عن الحجاج بن عبيد١ عن إبراهيم بن إسماعيل٢ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - نحوه. وليث بن أبي سليم٣ ضعيف وقد تفرد به وشيخ شيخه لا يعرف.
وقوله - في كتاب الهدية -: "ويذكر عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - مرفوعا. "إن جلساءه شركاؤه" ولم يصح"٤.
وهذا الحديث لا يصح رفعه، فقد رويناه في مسند٥ عبد٦ بن حميد وفي كتاب الحلية٧ وغيرها - من طريق مندل بن علي٨ عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ : "من أهديت له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها".
стр. 317
ومندل بن علي ضعيف. والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄ موقوفا كذلك رويناه في مصنف عبد الرزاق١ وفي فوائد الحسن بن رشيق من طريقه، عن محمد بن مسلم الطائفي٢ عن عمرو بن دينار موقوفا.
وروي عن عبد الرزاق مرفوعا٣ ولم يثبت عنه.
ومحمد بن مسلم الطائفي فيه مقال ولكنه أرجح من مندل.
وقد صحح كونه موقوفا أبو حاتم الرازي/ (ي ٥٥) فيما ذكره ابنه عنه في العلل٤ فقال: إن رفعه منكر.
فقد لاح بهذه الأمثلة واتضح/ (ر٣١/ب) أن الذي يتقاعد عن شرط البخاري من التعليق الجازم جملة كثيرة وأن الذي علقه بصيغة التمريض متى أورده في معرض الاحتجاج والاستشهاد فهو صحيح أو حسن أو ضعيف منجبر وإن أورده في معرض الرد فهو ضعيف عنده، وقد بينا أنه يبين كونه ضعيفا - والله الموفق -٥.
وجميع ما ذكرناه يتعلق بالأحاديث المرفوعة.
стр. 318
أما الموقوفات فإنه يجزم بما صح منها عنده ولو لم يبلغ شرطه ويمرض ما كان فيه ضعف وانقطاع.
وإذا علق عن شخصين وكان لهما (إسنادان مختلفان) ١ مما يصح أحدهما ويضعف الآخر، فإنه يعبر فيما هذا سبيله بصيغة التمريض - والله أعلم -.
وهذا كله فيما صرح بإضافته إلى النبي ﷺ -٢ وإلى أصحابه.
أما ما لم يصرح بإضافته إلى قائل، وهي الأحاديث التي يوردها في تراجم الأبواب من غير أن يصرح بكونها أحاديث.
فمنها: ما يكون صحيحا وهو الأكثر.
ومنها: ما يكون ضعيفا. كقوله٣، في باب اثنان فما فوقهما جماعة، ولكن ليس شيء من ذلك ملتحقا بأقسام التعليق التي قدمناها إذا لم يسقها مساق الأحاديث، وهي قسم مستقل ينبغي الاعتناء بجمعه٤ والكلام عليه وبه/ (ب ٦٦) وبالتعليق يظهر كثرة ما اشتمل عليه جامع البخاري من الحديث، ويوضح سعة اطلاعه ومعرفته بأحاديث الأحكام جملة وتفصيلا - رحمه الله تعالى٥ -.
стр. 319
تنبيه:
٣٠- قول ابن الصلاح، في هذه المسألة: "وأما١ الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر ... ففي بعضه نظر"٢.
إنما خص النظر ببعضه، لأنه كما أوضحته على قسمين:
أحدهما/ (?٣٢/ب) : ما أورده موصولا ومعلقا سواء كان ذلك في موضع واحد أو موضعين/ (ر٣٢/ب) ، فهذا لا نظر فيه، لأن الاعتماد على الموصول ويكون المعلق شاهدا له.
وثانيهما: ما لا يوجد في كتابه إلا معلقا/ (ي ٥٦) فهذا هو موضع النظر، وقد أفردته بتأليف مستقل لطيف الحجم جم الفوائد٣ ولله الحمد.
٩- قوله (ع) ٤: وفيه بقية أربعة عشر موضعا رواه متصلا ثم عقبه بقوله: "ورواه فلان". وقد جمعها الرشيد العطار٥ في الغرر المجموعة وقد بينت ذلك كله في جزء مفرد" انتهى٦.
وفيه أمور:
الأول: فيه بقية أربعة عشر. ليس فيه عند الرشيد إلا ثلاثة
стр. 320
عشرة. والذي أوقع الشيخ في ذلك أن أبا علي الجياني١ - وتبعه المازري -– ذكر أنها أربعة عشر لكنه لما سردها٢ أورد منها حديثا مكررا وهو حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - "أرأيتكم ليلتكم هذه"٣ هذا الذي كرر، فصارت العدة ثلاثة عشر كما سأذكرها مفصلة.
وقد نبه على هذا الموضع ابن الصلاح في مقدمة شرح مسلم٤، وتبعه النووي٥.
والثاني: قوله: إنه يرويه متصلا ثم عقبه بقوله "ورواه فلان". ليس ذلك في جميع الأحاديث المذكورة، وإنما وقع ذلك منه في ستة أحاديث منها.
стр. 321
أحدها: في حديث أبي جهيم١ كما ذكره الشيخ٢.
الثاني٣ والثالث٤ في حديثي الليث كما ذكرهما الشيخ وأن مسلما وصلهما/ (ب٦٧) من طريق أخرى٥.
