← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8316

النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (877 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقد أوضحت ذلك بدلائله وطرقه في الكتاب الذي جمعته في المدرج١. وأما حديث/ (ب/١٠١) عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فرواه أبو بكر البزار في مسنده، والحسن بن علي المعمري٢ في "اليوم والليلة"، كلاهما عن أبي كامل الجحدري قال: ثنا غندر ثنا ابن جريج/ (ر٤٩/أ) عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي ﷺ قال: "الأذنان من الرأس". ومن هذا الوجه رواه الدارقطني٣ وهذا رجاله رجال مسلم أيضا - إلا أن له علة، فإن أبا كامل تفرد به عن غندر وتفرد به غندر عن ابن جريج. وخالفه من هو أحفظ منه وأكثر عددا٤. فرووه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى٥ عن النبي ﷺ معضلا - والعلة فيه/ (?٥٠/ب) من جهتين:

стр. 387

إحداهما: أن/ (ي٨٦) سماع غندر عن ابن جريج كان بالبصرة وابن جريج لما حدث بالبصرة حدث بأحاديث وهم فيها١، وسماع من سمع منه بمكة أصح. ثانيهما: أن أبا كامل قال - فيما رواه أحمد بن عدي عنه -: "لم أكتب عن غندر إلا هذا الحديث أفادنيه٢ عنه عبد الله بن سلمة الأفطس"٣ انتهى. والأفطس ضعيف جدا، فلعله أدخله على أبي كامل٤. وقد مال أبو الحسن ابن القطان إلى الحكم بصحته لثقة رجاله واتصاله٥ وقال ابن دقيق العيد: لعله أمثل إسناد في هذا الباب. قلت: وليس بجيد، لأن فيه العلة التي وصفناها، والشذوذ، فلا يحكم له بالصحة. كم تقرر - والله أعلم -. وأما حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - فرواه البيهقي في الخلافيات من طريق ضمرة بن ربيعة٦ عن إسماعيل بن عياش٧ عن

стр. 388

يحيى بن سعيد١ عن نافع عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -/ (ب١٠٢) ورجاله ثقات، إلا أن رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين فيها مقال وهذا منها، والمحفوظ من حديث نافع عن ابن عمر ﵄ من قوله. وكذا رواه عبد الرزاق٢ وأبو بكر بن أبي شيبة٣ من طرق عنه. وكذا رواه ابن أبي شيبة - أيضا - من رواية سعيد بن مرجانة٤ وهلال بن أسامة٥ كلاهما عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - موقوفا. وأما حديث: أبي أمامة٦ - رضي الله تعالى عنه - فقد أشار إليه (ر٤٩/ب) شيخنا٧ وقوله: إن ابن حبان أخرجه في صحيحه من رواية شهر عن أبي أمامة ﵁ فيه نظر، بل ليس هو في صحيح ابن حبان البتة، لا من

стр. 389

طريق أبي أمامة ولا من طريق غيره، بل/ (?٥١/أ) لم يخرج ابن حبان في صحيحه لشهر شيئا. وقد ذكرت طرق حديث شهر هذا في "كتاب المدرج"١ بدلائله وكيفية الإدراج فيه بحمد الله تعالى. / (ي٨٧) وإذا نظر المنصف٢ إلى مجموع هذه الطرق علم أن للحديث أصلا، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها دون هذه - والله أعلم -. تنبيهان: الأول: معنى هذا المتن أن الأذنين حكمهما حكم الرأس في المسح لا أنهما جزء من الرأس، بدليل أنه لا يجزئ المسح على ما عليهما من شعر عند من يجتزئ بمسح بعض الرأس بالاتفاق. وكذلك لا يجزئ المحرم أن يقصر مما عليهما من شعر بالإجماع - والله الموفق -. الثاني: ينبغي أن يمثل في هذا المقام بحديث من حفظ على أمتي أربعين حديثا. فقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه٣ - والله أعلم -.

стр. 390

٣٦- قوله (ص) : "إذا كان راوي الحديث متأخرا عن درجة/ أهل الحفظ والإتقان غير أنه من المشهورين (بالصدق والستر) ١، وروي حديثه من غير وجه، فقد اجتمعت له القوة من الجهتين، وذلك يرقي حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح. مثاله: حديث (محمد بن عمرو بن علقمة) ٢ عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁" ... إلى آخر كلامه٣. وفيه أمور: أحدها: أن ظاهر كلامه أن شرط الصحيح أن يكون راويه حافظا متقنا وقد بينا ما فيه فيما سبق٤. وثانيها: أن وصف الحديث بالصحة إذا قصر عن رتبة الصحيح وكان

стр. 391

على شرط الحسن إذا روي من وجه آخر لا يدخل في التعريف الذي عرف به الصحيح أولا١. فإما أن يزيد في حد الصحيح ما يعطي أن هذا أيضا يسمى صحيحا، وإما أن لا يسمى/ (?٥١/ب) هذا صحيحا، والحق أنه من طريق النظر أنه يسمى صحيحا، وينبغي أن يزاد في التعريف بالصحيح فيقال: هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل [التام] ٢ الضبط أو القاصر عنه إذا اعتضد عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا٣. وإنما قلت ذلك لأنني اعتبرت كثيرا من أحاديث الصحيحين فوجدتها لا يتم الحكم عليها بالصحة/ (ي٨٨) إلا بذلك. ومن ذلك حديث أبي بن العباس بن سهل بن سعد٤ عن أبيه٥ عن

