تنبيهات:
الأول: قول الصحابي ﵁ كنا/ (ي١٢٨) نرى كذا - ينقدح فيها١ من الاحتمال أكثر مما ينقدح في قوله/ (?٧٥/ب) كنا نقول أو نفعل لأنها٢ من الرأي ومستنده قد يكون تنصيصا ٣ أو استنباطا.
الثاني: قوله: كان يقال: كذا.
قال الحافظ المنذري: اختلفوا هل يلتحق بالمرفوع أو الموقوف؟
قال: والجمهور على أنه إذا أضافه إلى زمن النبي ﷺ يكون مرفوعا.
قلت: ومما يؤيد أن حكمها الرفع مطلقا ما رواه النسائي ٤ من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال:
"كان يقال: صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر".
فإن٥ ابن ماجه ٦ رواه من الوجه الذي أخرجه منه النسائي بلفظ "قال رسول الله ﷺ ".
стр. 492
فدل على أنها عندهم من صيغ الرفع - والله أعلم -.
الثالث: لا يختص جميع ما تقدم بالإثبات، بل يلتحق به النفي كقولهم: كانوا لا يفعلون كذا. ومنه قول عائشة ﵂ "كانوا لا يقطعون اليد في الشيء التافه" - والله أعلم -.
٥٨- قوله (ص) ١: "وذكر الخطيب نحو ذلك في جامعه (يعني حديث المغيرة بن شعبة ﵁) كان أصحاب رسول الله ﷺ / (ب ١٥٥) يقرعون بابه بالأظافير".
اعترض عليه مغلطاي، بأن الخطيب، إنما رواه من حديث أنس بن مالك ﵁.
قلت: وهو اعتراض ساقط، لأن المصنف إنما قصد أن الحاكم٢ والخطيب ٣ ذكرا أن ذلك من قبيل الموقوف، وإن ذكر النبي ﷺ فيه/ (ر ٦٨/أ) .
стр. 493
وقد حقق المصنف المناط فيه بما حاصله: أن له جهتين:
أ - جهة الفعل وهو صادر من الصحابة ﵃ فيكون موقوفا.
ب - وجهة التقرير وهي مضافة إلى النبي ﷺ من حيث أن فائدة قرع هـ ٧٦/أبابه أنه يعلم أنه قرع.
ومن لازم علمه بكونه قرع مع عدم إنكار ذلك على فاعله - التقرير على ذلك الفعل فيكون مرفوعا.
لكن يخدش في كلام المصنف أنه/ (ي ١٢٩) يلزمه أن يكون جميع قسم التقرير أن يسمى موقوفا، لأن فاعله غير النبي ﷺ قطعا وإلا فما اختصاص حديث القرع بهذا الإطلاق١؟
تنبيه:
الظاهر أنهم إنما كانوا يقرعونه بالأظافير تأدبا وإجلالا.
стр. 494
وقيل: إن بابه لم يكن له حلق يطرق بها قاله السهيلي١. والأول أولى - والله أعلم -.
٥٩- قوله (ص) ٢: "وخالف في ذلك فريق منهم: الإسماعيلي" (يعني في كون قول الصحابي ﵁ أمرنا بكذا ونحوه مرفوعا) .
قلت: من الفريق المذكور أبو الحسن الكرخي ٣ من الحنفية.
وعلل ذلك بأنه متردد بين كونه مضافا إلى النبي ﷺ أو إلى أمر القرآن أو الأمة أو بعض الأئمة أو القياس أو الاستنباط ٤ وسوغ٥ إضافته إلى صاحب الشرع بناء على أن القياس مأمور باتباعه/ (ب ١٥٦) من الشارع. قال: وهذه الاحتمالات تمنع كونه مرفوعا.
وأجيب بأن هذه الاحتمالات بعيدة، لأن أمر الكتاب ظاهر للكل فلا يختص بمعرفته الواحد دون غيره.
وعلى التقدير التنزل فهو مرفوع، لأن الصحابي وغيره إنما تلقوه من النبي ﷺ .
стр. 495
وأمر الامة لا يمكن الحمل عليه لأنهم لا يأمرون أنفسهم.
وبعض الأئمة إن أراد الصحابة فبعيد، لأن قوله ليس بحجة ١ على غيره منهم٢.
وإن أراد من الخلفاء فكذلك، لأن الصحابي في مقام تعريف الشرع بهذا الكلام فيجب/ (? ٧٦/ب) حمله على من صدر عنه الشرع.
قلت: إلا أن يكون قائل ذلك ليس مجتهدي الصحابة فيحتمل أن يريد بالأمر أحد المجتهدين/ (ر ٦٨/ب) منهم - والله أعلم -.
وأما حمله على القياس والاستنباط فبعيد، لأن قوله: أمرنا بكذا يفهم منه حقيقة الأمر (لا خصوص الأمر باتباع القياس) ٣.
تنبيهات:
الأول: قيل: محل الخلاف في هذه المسألة فيما إذا كان قائل ذلك من الصحاية غير/ (ي ١٣٠) أبي بكر ﵁ وعنهم.
أما إذا قال أبو بكر ﵁ فيكون مرفوعا قطعا.
لأن غير النبي ﷺ لا يأمره ولا ينهاه، لأنه تأمر بعد النبي ﷺ ووجب على غيره امتثال أمره.
حكى هذا المذهب أبو السعادات ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول ٤. وهو مقبول.
стр. 496
الثاني: لا اختصاص لذلك بقوله: أمرنا أو نهينا.
بل يلحق به ما إذا قال: أمر فلان بكذا أو نهى فلان عن ١ كذا أو أمر أو نهي بلا إضافة وكذا ب ١٥٧ مثل قول عائشة ﵂ "كنا نؤمر بقضاء الصوم ... "٢ الحديث.
وأما إذا قال الصحابي ﵁ أوجب علينا كذا أو حرم علينا كذا أو أبيح لنا كذا، فهو مرفوع. ويبعد تطرق الاحتمالات المتقدمة إليه بعدا قويا جدا.
