أن الترمذي ممن يفرق بين الصحيح والحسن، لكنه قد خفي على الحافظ بعض العلل في الحديث فيحكم (عليه) بالصحة بمقتضى ما ظهر له ويطلع عليها/ (ر١٢/ب) غيره فيرد بها الخبر.
وللحاذق الناقد بعدهما الترجيح بين كلاميهما بميزان العدل والعمل بما يقتضيه الإنصاف، ويعود الحال إلى النظر والتفتيش الذي يحاول المصنف سد بابه، والله تعالى أعلم١.
الأمر الرابع: كلامه يقتضي الحكم بصحة ما نقل عن الأئمة المتقدمين فيما٢ حكموا بصحته في كتبهم٣ المعتمدة المشتهرة. والطريق التي وصل إلينا بها كلامهم على الحديث، بالصحة وغيرها هي الطريق التي وصلت إلينا بها أحاديثهم.
فإن أفاد الإسناد صحة المقالة عنهم فليفد الصحة بأنهم حدثوا بذلك الحديث ويبقى النظر إنما هو الرجال الذين فوقهم وأكثرهم رجال الصحيح كما سنقرره٤.
الأمر الخامس: ما استدل به على تعذر التصحيح في هذه الأعصار المتأخرة بما ذكره من كون الأسانيد ما منها إلا وفيه من لم يبلغ درجة الضبط والحفظ والإتقان، ليس بدليل ينهض لصحة ما ادعاه من التعذر، لأن الكتاب [المشهور] ٥ الغني بشهرته عن اعتبار الإسناد منا إلى مصنفه: كسنن النسائي مثلا لا يحتاج في صحة نسبته إلى النسائي إلى اعتبار حال رجال الإسناد منا إلى مصنفه.
стр. 247
[مذهب الحافظ جواز التصحيح وغيره في الأعصار المتأخرة:]
فإذا روى حديثا ولم يعلله وجمع إسناده شروط الصحة ولم يطلع المحدث المطلع فيه على علة، ما المانع من الحكم بصحته ولو لم ينص على صحته أحد من المتقدمين، ولا سيما وأكثر ما يوجد من هذا القبيل ما رواته رواة الصحيح.
هذا لا ينازع فيه من له ذوق في هذا الفن١.
وكأن المصنف إنما اختار ما اختاره من ذلك بطريق نظري وهو:
أن المستدرك للحاكم كتاب كبير جدا يصفو له منه صحيح كثير زائد على ما في الصحيحين على ما ذكر المصنف بعد، وهو مع حرصه على جمع٢ الصحيح الزائد على الصحيحين واسع الحفظ، كثير الاطلاع، غزير٣ الرواية، فيبعد كل البعد أن يوجد حديث بشرط الصحة لم يخرجه في مستدركه.
وهذا في الطاهر مقبول، إلا أنه لا يحسن التعبير عنه بالتعذر، ثم الاستدلال٤ على صحة دعوى٥ التعذر بدخول الخلل في رجال الإسناد. فقد بينا أن الخلل - إذا سُلِّم - إنما هو فيما بيننا وبين المصنفين.
أما المصنفين فصاعداً فلا. والله الموفق.
وأما ما استدل٦ به شيخنا على صحة ما ذهب إليه الشيخ محي الدين٧
стр. 248
من جواز الحكم بالتصحيح لمن تمكن وقويت معرفته، بأن من عاصر ابن الصلاح قد خالفه فيما ذهب إليه وحكم بالصحة لأحاديث لم يوجد لأحد من المتقدمين الحكم بتصحيحها. (فليس بدليل ناهض) ١ على رد ما اختار ابن الصلاح، لأنه مجتهد وهم مجتهدون، فكيف ينقض الاجتهاد بالاجتهاد. وما أوردناه في نقض دعواه أوضح فيما يظهر٢. والله أعلم.
٢- قوله/ (ي٢٣) (ع) : "صحح المنذري٣حديثا في غفران ما تقدم وتأخر" "والدمياطي٤ حديثا في ماء زمزم لما شرب له"٥.
فيه نظر: وذلك أن المنذري أورد في الجزء٦ المذكور عدة أحاديث٧ بين ضعفها.
стр. 249
وأورد في أثنائه حديثا من طريق بحر بن نصر١/ (? ١٣/ب) عن ابن وهب عن مالك ويونس عن الزهري عن سعيد٢ وأبي سلمة٣ عن أبي هريرة ﵁.
وقال بعده: "بحر بن نصر ثقة، وابن وهب ومن فوقه محتج بهم في الصحيحين".
قلت: "ولا يلزم من كون رجال الإسناد من رجال الصحيح أن يكون الحديث الوارد به صحيحا، لاحتمال أن يكون فيه شذوذ أو علة، وقد وجد هذا الاحتمال هنا، فإنها رواية شاذة وقد بينت ذلك بطرقه والكلام عليه في جزء مفرد، ولخصته في كتاب بيان المدرج"٤.
وأما الدمياطي/ (ر١٣/ب) فلفظه: "هذا على رسم الصحيح؛ لأن سويدا٥ احتج به مسلم، وعبد الرحمن بن أبي الموالي٦ احتج به البخاري" هذا لفظه
стр. 250
وليس فيه حكم على الحديث بالصحة لما قدمناه من أنه لا يلزم من كون الإسناد محتجا بروايته في الصحيح أن يكون الحديث الذي يروي به صحيحا؛ لما يطرأ عليه من العلل١.
وقد صرح ابن الصلاح بهذا في مقدمة شرح صحيح مسلم فقال: "من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه: بأنه من شرط الصحيح عند مسلم فقد غفل وأخطأ، بل ذلك يتوق على النظر في أنه كيف روى عنه وعلى أي وجه روى عنه"٢.
قلت: وذلك موجود هنا، فإن سويد بن سعيد إنما احتج به مسلم فيما توبع عليه لا فيما تفرد به.
وقد اشتد إنكار أبي زرعة الرازي٣ على مسلم في تخريجه لحديثه٤، فاعتذر إليه من ذلك بما ذكرناه من أنه لم يخرج ما تفرد به، وكان/ (ب٢٩) سويد بن سعيد مستقيم الأمر، ثم طرأ عليه العمى فتغير وحدث في حال تغيره بمناكير كثيرة حتى قال يحي بن معين: "لو كان لي فرس ورمح لغزوته"٥.
