ما بوب به فيحتاج إلى مستدل لصحة دعواه١ والاستدلال إنما ينبغي أن يكون بما يصلح أن يحتج به، وأما من يصنف على المسانيد فإن ظاهر قصده جمع حديث كل صحابي على حدة سواء أكان يصلح للاحتجاج به أم لا.
وهذا هو ظاهر من أصل الوضع بلا شك، لكن جماعة من المصنفين في كل من الصنفين خالف أصل موضوعه فانحط وارتفع، فإن/ (?٥٩/أ) بعض من صنف الأبواب قد أخرج فيها الأحاديث الضعيفة بل والباطلة إما لذهول عن ضعفها وإما٢ لقلة معرفة بالنقد.
وبعض من صنف على المسانيد انتقى أحاديث كل صحابي فأخرج أصح ما وجد من حديثه. كما روينا عن إسحاق بن راهويه أنه انتقى في مسنده أصح ما وجده من حديث كل صحابي إلا أن لا يجد ذلك المتن إلا من تلك الطريق، فإنه يخرجه. ونحى بقي بن مخلد في مسنده نحو ذلك. وكذلك صنع أبو بكر البزار قريبا من ذلك وقد صرح ببعض ذلك في عدة مواضع من مسنده فيخرج الإسناد الذي فيه مقال ويذكر علته، ويعتذر عن تخريجه بأنه لم يعرفه إلا من ذلك الوجه.
وأما الإمام أحمد، فقد صنف أبو موسى المديني٣/ (ب١١٩) جزءا كبيرا ذكر فيه أدلة كثيرة تقتضي أن أحمد انتقى مسنده وأنه كله صحيح عنده وأن ما أخرجه فيه عن الضعفاء إنما هو في المتابعات، وإن/ (ي١٠١) كان أبو موسى قد ينازع في بعض ذلك، لكنه لا يشك منصف أن مسنده أنقى أحاديثا وأتقن رجالا من غيره.
وهذا يدل على أنه انتخبه.
стр. 422
ويؤيد هذا ما يحكيه ابنه عنه أنه كان يضرب على بعض الأحاديث التي يستنكرها١.
وروى أبو موسى في هذا الكتاب من طريق حنبل بن إسحاق قال: "جمعنا أحمد أنا وابناه عبد الله وصالح وقال: انتقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفا فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه، وإلا فليس بحجة"٢.
فهذا صريح فيما قلناه إنه انتقاه ولو وقعت فيه الأحاديث الضعيفة والمنكرة، فلا يمنع ذلك صحة هذه الدعوى، لأن هذه الأمور نسبية بل هذا كاف فيما٣ قلناه أنه لم يكتف بمطلق جمع حديث كل صحابي.
وظاهر كلام المصنف أن الأحاديث التي في الكتب الخمسة وغيرها/ (?٥٩/ب) يحتج بها جميعها، وليس كذلك؛ فإن فيها شيئا كثيرا لا يصلح للاحتجاج به بل وفيها ما لا يصلح للاستشهاد به٤ من حديث/ (ر٥٧/أ) المتروكين وليست الأحاديث الزايدة في مسند أحمد على ما في الصحيحين بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائدة على الصحيحين من سنن أبي داود وجامع الترمذي.
стр. 423
وإذا تقرر هذا فسبيل من أراد أن يحتج بحديث من السنن أو بأحاديث١ من المسانيد واحد؛ إذ جميع ذلك لم يشترط من جمعه الصحة ولا الحسن خاصة، فهذا المحتج إن كان متأهلا لمعرفة الصحيح من غيره، فليس له أن يحتج بحديث من السنن من غير أن ينظر في اتصال إسناده وحال رواته كما أنه ليس له أن يحتج بحديث من المسانيد حتى يحيط علما بذلك.
وإن كان غير متأهل لدرك ذلك فسبيله أن ينظر في الحديث إن كان خرج في الصحيحين أو صرح أحد من الأئمة بصحته، فله أن يقلد في ذلك.
وإن لم يجد أحدا صححه ولا حسنه فما له أن يقدم على الاحتجاج به فيكون كحاطب ليل فلعله يحتج بالباطل/ (ي١٠٢) وهو لا يشعر.
ولم أر للمصنف سلفا في أن جميع ما صنف على الأبواب يحتج به مطلقا، ولو كان اقتصر على الكتب الخمسة لكان أقرب من حيث الأغلب، لكنه قال مع ذلك: "وما جرى مجراها".
فيدخل في عبارته غيرها من الكتب المصنفة على الأبواب كسنن ابن ماجه بل ومصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهم، فعليه في إطلاق ذلك من التعقب ما أوردناه - والله أعلم -.
٢٤- قوله (ع) : "لا نسلم أن أحمدا اشترط الصحة في كتابه"٢.