стр. 392

جده١ رضي الله تعالى عنه في ذكر خيل٢ النبي ﷺ . وأبي هذا قد ضعفه لسوء حفظه أحمد بن حنبل ويحي بن معين والنسائي، ولكن تابعه عليه أخوه عبد المهيمن بن العباس٣؛ أخرجه ابن ماجه٤ من طريقه. وعبد المهيمن أيضا فيه ضعف٥، فاعتضد. وانضاف إلى ذلك أنه ليس من أحاديث الأحكام، فلهذه الصورة المجموعية حكم البخاري بصحته٦.

стр. 393

وكذا حكم بصحة حديث معاوية بن إسحاق بن طلحة١ عن عمته عائشة بنت طلحة٢ عن عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن الجهاد فقال ﷺ : "جهادكن الحج والعمرة"٣. ومعاوية ضعفه أبو زرعة ووثقه أحمد والنسائي. وقد تابعه عليه عنده حبيب ابن أبي عمرة٤ فاعتضد. في أمثلة كثيرة قد ذكرت الكثير منها في مقدمة شرح البخاري٥. ويوجد في كتاب مسلم منها أضعاف ما في البخاري. والله أعلم [الحسن قسمان:] وقياس ما ذكر ابن الصلاح أن الحسن قسمان: أحدهما ما هو لذاته. والآخر ما هو لغيره. وكون الصحيح كذلك. ويكون القسم الذي هو صحيح أو حسن لذاته أقوى من الآخر، وتظهر فائدة ذلك عند/ (?٥٢/أ) التعارض وكذلك أقول في الضعيف

стр. 394

إذا روي بأسانيد كلها قاصرة عن/ (ر٥٠/ب) درجة الاعتبار حيث لا يجبر بعضها ببعض أنه أمثل من ضعيف روي بإسناد واحد كذلك، وتظهر فائدة ذلك في جواز العمل به أو منعه مطلقا - والله أعلم -. ثالثها: أنه اعترض عليه في المثال الذي مثل به وهو حديث: "لولا أن أشق ... " من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة١ عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - بأن الحكم بصحته إنما جاء من جهة أنه روي من طريق٢ أخرى صحيحة لا مطعن فيها. منها في الصحيحين من طريق الأعرج عن أبي/ (ي٨٩) هريرة - رضي الله تعالى عنه - والمثال اللائق هنا أن يذكر حديث له أسانيد كل منها لا يرتقي عن درجة الحسن قد حكم له بالصحة باعتبار مجموع تلك الطرق. والجواب عن المصنف أن المثال الذي أورده مستقيم والذي طولب به قسم من المسألة. وذلك أن الحديث الذي يروى بإسناد حسن لا يخلو إما أن يكون فردا أو له متابع. الثاني لا يخلو المتابع إما أن يكون دونه أو مثله أو فوقه فإن كان دونه فإنه لا يرقيه عن درجته.

стр. 395

قلت١: "قد يفيده إذا كان عن غير متهم بالكذب قوة ما يرجح بها لو عارضه حسن آخر بإسناد غريب". وإن كان مثله أو فوقه فكل منهما يرقيه إلى درجة الصحة. فذكر المصنف مثالا لما فوقه ولم يذكر مثالا لما هو مثله. وإذا كانت الحاجة ماسة إليه فلنذكره نيابة٢ عنه وأمثلة كثيرة قد ذكرنا منها الحديثين اللذين أوردناهما من الصحيح قبل هذا٣. ومنها: ما رواه الترمذي من طريق إسرائيل٤ عن عامر بن/ (?٥٢/ ب) شقيق٥ عن أبي وائل٦ عن عثمان بن عفان ﵁ قال: "إن النبي ﷺ كان يخلل لحيته". تفرد به عامر بن شقيق، وقد قواه البخاري والنسائي٧/ (ر٥١/أ) وابن حبان ولينه ابن معين٨ وأبو حاتم٩ وحكم البخاري فيما حكاه الترمذي في العلل

стр. 396

بأن حديثه هذا حسن١، وكذا قال أحمد فيما حكاه عنه أبو داود: أحسن شيء في هذا الباب حديث عثمان٢ - رضي الله تعالى عنه -. وصححه مطلقا الترمذي٣ والدارقطني٤ وابن خزيمة٥ والحاكم٦ وغيرهم٧. وذلك لما عضده من الشواهد، كحديث أبي المليح الرقي٨ عن الوليد بن زوران٩ عن أنس ﵁.