стр. 322
والرابع١: في حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - في قصة ماعز قال: ورواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد٢ بعد أن أورده من طريق غيره.
والخامس٣: في حديث البراء بن عازب٤ - رضي الله تعالى عنهما - في الصلاة/ (?٣٣/أ) الوسطى قال: ورواه الأشجعي٥ عن سفيان عن الأسود بن قيس٦ بعد أن أورده من طريق أخرى٧ عن البراء/ (ر٣٣/أ) بن عازب - رضي الله تعالى عنه -.
стр. 323
والسادس١: في حديث عوف بن مالك٢ حديث "خيار أئمتكم الذين تحبونهم" ٣.
قال: ورواه معاوية بن صالح٤.
وأما السبعة الثانية:
فأحدها: في الجنائز في حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - في خروجه ﷺ إلى البقيع٥.
قال - فيه - حدثني من سمع حجاجا الأعور٦ ثنا ابن/ (ي٥٧) جريج. أورده عقب حديث ابن وهب عن ابن جريج٧.
стр. 324
وثانيها١: في صفة النبي ﷺ حدثت عن أبي أسامة٢، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري٣ وهذا وصله الجلودي٤ صاحب ابن سفيان قال: ثنا محمد بن المسيب٥ ثنا إبراهيم بن سعيد٦.
وثالثها٧: في باب السكوت بين التكبير والقراءة حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -.
стр. 325
قال: حدثت عن يحيى بن حسان١ ويونس بن محمد٢ وغيرهما، قالوا: ثنا عبد الواحد٣.
أورده عقب حديث أبي كامل الجحدري٤ عن عبد الواحد.
رابعها٥: في باب وضع الجوائح من حديث عمرة عن عائشة ﵂ قالت٦: "سمع النبي ﷺ صوت خصوم بالباب ... " الحديث قال فيه حدثني غير واحد من أصحابنا قالوا: ثنا إسماعيل بن أبي أويس٧ وهذا لم يورده إلا من طريق عمرة٨.
стр. 326
خامسها١: في باب احتكار الطعام في/ (ب ٦٨) حديث معمر العدوي٢ قال: حدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن عون٣ وقد وصله من طريق أخرى عن سعيد بن المسيب٤.
سادسها٥: في آخر كتاب القدر٦ في حديث أبي سعيد ﵁ "لتركبن سنن من كان قبلكم".
قال: حدثني عدة من/ (?٣٢/ب) أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم٧ عن أي غسان٨ عن٩ زيد بن أسلم.
وقد وصله من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم.
стр. 327
سابعها:/ (ر٣٣/ب) في كتاب الصلاة في حديث كعب بن عجرة١ قال فيه: ثنا صاحب لنا: ثنا إسماعيل بن زكريا كذا ذكر الجياني أنه وقع في روايتهم٢.
وأما الذي في رواية الجلودي٣ عند المشارقة فقال مسلم فيه: ثنا محمد بن بكار٤ ثنا إسماعيل بن زكريا٥.
والحديث المذكور عنده من طرق أخرى من غير هذا الوجه٦. فعلى هذا فهي اثنا عشر حديثا فقط٧.
стр. 328
ستة منها بصيغة التعليق وستة منها بصيغة الاتصال، لكن أبهم في كل منها اسم من حدثه، فإن كان الشيخ يرى أنها منقطعة كما يقول الجياني ومن تبعه/ (ي٥٨) ، فكان حق العبارة أن يقول: "وفيه بقية ثلاثة عشر موضعا منقطعة. لا كما قال: إنه يقول: ورواه فلان".
وإن كان يرى أنها متصلة كما هو المعروف عند جمهور أهل الحديث وكما صرح هو به في موضع آخر، فكان حق العبارة أن يقول: وفيه بقية ستة مواضع رواه متصلا ثم عقبه بقوله: ورواه فلان. وفيه مواضع أخرى قيل إنها منقطعة وليست بمنقطعة.
الثالث: قوله "إنه ليس في مسلم بعد المقدمة حديث معلق لم يوصله من طريق أخرى إلا حديث أبي الجهيم"١. هذا صحيح بقيد التعليق، لكن قد بينا أن الذي بصيغة التعليق إنهما هو ستة لا أكثر.
أما/ (ب٦٩) على رأي الجياني ومن تبعه في تسميتهم المبهم منقطعا فإن فيها حديثين آخرين لم يوصلهما في مكان آخر.
أحدهما: حديث عمرة عن عائشة ﵂ في الجوائح/ (?٣٤/أ) كما بيناه٢ فإنه ما أورده إلا من تلك الطريق.
وثانيهما: حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه - الذي قال فيه: حدثت عن أبي أسامة ﵁ وقد تقدم أن الجلودي/ (ر٣٤/أ) وصله، وعندي أنه ملتحق بما صورته التعليق وهو موصول على رأي ابن الصلاح؛ فإن مسلما قال: "حدثت عن أبي أسامة".
فلو اقتصر على هذا لكان متصلا في إسناده مبهم على ما قررناه، منقطع على رأي الجياني. لكن زاد بعد ذلك فقال: وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن
стр. 329
سعيد الجوهري"١ وإبراهيم هذا من شيوخ مسلم، قد سمع منه غير هذا وأخرج عنه مما سمعه في صحيحه غير هذا مصرحا به.