أقول: حرف٣ الجواب أن المراد بصحة ماذا؟
إن قيل باعتبار الشرائط التي تقدم ذكرها، فلا يمكن دعوى ذلك في المسند مع ما فيه من الأحاديث المعللة والمضعفة.
стр. 424
وإن قيل باعتبار ما يراه أحمد من التمسك بالأحاديث ولو كانت ضعيفة ما لم يكن ضعفها/ (ب١٢١) شديدا. كما تقدم في الكلام على أبي داود فهذا يمكن دعواه.
٢٥- قوله (ع) : "على أن ثمة١ أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيح وليست في مسند أحمد"٢.
أقول: أجاب بعضهم عن هذا بأن الأحاديث الصحيحة التي خلا عنها المسند لا بد أن يكون لها فيه أصول أو نظائر أو شواهد أو ما يقوم مقامها٣.
قلت: فعلى هذا إنما يتم النقض أن لو وجد حديث محكوم بصحته سالم من التعليل ليس هو٤ في المسند وإلا فلا - والله أعلم.
[أحاديث منتقدة في مسند أحمد:]
٢٦- قوله (ع) : "بل فيه (أي المسند) أحاديث موضوعة، وقد جمعتها في جزء"٥.
أقول: ذكر الشيخ تقي الدين بن تيمية٦ أن أصل هذه القصة أن الحافظين أبا العلاء الهمذاني وأبا الفرج ابن الجوزي سئلا هل في المسند أحاديث موضوعة أم لا؟.
فأنكر ذلك أبو العلاء أشد الإنكار.
стр. 425
وأثبت ذلك أبو الفرج وبين ما فيه من ذلك بحسب/ (ي١٠٣) ما ظهر له.
قلت: ثم انتدب أبو موسى المديني فانتصر لشيخه أبي العلاء الهمذاني١ وصنف الجزء الذي أشار إليه شيخنا.
وأما الجزء المذكور فهو مشتمل على تسعة أحاديث وهي الستة التي ساقها الشيخ هنا من المسند٢ والحديثان المساقان من زيادات عبد الله والتاسع حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - مثل حديث أنس ﵁ فيمن عُمِّر أربعين سنة.
стр. 426
والحكم على الأحاديث التسعة بكونها موضوعة محل نظر وتأمل ثم إنها كلها في الفضائل أو الترغيب والترهيب.
ومن عادة المحدثين التساهل في مثل ذلك.
وفي الجملة لا يتأتى الحكم على جميعها بالوضع.
١- فمن ذلك: حديث ابن عمر ﵄ في احتكار الطعام١ ... الحديث.
فقد ذكر شيخنا أن في الحكم بوضعه نظرا وأن الحاكم صححه وهو كما قال شيخنا.
فقد رواه الإمام أحمد قال: حدثنا يزيد بن هارون ثنا أصبغ بن زيد٢ ثنا أبو بشر٣ عن أبي الزاهرية٤ عن كثير بن مرة٥، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى" ٦.
стр. 427
وهكذا رواه أبو يعلى في مسنده١ عن أبي خيثمة زهير بن حرب٢ عن يزيد به.
ومن طريقهما أخرجه الحافظ الضياء في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين.
وأما الحاكم٣ فإنه أخرجه من طريق عمرو بن الحصين عن أصبغ، وعمرو بن حصين٤ أحد المتروكين المتهمين، فالمعتمد عليه فيه هو يزيد بن هارون ولم يعله ابن الجوزي٥ إلا بأصبغ بن زيد٦، وقد ساق ابن عدي له ثلاثة أحاديث هذا منها. وقال: إنها غير محفوظة وأنه لم يرو عنه غير يزيد بن هارون٧.
стр. 428
وقد وهم ابن عدي في ذلك فإنه روى عنه عشرة أنفس ووثقه يحيى بن معين وأبو داود وغيرهما.
وقال النسائي: "ليس به بأس". وكذا قال أحمد وزاد "ما أحسن رواية يزيد عنه" وقال الدارقطني: "تكلموا فيه وهو ثقة عندي"١.
قلت لم أر للمتقدمين٢ فيه كلاما سوى لابن سعد/ (ي١٠٤) وهو محجوج بما تقدم. - والله أعلم -.
وللمتن شواهد تدل على صحته.
فإن قيل: إنما حكم عليه بالوضع نظرا إلى لفظ المتن وكون/ (?٦١/أ) ظاهره مخالفا للقواعد.
قلنا: ليست هذه وظيفة المحدث٣، وعلى التنزل، فالجواب عنه أنه من جملة الأحاديث التي سيقت في معنى الزجر الشديد والتغليظ ولفظ البراءة وإن كان مستشكلا فقد صحت بمثله أحاديث أخر. ففي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "أنا بريء ممن سلق وحلق وخرق" ٤. فمهما أجيب عنه فهو جوابنا.
стр. 429
٢- ومنها حديث عمر - رضي الله تعالى عنه -: "ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد ... " الحديث.