الثالث: إذا قال: أمرنا رسول الله ﷺ بكذا أو سمعته يأمر بكذا، فهو مرفوع بلا خلاف، لانتفاء الاحتمال المتقدم. لكن حكى القاضي أبو الطيب وغيره عن داود وبعض المتكلمين أنه لا حجة حتى ينقل لفظه لاختلاف الناس في صيغ الأمر والنهي فيحتمل أن يكون صيغة ظنها أمرا أو نهيا وليس كذلك في نفس الأمر ٣.
وأجيب بأن الظاهر/ (٧٧/أ) من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أنه لا يطلق ذلك إلا فيما تحقق أنه أمر أو نهي من غير شك نفيا للتلبيس عنه بنقل ما يوجب على سامعه اعتقاد الأمر والنهي فيما ليس هو أمر ولا نهي.
الرابع: نفي الخلاف المذكور عن أهل الحديث، فقال البيهقي: "لا خلاف
стр. 497
بين أهل النقل أن الصحابي ﵁ إذا قال: أمرنا أو نهينا أو السنة كذا أنه يكون حديثا مسندا - والله أعلم".
[قول الصحابي من السنة كذا:]
٦٠- قوله (ص) : "وهكذا قول الصحابي ﵁ "من السنة كذا فالأصح أنه مرفوع ... "١ إلى آخره.
قال القاضي أبو الطيب: "هو ظاهر مذهب الشافعي ﵁ لأنه/ (ي١٣١) اجتمع على قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بصلاة ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - على جنازة وقراءته بها وجهره".
وقال: "إنما فعلت لتعلموا أنها سنة"٢.
وكذا جزم السمعاني بأنه مذهب الشافعي - رضي الله تعالى عنه.
وقال ابن عبد البر: "إذا أطلق الصحابي - رضي الله تعالى عنه - السنة فالمراد بها سنة النبي ﷺ ما لم يضفها إلى صاحبها كقولهم: سنة العمرين".
ومقابل الأصح خلاف الصيرفي ٣ من الشافعية والكرخي ٤ والرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري ٥. بل حكاه إمام الحرمين في البرهان عن المحققين.
стр. 498
وجرى عليه ابن القشريري١، وجزم ابن فورك وسليم الرازي وأبو الحسين بن القطان والصيدلاني ٢ من الشافعية - بأنه الجديد من مذهب الشافعي ﵁.
وكذا حكاه المازري في شرح البرهان.
وحكوا كلهم أن الشافعي ﵁ كان في القديم يراه مرفوعا وحكوا تردده في ذلك [في] ٣ الجديد، لكن نص الشافعي ﵁ في الأم ٤ وهو من الكتب الجديدة على ذلك.
فقال - في باب عدد الكفن بعد ذكر ابن عباس والضحاك بن قيس ﵄: "رجلان من أصحاب النبي ﷺ -: لا يقولون السنة إلا لسنة رسول الله ﷺ -".
وروى في الأم عن سفيان عن أي الزناد قال:
سئل سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته؟
قال: يفرق بينهما.
قال أبو الزناد: "فقلت: سنة؟ ".
فقال سعيد: "سنة".
стр. 499
قال الشافعي: "الذي يشبه قول سعيد سنة أن يكون أراد سنة النبي ﷺ -"١. انتهى.
وحينئذ فله في الجديد قولان. وبه جزم الرافعي٢.
ومستندهم أن اسم السنة متردد بين سنة النبي ﷺ - وسنة غيره. كما قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة ب١٥٩ الخلفاء الراشدين" ٣.
وأجيب بأن احتمال إرادة النبي ﷺ - أظهر لوجهين:
١-أحدهما ي ١٣٢: أن إسناد ذلك إلى سنة النبي ﷺ هو المتبادر إلى الفهم، فكان الحمل عليه أولى.
٢-الثاني: أن السنة النبي ﷺ أصل.
وسنة الخلفاء الراشدين تبع لسنته.
والظاهر من مقصود الصحابي ﵁ إنما هو بيان الشريعة ونقلها، فكان إسناد ما قصد بيانه إلى/ (ر٦٩/ب) الأصل أولى من إسناده إلى التابع - والله أعلم-.
ومما يؤيد مذهب الجمهور: ما رواه البخاري في صحيحه عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر ﵄.
стр. 500
أن الحجاج ١ عام ٢ نزل بابن الزبير ﵄ سأل عبد الله (يعني ابن عمر –رضي الله تعالى عنهما) كيف/ (٧٨ /أ) يصنع في الموقف يوم عرفة، فقال سالم - رضي الله تعالى عنه -: "إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة".
فقال ابن عمر ﵄: "صدق".
قال الزهري: فقلت لسالم: أفعله رسول الله ﷺ ؟
قال: "وهل يتبعون في ذلك (إلا سنته) ٣ ﷺ ؟ "٤.
واستدل ابن حزم على أن قول الصحابي ﵁:
من السنة كذا ليس بمرفوع بما في البخاري من حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -.
قال: أليس حسبكم سنة نبيكم ﷺ إن حبس أحدكم في الحج فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل من كل شيء حتى يحج قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا ٥.
قال ابن حزم: "لا خلاف بين أحد من الأمة أنه ﷺ إذ صد عن البيت لم يطف به ولا بالصفا والمروة، بل حل حيث كان
стр. 501
بالحديبية، وإن هذا الذي ذكره ابن عمر ﵁ لم يقع/ (ب ١٦٠) منه قط ١.
قلت: إن أراد بأنه لم يقع من فعله، مسلم ولا يفيده وإن أراد أنه لم يقع من قوله فممنوع.
وما المانع منه؟ بل دائرة أوسع من القول أو الفعل وغيرهما، وبه ينتقض استدلاله ويستمر ما كان على ما كان.
تنبيهات:
أحدها: إذا أضاف الصحابي ﵁ السنة إلى النبي ﷺ - فمقتضى كلام الجمهور أنه/ (ي ١٣٣) يكون مرفوعا قطعا.
