فانظر كيف لم يسامح بزيادة لفظة واحدة في المتن حتى بينها وأوضح أنها مخرجة من الطريق التي خرجها البخاري. فمن يفصل هذا التفصيل كيف يظن به أنه لا يميز بين ألفاظ الصحيحين اللذين جمعهما وبين الألفاظ المزيدة في رواية غيرهما.
٥- ومنها: ما ذكره في مسند عبد الله بن عباس ﵄ في أفراد البخاري عن أبي السفر سعيد بن يحمد١ قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: "يا أيها الناس اسمعوا مني ما أقول لكم، وأسمعوني ما تقولون ولا تذهبوا/ (ر٢٣/أ) فتقولوا قال ابن عباس: "من طاف بالبيت، فليطف من وراء الحجر، ولا تقولوا الحطيم٢، فإن الرجل في الجاهلية كان يحلف فيلقي سوطه أو نعله أو قوسه"٣ لم يزد (يعني البخاري) ٤.
وزاد البرقاني في الحديث بالإسناد المخرج به: "وأيما صبي حج به أهله فقد قضت حجته عنه ما دام صغيرا، فإذا بلغ فعليه حجة أخرى.
وأيما/ (ب٤٨) عبد حج به أهله، فقد قضت [حجته] ٥ عنه ما دام عبدا فإذا أعتق فعليه حجة أخرى.
стр. 282
ومن المواضع التي١ تعقبها على غير أصحاب المستخرجات ما حكاه في مسند جابر عن أبي مسعود الدمشقي أنه قال – في الأطراف -: حديث أبي خثيمة زهير بن معاوية٢ عن أبي الزبير عن/ (?٢٣/ب) جابر ﵁ قال: جاء سراقة٣ فقال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن. أرأيت عمرتنا هذه لعامنا/ (ي٤٠) أو للأبد؟
قال رسول الله ﷺ : "بل للأبد".
قالوا يا رسول الله! فبين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن. فيم العمل اليوم ... ؟ الحديث.
قال أبو مسعود: رواه مسلم عن أحمد (يعني ابن يونس) ويحيى (يعني ابن يحيى) يعني كلاهما عن زهير.
قال الحميدي: "كذا قال أبو مسعود. والحديث عند مسلم في القدر٤ كما قال عن أحمد ويحيى٥، وليس فيه هذه القصة التي في العمرة".
стр. 283
قال الحميدي: "والحديث في الأصل أطول من هذا، وإنما أخرجه مسلم منه ما أراد وحذف الباقي.
وقد أورده بطوله أبو بكر البرقاني في كتابه بالإسناد من حديث زهير، ثم ساقه الحميدي١ من عند البرقاني بتمامه. وهذا غاية في التمييز والتبيين والتحري.
٦- ونظير هذا سواء. قال أبو مسعود أيضا في ترجمة قرة بن خالد٢ عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : "من لقي الله تعالى لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار"٣/ (ر٢٣/ب) .
قال: ودعا٤ رسول الله ﷺ بصحيفة عند موته، فأراد أن يكتب لهم كتابا لا يضلوا بعده، فكثر اللغط وتكلم عمر ﵁ فرفضها رسول الله ﷺ .
стр. 284
قال الحميدي: من قوله: "ودعا رسول الله ﷺ " إلى آخره ليس عند مسلم١ وهو في الحديث أخرجه بطوله البرقاني من حديث قرة ولكن/ (ب٤٩) مسلما اقتصر على ما أراد منه٢.
٧- ومن ذلك: ما ذكره في حديث ابن عباس عن علي ﵃ قال: "نهاني رسول الله ﷺ عن القراءة في الركوع والسجود"٣/ (? ٢٤/أ) قال زاد في الأطراف في روية ابن عباس عن علي ﵃ النهي عن خاتم الذهب وليس ذلك عندنا في أصل كتاب مسلم.
قال الحميدي: "ولعله وجد في نسخة أخرى"٤.
٨- وقال في مسند أبي هريرة ﵁ في الحديث الثالث: عن أنس بن مالك عن/ (ي ٤١) عن أبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "قال الله : إذا تقرب عبدي مني شبرا تقربت منه ذراعا، وإذا تقرب مني ذراعا تفربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة" ٥.
لفظ٦ حديث مسلم، زاد ابن مسعود ﵁: "وإن هرول سعيت إليه، والله تعالى أسرع بالمغفرة".
قال الحميدي: "لم أر هذه الزيادة في الكتابين"٧.
стр. 285
قلت: والزيادة المذكورة تفرد بها محمد بن أبي السري العسقلاني١ ولم يخرجا له. وقد بينت ذلك في تغليق التعليق.
فهذه الأمثلة توضح أن الحميدي يميز الزيادات التي يزيدها هو أو غيره خلافا لمن نفى ذلك, - والله أعلم -.
