الغرب والشرق من الكتاب والمؤلفين من غير المسلمين، فإذا اعتقد أحد أن هذا ما أسدته إلينا الحضارة الغربية، وأن المستشرقين المبشرين هم الذين علمونا هذا الأسلوب في دقة النقل فإنما أتي من جهله بالتراث الإسلامي وتأريخ أسلافه العظماء. ولو وجدت المطابع في عهدهم لكانوا أسبق الناس إلى الإشارة إلى الأجزاء والصفحات من الكتب التي ينقلون منها النصوص".

стр. 164

والحاصل أن الحافظ لم ينتقد هذين الشيخين في هذا التصرف إلا لأنهما خرجا عن المألوف وعن منهج معروف أخذه اللاحق من علماء المسلمين عن السابق، وهذه مؤلفاتهم أكبر شاهد على ذلك وإن كانوا يتفاوتون في دقة الالتزام في ذلك، والحافظ من أكثرهم التزاما به، وقد يكون في علماء المسلمين من يفوق الحافظ في ذلك كأبي الحجاج المزي في أطرافه. ٦- يمتاز الحافظ بضبطه للتعاريف وتحريرها تحريرا دقيقا بحيث يطمئن إلى سلامتها من الإيرادات والانتقادات التي اعتاد العلماء توجيهها إلى التعاريف والحدود. ٧- الدقة في التعبير عن المعاني؛ فإذا كان في عبارة غير غموض أو قصور قال الحافظ: إذا كان يريد كذا فحق التعبير أن يكون كذا وكذا. ٨- ومن عادة الحافظ الاستفادة من مصنفاته، فينقل من مصنف إلى مصنف عند المناسبة ما يرى أن المقام يتطلبه وما يرى أنه يفيد القارئ، فنقل في كتابه هذا كثيرا من مؤلفاته كفتح الباري وتغليق التعليق وتهذيب التهذيب. وإذا كان البحث طويلا لخصه، وإذا كان الكتاب صغيرا ذكر خلاصته ككتاب ترتيب المدرج. كما نقل من كتابه هذا وأحال عليه في فتح الباري في عدد من المواضع، وذكره وأحال عليه في كتابه نزهة النظر. وأخيرا فابن حجر باحث عظيم وجولاته الواسعة في هذا الكتاب وفي مؤلفاته الكثيرة الخصبة تشهد له وتدل على سعة أفقه وسعة اطلاعه وعبقريته. ب- منهج ابن الصلاح: أترك المجال هنا للأستاذ نور الدين العتر ليتحدث عن منهج ابن الصلاح حيث يقول: "وامتاز في منهجه - يعني ابن الصلاح - على ما سبقه من التصانيف بمزايا جعلته عمدة هذا الفن نذكر منها:

стр. 165

١- الاستنباط الدقيق لمذاهب العلماء وقواعدهم من النصوص والروايات المنقولة عن أئمة الحديث في مسائل علوم الحديث، والاكتفاء بذكر حاصلها، ولم يذكر من تلك الأخبار غلا القدر المناسب للمقام. ٢- ضبط التعاريف التي سبق بها، ووضع تعاريف لم يصرح بها من قبله. ٣- تهذيب عبارات السابقين والتنبيه على مواضع الاعتراض فيها. ٤- التعقب على أقوال العلماء بتحقيقاته واجتهاده، ويصدر ذلك عادة بـ (قلت) ويشعر القارئ الكتاب أن مصنفه قد رصد مسائل العلم بدقة تحقيقا جعل شخصيته تطغى على كل ما سبق؛ إذ لا يكاد يمر بصفحة إلا ويجد للمؤلف كلاما واجتهادا يبدؤه بعبارة قلت. ويلاحظ أن التواضع والاحتياط غلب عليه ﵀، فختم كل فقرة من كتابه بقوله - والله أعلم –"١. ج- أما العراقي فنتركه ليحدثنا عن عمله في نكته على ابن الصلاح: قال ﵀: "وبعد فإن أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب علوم الحديث لابن الصلاح، جمع فيه غرر الفوائد فأوعى، ودعا له زمر الشوارد فأجابت طوعا، إلا أن فيه غير موضع قد خولف فيه، وأماكن أخر تحتاج على تقييد وتنبيه، فأردت أن أجمع عليه نكتا تقيد مطلقه، وتفتح مغلقه، وقد أورد عليه غير واحد من المتأخرين إيرادات ليست بصحيحة، فأردت أن أذكرها وأبين تصويب كلام الشيخ وترجيحه لئلا يتعلق بها من لا يعرف مصطلحات القوم، وينفق من مزجى البضاعات ما لا يصلح للسوم" فعمله يتمثل في امرين:

стр. 166

١- في شرحه لكثير من كلام ابن الصلاح. ٢- في الدفاع عنه وترجيح كلامه، وهذا هو غالب عمله. وغلى جانب هذا له انتقادات وتعقبات على ابن الصلاح وإضافات تكميلية لبعض البحوث التي رأى العراقي أن المقام يقتضيها. رحم الله الجميع وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرا.

стр. 167

الفصل الرابع: في تعقباتي على الحافظ ... الفصل الرابع: في تعقيباتي على الحافظ هناك مناقشات وتعقبات يسيرة على الحافظ ابن حجر لاحظتها خلال عملي ودراستي لكتابه النكت، رأيت أن أقدم بعضها للقارئ، وإن كنت وأمثالي في بادئ الرأي في مستوى لا يؤهل لتعقب أمثاله، ولكن الإسلام الذي يقدس الحق ويعلي شأنه ويرفعه فوق كل الاعتبارات، وتاريخنا الإسلامي حافل بمناقشات الصغار للكبار ولفت أنظارهم إلى الصواب وإذعان الكبار للحق ورجوعهم عما كانوا عليه، ومنهج أهل الحديث في نقد اللاحق للسابق، بل لماذا أذهب بعيدا ولدينا الحافظ ابن حجر وكتبه حافلة بالنقد ومنها كتابه هذا. كل ذلك شجعني أن أقدم للقراء الكرام بعض هذه الملاحظات في حدود إدراكي، ولا أدعي أني على الصواب فيها بل أرجو ممن يقف عليها ويتبين له فيها أو بعضها خطأ أن يبين لي وجه الصواب، فمن تلكم التعقبات: أنه في كثير من المواضع التي ينكت فيها على ابن الصلاح والعراقي يأتي إلى كلام مترابط فيأخذ قطعة منه ويقول: قوله كذا ويكون فهم المراد منها متوقفا على ما قبلها أو على ما بعدها وهذا التصرف من الحافظ لا يصلح إلا إذا كان كتابه هذا هامش على الكتابين لكي يرجع القارئ عند الحاجة والاستشكال إلى الأصل عن كثب. لكن الحافظ ﵀ قد فصل كتابه عن أصليه وجعله كتابا مستقلا ومن هنا نشأت الإشكالات.

