← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8316

النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (877 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الإسفرائيني١ وأبي بكر ابن فورك وأبي منصور التميمي وابن السمعاني٢ وأبي هاشم الجبائي٣ وأبي عبد الله البصري٤ قال/ (?٤٠/ب) : وهو مذهب أهل الحديث قاطبة وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح في مدخله إلى علوم الحديث - فذكر ذلك استنباطا وافق فيه هؤلاء الأئمة وخالفه في ذلك من ظن أن الجمهور على خلاف قوله لكونه لم يقف إلا على تصانيف من خالف في ذلك كالقاضي أبي بكر الباقلاني والغزالي٥ وابن عقيل٦ وغيرهم، لأن هؤلاء يقولون إنه لا يفيد العلم مطلقا. وعمدتهم أن خبر الواحد لا يفيد العلم بمجرده، والأمة إذا عملت بموجبه فالوجوب العمل بالظن عليهم وأنه لا يمكن جزم الأمة بصدقه في الباطن، لأن هذا جزم بلا علم. والجواب: أن إجماع الأمة معصوم عن الخطأ في الباطن.. وإجماعهم على

стр. 352

تصديق الخبر كإجماعهم على وجوب العمل به، والواحد منهم وإن جاز عليه أن يصدّق في نفس الأمر من هو كاذب أو غالط فمجموعهم معصوم عن هذا كالواحد من أهل التواتر يجوز عليه بمجرده الكذب والخطأ، ومع انضمامه إلى/ (ر٤٥/ب) أهل التواتر ينتفي الكذب والخطأ عن مجموعهم ولا فرق، (انتهى كلامه) . وأصرح من رأيت كلامه في ذلك ممن نقل الشيخ تقي الدين عنه ذلك فيما نحن بصدده - الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني فإنه قال: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بها عن/ (ي٧٠) صاحب الشرع وإن حصل الخلاف في بعضها فذلك خلاف في طرقها ورواتها"١. كأنه يشير بذلك إلى ما نقده بعض الحفاظ. وقد احترز ابن الصلاح عنه. وأما قول الشيخ محي الدين: "لا يفيد العلم إلا أن تواتر" فمنقوض بأشياء: أحدها: الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم النظري/ (?٤١/أ) وممن صرح به إمام الحرمين والغزالي٢ والرازي٣، والسيف الآمدي٤ وابن الحاجب٥ ومن تبعهم.

стр. 353

ثانيها: الخبر المستفيض الوارد من وجوه كثيرة لا مطعن فيها يفيد العلم النظري للمتبحر في هذا الشأن. وممن ذهب إلى هذا الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني١ والأستاذ أبو منصور التميمي والأستاذ أبو بكر بن فورك. وقال الأبياري٢ - شارح البرهان - بعد أن حكى عن إمام الحرمين أنه ضعف هذه المقالة: "بأن العرف واطراد الاعتبار لا يقتضي الصدق قطعا بل قصاراه غلبة الظن لغلبة الإسناد". أراد أن النظر في أحوال المخبرين من أهل الثقة والتجربة يحصل ذلك، ومال إليه الغزالي. وإذا قلنا أنه يفيد العلم فهو نظري لا ضروري، وبالغ أبو منصور التميمي في الرد على من أبى ذلك، فقال: المستفيض وهو الحديث الذي له طرق كثيرة صحيحة لكنه لم يبلغ مبلغ التواتر، يوجب العلم المكتسب ولا عبرة بمخالفة أهل الأهواء في ذلك. ثالثها: ما قدمنا/ (ر٤١/أ) نقله عن الأئمة في الخبر إذا تلقته الأمة بالقبول. ولا شك أن إجماع الأمة على القول بصحة الخبر أقوى من إفادة العلم من القرائن المحتفة ومن مجرد كثرة الطرق. ثم بعد تقرير ذلك كله جميعا لم يقل ابن الصلاح ولا من تقدمه٣ أن

стр. 354

هذه الأشياء تفيد العلم القطعي كما يفيده الخبر المتواتر لأن المتواتر يفيد العلم الضروري الذي لا يقبل التشكيك، وما عداه مما ذكر يفيد العلم النظري الذي يقبل التشكيك، ولهذا تخلفت إفادة العلم عن الأحاديث التي عللت في الصحيحين - والله أعلم -/ (?٤١/ب) . وبعد تقرير هذا فقول ابن الصلاح "والعلم اليقيني النظري حاصل به" (ي٧١) لو اقتصر على قوله العلم النظري لكان أليق بهذا المقام. أما اليقيني فمعناه القطعي، فلذلك أنكر عليه من أنكر، لأن المقطوع به لا يمكن الترجيح بين آحاده، وإنما/ (ب٨٤) يقع الترجيح في مفهوماته. ونحن نجد علماء هذا الشأن قديما وحديثا يرجحون بعض أحاديث الكتابين على بعض بوجوه من الترجيحات النقلية، فلو كان الجميع مقطوعا به (ما بقي للترجيح مسلك وقد سلم ابن الصلاح هذا القدر فيما مضى) ١ لما رجح بين صحيحي البخاري ومسلم، فالصواب الاقتصار في هذه٢ المواضع على أنه يفيد العلم النظري كما قررناه - والله أعلم. ١٣- قوله ع٣: "ما ادعاه من أن ما أخرجه الشيخان مقطوع بصحته قد سبقه إليه أبو الفضل بن طاهر٤ وأبو نصر بن يوسف٥".