وفيه خلاف ابن حزم المذكور.
ونقل أبو الحسين ابن القطان عن الشافعي ﵁ أنه قال: "قد يجوز أن يراد بذلك ما هو الحق من سنة النبي ﷺ - ومثل ذلك بقول عمر ﵁ للصبي٢/ (٧٨/ب) بن معبد هديت لسنة نبيك"٣
وجزم شيخنا شيخ الإسلام في محاسن الاصطلاح ٤ أنها على مراتب في احتمال الوقف قربا وبعدا.
стр. 502
قال: فأرفعها مثل قول ابن عباس ﵄: الله أكبر سنة بأبي القاسم ﷺ -١. ودونها قول عمرو بن العاص ﵁: "لا تلبسوا علينا نبينا سنة ﷺ عدة أم الولد كذا"٢.
ودونها قول عمر ﵁ لعقبة بن عامر ﵁: "أصبت السنة"٣.
إذ الأول أبعد احتمالا والثاني أقرب احتمالا، والثالث لا إضافة فيه.
ثانيها: نفى البيهقي الخلاف، عن أهل النقل في ذلك كما تقدم قبل وسبقه إلى ذلك الحاكم فقال: في الجنائز من المستدرك٤ أجمعوا على أن قول الصحابي ﵁ سنة كذا حديث مسند.
стр. 503
[حكم ما ينسب الصحابي فاعله إلى الكفر والعصيان] :
ثالثها: لم يتعرض ابن الصلاح إلى بيان حكم ما ينسب ر٧٠/أالصحابي فاعله إلى الكفر أو العصيان، كقول ابن مسعود ﵁: "من أتى عرافا أو كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما انزل على [قلب] ١ محمد ﷺ "٢.
وفي رواية: "بما أنزل الله على محمد ﷺ ".
وكقول أبي هريرة ﵁: "ومن لم يجب الدعوة، فقد عصى الله ورسوله ﷺ "٣.
وقوله- في الخارج من المسجد بعد الأذان: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ "٤.
стр. 504
وقول عمار بن ياسر ﵁: "من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ "١.
فهذا ظاهره أن له حكم الرفع، ويحتمل أن يكون موقوفا لجواز إحالة الإثم على ما ظهر/ (٧٩/أ) من القواعد.
والأول أظهر بل حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه مسند.
وبذلك جزم الحاكم في علوم ي ١٣٤ الحديث٢ والغمام فخر الدين في المحصول٣.
[ما يعد مسندا من تفسير الصحابي:]
٦١- قوله (ص) : "ما قيل من أن تفسير الصحابي ﵁ مسند إنما هو في تفسير يتعلق بسبب نزول آية أو نحو ذلك"٤.
قلت: تبع المصنف في ذلك الخطيب، كذا قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: "إذا اخبر الصحابي ﵁ عن سبب وقع في عهد النبي ﷺ - أو أخبر عن نزول آية له بذلك - مسند".
стр. 505
لكن أطلق الحاكم النقل عن البخاري ومسلم أن تفسير الصحابي ﵁ الذي شهد الوحي والتنزيل حديث مسند١.
والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي ﵁ إن كان مما لا مجال للاجتهاد [فيه] ٢ ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع وإلا، فلا كالأخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء وعن الأمور الآتية:
كالملاحم٣ والفتن والبعث وصفة الجنة والنار والأخبار عن عمل يحصل به ثواب نخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للإجتهاد [فيها] ٤ فيحكم لها بالرفع.
قال أبو عمرو الداني: "قد يحكى الصحابي ﵁ قولا يوقفه، فيخرجه أهل الحديث في المسند، لامتناع أن يكون الصحابي ﵁ قاله إلا بتوفيق. كما روى أبو صالح السمان عن أبي هريرة ﵁ قال: "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يجدن عرف الجنة ... "٥.الحديث. لأن مثل هذا لا يقال: بالرأي، فيكون من جملة المسند".
стр. 506
وأما إذا فسر/ (٧٩/ب) آية تتعلق بحكم شرعي فيحتمل أن يكون ذلك مستفادا عن النبي ﷺ وعند القواعد، فلا يجزم برقعه وكذا إذا فسر مفردا فهذا نقل عن اللسان خاصة فلا يجزم برفع وهذا التحرير الذي حررناه هو معتمد خلق كثير من كبار الأئمة كصحابي الصحيح والإمام الشافعي وأبي جعفر الطبري١ وأبي جعفر الطحأوي٢ وأبي بكر ابن مردويه٣ في تفسير المسند والبيهقي وابن/ (ي ١٣٥) عبد البر في آخرين.
[إذا كان الصحابي ينظر في الإسرائيليات فلا يعطى حكم الرفع:]
إلا أنه يستثنى من ذلك ما كان المفسر له من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم- من عرف بالنظر في الإسرائيليات، كمسلمة أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام٤ وغيره.
وكعبد الله بن عمرو بن العاص٥.
стр. 507
فإنه كان حصل له في وقعة اليرموك كتب كثير من (كتب) ١ أهل الكتاب فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة حتى كان بعض أصحابه ربما قال له: حدثنا عن النبي ﷺ ولا تحدثنا عن الصحيفة، فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر (به) ٢ من الأمور التي قدمنا ذكرها الرفع، لقوة الاحتمال - والله أعلم -.
تنبيه: / (ب١٦٣)
إذا ذكر النبي ﷺ حكما يحتاج إلى شرح، فشرحه الصحابي ﵁ سواء كان من روايته أو من٣ رواية غيره هل يكون ذلك مرفوعا أم لا؟
ذهب الحاكم إلى أنه مرفوع، فقال: (عقب) ٤ حديث أورده عن عائشة ﵂ في تفسير التميمة: "هذا ليس بموقوف، لأن النبي ﷺ قد ذكر التميمة في أحاديث كثيرة، فإذا فسرتها عائشة ﵂ كان ذلك حديثا مسندا"٥.