وقد قرأت في كتاب (الحافظ أبي سعيد) ٢ العلائي في علوم الحديث له٣ قال – لما ذكر المستخرجات -: ومنها: المستخرج على البخاري للإسماعيلي. والمستخرج على الصحيحين للبرقاني وهو مشتمل على/ (ر٢٤/أ) زيادات كثيرة في تضاعيف متون الأحاديث، وهي التي ذكرها الحميدي في الجمع بين الصحيحين منبها عليها.
هذا لفظه بحروفه وهو عين المدعى ولله الحمد.
٢٥- قوله (ص) :/ (ب ٥٠) "فليس لك أن تنقل حديثا منها٤ وتقول: هو على هذا الوجه في كتاب البخاري ومسلم إلا أن تقابل لفظه أو يكون الذي أخرجه قد قال: أخرجه البخاري"٥ بهذا اللفظ.
قلت محصل هذا أن مخرج الحديث إذا نسبه إلى تخريج بعض المصنفين فلا يخلو إما أن يصرح٦/ (? ٢٤/ب) بالمرادفة أو بالمساواة أو لا يصرح. إن صرح فذاك، وإن لم يصرح كان على الاحتمال.
стр. 286
فإذا كان على الاحتمال فليس لأحد أن ينقل الحديث منها ويقول هو على هذا الوجه فيها، لكن هل له أن ينقل منه ويطلق كما أطلق؟ هذا محل بحث وتأمل.
فائدة:
استنكر ابن دقيق العيد عزو المصنفين على أبواب الأحكام الأحاديث إلى تخريج البخاري ومسلم مع تفاوت المعنى؛ لأن من١ شأن من هذه حاله أن يستدل على صحة/ (ي٤٢) ما بوب فإذا ساق الحديث بإسناده ثم عزاه لتخريج أحدهما أوهم الناظر فيه أنه عند صاحب الصحيح كذلك، ولو كان ما أخرجه صاحب الصحيح لا يدل على مقصود التبويب فيكون فيه تلبيس غير لائق ثم إن فيه (مفسدة٢ أيضا) من جهة أخرى وهو احتمال أن يكون في إسناد صاحب المستخرج من لا يحتج به كما بيناه غير مرة، فإذا ظن الظان أن صاحب الصحيح أخرجه بلفظه قطع نظره عن البحث عن أحوال رواته اعتمادا على صاحب الصحيح، والحال أن صاحب الصحيح لم يخرج ذلك، فيوهم فاعل ذلك ما ليس بصحيح صحيحا، هذا معنى كلامه.
ثم قال: "ولا/ (٢٤/ب) ينكر هذا على من صنف على غير الأبواب كأصحاب المعاجم٣ والمشيخات٤، فإن مقصودهم أصل الإسناد لا الاستدلال بألفاظ المتون" والله أعلم.
стр. 287
٢٦- قوله (ص) : "بخلاف الكتب المختصرة من الصحيحين، فإن مصنفيها نقلوا فيها ألفاظ الصحيحين أوأحدهما"١.
محصله/ (ب٥١) أن اللفظ إن كان متفقا فذاك/ (? ٢٥/أ) وإن كان مختلفا فتارة يحكيه على وجهه وتارة يقتصر على لفظ أحدهما. ويبقى ما إذا كان كل منهما أخرج من الحديث جملة لم يخرجها الآخر فهل للمختصر أن يسوق الحديث مساقا واحدا وينسبه إليهما ويطلق ذلك أو عليه أن يبين؟.
هذا محل تأمل، ولا يخفى الجواز وقد فعله غير واحد والله أعلم.
٢٧- قوله (ص) : في ذكر المستدرك للحاكم: "وهو واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به، فالأولى أن نتوسط في أمره ... " إلى آخر كلامه٢.
[زعم الماليني أنه ليس في المستدرك حديث على شرط الشيخين:]
أقول: حكى الحافظ أبو عبد الله الذهبي٣ عن أبي سعد الماليني٤ أنه
стр. 288
قال: "طالعت المستدرك على الشيخين الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره فلم أر فيه حديثا على شرطهما"١.
وقرأت بخط بعض/ (ي ٤٣) الأئمة أنه رأى بخط عبد الله بن زيدان المسكي٢ قال: أملى علي الحافظ أبو محمد عبد الغني٣ بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي سنة خمس وتسعين وخمسمائة قال: "نظرت إلى وقت إملائي عليك هذا الكلام فلم أجد حديثا على شرط البخاري ومسلم لم يخرجاه إلا ثلاثة أحاديث:
١- حديث أنس "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة"٤.
٢- وحديث الحجاج بن علاط لما أسلم٥.
стр. 289
٣- وحديث علي ﵁ "لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع"١، انتهى.
وتعقب الذهبي قول الماليني فقال: هذا غلو وإسراف وإلا ففي المستدرك جملة وافرة/ (ر٢٥/أ) على شرطهما، وجملة كثيرة على شرط أحدهما، وهو قدر النصف، وفيه نحو الربع مما صح سنده أو حسن.
وفيه بعض العلل. وباقيه مناكير وواهيات/ (?٢٥) وفي بعضها موضوعات قد أفردتها٢ في جزء/ (ب٥٢) . انتهى كلامه.
وهو كلام مجمل يحتاج إلى إيضاح وتبيين.
