وقال أبو/ (ي١١٤) عبد الله بن مندة: "الذين خرجوا الصحيح أربعة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي".
وأشار إلى مثل ذلك أبو علي ابن السكن١.
وما حكاه ابن الصلاح٢ عن الباوردي أن النسائي يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه، فإنما أراد بذلك إجماعا خاصا.
[طبقات النقاد:]
وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط.
فمن الأولى: شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه.
ومن الثانية: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبد الرحمن.
ومن الثالثة: يحيى بن معين وأحمد، ويحيى أشد من أحمد.
ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري.
وقال النسائي: "لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه".
فأما إذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى القطان/ (ر٦٢/أ) مثلا/ (?٦٧/ب) فإنه لا يترك لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقد. وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه. كالرجال الذين ذكرنا قبل أن أبا داود
стр. 457
يخرج أحاديثهم١ وأمثال من ذكرنا، بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين.
وحكى أبو الفضل بن طاهر/ (ب١٣٧) قال: "سألت سعد بن علي الزنجاني٢ عن رجل فوثقه فقلت له: إن النسائي لم يحتج به فقال: يا بني! إن لأبي عبد الرحمن شرط في الرجال شرط أشد من شرط البخاري ومسلم"٣.
وقال أبو بكر البرقاني الحافظ في جزء له معروف: "هذه أسماء رجال تكلم فيهم النسائي ممن أخرج له الشيخان في صحيحيهما سألت عنهم أبا الحسن الدارقطني فدون كلامه في ذلك"
قال أحمد بن محجوب الرملي: "سمعت النسائي يقول: لما عزمت على جمع السنن استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعت الخيرة على تركهم فنزلت في جملة من الحديث كنت/ (ي١١٥) أعلو فيها عنهم"٤.
وقال الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر٥ شيخ الدارقطني: "من يصبر على ما يصبر عليه النسائي؟ كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث منها بشيء"٦.
стр. 458
قلت وكان عنده عاليا عن قتيبة١ عنه ولم يحدث به لا في السنن ولا في غيرها.
وقال محمد بن معاوية الأحمر٢ الراوي عن النسائي ما معناه قال النسائي: "كتاب السنن كله صحيح وبعضه معلول" إلا أنه لم يبين علته والمنتخب منه المسمى بالمجتبى صحيح/ (?٦٨/أ) كله.
وقال أبو الحسن المعافري٣: "إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما خرجه النسائي أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره".
وقال ابن رشيد٤: "كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا وأحسنها ترصيفا٥ وكأن كتابه جامع بين طريقتي البخاري ومسلم مع حظ كبير من بيان العلل"٦.
وفي الجملة فكتاب النسائي أقل الكتب بعد الصحيحين (حديثا) ٧ ضعيفا ورجلا مجروحا، ويقاربه كتاب أبي داود وكتاب الترمذي ويقابله في
стр. 459
الطرف الآخر كتاب ابن ماجه فإنه تفرد فيه١ بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم مثل حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك٢ والعلاء بن زيدل٣ وداود بن المحبر٤ وعبد الوهاب بن الضحاك٥ وإسماعيل بن زياد السكوني٦ وعبد السلام بن أبي الجنوب٧ وغيرهم.
стр. 460
وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه١ فقال لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما فيه ضعف٢.
فهي حكاية لا تصح لانقطاع إسنادها٣، وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءا منه فيه هذا القدر.
وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة أو ساقطة أو منكرة، ذلك محكي في/ (ي١١٦) كتاب العلل لابن أبي حاتم وكان الحافظ صلاح الدين العلائي يقول: "ينبغي أن يعد كتاب الدارمي سادسا للكتب الخمسة بدل كتاب ابن ماجه فإن قليل الرجال الضعفاء نادر الأحاديث المنكرة والشاذة وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة فهو/ (?٦٨/ب) مع ذلك أولى من كتاب ابن ماجه.
قلت: وبعض أهل العلم لا يعد السادس إلا الموطأ؛ كما صنع رزين السرقسطي٤ وتبعه المجد ابن الأثير٥ في جامع الأصول.
стр. 461
[أول من أضاف ابن ماجه إلى الأصول:]
وكذا غيره. وحكى ابن عساكر١ أن أول من أضاف كتاب ابن ماجه إلى الأصول أبو الفضل ابن طاهر، وهو كما قال؛ فإنه عمل أطرافه معها وصنف جزء آخر في شروط الأئمة الستة فعده منهم، ثم عمل الحافظ عبد الغني٢ كتاب الكمال في أسماء الرجال الذي هذبه الحافظ أبو الحجاج المزي فذكره فيهم.
وإنما عدل ابن طاهر ومن تبعه عن عد الموطأ إلى عد ابن ماجه لكون زيادات الموطأ على الكتب الخمسة من الأحاديث المرفوعة يسيرة جدا بخلاف ابن ماجه، فإن زياداته أضعاف زيادات الموطأ فأرادوا بضمّ كتاب ابن ماجه الخمسة تكثير الأحاديث المرفوعة والله أعلم.