стр. 355

أقول: أراد الشيخ بذكر هذين الرجلين كونهما من أهل الحديث وإلا فقد قدمنا من كلام جماعة من أئمة الأصول موافقته على ذلك وهم قبل ابن الصلاح. نعم، وسبق ابن طاهر إلى القول بذلك جماعة من المحدثين كأبي بكر الجوزقي وأبي عبد الله الحميدي/ (رل٤١/ب) بل نقله ابن تيمية١ كما تقدم عن أهل الحديث قاطبة. ١٤- قوله ع٢: "إن ما استثناه من المواضع قد أجاب العلماء عنها، ومع ذلك ليست يسيرة بل هي كثيرة جمعتها مع الجواب عنها في تصنيف". أقول: "كأن مسودة هذا التصنيف ضاعت٣ وقد طال بحثي عنها وسؤالي من الشيخ أن يخرجها لي فلم أظفر بها، ثم حكى ولده/ (?٤٢/أ) أنه ضاع منها كراسان أولان فكان ذلك سبب إهمالها وعدم انتشارها". قلت: وينبغي الاعتناء بمقاصد ما لعلها اشتملت عليه. فأقول: أولا اعتراض٤ الشيخ على ابن الصلاح استثناء المواضع اليسيرة بأنها ليست يسيرة بل كثيرة وبكونه قد جمعها وأجاب عنها لا يمنع استثناءها. أما كونها ليست يسيرة فهذا/ (ي٧٢) أمر نسبي. نعم هي بالنسبة إلى ما لا مطعن فيه من الكتابين يسيرة جدا/ (ب٨٥) . وأما كونها يمكن الجواب عنها فلا يمنع ذلك استثناءها، لأن من تعقبها من جملة من ينسب إليه الإجماع على التلقي.

стр. 356

[تعين استثناء الأحاديث المنتقدة في الصحيحين من تلقيها بالقبول:] فالمواضع المذكورة متخلفة عنده عن التلقي فيتعين استثناؤها ١ وقد اعتنى أبو الحسن الدارقطني بتتبع ما فيهما من الأحاديث المعللة فزادت على المائتين. ولأبي مسعود الدمشقي في أطرافه انتقاد عليهما. ولأبي الفضل بن عمار تصنيف لطيف في ذلك وفي كتاب التقييد لأبي علي الجياني جملة في ذلك. والكلام على هذه الإنتقادات من حيث التفصيل من وجوه: منها: ما هو مندفع بالكلية. ومنها: ما قد يندفع: ١- فمنها: الزيادة التي تقع في بعض الأحاديث إذا انفرد بها ثقة من الثقات ولم يذكرها من هو مثله أو أحفظ منه فاحتمال كون هذا الثقة غلط ظن مجرد وغايتها أنها زيادة ثقة/ (ر٤٢/أ) فليس فيها منافاة لما رواه الأحفظ والأكثر فهي مقبولة. ٢- ومنها: الحديث المروي من حديث تابعي مشهور عن صحابي سمع منه. فيعلل بكونه روي عنه بواسطة كالذي يروى عن سعيد المقبري/ (?٤٢/ب) عن أبي هريرة ﵁. ويروى عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وأن مثل هذا لا مانع أن يكون التابعي سمعه بواسطة ثم سمعه بدون ذلك الواسطة.

стр. 357

ويلتحق بذلك ما يرويه التابعي عن الصحابي، فيروى من روايته عن صحابي آخر، فإن هذا يكون سمعه منهما فيحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا. كما قال علي بن المديني في حديث رواه عاصم١ عن أبي قلابة٢ عن أبي الأشعث٣ عن شداد بن أوس٤. ورواه/ (ب٨٦) يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي أسماء٥ عن ثوبان٦ - رضي الله تعالى عنه -

стр. 358

قال ما أرى الحديثين إلا صحيحين لإمكان أن يكون أبو قلابة سمعه من كل منهما قلت هذا إنما يطرد حيث يحصل الاستواء في الضبط والاتقان ٣ - ومنها ما يشير صاحب الصحيح الى علته كحديث يرويه مسندا ثم يشير الى أنه يروى مرسلا فذلك مصير منه الى ترجيح رواية من أسنده على من أرسله ٤ - ومنها ما تكون علته مرجوحة بالنسبة الى صحته كالحديث الذي يرويه ثقات متصلا ويخالفهم ثقة فيرويه منقطعا أو يرويه ثقة متصلا ويرويه ضعيف منقطعا ومسألة التعليل بالإنقطاع وعدم اللحاق قل أن تقع في البخاري بخصوصه لأنه معلوم أن مذهبه عدم الاكتفاء في الإسناد المعنعن بمجرد إمكان اللقاء وإذا اعتبرت هذه الأمور من جملة الأحاديث التي انتقدت عليهما لم يبق بعد ذلك مما انتقد عليهما سوى مواضع يسيرة جدا ومن أراد حقيقة ذلك فليطلع المقدمة التي كتبتها لشرح صحيح البخاري فقد بينت فيها ذلك بيانا شافيا بحمد الله تعالى

стр. 359

١٥- قوله ع: "وما اشترطه المصنف من المقابلة بأصول متعددة - قد خالفه فيه الشيخ محيي الدين١ - ثم قال: وفي كلام ابن الصلاح في موضع آخر ما يدل على عدم اشتراط ذلك٢". أقول: "ليس بين كلاميه مناقضة. بل كلامه هنا مبني على ما ذهب إليه من عدم الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، لأنه علل صحة ذلك بأنه ما من إسناد إلا ونجد فيه خللا، فقضية ذلك أن لا يعتمد على أحدهما بل يعتمد على مجموع ما تتفق عليه الأصول المتعددة، ليحصل بذلك جبر الخلل الواقع في أثناء الأسانيد". وأما قوله في الموضع الآخر٣ "ينبغي أن تصحح أصلك بعدة أصول" فلا ينافي قوله المتقدم، لأن هذه العبارة تستعمل في اللازم أيضا - والله أعلم -.