وقد قرر ابن الصلاح أن المعلق إذا سمى بعض شيوخه وكان غير مدلس حمل على أنه سمعه منه٢ كما ذكر ذلك في حديث هشام بن عمار٣ الذي أخرجه البخاري٤ في تحريم المعازف، ولا فرق بين أن يقول المعلق: قال أو روى أو ذكر أو ما أشبه ذلك من الصيغ التي ليست بصريحة. فهذا منها - والله الموفق -.
وقد عثرت في صحيح مسلم على/ (ي٥٩) شيء غير هذا مما يلحق بهذا وبينته فيما كتبته من النكت على شرح مسلم للنووي والله أعلم.
١٠- قوله (ع) : "بل أزيد على هذا وأقول: الظاهر أن البخاري لم يُرد برد الصدقة حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - المذكور في بيع المُدبَّر/ (ب٧٠) وإنما أراد والله أعلم حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - في الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب فأمرهم فتصدقوا عليه ... " الحديث.
стр. 330
وهو حديث ضعيف رواه الدارقطني وغيره١ انتهى.
فيه أمور:
أحدها: أن الدارقطني لم يرو قصة الداخل والنبي ﷺ يخطب فأمرهم فتصدقوا عليه من حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - أصلا، وإنما رواه من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه -.
وسبب هذا الاشتباه في هذا أن القصة شبيهة بحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - في قصة/ (ر٣٤/ب) سليك الغطفاني٢ التي أخرجها أصحاب الحديث٣ الصحيح٤ والدارقطني٥ وغيرهم من حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - لكن ليس فيها قصة المتصدق ورد الصدقة عليه.
ثانيها: أن الحديث المذكور عند الدارقطني مع كونه ليس من حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - وإنما هو من حديث أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - ليس ضعيفا، بل هو صحيح٦ أخرجه النسائي٧
стр. 331
وابن ماجه١ والترمذي٢ وصححه ابن حبان في صحيحه والحاكم٣ كلهم من حديث محمد بن عجلان عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب - بهيئة بذة٤ فقال له رسو الله ﷺ أصليت؟ قال: لا. قال ﷺ : "صل ركعتين".
وحث الناس على الصدقة قال: فألقى أحد ثوبيه، فقال رسول الله ﷺ : جاء هذا يوم الجمعة (يعني التي قبلها) بهيئة بذة، فأمرت الناس بالصدقة (فألقوا ثياباً فأمرت له منها بثوبين ثم جاء الآن فأمرت الناس بالصدقة٥ فألقى/ (ي٦٠) أحدهما فانتهزه وقال: خذ ثوبك) لفظ النسائي.
ثالثها: نفيه أن يكون البخاري أراد بحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - حديثه في بيع المدبر ليس بجيد.
بل الظاهر أنه أراده. وقد سبق مغلطاي إلى ذلك ابن بطال٦/ (?٣٥/أ) في شرح البخاري٧ وعبد الحق٨ في أواخر الجمع بين الصحيحين٩ وغيرهما ولا
стр. 332
يلزمه١ به منه ما ألزمه المعترض الذي تعقب الشيخ كلامه على ما سنبينه.
وبيان ذلك: أن حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - في بيع المدبر قد٢ اتفق الشيخان على تخريجه من طرق عن عطاء بن أبي رباح٣ وعمرو بن دينار٤ عنه٥، وأخرجه البخاري من طريق محمد بن المنكدر٦ عن جابر - رضي الله تعالى عنه -.
стр. 333
وليس في رواية واحد منهم زيادة على قصة بيعه وإعطائه الثمن لصاحبه١.
ورواه مسلم٢ منفردا من طريق أبي الزبير عن جابر - رضي الله تعالى عنه - فزاد فيه زيادة ليست عند البخاري.
ولفظه: "أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "ألك مال غيره؟ " قال: لا. فقال رسول الله ﷺ : "من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي ﵁ بثمانمائة درهم فجاء بها إلى رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال ﷺ : "ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا".
فهذه الزيادة من حديث أبي الزبير عن جابر - رضي الله تعالى عنه - في قصة المدبر فيها إشعار بمعنى ما علقه البخاري من أن النبي ﷺ ردّ على المتصدق/ (ب٧٢) صدقته قبل النهي ثم نهاه، لكن ليس في هذا تصريح بالنهي.
فإن كان هو الذي أراده البخاري فلا حرج عليه٣ في عدم جزمه به لأن راوي الزيادة وهو أبو الزبير ليس ممن يحتج به على شرطه وعلى تقدير/ (ي٦١) صلاحيته
стр. 334
عنده للحجة/ (?٥) فقد تقدم١ أنه ربما علق الحديث بالمعنى أو بالاختصار فلا يجزم به بل يذكره بصيغة التمريض للاختلاف في ذلك كما قرره٢ الشيخ، فعلى كل تقدير لا يتم للمعترض اعتراضه.
رابعها: ظهر لي مراد البخاري بالتعليق السابق عن جابر - رضي الله تعالى عنه - حديث آخر غير حديث المدبر٣.