ومن هنا يتبين ضعف طريقة من صنف في الأحكام بحذف الأسانيد المذكورة، كأبي البركات ابن تيمية٣، فإنهم يخرجون الحديث منها ويعزونه إليها من غير بيان صحته أو ضعفه.
وأعجب من ذلك أن الحديث يكون في الترمذي وقد ذكر علته فيخرجونه
стр. 462
منه مقتصرين على قولهم رواه الترمذي، معرضين عما ذكر من علته. وقد تبع أبو الحسن ابن القطان١ الأحاديث التي/ (ر٦٣/أ) سكت عبد الحق٢ في أحكامه عن ذكر عللها بما فيه مقنع. وهو وإن كان قد تعنت في كثير منه فهو مع ذلك جم الفائدة والله سبحانه الموفق.
٢٨- قوله (ع) / (ي١١٧) : "وإنما قال السلفي: "والحكم بصحة أصولها ولا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحا"٣.
قلت:/ (?٦٩/أ) وحاصله توهيم ابن الصلاح في نقله لكلام السلفي وهو في ذلك تابع للعلامة مغلطاي، وما تضمنه من الإنكار ليس بجيد إذ العبارتان جميعا موجودتان في الكلام السلفي، لكن ما نقله مغلطاي وتبعه شيخنا سابق"٤.
ثم عاد السلفي وقال: "ما نقله ابن الصلاح عنه بزيادة"، ولفظه "وأما السنن" فكتاب له صدر في الآفاق ولا نرى مثله على الإطلاق وهو أحد الكتب الخمسة التي اتفق على صحتها علماء الشرق والغرب والمخالفين٥ لهم كالمتخلفين عنهم بدار الحرب إذ كل من رد ما صح عن رسول الله ﷺ ولم يتلقه بالقبول قد ضل وغوى إذ كان ﷺ لا ينطق عن الهوى٦.
стр. 463
وإذا تقرر هذا ينبغي حمل كلام السلفي على نحو ما حملنا عليه كلام الحاكم١. وقد سبق إلى نحو ذلك الشيخ محي الدين فقال إثر كلام السلفي: "مراده بهذا أن معظم الكتب الثلاثة يحتج به أي صالح لأن يحتج به لئلا يرد على إطلاق عبارته المنسوخ أو المرجوح عند المعارضة والله أعلم.
تنبيه:
السلفي بكسر السين نسبة إلى جده وهو لقب له.
قال منصور بن سليم الحافظ٢: "كانت إحدى شفتيه عريضة مفروقة فكان له ثلاث شفاه، فقيل له بالفارسية "سي لبه" أي ثلاث شفات٣، ثم عرب فقيل له: سلفة. ووهم أبو محمد بن حوط الله٤ وهما شنيعا فقال في فهرسته: هو منسوب إلى سلفة قرية من قرى أصبهان".
وكذا رأيته في فهرست ابن باشكوال٥ نقلا عن بعض مشايخه ﵀ عليهم.
стр. 464
خاتمة:
للكلام على الحديث الصحيح والحسن.
قد قررنا أنهما في حيز القبول، وقد وجدنا في عبارة جماعة من أهل/ (?٦٩/ب) الحديث ألفاظا يوردونها في مقام القبول ينبغي الكلام عليها وهي:
الثابت والجيد والقوي والمقبول والصالح وسنستوفي الكلام على/ (ي١١٨) هذه الأنواع في آخر الكتاب إن شاء الله كما وعدنا في الخطبة -والله أعلم -١.
стр. 465
النوع الثالث: الضعيف / (ر٦٣/ب)
٤٥- قوله (ص) : "كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحسن فهو الضعيف"١.
اعترض عليه بأنه لو اقتصر على نفي صفات الحسن لكان أخصر؛ لأن نفي صفات الحسن مستلزم لنفي٢ صفات الصحيح وزيادة، وأجاب بعض من عاصرناه٣ بأن مقام التعريف يقتضي ذلك؛ إذ٤ لا يلزم من عدم وجود وصف الحسن عدم وجود وصف الصحيح؛ إذ الصحيح بشرطه السابق لا يسمى حسنا، فالترديد متعين، قال: ونظيره قول النحوي إذا عرف الحرف بعد تعريف الاسم والفعل: الحرف ما لا يقبل شيئا من علامات الاسم ولا علامات الفعل. انتهى.
وأقول: والتنظير٥ غير مطابق؛ لأنه ليس بين الاسم والفعل والحرف عموم ولا خصوص بخلاف الصحيح والحسن، فقد قررنا فيما مضى أن بينهما عموما وخصوصا، وأنه يمكن اجتماعهما وانفراد كل منهما بخلاف الاسم والفعل والحرف.