стр. 168

لذا اضطررت إلى أن أسوق ما يتوقف عليه فهم الكلام من كلام ابن الصلاح والعراقي، سواء كان ذلك الكلام سابقا أو لاحقا حتى يفهم القارئ كل مواضع النقد، ومواضع الأخذ والرد. وكان عمل العراقي أفضل وأسلم من هذه الناحية، وكتابه يصلح أن يكون مستقلا عن أصله (كتاب ابن الصلاح) وذلك أنه يسوق النص الذي يريده كاملا ثم يبدي ما يراه من تعقب أو دفاع. هذا ما رأيته فيما يتعلق بوضع الكتاب وتأليفه بصفة عامة وهناك تعقبات تتعلق بمسائل الكتاب، فمنها: ١-قال الحافظ ﵀ في خلال كلامه على مفردات مقدمة كتاب ابن الصلاح متعقبا عليه: "ولم أر في جمع رذل رذالة، وإنما ذكروا أرذال ورذول ورذلاء وأرذلون ورذال". ولكني وجدت في لسان العرب ١/ ١١٥٨ وفي القاموس المحيط ٣/ ٣٨٤ "وهم رذالة الناس ورذالتهم" فابن الصلاح إذن كان على الصواب. ٢- قال الحافظ قوله ص: "وسفلتهم - بفتح السين وكسر الفاء وفتح اللام - وزن فرحة جمع سفلة - بكسر السين وسكون الفاء - وفيه نظر فإن في القاموس ٣/٣٩٦ وفي لسان العرب ٢/١٥٩ وسفلة الناس وكفرحة أسلافهم وغوغائهم". فأنت ترى أنهما اعتبرا اللفظين بمعنى واحد، وليس أحدهما مفردا والآخر جمعا، واعتبرهما في أساس البلاغة ص٢٩٩ جمعا لسفيل كعلية جمع لعلي. ٣- قال الحافظ في التنبيه الأول التابع للنكتة السابعة عشرة: مراده (يعني ابن الصلاح) بالشاذ هنا ما يخالف الراوي فيه من هو أحفظ منه أو أكثر كما فسره الشافعي، لا مطلق تفرد الثقة كما فسره الخليلي. وفيه أمران: الأول: أن ابن الصلاح ذكر أن الشاذ المردود قسمان:

стр. 169

أحدهما: الحديث الفرد المخالف. الثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف. الثاني: أن الخليلي لم يفسر الشاذ بمطلق تفرد الثقة وإنما هذا تفسير الحاكم للشاذ. أما الخليلي فقال: "الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة. فما كان غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" ولعل الحافظ أراد مطلق التفرد. ٤- ذكر الحافظ مثالا للتعليق الممرض الذي يصح إسناده ولا يبلغ شرط البخاري لكونه لم يخرج لبعض رجاله. والمثال هو: قال البخاري: ويذكر عن عبد الله بن السائب ﵁ قال: قرأ النبي ﷺ المؤمنون في صلاة الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع. (قال الحافظ هو حديث صحيح رواه مسلم وذكر إسناده) . ثم قال الحافظ: "ولم يخرج البخاري بهذا الإسناد شيئا سوى ما لم يبلغ شرطه لكونه معللا". ثم إن ما أشار إليه الحافظ هنا من كونه معللا قد بينه في الفتح ٢/٢٥٦ بقوله: "واختلف في إسناده على ابن جريج فقال ابن عيينة عنه عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن السائب أخرجه ابن ماجة. وقال أبو عاصم النبيل عنه - يعني ابن جريج - عن محمد بن عباد عن أبي سلمة ابن سفيان أو سفيان بن أبي سلمة. وكان البخاري علقه بصيغة "ويذكر لهذا الاختلاف مع أن إسناده مما تقوم به الحجة". أقول: "الظاهر أن البخاري ما علق هذا الحديث إلا لأنه ليس

стр. 170

على شرطه لكونه لم يخرج لبعض رجاله كأبي سلمة ابن سفيان، لا من أجل الاختلاف على ابن جريج؛ لأن الاختلاف ليس محصورا بين ابن عيينة وأبي عاصم كما صوره الحافظ إذ قد وافق أبا عاصم ثلاثة من الأئمة الحفاظ" وهم: ١- خالد بن الحارث ثقة ثبت روايته في س. ٢- وحجاج بن محمد المصيصي ثقة ثبت وروايته في حم. ٣- وعبد الرزاق في مصنفه. فهؤلاء الربعة من الأئمة الحفاظ خلفوا ابن عيينة وإن كان إماما حافظا لكن مخالفته لكثرة من الحفاظ تجعل روايته شاذة كما هو معلوم من علوم الحديث من أن الشاذ هو أن يخلف الثقة من هو أوثق منه أو أكثر، وإذا - والله أعلم - إنه ليس سبب تعليق البخاري لهذا الحديث هو الاختلاف على ابن جريج، وإنما هو قصور بعض رجال الإسناد عن شرطه، إذ لو كان الإسناد كله على شرطه لما صده هذا الاختلاف إخراجه من الجانب الراجح عن أبي عاصم أو حجاج أو غيرهما؛ لأنه قد خرج أحاديث في صحيحه مع وجود الاختلاف في أسانيدها، وقد يكون الاختلاف فيها شديدا كحديث أبي إسحاق السبيعي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: "أتيت النبي ﷺ بحجرين وروثة ... " الحديث في خ رقم ١٥٦ مع الاختلاف الشديد فيه أخرجه من الطريق الراجحة في نظره وله نظائر. ٥- قال الحافظ: "سمى الدمياطي ما علقه البخاري عن شيوخه حوالة، فقال في كلامه على حديث أبي أيوب في الذكر: أخرجه البخاري حوالة فقال: قال موسى بن إسماعيل: ثنا وهيب عن داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب وفيما قاله الحافظ نظر، لأن الدمياطي إنما سماه حوالة لأن البخاري ذكره أولا من حديث