стр. 360

النوع الثاني: الحسن ٣٢- قوله (ص) : "قال الخطابي١ ... الخ". نازعه الشيخ تقي الدين بن تيمية فقال: "إنما هذا اصطلاح/ (ي٧٤) للترمذي، وغير الترمذي من أهل الحديث ليس عندهم إلا صحيح وضعيف، والضعيف عندهم ما انحط عن درجة الصحيح، ثم قد يكون متروكا وهو أن يكون راويه متهما أو كثير الغلط، وقد يكون حسنا بأن لا يتهم بالكذب"، قال: "وهذا معنى قول أحمد العمل بالضعيف أولى من القياس". قال: "وهذا كضعف المريض فقد يكون ضعفه قاطعا فيكون صاحب فراش عطاياه من الثلث، وقد يكون ضعف غير قاطع له فيكون عطاؤه من رأس المال/ (?٤٣/ب) كوجع الضرس والعين. ونحو ذلك٢ ... " انتهى.

стр. 361

ويؤيده قول البيهقي١ - في رسالته إلى أبي محمد الجويني٢ -: "الأحاديث المروية ثلاثة أنواع: ١- نوع اتفق أهل العلم على صحته. ٢- ونوع اتفقوا على ضعفه. ٣- ونوع اختلفوا في/ (ر ل٤٣/أ) ثبوته، فبعضهم صححه وبعضهم يضعفه لعلة تظهر له بها إما٣ أن يكون خفيت العلة على من صححه، وإما أن يكون لا يراها معتبرة قادحة"٤ قلت: وأبو الحسن ابن القطان٥ في الوهم والإيهام يقصر نوع الحسن على هذا كما سيأتي/ (ب٨٨) البحث فيه في قول المصنف أن الحسن يحتج به٦. ٣٣- قوله (ص) : "وكأن الترمذي ذكر أحد نوعي الحسن وذكر الخطابي النوع الآخر مقتصرا كل واحد منهما على ما رأى أنه يشكل٧ ... الخ".

стр. 362

أقول بين الترمذي والخطابي في ذلك فرق، وذلك أن الخطابي قصد تعريف الأنواع الثلاثة عند أهل الحديث، فذكر الصحيح ثم الحسن ثم الضعيف. وأما الذي سكت عنه وهو: حديث المستور إذا أتى من غير وجه فإنما سكت عنه لأنه ليس عنده من قبيل الحسن. فقد صرح بأن رواية المجهول من قسم الضعيف وأطلق ذلك ولم يفصل، والمستور١ قسم من المجهول٢. وأما الترمذي فلم يقصد التعريف بالأنواع المذكورة عند أهل الحديث، بدليل أنه لم يعرف بالصحيح ولا بالضعيف بل ولا بالحسن المتفق على كونه حسنا/ (ي٧٥) بل المعرف به عنده وهو حديث المستور - على ما فهمه المصنف - لا يعده كثير من أهل الحديث من قبيل الحسن٣ وليس هو في التحقيق عند الترمذي مقصورا على رواية المستور، بل يشترك/ (?٤٤/أ) معه الضعيف بسبب سوء الحفظ والموصوف بالغلط والخطأ وحديث المختلط بعد اختلاطه والمدلس إذا عنعن وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عنده من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة وهي: ١- أن لا يكون فيهم من يتهم٤ بالكذب. ٢- ولا يكون الإسناد شاذا. ٣- وأن يروى مثل ذلك الحدي أو نحوه من وجه آخر فصاعدا٥ وليس كلها في المرتبة على حد السواء بل بعضها أقوى من بعض.

стр. 363

ومما يقوي/ (ر٤٣/ب) هذا ويعضده أنه لم يتعرض لمشروطية اتصال الإسناد أصلا، بل أطلق ذلك فلهذا وصف كثيرا من الأحاديث المنقطعة بكونها حسانا. [أمثلة لما يحسنه الترمذي:] ولنذكر لكل نوع من ذلك مثلا من كلامه، يؤيد ما قلناه. فأما أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية المستور فكثير لا نحتاج إلى الإطالة بها، وإنما نذكر أمثلة لما زدناه على ما عند المصنف ﵀. ١- فمن أمثلة ما وصف بالحسن وهو من رواية الضعيف السيئ الحفظ ما رواه من طريق شعبة عن عاصم بن عبيد الله١ عن عبد الله بن عامر بن ربيعة٢ عن أبيه٣ قال: "إن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله ﷺ : "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ " قالت: نعم. قال: فأجازه النبي ﷺ ". قال الترمذي: هذا حديث حسن٤.