وهو ما اخبرني به إبراهيم بن محمد المؤذن بمكة أن أحمد بن أبي طالب أخبرهم أنا عبد الله بن عمر أنا أبو الوقت أنا أبو الحسن بن داود (أنا عبد الله بن أحمد أنا إبراهيم بن خريم) ٤ أنا عبد٥ بن حميد، ثنا يعلى بن عبيد٦ ثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة٧ عن محمود بن لبيد٨ عن جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - قال: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل بمثل البيضة من الذهب أصابها في بعض المعادن، فجاء بها إلى رسول الله - صلى
стр. 335
الله عليه وسلم - من ركنه الأيمن فقال لرسول١ الله ﷺ : خذها مني صدقة فوالله ما لي مال غيرها، فأعرض ﷺ عنه ثم جاء من ركنه الأيسر فقال مثل ذلك، فجاءه من بين يديه فقال مثل ذلك فقال ﷺ : هاتها مغضبا فحذفه بها، فلو أصابه بها لعقره أو أوجعه، ثم قال ﷺ : "يأتي أحدكم بماله كله لا يملك غيره فيتصدق به ثم يقعد بعد ذلك يتكفف الناس". "إنما الصدقة عن ظهر غني خذه لا حاجة لنا به" [قال] ٢ فأخذ الرجل ماله فذهب".
وهذا الحديث رواه أحمد في مسنده والدارمي٣ وأبو داود في السنن٤ وابن خزيمة وابن حبان٥ في صحيحهما والحاكم في مستدركه٦ كلهم من طريق محمد بن إسحاق به. يزيد بعضهم على بعض في سياقه ورواة إسناده ثقات ومحمد٧ محمد بن إسحاق مشهور٨ ولم أره من حديثه إلا معنعنا ثم رأيته في مسند٩ أبي يعلى١٠ مصرحا فيه بالتحديث.
стр. 336
وسياقه أنسب وأشبه بمراد البخاري من الذي قبله.
والمتن الذي أورده الشيخ مناسب للمراد إلا أنه ليس من/ (ي٦٢) حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - كما بيناه - والله أعلم -.
لطيفة:
الرجل الذي/ (ر٣٦/أ) جاء بالبيضة هو حجاج بن علاط السهمي - رضي الله تعالى عنه - رواه عبد الغني بن سعيد الأزدي١ من رواية٢ بعض أحفاده عن أبيه عن جده إلى أن انتهى إلى الحجاج بن علاط ﵁ أنه أتى النبي ﷺ بلبنة من ذهب أصابها من كنز فذكر الحديث.
١١- قوله ع: "وأما الإتيان بصيغة الجزم فيما ليس بصحيح فهذا لا يجوز ولا يظن بالبخاري ٣ ... " الخ.
أقول: هذا يكاد أن يكون مصادرة٤ على المطلوب، لأن الخصم ينكر أن يكون البخاري التزم أن لا يأتي باللفظ الجازم إلا في الطرق الصحيحة يستدل على ذلك بالمثال الذي ذكره، لأنه أخرج حديثا باللفظ الجازم وهو معلول كما ذكره أبو مسعود.
فكيف يكون جوابه: لا يظن ذلك بالبخاري ولا يأتي البخاري باللفظ الجازم إلا فيما لا علة له.
стр. 337
فالجواب السديد عن/ (ب٧٤) ذلك أن يقول: "ما ادعاه أبو مسعود من كون ذلك الحديث لا يعرف إلا من رواية عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - مردود.
فإن الحديث المذكور معروف من رواية عبد الله بن الفضل١ - أيضا - عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - كما علقه البخاري٢. فقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده٣/ (?٣٦/ب) عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون٤ عن عبد الله بن الفضل، فبهذا يتضح أن لعبد الله بن الفضل فيه شيخين كما ذكره الشيخ احتمالا.
[عادة البخاري في الأسانيد المختلفة:]
ومن عادة البخاري أنه إذا كان في بعض الأسانيد التي يحتج بها خلاف
стр. 338
على بعض رواتها ساق الطريق الراجحة عنده مسندة متصلة، وعلق الطريق الأخرى إشعارا بأن هذا الاختلاف لا يضر، لأنه/ (ر٣٦/ب) إما أن يكون للراوي فيه طريقان فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، فلا يكون ذلك اختلافا يلزم١ منه/ (ي٦٣) اضطراب يوجب الضعف، وإما أن لا يكون له فيه إلا طريق واحدة، والذي أتى عنه بالطريق الأخرى واهم عليه ولا يضر الطريق الصحيحة الراجحة وجود الطريق الضعيفة المرجوحة. والله أعلم.
٣١- قوله (ص) : عند ذكر أقسام الصحيح - "أولها: صحيح أخرجه البخاري ومسلم جميعا"٢:
اعترض عليه بأن الأولى أن يكون القسم الأول: ما بلغ مبلغ التواتر أو قاربه في الشهرة والاستقامة.
والجواب عن ذلك أنا لا نعرف حديثا وصف بكونه متواترا ليس أصله في الصحيحين أو أحدهما.
وقد رد شيخنا٣ اعتراض من قال: الأولى أن القسم الأول ما رواه أصحاب الكتب الستة (من له فيه نظر) ٤.
والحق أن يقال: إن القسم الأول وهو: ما اتفقا عليه يتفرع فروعا:
أ- أحدها: ما وصف بكونه متواترا.
ب- ويليه: ما كان مشهورا كثير الطرق.
стр. 339
ج- ويليه: ما وافقهما الأئمة الذين التزموا الصحة على تخريجه الذين خرجوا السنن/ (?٣٧/أ) والذين انتقوا المسند.
د- ويليه: ما وافقهما عليه بعض من ذكر.
?- ويليه: ما انفردا بتخريجه.