من الإيضاح أنه ليس جميعه كما قال، فنقول:
أ- ينقسم المستدرك أقساما كل قسم منها يمكن تقسيمه:
الأول: أن يكون إسناد الحديث الذي يخرجه محتجا برواته٣ في الصحيحين أو أحدهما على صورة الاجتماع سالما من العلل، واحترزنا بقولنا على صورة الاجتماع عما احتجا برواته على صورة الانفراد كسفيان بن حسين عن الزهري، فإنهما احتجا بكل منهما، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين٤ عن الزهري؛ لأن سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه.
فإذا وجد حديث من روايته عن الزهري لا يقال على شرط الشيخين
стр. 290
؛ لأنهما احتجا بكل منهما. بل لا يكون على شرطهما إلا إذا احتجا بكل منهما على صورة الاجتماع، وكذا إذا كان الإسناد قد احتج كل منهما برجل منه ولم يحتج بآخر منه، كالحديث الذي يروى عن طريق شعبة مثلا عن سماك بن حرب١ عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -، فإن مسلما احتج بحديث سماك/ (ي٤٤) إذا كان من رواية الثقات عنه، ولم يحتج بعكرمة واحتج البخاري بعكرمة دون سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما فلا يجتمع فيه صورة الاجتماع، وقد صرح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره.
واحترزت بقولي أن يكون سالما من العلل بما٢ إذا احتجا بجميع رواته على صورة الاجتماع إلا/ (ر٢٥/ب) أن فيهم من وصف بالتدليس أو اختلط في آخر عمره، فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا/ (?٢٦/أ) من رواية المدلسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى/ (ب/٥٣) ، وكذا٣ لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلا ما تحققا أنه من صحيح حديثهم قبل الاختلاط. فإذا كان كذلك لم يجز الحكم للحديث الذي فيه٤ مدلس قد عنعنه أو شيخ سمع ممن اختلط بعد اختلاطه، بأنه على شرطهما، وإن كانا٥ قد أخرجا ذلك الإسناد بعينه.
إلا إذا صرح المدلس من جهة أخرى بالسماع وصح٦ أن الراوي سمع
стр. 291
من شيخه قبل اختلاطه، فهذا القسم يوصف بكونه على شرطهما أو على شرط أحدهما.
ولا يوجد في المستدرك حديث بهذه الشروط لم يخرجا له نظيرا أو١ أصلا إلا القليل كما قدمنا.
نعم وفيه جملة مستكثرة بهذه الشروط، لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما استدركها الحاكم واهما في ذلك ظنا أنهما لم يخرجاها.
(ب) القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته لا على سبيل الاحتجاج بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقرونا بغيره. ويلحق بذلك ما إذا أخرجا لرجل وتجنبا ما تفرد به أو ما خالف فيه. كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - ما لم يتفرد به.
فلا يحسن أن يقال إن باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأنه٢ ما خرج بعضها إلا بعدما تبين له أن ذلك مما لم ينفرد به. فما كان بهذه المثابة لا يلحق أفراده بشرطهما.
وقد عقد/ (ر٢٦/أ) الحاكم في كتاب المدخل بابا مستقلا٣/ (ي٤٥) ذكر فيه من أخرج له الشيخان في المتابعات وعدد٤ ما أخرجا من ذلك، ثم أنه مع هذا الاطلاع يخرج أحاديث هؤلاء في المستدرك/ (? ٢٦أب) زاعما أنها على شرطهما.
ولا شك في نزول أحاديثه عن درجة الصحيح بل ربما كان فيها الشاذ والضعيف، لكن أكثرها لا ينزل عن درجة الحسن/ (ب٥٤) .
стр. 292
والحاكم وإن كان ممن لا يفرق بين الصحيح والحسن بل يجعل الجميع صحيحا تبعا لمشايخه كما قدمناه عن ابن خزيمة وابن حبان، فإنما يناقش في دعواه أن الحديث هؤلاء على شرط الشيخين أو أحدهما. وهذا القسم هو عمدة الكتاب.
(ج) القسم الثالث: أن يكون الإسناد لم يخرجا له لا في الاحتجاج ولا في المتابعات. وهذا قد أكثر منه الحاكم، فيخرج أحاديث عن خلق ليسوا في الكتابين ويصححها، لكن لا يدعي أنها على شرط واحد منهما، وربما ادعى ذلك على سبيل الوهم. وكثير منها يعلق القول بصحتها على سلامتها من بعض رواتها. كالحديث الذي أخرجه من طريق الليث عن إسحاق بن بزرج١ عن الحسن بن علي٢ في التزيين للعيد٣. قال في أثره:
"لولا جهالة إسحاق لحكمت بصحته" وكثير منها لا يتعرض للكلام عليه أصلا.
ومن هنا دخلت الآفة كثيرا فيما صححه، وقل أن تجد في هذا القسم حديثا
стр. 293
يلتحق بدرجة الصحيح فضلا عن١ أن يرتفع إلى درجة الشيخين - والله أعلم -.