стр. 397

أخرجه أبو داود١ وإسناده حسن، لأن الوليد وثقه ابن حبان ولم يضعفه أحد وتابعه عليه ثابت البناني عن أنس ﵁. أخرجه الطبراني٢ في الكبير/ (ب١٠٦) من رواية عمر بن إبراهيم العبدي٣ عنه، وعمر لا بأس به. ورواه الذهلي في/ (ي٩٠) الزهريات من طريق الزبيدي عن الزهري عن أنس ﵁ إلا أن له علة غير قادحة، كما قال ابن القطان. ورواه الترمذي٤ والحاكم٥ من طريق قتادة عن حسان بن بلال عن عمار بن ياسر وهو معلول وله شواهد أخرى٦ دون ما ذكر في المرتبة، وبمجموع

стр. 398

ذلك حكموا على أصل الحديث بالصحة وكل طريق منها بمفردها لا يبلغ درجة الصحيح - والله أعلم -. [إطلاق لفظ الحسن قبل شيوخ الترمذي:] ٢٠- قوله (ع) : "وقد وجد التعبير بالحسن في كلام شيوخ الطبقة التي قبل الترمذي كالشافعي"١. أقول قد وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم من الشافعي. قال إبراهيم النخعي/ (?٥٣/أ) : "كانوا إذا اجتمعوا كره الرجل أن يخرج حسان حديثه"٢. وقيل لشعبة كيف تركت أحاديث العرزمي وهي حسان؟ قال: "من حسنها فررت"٣. ووجد "هذا من أحسن الأحاديث إسنادا" في كلام علي بن المديني وأبي زرعة الرازي٤/ (ر٥١/ب) وأبي حاتم ويعقوب بن شيبة٥ وجماعة. لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الاصطلاحي. ومنهم من لا يريده. فأما ما وجد في ذلك في عبارة الشافعي ومن قبله بل وفي عبارة أحمد بن حنبل فلم يتبين لي منهم إرادة المعنى الاصطلاحي، بل ظاهر عبارتهم خلاف ذلك.

стр. 399

فإن حكم الشافعي على حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - في استقبال بيت المقدس حال قضاء الحاجة بكونه حسنا١ خلاف الاصطلاح، بل هو صحيح متفق على صحته. وكذا قال الشافعي - رضي الله تعالى عنه - في حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - في السهو. وأما أحمد: فإنه سئل فيما حكاه الخلال عن أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر فقال: "أصح ما فيها حديث أم حبيبة٢ - رضي الله تعالى عنها –". قال: "وسئل عن حديث بسرة٣ ﵂ –" فقال: "صحيح". قال الخلال٤: حدثنا أحمد بن أصرم٥ أنه سأل أحمد عن حديث أم حبيبة ﵂ في مس/ (ي٩١) الذكر فقال: "هو حديث حسن".

стр. 400

فظاهر هذا أنه لم يقصد المعنى الاصطلاحي، لأن الحسن لا يكون أصح من الصحيح. وأما أبو حاتم، فذكر ابنه في كتاب الجرح والتعديل١ في باب من اسمه عمرو من حرف العين: "عمرو بن محمد - روى عن سعيد بن جبير وأبي زرعة بن عمرو بن جرير - روى عنه إبراهيم/ (?٥٣/ب) بن طهمان سألت أبي عنه فقال: هو مجهول، والحديث الذي رواه عن سعيد بن جبير حسن". قلت: وكلام أبي حاتم هذا محتمل، فإنه يطلق المجهول على ما هو أعم من المستور وغيره، فيحتمل أن يكون حكم على الحديث بالحسن لأنه روي من وجه آخر، فيوافق كلام/ (ر٥٢/أ) الترمذي، ويحتمل أن يكون حكم بالحسن وأراد المعنى اللغوي [أي] ٢ أن متنه حسن - والله أعلم -. وأما علي بن المديني فقد أكثر من وصف الأحاديث بالصحة والحسن في مسنده وفي علله٣، فظاهر عبارته قصد المعنى الاصطلاحي، وكأنه الإمام السابق لهذا الاصطلاح، وعنه أخذ البخاري ويعقوب بن شيبة وغير واحد. وعن البخاري أخذ الترمذي. فمن ذلك: ما ذكر الترمذي٤ في العلل الكبير أنه سأل البخاري عن

стр. 401

أحاديث التوقيت في المسح على الخفين، فقال: "حديث صفوان بن عسال صحيح، وحديث أبي بكرة ﵁ حسن/ (ب١٠٨) وحديث صفوان الذي أشار إليه موجود في شرائط الصحة١. وحديث أبي بكرة الذي أشار إليه - رواه ابن ماجة٢ من رواية المهاجر٣ أبي مخلد٤ عن عبد الرحمن بن أبي بكرة٥ عن أبيه٦ ﵁ به والمهاجر قال وهيب٧: إنه كان غير حافظ.