стр. 364

وفي الباب عن عمر١ وأبي هريرة٢ وعائشة٣ وأبي حدرد٤ ﵃. وذكر جماعة غيرهم. وعاصم بن عبيد الله ضعفه الجمهور ووصفوه بسوء الحفظ وعاب ابن عيينة على شعبة الرواية عنه. وقد حسن الترمذي/ (ي٧٦) حديثه/ (?٤٤/ب) هذا لمجيئه من غير وجه كما شرط والله أعلم. ٢- ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية الضعيف الموصوف بالغلط والخطأ ما أخرجه من طريق عيسى بن يونس٥ عن مجالد٦ عن أبي

стр. 365

الوداك١, عن أبي سعيد ﵁ قال: "كان عندنا خمر ليتيم, فلمّا نزلت المائدة سألت رسول الله ﷺ فقلت: "إنه ليتيم", فقال رسول الله ﷺ : "أهريقوه". قال: هذا حديث حسن٢. قلت: ومجالد ضعفه جماعة ووصفوه بالغلط والخطأ وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من غير وجه عن النبي ﷺ من حديث أنس٣ وغيره ﵃. وأشد من هذا ما رواه من طريق الأعمش/ (ر/٤٤/أ) عن إسماعيل بن مسلم٤ عن الحسن٥ عن عبد الله بن المغفل٦ ﵁ في الأمر بقتل

стр. 366

الكلاب وغير ذلك. قال: "هذا حديث حسن"١. قلت: "وإسماعيل اتفقوا على تضعيفه ووصفه بالغلط وكثرة الخطأ لكنه عضده بأن قال: "روي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن مثله". يعني لمتابعة إسماعيل بن مسلم عن الحسن٢. ومثله ما رواه من طريق علي بن مسهر٣ عن عبيد بن معتب٤ عن إبراهيم عن الأسود٥ عن عائشة ﵂ قالت: "كنا نحيض عند رسول الله ﷺ ثم نطهر فيأمرنا

стр. 367

رسول الله ﷺ بقضاء الصيام، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة"١. قال "هذا حديث حسن". قلت: "وعبيدة ضعيف جدا قد اتفق أئمة النقل على تضعيفه إلا أنهم لم يتهموه بالكذب"./ (?٤٥/أ) ولحديثه أصل من حديث معاذة، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - مخرج في الصحيح٢، فلهذا وصفه بالحسن. ويؤيد هذا ما رويناه عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن أبي صالح٣ كاتب الليث، فقال: "لم يكن ممن يتعمد الكذب، ولكنه كان يغلط وهو عندي حسن الحديث"٤.

стр. 368

٣- ومن/ (ي٧٧) أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية من سمع من مختلط بعد اختلاطه، ما رواه من طريق يزيد بن هارون١ عن المسعودي٢ عن زياد بن علاقة٣ قل: "صلى بنا المغيرة بن شعبة - رضي الله تعالى عنه - فلما صلى ركعتين قام فلم يجلس فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتي السهو وسلم". وقال: "هكذا صنع رسول الله ﷺ –". قال: هذا حديث حسن٤. قلت: "والمسعودي اسمه: عبد الرحمن وهو ممن وصف بالاختلاط وكان سماع يزيد منه بعد أن اختلط.

стр. 369

وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من أوجه أخر بعضها عند المصنف١ أيضا - رحمة الله تعالى عليه - والله أعلم./ (ر٤٤/ب) ". ٤- ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية مدلس قد عنعن ما رواه من طريق يحيى بن سعيد عن المثنى بن سعيد٢ عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله تعالى عنه - عن النبي ﷺ قال: "المؤمن يموت بعرق الجبين". قال: "هذا حديث حسن"٣. وقد قال بعض أهل العلم: "لم يسمع قتادة من عبد الله بن بريدة - رضي الله تعالى عنه - قلت: وهو عصريه وبلديه كلاهما من أهل/ (?٤٥/ب) البصرة ولو صح أنه سمع منه فقتادة مدلس معروف بالتدليس وقد روى هذا بصيغة العنعنة،

стр. 370

وإنما وصفه بالحسن لأن له شواهد من حديث عبد الله بن مسعود١ وغيره ﵃. ومن ذلك ما رواه من طريق هشيم٢ عن يزيد عن أبي زياد٣ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن/ (ب٩٢) البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ : "إن حقا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة وليمس أحدهم من طيب أهله فإن لم يجد فالماء له طيب". قال: "هذا حديث حسن"٤. قلت: "وهشيم موصوف بالتدليس، لكن تابعه عنده أبو يحيى التيمي"٥. وللمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري٦ وغيره - رضي الله تعالى عنهم -.

стр. 371

٥- ومن/ (ي٧٨) أمثلة ما وصفه بالحسن وهو منقطع الإسناد - ما رواه من طريق عمرو بن مرة١ عن أبي البختري عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: "إن النبي ﷺ قال لعمر في العباس - رضي الله تعالى عنه -: "إن عم الرجل صنو أبيه". وكان عمر ﵁ تكلم في صدقته. وقال: هذا حديث حسن٢. قلت: "أبو البختري: اسمه سعيد بن فيروز٣ ولم يسمع من علي - رضي الله تعالى عنه –". فالإسناد منقطع ووصفه بالحسن لأن له شواهد مشهورة من حديث أبي هريرة٤ وغيره/ (ر٤٥/أ) وأمثلة ذلك عنده كثيرة. وقد صرح هو ببعضها.