ومن العجيب٢ ما وقع للحاكم أنه أخرج لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم٣. وقال بعد روايته:
"هذا صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن"٤. مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء:
"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى/ (ر٢٦/ب) عن أبيه أحاديث موضوعة لا يخفى على٥ من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه".
وقال في آخر هذا الكتاب: "فهؤلاء الذين ذكرتهم قد ظهر عندي جرحهم؛ لأن الجرح/ / (ب٥٥) (?٢٧/أ) لا أستحله تقليدا. انتهى.
стр. 294
فكان هذا من عجائب ما وقع له من التساهل والغفلة.
ومن هنا يتبين صحة (قول ابن الأخرم التي قدمناها) ١.
وأن قول المؤلف أنه يصفو له منه صحيح كثير غير جيد، بل هو قليل بالنسبة إلى أحاديث الكتابين؛ لأن٢ المكرر يقرب من ستة آلاف.
والذي يسلم من المستدرك على شرطهما أو شرط أحدهما مع الاعتبار الذي حررناه دون الألف، فهو قليل بالنسبة إلى ما في الكتابين - والله أعلم -.
وقد بالغ ابن عبد البر فقال: ما معناه أن البخاري ومسلما إذا اجتمعا على ترك/ (ي٤٦) إخراج أصل من الأصول فإنه لا يكون له طريق صحيحة وإن وجدت فهي معلولة.
وقال في موضع آخر: "وهذا الأصل لم يخرج البخاري ومسلم شيئا منه وحسبك٣ بذلك ضعفا".
هذا وإن كان لا يقبل منه فهو يعضد قول ابن الأخرم والله أعلم٤.
٨- قوله (ع) : "وكلام الحاكم مخالف لما فهموه"٥ (يعني ابن الصلاح وابن دقيق العيد والذهبي) من أنهم يعترضون على تصحيحه على شرط الشيخين أو أحدهما، بأن
стр. 295
البخاري – مثلا - ما أخرج لفلان وكلام الحاكم ظاهر أنه لا يتقيد بذلك حتى يتعقب به عليه.
قلت: لكن تصرف الحاكم يقوي أحد الاحتمالين١ اللذين ذكرهما شيخنا - رحمه الله تعالى- فإنه إذا كان عنده الحديث قد٢ أخرجا أو أحدهما لرواته قال: "صحيح على شرط الشيخين أو أحدهما وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له قال: صحيح الإسناد حسب٣/ (ر٢٧/أ) .
ويوضح ذلك قوله – في باب التوبة – لما أورد حديث أبي عثمان٤عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي". قال: هذا حديث صحيح الإسناد "وأبو عثمان هذا ليس هو النهدي ولو كان هو النهدي لحكمت٥ بالحديث على شرط الشيخين"٦.
فدل هذا على أنه إذا لم يخرجا لأحد رواة الحديث لا يحكم به على شرطهما وهو عين ما ادعى ابن دقيق العيد وغيره.
стр. 296
وإن كان الحاكم قد يغفل عن هذا في بعض الأحيان، فيصحح على شرطهما بعض ما لم يخرجا لبعض رواته، فيحمل ذلك على السهو والنسيان ويتوجه به حينئذ عليه الاعتراض. - والله أعلم -.
[فوائد المستخرجات:]
٢٨- قوله/ (ي٤٧) (ص) : "ثم إن التخاريج على الكتابين يستفاد منها فائدتان" فذكرهما١ قال شيخنا في التعقب عليه: "لو قال: إن هاتين الفائدتين من فوائد المستخرجات لكان أولى"٢.
ثم زاد عليه فائدة ثالثة هي تكثر طرق الحديث ليرجح بها عند المعارضة٣. وهذه الفائدة قد ذكرها المصنف في مقدمة شرح مسلم له٤.
وتلقاها عنه الشيخ محي الدين النووي، فاستدركها عليه في مختصره في علوم الحديث٥.
وللمستخرجات فوائد أخرى لم يتعرض أحد منهم لذكرها:
أحدها٦: الحكم بعدالة من أخرج له فيه، لأن المخرج على شرط الصحيح يلزمه أن لا يخرج إلا عن ثقة عنده.
فالرجال الذين في المستخرج ينقسمون أقساما منهم:
أ- من ثبتت عدالته قبل هذا المخرج, فلا كلام فيهم
стр. 297
ب- ومنهم من طعن فيه غير هذا المخرج فينظر في ذلك الطعن إن كان مقبولا قادحا فيقدم (وإلا فلا) ١.
ج- ومنهم من لا يعرف لأحد قبل هذا المخرج فيه توثيق ولا تخرج فتخريج من يشترط/ (ر٢٧/ب) الصحة لهم ينقلهم من درجة من هو مستور إلى درجة من هو موثوق. فيستفاد من ذلك صحة أحاديثهم التي/ (?٢٨/أ) يروونها بهذا الإسناد ولو لم يكن في ذلك المستخرج والله أعلم.