стр. 251
فليس ما ينفرد به على هذا صحيحا فضلا عن أن يخالف فيه غيره، بل قد اختلف عليه هو في ذلك الإسناد، فروي/ (ي ٢٤) عنه عن ابن المبارك عن عبد الله بن المؤمل على ما هو المشهور١.
تنبيه:
٣- قول شيخنا: "إن المعروف رواية عبد الله بن المؤمل عن محمد بن المنكدر كما هو رواية ابن ماجه"٢.
وقع منه سبق قلم، وإنما هو عند ابن ماجه وغيره من طريق ابن المؤمل عن أبي الزبير٣. والله المستعان.
[ ... وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي بن سعيد الرازي، عن إبراهيم البرانسي، عن عبد الرحمن بن المغيرة عنه٤] .
[أول من صنف الصحيح:]
٢١- قوله (ص) : أول من صنف الصحيح البخاري٥ انتهى.
اعترض عليه الشيخ علاء الدين مغلطاي فيما قرأت بخطه بأن مالكا أول من صنف الصحيح، وتلاه أحمد بن حنبل، وتلاه الدارمي٦ قال: "وليس لقائل
стр. 252
أن يقول: لعله أراد الصحيح المجرد، فلا يرد كتاب مالك؛ لأن فيه البلاغ والموقوف والمنقطع والفقه وغير ذلك، لوجود مثل ذلك في كتاب البخاري". انتهى.
[رد العراقي على مغلطاي:]
٤- وقد أجاب١ شيخنا ﵁ عما يتعلق بالموطأ بما نصه: "أن مالكا لم يفرد الصحيح وإنما أدخل في كتابه المرسل والمنقطع ... " إلى آخر كلامه٢.
وكأن شيخنا لم يستوف النظر في كلام مغلطاي.
وإلا فظاهر مقبول بالنسبة إلى ما ذكره في البخاري من الأحاديث المعلقة، وبعضها ليس على شرطه، بل وفي بعضها ما لا يصح كما سيأتي التنبيه عليه عند ذكر تقسيم التعليق، فقد مزج الصحيح بما ليس/ (ب٣٠) منه كما فعل ذلك٣.
[رد الحافظ على مغلطاي:]
وكأن مغلطاي خشي أن يجاب عن اعتراضه بما أجاب به شيخنا من التفرقة، فبادر إلى الجواب عنه، لكن الصواب في الجواب عن هذه المسألة أن يقال: ما الذي أراده المؤلف بقوله: "أول/ (? ١٤/ب) من صنف الصحيح". هل أراد الصحيح من حيث هو؟ أو أراد الصحيح المعهود الذي فرغ من تعريفه؟
الظاهر أنه لم يرد إلا المعهود. وحينئذ فلا يرد عليه ما ذكره في الموطأ
стр. 253
وغيره؛ لأن الموطأ وإن كان عند من يرى الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وأقوال الصحابة صحيحا. (فليس/ (ي٢٥) ذلك على شرط الصحة المعتبرة عند أهل الحديث) والفرق بين ما فيه من المقطوع والمنقطع وبين ما في البخاري من ذلك واضح؛ لأن الذي في الموطأ من ذلك هو مسموع لمالك كذلك في الغالب، وهو حجة عنده وعند من تبعه.
والذي في البخاري من ذلك قد حذف في البخاري/ (ر١٤/ب) أسانيدها عمداً ليخرجها عن موضوع الكتاب، وإنما يسوقها في تراجم الأبواب تنبيها واستشهادا واستئناسا وتفسيرا لبعض الآيات. وكأنه أراد أن يكون كتابه جامعا لأبواب الفقه وغير ذلك من المعاني التي قصد (جمعه فيها) ١، وقد بينت في كتاب تغليق التعليق كثيرا من الأحاديث التي يعلقها البخاري في الصحيح فيحذف إسنادها أو بعضها، وتوجد موصولة عنده في موضع آخر من تصانيفه التي هي خارج الصحيح٢.
(والحاصل من هذا أن أول من صنف في الصحيح) ٣ يصدق على مالك باعتبار انتقائه وانتقاده٤ للرجال، فكتابه أصح من الكتب المصنفة في هذا الفن من أهل عصره وما قاربه/ (ب ٣١) كمصنفات سعيد بن أبي عروبة٥، وحماد بن
стр. 254
سلمة١، والثوري، وابن إسحاق٢، ومعمر وابن جريج٣، وابن المبارك وعبد الرزاق٤ وغيرهم، ولهذا قال الشافعي: "ما بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك"٥.
فكتابه صحيح عنده وعند من تبعه ممن/ (? ١٥/أ) يحتج بالمرسل والموقوف.
وأما أول من صنف الصحيح المعتبر عند أئمة الحديث الموصوف بالاتصال وغير ذلك من الأوصاف.
فأول من جمعه البخاري، ثم مسلم كما جزم به ابن الصلاح.
وأما قول القاضي أبي بكر بن العربي في مقدمة شرح الترمذي: "والموطأ هو الأصل الأول والبخاري هو الأصل الثاني. وعليهما بنى جميع من بعدهما كمسلم والترمذي وغيرهما٦.
стр. 255
فإن أراد مجرد السبق إلى التصنيف فهو كذلك، ولا يلزم منه مخالفة لما تقدم. وإن أراد الأصل في الصحة فهو كذلك، لكن على التأويل الذي أولناه/ (ر١٥/أ) .
وأما قول مغلطاي: "إن/ (ي ٢٦) أحمد أفرد الصحيح"، فقد أجاب الشيخ١ عنه في التنبيه السادس من الكلام على الحديث الحسن.
وأما ما يتعلق بالدارمي فتعقبه الشيخ بأن فيه الضعيف والمنقطع٢، لكن بقي مطالبة مغلطاي بصحة دعواه بأن جماعة أطلقوا على مسند الدارمي كونه صحيحا، فإني لم أر ذلك في كلام أحد ممن يعتمد عليه. ثم وجدت بخط مغلطاي أنه رأى بخط الحافظ أبي محمد المنذري ترجمة كتاب الدارمي بالمسند الصحيح الجامع.