فهذه أنواع للقسم الأول وهو ما اتفقا عليه إذ١ يصدق على كل منها٢ أنهما اتفقا على تخريجه٣.
وكذا نقول فيما انفرد به أحدهما أنه يتفرع على هذا الترتيب فيتبين بهذا أن ما اعترض به عليه أولا وآخرا مردود - والله أعلم -.
تنبيه:
جميع ما قدمنا الكلام عليه من المتفق هو: ما اتفقا على تخريجه من حديث صحابي واحد/ (ر٣٧/أ) .
أما إذا كان المتن الواحد عند أحدهما من حديث صحابي/ (ب٧٥) غير الصحابي الذي أخرجه عنه الآخر مع اتفاق لفظ المتن أو معناه. فهل يقال في هذا أنه من المتفق؟ فيه نظر على طريقة٤ المحدثين.
والظاهر: من تصرفاتهم أنهم لا يعدونه من المتفق، إلا أن الجوزقي منهم استعمل ذلك في "كتاب المتفق" له في عدة أحاديث، وقد قدمنا حكاية ذلك عنه٥ وما/ (ي٦٤) يتمشى له ذلك إلا على طريقة الفقهاء ولننظر مأخذ ذلك.
стр. 340
وذلك أن كون ما اتفقا على تخريجه أقوى مما انفرد به واحد منهما له فائدتان:
إحداهما: أن اتفاقهما على التخريج عن راو من الرواة يزيده قوة، فحينئذ ما يأتي من رواية ذلك الراوي الذي اتفقا على التخريج عنه أقوى مما يأتي من رواية من انفرد به أحدهما.
والثاني١: أن الإسناد الذي اتفقا على تخريجه يكون متنه أقوى من الإسناد الذي انفرد به واحد منهما.
ومن هنا يتبين أن فائدة المتفق إنما تظهر فيما/ (?٣٧/ب) إذا أخرجا الحديث من حديث صحابي واحد.
نعم، قد يكون في ذلك الجانب٢ - أيضا - قوة من جهة أخرى وهو أن المتن الذي تتعدد طرقه أقوى من المتن الذي ليس له إلا طريق واحدة٣، فالذي يظهر من هذا أن لا يحكم لأحد الجانبين بحكم كلي.
بل قد يكون ما اتفقا عليه من حديث صحابي واحد إذا لم يكن فردا غريبا أقوى مما أخرجه أحدهما من حديث صحابي غير الصحابي الذي أخرجه الآخر، وقد يكون العكس إذا كان ما اتفقا عليه من حديث صحابي واحد فردا غريبا، فيكون ذلك أقوى منه - والله أعلم -.
تنبيه آخر:
هذه الأقسام التي ذكرها المصنف للصحيح ماشية على قواعد الأئمة
стр. 341
ومحققي النقاد إلا أنها قد لا تطرد، لأن الحديث الذي ينفرد به مسلم/ (ر٣٧/ب) - مثلا - إذا فرض مجيئه من طرق كثيرة حتى تبلغ التواتر أو الشهرة القوية ويوافقه على تخريجه مشترطو الصحة - مثلا - لا يقال فيه: إن ما انفرد البخاري بتخريجه إذا كان فردا ليس له إلا مخرج واحد أقوى من ذلك، فليحمل إطلاق ما تقدم من تقسيمه على الأغلب الأكثر١ - والله أعلم -.
أقسام الحديث الصحيح:
وأما ما ذكره الحاكم في كتاب المدخل له أن الصحيح من الحديث ينقسم عشرة أقسام: خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها:
فالأول - من المتفق عليها - اختيار البخاري ومسلم فذكر ما نقلناه عنه في أوائل هذه الفوائد٢.
الثاني: أن لا يكون للصحابي إلا راو واحد. قال: "ولم يخرجا هذا النوع في الصحيح".
الثالث: (أن لا يكون للتابعي إلا راو واحد) ٣.
الرابع/ (?٣٨/أ) : الأحاديث الأفراد الغرائب التي٤ يتفرد بها ثقة من الثقات.
الخامس/ (ب٧٧) : أحاديث جماعة عن آبائهم عن أجدادهم لم يأت عن آبائهم إلا عنهم.
قال: فهذه الخمسة الأقسام٥ مخرجة في كتب الأئمة محتج بها ولم يخرج منها في الصحيحين غير القسم الأول.
стр. 342
وأما الأقسام المختلف فيها فهي:
١- المراسيل.
٢- وأحاديث المدلسين إذا لم يذكروا السماع.
٣- والمختلف في وصله وإرساله بين الثقات.
٤- وروايات الثقات غير الحفاظ١.
٥- ورواية المبتدعة إذا كانوا صادقين.
هذا حاصل ما ذكره الحاكم مبسوطا مطولا في "كتاب المدخل إلى معرفة الإكليل"٢.
وكل من هذه الأقسام التي ذكرها في هذا المدخل مدخول.
ولولا أن جماعة من المصنفين كالمجد بن الأثير في مقدمة جامع الأصول٣ تلقوا كلامه فيها بالقبول، لقلة اهتمامهم بمعرفة هذا الشأن واسترواحهم إلى تقليد المتقدم/ (ر٣٨/أ) دون البحث والنظر لأعرضت عن تعقب كلامه في هذا؛ فإن حكايته خاصة تغني اللبيب الحاذق عن التعقب.