стр. 171

أبي هريرة، ثم عقبه بأسانيد مرجعها أبو أيوب، ولم يذكر متن تلك الأسانيد إلى أبي أيوب ركونا إلى ما سبق ذكره عن أبي هريرة، فهو حوالة حقيقية وعلى هذا الأساس سماه الدمياطي حوالة، لا لأنه جاء معلقا. ٦- ذكر العراقي: أن الأحاديث المعلقة في (صحيح مسلم) تبلغ أربعة عشر. فتعقبه الحافظ بأنها لا تبلغ إلا ثلاثة عشر، بل الواقع أنها اثنتا عشر، وأن الذي أوقع العراقي في الوهم في عدد هذه الأحاديث متابعته للجياني والمازري، وذلك أن الجياني ذكر أنها أربعة عشر، ولكن لما سردها أورد منها حديثا مكررا وهو حديث ابن عمر: "أرأيتكم ليلتكم هذه" ثم عد الحافظ الأحاديث المذكورة ووقع في وهمين: الأول: أنه أسقط حديث ابن عمر سهوا فلم يعده في هذه الأحاديث. والثاني: أنه كرر واحدا من هذه الأحاديث التي عدها وهو حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ماعز في اعترافه بالزنا، فعلى هذا ما عده الحافظ لا يزيد على أحد عشر موضعا، ولا يبلغ اثني عشر إلا بحديث ابن عمر الذي كرره غيره وأسقطه هو سهوا. ٧- ذكر الحافظ أن الأحاديث المنتقدة من الصحيحين يتعين استثناؤها ما تلقته الأمة بالقبول المفيد للعلم النظري. وفيما قاله نظر، والصواب في نظري فيه التفصيل، فإذا كان الحديث المنتقد من الكتابين ليس له إلا إسناد واحد، وتوجه إليه النقد، فإنه والحالة هذه يستثنى مما تلقي بالقبول ولا يفيد العلم النظري، وإن كان له طريق أو طرق أخرى في الصحيحين أو أحدهما وسلمت من الانتقاد فإنه والحالة هذه داخل فيما تلقي بالقبول والعلم النظري حاصل به كسائر أحاديث الصحيحين المتلقاة بقبول سواء بسواء.