الثانية: ما يقع فيها من حديث المدلسين بتصريح السماع وهي في الصحيح بالعنعنة, فقد قدمنا أنا نعلم في الجملة أن الشيخين اطلعا على أنه مما سمعه المدلس من شيخه, لكن ليس اليقين كالاحتمال، فوجود ذلك في المستخرج بالتصريح ينفي أحد الاحتمالات.
الثالثة: ما يقع فيها٢ من حديث المختلطين عمن سمع منهم قبل الاختلاط (وهو في الصحيح في حديث من سمع منهم قبل ذلك) ٣ والحال فيها كالحال في التي قبلها سواء بسواء٤.
الرابعة: ما يقع فيها من التصريح بالأسماء المبهمة والمهملة في الصحيح في الإسناد أو في المتن.
الخامسة: ما يقع فيها من التميز للمتن المحال به على المتن المحال عليه٥ وذلك في "كتاب مسلم/ (ي٤٨) كثير جدا, فإنه يخرج الحديث على لفظ بعض
стр. 298
الرواة ويحيل بباقي ألفاظ الرواة على ذلك اللفظ الذي يورده، فتارة يقول: مثله فيحمل على أنه نظير سواء.
وتارة يقول: نحوه أو معناه, [فتوجد] ١ بينهما مخالفة بالزيادة والنقص وفي ذلك من الفوائد ما لا يخفى.
السادسة: ما يقع فيها من الفصل للكلام المدرج في الحديث مما ليس في الحديث ويكون في الصحيح غير مفصل.
السابعة: ما يقع فيها من الأحاديث المصرح برفعها وتكون في أصل الصحيح موقوفة أو كصورة الموقوف، كحديث ابن عون٢ عن نافع عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: "اللهم بارك لنا في يمننا/ (ر٢٨/أ) ... الحديث أخرجه البخاري٣ في أواخر الاستسقاء هكذا موقوفا، ورواه الإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما من هذا الوجه مرفوعا بذكر النبي ﷺ فيه, في أمثلة كثيرة لذلك.
وكملت/ (?٢٨/ب) فوائد المستخرجات بهذه الفوائد السبعة٤ التي ذكرناها عشر فوائد - والله الموفق -
٢٩- قوله (ص) - لما ذكر التعليق الممرض -: "وليس٥ في شيء منه حكم
стр. 299
منه بصحة ذلك عمن١ ذكره عنه ... ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارا يؤنس به ويركن إليه"٢.
وقال - في ذكر التعليق الجازم -: "ثم إن ما يتقاعد من ذلك عن شرط الصحيح قليل٣ يوجد في كتاب البخاري في مواضع من تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه"٤ ... انتهى.
أقول: بل الذي يتقاعد عن شرط البخاري كثير ليس بالقليل إلا أن يريد بالقلة قلة نسبية إلى باقي ما في الكتاب فيتجه، بل جزم أبو الحسن ابن القطان بأن التعاليق التي لم يوصل البخاري إسنادها ليست على شرطه، وإن كان ذلك لا يقبل من ابن القطان على ما سنوضحه.
وأما قول ابن الصلاح - في التعليق الممرض -: "ليس في شيء منه حكم بالصحة على من علقه عنه" فغير مسلم لأن جميعه صحيح عنده، وإنما/ (ي٤٩) يعدل عن الجزم لعلة تزحزحه عن شرطه.
وهذا بشرط أن يسوقه مساق الاحتجاج به، فأما ما أورده من ذلك على سبيل التعليل له والرد أو صرح بضعفه، فلا.
وقد بينت ذلك على وجوهه وأقسامه في كتابي تغليق التعليق٥.
وأشير هنا إلى طرف من ذلك يكون أنموذجا لما وراءه فأقول:
стр. 300
[تقسيم التعليق في البخاري:]
الأحاديث المرفوعة التي لم يوصل البخاري إسنادها في صحيحه.
أ- منها: ما يوجد في موضع آخر من كتابه/ (ر٢٨/ب) .
ب- ومنها: ما لا يوجد إلا معلقا.
فأما الأول: فالسبب في تعليقه أن البخاري من عادته في صحيحه أن لا يكرر شيئا إلا لفائدة، فإذا كان المتن يشتمل على أحكام كرره في الأبواب بحسبها، أو قطعة في الأبواب إذا كانت الجملة/ (ب٥٩) يمكن انفصالها من الجملة الأخرى. ومع ذلك فلا يكرر الإسناد بل يغاير بين رجاله إما شيوخه أو شيوخ شيوخه ونحو ذلك.
فإذا ضاق مخرج الحديث ولم يكن له إلا إسناد واحد، واشتمل على أحكام واحتاج إلى تكريرها، فإنه والحالة والحالة هذه أما أن يختصر المتن أو يختصر الإسناد.
وهذا أحد الأسباب في تعليقه الحديث الذي وصله في موضع آخر١.
وأما الثاني: وهو ما لا يوجد فيه إلا معلقا، فهو على صورتين:
إما بصيغة الجزم وإما بصيغة التمريض.
فأما الأول: فهو صحيح إلى من علقه عنه، وبقي النظر فيما٢ أبرز من رجاله، فبعضه٣ يلتحق بشرطه.