فأقول: أما القسم [الأول] ٤ الذي ادعى أنه شرط الشيخين فمنقوض بأنهما لم يشترطا ذلك ولا يقتضيه تصرفهما وهو ظاهر بين لمن نظر في كتابيهما.
وأما زعمه: بأنه ليس في الصحيحين شيء من رواية صحابي ليس له إلا راو واحد فمردود بأن البخاري أخرج حديث مرداس الأسلمي - رضي الله
стр. 343
عنه - وليس له راو إلا قيس بن أبي حازم في أمثلة كثيرة مذكورة في أثناء الكتاب١.
وأما قوله: بأنه ليس في الصحيحين من رواية تابعي ليس له إلا راو واحد فمردود - أيضا -[فقد] ٢ خرج/ (ي٦٦) البخاري حديث الزهري عن عمر بن محمد بن جبير بن مطعم٣ ولم يرو عنه غير/ (?٣٩/أ) الزهري في أمثلة قليلة لذلك.
وأما قوله:/ (ب٧٨) "إن الغرائب٤ الأفراد ليس في الصحيحين منها شيء فليس كذلك بل فيهما قدر مائتي حديث قد جمعها الحافظ ضياء الدين المقدسي٥ في جزء مفرد.
وأما قوله: إنه ليس فيهما من روايات من روى عن أبيه عن جده مع تفرد الابن بذلك عن أبيه فمنتقض برواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن
стр. 344
جده١ وبرواية عبد الله٢ والحسن٣ ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي وغير ذلك.
وفي ذلك ما تفرد به بعضهم وهو في الصحيحين أو أحدهما.
وأما الأقسام الخمسة التي ذكر أنه مختلف فيها وليس في الصحيحين منها شيء فالأول كما قال، نعم، قد يخرجان منه في الشواهد.
في الثاني نظر يعرف من كلامنا في التدليس٤.
وأما ما اختلف في إرساله ووصله بين الثقات، ففي الصحيحين منه جملة/ (ر٣٨/ب) وقد تعقب الدارقطني بعضه في كتاب التتبع٥ له وأجبنا عن أكثره٦.
وأما روايات الثقات غير الحفاظ، ففي الصحيحين منه جملة - أيضا - لكنه٧ حيث يقع مثل ذلك عندهما يكونان قد أخرجا له أصلا يقويه.
وأما
стр. 345
روايات المبتدعة إذا كانوا صادقين، ففي الصحيحين عن خلق كثير من ذلك، لكنهم من غير الدعاة ولا الغلاة، وأكثر ما يخرجان من هذا القسم من غير الأحكام. نعم، وقد أخرجا لبعض الدعاة الغلاة كعمران بن حطان١ وعباد بن يعقوب٢ وغيرهما، إلا أنهما لم يخرجا لأحد منهم إلا ما توبع عليه.
وقد فات الحاكم من الأقسام المختلف فيها قسم آخر نبه عليه القاضي عياض٣ - رحمه الله تعالى - وهو: رواية المستورين، فإن رواياتهم مما اختلف في قبوله/ (?٣٩/أ) ورده. ولكن يمكن الجواب عن الحاكم في ذلك بأن هذا القسم وإن كان مما اختلف في قبول حديثهم ورده، إلا أنه لم يطلق أحد/ (ب٧٩) على حديثهم اسم الصحة. بل الذين قبلوه جعلوه من جملة الحسن بشرطين:
أحدهما: أن لا تكون رواياتهم شاذة.
وثانيهما: أن يوافقهم غيرهم/ (ي٦٧) على رواية ما رووه.
فقبولها حينئذ إنما هو باعتبار المجموعية - كما قرر في الحسن - والله أعلم -.
стр. 346
[دعوى ابن عبد السلام والنووي أن أخبار الصحيحين لا تفيد إلا الظن:]
١٢- قوله ع: "وقد عاب ابن عبد السلام١ على ابن الصلاح هذا وذكر أن بعض المعتزلة يرون أن الأمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحته".
وقال النووي: "خالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون". فقالوا: "يفيد الظن ما لم يتواتر، وقال في شرح مسلم: لايلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه من كلام النبي ﷺ "٢.
[رد الحافظ على النووي وابن عبد السلام:]
أقول أقر شيخنا هذا من كلام النووي، وفيه نظر/ (ر: ل ٣٩/أ) وذلك أن ابن الصلاح لم يقل: إن الأمة أجمعت على العمل (بما فيهما) ٣، وكيف يسوغ له أن يطلق ذلك والأمة لم تجمع على العمل بما٤ فيهما لا من حيث الجملة ولا من حيث التفصيل، لأن فيهما أحاديث ترك العمل بما دلت عليه لوجود معارض من ناسخ أو مخصص.
وإنما نقل ابن الصلاح أن الأمة أجمعت على تلقيهما بالقبول من حيث الصحة، ويؤيد ذلك أنه قال في شرح مسلم ما صورته:
стр. 347
"ما اتفقا عليه مقطوع بصدقه لتلقي الأمة له بالقبول وذلك يفيد العلم النظري وهو في إفادة العلم كالمتواتر إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروري، وتلقي الأمة بالقبول يفيد العلم النظري١.
ثم حكى عن إمام الحرمين٢ مقالته المشهورة أنه لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في/ (?ل٣٩:ب) "كتاب البخاري ومسلم" مما حكم بصحته من قول النبي ﷺ لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لإجماع/ (ب٨٠) علماء٣ المسلمين على صحتهما٤.