رواه أحمد قال: حدثنا أبو المغيرة١، ثنا إسماعيل بن عياش ثنا الأوزاعي وغيره عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: ولد لأخي أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ : "سميتموه بأسماء فراعنتكم؟ ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو شر على٢ هذه الأمة من فرعون لقومه"٣.
ورجال إسناده ثقات، وإسماعيل بن عياش، صدوق؛ إنما تكلموا٤ في/ (ر٥٨/أ) حديثه عن غير الشاميين، ولم يعله ابن الجوزي٥ إلا بقول ابن حبان: "هذا خبر باطل، ما قال رسول الله ﷺ هذا ولا عمر ﵁ ولا سعيد ولا الزهري حدث به ولا هو من حديث الأوزاعي [قال] ٦: وكان إسماعيل من الحفاظ المتقنين في حداثته، فلما كبر تغير حفظه
стр. 430
فما حفظه في/ (ب١٢٤) صباه حدث به على جهته، وما حفظ به١ على الكبر من حديث الغرباء خلط فيه٢.
قلت: وليس هذا الحديث مما حفظه إسماعيل من حديث الغرباء بل هو من حديثه عن الشاميين/ (?٦١/ب) وقد قال جمع من الأئمة: إن حديث إسماعيل عن الشاميين قوي وصحح الترمذي٣ وغيره من/ (ي١٠٥) ذلك عدة أحاديث.
على أنه لم ينفرد بهذا.
فقد رواه يعقوب بن سفيان في تاريخه٤ عن محمد بن خالد بن العباس السكسكي٥ قال: ثنا الوليد بن مسلم. ثنا أبو عمرو الأوزاعي، فذكره إلا أنه لم يذكر عمر في إسناده. وزاد قال الأوزاعي: فكانوا يرون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد لفتنة الناس به حين خرجوا عليه فقاتلوه، فانفتحت الفتن على الأمة والهرج.
стр. 431
قلت: وتابع الوليد على إرساله بشر بن بكر١، أخرجه البيهقي في الدلائل عن الحاكم وغيره عن أبي العباس (وهو الأصم) ٢ عن سعيد بن عثمان التنوخي٣ عن (بشر بن بكر) ٤ قال حدثني الزهري فذكره وزاد في المتن غيروا اسمه فسموه عبد الله.
وزاد - أيضا - أنه ولد لأخي أم سلمة ﵂ من أمها. قال البيهقي: "هذا مرسل حسن" وهو كما قال، بل هو على شرط الصحيح لولا إرساله.
وكذا أرسله معمر عن الزهري بسنده في الجزء الثاني من أمالي عبد الرزاق عن معمر٥.
стр. 432
فبان بهذا أن قول ابن حبان: "إن ابن المسيب ما حدث به قط ولا ابن شهاب ما حدث به - أيضا - ولا الأوزاعي" لا يخلو من مجازفة.
وقد صرحت (رواية بشر بن بكر) ١ بسماع الأوزاعي له من الزهري فأمن ما يخشى/ (ب١٢٥) من أن الوليد بن مسلم دلس فيه تدليس التسوية٢.
على أن الأوزاعي لم ينفرد به، فقد رواه الزبيدي عن الزهري مثله. وفي الباب عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها -.
رواه ابن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء٣، عن زينب بنت أم سلمة٤ عن أمها - رضي الله تعالى عنها - قالت/ (?٦٢/أ) : "دخل علي النبي ﷺ وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد، فقال ﷺ : "من هذا؟ " قلت: "الوليد". قال ﷺ : "قد اتخذتم الوليد حنانا ٥ غيروا اسمه، فإنه سيكون في هذه الأمة فرعون يقال له الوليد" ٦.
стр. 433
ورواه محمد بن سلام الجمحي١ عن حماد بن سلمة فذكر نحوه منقطعا.
٣- ومنها: حديث أنس - رضي الله تعالى عنه -: "ما من معمر يعمر في الإسلام/ (ي١٠٦) أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعا من البلاء: الجنون والجذام ... " الحديث.
قال الإمام أحمد٢: ثنا أنس بن عياض٣، قال: ثنا يوسف بن أبي ذرة٤ عن جعفر بن عمرو بن أمية٥ عن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: قال/ (ر٥٨/ب) رسول الله ﷺ : "ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عن ثلاثة أنواع
стр. 434
من البلاء: الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين لين الله عليه الحساب ... " الحديث١.
ورواه أبو يعلى٢ وغيره من حديث أبي ضمرة أنس بن عياض به.
ورواه أحمد٣ - أيضا - عن أبي النضر، عن فرج بن فضالة٤ عن محمد بن عامر عن محمد بن عبد الله عن عمرو بن جعفر عن أنس ﵁ موقوفا٥. وهو معروف بيوسف بن أبي ذرة.
ورواه عنه - أيضا - الحارث بن أبي الزبير النوفلي٦، ويوسف ضعفه يحيى بن معين٧ ولم ينفرد به.