стр. 172

٨- ذكر الحافظ أمثلة لما يصفه الترمذي بالحسن وهو حديث المستور والضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط والخطأ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف قال: فكل ذلك عنده من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة وهي: ١- أن لا يكون فيهم من يتهم بالكذب. ٢- وأن لا يكون الإسناد شاذا. ٣- وأن يروى ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدا. وقد درست هذه الأمثلة التي مثل بها الحافظ فوجدت فيها مجالا للنظر، ولا يصح أن يؤخذ منها قاعدة في اصطلاح الترمذي في هذا اللفظ، وذلك أن من هذه الأمثلة ما قال فيه الحافظ إن الترمذي وصفه بالحسن لمجيئه من غير وجه فوجدت أن الترمذي وصفه بأنه حسن صحيح واتفقت فيه كل النسخ الموجودة لجامع الترمذي. ومنها: ما قال الحافظ أن الترمذي وصفه بالحسن لمجيئه من غير وجه، فوجدت - أيضا - أن الترمذي قد وصفه بأنه حسن صحيح في معظم النسخ وفي بعضها موجود وصف الحسن فقط، ولكن الأدلة قائمة على أن الحكم الذي يستحقه ذلك الحديث إنما هو حسن صحيح. من تلك الأدلة أن يكون الحديث خرجه مسلم في صحيحه، ويكون الترمذي قد أورده في موضع آخر من جامعه وقال إنه حديث صحيح. ومنها: ما قال الحافظ: "أن الترمذي وصفه بالحسن ثم وجدت أن نسخ الترمذي قد اختلفت فيه ... " فمنها: ما فيه حسن وغريب ومنها: ما فيه غريب فقط، ومع أن كلا من الحكمين مخالف لما قاله الحافظ فإن الذي يترجح إنما هو الحكم عليه بأنه غريب، وذلك بأن يكون الحافظ نفسه قد حكم عليه في موضع آخر بأنه غريب ثم

стр. 173

يشاركه غيره من العلماء في هذا الحكم على الحديث، وللتأكيد واستيفاء البحث في هذا الموضوع يرجع إلى ما علقته على هذه الأمثلة في موضعه من الرسالة. من ص١٨٣- ١٩٧. ٩- ذكر الحافظ مثالا للحسن لذاته وهو حديث أبي بكرة في توقيت المسح على الخفين رواه ابن ماجة من طريق المهاجر أبي مخلد، وقد قال فيه في التقريب: مقبول، وقد قرر في التقريب أن من يصفه بهذا اللفظ فذلك حيث يتابع وإلا فهو لين. ومن هذا حاله فبالمتابعة يكون حديثه حسنا لغيره لا لذاته. ١٠- دافع الحافظ ابن حجر عن حديث ابن عمر ﵄: " ... سدوا الأبواب إلا باب علي" الذي رواه الإمام أحمد في المسند وأورد له شواهد تؤيده في نظره، ورد على ابن الجوزي الذي أوردها في (الموضوعات) ثم قال في النهاية: "وإذا تقرر ذلك فهذا هو السبب في استثنائه، ودعوى كون هذا المتن يعارض حديث أبي سعيد لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر" المخرج في الصحيحين ممنوعة. وبيانه أن الجمع ممكن لأن أحدهما فيما يتعلق بالأبواب وقد بينا سببه (يعني أنه ليس له طريق غيره) والأخر فيما يتعلق بالخوخ ولا سبب له إلا الاختصاص المحض، فلا تعارض ولا وضع، ولو فتح الناس هذا الباب لرد الأحاديث لادعي في كثير من أحاديث الصحيحين البطلان، ولكن يأبى الله تعالى ذلك والمؤمنون. فتعقبت الحافظ بقولي: "إن نقض هذه الأحاديث ليس قائما على دعوى التعارض فحسب بل هو قائم على مطاعن وقوادح في الرواة الذين جاءت هذه الأحاديث عن طريقهم فهم رواة قد أنهكهم التشيع الغالي ففضحهم، وكشف عوراتهم لا يضر بأحاديث الصحيحين لا من قريب ولا من بعيد وهذا العمل إنما هو من باب النصيحة في الدين والقيام بالواجب وعلي ﵁ قد ثبت له من الفضائل والمناقب ما يغنيه عن مثل هذه الأحاديث الواهية. ثم عن الجمع الذي رآه الحافظ غير سليم لأن الأحاديث التي دار الكلام حولها إنما هي إثبات خصوصية لعلي ﵁، انظر الحديث المنسوب إلى