стр. 372

فمن ذلك ما رواه من طريق الليث عن خالد بن يزيد١ عن سعيد بن أبي هلال٢ عن إسحاق بن عمر٣ عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: "ما صلى رسول الله ﷺ صلاة لوقتها الآخر مرتين٤/ (?٤٦/أ) حتى قبضه الله ". قال: "هذا حديث حسن"٥ وليس إسناده بمتصل.

стр. 373

وإنما وصفه بالحسن لما عضده من الشواهد من حديث أبي برزة الأسلمي١ وغيره. وقد حسن عدة أحاديث من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود٢ عن أبيه وهو لم يسمع منه عند الجمهور٣. وحديثاً من رواية أبي قلابة الجرمي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - وقال بعده: "لم يسمع أبو قلابة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها –". ورأيت لأبي عبد الرحمن النسائي نحو ذلك، فإنه روى حديثا من رواية أبي عبيدة عن أبيه، ثم قال: أبو عبيدة لم يسمع/ (ب٩٣) من أبيه إلا٤ أن هذا الحديث جيد٥.

стр. 374

وكذا قال - في حديث رواه من رواية عبد الجبار بن وائل بن حجر١: عبد الجبار لم يسمع من أبيه لكن الحديث في نفسه جيد. إلى غير ذلك من الأمثلة. وذلك مصير منهم إلى أن الصورة الاجتماعية لها تأثير في التقوية. وإذا تقرر ذلك كان من رأيه - أي الترمذي - أن جميع ذلك إذا اعتضد لمجيئه من وجه آخر أو أكثر نزل منزلة الحسن احتمل ألا يوافقه/ (ي٧٩) غيره على هذا الرأي أو يبادر للإنكار عليه إذا وصف حديث الراوي الضعيف أو ما إسناده منقطع بكونه حسنا فاحتاج إلى التنبيه على اجتهاده في ذلك وأفصح عن مقصده٢ فيه ولهذا أطلق الحسن لما عرف به فلم يقيده بغرابة ولا غيرها ونسبه إلى نفسه ومن يرى رأيه فقال: "عندنا كل حديث" إلى آخر كلامه الذي ساقه شيخنا/ (ر٤٥/ب) بلفظه٣.

стр. 375

وإذا تقرر ذلك بقي وراءه أمر آخر. وذلك أن المصنف وغير واحد نقلوا الاتفاق على/ (?٤٦/ب) أن الحديث الحسن يحتج به كما يحتج بالصحيح وإن كان دونه في المرتبة. فما المراد على هذا بالحديث الحسن الذي اتفقوا فيه على ذلك هل هو القسم الذي حرره المصنف وقال: إن كلام الخطابي ينزل عليه. وهو رواية الصدوق المشهور بالأمانة١ ... إلى آخر كلامه، أو القسم الذي ذكرناه آنفا عن الترمذي مع مجموع أنواعه التي ذكرنا أمثلتها، أو ما هو أعم من ذلك؟ لم أر من تعرض لتحرير هذا، والذي يظهر لي أن دعوى الاتفاق إنما تصح على الأول دون الثاني وعليه أيضا يتنزل قول المصنف أن كثيرا من أهل

стр. 376

الحديث لا يفرق/ (ب٩٤) بين الصحيح والحسن١ كالحاكم كما سيأتي وكذا قول المصنف٢: "إن الحسن إذا جاء من طرق ارتقى إلى الصحة" كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فأما ما حررناه عن الترمذي أنه يطلق عليه اسم الحسن من الضعيف والمنقطع إذا اعتضد، فلا يتجه إطلاق الاتفاق على الاحتجاج به جميعه ولا دعوى الصحة٣ فيه إذا أتى٤ من طرق. ويؤيد هذا قول الخطيب٥: "أجمع أهل العلم أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به". وقد صرح أبو الحسن ابن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب في كتابه "بيان الوهم والإيهام" بأن هذا القسم لا يحتج به كله، بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه وعضده اتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح/ (ي٨٠) أو ظاهر القرآن. وهذا حسن قوي رايق ما أظن منصفا/ (?٤٧/أ) يأباه والله الموفق. ويدل/ (ر٤٦/أ) على أن الحديث إذا وصفه الترمذي بالحسن لا يلزم [عنده] ٦ أن يحتج به؛ لأنه أخرج حديثا من طريق خثيمة البصري عن الحسن عن عمران بن حصين - رضي

стр. 377

الله تعالى عنه - وقال بعده هذا حديث حسن وليس إسناده بذاك١. وقال في كتاب العلم بعده: بعد أن أخرج حديثا في فضل العلم: "هذا حديث حسن٢ قال: وإنما لم نقل لهذا الحديث: صحيح، لأنه يقال: أن الأعمش دلس فيه فرواه بعضهم عنه، قال: "حدثت عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ –" انتهى. فحكم له بالحسن للتردد الواقع فيه، وامتنع عن الحكم عليه بالصحة لذلك، لكن في كل المثالين نظر، لاحتمال أن يكون سبب تحسينه لهما كونهما جاءا٣ من وجه٤ آخر كما تقدم تقريره. لكن محل بحثنا هنا هل يلزم٥ من الوصف بالحسن الحكم له بالحجة أم لا؟. (هذا الذي يتوقف فيه والقلب إلى ما حرره ابن قطان أميل) ٦ - والله أعلم -.