فقد رواه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان٨، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري.
كما رويناه في مسند أبي يعلى٩ رواية ابن المقري/ (ب١٢٦) .
وفي تفسير ابن مردويه - أيضا - من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي عن
стр. 435
محمد بن موسى بن أبي عبيدة الزمعي عن محمد بن/ (?٦٢/ب) عبد الله بن عمرو بن عثمان به.
وما وقع في رواية أحمد الموقوفة عن عمرو بن جعفر وهم من فرج بن فضالة، انقلب اسمه وإنما هو جعفر بن عمرو.
ولم ينفرد به جعفر بن عمرو، فقد رويناه من طريق عبد الواحد بن راشد١ وأبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم٢ وعبيد الله بن أنس٣ وزيد بن أسلم وغيرهم كلهم عن أنس ﵁ –، وفي الباب عن عثمان بن عفان وعبد الله بن أبي بكر الصديق وأبي هريرة ﵃ -٤.
وأجودها إسنادا طريق زيد بن أسلم٥ وقد أوردها البيهقي في كتاب
стр. 436
الزهد له عن الحاكم عن الأصم عن بكر بن سهل عن عبد الله بن محمد بن رمح١ عن عبد الله بن وهب عن حفص بن ميسرة عنه به.
وليس في إسناده من ينظر في أمره إلا بكر بن سهل٢، فقد ضعفه النسائي وقواه غيره. ولم يتهمه/ (ي١٠٧) أحد بالكذب. وقد رويناه من وجه آخر عن حفص بن ميسرة.
وفي الجملة فالحكم على هذا الحديث بالوضع مردود، وقد جمعت أسانيده بطرقها وعللها في الجزء٣ الذي جمعته فيما ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب - غفر الله ذنوبنا كلها بمنه وكرمه.
٤- ومنها: حديث ابن عمر ﵄ في سد الأبواب إلا باب علي - رضي الله تعالى عنه - وهو في المسند من رواية الإمام أحمد، عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن عمرو بن أسيد٤ عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال:
стр. 437
"كنا نقول في زمن رسول الله ﷺ : "رسول الله ﷺ خير الناس ثم أبو بكر ثم عمر - رضي الله تعالى عنهما - ولقد أوتي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ثلاث خصال/ (?٦٣/أ) لأن يكون لي واحدة منهن١ أحب إلي من حمر النعم:
زوجه رسول الله ﵌ ابنته/ (ر٥٩/أ) ، وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر"٢.
стр. 438
ورواته ثقات إلا أن هشام بن سعد١ قد ضعف من قبل حفظه وأخرج له مسلم فحديثه في رتبة الحسن لاسيما مع ما له من الشواهد وقد تبين أنه من رواية أحمد لا من رواية ابنه٢.
وله شاهد من حديث ابن عمر ﵄ أيضا، أورده النسائي في الخصائص٣ بسند صحيح عن أبي إسحاق عن العلاء بن عرار قال: قلت لعبد الله بن عمر ﵄: أخبرني عن علي وعثمان - رضي الله تعالى عنهما - فقال: "أما علي ﵁ فلا تسأل عنه أحدا وانظر إلى منزلته من رسول الله ﷺ ، فإنه سد أبوابنا في المسجد وأقر بابه".
والعلاء٤ وثقه ابن معين.
стр. 439
ورواه ابن أبي عاصم١ من٢ طريق عبيد الله بن عمرو٣ عن زيد بن أبي أنيسة٤ عن أبي إسحاق سألت ابن عمر ﵄ فذكره.
وأما حديث سعد بن مالك في ذلك فهو من رواية أحمد٥ أيضا لا من رواية ابنه، وإسناده حسن - أيضا -.
стр. 440
وأما ادعاء ابن الجوزي أنهما من وضع الرافضة١، فكلامه في/ (ي١٠٨) ذلك دعوة عرية عن البرهان.
وقد أخرج النسائي في خصائص٢ علي ﵁ حديث سعد ﵁، وأخرج فيه أيضا حديث زيد بن أرقم ﵁ بإسناد صحيح٣.
стр. 441
قلت وأخرج أيضا من حديث ابن عباس ﵄ قال: وسد أبواب المسجد غير باب علي ﵁ قال: فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره، في حديث طويل وقد أخرج أحمد في مسنده أيضا هذين الحديثين١.
وكذا أخرجهما الترمذي٢، لكنه قال حديث ابن عباس ﵄ بعد أن أخرجه عن محمد بن حميد٣ عن إبراهيم بن المختار٤ عن شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عنه: غريب لا نعرفه عن شعبة إلا من هذا الوجه.
стр. 442
وتعقبه الحافظ الضياء في المختارة بأن الحاكم١ والطبراني روياه من طريق مسكين بن بكير عن شعبة وهي أصح٢ من طريق الترمذي، ورواية أحمد هي من طريق أبي عوانة عن أبي بلج.
