عاشرها: يقبل مراسيل من عرف منه النظر في أحوال شيوخه والتحري في الرواية عنهم دون من لم يعرف منه ذلك.
حادي عشرها: لا يقبل المرسل إلا إذا وافقه الإجماع فحينئذ يحصل الاستغناء عن السند ويقبل المرسل قاله ابن حزم في الإحكام١.
ثاني عشرها: إن كان المرسل موافقا في الجرح/ (?٨٧/ب) والتعديل قبل مرسله كان مخالفا في شروطهما لم يقبل.
قاله ابن برهان وهو غريب٢.
ثالث عشرها: إن كان المرسل عرف من عادته أو صريح عبارته أنه لا يرسل إلا عن ثقة قبل وإلا فلا.
قال/ (ي ١٤٥) الحافظ صلاح الدين العلائي في مقدمة كتاب الأحكام٣ ما حاصله: "إن هذا المذهب الأخير اعدل المذاهب في هذه المسألة، فإن قبول السلف للمراسيل مشهور إذا كان المرسل لا يرسل إلا عن عدل. وقد بالغ ابن عبد البر فنقل اتفاقهم على ذلك فقال: لم يزل الأئمة يحتجون بالمرسل إذا تقارب عصر المرسل والمرسل عنه ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء".
ونقل أبو الوليد الباجي٤ الاتفاق في الشق الآخر فقال: "لا خلاف أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير متحرز يرسل عن الثقات وعن غير الثقات"٥.
стр. 527
وهذا وإن كان في صحة نقل الاتفاق من الطرفين نظر فإن قبول مثل ذلك عن جمهورهم مشهور، وكذا مقابله ر ٧٥/أففي مقدمة صحيح مسلم عن محمد بن سيرين قال: "كانوا لا يسألون عن الإسناد فلما ب ١٧٥ وقعت الفتنة سألوا عنه ١ ليجتنبوا رواية أهل البدع"٢.
وفيها٣ - أيضا - عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه أنكر على بشير بن كعب٤ أحد التابعين أحاديث أرسلها وقال:
"كنا نقبل الحديث عن رسول الله ﷺ من كل أحد، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نقبل منه٥ إلا ما نعرف".
كذا أنكر الزهري على ابن إسحاق بن أبي وفرة٦ أحاديث أرسلها فقال: "تأتينا بأحاديث لا خطم لها ولا أزمة ألا تسند حديثك؟ " ٧.
ونقل إمام/ (?٨٦/أ) الحرمين أن ذلك مذهب الشافعي - رضي الله تعالى عنه - أعني التفصيل السابق فقال:
стр. 528
"إذا كان المرسل من كبار التابعين وعادته الرواية عن العدل وغيره فليس بحجة، وإن لم يرو إلا عن العدل فحجة.
قال: "ولذلك قبل الشافعي مراسيل سعيد بن المسيب، لأنه انفرد بهذه المزية".
قلت: وهذا مقتضى ما علل١ به الشافعي قبوله لمراسيل٢ سعيد فإنه قال - في جواب سائل سأله٣ - فقال له: "كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا ولم تقبلوه عن غيره؟ فقال: "لأنا لا نحفظ لسعيد/ (ي ١٤٦) منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده ولا أثره عن أحد عرفنا عنه إلا عن ثقة معروف، فمن كان بمثل حاله أحببنا قبول مرسله"٤.
فهذا يدل على أنه قبل مراسيل سعيد بن المسيب، لكونه كان لا يسمي إلا (عن) ٥ ثقة، وأما غيره، فلم يتبين له ذلك منه، فلم يقبله مطلقا وأحال الأمر في قبوله على وجود الشرط المذكور.
وقال الغزالي في "المستصفى"٦: "المختار على قياس رد المرسل أن التابعي إذا عرف بصريح خبره أو عادته أنه لا يروي إلا عن صحابي قبل مرسله وإلا فلا، لأنهم قد يروون عن غير/ (ب١٧٦) الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -".
стр. 529
قلت: (ويؤيد) ١ ذلك نقل ابن حبان الاتفاق على قبوله عنعنة سفيان بن عيينة، مع أنه كان يدلس، لكنه كان مع ذلك لا يدلس إلا عن ثقة، فقبلوا عنعنته لذلك.