стр. 378

١٦- قوله (ع) : حكاية عن أبي الفتح القشيري أنه قال: "ليس في عبارة الخطابي كثير تلخيص، والصحيح - أيضا - قد عرف مخرجه واشتهر رجاله"١. أقول: "أجاب الحافظ أبو سعيد العلائي عن ذلك فقال: "إنما يتوجه الاعتراض على الخطابي أن لو كان عرف بالحسن فقط، أما وقد عرف بالصحيح أولا ثم عرف بالحسن فيتعين حمل كلامه على أنه أراد بقوله: ما عرف مخرجه واشتهر رجاله "ما لم يبلغ درجة الصحيح، ويعرف هذا من مجموع كلامه". قلت: "وعلى تقدير تسليم هذا الجواب فهذا القدر غير منضبط كما/ (?٤٧/أ) أن القرب الذي في كلام ابن الجوزي٢ - رحمه الله تعالى - غير منضبط فيصح ما قال القشيري أنه على غير صناعة الحدود والتعريفات. وقد رأيت لبعض المتأخرين في الحسن كلاما يقتضي أنه الحديث الذي في رواته مقال، لكن لم يظهر فيه مقتضى الرد/ (ر٤٦/أ) فيحكم/ (ي٨١) على حديثه بالضعف ولا يسلم من غوائل الطعن، فيحكم لحديثه بالصحة". وقال ابن دحية: "الحديث الحسن هو: ما دون الصحيح مما فيه ضعف قريب محتمل عن راو لا٣ ينتهي إلى درجة العدالة ولا ينحط إلى درجة الفسق". قلت: "وهو جيد بالنسبة إلى النظر في الراوي لكن صحة الحديث وحسنه ليس تابعا لحال الراوي فقط، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة، فإذا اعتبر في مثل هذا سلامة راويه الموصوف بذلك من

стр. 379

الشذوذ والإنكار كان من أحسن ما عرف به الحديث الحسن الذاتي لا المجبور على رأي الترمذي - والله أعلم. تنبيه: فسر القاضي أبو بكر بن العربي مخرج الحديث بأن يكون من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة في البصريين، وأبي إسحاق السبيعي في الكوفيين، وعطاء في المكيين وأمثالهم١. فإن حديث البصريين مثلا إذا جاء عن قتادة ونحوه كان مخرجه معروفا، وإذا جاء عن غير قتادة ونحوه كان شاذا - والله أعلم -. ١٧- قوله (ع) - حكاية عن التاج التبريزي: أنه تعقب على ابن دقيق العيد قوله: "إن الصحيح أخص من الحسن، فإن من لازم ذلك أن يدخل الصحيح في حد٢ الحسن/ (ل٤٨/أ) ، لأن دخول الخاص في حد العام ضروري٣. أقول: بين الصحيح والحسن خصوص وعموم من وجه، وذلك بين واضح لمن تدبره، فلا يرد اعتراض التبريزي إذ لا يلزم من كون الصحيح أخص من الحسن من وجه أن يكون أخص منه مطلقا حتى يدخل الصحيح في الحسن٤. وقد سألت شيخنا إمام الأئمة٥ عنه - والله الموفق.

стр. 380

١٨- قوله (ع) : حكاية عن بعض المتأخرين أنه زعم أن قول الترمذي: ولا يكون/ (ر٤٧/أ) شاذا "زيادة لا حاجة إليها، لأن قوله يروي من غير وجه يغني عنه، ثم قال: فكأنه كرره بلفظ/ (ي٨٢) مباين"١. أقول: ليس في كلامه تكرار بل الشاذ عنده ما خالف فيه الراوي من هو أحفظ منه أو أكثر سواء انفرد به أو لمن ينفرد، كما صرح به الشافعي ﵁. وقوله: يروى من غير وجه شرط زايد على ذلك. وإنما يتمشى ذلك على رأي من يزعم أن الشاذ ما تفرد به الراوي مطلقا. وحمل/ (ب٩٧) كلام الترمذي على الأول أليق، لأن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، ولا سيما في التعاريف - والله أعلم. ١٩- قوله (ع) ٢: حكاية عن بعض المتأخرين أنه يرد على ابن الصلاح في القسم الأول (بعني الذي نزل كلام الترمذي عليه) المنقطع والمرسل الذي في٣ رجاله مستور وروي مثله أو نحوه من وجه آخر. أقول: المتأخر المذكور هو القاضي بدر الدين بن جماعة، كذلك قال في مختصره وأقر شيخنا كلامه، وهو غير وارد لما قدمنا ذكره أن الترمذي يحكم للمنقطع إذا روي من وجه آخر بالحسن. [تعريف ابن جماعة للحسن:] وأما قول/ (?٤٨/ب) ابن جماعة: "الأحسن في حد الحسن أن يقال: هو ما في إسناده المتصل مستور، له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان، وخلا من العلة والشذوذ"٤

стр. 381

[رد الحافظ على ابن جماعة:] فليس يحسن في حد الحسن فضلا١عن أن يكون أحسن٢، لأوجه: أحدها: أن قيد الاتصال إنما يشترط في رواية الصدوق الذي لم يوصف بتمام الضبط والإتقان، وهذا هو الحسن لذاته، وهو الذي لم يتعرض الترمذي لوصفه. بخلاف القسم الثاني الذي وصفه، فلا يشترط الاتصال في جميع أقسامه كما قررناه. ثانيهما: اقتصاره على رواية المستور مشعر بأن رواية الضعيف السيئ الحفظ ومن وذكرنا معه من الأمثلة المتقدمة ليست تعد حسانا إذا/ (ر٤٧/ب) تعددت طرقها، وليس الأمر في تصرف الترمذي كذلك، فلا يكون الحد الذي ذكره جامعا. ثالثها: اشتراط نفي العلة٣ لا يصلح هنا؛ لأن الضعف في/ (ي٨٣) الراوي علة في الخبر والانقطاع في الإسناد علة الخبر/ (ب٩٨) ، وعنعنة المدلس علة في الخبر، وجهالة حال٤ الراوي علة٥ في الخبر، ومع ذلك فالترمذي يحكم على ذلك كله بالحسن إذا جمع الشروط الثلاثة التي ذكرها، فالتقييد بعدم العلة يناقض ذلك والله أعلم.