стр. 508
والتحقيق أنه لا يجزم بكون جميع ذلك يحكم برفعه.
بل الاحتمال فيه واقع، فيحكم برفع ما قامت القرائن الدالة على رفعه وإلا فلا/ (٨٠/أ) - والله أعلم -.
وهكذا إذا كان للفظ معنيان فحمله الصحابي ﵁ على أحدهما كتفسير ابن عمر- ﵁ التفرق بالأبدان١ دون الأقوال.
وقال القاضي أبو الطيب: "يجب قبوله على المذهب".
وكذا حمل عمر ﵁ قوله ﷺ : "الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء"٢ على القبض في المجلس.
стр. 509
وتردد في ذلك الشيخ أبو إسحاق - والله أعلم.
٦٢- قوله (ص) : "من قبيل المرفوع (ما قيل) ١ عند ذكر الصحابي ﵁ يرفعه أو يبلغ به أو ينميه أو رواية"٢
قلت: وكذا قوله يرويه أو رفعه أو مرفوعا أو يسنده.
وكذا/ (ي ١٣٦) قوله رواه.
روينا في أمالي٣ المحاملي من طريق ابن عيينة عن ابن جدعان عن أبي نضرة٤ عن أبي سعيد ﵁ رواه قال: "قول إبراهيم ﵊: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ٥ في كذباته الثلاث٦.
ورواه أبو يعلى في مسنده/ (ب ١٦٤) من هذا الوجه، فقال عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - أن النبي ﷺ قال ذكره.
стр. 510
وأمثلة باقي ما ذكرنا/ (ر٧١/أ) مشهورة، فلا نطيل بذكرها١.
ومن أغرب ذلك سقوط الصيغة مع الحكم بالرفع بالقرينة كالحديث الذي رويناه من طريق الأعمش عن أبي ظبيان ٢ عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: احفظوا عني ولا تقولوا: قال ابن عباس ﵄: "أيما عبد حج به أهله، ثم أعتق فعليه حجة اخرى.." الحديث. رواه ابن أبي شيبة٣ من هذا الوجه فزعم أبو الحسن ابن القطان أن ظاهره الرفع وأخذه من نهي ابن عباس ﵄ لهم عن/ (٨٠/ب) إضافة القول إليه٤.
فكأنه قال لهم: لا تضيفوه إلي وأضيفوه إلى الشارع.
لكن يعكر٥ عليه أن البخاري رواه من طريق أبي السفر سعيد بن يحمد قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: "يا أيها الناس اسمعوا مني أقول لكم واسمعوني ما تقولون، ولا تذهبوا فتقولوا: قال ابن عباس قال ابن عباس"، فذكر الحديث ٦.
وظاهر هذا أنه إنما طلب منهم أن يعرضوا عليه قوله ليصححه لهم خشية أن يزيدوا فيه أو ينقصوا٧ - والله أعلم -.
стр. 511
تنبيهان:
أحدهما: قد يقال: ما الحكمة في عدول التابعي عن قول الصحابي ﵁ "سمعت رسول الله" ﷺ ونحوها إلى "يرفعه" وما ذكر معها.
قال الحافظ المنذري: "يشبه أن يكون التابعي مع تحققه بأن الصحابي رفع الحديث إلى النبي ﷺ - شك في الصيغة بعينها فلما لم يمكنه الجزم بما قاله له أتى بلفظ على رفع الحديث".
قلت: وإنما ذكر الصحابي ﵁ كالمثال وإلا / (ي ١٣٧) فهو جار في حق/ (ب١٦٥) من بعده ولا فرق، ويحتمل أن يكون من صنع ذلك صنعه طلبا للتخفيف وإيثارا للإختصار.
ويحتمل - أيضا - أن يكون شك في ثبوت ذلك عن النبي ﷺ - فلم يجزم١ بلفظ "قال رسول الله ﷺ - كذا" بل كنى عنه تحرزا ٢ وسياتي إن شاء الله تعالى في النوع الحادي والعشرين.
وما أجاب به المنذري انتزعه من قول أبي قلابة الجرمي/ (٧١/ب) لما روى عن أنس ﵁ قال: "من السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا"٣.
стр. 512
قال/ (٨١/أ) أبو قلابة: "لو شئت لقلت: أنسا ﵁ رفعه إلى النبي ﷺ "١.
(فإن معنى ذلك أنني لو قلت رفعه) ٢ لكنت صادقا، بناء على الرواية بالمعنى لكنه تحرز عن ذلك، لأن قوله: من السنة إنما يحكم له بالرفع بطريق نظري. كما تقدم. وقوله رفعه نص في رفعه وليس للراوي أن ينقل ما هو محتمل إلى ما هو نص غير محتمل.
ثانيهما٣: ذكر المصنف ما إذا قال التابعي عن الصحابي ﵁ يرفعه ولم يذكر ما إذا٤ قال الصحابي ﵁ عن النبي ﷺ يرفعه وهو في الحكم قوله (عن الله) ٥ .
ومثاله: الحديث الذي رواه الدراوردي٦ عن عمرو بن أبي عمرو ٧ عن سعيد المقبري عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه.
стр. 513
قال: قال رسول الله ﷺ يرفعه: "إن المؤمن عندي بمنزلة كل خير يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه".
حديث حسن رواته من أهل الصدق. أخرجه البزار في مسنده وهو من الأحاديث الإلهية، وقد أفردها جمع بالجمع - والله الموفق -.
стр. 514
النوع التاسع: المرسل
٦٣-قوله (ص) : "تعريف المرسل وصورته التي لا خلاف فيها (حديث التابعي الكبير الذي لقي جماعة من الصحابة وجالسهم، كعبيد الله بن عدي بن الخيار ثم سعيد بن المسيب وأمثالهما إذا قال) ١: قال - رسول الله ﷺ .... إلى آخره"٢.
ليس المراد حصر ذلك في القول بل لو ذكر الفعل أو التقرير بأي صيغة كان داخلا فيه.