وليس كما زعم، فلقد وقفت على النسخة التي بخط المنذري، وهي أصل سماعنا للكتاب المذكور، والورقة الأولى منه مع عدة أوراق ليست بخط المنذري، بل هو٣ بخط أبي الحسن ابن أبي الحصني٤، وخطه قريب من خط المنذري، فاشتبه ذلك على مغلطاي وليس الحصني من أحلاس٥ هذا الفن حتى
стр. 256
يحتج بخطه في ذلك، كيف ولو١ أطلق ذلك عليه من/ (ب ٣٢) يعتمد عليه لكان الواقع يخالفه٢ لما في الكتاب المذكور من الأحاديث الضعيفة والمنقطعة/ (? ١٥/ب) والمقطوعة.
والموطأ في الجملة أنظف أحاديث وأتقن رجالا منه، ومع ذلك كله فليست أسلم أن الدارمي صنف كتابه قبل تصنيف البخاري الجامع لتعاصرهما٣، ومن ادعى ذلك فعليه البيان والله أعلم.
تنبيه:
٢٢- قوله (ص) : "ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ"٤.
أملى المصنف حاشية على الأصل أنه روي عن الشافعي أنه قال: "ما بعد كتاب الله تعالى أصح من موطأ مالك".
وروينا في جزء أبي بكر محمد بن إبراهيم الصفار٥ من طريق هارون٦/ (ر١٥/ ب) بن سعيد الأيلي قال: سمعت الشافعي يقول: "ما بعد كتاب الله تعالى أنفع من موطأ مالك".
[تفضيل بعض المغاربة صحيح مسلم على صحيح البخاري:]
٢٣- قوله (ص) : "ثم إن كتاب البخاري أصح صحيحا ... "٧ الخ.
стр. 257
أقول قد وجدت التصريح بما ذكره المصنف من الاحتمال عن بعض المغاربة، فذكر أبو محمد القاسم بن القاسم التجيبي١ في فهرسته عن أبي محمد بن حزم: "أنه كان يفضل كتاب مسلم على كتاب البخاري؛ لأنه/ (ي ٢٧) ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث السرد"٢.
وقال القاضي عياض٣كان أبو مروان الطبني٤حكى عن بعض شيوخه أنه كان يفضل صحيح مسلم على صحيح البخاري٥. انتهى.
قلت: "وما فضله به بعض المغاربة ليس راجعا إلى الأصحية، بل هو لأمور:
أحدها: ما تقدم عن ابن حزم.
والثاني: أن البخاري كان يرى جواز الرواية بالمعنى، وجواز تقطيع الحديث من غير تنصيص على اختصاره٦ بخلاف٧ مسلم والسبب في ذلك أمران:
стр. 258
أحدهما: أن البخاري صنف كتابه في طول رحلته، فقد روينا عنه أنه قال: رب حديث سمعته بالشام فكتبته بمصر ورب حديث سمعته بالبصرة فكتبته بخرسان١. فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث من حفظه فلا يسوق/ (? ١٦/أ) ألفاظه برمتها بل بتصرف فيه ويسوقه بمعناه. ومسلم صنف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ ويتحرى في السياق.
الثاني: أن البخاري استنبط فقه كتابه من أحاديثه فاحتاج أن يقطع المتن الواحد إذا اشتمل على عدة أحكام ليورد كل قطعة منه في الباب الذي يستدل به على ذلك الحكم الذي استنبط منه/ (ر ١٦/أ) ، لأنه لو ساقه في المواضع كلها برمّته لطال الكتاب.
ومسلم لم يعتمد ذلك، بل يسوق أحاديث الباب كلها سردا عاطفا بعضها على بعض في موضع واحد٢، ولو كان المتن مشتملا على عدة أحكام، فإنه يذكره في أمس٣ المواضع وأكثرها دخلا فيه ويسوق المتون تامة محررة، فلهذا ترى كثيرا ممن صنف في الأحكام بحذف الأسانيد (من المغاربة) إنما يعتمدون على كتاب مسلم في نقل المتون، هذا ما يتعلق بالمغاربة ولا يحفظ عن أحد منهم أنه صرح بأن صحيح مسلم أصح من صحيح البخاري فيما يرجع إلى نفس الصحة.
стр. 259
وأما ما قاله أبو علي النيسابوري١ فلم نجد عنه تصريحا قط بأن كتاب مسلم أصح من صحيح البخاري.
وإنما قال: "ما حكاه المؤلف/ (ي ٢٨) من أنه نفى الأصحية على كتاب مسلم، ولا يلزم من ذلك أن يكون كتاب مسلم أصح من كتاب البخاري"؛ لأن قول القائل: "فلان أعلم أهل البلد بفن كذا ليس كقوله: "ما في البلد أعلم من فلان بفن كذا"، لأنه/ (ب ٣٤) في الأول أثبت له الأعلمية، وفي الثاني نفى أن يكون في البلد اعلم منه، فيجوز أن يكون فيها من يساويه فيه، وإذا كان لفظ أبي علي محتملا لكل من الأمرين فلم نجد٢ ممن اختصر كلام ابن الصلاح فجزم بأن أبا علي قال: صحيح مسلم أصح من صحيح البخاري/ (? ١٥/ب) فقد رأيت هذه العبارة في كلام الشيخ محي الدين النووي٣ والقاضي بدر الدين بن جماعة٤ والشيخ تاج الدين التبريزي وتبعهم جماعة. وفي إطلاق ذلك نظر لما بيناه"٥.
стр. 260
على أني رأيت في كلام الحافظ أبي سعيد العلائي١/ (ر١٥/ب) ما يدل على أن أبا علي النيسابوري ما رأى صحيح البخاري.
وفي ذلك بعد عندي.
أما اعتبار أبي علي بكتاب مسلم فواضح، لأنه بلديّه وقد خرّج هو على كتابه٢، لكن قوله في وصفه٣معارض بقول من هو مثله أو أعلم.
فقال الحاكم أبو أحمد/ النيسابوري٤ وهو عصري أبي علي وأستاذ الحاكم أيضا أبي عبد الله - أيضا – ما رويناه عنه في كتاب الإرشاد٥ للخليلي٦ بسنده عنه قال: "رحم الله تعالى محمد بن إسماعيل فإنه ألف الأصول وبين للناس، وكل من عمل بعده فإنما أخذه من كتابه كمسلم بن الحجاج فإنه فرق أكثر كتابه في كتابه، وتجلد فيه غاية الجلادة حيث لم ينسبه إليه ... ".
إلى أن قال: فإن عاند الحق معاند فليس يخفى صورة ذلك على أولي الألباب.