стр. 382

(رابعها: القصور١ الذي ذكر غير منضبط، فيرد عليه ما يرد على ابن الجوزي) ٢ - والله أعلم -. ٣٤- قوله (ص) : "وإذا استبعد ذلك٣ من الفقهاء الشافعية مستبعد ذكرنا له نص الشافعي ﵁ في قبول مراسيل التابعين" ... إلى آخره٤. أقول إنما اقتصر على الشافعية دون غيرهم، لأنهم هم الذين يردون المؤسل دون غيرهم من الفقهاء، ومع ذلك فالشافعي - رضي الله تعالى عنه - لا يرده مطلقا/ (?٤٩/أ) ولكن اقتصاره على الفقهاء في استبعاد ذلك عجيب، فإن جمهور المحدثين لا يقبلون رواية المستور، وهو قسم من المجهول فروايته بمفردها ليست بحجة عندهم وإنما يحتج بها عند بعضهم بالشروط التي ذكرها الترمذي، فلا معنى لتخصيص ذلك بالفقهاء. ٣٥- قوله (ص) : "ومن ذلك ضعف لا يزول بمجيئه من وجه آخر لقوة الضعف وتقاعد الجابر عن جبره ومقاومته، كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب أو كون الحديث شاذا، وهذه جملة يدرك تفاصيلها بالمباشرة"٥.

стр. 383

أقول لم يذكر للجابر ضابطا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرا أو لا، والتحرير فيه أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي يصلح لأن ينجبر وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر. وأما إذا رجح جانب القبول/ (ر٤٨/أ) فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي - والله أعلم -. وقوله قبل ذلك: "إنا نجد أحاديث محكوما/ (ب٩٩) بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد/ (ي٤٨) كثيرة١. ثم مثل ذلك بحديث الأذنان من الرأس"٢. وقد تعقب ذلك عليه الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد في شرح الإلمام فقال: "هذا الذي ذكره قد لا يوافق عليه، فقد ذكرنا رواية ابن ماجه وأن رواتها ثقات، ورواية الدارقطني وأن ابن القطان حكم لها بالصحة، وعلى الجملة فإن كان الحكم له بالقبول متوقفا على طريق لا علة لها ولا كلام في أحد من رواتها، فقد يتوقف ذلك هنا، لكن اعتبار ذلك صعب ينتقض عليهم في كثير مما صححوه أو حسنوه. ولو شرط ذلك لما/ (?٤٩/ب) كان لهم حاجة إلى الحكم بالحسن فمقتضى٣ المتابعة والمجيء من طرق للإسناد الضعيف؛ لأن الضعف علة - والله أعلم. وقال الحافظ صلاح الدين العلائي: "في التمثيل بذلك نظر، لأن الحديث المشار إليه ربما ينتهي ببعض طرقه إلى درجة الحسن".

стр. 384

وذكر شيخنا - في كلامه على هذا الموضع - أن أبا الفرج ابن الجوزي ذكر طرقه في العلل المتناهية وضعفها كلها١. قلت: وقد راجعت "كتاب العلل المتناهية" لابن الجوزي، فلم أره تعرض لهذا الحديث، بل رأيته في كتاب التحقيق له٢ قد احتج به وقواه فينظر في هذا. وقد جمعت طرقه فيما كتبته على جامع الترمذي، فرأيت في الحاشية: أمثلها حديث عبد الله بن زيد وحديث عبد الله بن عباس وحديث عبد الله بن عمر وأبي أمامة - رضي الله تعالى عنهم - وفي كل واحد منها مع ذلك مقال - والله أعلم. أما حديث عبد الله بن زيد٣ ﵁/ (ب١٠٠) - فرواه ابن ماجه٤ قال: ثنا سويد بن سعيد. ثنا يحيى بن زكريا٥ بن أبي زائدة عن/ (ر٤٨/ب) شعبة عن حبيب بن زيد٦ عن عباد بن تميم٧ عن عبد الله بن زيد - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "الأذنان من الرأس".