والسبب في تعليقه له إما كونه٤ لم٥ يحصل له مسموعا، وإنما أخذه على
стр. 301
طريق المذاكرة أو الإجازة، أو كان قد خرج ما يقوم مقامه، فاستغنى بذلك عن إيراد هذا المعلق مستوفي السياق أو لمعنى غير ذلك، [وبعضه] ١يتقاعد عن شرطه، وإن صححه غيره أو حسنه، وبعضه يكون ضعيفا من جهة الانقطاع خاصة.
وأما الثاني: وهو المعلق بصيغة التمريض مما لم يورده في موضع آخر فلا/ (ي٥٠) يوجد فيه ما يلتحق بشرطه إلا مواضع يسيرة، قد أوردها بهذه الصيغة لكونه ذكرها بالمعنى كما نبه عليه شيخنا ﵁.
نعم، فيه ما هو صحيح وإن تقاعد عن شرطه إما لكونه لم يخرج لرجاله أو لوجود علة فيه عنده/ (ر٢٩/أ) ، ومنه٢: ما هم حسن، ومنها: ما هو ضعيف وهو على قسمين:
أحدهما: ما ينجبر بأمر آخر. وثانيهما: ما لا يرتقي عن رتبة الضعيف/ (?٢٩/ب) وحيث يكون بهذه المثابة، فإنه يبين ضعفه ويصرح به حيث يورده في كتابه٣.
ولنذكر أمثلة لما ذكرناه:
فمثال التعليق الجازم الذي يبلغ شرطه ولم يذكره في موضع آخر:
أ- قوله في كتاب الصلاة٤: وقال إبراهيم بن طهمان٥ عن حسين المعلم٦ عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله
стр. 302
تعالى عنهما قال: "كان رسول الله ﷺ -يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر مسير ويجمع بين المغرب والعشاء".
وهو حديث صحيح١ على شرط البخاري، فقد رويناه من طريق أحمد بن حفص٢ النيسابوري عن أبيه٣ عن إبراهيم بن طهمان هكذا٤. وأحمد وأبوه ومن فوقهما٥ قد أخرج لهم البخاري في صحيحه محتجا بهم.
ب- وقوله في الوكالة وغيرها: "وقال عثمان بن الهيثم٦ ثنا عوف٧ ثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "وكلني رسول الله ﷺ -بزكاة رمضان ... الحديث بطوله٨ وقد أورده في مواضع مطولا ومختصرا"٩.
стр. 303
وعثمان من مشايخه الذين سمع منهم الكثير ولم يصرح بسماعه منه١ لهذا الحديث فالله أعلم هل سمعه أم٢ لا.
ومن الأحاديث التي علقها بحذف جميع الإسناد وهي على شرطه ولم يخرجها في موضع آخر:
ج- قوله/ (ي٥١) في الصيام٣: "وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء".
وأخرجه٤ النسائي قال: ثنا محمد بن يحيى٥ ثنا بشر بن عمر٦ ثنا
стр. 304
مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن١/ (ر٢٩/ب) عن أبي هريرة ﵁ بهذا٢.
وأصل٣ هذا الحديث عند البخاري بلفظ آخر من/ (?٣٠/أ) حديث الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم / (ب/٦١) بتأخير العشاء والسواك عند كل صلاة" ٤.
د- ومثال التعليق الجازم الذي لا يبلغ شرطه وإن كان صحيحا قوله - في الطهارة - وقال بهز (بن حكيم) ٥ عن أبيه عن جده (عن النبي ﷺ ) ٦ "الله أحق أن يستحيى منه من الناس"٧.
وهو حديث مشهور أخرجه أصحاب السنن الأربعة٨ من حديث بهز،
стр. 305
وبهز١ وأبوه٢ وثقهما جماعة. وصحح حديث بهز غير واحد من الأئمة. نعم وتكلم في بهز غير واحد، لكنه لم يتهم ولم يترك.
وقد علق البخاري حديثا من نسخة بهز بن حكيم فلم يذكر إلا الصحابي وهو معاوية بن حيدة جد بهز، فأتى بصيغة التمريض٣ وقوله في الطهارة٤ أيضا وقالت عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه".
وقد اخرج مسلم٥ هذا الحديث من طريق خالد بن سلمة٦ عن عبد الله البهي٧ عن عروة
стр. 306
عن عائشة رضي الله تعالى عنها واستغربه الترمذي١.
وخالد تكلم فيه بعض الأئمة وليس هو من شرط البخاري وقد تفرد بهذا الحديث والله أعلم.
?- ومثال التعليق الجازم الذي يضعف بسبب الانقطاع:
قوله في كتاب الزكاة٢ وقال طاووس٣: قال معاذ (يعني ابن جبل ﵁ لأهل/ (ي٥٢) اليمن: "ائتوني بعرض ثياب خميص٤ أو لبيس٥ في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب محمد ﷺ .