стр. 174

ابن عمر ﵁" حيث يقول فيه: "ولقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم ... " وإحداهن سد الأبواب إلا بابه ألا ترى الخصوصية فيها واضحة وقد خرجت في خصائص علي ومناقبه. ١١- ذكر الحافظ عن شيخه العراقي أن البيهقي يجعل ما رواه التابعي عن رجل من الصحابة لم يسم مرسلا. فأقر الحافظ قول شيخه وضرب لذلك مثالا من تصرف البيهقي حيث قال في حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ هذا حديث مرسل. قال الحافظ: " ... لأنه لم يذكر للحديث علة سوى ذلك، ولو كان له علة غير هذه لبينها لأنه في مقام البيان". أقول أن البيهقي قد علله بعلتين أخريين: ١- بمخالفته للأحاديث الثابتة. ٢- وبكون داود الأودي أحد رجال إسناد هذا الحديث لم يحتج به الشيخان. ١٢- حكم الحافظ على رواية النعمان بن عبد السلام لحديث لا نكاح إلا بولي موصولا بالشذوذ لأنه في نظره خالف الثقات الأثبات من أصحاب شعبة وسفيان وفي حكمه هذا نظر. فإن الحاكم روى هذا الحديث في المستدرك من طريق النعمان وقال عقبه: "قد جمع النعمان بن عبد السلام بين الثوري وشعبة في إسناد هذا الحديث ووصله عنهما. وقد رواه جماعة من الثقات عن الثوري على حدة وعن شعبة على حدة فوصلوه، وكل ذلك مخرج في الباب الذي سمعه مني أصحابي ... " وأقره الذهبي. ١٣- قال الحافظ: "روينا من طريق يحيى القطان عنه - يعني

стр. 175

شعبة - أنه كان يقول: كنت أنظر إلى فم قتادة فإذا قال: سمعت وحدثنا حفظته، وإذا قال عن فلان تركته، رويناه في المعرفة للبيهقي". فرجعت إلى كتاب المعرفة للبيهقي فإذا بالبيهقي يروي هذا الكلام بدون إسناد، ثم رجعت على الجرح والتعديل لابن أبي حاتم فإذا به يرويه في ثلاثة مواضع من كتابه كلها من طريق عبد الرحمن بن المهدي عن شعبة، ولم أجده من رواية يحيى القطان عن شعبة ولعل ذكر يحيى القطان سبق قلم من الحافظ. ١٤- رتب الحافظ المدلسين في كتابه النكت على طبقات بناء على قواعد تتفق مع القواعد التي وضعها لكتابه طبقات المدلسين، لكنه عندما وزع أسماءهم وقع في الوهم في نظري في أمرين: أ- وذلك أنه لما ذكر أهل المرتبة الثالثة في كتاب النكت وعددهم خمسة وثلاثون رجلا وقع في شيء من المخالفة لما في كتابه الطبقات حيث أوردهم من طبقات مختلفة فبعضهم من الثالثة، نفسها وبعضهم من الرابعة، وبعضهم من الثانية، وبعضهم من الخامسة. ب- أفرد الحافظ المدلسين من رجال الصحيحين في ثلاث مراتب سواء أخرج لهم الشيخان أو أحدهما أصلا أو استشهادا أو تعليقا، وفاته ثلاثة منهم فلم يذكرهم في هذه المراتب الخاصة بهم بل ذكرهم في غيرها وهم: (أ) شباك الضبي/ م د س ق. (ب) الحسن بن عمارة/ خت ت ق. (ج) يزيد بن أبي زياد/ م. ١٥- ذكر الحافظ اختلاف العلماء وآراءهم في تعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف، ثم اختار أن اختلافهم إنما يجري فيما إذا كان للمتن إسناد واحد أما إذا كان للمتن إسنادان فلا يجري، فيه هذا الخلاف، وضرب لذلك مثلا وهو أن البخاري روى في صحيحه من طريق ابن جريج عن موسى بن