стр. 466
والحق أن كلام المصنف معترض؛ وذلك أن كلامه يعطي أن الحديث حيث ينعدم فيه صفة من صفات الصحيح يسمى ضعيفا، وليس كذلك؛ لأن تمام الضبط مثلا إذا تخلف صدق أن صفات الصحيح لم تجتمع، ويسمى الحديث الذي اجتمعت فيه الصفات سواه حسنا لا ضعيفا.
[تعريف الحافظ للضعيف:]
وما/ (?٧٠/أ) من صفة من صفات الحسن إلا وهي إذا انعدمت كان الحديث ضعيفا، ولو عبر بقوله: [كل] ١ حديث لم تجتمع فيه صفات القبول لكان أسلم من الاعتراض وأخصر - والله أعلم -.
٤٦- قوله (ص) : "وأطنب أبو حاتم ابن حبان في تقسيمه ... " إلى آخره٢.
أقول: لم أقف على كلام ابن حبان في ذلك.
وتجاسر بعض من عاصرناه فقال: هو في أول كتابه في الضعفاء ولم يصب ذلك، فإن الذي قسمه ابن حبان في مقدمة كتاب الضعفاء له تقسيم الأسباب الموجبة/ (ي١١٩) لتضعيف الرواة، لا تقسيم الحديث الضعيف، ثم أنه أبلغ الأسباب المذكورة عشرين قسما٣ لا تسعة وأربعين، والحاصل (أن الموضع) ٤ الذي ذكر ابن حبان فيه ذلك ما عرفنا مظنته والله الموفق.
٤٧- قوله (ص) : " وسبيل من أراد البسط أن يعمد إلى صفة/ (ب١٤٣) معينة ... " إلى آخره٥.
стр. 467
أقول: شرح هذا شيخنا في شرح منظومته١، ولم يعترض له هنا فرأيت الإشارة إلى ذلك هنا.
[صفات القبول:]
قال ﵁: "صفات القبول ستة:
١- اتصال السند/ (ر٦٧/أ) .
٢- وعدالة الرجال.
٣- والسلامة من كثرة الخطأ والغفلة.
قلت: بل التعبير هنا باشتراط الضبط أولى. انتهى.
٤- قال: ومجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور لم تعرف أهليته وليس متهما كثير الغلط.
قلت: وكذا إذا كان فيه ضعيف بسبب سوء الحفظ، أو كان في الإسناد انقطاع خفيف أو خفي، أو كان مرسلا. كما قررنا ذلك في الكلام على الحسن المجبور. انتهى.
٥- قال: والسلامة من الشذوذ.
٦- والسلامة من العلة القادحة".
قلت: وتلخيص التقسيم المطلوب أن فقد الأوصاف راجع/ (?٧٠) إلى ما في راويه طعن أو في سنده سقط، فالسقط إما أن يكون في أوله أو في آخره أو في
стр. 468
أثنائه، ويدخل تحت ذلك المرسل والمعلق والمدلس والمنقطع والمعضل، وكل واحد من هذه إذا انضم إليه وصفا من أوصاف الطعن وهي: تكذيب الراوي أو تهمته بذلك أو فحش غلطه أو مخالفته أو بدعته أو جهالة عينه أو جهالة حاله فباعتبار ذلك يخرج منه أقسام كثيرة مع الاحتراز من التداخل المفضي إلى التكرار، فإذا فقد ثلاثة أوصاف من مجموع ما ذكر حصلت منها أقسام أخرى مع الاحتراز مما ذكر، ثم إذا فقد أربعة أوصاف، فكذلك ثم كذلك إلى آخره، فكل ما عدمت فيه صفة واحدة يكون أخف مما عدمت فيه صفتان بشرط أن لا تكون الصفة المتقدمة/ (ي١٢٠) قد جبرتها صفة قوية، وهكذا إلى أن ينتهي الحديث إلى درجة الموضوع المختلق بأن تنعدم فيه شروط القبول، ويوجد فيه ما يشترط انعدامه من جميع أسباب الطعن والسقط.
لكن قال شيخنا: إنه لا يلزم من ذلك ثبوت الحكم بالوضع وهو متجه، لكن مدار الحكم في الأنواع على غلبة الظن، وهي موجودة هنا - والله أعلم -.
تنبيهات:
الأول: قولهم ضعيف الإسناد أسهل من قولهم ضعيف. على ما تقدم في قولهم صحيح الإسناد وصحيح، ولا فرق.
الثاني: من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فإنه يقبل حتى يجب العمل به.
وقد صرح بذلك جماعة من أئمة١ الأصول.
ومن أمثلته قول الشافعي ﵁: "وما قلت من أنه إذا غير طعم الماء وريحه ولونه يروى عن النبي
стр. 469
- ﷺ -من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله١، ولكنه قول العامة لا أعلم بينهم فيه خلافا".
وقال في حديث: "لا وصية لوارث": "لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخا لآية الوصية للوارث"٢.