وقد تقدم عن القاضي أبي بكر وغيره ما يعضده ذلك - والله أعلم -.
وبهذا المذاهب يحصل الجمع بين الأدلة (لطرفي) ٢ القبول والرد - والله أعلم -.
[أسباب الإرسال] :
فإن قيل/ (? ٨٦/ب) : فما الحامل لمن كان لا يرسل إلا عن ثقة على الإرسال؟
قلنا: إن لذلك أسباباً منها:
أن يكون سمع الحديث عن جماعة ثقات وصح عنده، فيرسله اعتمادا على صحته عن شيوخه.
كما صح عن إبراهيم النخعي أنه قال: "ما حدثتكم عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - فقد سمعته من غير واحد وما حدثتكم فسميت فهو من سميت"٣.
ومنها: أن يكون نسي من حدثه به وعرف المتن، فذكره مرسلا لأن أصل طريقته أنه لا يحمل إلا عن ثقة.
ومنها: أن لا يقصد التحديث بأن يذكر الحديث على وجه المذاكرة أو على جهة الفتوى، فيذكر المتن، لأنه المقصود في تلك الحالة دون السند، ولا سيما إن كان السامع عارفا بمن طوى ذكره لشهرته أو غير ذلك من الأسباب.
وهذا كله في حق من لا يرسل إلا عن ثقة.
стр. 530
وأما من كان يرسل عن كل أحد فربما كان الباعث له على الإرسال ضعف من حدثه، لكن هذا يقضي القدح في فاعله لما تترتب عليه من الخيانة - والله أعلم –
فإن/ (ي ١٤٧) قيل: فهل١ عرف أحد غير ابن المسيب كان لا يرسل إلا عن/ (ب ص ١٧٧) ثقة.
قلنا: نعم، فقد صحح الإمام أحمد مراسيل إبراهيم النخعي لكن خصه غيره بحديثه عن ابن مسعود٢ - رضي الله تعالى عنه - كما تقدم٣.
وأما مراسيله عن غيره، فقال يحيى القطان: "كان شعبة يضعف مرسل إبراهيم النخعي عن علي٤ - رضي الله تعالى عنه –".
وقال يحيى بن معين: "مراسيل إبراهيم النخعي صحيحة إلا حديث تاجر البحرين وحديث القهقهة".
قلت: وحديث القهقهة مشهور رواه الدارقطني٥ وغيره من طريقه.
وقد أطنب البيهقي في الخلافيات في ذكر طرقه وعلله٦.
стр. 531
وأما حديث تاجر البحرين، فأشار به إلى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه"١ عن وكيع عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي قال: "إن رجلا قال يا رسول الله! إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين فأمره أن يصلى ركعتين".
وقال البيهقي: "من المعلوم أن إبراهيم ما سمع من أحد من الصحابة، فإذا حدث عن النبي ﷺ يكون بينه وبينه اثنان أو أكثر فيتوقف في قبوله من هذه الحيثية، وأما إذا حدث عن الصحابة، فإن كان ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه - فقد صرح هو بثقة شيوخه عنه وأما عن غيره فلا - والله أعلم –".
وصحح ابن عبد البر مراسيل محمد بن سيرين قال: "لأنه كان يتشدد في الأخذ ولا يسمع إلا من ثقة"٢.
وقى يحيى القطان مراسيل سعيد بن جبير/ (ر٧٦/أ) ومراسيل عمرو بن دينار.
والمحفوظ عن كثير من الأئمة في مقابل ذلك شيء كثير لا يسعه هذا المختصر ومن أراد التبحر فليراجع مختصري لتهذيب الكمال/ (ب ١٧٨) - والله الموفق -.
[هل يجوز تعمد الإرسال] :
فإن قيل: هل يجوز تعمد الإرسال أو يمنع٣؟
قلنا: لا يخلو المرسل أن يكون شيخ من أرسل الذي حدث به:
أ- عدلا عنده وعند غيره.
стр. 532
ب- أو غير عدل عنده وعند غيره١.
ج- أو عدلا عنده لا عند غيره.