ويؤيد هذا ما رويناه عن الحافظ الفريد أبي الحسن الدارقطني أنه قال في
стр. 261
كلام جرى عنده في ذكر الصحيحين: "وأي شيء صنع مسلم، إنما أخذ كتاب البخاري وعمل عليه مستخرجا وزاد فيه زيادات".
وهذا المحكي عن الدارقطني جزم به أبو العباس القرطبي١ في/ (ب ٣٥) أول كتابه"المفهم في شرح صحيح مسلم".
وقال أبو عبد الرحمن النسائي وهو/ (ي ٢٩) من مشايخ أبي علي النيسابوري: "ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل"٢.
ونقل كلام الأئمة في تفضيل كتاب البخاري يكثر.
ويكفي من ذلك اتفاقهم على أنه كان أعلم بالفن من مسلم.
وأن مسلما كان يتعلم منه، ويشهد له بالتقدم والتفرد بمعرفة ذلك في عصره.
فهذا من حيث الجملة.
وأما من حيث التفصيل فيترجح كتاب البخاري على كتاب مسلم فإن الإسناد الصحيح مداره على اتصاله وعدالة الرواة كما بيناه غير مرة، وكتاب البخاري/ (ر١٧/أ) أعدل رواة وأشد اتصالا من كتاب مسلم والدليل على ذلك من أوجه:
أحدها: أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلا٣.
المتكلم فيهم بالضعف (نحو من ثمانين رجلا) ٤.
стр. 262
والذين انفرد مسلم بإخراج حديثهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلا.
المتكلم فيهم بالضعف منهم مائة وستون رجلا على الضعف من كتاب البخاري. ولا شك أن التخريج عن من لم يتكلم فيه أصلا أولى من التخريج عن من تكلم فيه، ولو كان ذلك غير سديد.
الوجه الثاني: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يكن يكثر١ من تخريج أحاديثهم، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها أو أكثرها إلا نسخة عكرمة٢ عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -.
بخلاف مسلم فإنه يخرج أكثر تلك النسخ التي رواها عمن تكلم فيه كأبي الزبير٣ عن جابر - رضي الله تعالى عنه - وسهيل٤ عن أبيه٥ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -، وحماد بن سلمة عن ثابت عن أنس - رضي
стр. 263
الله تعالى عنه - والعلاء بن عبد الرحمن١ عن أبيه٢ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - ونحوهم.
الوجه الثالث: أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وعرف أحوالهم واطلع على أحاديثهم فميز جيدها من رديها بخلاف مسلم، فإن أكثر من تفرد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه من المتقدمين، وقد خرج أكثر نسخهم/ (? ١٧/ب) كما قدمنا ذكره.
ولا شك/ (ي ٣٠) أن المرء أشد معرفة بحديث شيوخه وبصحيح حديثهم من ضعيفه ممن تقدم عن عصرهم.
الوجه الرابع: أن أكثر هؤلاء الرجال الذين تكلم فيهم من المتقدمين يخرج البخاري أحاديثهم غالبا في الاستشهادات، والمتابعات/ (ر١٧/ب) والتعليقات٣ بخلاف مسلم، فإنه يخرج لهم الكثير في الأصول والاحتجاج، ولا يعرج البخاري في الغالب على من أخرج لهم مسلم في المتابعات (فأكثر من يخرج لهم البخاري في المتابعات يحتج بهم مسلم، وأكثر من يخرج لهم مسلم في المتابعات لا يعرج عليهم البخاري) ٤.
فهذا وجه من وجوه الترجيح ظاهر.
والأوجه الأربعة المتقدمة كلها تتعلق بعدالة الرواة.
وبقي ما يتعلق بالاتصال: وهو الوجه الخامس:
стр. 264
وهو أن مسلم كان مذهبه بل نقل الإجماع في أول صحيحه أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن والمعنعن عنه وإن لم يثبت اجتماعهما١.
والبخاري لا يحمله على حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة واحدة. وقد أظهر البخاري هذا المذهب في التأريخ، وجرى عليه في الصحيح، وهو مما يرجح كتابه به، لأنا وإن سلمنا ما ذكره مسلم/ (ب ٣٧) من الحكم بالاتصال فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال.
وبهذا يتبين أن شرطه في كتابه أقوى اتصالا وأشد تحريا٢. - والله أعلم -.
٢٤- قوله (ص) ٣: "ثم عن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقاها طالبها مما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة ... " إلى أن قال:
стр. 265
"ويكفي مجرد كونها في كتب من اشترط الصحيح فيما جمعه/ (? ١٨/أ) كابن خزيمة، وكذلك ما يوجد في الكتب المخرجة على الصحيحين: ككتاب أبي عوانة١، انتهى.
ومقتضى هذا أن يؤخذ ما يوجد في كتاب ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما - ممن اشترط الصحيح - بالتسليم، وكذا ما يوجد في الكتب المخرجة على الصحيحين وفي كل ذلك نظر.
أما الأول: فلم يلتزم ابن خزيمة وابن حبان في/ (ي ٣١) كتابيهما/ (ر١٨/أ) أن يخرجا الصحيح الذي اجتمعت فيه الشروط التي ذكرها المؤلف، لأنهما ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما أن الحسن قسم من الصحيح لا قسيمه. وقد صرح٢ ابن حبان بشرطه.
وحاصله: أن يكون راوي الحديث عدلا مشهورا بالطلب غير مدلس سمع ممن فوقه إلى أن ينتهي.
فإن كان يروي من حفظه فليكن عالما بما يحيل٣ المعاني٤ فلم يشترط على الاتصال والعدالة ما اشترطه المؤلف في الصحيح من وجود الضبط ومن عدم الشذوذ والعلة. وهذا وإن لم يتعرض ابن حبان لاشتراطه فهو إن وجده كذلك أخرجه وإلا فهو ماش على ما أصّل، لأن وجود هذه الشروط لا ينافي ما اشترطه.
стр. 266
وسمى ابن خزيمة كتابه "المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل من غير١/ (ب٣٨) قطع في السند ولا جرح في النقلة".
وهذا الشرط مثل شرط ابن حبان سواء، لأن ابن حبان تابع لابن خزيمة مغترف من بحره ناسج على منواله.
ومما يعضد ما ذكرنا احتجاج ابن خزيمة وابن حبان بأحاديث أهل الطبقة الثانية الذين يخرج مسلم أحاديثهم في المتابعات كابن إسحاق وأسامة بن زيد الليثي٢ ومحمد بن/ (?١٨/ب) عجلان٣ ومحمد بن عمرو بن علقمة٤ وغير هؤلاء.