[أوهى الأسانيد:]
الثالث: لم يتعرض المصنف للكلام على أوهى الأسانيد كما تكلم على أصح/ (ر٦٤/ب) الأسانيد، مع أن الحاكم قد ذكر الفصلين معا٣، وتبعه/ (ب١٤٥) أبو نعيم فيما خرجه على كتابه والأستاذ أبو منصور البغدادي، وأورده تقي الدين القشيري في الاقتراح٤ وغير واحد ممن تأخر عنه٥، وليس هو عريا عن
стр. 470
الفائدة، بل يستفاد من معرفته ترجيح بعض الأسانيد على بعض وتمييز ما يصلح للاعتبار مما لا يصلح.
قال الحاكم: "أوهى أسانيد الصديق ﵁: صدقة الدقيقي١ عن فرقد السبخي٢ عن مرة الطيب٣ عن أبي بكر ﵁.
وأوهى أسانيد العمريين: محمد بن القاسم بن عبد الله بن عمر عن حفص بن عاصم٤ بن عمر٥ عن أبيه٦ عن جده٧، فإن محمدا والقاسم وعبد الله لم يحتج بهم.
стр. 471
وأوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمر١ عن جابر الجعفي٢ عن الحارث الأعور٣ عن علي - رضي الله تعالى عنه -.
(وأوهى/ (ي١٢١) أسانيد أبي هريرة ﵁: السري بن إسماعيل٤ عن داود بن يزيد الأودي٥ عن أبيه عن أبي هريرة ﵁) ٦.
وأوهى أسانيد عائشة - رضي الله تعالى عنها -: الحارث بن شبل٧ عن أم النعمان عن عائشة ﵂.
وأوهى أسانيد ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: شريك٨ عن
стр. 472
أبي فزارة١ عن أبي زيد٢ عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -.
(وأوهى أسانيد أنس ﵁: داود بن المحبر بن قحذم٣ عن أبيه٤ عن أبان ٥ عن أنس ﵁) ٦ وأوهى أسانيد المكيين: عبد الله بن ميمون القداح٧ عن شهاب بن خراش٨ عن إبراهيم بن يزيد الخوزي٩ عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -.
وأوهى أسانيد اليمانيين: حفص بن عمر العدني١٠ عن الحكم بن أبان١١ عن عكرمة عن بن عباس ﵄
стр. 473
وأوهى أسانيد المصريين: أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد١ عن أبيه٢ عن جده٣ عن قرة بن عبد الرحمن٤ عن شيوخه.
وأوهى أسانيد الشاميين: محمد بن سعيد المصلوب٥، عن عبيد الله بن
стр. 474
زحر١ عن علي بن زيد٢ عن القاسم٣ عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه -.
وأوهى أسانيد الخراسانيين: عبد الله بن عبد الرحمن بن مليحة٤ وإبراهيم عن نهشل بن سعيد٥ عن الضحاك٦ عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -.
قلت: وهذا٧ الذي ذكره الحاكم وتبعه من ذكر عليه غالبه لا تنتهي نسخته إلى الوصف بالوضع، وإنما هو بالنسبة إلى اشتمال٨ الترجمة على اثنين فأزيد من الضعفاء.
стр. 475
ووراء هذه التراجم نسخ كثيرة موضوعة هي أولى بإطلاق أوهى الأسانيد كنسخة أبي هدبة إبراهيم بن هدبة١ ونعيم بن سالم بن قنبر٢ ودينار أبي مكيس٣ وسمعان٤ وغير هؤولاء من الشيوخ المتهمين بالوضع كلهم عن أنس - رضي الله تعالى عنه -. ونسخة يرويها بقية٥ عن مبشر بن عبيد٦ عن حجاج بن أرطاة٧ عن الشيوخ ومبشر/ (٦٥/أ) متهم بالكذب والوضع.
ونسخة رواها إبراهيم بن عمرو بن بكر السكسكي٨ عن أبيه٩ عن
стр. 476
عبد العزيز بن أبي رواد١ عن نافع عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه - وإبراهيم متهم بالوضع/ (?٧٢/أ) وأبوه/ (ي١٢٢) متروك الحديث.
ونسخة رواها أبو سعيد٢ أبان بن جعفر البصري أوردها كلها من حديث أبي حنيفة وهي نحو ثلاثمائة حديث، ما حدث أبو حنيفة منها بحديث، وفي سردها كثرة.
ومن أراد استيفاءها فليطالع كتابي لسان الميزان٣ الذي اختصرت فيه كتاب الذهبي في أحوال الرواة المتكلم فيهم وزدت فيه تحريرا وتراجم على شرطه - والله الموفق -.
стр. 477
٤٨- قوله (ص) : "وهلم جرا"١.
قرأت بخط أبي يعقوب النجيرمي: أن أصله مأخوذ من سوق الإبل (يعني سيروا على هينتكم لا تجهدوا أنفسكم) أخذا من الجر في السوق وهو أن تترك الإبل ترعى في السير.