وأبو بلج٣ وثقه يحيى بن معين وأبو حاتم.
وقال البخاري فيه نظر. انتهى.
والحديث الذي أشار إليه من رواية الحاكم رويناه أيضا ... في المجلس الرابع من أمالي أبي جعفر محمد بن عمرو بن البختري٤.
قال ثنا أبو الأصبع القرقساني٥ ثنا أبو جعفر
стр. 443
النفيلي١، ثنا مسكين٢ بن بكير، ثنا شعبة به.
ويشهد له حديث أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال لعلي: "لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنبا غيري وغيرك". رواه الترمذي٣.
ذلك / (ر٥٩/أ) أن بيت علي ﵁ كان مع بيوت النبي ﷺ ، فكان يحتج إلى استطراق المسجد. وشاهد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في أحكام القرآن٤ قال:
стр. 444
ثنا إبراهيم بن حمزة١ ثنا سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن المطلب أن النبي ﷺ - لم يكن أذن لأحد أن يمر بالمسجد ولا يجلس فيه وهو جنب إلا علي بن أبي طالب ﵁؛ لأن بيته كان في المسجد وهذا/ (ي١٠٩) مرسل قوي.
وإذا تقرر ذلك، فهذا هو السبب في استثنائه، ودعوى كون هذا المتن يعارض حديث أبي سعيد: "لا يبقين في/ (ب١٢٩) المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر" المخرج في الصحيحين٢ ممنوعة.
وبيانه أن الجمع ممكن؛ لأن أحدهما فيما يتعلق بالأبواب، وقد بينا سببه، والآخر فيما يتعلق بالخوخ٣، ولا سبب له إلا الاختصاص المحض.
فلا تعارض ولا وضع.
ولو فتح الناس هذا الباب لرد الأحاديث لادعي في [كثير من] ٤ أحاديث الصحيحين البطلان٥، ولكن يأبى الله تعالى ذلك والمؤمنون.
стр. 445
٥- ومنها: حديث بريدة بن الحصيب في فضل مرو١.
وهو حديث تفرد به حفيده سهل بن عبد الله بن بريدة٢.
وتكلم الناس فيه بسببه، ولا يتبين فيه صحة الحكم بالوضع. ثم إنه ليس من أحاديث الأحكام فيطلب المبالغة في التنقيب عنه.
стр. 446
٦- وكذا حديث أنس ﵁ "في فضل عسقلان"١ مشتمل على ترغيب في المرابطة، وليس فيه ولا [في] ٢ الذي قبله ما يحيله الشرع ولا العقل.
وما بقي من الجزء كله سوى حديث عائشة في قصة عبد الرحمن بن عوف٣ - رضي الله تعالى عنه -، والجواب عنه ممكن، لكن كفانا المؤنة شهادة
стр. 447
أحمد بكونه كذباً فقد أبان علته، فلا حرج عليه في إيراده مع بيان علته ولعله مما أمر بالضرب عليه؛ لأن هذه عادته في الأحاديث التي تكون شديدة النكارة يأمر بالضرب عليها من المسند وغيره.
أو يكون مما غفل عنه وذهل؛ لأن الإنسان محل السهو والنسيان والكمال لله تعالى.
وإذا انتهى القول إلى هذا المقام ينبغي أن ينشد هذا الإمام/ (?٦٤/ب)
شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ
من شر أعينهم بعيب واحد
وقد روينا عن العلامة تقي الدين ابن تيمية قال:
"ليس في المسند عن الكذابين المتعمدين شيء/ (ي١٠٩) بل ليس فيه من الدعاة إلى البدع شيء، فإن أريد بالموضوع، ما يتعمد صاحبه الكذب، فأحمد لا يعتمد رواية هؤلاء في "المسند" ومتى وقع منه شيء فيه ذهول أمر بالضرب عليه حال القراءة.
وإن أريد بالموضوع ما يستدل١ على بطلانه/ (ر٦٠/أ) بدليل منفصل فيجوز٢ والله أعلم.
قلت ما حررنا من الكلام على الأحاديث المتقدمة يؤيد صحة هذا التفصيل ولله الحمد.
وقد تحرر من مجموع [ما ذكر] ٣ أن المسند مشتمل على أنواع الحديث لكنه مع مزيد انتقاء وتحرير بالنسبة إلى غيره من الكتب التي لم يلتزم الصحة في جميعها - والله أعلم -.
стр. 448
٤٠- قوله (ص) ١: "السابع: قولهم٢: هذا حديث صحيح الإسناد دون قولهم حديث صحيح؛ لأنه قد يقال: صحيح الإسناد ولا يصح [أي] ٣ المتن لكونه أي الإسناد شاذا أو معللا ... قال: غير أن المصنف المعتمد منهم إذا اقتصر على ذلك ولم يقدح فيه، فالظاهر منه الحكم بأنه صحيح؛ لأن عدم العلة والقادح هو الأصل".