стр. 402

وقال ابن معين: "صالح". وقال الساجي١: "صدوق". وقال أبو حاتم: "لين الحديث يكتب حديثه". فهذا على شرط الحسن لذاته٢. كما تقرر. وإن كان ابن حبان أخرجه في "صحيحه"٣، فذاك جري على قاعدته في عدم التفرقة بين الصحيح والحسن، فلا يعترض به. وذكر الترمذي - أيضا - في "الجامع"٤/ (?٥٤/أ) أنه سأله٥ عن حديث شريك بن عبد الله النخعي٦، عن أبي إسحاق، عن/ (ي٩٢) عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خديج٧ ﵁ قال: أن النبي ﷺ قال:

стр. 403

"من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته". وهو من أفراد شريك عن أبي إسحاق، قال البخاري: هو حديث حسن، انتهى. وتفرد شريك بمثل هذا الأصل عن أبي إسحاق (مع كثرة الرواة) ١ عن/ (ر٥٢/ب) أبي إسحاق مما يوجب التوقف عن الاحتجاج به، لكنه اعتضد بما رواه الترمذي - أيضا - من طريق عقبة بن الأصم٢، عن عطاء بن رافع ﵁ فوصفه بالحسن لهذا. وهذا على شرط القسم الثاني فبان أن استمداد الترمذي لذلك إنما هو من البخاري ولكن الترمذي أكثر منه وأشاد بذكره وأظهر الاصطلاح فيه فصار أشهر به٣ من غيره - والله أعلم -. ٢١- قوله (ع) : "ويعقوب بن شيبة وأبو علي إنما صنفا كتابيهما بعد الترمذي"٤. أقول: فيه نظر بالنسبة إلى يعقوب/ (ب١٠٩) بن شيبة (فقط) ٥ فإنه من طبقة شيوخ الترمذي وهو أقدم سنا٦ وسماعا وأعلى رجالا من البخاري إمام الترمذي وإن تأخرت وفاته بعده ست سنين.

стр. 404

وذكر الخطيب١ أنه أقام في تصنيف مسنده مدة طويلة وأنه لم يكمله مع ذلك ومات قبل الترمذي بنحو عشرين سنة. فكيف يقال إنه صنف كتابه بعد الترمذي؟ ظاهر الحال يأبى ذلك. وأما قوله حكاية عن المعترض على ابن الصلاح بأن أبا علي الطوسي كان شيخا لأبي حاتم الرازي، فقد رأيت ذلك في كتاب العلامة علاء الدين٢ مغلطاي في مواضع كثيرة/ (?٥٤/ب) من شرح البخاري وغيره فلا يذكر أبا علي الطوسي إلا ويصفه بأنه٣ شيخ أبي حاتم الرازي وليس ذلك بوصف صحيح بل الصواب العكس. وأبو حاتم شيخ أبي علي وإن كان أبو حاتم حكى عن أبي علي شيئا، فذلك من باب رواية الأكابر عن الأصاغر فقد قال الخليلي في الإرشاد٤: روى عنه أبو حاتم الرازي أحد شيوخه حكايات. وهذا كرواية البخاري عن الترمذي فإن أبا حاتم والبخاري من طبقة واحدة كما أن الترمذي وأبا علي من طبقة واحدة/ (ر٥٣/أ) وهذا بين من معرفة شيوخهم ووقت وفاتهم، فسماع أبي حاتم قبل أبي علي بنحو من ثلاثين سنة. ومات أبو حاتم٥ قبل أبي علي بنحو من هذا القدر. وكانت رحلة أبي علي الطوسي بعد رحلة الترمذي، فلم يلق عوالي شيوخه كقتيبة، ولكنه شاركه في أكثر مشايخه واستخرج على كتابه كما قال شيخنا وسمى كتابه كتاب الأحكام٦.

стр. 405

والدليل على صحة كون كتابه مستخرجا/ (ب١١٠) على الترمذي أنه يحكم على كل حديث بنظير١ ما يحكم عليه الترمذي سواء إلا أنه يعبر بقوله: يقال: (هذا حديث حسن) ٢ يقال: حديث حسن صحيح لا يجزم بشيء من ذلك. وهذا مما يقوي أنه نقل كلام غيره فيه وهو الترمذي، لأنها عبارته بعينها. وإذا تقرر ذلك، فقول ابن الصلاح: إن "كتاب الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن" لا اعتراض عليه فيه، لأنه نبه مع ذلك على أنه يوجد في متفرقات كلام من تقدمه. وهو كما قال - والله أعلم -. تنبيه: أبو علي الطوسي المذكور: اسمه الحسن بن علي بن نصر الحافظ له تصانيف ورحلة ذكره الحاكم في تاريخ نيسابور/ (?٥٥/أ) وأثنى عليه، وأبو علي الخليلي في الإرشاد وقال: سمعت من عشرة من أصحابه٣ وله تصانيف تدل على معرفته. وأبو أحمد الحاكم في الكنى وقال: "إنه سمع منه وغيرهم"٤. وكانت وفاته سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة - والله أعلم -. ٣٧- قوله (ص) : "ومن مظانه"٥: أي من مظان الحسن والمظان جمع مظنة - بكسر الظاء وهي مفعلة من الظن.

стр. 406

وقال المطرزي١: "المظنة العلم من ظن٢ بمعنى علم". ٢٢- قوله (ع) : "ولم ينقل لنا عن أبي داود هل يقول بذلك (يعني الحسن الاصطلاحي) أم لا٣"؟. أقول: حكى ابن كثير في مختصره٤ أنه رأى في بعض النسخ من رسالة أبي داود ما/ (ي٤٩) نصه: "وما سكت عليه فهو حسن وبعضها أصح/ (ر٥٣/ب) من بعض". فهذه النسخة إن كانت معتمدة فهو نص في موضع النزاع، فيتعين المصير إليه، ولكن نسخة روايتنا والنسخ المعتمدة التي وقفنا عليها ليس فيها هذا. - والله الموفق -. ٢٣- قوله (ع) ٥: "في/ (ب١١١) الجواب من اعتراض أبي الفتح اليعمري؛ إذ زعم أن شرط أبي داود كشرط مسلم إلا في الأحاديث التي بين أبو داود ضعفها٦ - بأن مسلما شرط الصحيح - فليس لنا أن نحكم على حديث في كتابه بأنه حسن وأبو داود إنما قال: "ما سكت عنه فهو صالح". والصالح يجوز أن يكون صحيحا وأن يكون حسنا فالاحتياط أن يحكم عليه بالحسن".