فإذا تقرر ذلك عرفت أن حكم الأحاديث التي٥ في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها لكونها دائرة بين الصحيح والحسن ما لم يظهر في بعضها علة قادحة٦.
وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة أنها جمعت الشروط٧ المذكورة/ (ر١٨/ب) في حد الصحيح فلا. - والله أعلم -.
وأما الثاني: وهو ما يتعلق بالمستخرجات ففيه نظر – أيضا – لأن كتاب أبي عوانة وإن سماه بعضهم مستخرجا على مسلم فإن له٨ فيه أحاديث كثيرة
стр. 267
مستقلة في أثناء الأبواب (نبه١ هو على كثير منها، ويوجد فيها الصحيح والحسن والضعيف – أيضا -/ (ي٣٢) والموقوف) .
وأما كتاب الإسماعيلي٢ فليس فيه أحاديث مستقلة زائدة وإنما تحصل الزيادة في أثناء بعض المتون، والحكم بصحتها متوقف على أحوال رواتها. فرب حديث أخرجه البخاري من طريق بعض أصحاب الزهري عنه – مثلا – فاستخرجه الإسماعيلي وساقه من طريق آخر من أصحاب الزهري بزيادة فيه وذلك الآخر ممن تكلم فيه فلا يحتج بزيادته.
وقد ذكر المؤلف – بعدُ – أن أصحاب المستخرجات لم يلتزموا موافقة الشيخين في ألفاظ الحديث بعينها.
والسبب فيه أنهم أخرجوها من غير جهة/ (ب٣٩) البخاري ومسلم فحينئذ يتوقف الحكم بصحة الزيادة على ثبوت الصفات المشترطة٣ في الصحيح للرواة الذين بين صاحب المستخرج وبين من اجتمع٤ مع صاحب الأصل/ (?١٩/أ) الذي استخرج عليه، وكلما كثرت الرواة بينه وبين من٥ اجتمع مع صاحب الأصل فيه افتقر إلى زيادة التنقير٦، وكذا كلما بعد عصر المستخرج من عصر صاحب الأصل كان الإسناد كلما كثرت رجاله احتاج الناقد له إلى كثرة البحث عن أحوالهم. فإذا روى البخاري - مثلا –عن علي بن المديني عن سفيان بن عيينة عن الزهري حديثا، ورواه الإسماعيلي - مثلا – عن بعض مشايخه عن
стр. 268
الحكم بن موسى١ عن الوليد بن مسلم٢/ (ر١٩/أ) عن الأوزاعي عن الزهري واشتمل حديث الأوزاعي على زيادة على حديث ابن عيينة توقف الحكم بصحتها على تصريح الوليد بسماعه من الأوزاعي، وسماع الأوزاعي من الزهري؛ لأن الوليد بن مسلم من المدلسين على شيوخه وعلى شيوخ شيوخه.
وكذا يتوقف على ثبوت صفات الصحيح لشيخ الإسماعيلي وقس على هذا جميع ما في المستخرج.
وكذا الحكم في باقي المستخرجات.
فقد٣ رأيت بعضهم حيث يجد أصل الحديث اكتفى بإخراجه ولو لم تجتمع الشروط في رواته.
بل رأيت في مستخرج أبي نعيم٤ وغيره الرواية عن جماعة من الضعفاء، لأن أصل مقصودهم/ (ي٢٢) بهذه٥ المستخرجات أن يعلو إسنادهم ولم يقصدوا إخراج هذه الزيادات وإنما وقعت اتفاقا. والله أعلم.
ومن هنا/ (ب٤٠) يتبين أن المذهب الذي اختاره المؤلف من سد باب النظر عن التصحيح غير مرضي، لأنه منع الحكم بتصحيح الأسانيد التي جمعت شروط
стр. 269
الصحة فأداه ذلك إلى الحكم بتصحيح ما ليس بصحيح، فكان الأولى ترك باب النظر والنقد مفتوحا، ليحكم على كل حديث بما يليق به. - والله الموفق -.
[ادعاء العراقي تفاوت العدد بين روايات البخاري:]
٥- قوله/ (? ١٩/ب) ع: "والمراد بهذا العدد (يعني عدد أحاديث صحيح البخاري) رواية محمد بن يوسف الفربري١ فأما رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمائتي حديث، وأنقص الروايات رواية إبراهيم بن معقل النسفي٢، فإنها تنقص عن رواية الفربري ثلاثمائة حديث"٣. انتهى.
وظاهر هذا أن النقص في هاتين الروايتين وقع من أصل التصنيف أو مفرقا من أثنائه، لأنه اعترض/ (ر ل ١٩/ب) على ابن الصلاح في إطلاقه هذه العدة من غير تمييز قاعدة٤.
[رد الحافظ على العراقي ادعاءه:]
وليس كذلك بل كتاب البخاري في جميع الروايات الثلاثة في العدد سواء.
وإنما حصل الاشتباه من جهة أن حماد بن شاكر٥ وإبراهيم بن معقل لما
стр. 270
سمعا الصحيح على البخاري فاتهما١ من أواخر الكتاب شيء، فروياه بالإجازة عنه.
وقد نبه على ذلك الحافظ أبو الفضل ابن الطاهر٢ وكذا نبه الحافظ أبو علي الجياني٣ في كتاب تقييد المهمل، على ما يتعلق بإبراهيم بن معقل فروى بسنده إليه قال: ""وأما من أول كتاب الأحكام إلى آخر الكتاب فأجازه لي البخاري"٤.
قال أبو علي الجياني: "وكذا فاته من حديث عائشة ﵂ في قصة الإفك في باب قوله ﵎: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ٥ إلى آخر الباب"٦.
وأما/ (ب ٤١) حماد بن شاكر ففاته من أثناء كتاب الأحكام إلى آخر الكتاب فتبين أن النقص في رواية حماد بن شاكر وإبراهيم بن معقل إنما حصل من طريان الفوت لا من أصل التصنيف.
فظهر أن/ (ي ٣٤) العدة في الروايات كلها سواء.
стр. 271
وغايته أن الكتاب جميعه عن الفربري بالسماع.
وهند هذين بعضه بسماع بعضه بإجازة١.
والعدة في أصل التصنيف سواء.
فلا اعتراض على ابن الصلاح في شيء مما أطلقه/ (?٢٠/أ) . والله أعلم.