وإنما/ (ي ١٣٨) خص القول، لكونه أكثر.
والأولى- فيما أرى - التعبير بالإضافة، لكونها أشمل. والله الموفق.
٣٠- قوله (ع) : "لأن عبيد الله بن عدي ولد في حياة النبي ﷺ ولم ينقل أنه رأى النبي ﷺ –"٣.
قلت: عدي بن الخيار مات قبل فتح مكة بمدة وابنه عبيد الله٤ كان بمكة لما دخلها النبي ﷺ وقد وجد في منقولات كثيرة/ (? ٨١/ب) الصحابة من النساء والرجال كانوا يحضرون أولادهم إلى النبي - صلى الله عليه
стр. 515
وسلم - يتبركون بذلك وهذا منهم١، لكن هل يلزم من ثبوت الرؤية له الموجبة لبلوغه شريف الرتبة بدخوله في حد الصحبة، أن يكون ما يرويه عن النبي ﷺ لا يعد مرسلا؟
هذا محل نظر وتأمل. والحق الذي جزم به أبو حاتم الرازي ٢ وغيره من الأئمة أن مرسله كمرسل غيره، وأن قولهم: مراسيل الصحابة ﵃ مقبولة بالاتفاق إلا عند بعض من شذ، إنما يعنون بذلك من أمكنه التحمل والسماع، أما من لا يمكنه ذلك فحكم حديثه حكم غيره من المخضرمين الذين لم يسمعوا من النبي ﷺ والله أعلم -.
وبالجملة فتمثيل ابن الصلاح بعبيد الله بن عدي معترض، لأنه كان يمكنه أن يحفظ عن النبي ﷺ وهو/ (ر٧٢/أ) تابع في ذلك لابن عبد البر فإنه قال- لما ذكر المرسل -: "هذا الاسم واقع بالإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي/ (ب١٦٧) ﷺ مثل أن يقول عبيد الله بن عدي بن الخيار أو أبو أمامة بن سهل ومن كان مثلهما قال ٣ رسول الله ﷺ -٤.
وكذلك من دون هؤلاء كسعيد بن المسيب ... "٥ إلى آخر كلامه.
قلت: ولو مثل بمحمد بن أبي بكر الصديق ٦ ﵄ الذي
стр. 516
ما أدرك من حياة رسول الله ﷺ إلا ثلاثة أشهر لكان أولى وقول شيخنا: "لكونهم عاصروه على القول الضعيف في حد الصحابة - رضي الله تعالى عنهم-"١. سيأتي لنا إن شاء الله تعالى في معرفة الصحابة ﵃ قدح/ (ي ١٣٩) في ثبوت هذا القول عن أحد من الأئمة مطلقا - إن شاء الله تعالى -.
٦٤- قوله (ص) : "والمشهور التسوية بين التابعين"٢.
أقول: لم يمعن المؤلف في الكلام على المرسل في حكاية الخلاف في حده والتفريع عليه.
[جمع الحافظ لأقوال أهل العلم في المراسيل] :
وقد جمعت كثيرا من أقوال أهل العلم فيه يحتاج إليها المحدث وغيره.
أما أصله: فقيل مأخوذ من الإطلاق وعدم المنع كقوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِين﴾ ٣.
فكأن المرسل أطلق الإسناد.
وقيل: مأخوذ من قولهم: "جاء القوم أرسالا" أي متفرقين؛ لأن بعض الإسناد منقطع عن بقيته.
وقيل: مأخوذ من قولهم: "ناقة رسل" أي سريعة السير كأن المرسل للحديث أسرع فيه فحذف بعض إسناده٤.
стр. 517
[حد المرسل اصطلاحا:]
وأما حده: فاختلف عباراتهم فيه على أربعة أوجه:
الأول: هو ما أضافه التابعي الكبير إلى النبي ﷺ فيخرج بذلك ما أضافه صغار التابعين ومن بعدهم.
والثاني/ (ب١٦٨) : هو إضافة لتابعي إلى النبي ﷺ من غير تقييد بالكبير.
وهذا الذي عليه جمهور المحدثين، ولم أر تقييده بالكبير صريحا عن أحد، لكن نقله ابن عبد البر عن قوم١، بخلاف ما يوهمه كلام المصنف. نعم قيد الشافعي المرسل الذي يقبل - إذا اعتضد - بأن يكون من رواية التابعي الكبير.
ولا يلزم من ذلك، أنه لا يسمى ما رواه التابعي الصغير مرسلا.
والشافعي مصرح بتسمية رواية من دون كبار التابعين مرسلة وذلك في قوله: "ومن نظر في العلم بخبرة وقلة غفلة استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين بدلائل ظاهرة"٢.
والثالث: ما سقط منه رجل وهو على هذا هو والمنقطع سواء/ (? ٨٢/ب) وهذا مذهب أكثر الأصوليين٣.
قال الأستاذ أبو منصور: "والمرسل: ما سقط من إسناده واحد، فإن سقط أكثر من واحد فهو معضل".
стр. 518
وقال أبو الحسين ابن القطان١: "المرسل: أن/ (ي ١٤٠) يروي بعض التابعين عن النبي ﷺ خبرا أو يروي رجل عمن لم يره"٢.
قلت: وهذا اختيار أبي داود في مراسيله٣، والخطيب٤ وجماعة، لكن الذي قبله أكثر/ (ر٧٢ /ب) في الاستعمال.
والرابع: قول غير الصحابي ﵁ قال رسول الله ﷺ وبهذا التعريف أطلق ابن الحاجب٥ وقبله الآمدي٦ والشيخ الموفق٧ وغيرهم، فيدخل في عمومه كل من لم تصح له صحبة ولو تأخر عصره.
وقال الغزالي: "وصورة المرسل: أن يقول: قال رسول الله ﷺ - من لم يعاصره"٨.
وهذا أخص قليلا من الذي قبله، لأنه يدخل فيه من سمع النبي ﷺ - في حال الكفر، ثم استمر كافرا فلم يسلم إلا بعد موت النبي ﷺ -فإن هذا لا تصح له صحبة وهو على تعريف الغزالي لا يكون حديثه مرسلا.