стр. 407

أقول: أجاب الحافظ صلاح الدين العلائي عن كلام أبي الفتح اليعمري بجواب أمتن من هذا فقال ما نصه: "هذا الذي قاله ضعيف، وقول ابن الصلاح أقوى؛ لأن درجات الصحيح إذا تفاوتت (فلا نعني بالحسن إلا) ١ الدرجة الدنيا منها. والدرجة الدنيا منها لم يخرج مسلم منها شيئا في الأصول وإنما يخرجها في المتابعات والشواهد. [الرواة عند مسلم ثلاثة أقسام:] قلت: وهو تعقب صحيح وهو مبني على أمر اختلف نظر الأئمة فيه وهو قول مسلم ما معناه أن الرواة ثلاثة أقسام: الأول: كمالك وشعبة وأنظارهما. الثاني: مثل عطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وأمثالهما. وكل من القسمين مقبول، (لما يشمل الكل) ٢ من اسم الصدق. والطبقة الثالثة: أحاديث المتروكين. فقال القاضي عياض وتبعه النووي وغيره: "إن مسلما أخرج أحاديث القسمين الأولين ولم يخرج شيئا من أحاديث القسم الثالث"٣. وقال الحاكم والبيهقي وغيرهما: "لم يخرج مسلم إلا أحاديث القسم الأول فقط فلما حدث به اخترمته المنية قبل إخراج القسمين الآخرين"٤.

стр. 408

ويؤيد هذا/ (ر٥٤/أ) ما رواه البيهقي بسند صحيح عن إبراهيم بن محمد بن سفيان صاحب مسلم١ قال: "صنف مسلم ثلاثة كتب أحدها/ (ي٩٥) هذا الذي قرأه على الناس (يعني الصحيح) والثاني يدخل فيه عكرمة وابن إسحاق وأمثالهما والثالث يدخل فيه الضعفاء. قلت: وإنما اشتبه الأمر على القاضي عياض ومن تبعه بأن الرواية عن أهل القسم الثاني موجودة في صحيحه لكن فرض٢ المسألة هل احتج (بهم كما احتج) ٣ بأهل القسم الأول أم لا؟ والحق: أنه لم يخرج شيئا مما انفرد به الواحد منهم وإنما احتج بأهل القسم الأول سواء تفردوا أم لا؟ ويخرج من أحاديث أهل القسم الثاني ما يرفع به التفرد عن أحاديث أهل القسم الأول. وكذلك إذا كان لحديث أهل القسم الثاني طرق كثيرة يعضد بعضها بعضا فإنه قد يخرج ذلك. وهذا ظاهر بين في كتابه ولو/ (?٥٦/أ) كان يخرج جميع أحاديث أهل القسم الثاني في الأصول بل وفي المتابعات لكان كتابه أضعاف ما هو عليه. ألا تراه أخرج لعطاء بن السائب٤ في المتابعات وهو من المكثرين، فما له عنده سوى مواضيع يسيرة.

стр. 409

وكذا محمد بن إسحاق وهو من بحور١ الحديث وليس له عنده في المتابعات إلا ستة أو سبعة. ولم يخرج لليث بن أبي سليم٢ ولا ليزيد بن أبي زياد ولا لمجالد بن سعيد إلا مقرونا. وهذا بخلاف أبي داود، فإنه يخرج أحاديث هؤلاء في الأصول محتجا بها، ولأجل ذا تخلف كتابه عن شرط الصحة وفي/ (ر٥٤/ب) قول أبي داود: "وما كان فيه وهن شديد بينته" (ما يفهم أن الذي يكون فيه وهن غير شديد) ٣ أنه لا يبينه. ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن٤ الاصطلاحي. بل هو على أقسام: ١- منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة. ٢- ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته. ٣- ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد. وهذان القسمان كثير في كتابه جدا. ٤- ومنه ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبا. وكل هذه الأقسام عنده/ (ي٩٦) تصلح للاحتجاج بها٥.

стр. 410

كما نقل ابن منده١ عنه أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره وأنه أقوى من رأي الرجال٢. وكذلك قال ابن عبد البر٣: "كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده لاسيما إن كان لم يذكر في الباب غيره".ونحو هذا ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل فيما نقله ابن المنذر٤ عنه أنه كان يحتج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن في الباب غيره٥.