قلت: لا نسلم أن عدم العلة هو الأصل، إذ لو كان هو الأصل ما اشترط عدمه في شرط الصحيح، فإذا كان قولهم: صحيح الإسناد يحتمل أن يكون مع وجود العلة لم يتحقق عدم العلة، فكيف يحكم بالصحة؟
وقوله: إن المصنف المعتمد إذا اقتصر ... الخ يوهم أن التفرقة التي فرقها أولا مختصة٤ بغير المعتمد، وهو كلام ينبو٥ عنه السمع؛ لأن المعتمد هو قول المعتمد وغير المعتمد لا يعتمد.
والذي يظهر لي أن الصواب التفرقة بين/ (?٦٥/أ) من يفرق في وصفه الحديث بالصحة بين التقييد والإطلاق وبين من لا يفرق.
فمن عرف من حاله بالاستقراء٦ التفرقة يحكم له بمقتضى ذلك ويحمل إطلاقه على الإسناد والمتن معا/ (ي١١٠) وتقييده على الإسناد فقط، ومن عرف من حاله أنه لا يصف الحديث دائما وغالبا إلا بالتقييد فيحتمل أن يقال في حقه ما قال المصنف آخرا. والله أعلم.
стр. 449
٤١- قوله (ص) : "الثامن في قول الترمذي وغيره"١. عنى بالغير البخاري فقد وقع ذلك في كلامه.
٢٧- قوله (ع) : "ورد ابن دقيق العيد الجواب الثاني".
(يعني قوله أنه غير مستنكر أن بعض من قال ذلك أراد معناه اللغوي)
بأنه يلزم عليه أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ بأنه حسن. وذلك لا يقوله أحد من المحدثين إذا جروا على اصطلاحهم٢ ... إلى آخر الفصل.
قلت: وهذا الإلزام٣ عجيب؛ لأن ابن الصلاح إنما فرض المسألة حيث يقول القائل حسن صحيح، فحكمه عليه بالصحة يمتنع معه أن يكون موضوعا.
وأما قول الشيخ بعد ذلك: "أن بعض المحدثين أطلق الحسن وأراد به معناه اللغوي دون الاصطلاحي". ثم أورد الحديث الذي ذكره/ (ر٦٠/ب) ابن عبد البر ... إلى آخر كلامه٤ عليه وهو عجيب، فإن ابن دقيق العيد قد/ (ب١٣٢) قيد كلامه بقوله إذا جروا على اصطلاحهم، وهنا لم يجر ابن عبد البر في ذلك الحكم على اصطلاح المحدثين باعترافه بعدم قوة إسناده، فكيف يحسن التعقب٥ بذلك على ابن دقيق العيد.
стр. 450
وأما قول ابن المواق١: "إن الترمذي لم يخص الحسن بصفة تميزه عن الصحيح" وما اعترض به أبو الفتح اليعمري٢ من/ (?٦٥/ب) أنه اشترط في الحسن أن يجيء من غير وجه ولم يشترط ذلك في الصحيح.
قلت: وهو تعقب وارد [ورد] ٣ واضح على زاعم التداخل بين النوعين وكأن ابن المواق فهم التداخل من قول الترمذي: "وأن يكون راويه متهما بالكذب". وذلك ليس بلازم للتداخل فإن الصحيح لا يشترط فيه أن لا يكون متهما بالكذب فقط، بل بانضمام أمر آخر وهو/ (ي١١١) : ثبوت العدالة والضبط بخلاف قسم الحسن الذي عرف به الترمذي.
فبان التباين بينهما.
وأما جواب الشيخ عماد الدين ابن كثير٤ وقول شيخنا أنه تحكم لا دليل عليه. فقد استدل هو عليه فيما وجدته عنه بما حاصله: أن بين الحسن والصحة رتبة متوسطة.
стр. 451
فللقبول ثلاث مراتب:
الصحيح أعلاها، والحسن أدناها.
والثالثة ما يتشرب من كل منهما، فإن كل ما كان فيه شبه١ من شيئين ولم يتمحض لأحدهما اختص برتبة مفردة٢ كقولهم للمز وهو: ما فيه حلاوة وحموضة: هذا حلو حامض.
قلت لكن هذا يقتضي إثبات قسم ثالث ولا قائل به. ثم إنه يلزم عليه أن يكون في/ (ب١٣٣) كتاب الترمذي حديث صحيح إلا النادر؛ لأنه قل ما يعبر إلا بقوله حسن صحيح.
وإذا أردت تحقيق ذلك، فانظر إلى ما حكم به على الأحاديث المخرجة من الصحيحين كيف يقول فيها حسن صحيح غالبا.
وأجاب بعض المتأخرين عن أصل الإشكال بأنه باعتبار صدق الوصفين على الحديث بالنسبة إلى أحوال رواته عند أئمة الحديث، فإذا كان فيهم من يكون حديثه صحيحا عند قوم وحسنا عند قوم يقال فيه ذلك.