[إعراب هلم جرا:]
أما إعرابها فقال ابن الأنباري٢: في نصبه ثلاثة أوجه:
الأول: هو مصدر في موضع الحال أي هلم جارين أي متأنين كقولهم: جاء عبد الله مشيا وأقبل ركضا.
والثاني: هو مصدر على بابه لأن هلم جرا [بمعنى] ٣ جروا جرا.
والثالث: أنه منصوب على التمييز.
قال: ويقال للرجل: هلم جرا وللرجلين هلما جرا وللجمع هلموا جر. والاختيار الإفراد في الجميع؛ لأن هلم ليست [فعلا] ٤ تتصرف، وبه جاء القرآن في قوله ﵎: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ٥.
стр. 478
٤٩- قوله (ص) ١: "والملحوظ فيما نورده (أي فيما يأتي) عموم أنواع علوم الحديث لا خصوص٢ أنواع التقسيم الذي فرغنا منه الآن".
وهذا جواب عن سؤال مقدر وهو أنه ذكر في أول الكتاب أن الحديث ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ثم سمى الأقسام الثلاثة أنواعا، ثم ذكر بعد ذلك أشياء أخر سماها أنواعا، فأين صحة دعوى الحصر في الثلاثة٣.
والجواب: بأن هذه الأنواع التي يذكرها بعد٤ الثلاثة المراد/ (?٧٢/ب) بها أنواع علم الحديث لا أنواع أقسام الحديث.
وحاصله: أن الأنواع في الحقيقة ترجع/ (ر٦٥/ب) إلى تلك الثلاثة:
منها ما يرجع إلى أحدها.
ومنها ما يرجع إلى المجموع وذلك واضح - والله أعلم -.
стр. 479
النوع الرابع: المسند
...
النوع / (ي١٢٣) الرابع: المسند
٢٩- قوله (ع) : "وإنما حكى (يعني ابن الصلاح) كلام الخطيب، ثم قال: وأكثر ما يستعمل في ذلك ... "١ إلى آخر كلامه.
أقول: مقتضاه أن يكون في السياق إدراجا، وعند التأمل يتبين أن الأمر بخلاف ذلك؛ لأن ابن الصلاح لم ينقل عبارة الخطيب بلفظها.
وبيان ذلك أن الخطيب قال في الكفاية: "وصفهم للحديث بأنه مسند يريدون أن إسناده متصل بين راويه وبين من أسند عنه، إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النبي ﷺ "٢. انتهى
فذكر [هذا] ٣ كله ابن الصلاح بالمعنى.
وقوله: "وأكثر ما يستعمل ذلك فيما جاء عن النبي ﷺ دون ما جاء عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -".
هو معنى قول الخطيب: "إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النبي ﷺ خاصة"٤.
стр. 480
[المسند عند الخطيب:]
فالحاصل أن المسند عند الخطيب ينظر فيه إلى ما يتعلق بالسند فيشترط فيه الاتصال، وإلى ما يتعلق بالمتن فلا يشترط فيه الرفع إلا من حيث الأغلب في الاستعمال، فمن لازم ذلك أن الموقوف إذا اتصل سنده يسمى مسندا، ففي الحقيقة لا فرق عند الخطيب بين المسند والمتصل إلا في غلبة الاستعمال فقط.
[المرسل عند ابن عبد البر:]
وأما ابن عبد البر فلا فرق عنده بين المسند والمرفوع مطلقا١ فيلزم على قوله أن يتحد المرسل والمسند٢.
وهو مخالف للمستفيض من عمل أئمة الحديث في مقابلتهم بين المرسل والمسند، فيقولون: "أسنده فلان وأرسله فلان".
وأما الحاكم وغيره ففرقوا بين المسند والمتصل والمرفوع، بأن المرفوع ينظر إلى حال المتن مع قطع النظر عن الإسناد، فحيث/ (ب١٤٩) صح إضافته إلى النبي- ﷺ -كان مرفوعا سواء اتصل سنده أم لا.
ومقابله المتصل؛ فإنه ينظر إلى حال السند مع قطع النظر عن المتن سواء كان مرفوعا أو موقوفا.
стр. 481
وأما المسند فينظر فيه/ (ي١٢٤) إلى الحالين معا، فيجتمع شرطا١ الاتصال والرفع، فيكون بينه وبين كل من الرفع والاتصال عموم وخصوص مطلق، فكل مسند مرفوع وكل مسند متصل ولا عكس فيهما.
على هذا رأي الحاكم وبه جزم أبو عمرو الداني٢، وأبو الحسن ابن الحصار٣ في (المدارك) له والشيخ تقي الدين في الاقتراح والذي يظهر لي بالاستقراء من كلام أئمة الحديث وتصرفهم أن المسند عندهم ما أضافه من سمع النبي- ﷺ [إليه] ٤ بسند ظاهره الاتصال.
[تعريف المسند:]
فمن سمع أعم من أن يكون صحابيا أو تحمل كفره وأسلم بعد النبي ﷺ .