стр. 411

وأصرح من هذا ما رويناه عنه فيما حكاه أبو العز بن كادش١/ (?٥٦/ب) أنه قال -لابنه-٢: "لو أردت أن أقتصر على ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، لكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب شيء يدفعه"٣. ومن هذا ما روينا من طريق عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل بالإسناد الصحيح إليه قال: "سمعت أبي يقول: "لا تكاد ترى أحدا ينظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل والحديث الضعيف أحب إلي من الرأي"٤. [موقف أحمد من الرأي:] قال: "فسألته عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيها إلا صاحب حديث لا يدري صحيحه من سقيمه وصاحب رأي فمن يسأل؟ قال: "سأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي". فهذا نحو مما حكي عن أبي داود. ولا عجب، فإنه كان من تلامذة الأمام أحمد فغير مستنكر أن يقول بقوله.

стр. 412

بل حكى النجم الطوفي١ عن العلامة تقي الدين ابن تيمية أنه قال: "اعتبرت مسند أحمد، فوجدته موافقا لشرط أبي داود"٢. وقد أشار شيخنا في النوع الثالث والعشرين إلى شيء من هذا/ (ب١١٤) ومن هنا ضعف طريقة من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عنها مثل: ابن لهيعة، وصالح مولى التوأمة٣، وعبد الله بن محمد بن عقيل٤،

стр. 413

وموسى بن وردان، وسلمة بن الفضل١، ودلهم بن صالح٢ وغيرهم. فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على/ (ي٩٧) أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به أو غريب فيتوقف فيه؟ ولا سيما إن كان مخالفا لرواية من هو أوثق منه، فإنه ينحط إلى قبيل المنكر وقد يخرج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن وجيه٣ وصدقه الدقيقي٤ وعثمان بن واقد العمري٥ ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني٦ وأبي

стр. 414

جناب الكلبي١ وسليمان بن أرقم٢ وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة٣ وأمثالهم من المتروكين. وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة وأحاديث المدلسين بالعنعنة والأسانيد التي فيها من أبهمت أسماؤهم، فلا يتجه الحكم لأحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود؛ لأن سكوته تارة يكون اكتفاء بما تقدم له من الكلام في ذلك/ (ر٥٥/ب) الراوي في نفس كتابه وتارة يكون لذهول منه. وتارة يكون لشدة وضوح ضعف ذلك الراوي واتفاق الأئمة على طرح روايته٤. كأبي الحويرث٥ ويحيى بن العلاء٦ وغيرهم.

стр. 415

وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه وهو الأكثر. فإن في رواية أبي الحسن ابن العبد١ عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي٢ وإن كانت روايته٣ أشهر. ومن أمثلة ذلك ما رواه من طريق الحارث بن وجيه٤ عن مالك بن دينار٥ عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - حديث: "إن تحت كل شعرة جنابة ... " الحديث٦. فإنه تكلم عليه في بعض الروايات فقال: "هذا حديث ضعيف والحارث حديثه منكر" وفي بعضها اقتصر على بعض هذا الكلام. وفي بعضها لم يتكلم فيه وقد يتكلم٧ على الحديث بالتضعيف البالغ خارج السنن ويسكت٨ عنه فيها.

стр. 416

ومن أمثلته١: ما رواه في السنن من طريق محمد بن ثابت العبدي٢ عن نافع قال: "انطلقت مع ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - في حاجة إلى ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -/ (?٥٧/ب) فذكر الحديث في الذي سلم على النبي ﷺ فلم/ (ي٩٨) يرد عليه حتى تيمم، ثم رد السلام وقال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني لم أكن على طهر"٣. لم يتكلم عليه في السنن، ولما ذكره في "كتاب التفرد" قال: "لم يتابع أحد محمد بن ثابت على هذا". ثم حكى عن أحمد بن حنبل أنه قال: "هو حديث منكر"٤.

стр. 417

[كثرة الانقطاع والإبهام في سنن أبي داود:] وأما الأحاديث التي في إسنادها انقطاع أو إبهام ففي الكتاب من ذلك أحاديث كثيرة. منها: وهو ثالث حديث في كتابه - ما رواه من طريق أبي التياح١ قال: حدثني شيخ قال: لما قدم ابن عباس البصرة كان يُحدث٢ عن أبي موسى - رضي الله تعالى عنه - فذكر حديث "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله"٣. لم يتكلم عليه في جميع الروايات، وفيه هذا الشيخ المبهم. إلى غير ذلك من الأحاديث التي يمنع من الاحتجاج بها ما فيها من العلل. فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما/ (ب١١٦) وصفنا أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة، ويقدمها على القياس إن ثبت ذلك عنه. والمعتمد على مجرد سكوته لا يرى الاحتجاج٤ بذلك فكيف يقلده فيه؟