٦- قوله ع: "ولم يذكر عدة كتاب مسلم بالمكرر وهو يزيد على عدة كتاب البخاري بكثرة طرقه"٢. انتهى.
وذكر الشيخ في شرح الألفية عن أحمد بن سلمة أن عدة كتاب مسلم بالمكرر اثنا عشر ألف حديث٣.
وعن الشيخ محي الدين النووي أن عدته بغير المكرر نحو أربعة آلاف٤/ (ر٢٠/أ) قلت: وعندي في هذا نظر. وإنما لم يتعرض المؤلف لذلك، لأنه لم يقصد ذكر عدة ما في البخاري حتى يستدرك عليه عدة ما في كتاب مسلم، بل السبب في ذلك ذكر المؤلف لعدة ما في البخاري أنه جعله من جملة البحث في أن الصحيح الذي ليس في الصحيحين غير قليل خلافا لقول ابن الأخرم٥.
стр. 272
لأن المؤلف رتب بحثه على مقدمتين:
إحداهما: أن البخاري قال: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح"١.
والأخرى: أن جملة ما في كتابه بالمكرر سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا. فينتج أن الذي لم يخرجه البخاري من الصحيح أكثر مما أخرجه.
والجواب عن هذا حاصل عند المؤلف من قوله: "إنهم قد يطلقون هذه العبارة على الموقوفات والمقطوعات والمكررات"٢/ (ب٤٢) فباعتبار ذلك يمكن صحة دعوى ابن الأخرم.
ويزيد ذلك وضوحا أن الحافظ أبا بكر محمد بن عبد الله الشيباني المعروف بالجوزقي٣ ذكر في كتابه المسمى بالمتفق أنه استخرج على جميع ما في الصحيحين حديثا حديثا، فكان مجموع ذلك خمسة وعشرين ألف طريق وأربعمائة وثمانين طريقا فإذا كان الشيخان مع ضيق٤ شرطهما بلغ جملة ما في كتابيهما بالمكرر هذا القدر، فما لم يخرجاه من الطرق للمتون التي أخرجاها لعله يبلغ هذا القدر - أيضا – أو يزيد/ (?٢٠/ب) وما لم يخرجاه من المتون من الصحيح الذي لم يبلغ شرطهما لعله يبلغ هذا القدر - أيضا – أو يقرب منه، فإذا انضاف إلى ذلك ما جاء من الصحابة والتابعين تمت/ (ر٢٠/ب) العدة التي ذكر البخاري أنه يحفظها.
стр. 273
بل/ (ي٣٥) ربما زادت على ذلك فصحت دعوى ابن الأخرم:
أن الذي يفوتهما من الحديث الصحيح قليل (يعني مما يبلغ شرطهما) بالنسبة إلى ما خرجاه. - والله أعلم -.
وأما قول النووي: "لم يفت الخمسة إلا القليل"١. فمراده من أحاديث الأحكام خاصة أما غير الأحكام فليس بقليل٢.
ومما يتعلق بالفائدة التي ذكرها الشيخ وهي عدة كتاب مسلم المكرر ما ذكر الجوزقي - أيضا – في المتفق. أن جملة ما اتفق الشيخان على إخراجه من المتون في كتابيهما ألفان وثلاثمائة وستة وعشرون حديثا٣.
فعلى هذا جملة ما في الصحيحين خمسة آلاف حديث وستمائة حديث وخمسون حديثا تقريبا [هذا] ٤ على مذهب الجوزقي، لأنه بعد المتن إذا اتفقا على إخراجه ولو من حديث صحابيين حديثا واحدا، كما: إذا خرج البخاري المتن من طريق أبي هريرة ﵁ وخرجه مسلم/ (ب٤٣) من طريق أنس ﵁ وهذا غير جار٥ على اصطلاح جمهور المحدثين، لأنهم لا يطلقون الاتفاق إلا على ما اتفقا على إخراج إسناده ومتنه معا. وعلى هذا فتنقص العدة كما٦ ذكر الجوزقي قليلا ويزيد عدد٧الصحيحين في الجملة فلعله: يقرب من سبعة آلاف بلا تكرير. - والله اعلم -.
стр. 274
وهذه الجملة تشتمل على الأحكام الشرعية وغيرها من ذكر الأخبار عن الأحوال الماضية من بدء الخلق وصفة المخلوقات/ (?/٢/أ) وقصص الأنبياء والأمم وسياق المغازي والمناقب والفضائل والأخبار عن الأحوال الآتية من الفتن والملاحم وأشراط الساعة والبرزخ والبعث وصفة النار وصفة الجنة وغير ذلك، والأخبار عن فضائل الأعمال وذكر الثواب والعقاب/ (ر٢١/أ) وأسباب النزول. وكثير من هذا قد يدخل في الأحكام، وكثير منه لا يدخل فيها.
فأما ما يتعلق بالأحكام خاصة. فقد ذكر أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي١ في كتاب التمييز له عن الثوري وشعبة ويحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم: أن جملة الأحاديث المسندة عن/ (ي٣٦) النبي ﷺ يعني الصحيحة بلا تكرير - أربعة آلاف وأربعمائة حديث.
وعن إسحاق بن راهويه٢ أنه سبعة آلاف ونيف.
وقال أحمد بن حنبل: وسمعت ابن مهدي يقول: الحلال والحرام من ذلك ثمانمائة حديث.
وكذا قال إسحاق بن راهويه عن يحيى بن سعيد.
стр. 275
(وذكر القاضي أبو بكر ابن العربي) ١ أن الذي في الصحيحين من أحاديث الأحكام نحو ألفي حديث.
وقال أبو داود السجستاني٢ عن ابن المبارك: "تسعمائة، ومرادهم بهذه العدة ما جاء عن النبي ﷺ من/ (ب٤٤) أقواله الصريحة في الحلال والحرام. - والله أعلم –".
وقال: "كل منهم بحسب ما يصل إليه. ولهذا اختلفوا"٣.
[زعم العراقي أن الحميدي لم يذكر اصطلاحا في الزيادات:]
٧- قوله ع: "والزيادات الموجودة في كتاب الحميدي ليست في واحد من الكتابين، ولم يروها الحميدي بإسناده فيكون حكمها حكم المستخرجات ولا أظهر لنا اصطلاحا أنه يزيد زوائد التزم فيها الصحة فيقلد فيها"٤. انتهى.