[لكنه يخرج] ٥ من لم يسمع كالمرسل (والمعضل) ٦.
стр. 482
وبسند يخرج ما كان بلا سند.
كقول القائل من المصنفين قال رسول الله- ﷺ -فإن هذا من قبيل المعلق، وظهور الاتصال يخرج المنقطع، لكن يدخل منه ما فيه انقطاع خفي كعنعنة المدلس والنوع المسمى بالمرسل الخفي فلا يخرج ذلك عن كون الحديث يسمى مسندا ومن تأمل مصنفات الأئمة في المسانيد لم يرها تخرج عن اعتبار هذه الأمور.
وقد راجعت كلام الحاكم بعد هذا فوجدت/ (?٧٣/ب) عبارته: "والمسند ما رواه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه (لسن يحتمله) ١ وكذا سماع شيخه من شيخه متصلا إلى صحابي [مشهور] ٢ إلى رسول الله ﷺ -٣، فلم يشترط حقيقة الاتصال٤ بل اكتفى بظهور ذلك. كما قلته تفقها، والحمد لله.
وبهذا يتبين الفرق بين الأنواع وتحصل السلامة من تداخلها واتحادها إذ الأصل عدم الترادف والاشتراك، والله أعلم٥.
وأمثلة هذا في تصرفهم كثيرة من ذلك:
قل ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن خالد بن كثير يروي عن النبي صلى
стр. 483
الله عليه وسلم؟ " فقال: "ليست له صحبة". قال: فقلت: "إن أحمد بن سنان أخرج حديثه في المسند". فقال [أبي] ١: "خالد بن كثير من أتباع التابعين، فكيف يخرج حديثه في المسند؟ ".
وقال البيهقي عقب حديث رواه من طريق عبد الرزاق عن ابن عن عطاء عن النبي ﷺ – "هذا حديث غير مسند".
стр. 484
النوع الخامس: المتصل
٥٠- قوله (ص) : "ويقال له: الموصول"١.
قلت: ويقال له المؤتصل - بالفك والهمز -.
وهي عبارة الشافعي في الأم في مواضع٢.
وقال ابن الحاجب في التصريف له: "هي لغة الشافعي وهي عبارة عن ما سمعه كل راو من شيخه في سياق الإسناد من أوله إلى منتهاه". فهو أعم من المرفوع، كما قررناه وسيأتي شرح صيغ ذلك إن شاء الله تعالى.
تنبيه:
اعلم أن الشيخ أول ما ذكر ما ينظر فيه إلى الإسناد والمتن معا وهو المسند، ثم تلاه بما ينظر فيه/ (ر٦٦/ب) إلى الإسناد فقط وهو الاتصال فكان ينبغي أن يتلوه بما ينظر فيه إلى الإسناد فقط أيضا وهو الانقطاع، ولكنه كما قلنا غير مرة إنه لم يراعي فيه تحسين/ (ب١٥١) الترتيب.
стр. 485
النوع السادس: المرفوع
٥١- قوله (ص) ١: "هو والمسند عند قوم سواء".
يعني ابن عبد البر كما تقدم في الكلام على المسند فكان ينبغي أن يذكر نظير هذا في المتصل ولا فرق.
٥٢- قوله (ص) ٢: حكاية عن الخطيب: "المرفوع: ما أخبر في الصحابي عن قول النبي- ﷺ -وفعله٣" فخصه بالصحابة ﵃، فيخرج عنه مرسل التابعي عن النبي ﷺ .
قلت: يجوز أن يكون الخطيب أورد ذلك على سبيل المثال لا على سبيل التقييد فلا يخرج عنه شيء، وعلى تقدير أن يكون أراد جعل ذلك قيدا فالذي يخرج عنه أعم من مرسل التابعي، بل يكون كل ما أضيف إلى النبي ﷺ لا يسمى مرفوعا إلا إذا ذكر فيه الصحابي ﵁.
والحق خلاف ذلك بل الرفع كما قررناه إنما ينظر فيه إلى المتن دون الإسناد، - والله أعلم -.
стр. 486
النوع السابع: الموقوف
٥٣- قوله/ (ي١٢٦) (ص) : "وهو ما يروى عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من أقوالهم وأفعالهم"١.
أما أقوالهم فالمراد به هنا ما خلت٢ عن قرينة تدل على أن حكم ذلك الرفع كما سيأتي.
وأما أفعالهم المجردة فهل تكون أحكاما عند من يحتج بقول الصحابي ﵁ أم لا؟ فيه نظر، ثم إنه سكت عما يعمل أو يقال بحضرتهم فلا ينكرونه والحكم فيه أنه إذا نقل في مثل ذلك حضور أهل الإجماع فيكون نقلا للإجماع، وإن لم يكن فإن خلا عن سبب مانع من/ (ب١٥٢) السكوت والإنكار فحكمه حكم الموقوف، والله أعلم.