стр. 418

وهذا جميعه إن حملنا قوله: "وما لم أقل فيه شيئل فهو صالح". على أن مراده أنه صالح للحجة. وهو الظاهر. وإن حملناه على ما هو أعم من ذلك - وهو الصلاحية للحجة أو للاستشهاد أو للمتابعة - فلا يلزم منه أنه يحتج بالضعيف. ويحتاج إلى تأمل تلك المواضع التي يسكت عليها وهي ضعيفة هل فيها إفراد أم لا؟ إن وجد فيها إفراد تعين الحمل على الأول وإلا حمل على الثاني، وعلى كل تقدير فلا يصلح ما سكت عليه للاحتجاج مطلقا/ (?٥٨/أ) . وقد نبه على ذلك الشيخ محيي الدين النووي - رحمه الله تعالى - فقال/ (ر٥٦/أ) : "في سنن أبي داود أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها مع أنه متفق على ضعفها، فلا بد من تأويل كلامه". ثم قال: "والحق أن ما وجدناه في سننه ما لم يبينه، ولم ينص على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد فهو حسن١، وإن نص على ضعفه من يعتمد أو رأى العارف في سنده ما يقتضي/ (ي٩٩) الضعف ولا جابر له، حكم بضعفه ولم يلتفت إلى سكوت أبي داود". قلت: "وهذا هو التحقيق، لكنه خالف ذلك في مواضع من شرح المهذب

стр. 419

وغيره من تصانيفه، فاحتج بأحاديث كثيرة من أجل سكوت أبي داود عليها فلا يغتر بذلك١ - والله أعلم –". ٣٨- قوله (ص) : "ما صار إليه صاحب المصابيح من تقسيم أحاديثه إلى نوعين: الصحاح والحسان/ (ب١١٧) إلى أن قال: فهذا اصطلاح غير معروف"٢. وتبعه الشيخ محيي الدين في مختصره فقال: "هذا الكلام من البغوي ليس بصواب"٣. وقد تعقب العلامة تاج الدين التبريزي في مختصره هذا الكلام فقال: "ليس من العادة المشاحة في الاصطلاح والتخطئة عليه مع نص الجمهور على أن من اصطلح في أول الكتاب فليس ببعيد عن الصواب. والبغوي٤ قد نص في ابتداء المصابيح بهذه العبارة: "وأعني بالصحاح ما أخرجه الشيخان ... إلى آخره".

стр. 420

ثم قال: "وأعني بالحسان ما أورده أبو داود والترمذي وغيرهما من الأئمة ... إلى آخره"١. ثم قال: "وما كان من ضعيف أو غريب أشرت إليه وأعرضت عما كان/ (?٥٨/ب) منكرا أو موضوعا". هذه عبارته ولم يذكر قط أن مراد الأئمة بالصحاح كذا وبالحسان كذا. قال: "ومع هذا فلا يعرف لتخطئة الشيخين (يعني ابن الصلاح والنووي) إياه وجه". قلت: ومما يشهد لصحة كونه أراد بقوله الحسان اصطلاحا خاصا له أن يقول في مواضع من قسم الحسان: هذا صحيح تارة، وهذا ضعيف تارة بحسب ما يظهر له من ذلك. ولو كان أراد بالحسان الاصطلاح العام ما نوَّعه في كتابه إلى الأنواع الثلاثة وحتى لو كان عليه في بعض ذلك مناقشة بالنسبة إلى الإطلاق، فذلك يكون لأمر خارجي حتى يرجع إلى الذهول ولا يضر فيما نحن فيه - والله أعلم -. ٣٩- قوله (ص) : "كتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة وما جرى مجراها في الاحتجاج/ (ي١٠٠) بها والركون إلى ما يورد فيها مطلقا كمسند أحمد وغيره ... " إلى أن قال: "فهذه عادتهم أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثا محتجا به أم لا"٢. قلت: هذا هو الأصل في وضع هذين الصنفين، فإن ظاهر حال من يصنف على الأبواب أنه٣ ادعى/ (ر٥٦/ب) على أن الحكم في المسألة التي بوب عليها

стр. 421

ما بوب به فيحتاج إلى مستدل لصحة دعواه١ والاستدلال إنما ينبغي أن يكون بما يصلح أن يحتج به، وأما من يصنف على المسانيد فإن ظاهر قصده جمع حديث كل صحابي على حدة سواء أكان يصلح للاحتجاج به أم لا. وهذا هو ظاهر من أصل الوضع بلا شك، لكن جماعة من المصنفين في كل من الصنفين خالف أصل موضوعه فانحط وارتفع، فإن/ (?٥٩/أ) بعض من صنف الأبواب قد أخرج فيها الأحاديث الضعيفة بل والباطلة إما لذهول عن ضعفها وإما٢ لقلة معرفة بالنقد. وبعض من صنف على المسانيد انتقى أحاديث كل صحابي فأخرج أصح ما وجد من حديثه. كما روينا عن إسحاق بن راهويه أنه انتقى في مسنده أصح ما وجده من حديث كل صحابي إلا أن لا يجد ذلك المتن إلا من تلك الطريق، فإنه يخرجه. ونحى بقي بن مخلد في مسنده نحو ذلك. وكذلك صنع أبو بكر البزار قريبا من ذلك وقد صرح ببعض ذلك في عدة مواضع من مسنده فيخرج الإسناد الذي فيه مقال ويذكر علته، ويعتذر عن تخريجه بأنه لم يعرفه إلا من ذلك الوجه. وأما الإمام أحمد، فقد صنف أبو موسى المديني٣/ (ب١١٩) جزءا كبيرا ذكر فيه أدلة كثيرة تقتضي أن أحمد انتقى مسنده وأنه كله صحيح عنده وأن ما أخرجه فيه عن الضعفاء إنما هو في المتابعات، وإن/ (ي١٠١) كان أبو موسى قد ينازع في بعض ذلك، لكنه لا يشك منصف أن مسنده أنقى أحاديثا وأتقن رجالا من غيره. وهذا يدل على أنه انتخبه.