стр. 519
وقال الحافظ العلائي: "إطلاق ابن الحاجب وغيره، يظهر عند التأمل في أثناء استدلالهم أنهم لا يريدونه، بل إنما مرادهم ما سقط منه التابعي مع الصحابي أو ما سقط منه اثنان بعد الصحابي ونحو ذلك، ويدل عليه قول إمام الحرمين في "البرهان": مثاله: أن يقول الشافعي ﵁: قال رسول الله ﷺ كذا١.
قال: ولم أر من صرح بحمله على إطلاقه إلا بعض المتأخرين من غلاة الحنفية ٢. وهو اتساع غير مرضي، لأنه يلزم منه بطلان اعتبار الإسناد الذي هو من خصائص هذه الأمة، وترك النظر في أحوال الرواة، والإجماع في كل عصر على خلاف ذلك فظهور فساده (غني) ٣ عن الإطالة فيه".
قلت: ويؤيد قول الأستاذ أبي إسحاق الأسفرائيني - في كتابه [في الأصول]-٤: "المرسل رواية التابعي عن النبي ﷺ أو تابع التابعي (عن الصحابي) ٥، فأما إذا قال تابع التابعي أو واحد منا قال رسول الله ﷺ فلا يعد شيئا، ولا يقع به ترجيح [فضلا] ٦ عن الاحتجاج به".
وهذا ظاهر كلام ابن برهان - أيضا -.
وممن قيد الإطلاق الأستاذ/ (ي ١٤١) أبو بكر ابن فورك، فقال:
стр. 520
"المرسل: قول التابعي: قال رسول الله ﷺ كذا"١. نقله عنه المازري.
فإن قيل ما احترز به الغزالي - رحمه الله تعالى - كما قدمته، قد ينقدح٢ منه قدح في صحة التعريف الذي أخبرت أنه قول الجمهور، وذلك لأن قولهم: المرسل ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ يدخل/ (ر٧٣/أ) فيه ما سمعه بعض الناس في حال كفره من النبي ﷺ (ثم أسلم) ٣ بعده وحدث عنه بما سمعه منه، فإن هذا والحالة٤ هذه تابعي قطعا وسماعه منه صحيح متصل وهو داخل في حد المرسل الذي ذكرته.
[تعريف الحافظ للمرسل] :
قلت: وهذا عندي نقض صحيح واعتراض وارد لا محيد عنه ولا انفصال منه إلا أن يزاد في الحد ما يخرجه، وهو: أن يقول: المرسل: ما أضافه التابعي إلى النبي ﷺ مما سمعه من غيره.
[أقوال العلماء في حكم المرسل] :
وأما حكم المرسل:
فاختلفوا في الاحتجاج به على أقوال:
أحدها: الرد مطلقا حتى لمراسيل الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وحكي ذلك عن الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني.
стр. 521
وظن قوم أنه تفرد بذلك، واحتجوا عليه بالإجماع، وليس بجيد لأن القاضي أبا بكر/ (?٨٣/ب) الباقلاني قد صرح في التقريب بأن المرسل لا يقبل مطلقا حتى مراسيل الصحابة ﵃ لا لأجل الشك في عدالتهم، بل لأجل أنهم قد يروون عن التابعين. قال: إلا أن يخبر عن نفسه بأنه لا يروي إلا عن النبي ﷺ أو عن صحابي فحينئذ يجب العمل بمرسله١.
قلت: نقل عنه الغزالي في المنخول أن المختار عنده، أن الإمام العدل إذا قال: قال رسول الله ﷺ أو أخبرني الثقة قبل. فأما الفقهاء والمتوسعون في كلامهم فقد يقولونه لا عن تثبت فلا يقبل منهم، لأن الرواية قد كثر وطال البحث واتسعت الطرق، فلا بد من ذكر اسم الرجل٢.
قال الغزالي: "والأمر كما ذكر، لكن لو صادفنا في زماننا متقنا في نقل الأحاديث مثل مالك قبلنا قوله ولا يختلف ذلك بالأعصار (يعني أن الحكم/ (ي ١٤٢) لا يختلف جوازا) وأن الواقع أن أهل / (ب ١٧١) الأعصار المتأخرة ليس فيهم من هو بتلك المثابة. وقد قال القاضي عبد الجبار: مذهب الشافعي - رضي الله تعالى عنه - أن الصحابي - رضي الله تعالى عنه - إذا قال: قال رسول الله ﷺ كذا قبل إلا أن علم أنه أرسله"٣.
وهذا النقل مخالف للمشهور من مذهب الشافعي.
فقد قال ابن برهان في الوجيز: "مذهب الشافعي: أن المراسيل/ (ر٧٣/ب) لا يجوز الاحتجاج بها إلا مراسيل الصحابة - رضي الله تعالى عنه - ومراسيل سعيد بن المسيب، وما انعقد الإجماع على العمل به.
стр. 522
وكذا ما نقله ابن بطال في أوائل شرح البخاري عن الشافعي أن المرسل عنده ليس بحجة حتى مرسل الصحابة.
ثم أغرب ابن برهان فقال في الأوسط: "إن الصحيح أنه لا فرق بين مراسيل الصحابة ﵃ ومراسيل/ (? ٨٤/أ) غيرهم".
فتلخص من هذا أن الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني لم ينفرد برد مراسيل الصحابة - رضي الله تعالى عنه - وأن١ مأخذه في ذلك احتمال كون الصحابي - رضي الله تعالى عنه - أخذه عن تابعي.
وجوابه: أن الظاهر فيما رووه أنهم سمعوه من النبي ﷺ أو من صحابي سمعه من النبي ﷺ .
وأما روايتهم عن٢ التابعي فقليلة نادرة، فقد تتبعت وجمعت لقلتها.
قلت: وقدر سردها شيخنا- ﵀ في النكت٣ فأفاد وأجاد٤.