تنبيه:
شرط الحاكم٣ في الموقوف أن يكون إسناده غير منقطع إلى الصحابي ﵁/ (?٧٤/ب) وهو شرط لم يوافقه عليه أحد والله أعلم.
стр. 487
٥٤- قوله (ص) : "وموجود في اصطلاح الفقهاء الخرسانيين تعريف الموقوف باسم الأثر"١.
[ما المراد بالأثر:]
هذا قد وجد في عبارة الشافعي ﵁ في مواضع٢. والأثر في الأصل العلامة والبقية والرواية ونقل النووي عن أهل الحديث أنهم يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف معا٣.
ويؤيده تسمية أبي جعفر الطبري كتابه (تهذيب الآثار) وهو مقصور/ (ر٦٧/أ) على المرفوعات وإنما يورد فيه الموقوفات تبعا.
وأما كتاب (شرح معاني الآثار) للطحاوي فمشتمل على المرفوع والموقوف - أيضا - والله تعالى الموفق.
стр. 488
المجلد الثاني
تابع الباب الرابع (النص المحقق)
النوع الثامن: المقطوع
...
النوع الثامن: المقطوع
٥٥- قوله (ص) : "يقال- في جمعه -: المقاطيع والمقاطع"١.
(يعني كالمسانيد والمساند) .
والمنقول عن جمهور البصريين من النحاة إثبات الياء جزما وعن الكوفيين والجرمي من البصريين تجويز إسقاطها واختاره ابن مالك.
وذكر الخطيب أن الفائدة في كتابة المقاطيع ليختير المجتهد من أقوالهم ولا يخرج عن جملتهم - والله أعلم -.
٥٦- قوله (ص) : "وغيرهما"٢ عنى به الدارقطني والحميدي.
فقد وجد التعبير في كلاهما بالمقطوع/ (ي١٢٧) في مقام المنقطع٣.
وأفاد شيخنا في منظومته ٤ أنه وجد التعبير بالمنقطع (في كلام البرديجي) ٥ في مقام المقطوع على عكس الأول، وسيأتي نقل المصنف لذلك مبها لقائله - والله أعلم -.
стр. 489
٥٧- قوله (ص) : "قول الصحابي ﵁: كنا نفعل"١ إلى آخره.
حاصل كلام حكاية قولين:
أحدهما: أنه موقفا جزما.
وثانيهما: التفصيل بين أن يضيفه إلى زمن النبي ﷺ فيكون/ (?٧٥/أ) مرفوعا. وبه صرح الجمهور ٢
ويدل عليه احتجاج أبي سعيد الخدري ﵁ على جواز العزل بفعلهم له في زمن نزول الوحي فقال: "كنا نعزل والقرآن ينزل لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن"٣.
وهو الاستدلال واضح، لأن الزمان كان زمان التشريع.
وإن لم يضفه إلى زمنه فموقوف.
[مذاهب العلماء في قول الصحابي كنا نفعل كذا:]
وأهمل المصنف مذاهب:
الأول: أنه مرفوع مطلقا وقد حكاه شيخنا ٤ وهو الذي اعتمده الشيخان في صحيحيهما وأكثر منه البخاري.
стр. 490
الثاني: التفصيل بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالبا فيكون مرفوعا أو يخفى فيكون موقوفا.
وبه ١ قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ٢.
وزاد ابن السمعاني في كتب القواطع ٣ فقال: "إذا قال الصحابي: كانوا يفعلون كذا وأضافه إلى عصر النبي ﷺ وكان مما لا يخفى مثله، فيحمل على تقرير النبي ﷺ ويكونا شرعا".
وإن كان مثله يخفى فإن تكرر منهم حمل أيضا - على تقريره لأن الأغلب فيما يكثر أنه لا يخفى - والله أعلم -.
الثالث: إن أورده الصحابي في معرض الحجة حمل على الرفع وإلا فموقوف حكاه القرطبي ٤.
قلت: وينقدح أن يقال إن كان قائل "كنا نفعل"/ (ب١٥٤) أهل الاجتهاد احتمل أن يكون موقوفا وإلا فهو مرفوعا ولم أر من صرح بنقله.
قلت: ومع كونه موقوفا فهل هو من قبيل نقل الإجماع أو لا؟ فيه خلاف مذكور في الأصول جزم بعضهم بأنه إن كان في اللفظ ما يشعر به مثل: كان الناس يفعلون كذا فمن قبيل نقل الإجماع وإلا فلا.
стр. 491
تنبيهات:
الأول: قول الصحابي ﵁ كنا/ (ي١٢٨) نرى كذا - ينقدح فيها١ من الاحتمال أكثر مما ينقدح في قوله/ (?٧٥/ب) كنا نقول أو نفعل لأنها٢ من الرأي ومستنده قد يكون تنصيصا ٣ أو استنباطا.
الثاني: قوله: كان يقال: كذا.