وقد اعتمد شيخنا رحمه الله تعالى هذا منظومته فقال: "وليت إذ زاد الحميدي ميّزا٥/ (? ٢١/ب) ...."
وشرح ذلك بمعنى الذي ذكره هنا: أن الحميدي٦ لم يميز الزيادات التي
стр. 276
زادها في الجمع١ ولا اصطلح على أنه لا يزيد إلا ما صح فيقلد في ذلك. وكان شيخنا – ﵁ – قلد في هذا غيره وإلا فلو راجع كتاب الجمع بين الصحيحين لرأى في خطبته ما دل على ذكره لاصطلاحه في هذه الزيادات وغيرها.
ولو تأمل المواضع الزائدة لرآها معزوة إلى من زادها من أصحاب المستخرجات/ (ر٢١/ب) وتبعه على ذلك الشيخ سراج الدين النحوي، فألحق في كتابه "المقنع"٢ ما صورته: "هذه الزيادات ليس لها حكم الصحيح، لأنه ما رواها بسنده كالمستخرج ولا ذكر أنه يزيد ألفاظا واشترط فيها الصحة حتى يقلد في ذلك".
وقال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص البلقيني في "محاسن الاصطلاح" في هذا الموضع ما صورته: وفي "الجمع بين الصحيحين" للحميدي تتمات لا وجود لها في الصحيحين، وهو كما قال ابن الصلاح. إلا أنه كان ينبغي التنبيه على حكم تلك التتمات لتكمل الفائدة.
والدليل على ما ذهبنا إليه من أن الحميدي أظهر/ (ي٣٧) اصطلاحه لما يتعلق بهذه الزيادات موجود في خطبة كتابه إذ قال في أثناء المقدمة ما نصه: "وربما اضفنا إلى ذلك نبذا مما نبهنا له من كتب/ (ب٤٥) أبي الحسن الدارقطني، وأبي بكر الإسماعيلي وأبي بكر الخوارزمي٣ (يعني البرقاني) وأبي مسعود
стр. 277
الدمشقي١ وغيرهم من الحفاظ الذين عنوا بالصحيح مما يتعلق بالكتابين من تنبيه على غرض أو تتميم لمحذوف أو زيادة من٢ شرح أو بيان لاسم ونسب أو كلام على إسناد أو تتبع لوهم٣.
فقوله: "تتميم لمحذوف أو زيادة" هو غرضنا هنا/ (?٢٢/أ) وهو يختص بكتابي الإسماعيلي والبرقاني، لأنهما استخرجا على البخاري. واستخرج البرقاني على مسلم.
وقوله: "من تنبيه على غرض أو كلام على إسناد أو تتبع لوهم أو بيان لاسم أو نسب"، يختص بكتابي الدارقطني وأبي مسعود، ذاك في "كتاب التتبع" وهذا في "كتاب الأطراف".
وقوله: "مما يتعلق بالكتابين"، احترز به عن تصانيفهم التي لا تتعلق بالصحيحين، فإنه لم ينقل منها شيئا هنا.
فهذا الحميدي قد أظهر اصطلاحه في خطبة كتابه. ثم إنه فيما تتبعته من كتابه إذا ذكر الزيادة في المتن يعزوها لمن٤ زادها من أصحاب المستخرجات وغيرها/ (ر٢٢/أ) فإن عزاها لمن استخرج أقرها وإن عزاها لمن لم يستخرج تعقبها غالبا،
стр. 278
لكنه تارة يسوق الحديث من الكتابين أو من أحدهما ثم يقول: مثلا: زاد فيه فلان كذا. وهذا لا إشكال فيه وتارة يسوق الحديث والزيادة جميعا في نسق واحد ثم يقول في عقبه مثلا: اقتصر منه البخاري على كذا وزاد فيه الإسماعيلي كذا وهذا يشكل على الناظر غير المميز، لأنه إذا نقل منه حديثا برمته وأغفل كلامه بعده وقع في المحذور الذي حذر منه ابن الصلاح، لأنه حينئذ يعزو على أحد الصحيحين ما ليس فيه، فهذا١ الحامل لابن الصلاح على الاستثناء المذكور. حيث قال عن الحميدي/ (ب٤٦) ... إلى آخره٢.
١- فمن أمثلة ذلك: أنه قال في مسند العشرة في حديث طارق/ (ي٣٨) بن شهاب عن أبي بكر ﵁ في قصة وفد بزاخة٣ من أسد وغطفان وأن أبا بكر ﵁ خيرهم بين الحرب المجلية٤ والسلم المخزية فساق الحديث بطوله وقال في آخره: "اختصره البخاري فأخرج طرفا منه"٥. وأخرجه بطوله أبو بكر البرقاني"٦.
стр. 279
٢- ومن ذلك: قوله في مسند أبي سعيد الخدري/ (?٢٢/ب) ﵁ عن أبي صالح عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى دارا وأتمها إلا لبنة قال فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة".
قال الحميدي: "أحال به مسلم على حديث أبي هريرة١ ﵁ في هذا المعنى ولم يسق حديث أبي سعيد ﵁ إلا٢ قوله: مثلي ومثل النبيين ثم قال، فذكر نحوه".
قال الحميدي: "وحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - الذي أحال عليه أزيد لفظا وأتم معنى، ومتن حديث أبي سعيد٣ ﵁ هو الذي أوردناه بينه أبو بكر البرقاني".
٣- ومنها: ما ذكره في مسند عبد الله بن مسعود ﵁ في/ (ر٢٢/ب) إفراد البخاري عن هزيل٤ عن ابن مسعود ﵁ قال: "إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون"٥.
قال الحميدي: "اختصره البخاري ولم يزد على هذا". وأخرجه بطوله أبو بكر البرقاني من تلك الطريق عن هزيل قال: "جاء رجل إلى عبد الله
стр. 280
- ﵁ فقال: إني أعتقت عبدا لي سائبة فمات وترك مالا ولم يدع وارثا". فقال عبد الله ﵁: "إن أهل الإسلام لا يسيبون كأهل الجاهلية، فإنهم كانوا يسيبون، فأنت ولي نعمته ولك ميراثه، فإن تأثمت١ أو تحرجت في شيء فنحن نقبله ونجعله في بيت المال"٢.
٤- ومنها ما ذكره في مسند أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: "الحديث الحادي والثلاثون (يعني من أفراد/ (ي٣٩) البخاري) عن أبي سعيد المقبري كيسان٣ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "من/ (?٢٣/أ) لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه".