فهذا يؤيد ما قلنا أنه ما أراد أنهم اتفقوا على العمل وإنما اتفقوا على الصحة. وحينئذ فلابد لاتفاقهم من مزية، لأن اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول، ولو كان سنده ضعيفا يوجب العمل بمدلوله. فاتفاقهم على تلقي ما صح سنده ماذا يفيد؟
فأما متى قلنا يوجب/ (ي٦٨) العمل فقط لزم تساوي الضعيف والصحيح، فلابد للصحيح من مزية. وقد وجدت فيما حكاه إمام الحرمين في البرهان عن الأستاذ أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك٥ ما يصرح بهذا التفصيل الذي أشرت
стр. 348
إليه؛ فإنه قال١ في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول مقطوع بصحته.
ثم فصل ذلك فقال: "إن اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر. وإن تلقوه/ (ر٣٩/ب) بالقبول قولا وفعلا حكم بصدقه قطعا وحكى أبو نصر القشيري٢ عن القاضي أبي بكر الباقلاني٣ أنه بين في "كتاب التقريب" أن الأمة إذا اجتمعت أو أجمع أقوام لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب من غير أن يظهر منهم ذلك التواطؤ على أن الخبر صدق، كان ذلك دليلا على الصدق".
قال أبو نصر وحكى إمام الحرمين عن القاضي أن تلقي الأمة لا يقتضي القطع بالصدق.
ولعل هذا فيما إذا تلقته بالقبول، ولكن يحصل إجماع على تصديق الخبر فهذا وجه الجمع بين كلامي القاضي.
وجزم القاضي أبو نصر عبد الوهاب المالكي في "كتاب الملخص"/ (?٤٠/أ) بالصحة فيما إذا تلقوه بالقبول. قال: وإنما اختلفوا فيما إذا أجمعت على العمل بخبر المخبر هل يدل ذلك على صحته أم لا؟. على قولين: قال: "وكذلك إذا عمل بموجبه أكثر الصحابة ﵃ وأنكروا على من عدل عنه فهل يدل على صحته وقيام الحجة به؟
стр. 349
ذهب الجمهور إلى أنه لا يكون صحيحا بذلك".
وذهب عيسى بن أبان١ إلى أنه يدل على صحته، انتهى.
فقول الشيخ محيي الدين النووي: "خالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون". غير متجه.
بل تعقبه شيخنا شيخ الإسلام في محاسن الاصطلاح٢ فقال: "هذا ممنوع فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين عن جمع من الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة أنهم يقطعون بصحة الحديث الذي تلقته الأمة بالقبول".
قلت: وكأنه عني بهذا الشيخ تقي الدين بن تيمية فإني٣ رأيت فيما حكاه عن بعض ثقات/ (ي٦٩) أصحابه٤ ما ملخصه: الخبر إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له وعملا بموجبه أفاد/ (ر٤٠/أ) العلم عند جماهير العلماء من السلف والخلف وهو الذي ذكره جمهور المصنفين في أصول الفقه كشمس الأئمة السرخسي٥ وغيره من الحنفية والقاضي عبد الوهاب وأمثاله من المالكية،
стр. 350
والشيخ أبي حامد الإسفرائيني١ والقاضي أبي الطيب الطبري٢ والشيخ أبي إسحاق الشيرازي٣ وسليم الرازي٤ وأمثالهم من الشافعية، وأبي عبد الله بن حامد٥ والقاضي أبي يعلى٦ وأبي الخطاب٧ وغيرهم من الحنبلية وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم كأبي إسحاق
стр. 351
الإسفرائيني١ وأبي بكر ابن فورك وأبي منصور التميمي وابن السمعاني٢ وأبي هاشم الجبائي٣ وأبي عبد الله البصري٤ قال/ (?٤٠/ب) : وهو مذهب أهل الحديث قاطبة وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح في مدخله إلى علوم الحديث - فذكر ذلك استنباطا وافق فيه هؤلاء الأئمة وخالفه في ذلك من ظن أن الجمهور على خلاف قوله لكونه لم يقف إلا على تصانيف من خالف في ذلك كالقاضي أبي بكر الباقلاني والغزالي٥ وابن عقيل٦ وغيرهم، لأن هؤلاء يقولون إنه لا يفيد العلم مطلقا. وعمدتهم أن خبر الواحد لا يفيد العلم بمجرده، والأمة إذا عملت بموجبه فالوجوب العمل بالظن عليهم وأنه لا يمكن جزم الأمة بصدقه في الباطن، لأن هذا جزم بلا علم.
والجواب: أن إجماع الأمة معصوم عن الخطأ في الباطن.. وإجماعهم على
стр. 352
تصديق الخبر كإجماعهم على وجوب العمل به، والواحد منهم وإن جاز عليه أن يصدّق في نفس الأمر من هو كاذب أو غالط فمجموعهم معصوم عن هذا كالواحد من أهل التواتر يجوز عليه بمجرده الكذب والخطأ، ومع انضمامه إلى/ (ر٤٥/ب) أهل التواتر ينتفي الكذب والخطأ عن مجموعهم ولا فرق، (انتهى كلامه) .
وأصرح من رأيت كلامه في ذلك ممن نقل الشيخ تقي الدين عنه ذلك فيما نحن بصدده - الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني فإنه قال: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بها عن/ (ي٧٠) صاحب الشرع وإن حصل الخلاف في بعضها فذلك خلاف في طرقها ورواتها"١.