ثانيها: القبول مطلقا في جميع الأعصار والأمصار. كما قدمنا حكايته ورده٥.
ثالثها: قبول مراسيل الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فقط ورد ما عداها٦ مطلقا حكاه القاضي عبد الجبار في شرح كتاب العمدة.
قلت: وهو الذي عليه عمل أئمة الحديث.
стр. 523
واحتجوا بأن العلماء قد أجمعوا على طلب عدالة المخبر.
وإذا روى التابعي عمن لم يلقه لم يكن بد من معرفة الواسطة.
ولم يتقيد التابعون بروايتهم عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - بل رووا عن الصحابة وغيرهم.
(ولم/ (ي١٤٣) يتقيدوا) ١ بروايتهم عن ثقات التابعين/ (ب ١٧٢) بل رووا عن الثقات والضعفاء.
فهذه النكتة في رد المرسل قاله بمعناه ابن عبد البر ٢.
وقال صاحب المحصول: "الحجة في رد المرسل أن عدالة الأصل غير معلومة، لأنه لم يوجد إلا من رواية الفرع عنه. ورواية الفرع عنه لا تكون بمجردها تعديلا، لأنهم قد أرسلوا عمن سئلوا عنه فجرحوه أو توقفوا فيه.
قال: وعلى تقدير أن يكون تعديلا، فلا يقضي أن يكون عدلا في نفس الأمر، لاحتمال أنه لو سماه لعرف بالجرح/ (? ٨٤/ب) فتبين/ (ر٧٤/أ) أن العدالة غير معلومة"٣.
فإن قيل: إن أردتم نفي العلم القطعي، فالعلم القطعي بثبوت عدالة الراوي غير مشروط، بل يكفي غلبة الظن وهي حاصلة لأن ظاهر حال الراوي أنه لما روى عنه سكت كان عدلا عنده وإلا كان ذلك قدحا فيه. وإذا كان معتقدا عدالة من أرسل عنه فالظاهر أنه كذلك في نفس الأمر.
والجواب: المنع بأنه إذا اعتقد عدالته يكون عدلا في نفس الأمر وسنده عدم التلازم بينهما، بل الواقع خلافه.
قال القاضي أبو بكر: "من المعلوم المشاهد أن المحدثين لم يتطابقوا على أن لا يحدثوا إلا عن عدل. بل نجد الكثير منهم يحدثون عن رجال، فإذا سئل
стр. 524
الواحد منهم عن ذلك الرجل قال: لا أعرف حاله بل ربما جزم بكذبه فمن أين يصح الحكم على الراوي أنه لا يرسل إلا عن ثقة عنده"١. انتهى كلامه.
فقد اختار رد المرسل مع كونه مالكيا، لكن تعليله يقتضي أن من عرف من عادته أو صريح عبارته أنه لا يرسل إلا عن ثقة أنه يقبل ٢. وسيأتي تقرير هذا المذهب آخرا.
وما قاله القاضي صحيح فإن كثيرا من الأئمة وثقوا٣ خلقا من الرواة بحسب اعتقادهم/ (ب/١٧٣) فيهم٤ وظهر لغيرهم فيهم٥ الجرح المعتبر، وهذا بيّن واضح في كتب٦ الجرح والتعديل.
فإذا كان مع٧ التصريح بالعدالة فكيف مع السكوت عنها.
وق فتشت كثيرا من المراسيل فوجدت عن غير العدول.
بل سئل كثير منهم عن مشايخهم، فذكروهم/ (ي١٤٤) بالجرح كقول أبي حنيفة: "ما رأيت أكذب من جابر الجعفي٨ وحديثه عنه موجود".
وقول الشعبي: "حدثني الحارث الأعور وكان كذابا٩/ (?٨٥/أ) وحديثه عنه موجود".
فمن أين يصح حكم (على) ١٠ الراوي أنه لا يرسل إلا عن ثقة عنده على الإطلاق ١١.
стр. 525
رابعها: قبول مراسيل الصحابة وكبار التابعين.
ويقال: إنه مذهب أكثر المتقدمين. وهو مذهب الشافعي ﵁ لكن شرط في مرسل كبار التابعين أن يعتضد بأحد الأوجه المشهورة١.
خامسها: كالرابع لكن من غير قيد بالكبار وهو قول مالك وأصحابه وإحدى الروايتين عن أحمد٢.
سادسها: كالخامس، ولكن بشرط (/٣٤/ب) أن يعتضد، ونقله الخطيب عن أكثر الفقهاء.
سابعها: إن كان الذي أرسل من أئمة النقل المرجوع٣ إليهم في التعديل والتجريح قبل مرسله وإلا فلا. وهو قول عيسى بن أبان٤ من الحنفية، واختاره أبو بكر الرازي منهم، وكثير من متأخريهم، والقاضي عبد الواهب من المالكية، بل جعله أبو الوليد الباجي شرطا عند من يقبل المرسل مطلقا٥.
ثامنها: قبول مراسيل الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وبقية القرون الفاضلة دون غيرهم وهو محكي عن محمد بن الحسن ويشير إليه تمثيل إمام الحرمين بما قال - فيه - الشافعي/ (ب ١٧٤) : قال رسول الله ﷺ -٦.
تاسعها: كالثامن بزيادة من كان من أئمة النقل –أيضا-.
стр. 526
عاشرها: يقبل مراسيل من عرف منه النظر في أحوال شيوخه والتحري في الرواية عنهم دون من لم يعرف منه ذلك.
حادي عشرها: لا يقبل المرسل إلا إذا وافقه الإجماع فحينئذ يحصل الاستغناء عن السند ويقبل المرسل قاله ابن حزم في الإحكام١.
ثاني عشرها: إن كان المرسل موافقا في الجرح/ (?٨٧/ب) والتعديل قبل مرسله كان مخالفا في شروطهما لم يقبل.
قاله ابن برهان وهو غريب٢.
ثالث عشرها: إن كان المرسل عرف من عادته أو صريح عبارته أنه لا يرسل إلا عن ثقة قبل وإلا فلا.