ويتعقب هذا/ (?٦٦/أ) بأنه لو أراد ذلك لأتى بالواو التي للجمع فيقول: حسن وصحيح أو أتى بأو التي هي للتخيير أو التردد فقال حسن أو صحيح، ثم إن الذي يتبادر إلى/ (ر٦١/أ) الفهم أن الترمذي إنما يحكم على الحديث بالنسبة إلى ما عنده لا بالنسبة إلى غيره، فهذا يقدح في الجواب، ويتوقف أيضا على اعتبار الأحاديث التي جمع الترمذي فيها بين الوصفين، فإن كان في بعضها ما لا اختلاف فيه عند جميعهم في صحته، فيقدح في الجواب - أيضا - لكن لو سلم هذا
стр. 452
الجواب من التعقيب لكان أقرب إلى المراد من غيره، وإني لأميل إليه وأرتضيه١.
والجواب عما يرد عليه ممكن والله أعلم.
وقيل: يجوز أن يكون مراده أن ذلك باعتبار وصفين مختلفين وهما الإسناد والحكم، فيجوز أن يكون قوله حسن أي باعتبار إسناده، صحيح أي باعتبار حكمه٢، لأنه قبيل المقبول يجوز أن يطلق عليه اسم الصحة.
وهذا يمشي على قول من لا يفرد الحسن من الصحيح، بل يسمي الكل صحيحا، لكن يرد عليه ما أوردناه أولا من أن الترمذي أكثر من الحكم بذلك على الأحاديث الصحيحة الإسناد.
واختار بعض من أدركنا أن اللفظين عنده مترادفان، ويكون إتيانه باللفظ الثاني بعد الأول على سبيل التأكيد. كما يقال صحيح ثابت أو جيد قوي أو غير ذلك.
وهذا قد يقدح فيه القاعدة بأن الحمل على التأسيس خير من الحمل على التأكيد؛ لأن الأصل عدم التأكيد، لكن قد يندفع القدح بوجود القرينة الدالة على ذلك.
وقد وجدنا في عبارة غير واحد كالدارقطني: هذا حديث صحيح ثابت.
وفي الجملة أقوى الأجوبة ما أجاب به ابن/ (?٦٦/ب) دقيق العيد٣، والله أعلم.
стр. 453
٤٢- قوله (ص) : "من أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن"١.
هذا ينبغي أن يقيد به إطلاقه في أول الكلام على نوع الصحيح، وهو قوله: "الحديث ينقسم عند أهله إلى صحيح وحسن وضعيف"٢.
٤٣- قوله (ص) : "وهو الظاهر من تصرف الحاكم، وإليه يومئ في تسميته كتاب الترمذي بالجامع الصحيح"٣.
إنما جعله يومئ إليه؛ لأن ذلك مقتضاه، وذلك أن كتاب الترمذي مشتمل على الأنواع الثلاثة، لكن المقبول فيه هو الصحيح والحسن أكثر من المردود، فحكم للجميع بالصحة بمقتضى الغلبة.
فلو كان ممن يرى التفرقة بين/ (ي١١٣) الصحيح والحسن لكان في حكمه ذلك مخالفا للواقع؛ لأن الصحيح الذي فيه أقل من مجموع الحسن والضعيف/ (ب١٣٥) فلا يعتذر عنه بأنه أراد الغالب، فاقتضى توجيه كلامه أن يقال: إنه لا يرى (ر٦١/ب) التفرقة بين الصحيح والحسن، ليصح ما ادعاه من التسمية.
وقد وجدت في "المستدرك" له إثر حديث أخرجه قال: "أخرجه أبو داود في كتاب السنن الذي هو صحيح على شرطه".
стр. 454
وهذا أيضا محمول على أنه أراد به عدم التفرقة بين الصحيح والحسن، ولم يعتبر الضعيف١ الذي فيه لقلته بالنسبة إلى النوعين.
ومن هنا أجاب بعض المتأخرين عن الإشكال الماضي وهو قول الترمذي "حسن صحيح"، أنه أراد حسن على طريقة من يفرق بين النوعين لقصور رتبة راويه عن درجة الصحة المصطلحة، صحيح على طريقة من لا يفرق. ويرد عليه ما أوردناه فيما سبق٢.
[أكثر أهل الحديث لا يفرقون بين الحسن والصحيح:]
واعلم أن أكثر أهل الحديث لا يفردون الحسن من الصحيح، فمن ذلك ما رويناه عن الحميدي شيخ البخاري قال: "الحديث/ (?٦٧/أ) الذي ثبت عن النبي ﷺ : (وهو) ٣ أن يكون متصلا غير مقطوع معروف الرجال"٤.
وروينا عن محمد بن يحيى الذهلي قال: "ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث المتصل غير المنقطع الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح"٥. فهذا التعريف يشمل الصحيح والحسن معا.