قال الحافظ المنذري: اختلفوا هل يلتحق بالمرفوع أو الموقوف؟
قال: والجمهور على أنه إذا أضافه إلى زمن النبي ﷺ يكون مرفوعا.
قلت: ومما يؤيد أن حكمها الرفع مطلقا ما رواه النسائي ٤ من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال:
"كان يقال: صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر".
فإن٥ ابن ماجه ٦ رواه من الوجه الذي أخرجه منه النسائي بلفظ "قال رسول الله ﷺ ".
стр. 492
فدل على أنها عندهم من صيغ الرفع - والله أعلم -.
الثالث: لا يختص جميع ما تقدم بالإثبات، بل يلتحق به النفي كقولهم: كانوا لا يفعلون كذا. ومنه قول عائشة ﵂ "كانوا لا يقطعون اليد في الشيء التافه" - والله أعلم -.
٥٨- قوله (ص) ١: "وذكر الخطيب نحو ذلك في جامعه (يعني حديث المغيرة بن شعبة ﵁) كان أصحاب رسول الله ﷺ / (ب ١٥٥) يقرعون بابه بالأظافير".
اعترض عليه مغلطاي، بأن الخطيب، إنما رواه من حديث أنس بن مالك ﵁.
قلت: وهو اعتراض ساقط، لأن المصنف إنما قصد أن الحاكم٢ والخطيب ٣ ذكرا أن ذلك من قبيل الموقوف، وإن ذكر النبي ﷺ فيه/ (ر ٦٨/أ) .
стр. 493
وقد حقق المصنف المناط فيه بما حاصله: أن له جهتين:
أ - جهة الفعل وهو صادر من الصحابة ﵃ فيكون موقوفا.
ب - وجهة التقرير وهي مضافة إلى النبي ﷺ من حيث أن فائدة قرع هـ ٧٦/أبابه أنه يعلم أنه قرع.
ومن لازم علمه بكونه قرع مع عدم إنكار ذلك على فاعله - التقرير على ذلك الفعل فيكون مرفوعا.
لكن يخدش في كلام المصنف أنه/ (ي ١٢٩) يلزمه أن يكون جميع قسم التقرير أن يسمى موقوفا، لأن فاعله غير النبي ﷺ قطعا وإلا فما اختصاص حديث القرع بهذا الإطلاق١؟
تنبيه:
الظاهر أنهم إنما كانوا يقرعونه بالأظافير تأدبا وإجلالا.
стр. 494
وقيل: إن بابه لم يكن له حلق يطرق بها قاله السهيلي١. والأول أولى - والله أعلم -.
٥٩- قوله (ص) ٢: "وخالف في ذلك فريق منهم: الإسماعيلي" (يعني في كون قول الصحابي ﵁ أمرنا بكذا ونحوه مرفوعا) .
قلت: من الفريق المذكور أبو الحسن الكرخي ٣ من الحنفية.
وعلل ذلك بأنه متردد بين كونه مضافا إلى النبي ﷺ أو إلى أمر القرآن أو الأمة أو بعض الأئمة أو القياس أو الاستنباط ٤ وسوغ٥ إضافته إلى صاحب الشرع بناء على أن القياس مأمور باتباعه/ (ب ١٥٦) من الشارع. قال: وهذه الاحتمالات تمنع كونه مرفوعا.
وأجيب بأن هذه الاحتمالات بعيدة، لأن أمر الكتاب ظاهر للكل فلا يختص بمعرفته الواحد دون غيره.
وعلى التقدير التنزل فهو مرفوع، لأن الصحابي وغيره إنما تلقوه من النبي ﷺ .
стр. 495
وأمر الامة لا يمكن الحمل عليه لأنهم لا يأمرون أنفسهم.
وبعض الأئمة إن أراد الصحابة فبعيد، لأن قوله ليس بحجة ١ على غيره منهم٢.
وإن أراد من الخلفاء فكذلك، لأن الصحابي في مقام تعريف الشرع بهذا الكلام فيجب/ (? ٧٦/ب) حمله على من صدر عنه الشرع.
قلت: إلا أن يكون قائل ذلك ليس مجتهدي الصحابة فيحتمل أن يريد بالأمر أحد المجتهدين/ (ر ٦٨/ب) منهم - والله أعلم -.
وأما حمله على القياس والاستنباط فبعيد، لأن قوله: أمرنا بكذا يفهم منه حقيقة الأمر (لا خصوص الأمر باتباع القياس) ٣.
تنبيهات:
الأول: قيل: محل الخلاف في هذه المسألة فيما إذا كان قائل ذلك من الصحاية غير/ (ي ١٣٠) أبي بكر ﵁ وعنهم.
أما إذا قال أبو بكر ﵁ فيكون مرفوعا قطعا.
لأن غير النبي ﷺ لا يأمره ولا ينهاه، لأنه تأمر بعد النبي ﷺ ووجب على غيره امتثال أمره.
حكى هذا المذهب أبو السعادات ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول ٤. وهو مقبول.