كأنه يشير بذلك إلى ما نقده بعض الحفاظ.
وقد احترز ابن الصلاح عنه.
وأما قول الشيخ محي الدين: "لا يفيد العلم إلا أن تواتر" فمنقوض بأشياء:
أحدها: الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم النظري/ (?٤١/أ) وممن صرح به إمام الحرمين والغزالي٢ والرازي٣، والسيف الآمدي٤ وابن الحاجب٥ ومن تبعهم.
стр. 353
ثانيها: الخبر المستفيض الوارد من وجوه كثيرة لا مطعن فيها يفيد العلم النظري للمتبحر في هذا الشأن.
وممن ذهب إلى هذا الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني١ والأستاذ أبو منصور التميمي والأستاذ أبو بكر بن فورك.
وقال الأبياري٢ - شارح البرهان - بعد أن حكى عن إمام الحرمين أنه ضعف هذه المقالة: "بأن العرف واطراد الاعتبار لا يقتضي الصدق قطعا بل قصاراه غلبة الظن لغلبة الإسناد". أراد أن النظر في أحوال المخبرين من أهل الثقة والتجربة يحصل ذلك، ومال إليه الغزالي. وإذا قلنا أنه يفيد العلم فهو نظري لا ضروري، وبالغ أبو منصور التميمي في الرد على من أبى ذلك، فقال: المستفيض وهو الحديث الذي له طرق كثيرة صحيحة لكنه لم يبلغ مبلغ التواتر، يوجب العلم المكتسب ولا عبرة بمخالفة أهل الأهواء في ذلك.
ثالثها: ما قدمنا/ (ر٤١/أ) نقله عن الأئمة في الخبر إذا تلقته الأمة بالقبول. ولا شك أن إجماع الأمة على القول بصحة الخبر أقوى من إفادة العلم من القرائن المحتفة ومن مجرد كثرة الطرق.
ثم بعد تقرير ذلك كله جميعا لم يقل ابن الصلاح ولا من تقدمه٣ أن
стр. 354
هذه الأشياء تفيد العلم القطعي كما يفيده الخبر المتواتر لأن المتواتر يفيد العلم الضروري الذي لا يقبل التشكيك، وما عداه مما ذكر يفيد العلم النظري الذي يقبل التشكيك، ولهذا تخلفت إفادة العلم عن الأحاديث التي عللت في الصحيحين - والله أعلم -/ (?٤١/ب) .
وبعد تقرير هذا فقول ابن الصلاح "والعلم اليقيني النظري حاصل به" (ي٧١) لو اقتصر على قوله العلم النظري لكان أليق بهذا المقام.
أما اليقيني فمعناه القطعي، فلذلك أنكر عليه من أنكر، لأن المقطوع به لا يمكن الترجيح بين آحاده، وإنما/ (ب٨٤) يقع الترجيح في مفهوماته. ونحن نجد علماء هذا الشأن قديما وحديثا يرجحون بعض أحاديث الكتابين على بعض بوجوه من الترجيحات النقلية، فلو كان الجميع مقطوعا به (ما بقي للترجيح مسلك وقد سلم ابن الصلاح هذا القدر فيما مضى) ١ لما رجح بين صحيحي البخاري ومسلم، فالصواب الاقتصار في هذه٢ المواضع على أنه يفيد العلم النظري كما قررناه - والله أعلم.
١٣- قوله ع٣: "ما ادعاه من أن ما أخرجه الشيخان مقطوع بصحته قد سبقه إليه أبو الفضل بن طاهر٤ وأبو نصر بن يوسف٥".
стр. 355
أقول: أراد الشيخ بذكر هذين الرجلين كونهما من أهل الحديث وإلا فقد قدمنا من كلام جماعة من أئمة الأصول موافقته على ذلك وهم قبل ابن الصلاح.
نعم، وسبق ابن طاهر إلى القول بذلك جماعة من المحدثين كأبي بكر الجوزقي وأبي عبد الله الحميدي/ (رل٤١/ب) بل نقله ابن تيمية١ كما تقدم عن أهل الحديث قاطبة.
١٤- قوله ع٢: "إن ما استثناه من المواضع قد أجاب العلماء عنها، ومع ذلك ليست يسيرة بل هي كثيرة جمعتها مع الجواب عنها في تصنيف".
أقول: "كأن مسودة هذا التصنيف ضاعت٣ وقد طال بحثي عنها وسؤالي من الشيخ أن يخرجها لي فلم أظفر بها، ثم حكى ولده/ (?٤٢/أ) أنه ضاع منها كراسان أولان فكان ذلك سبب إهمالها وعدم انتشارها".
قلت: وينبغي الاعتناء بمقاصد ما لعلها اشتملت عليه.
فأقول: أولا اعتراض٤ الشيخ على ابن الصلاح استثناء المواضع اليسيرة بأنها ليست يسيرة بل كثيرة وبكونه قد جمعها وأجاب عنها لا يمنع استثناءها.
أما كونها ليست يسيرة فهذا/ (ي٧٢) أمر نسبي. نعم هي بالنسبة إلى ما لا مطعن فيه من الكتابين يسيرة جدا/ (ب٨٥) .
وأما كونها يمكن الجواب عنها فلا يمنع ذلك استثناءها، لأن من تعقبها من جملة من ينسب إليه الإجماع على التلقي.