والإسناد صحيح إلى طاووس، قد رويناه في كتاب الخراج ليحيى بن آدم٦ عن/ (ر٣٠/أ) سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وإبراهيم بن ميسرة٧ عن
стр. 307
طاووس، لكنه منقطع؛ لأن طاووسا لم يسمع من معاذ١ رضي/ (?٣٠/ب) الله عنه - والله أعلم -.
فائدة:
سمى الدمياطي٢ ما يعلقه البخاري عن شيوخه حوالة، فقال في كلامه في حديث أبي أيوب٣ في الذكر٤: "أخرجه البخاري حوالة فقال: "قال موسى بن إسماعيل٥: ثنا وهيب٦ عن داود٧ عن عبد الرحمن بن
стр. 308
أبي ليلى١ عن أبي أيوب".
و ومثال التعليق الممرض الذي يصح إسناده ولا يبلغ شرط البخاري لكونه لم يخرج لبعض رجاله.
قوله في الصلاة٢: "ويذكر ع عبد الله بن السائب ﵁ قال: "قرأ النبي ﷺ المؤمنون في صلاة الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون ﵉ أو ذكر عيسى ﵇ أخذته سعلة فركع".
وهو حديث صحيح رواه مسلم٣ من طريق محمد بن عباد بن جعفر٤ عن أبي سلمة بن سفيان٥ وعبد الله بن عمرو القاري٦ وعبد الله بن
стр. 309
المسيب١ - ثلاثتهم عن عبد الله بن السائب٢ - رضي الله تعالى عنه - به.
ولم يخرج البخاري بهذا الإسناد شيئا سوى ما لم٣ يبلغ شرطه، لكونه معللا٤.
стр. 310
وقوله - في الصيام - "ويذكر عن أبي خالد١ (يعني الأحمر) عن الأعمش عن الحكم٢ ومسلم البطين٣ وسلمة بن كهيل٤ عن سعيد بن جبير٥ وعطاء٦ ومجاهد٧ عن ابن عباس ﵄ قال: قالت امرأة للنبي ﷺ : "إن أختي ماتت ... "٨ الحديث.
стр. 311
وهذا الإسناد صحيح١.
إلا أنه معلل بالاضطراب لكثرة الاختلاف في إسناده٢ ولتفرد أبي خالد بهذه السياقة/ (ي٣) وقد خالفه فيها من هو أحفظ وأتقن٣ فصار حديثه شاذا/ (ر٣٠) للمخالفة.
стр. 312
وقد أخرجه مع ذلك ابن خزيمة/ (ب٦٣) في صحيحه١ وأصحاب السنن٢ وأخرجه مسلم٣ في المتابعات ولم يسق لفظه.
ز- ومثال التعليق الممرض الذي يكون إسناده حسنا قوله في الزكاة: "ويذكر عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ : "لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفرق" ٤.
وهذا الحديث وصله هكذا٥ سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه في حديث طويل في الزكاة.
стр. 313
وقد قدمنا١ أن رواية سفيان بن حسين عن الزهري ليست على شرط الصحيح؛ لأنه ضعيف فيه وإن كان كل منهما ثقة.
لكن له شاهد من حديث أبي بكر الصديق٢ رضي الله تعالى عنه وغيره٣ فاعتضد به حديث سفيان بن حسين وصار حسنا.
وقوله في كتاب البيوع: "ويذكر عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "إذا بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل" وهذا الحديث٤ رواه أحمد٥ والبزار وابن ماجه٦ من طريق ابن لهيعة٧ عن موسى بن وردان٨ عن سعيد بن المسيب عن عثمان بن عفان٩ رضي الله
стр. 314
عنه وابن لهيعة ضعيف، لكنه اعتضد برواية يحيى بن أيوب المصري١ وهو من رجال البخاري عن عبيد الله٢ بن المغيرة٣ وهو ثقة عن منقد مولى ابن سراقة٤ وهو مستور ولم يضعفه أحد عن عثمان ﵁.
كذلك رويناه في فوائد سمويه٥ وفي سنن الدارقطني٦.
فاعتضد هذا الإسناد بهذا الإسناد فصار حسننا.
ح- ومثال التعليق الممرض الذي يكون إسناده ضعيفا فردا لكنه انجبر بأمر آخر.
قوله/ (ي٥٤) في الوصايا٧: "ويذكر أن/ (ر٣١/أ) النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية".
стр. 315
وهذا الحديث رواه الترمذي١ وغيره٢ من رواية أبي إسحاق السبيعي٣ عن الحارث٤ عن علي - رضي الله تعالى عنه -، والحارث ضعيف/ (? ل ٣١: ب) جدا وقد استغربه الترمذي٥ ثم حكى إجماع أهل العلم على القول بذلك فاعتضد الحديث بالإجماع - والله أعلم -.
(ط) ومثال التعليق الممرض الذي لا يرتقي عن درجة الضعيف ولم ينجبر بأمر آخر، وعقبه البخاري بالتضعيف - قوله في الصلاة:
"ويذكر عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - رفعه "لا يتطوع الإمام في مكانه". ولم يصح٦.