قال الحميدي٤: "أخرجه أبو بكر البرقاني في كتابه من حديث أحمد بن يونس٥ عن ابن أبي ذئب٦ عن سعيد المقبري عن أبيه وهو الذي أخرجه البخاري٧ من طريقه فزاد فيه والجهل بعد قوله والعمل به". انتهى.
стр. 281
فانظر كيف لم يسامح بزيادة لفظة واحدة في المتن حتى بينها وأوضح أنها مخرجة من الطريق التي خرجها البخاري. فمن يفصل هذا التفصيل كيف يظن به أنه لا يميز بين ألفاظ الصحيحين اللذين جمعهما وبين الألفاظ المزيدة في رواية غيرهما.
٥- ومنها: ما ذكره في مسند عبد الله بن عباس ﵄ في أفراد البخاري عن أبي السفر سعيد بن يحمد١ قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: "يا أيها الناس اسمعوا مني ما أقول لكم، وأسمعوني ما تقولون ولا تذهبوا/ (ر٢٣/أ) فتقولوا قال ابن عباس: "من طاف بالبيت، فليطف من وراء الحجر، ولا تقولوا الحطيم٢، فإن الرجل في الجاهلية كان يحلف فيلقي سوطه أو نعله أو قوسه"٣ لم يزد (يعني البخاري) ٤.
وزاد البرقاني في الحديث بالإسناد المخرج به: "وأيما صبي حج به أهله فقد قضت حجته عنه ما دام صغيرا، فإذا بلغ فعليه حجة أخرى.
وأيما/ (ب٤٨) عبد حج به أهله، فقد قضت [حجته] ٥ عنه ما دام عبدا فإذا أعتق فعليه حجة أخرى.
стр. 282
ومن المواضع التي١ تعقبها على غير أصحاب المستخرجات ما حكاه في مسند جابر عن أبي مسعود الدمشقي أنه قال – في الأطراف -: حديث أبي خثيمة زهير بن معاوية٢ عن أبي الزبير عن/ (?٢٣/ب) جابر ﵁ قال: جاء سراقة٣ فقال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن. أرأيت عمرتنا هذه لعامنا/ (ي٤٠) أو للأبد؟
قال رسول الله ﷺ : "بل للأبد".
قالوا يا رسول الله! فبين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن. فيم العمل اليوم ... ؟ الحديث.
قال أبو مسعود: رواه مسلم عن أحمد (يعني ابن يونس) ويحيى (يعني ابن يحيى) يعني كلاهما عن زهير.
قال الحميدي: "كذا قال أبو مسعود. والحديث عند مسلم في القدر٤ كما قال عن أحمد ويحيى٥، وليس فيه هذه القصة التي في العمرة".
стр. 283
قال الحميدي: "والحديث في الأصل أطول من هذا، وإنما أخرجه مسلم منه ما أراد وحذف الباقي.
وقد أورده بطوله أبو بكر البرقاني في كتابه بالإسناد من حديث زهير، ثم ساقه الحميدي١ من عند البرقاني بتمامه. وهذا غاية في التمييز والتبيين والتحري.
٦- ونظير هذا سواء. قال أبو مسعود أيضا في ترجمة قرة بن خالد٢ عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : "من لقي الله تعالى لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار"٣/ (ر٢٣/ب) .
قال: ودعا٤ رسول الله ﷺ بصحيفة عند موته، فأراد أن يكتب لهم كتابا لا يضلوا بعده، فكثر اللغط وتكلم عمر ﵁ فرفضها رسول الله ﷺ .
стр. 284
قال الحميدي: من قوله: "ودعا رسول الله ﷺ " إلى آخره ليس عند مسلم١ وهو في الحديث أخرجه بطوله البرقاني من حديث قرة ولكن/ (ب٤٩) مسلما اقتصر على ما أراد منه٢.
٧- ومن ذلك: ما ذكره في حديث ابن عباس عن علي ﵃ قال: "نهاني رسول الله ﷺ عن القراءة في الركوع والسجود"٣/ (? ٢٤/أ) قال زاد في الأطراف في روية ابن عباس عن علي ﵃ النهي عن خاتم الذهب وليس ذلك عندنا في أصل كتاب مسلم.
قال الحميدي: "ولعله وجد في نسخة أخرى"٤.
٨- وقال في مسند أبي هريرة ﵁ في الحديث الثالث: عن أنس بن مالك عن/ (ي ٤١) عن أبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "قال الله : إذا تقرب عبدي مني شبرا تقربت منه ذراعا، وإذا تقرب مني ذراعا تفربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة" ٥.
لفظ٦ حديث مسلم، زاد ابن مسعود ﵁: "وإن هرول سعيت إليه، والله تعالى أسرع بالمغفرة".
قال الحميدي: "لم أر هذه الزيادة في الكتابين"٧.
стр. 285
قلت: والزيادة المذكورة تفرد بها محمد بن أبي السري العسقلاني١ ولم يخرجا له. وقد بينت ذلك في تغليق التعليق.
فهذه الأمثلة توضح أن الحميدي يميز الزيادات التي يزيدها هو أو غيره خلافا لمن نفى ذلك, - والله أعلم -.
وقد قرأت في كتاب (الحافظ أبي سعيد) ٢ العلائي في علوم الحديث له٣ قال – لما ذكر المستخرجات -: ومنها: المستخرج على البخاري للإسماعيلي. والمستخرج على الصحيحين للبرقاني وهو مشتمل على/ (ر٢٤/أ) زيادات كثيرة في تضاعيف متون الأحاديث، وهي التي ذكرها الحميدي في الجمع بين الصحيحين منبها عليها.
هذا لفظه بحروفه وهو عين المدعى ولله الحمد.
٢٥- قوله (ص) :/ (ب ٥٠) "فليس لك أن تنقل حديثا منها٤ وتقول: هو على هذا الوجه في كتاب البخاري ومسلم إلا أن تقابل لفظه أو يكون الذي أخرجه قد قال: أخرجه البخاري"٥ بهذا اللفظ.
قلت محصل هذا أن مخرج الحديث إذا نسبه إلى تخريج بعض المصنفين فلا يخلو إما أن يصرح٦/ (? ٢٤/ب) بالمرادفة أو بالمساواة أو لا يصرح. إن صرح فذاك، وإن لم يصرح كان على الاحتمال.