قال/ (ي ١٤٥) الحافظ صلاح الدين العلائي في مقدمة كتاب الأحكام٣ ما حاصله: "إن هذا المذهب الأخير اعدل المذاهب في هذه المسألة، فإن قبول السلف للمراسيل مشهور إذا كان المرسل لا يرسل إلا عن عدل. وقد بالغ ابن عبد البر فنقل اتفاقهم على ذلك فقال: لم يزل الأئمة يحتجون بالمرسل إذا تقارب عصر المرسل والمرسل عنه ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء".
ونقل أبو الوليد الباجي٤ الاتفاق في الشق الآخر فقال: "لا خلاف أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير متحرز يرسل عن الثقات وعن غير الثقات"٥.
стр. 527
وهذا وإن كان في صحة نقل الاتفاق من الطرفين نظر فإن قبول مثل ذلك عن جمهورهم مشهور، وكذا مقابله ر ٧٥/أففي مقدمة صحيح مسلم عن محمد بن سيرين قال: "كانوا لا يسألون عن الإسناد فلما ب ١٧٥ وقعت الفتنة سألوا عنه ١ ليجتنبوا رواية أهل البدع"٢.
وفيها٣ - أيضا - عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه أنكر على بشير بن كعب٤ أحد التابعين أحاديث أرسلها وقال:
"كنا نقبل الحديث عن رسول الله ﷺ من كل أحد، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نقبل منه٥ إلا ما نعرف".
كذا أنكر الزهري على ابن إسحاق بن أبي وفرة٦ أحاديث أرسلها فقال: "تأتينا بأحاديث لا خطم لها ولا أزمة ألا تسند حديثك؟ " ٧.
ونقل إمام/ (?٨٦/أ) الحرمين أن ذلك مذهب الشافعي - رضي الله تعالى عنه - أعني التفصيل السابق فقال:
стр. 528
"إذا كان المرسل من كبار التابعين وعادته الرواية عن العدل وغيره فليس بحجة، وإن لم يرو إلا عن العدل فحجة.
قال: "ولذلك قبل الشافعي مراسيل سعيد بن المسيب، لأنه انفرد بهذه المزية".
قلت: وهذا مقتضى ما علل١ به الشافعي قبوله لمراسيل٢ سعيد فإنه قال - في جواب سائل سأله٣ - فقال له: "كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا ولم تقبلوه عن غيره؟ فقال: "لأنا لا نحفظ لسعيد/ (ي ١٤٦) منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده ولا أثره عن أحد عرفنا عنه إلا عن ثقة معروف، فمن كان بمثل حاله أحببنا قبول مرسله"٤.
فهذا يدل على أنه قبل مراسيل سعيد بن المسيب، لكونه كان لا يسمي إلا (عن) ٥ ثقة، وأما غيره، فلم يتبين له ذلك منه، فلم يقبله مطلقا وأحال الأمر في قبوله على وجود الشرط المذكور.
وقال الغزالي في "المستصفى"٦: "المختار على قياس رد المرسل أن التابعي إذا عرف بصريح خبره أو عادته أنه لا يروي إلا عن صحابي قبل مرسله وإلا فلا، لأنهم قد يروون عن غير/ (ب١٧٦) الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -".
стр. 529
قلت: (ويؤيد) ١ ذلك نقل ابن حبان الاتفاق على قبوله عنعنة سفيان بن عيينة، مع أنه كان يدلس، لكنه كان مع ذلك لا يدلس إلا عن ثقة، فقبلوا عنعنته لذلك.
وقد تقدم عن القاضي أبي بكر وغيره ما يعضده ذلك - والله أعلم -.
وبهذا المذاهب يحصل الجمع بين الأدلة (لطرفي) ٢ القبول والرد - والله أعلم -.
[أسباب الإرسال] :
فإن قيل/ (? ٨٦/ب) : فما الحامل لمن كان لا يرسل إلا عن ثقة على الإرسال؟
قلنا: إن لذلك أسباباً منها:
أن يكون سمع الحديث عن جماعة ثقات وصح عنده، فيرسله اعتمادا على صحته عن شيوخه.
كما صح عن إبراهيم النخعي أنه قال: "ما حدثتكم عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - فقد سمعته من غير واحد وما حدثتكم فسميت فهو من سميت"٣.
ومنها: أن يكون نسي من حدثه به وعرف المتن، فذكره مرسلا لأن أصل طريقته أنه لا يحمل إلا عن ثقة.
ومنها: أن لا يقصد التحديث بأن يذكر الحديث على وجه المذاكرة أو على جهة الفتوى، فيذكر المتن، لأنه المقصود في تلك الحالة دون السند، ولا سيما إن كان السامع عارفا بمن طوى ذكره لشهرته أو غير ذلك من الأسباب.
وهذا كله في حق من لا يرسل إلا عن ثقة.
стр. 530
وأما من كان يرسل عن كل أحد فربما كان الباعث له على الإرسال ضعف من حدثه، لكن هذا يقضي القدح في فاعله لما تترتب عليه من الخيانة - والله أعلم –
فإن/ (ي ١٤٧) قيل: فهل١ عرف أحد غير ابن المسيب كان لا يرسل إلا عن/ (ب ص ١٧٧) ثقة.
قلنا: نعم، فقد صحح الإمام أحمد مراسيل إبراهيم النخعي لكن خصه غيره بحديثه عن ابن مسعود٢ - رضي الله تعالى عنه - كما تقدم٣.
وأما مراسيله عن غيره، فقال يحيى القطان: "كان شعبة يضعف مرسل إبراهيم النخعي عن علي٤ - رضي الله تعالى عنه –".
وقال يحيى بن معين: "مراسيل إبراهيم النخعي صحيحة إلا حديث تاجر البحرين وحديث القهقهة".
قلت: وحديث القهقهة مشهور رواه الدارقطني٥ وغيره من طريقه.
وقد أطنب البيهقي في الخلافيات في ذكر طرقه وعلله٦.