стр. 176

عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا اختلطوا فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس ... " الحديث وعن ابن جريج عن ابن كثير عن مجاهد موقوفا. وقال: فلم يتعارض الوقف هنا والرفع لاختلاف الإسنادين فتعقبته بأن البخاري لم يرو مسندا إلا حديث ابن عمر. وأما أثر مجاهد فلم يروه البخاري بالإسناد الذي ذكره الحافظ. وقال الحافظ نفسه في الفتح ٢/٤٣٢ في الكلام على حديث ابن عمر: "هكذا أورده البخاري مختصرا، وأحال على قول مجاهد، ولم يذكره هنا ولا في موضع آخر من كتابه فأشكل الأمر فيه ... ". ثم ذكر أن الإسماعيلي قد أخرج أثر مجاهد الموقوف. ١٦- ذكر الحافظ في النكت حديث الشافعي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄: "الشهر تسع وعشرون" وفيه "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". قال الحافظ: "أشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ عن مالك، فنظرنا فإذا البخاري قد روى الحديث في صحيحه فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ فساقه باللفظ الذي ذكره الشافعي سواء، فهذه متابعة تامة للشافعي، والعجب من البيهقي كيف خفيت عليه. أقول إن تعجب الحافظ في غير محله، ولم تخف هذه المتابعة على البيهقي بل عرفها ورواها في سننه الكبرى ٤/٢٠٤- ٢٠٦. فقال بعد أن روى الحديث المذكور من طرق مدارها على نافع وسالم: "ورواه البخاري في الصحيح عن القعنبي عن مالك إلا أنه قال: "فأكملوا العدة ثلاثين".

стр. 177

ثم رواه من طريق الشافعي عن مالك به، وفيه "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". ثم قال: "ورواية الجماعة عن مالك على اللفظ الأول - يعني: (فاقدروا له) - ثم قال: "وإن كانت رواية الشافعي والقعنبي من جهة البخاري محفوظة فيحتمل أن يكون مالك رواه على اللفظين جميعا". ومن هنا يظهر لنا أن رواية القعنبي في البخاري لم تخف على البيهقي ولا سيما وقد ساق لروايتي الشافعي والقعنبي متابعات وشواهد من حديث أبي هريرة وابن عباس وجابر وأبي بكر وعائشة. ١٧- ذكر الحافظ مثالا للحديث الضعيف الذي يتكلم عليه أبو داود خارج السنن ويسكت عليه فيها بحديث نافع عن ابن عمر في الرجل الذي سلَّم على النبي ﷺ فلم يرد عليه حتى تيمم والواقع أن أبا داود تكلم عليه في السنن. قال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل يقول روى محمد بن ثابت حديثا منكرا في التيمم وقال ابن داسة قال أبو داود لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ ورووه من فعل ابن عمر انظر د: ١- كتاب الطهارة ... حديث ٣٣٠. ١٨- نقل الحافظ عن المنذري اختلاف العلماء في قول الصحابي (كما يقال: كذا) وأن الجمهور على أنه إذا أضافه إلى زمن النبي ﷺ يكون مرفوعا. ثم قال الحافظ: ومما يؤيد أن حكها الرفع مطلقا ما رواه النسائي من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: "كان يقال: صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر" فإن ابن ماجه رواه من الوجه الذي أخرجه منه النسائي بلفظ: قال رسول الله ﷺ ؛ فدل على أنها عندهم من صيغ الرفع - والله أعلم".

стр. 178

فرجعت إلى الحديث في النسائي وابن ماجه فوجدت أن مداره على الزهري، وقد اختلف عليه ابن أبي ذئب وأسامة بن زيد، أما ابن أبي ذئب فرواه عن الزهري عن أبي سلمة ثم عن حميد بن عبد الرحمن عن أبيهما عبد الرحمن بن عوف موقوفا عليه من قوله. وأما أسامة بن زيد فرواه عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه مرفوعا إلى النبي ﷺ وهي رواية ابن ماجه، وأسامة بن زيد متفق على ضعفه وقد خالف ابن أبي ذئب وهو ثقة ضابط، فرواية أسامة على هذا تعتبر منكرة ومنه يتضح أن الرفع في روايته لم يأت بناء على هذه الصيغة (كان يقال كذا) من صيغ الرفع كما فهم الحافظ وإنما سبب ذلك وهم وخطأ أسامة بن زيد حيث رفع رواية المحفوظ فيها عن الزهري الوقف على عبد الرحمن بن عوف ثم إنها بعد هذا لا تصلح لأن يحتج بها ولو سلمت من هذه العلة؛ لأنها رواية منقطعة لأن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يدرك أباه، والعجب كيف غاب كل هذا عن ذهن الحافظ وهو يقرر هذه القاعدة. وهناك مناقشات أخر كتضعيف حديث حسنه أو تحسين حديث صححه وغير ذلك من المناقشات مما يراه القارئ في التعليقات على نص الكتاب.