د- أو غير عدل عنده عدلا عند غيره.
هذه أربعة أقسام:
الأول: جائزة بلا خلاف.
والثاني: ممنوع بلا خلاف.
وكل من الثالث والرابع يحتمل/ (ي ١٤٨) الجواز وعدمه.
وتردد٢ بينهما بحسب الأسباب الحاملة عليه - والله أعلم -.
٣١- قوله (ع) : "وما ذكر في حق من سمى من صغار التابعين أنهم لم يقلبوا من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - إلا الواحد والاثنين ليس بصحيح بالنسبة إلى الزهري"٣.
قلت: تمثيله بالزهري في صغار التابعين صحيح.
فإنه لا يلزم من كونه لقي كثيرا من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - أن يكون من لقيهم من كبار الصحابة حتى يكون هو من كبار التابعين فإن جميع من سموه من مشايخ الزهري من الصحابة كلهم من صغار الصحابة أو ممن لم يلقهم الزهري وإن كان روى عنهم أو ممن لم تثبت له صحبة، وإن ذكر في الصحابة أو من ذكر فيهم بمقتضى مجرد الرؤية مجرد الرؤية ولم يثبت٤ له سماع، فهذا
стр. 533
حكم١ جميع من ذكر من الصحابة في مشايخ الزهري إلا أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - وإن كان من المكثرين فإنما لقيه، لأنه عُمّر وتأخرت وفاته.
ومع ذلك فليس الزهري من المكثرين عنه، ولا أكثر - أيضا - عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله تعالى عنه -/ (٧٦/ب) فتبين أن الزهري ليس من كبار التابعين.
وكيف يكون منهم وإنما جل روايته/ (ب ١٧٩) عن كبار التابعين لا كله؛ لأن أكثرهم مات قبل أن يطلب هو العلم.
وهذا بيّن لمن نظر في أحوال الرجال٢ - والله الموفق -.
٦٥- قوله: "وأبي حازم"٣.
اعترض عليه مغلطاي وتبعه شيخنا شيخ الإسلام في "محاسن الاصطلاح"٤ بأنه ليس من صغار التابعين، فإنه سمع من الحسن بن علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر وغيرهم- ﵃.
قلت: وهو اعتراض فيه نظر، لأن ان الصلاح إنما أراد أبا حازم سلمة بن دينار المدني٥، وهو لم يلق من الصحابة سوى سهل بن سعد وأبي أمامة ابن سهل ﵄ فقط، وأرسل عن من لم يلقه من الصحابة، وجل روايته عن التابعين وأما الذي سمع من الحسن بن علي
стр. 534
- ﵄ فهو أبو حزم الأشجعي/ (ي ١٤٩) مولى عزة واسمه: سلمان١. وهو من مشايخ الزهري، وإنما حصل الاشتباه لأن المصنف لم يذكر أبا حازم سلمة بصفة تميز عن أبي حازم سلمان لكن قرائن الحال (تقضي) ٢ أنه إنما عناه ولو لم يكن إلا في تقديمه الزهري عليه في الذكر، فإن أبا حازم الأشجعي في منزلة شيوخ الزهري في الطبقة - والله أعلم -.
٦٦- قوله (ص) : "وهذا المذهب فرع لمذهب من لا يسمى المنقطع مرسلا"٣.
لا يعني مذهب من يعد رواية صغار التابعين منقطعة.
اعترض عليه شيخنا الإسلام فقال: "هذا فيه نظر بل هو أصل يتفرع ما ذكر انه يتفرع منه"٤.
وأقول: وهذا من (مشترك الإلزام) ٥.
ويظهر لي أن ابن الصلاح لما رأى كثرة القائلين/ (ب ١٨٠) من المحدثين/ (ر ٧٧/أ) بأن المنقطع لا يسمى مرسلا، لأن المرسل يختص عندهم بما ظن منه السقوط الصحابي فقط جعل قول من قال منهم: إن رواية التابعي الصغير إنما تسمى منقطعة لا مرسلة مفرعا ٦ عنه، لأنه مما يظن (أنه سقط) ٧ منه الصحابي والتابعي - أيضا -.