стр. 455
وكذا شرط ابن خزيمة١ وابن حبان٢ في صحيحهما لم يتعرضا فيه لمزيد أمر آخر على ما ذكره الذهلي.
٤٤- قوله (ص) ٣: "أطلق الخطيب والسلفي٤ الصحة على كتاب النسائي".
قلت: وقد أطلق عليه - أيضا - اسم الصحة أبو علي النيسابوري/ (ب١٣٦) ٥. وأبو أحمد بن عدي٦ وأبو الحسن الدارقطني وابن منده وعبد الغني بن سعيد وأبو يعلى الخليلي وغيرهم.
وأطلق الحاكم اسم الصحة عليه وعلى كتابي أبي داود والترمذي٧ كما سبق.
стр. 456
وقال أبو/ (ي١١٤) عبد الله بن مندة: "الذين خرجوا الصحيح أربعة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي".
وأشار إلى مثل ذلك أبو علي ابن السكن١.
وما حكاه ابن الصلاح٢ عن الباوردي أن النسائي يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه، فإنما أراد بذلك إجماعا خاصا.
[طبقات النقاد:]
وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط.
فمن الأولى: شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه.
ومن الثانية: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبد الرحمن.
ومن الثالثة: يحيى بن معين وأحمد، ويحيى أشد من أحمد.
ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري.
وقال النسائي: "لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه".
فأما إذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى القطان/ (ر٦٢/أ) مثلا/ (?٦٧/ب) فإنه لا يترك لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقد. وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه. كالرجال الذين ذكرنا قبل أن أبا داود
стр. 457
يخرج أحاديثهم١ وأمثال من ذكرنا، بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين.
وحكى أبو الفضل بن طاهر/ (ب١٣٧) قال: "سألت سعد بن علي الزنجاني٢ عن رجل فوثقه فقلت له: إن النسائي لم يحتج به فقال: يا بني! إن لأبي عبد الرحمن شرط في الرجال شرط أشد من شرط البخاري ومسلم"٣.
وقال أبو بكر البرقاني الحافظ في جزء له معروف: "هذه أسماء رجال تكلم فيهم النسائي ممن أخرج له الشيخان في صحيحيهما سألت عنهم أبا الحسن الدارقطني فدون كلامه في ذلك"
قال أحمد بن محجوب الرملي: "سمعت النسائي يقول: لما عزمت على جمع السنن استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعت الخيرة على تركهم فنزلت في جملة من الحديث كنت/ (ي١١٥) أعلو فيها عنهم"٤.
وقال الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر٥ شيخ الدارقطني: "من يصبر على ما يصبر عليه النسائي؟ كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث منها بشيء"٦.
стр. 458
قلت وكان عنده عاليا عن قتيبة١ عنه ولم يحدث به لا في السنن ولا في غيرها.
وقال محمد بن معاوية الأحمر٢ الراوي عن النسائي ما معناه قال النسائي: "كتاب السنن كله صحيح وبعضه معلول" إلا أنه لم يبين علته والمنتخب منه المسمى بالمجتبى صحيح/ (?٦٨/أ) كله.
وقال أبو الحسن المعافري٣: "إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما خرجه النسائي أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره".
وقال ابن رشيد٤: "كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا وأحسنها ترصيفا٥ وكأن كتابه جامع بين طريقتي البخاري ومسلم مع حظ كبير من بيان العلل"٦.
وفي الجملة فكتاب النسائي أقل الكتب بعد الصحيحين (حديثا) ٧ ضعيفا ورجلا مجروحا، ويقاربه كتاب أبي داود وكتاب الترمذي ويقابله في
стр. 459
الطرف الآخر كتاب ابن ماجه فإنه تفرد فيه١ بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم مثل حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك٢ والعلاء بن زيدل٣ وداود بن المحبر٤ وعبد الوهاب بن الضحاك٥ وإسماعيل بن زياد السكوني٦ وعبد السلام بن أبي الجنوب٧ وغيرهم.
стр. 460
وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه١ فقال لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما فيه ضعف٢.
فهي حكاية لا تصح لانقطاع إسنادها٣، وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءا منه فيه هذا القدر.
وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة أو ساقطة أو منكرة، ذلك محكي في/ (ي١١٦) كتاب العلل لابن أبي حاتم وكان الحافظ صلاح الدين العلائي يقول: "ينبغي أن يعد كتاب الدارمي سادسا للكتب الخمسة بدل كتاب ابن ماجه فإن قليل الرجال الضعفاء نادر الأحاديث المنكرة والشاذة وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة فهو/ (?٦٨/ب) مع ذلك أولى من كتاب ابن ماجه.
قلت: وبعض أهل العلم لا يعد السادس إلا الموطأ؛ كما صنع رزين السرقسطي٤ وتبعه المجد ابن الأثير٥ في جامع الأصول.