стр. 422

ويؤيد هذا ما يحكيه ابنه عنه أنه كان يضرب على بعض الأحاديث التي يستنكرها١. وروى أبو موسى في هذا الكتاب من طريق حنبل بن إسحاق قال: "جمعنا أحمد أنا وابناه عبد الله وصالح وقال: انتقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفا فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه، وإلا فليس بحجة"٢. فهذا صريح فيما قلناه إنه انتقاه ولو وقعت فيه الأحاديث الضعيفة والمنكرة، فلا يمنع ذلك صحة هذه الدعوى، لأن هذه الأمور نسبية بل هذا كاف فيما٣ قلناه أنه لم يكتف بمطلق جمع حديث كل صحابي. وظاهر كلام المصنف أن الأحاديث التي في الكتب الخمسة وغيرها/ (?٥٩/ب) يحتج بها جميعها، وليس كذلك؛ فإن فيها شيئا كثيرا لا يصلح للاحتجاج به بل وفيها ما لا يصلح للاستشهاد به٤ من حديث/ (ر٥٧/أ) المتروكين وليست الأحاديث الزايدة في مسند أحمد على ما في الصحيحين بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائدة على الصحيحين من سنن أبي داود وجامع الترمذي.

стр. 423

وإذا تقرر هذا فسبيل من أراد أن يحتج بحديث من السنن أو بأحاديث١ من المسانيد واحد؛ إذ جميع ذلك لم يشترط من جمعه الصحة ولا الحسن خاصة، فهذا المحتج إن كان متأهلا لمعرفة الصحيح من غيره، فليس له أن يحتج بحديث من السنن من غير أن ينظر في اتصال إسناده وحال رواته كما أنه ليس له أن يحتج بحديث من المسانيد حتى يحيط علما بذلك. وإن كان غير متأهل لدرك ذلك فسبيله أن ينظر في الحديث إن كان خرج في الصحيحين أو صرح أحد من الأئمة بصحته، فله أن يقلد في ذلك. وإن لم يجد أحدا صححه ولا حسنه فما له أن يقدم على الاحتجاج به فيكون كحاطب ليل فلعله يحتج بالباطل/ (ي١٠٢) وهو لا يشعر. ولم أر للمصنف سلفا في أن جميع ما صنف على الأبواب يحتج به مطلقا، ولو كان اقتصر على الكتب الخمسة لكان أقرب من حيث الأغلب، لكنه قال مع ذلك: "وما جرى مجراها". فيدخل في عبارته غيرها من الكتب المصنفة على الأبواب كسنن ابن ماجه بل ومصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهم، فعليه في إطلاق ذلك من التعقب ما أوردناه - والله أعلم -. ٢٤- قوله (ع) : "لا نسلم أن أحمدا اشترط الصحة في كتابه"٢. أقول: حرف٣ الجواب أن المراد بصحة ماذا؟ إن قيل باعتبار الشرائط التي تقدم ذكرها، فلا يمكن دعوى ذلك في المسند مع ما فيه من الأحاديث المعللة والمضعفة.

стр. 424

وإن قيل باعتبار ما يراه أحمد من التمسك بالأحاديث ولو كانت ضعيفة ما لم يكن ضعفها/ (ب١٢١) شديدا. كما تقدم في الكلام على أبي داود فهذا يمكن دعواه. ٢٥- قوله (ع) : "على أن ثمة١ أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيح وليست في مسند أحمد"٢. أقول: أجاب بعضهم عن هذا بأن الأحاديث الصحيحة التي خلا عنها المسند لا بد أن يكون لها فيه أصول أو نظائر أو شواهد أو ما يقوم مقامها٣. قلت: فعلى هذا إنما يتم النقض أن لو وجد حديث محكوم بصحته سالم من التعليل ليس هو٤ في المسند وإلا فلا - والله أعلم. [أحاديث منتقدة في مسند أحمد:] ٢٦- قوله (ع) : "بل فيه (أي المسند) أحاديث موضوعة، وقد جمعتها في جزء"٥. أقول: ذكر الشيخ تقي الدين بن تيمية٦ أن أصل هذه القصة أن الحافظين أبا العلاء الهمذاني وأبا الفرج ابن الجوزي سئلا هل في المسند أحاديث موضوعة أم لا؟. فأنكر ذلك أبو العلاء أشد الإنكار.

стр. 425

وأثبت ذلك أبو الفرج وبين ما فيه من ذلك بحسب/ (ي١٠٣) ما ظهر له. قلت: ثم انتدب أبو موسى المديني فانتصر لشيخه أبي العلاء الهمذاني١ وصنف الجزء الذي أشار إليه شيخنا. وأما الجزء المذكور فهو مشتمل على تسعة أحاديث وهي الستة التي ساقها الشيخ هنا من المسند٢ والحديثان المساقان من زيادات عبد الله والتاسع حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - مثل حديث أنس ﵁ فيمن عُمِّر أربعين سنة.
следующие страницы →