стр. 179

الباب الثالث: قسم التحقيق الفصل الأول: تحقيق اسم الكتاب الذي توفر لي من نسخ كتاب (النكت) هو خمس نسخ ولم تتفق على عنوان الكتاب، إذ على واحدة منها وهي اليمنية: (النكت على كتاب ابن الصلاح) لكاتبه أحمد بن علي بن حجر عفا الله تعالى عنه آمين هكذا مكتوب بخط المؤلف على أصله الذي هو أصل هذا الكتاب وجميعه بخطه - رحمه الله تعالى -. أما النسخ الأربع الباقية وهي النسخة الهندية ونسختا الرياض والنسخة الباكستانية فقد اشتركت كلها على التسمية الآتية: (النكت على كتاب ابن الصلاح وألفية العراقي) فإضافة (وألفية العراقي) خطأ مؤكد لم يقله ابن حجر أبدا، والدليل على أنه خطأ ومن تصرف النساخ مقلدا بعضهم بعضا أن الحافظ لم ينكت في هذا الكتاب على الألفية وإنما نكت على العراقي في كتابه (التقييد والإيضاح) وقد جاوزت نكته على التقييد خمسين نكتة أشرت إلى صفحاتها من التقييد صفحة صفحة في الهوامش التي عملتها على النكت. وليس فيها نكتة واحدة على ألفية العراقي فالواقع إذا يرفض هذه الإضافة.

стр. 180

والظاهر أن الحافظ إنما سمى كتابه هذا بالنكت على ابن الصلاح كما أفاده قول ناسخ اليمنية: (هكذا مكتوب بخط المؤلف على أصله) . وإن كان للحافظ تنكيت على التقييد والإيضاح للعراقي فإنه والله أعلم راعى في التسمية أن كتاب ابن الصلاح هو الأصل، ثم راعى الأغلب؛ فإن معظم التنكيت إنما هو على ابن الصلاح ويؤيده قول الحافظ في نزهة النظر طبعة الحلبي (وقد أوضحت ذلك في النكت على ابن الصلاح) وقوله في عدد من المواضع في الفتح (فيما علقته على ابن الصلاح) واقتصاره في التحويل على ما علقه على ابن الصلاح يؤيد اقتصاره في التسمية على ابن الصلاح ملاحظا بذلك أنه الأصل والأغلب. وقوله في (النكت الظراف على الأطراف للمزي ١/٣٨٩ في الكلام على حديث المغفر: وقد ذكرت ذلك مبسوطا في زوائد النكت على علوم الحديث لابن الصلاح) فنراه خص الاسم بعلوم الحديث لابن الصلاح. هذا، وقد أطلق عليه السيوطي في نظم العقيان ص٤٧: الإيضاح بنكت ابن الصلاح، والكتاني في الرسالة المستطرفة ص١٧٤ (الإفصاح على نكت ابن الصلاح) والصواب من هذا كله ما كتبه المصنف الحافظ ابن حجر بخطه على الكتاب نفسه، وما كتبه في مؤلفاته الأخر. وبناء على هذا فسأجعل عنوان الكتاب (النكت على كتاب ابن الصلاح) كما وضعه المؤلف، كما تقتضيه الأمانة العلمية والله الموفق ...
следующие страницы →