وكأنه أشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود٧ من طريق ليث بن أبي سليم
стр. 316
عن الحجاج بن عبيد١ عن إبراهيم بن إسماعيل٢ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - نحوه. وليث بن أبي سليم٣ ضعيف وقد تفرد به وشيخ شيخه لا يعرف.
وقوله - في كتاب الهدية -: "ويذكر عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - مرفوعا. "إن جلساءه شركاؤه" ولم يصح"٤.
وهذا الحديث لا يصح رفعه، فقد رويناه في مسند٥ عبد٦ بن حميد وفي كتاب الحلية٧ وغيرها - من طريق مندل بن علي٨ عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ : "من أهديت له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها".
стр. 317
ومندل بن علي ضعيف. والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄ موقوفا كذلك رويناه في مصنف عبد الرزاق١ وفي فوائد الحسن بن رشيق من طريقه، عن محمد بن مسلم الطائفي٢ عن عمرو بن دينار موقوفا.
وروي عن عبد الرزاق مرفوعا٣ ولم يثبت عنه.
ومحمد بن مسلم الطائفي فيه مقال ولكنه أرجح من مندل.
وقد صحح كونه موقوفا أبو حاتم الرازي/ (ي ٥٥) فيما ذكره ابنه عنه في العلل٤ فقال: إن رفعه منكر.
فقد لاح بهذه الأمثلة واتضح/ (ر٣١/ب) أن الذي يتقاعد عن شرط البخاري من التعليق الجازم جملة كثيرة وأن الذي علقه بصيغة التمريض متى أورده في معرض الاحتجاج والاستشهاد فهو صحيح أو حسن أو ضعيف منجبر وإن أورده في معرض الرد فهو ضعيف عنده، وقد بينا أنه يبين كونه ضعيفا - والله الموفق -٥.
وجميع ما ذكرناه يتعلق بالأحاديث المرفوعة.
стр. 318
أما الموقوفات فإنه يجزم بما صح منها عنده ولو لم يبلغ شرطه ويمرض ما كان فيه ضعف وانقطاع.
وإذا علق عن شخصين وكان لهما (إسنادان مختلفان) ١ مما يصح أحدهما ويضعف الآخر، فإنه يعبر فيما هذا سبيله بصيغة التمريض - والله أعلم -.
وهذا كله فيما صرح بإضافته إلى النبي ﷺ -٢ وإلى أصحابه.
أما ما لم يصرح بإضافته إلى قائل، وهي الأحاديث التي يوردها في تراجم الأبواب من غير أن يصرح بكونها أحاديث.
فمنها: ما يكون صحيحا وهو الأكثر.
ومنها: ما يكون ضعيفا. كقوله٣، في باب اثنان فما فوقهما جماعة، ولكن ليس شيء من ذلك ملتحقا بأقسام التعليق التي قدمناها إذا لم يسقها مساق الأحاديث، وهي قسم مستقل ينبغي الاعتناء بجمعه٤ والكلام عليه وبه/ (ب ٦٦) وبالتعليق يظهر كثرة ما اشتمل عليه جامع البخاري من الحديث، ويوضح سعة اطلاعه ومعرفته بأحاديث الأحكام جملة وتفصيلا - رحمه الله تعالى٥ -.
стр. 319
تنبيه:
٣٠- قول ابن الصلاح، في هذه المسألة: "وأما١ الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر ... ففي بعضه نظر"٢.
إنما خص النظر ببعضه، لأنه كما أوضحته على قسمين:
أحدهما/ (?٣٢/ب) : ما أورده موصولا ومعلقا سواء كان ذلك في موضع واحد أو موضعين/ (ر٣٢/ب) ، فهذا لا نظر فيه، لأن الاعتماد على الموصول ويكون المعلق شاهدا له.
وثانيهما: ما لا يوجد في كتابه إلا معلقا/ (ي ٥٦) فهذا هو موضع النظر، وقد أفردته بتأليف مستقل لطيف الحجم جم الفوائد٣ ولله الحمد.
٩- قوله (ع) ٤: وفيه بقية أربعة عشر موضعا رواه متصلا ثم عقبه بقوله: "ورواه فلان". وقد جمعها الرشيد العطار٥ في الغرر المجموعة وقد بينت ذلك كله في جزء مفرد" انتهى٦.
وفيه أمور:
الأول: فيه بقية أربعة عشر. ليس فيه عند الرشيد إلا ثلاثة
стр. 320
عشرة. والذي أوقع الشيخ في ذلك أن أبا علي الجياني١ - وتبعه المازري -– ذكر أنها أربعة عشر لكنه لما سردها٢ أورد منها حديثا مكررا وهو حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - "أرأيتكم ليلتكم هذه"٣ هذا الذي كرر، فصارت العدة ثلاثة عشر كما سأذكرها مفصلة.
وقد نبه على هذا الموضع ابن الصلاح في مقدمة شرح مسلم٤، وتبعه النووي٥.
والثاني: قوله: إنه يرويه متصلا ثم عقبه بقوله "ورواه فلان". ليس ذلك في جميع الأحاديث المذكورة، وإنما وقع ذلك منه في ستة أحاديث منها.