стр. 535
فإن قيل: فعلى هذا كان ينبغي لهم تسميته معضلا لا منقطعا كما سيأتي في تعريف المعضل أنه الذي سقط منه اثنان فصاعدا.
قلنا١: ذاك حيث يتحقق ذلك أم مع الاحتمال فلا يسمى معضلا.
والتحرير أنه لا يسمى منقطعا - أيضا - فرجع إلى قول جمهورهم أنه لا فرق بين التابعي الكبير والصغير في إطلاق اسم الإرسال على مروي كل منهما- والله أعلم -.
[هل سمي الإسناد منقطعا إذا كان فيه مبهم] :
٦٧- قوله (ص) : "إذا قيل في الإسناد عن رجل أو عن شيخ ونحوه, فالذي ذكره الحاكم أنه لا يسمى مرسلا بل منقطعا"٢.
فيه أمران:
أحدهما: أنه لم ينقل كلام الحاكم على وجهه بل أخل منه بقيد/ (٨٨/ب) وذلك أن كلام الحاكم يشير إلى تفصيل فيه وهو: إن كان لا يروى إلا من طريق واحدة مبهمة فهو يسمى منقطعا، وإن روي من طريق مبهمة وطريق مفسرة/ (ي١٥٠) ، فلا تسمى منقطعة ٣ لمكان الطريق المفسرة.
وذلك لأنه قال في نوع المنقطع٤: "وقد يروى الحديث وفي إسناده رجل ليس بمسمى٥ فلا يدخل في المنقطع مثاله: رواية سفيان الثوري عن داود بن أبي هند قال: حدثنا شيخ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ
стр. 536
"يأتي على الناس زمان يخير الرجل فيه بين العجز والفجور فمن أدرك ذلك الزمان/ (ب١٨١) ١ فليختر العجز".
قال رواه وهب بن خالد٢ وعلي بن عاصم٣ عن داود بن أبي هند قال: حدثني رجل من جديلة/ (ر٧٧/ب) يقال له: أبو عمرو عن أبي هريرة ﵁ به".
قال الحاكم: "فهذا النوع الوقوف٤ عليه متعذر إلا على الحفاظ المتبحرين".
قلت: فتبين بهذه الرواية المفسرة أنه لا انقطاع في رواية سفيان، وأما إذا جاء في رواية واحدة مبهمة فلم يتردد الحاكم في تسميته منقطعا وهو قضية صنيع أبي داود في "كتاب المراسيل" وغيره.
الثاني: لا يخفى أن صورة المسألة أن يقع ذلك من غير التابعي، أما لو قال التابعي عن رجل، فلا يخلو إما أن يصفه بالصحبة أم لا، إن لم يصفه بالصحبة فلا يكون ذلك متصلا لاحتمال أن يكون تابعيا آخر، بل هو مرسل على بابه.
وإن وصفه بالصحبة، فقد حكى شيخنا كلام أبي بكر الصيرفي في ذلك وأقره٥. وفيه نظر؛ لأن التابعي إذا كان سالما من التدليس حملت عنعنته على
стр. 537
السماع وإن قلت هذا إنما يتأتى في [حق] ١ كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جل روايتهم عن التابعين، فلا بد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي والفرض أنه لم يسمع حتى يعلم هل أدركه أم لا ٢؟
فينقدح٣ صحة ما قال الصيرفي.
قلت: سلامته من التدليس كافية في ذلك إذ مدار هذا على قوة الظن به وهي حاصلة في هذا المقام - والله أعلم -٣٢- قوله/ (ي ١٥١) (ع) ٤: "بل زاد البيهقي، فجعل ما رواه التابعي عن رجل من الصحابة لم يسم مرسل/ (ب١٨٢) وليس هذا بجيد منه، اللهم إلا إن كان يسميه مرسلا، ويجعله حجة كمراسيل الصحابة ﵃ فهو قريب".
قلت: يريد شيخنا أن يجعل الخلاف من البيهقي لفظيا، وهو توجيه جيد وقد صرح البيهقي بذلك في "كتاب المعرفة"٥ في الكلام على القراءة خلف
стр. 538
الإمام، لكنه خالف ذلك في "كتاب السنن"١ فقال:
- في حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري - حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ في النهي عن الوضوء بفضل المرأة. "وهذا حديث مرسل".