стр. 385

قال المنذري: "هذا الإسناد متصل ورواته محتج بهم وهو أمثل إسناد في هذا الباب [قلت هذا الإسناد] ١ رجاله رجال مسلم، إلا/ (ي٨٥) أن له علة فإنه من رواية سويد بن سعيد كما ترى، وقد وهم فيه، وذكر الترمذي في العلل الكبير أنه سأل البخاري عن هذا الحديث فضعف سويدا. قلت: وهو وإن أخرج له مسلم في صحيحه فقد ضعفه الأئمة/ (?٥٠/أ) واعتذر مسلم عن تخريج حديثه، بأنه ما أخرج له إلا ما له أصل من رواية غيره. وقد كان مسلم لقيه وسمع منه قبل أن يعمى ويتلقن ما ليس من حديثه، وإنما كثرت المناكير في روايته بعد عماه. وقد حدث بهذا الحديث في حال صحته فأتى به على الصواب. فرواه البيهقي٢ من رواية عمران بن موسى السختياني عن سويد بسنده إلى عبد الله بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ بثلثي مد وجعل يدلك. قال: "والأذنان من الرأس"، انتهى. وقوله: قال والأذنان من الرأس هو من قول عبد الله بن زيد - رضي الله تعالى عنه - والمرفوع منه ذكر الوضوء بثلثي مد والدلك. وكذا أخرجه ابن خزيمة٣ وابن حبان في صحيحهما، والحاكم٤ من حديث أبي كريب عن ابن أبي زائدة دون الموقوف.

стр. 386

وقد أوضحت ذلك بدلائله وطرقه في الكتاب الذي جمعته في المدرج١. وأما حديث/ (ب/١٠١) عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فرواه أبو بكر البزار في مسنده، والحسن بن علي المعمري٢ في "اليوم والليلة"، كلاهما عن أبي كامل الجحدري قال: ثنا غندر ثنا ابن جريج/ (ر٤٩/أ) عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي ﷺ قال: "الأذنان من الرأس". ومن هذا الوجه رواه الدارقطني٣ وهذا رجاله رجال مسلم أيضا - إلا أن له علة، فإن أبا كامل تفرد به عن غندر وتفرد به غندر عن ابن جريج. وخالفه من هو أحفظ منه وأكثر عددا٤. فرووه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى٥ عن النبي ﷺ معضلا - والعلة فيه/ (?٥٠/ب) من جهتين:

стр. 387

إحداهما: أن/ (ي٨٦) سماع غندر عن ابن جريج كان بالبصرة وابن جريج لما حدث بالبصرة حدث بأحاديث وهم فيها١، وسماع من سمع منه بمكة أصح. ثانيهما: أن أبا كامل قال - فيما رواه أحمد بن عدي عنه -: "لم أكتب عن غندر إلا هذا الحديث أفادنيه٢ عنه عبد الله بن سلمة الأفطس"٣ انتهى. والأفطس ضعيف جدا، فلعله أدخله على أبي كامل٤. وقد مال أبو الحسن ابن القطان إلى الحكم بصحته لثقة رجاله واتصاله٥ وقال ابن دقيق العيد: لعله أمثل إسناد في هذا الباب. قلت: وليس بجيد، لأن فيه العلة التي وصفناها، والشذوذ، فلا يحكم له بالصحة. كم تقرر - والله أعلم -. وأما حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - فرواه البيهقي في الخلافيات من طريق ضمرة بن ربيعة٦ عن إسماعيل بن عياش٧ عن

стр. 388

يحيى بن سعيد١ عن نافع عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -/ (ب١٠٢) ورجاله ثقات، إلا أن رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين فيها مقال وهذا منها، والمحفوظ من حديث نافع عن ابن عمر ﵄ من قوله. وكذا رواه عبد الرزاق٢ وأبو بكر بن أبي شيبة٣ من طرق عنه. وكذا رواه ابن أبي شيبة - أيضا - من رواية سعيد بن مرجانة٤ وهلال بن أسامة٥ كلاهما عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - موقوفا. وأما حديث: أبي أمامة٦ - رضي الله تعالى عنه - فقد أشار إليه (ر٤٩/ب) شيخنا٧ وقوله: إن ابن حبان أخرجه في صحيحه من رواية شهر عن أبي أمامة ﵁ فيه نظر، بل ليس هو في صحيح ابن حبان البتة، لا من

стр. 389

طريق أبي أمامة ولا من طريق غيره، بل/ (?٥١/أ) لم يخرج ابن حبان في صحيحه لشهر شيئا. وقد ذكرت طرق حديث شهر هذا في "كتاب المدرج"١ بدلائله وكيفية الإدراج فيه بحمد الله تعالى. / (ي٨٧) وإذا نظر المنصف٢ إلى مجموع هذه الطرق علم أن للحديث أصلا، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها دون هذه - والله أعلم -. تنبيهان: الأول: معنى هذا المتن أن الأذنين حكمهما حكم الرأس في المسح لا أنهما جزء من الرأس، بدليل أنه لا يجزئ المسح على ما عليهما من شعر عند من يجتزئ بمسح بعض الرأس بالاتفاق. وكذلك لا يجزئ المحرم أن يقصر مما عليهما من شعر بالإجماع - والله الموفق -. الثاني: ينبغي أن يمثل في هذا المقام بحديث من حفظ على أمتي أربعين حديثا. فقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه٣ - والله أعلم -.

стр. 390

٣٦- قوله (ص) : "إذا كان راوي الحديث متأخرا عن درجة/ أهل الحفظ والإتقان غير أنه من المشهورين (بالصدق والستر) ١، وروي حديثه من غير وجه، فقد اجتمعت له القوة من الجهتين، وذلك يرقي حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح. مثاله: حديث (محمد بن عمرو بن علقمة) ٢ عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁" ... إلى آخر كلامه٣. وفيه أمور: أحدها: أن ظاهر كلامه أن شرط الصحيح أن يكون راويه حافظا متقنا وقد بينا ما فيه فيما سبق٤. وثانيها: أن وصف الحديث بالصحة إذا قصر عن رتبة الصحيح وكان
следующие страницы →