أورد ذلك في معرض رده معتذرا عن الأخذ به ولم يعلله إلا بذلك وهذا مصير منه٢ إلى أن عدم تسمية الصحابي يضر في اتصال الإسناد.
فإن قيل: هذا خاص فكيف يستنبط منه العموم في كل ما هذا سبيله؟
قلت: لأنه لم يذكر للحديث علة سوى ذلك ولو كان له علة غير هذا لبينها، لأنه في مقام البيان٣.
وقد بالغ صاحب الجوهر٤ النقي في الإنكار على البيهقي بسبب ذلك، وهو إنكار متجه٥ - والله أعلم -.
стр. 539
٦٨- قوله (ص) : "حكم المرسل حكم الحديث الضعيف".
اعترض عليه بأنه قرر في النوع الأول أن البخاري إذا علق/ (٨٩/ب) الحديث جازما١ على٢ من علقه عنه دل ذلك على صحة الإسناد بينه وبين من علقه عنه.
وقضية ذلك أن من يجزم من أئمة التابعين عن النبي ﷺ بحديث يستلزم صحة ما بينه وبينه، فكيف أطلق الحكم بالضعف على جميع المراسيل؟
والجواب: أن يقال: إنما اختص البخاري بذلك، لأنه التزم الصحة في كتابه بخلاف غيره من أئمة التابعين فإنهم لم يلتزموا ذلك، فلا٣ بقال: لم يطرد المصنف ذلك في حق البخاري، لأنه قال-فيما أورده في/ (ي١٥٢) كتابه بصيغة التمريض أن ليس فيه حكم بالصحة على من علقه عنه ٤، لأنا لا٥ نسلم ذلك له٦، بل كل ما أورده البخاري في كتابه مقبول إلا أن درجاته متفاوتة في الصحة، ولتفاوتها خالف بين العبارتين/ (ر٧٨/ب) في الجزم والتمريض إلا في مواضع يسيرة جدا أوردها وتعقبها بالتضعيف أو التوقف في صحتها كما سبق موضحا - والله اعلم -.
стр. 540
٦٩- قوله (ص) : "إلا أن يصح مخرجة بمجيئه من وجه آخ" ١ ... إلى آخره.
قد استنكر هذا جماعة من الحنفية ومال معهم طائفة من الأصويين كالقاضي أبي بكر وطائفة من الشافعية.
وحجتهم أن الذي يأتي من وجه إما أن يكون مرسلا أو مسندا. إن كان مرسلا فيكون ضعيف انضم إلى ضعيفا فيزداد ضعفا٢.
وجواب هذا ظاهر على قواعد المحدثين على ما مهدناه في الكلام على الحديث الحسن.
وحاصله: أن المجموع حجة لا مجرد المرسل وحده ولا المنضم وحده، فإن حالة الاجتماع تثير ظنا غالبا وهذا شأن لكل ٣ ضعيفين اجتمعا كما تقدم.
ونظيره خبر الواحد إذا احتفت به القرائن يفيد العلم عند/ (٩٠/أ) قوم كما تقدم.
ومع أنه لا يفيد ذلك بمجرده ولا القرائن بمجردها. قالوا: وإن كان مسندا فالاعتماد عليه، فيقع المرسل لغوا، وقد قوى ابن الحاجب الإيراد الثاني.
وقد أجاب عنه المصنف بقوله: إنه بالمسند يتبين صحة الإسناد الذي فيه الإرسال حتى يحكم له مع إرساله بكونه صحيحا/ (ب١٨٤) ٤.
وأجاب عنه الشيخ محي الدين بجواب آخر٥ ذكره شيخنا، وهو أنه يفيد [قوة] ٦ عند التعارض.
стр. 541
قلت: وظهر لي جواب آخر وهو: أن المراد بالمسند الذي يأتي من وجه آخر ليعضد المرسل ليس هو المسند الذي يحتج به على انفراده بل هو الذي يكون فيه مانع من الاحتجاج به على انفراده مع صلاحيته للمتابعة.
فإذا وافقه مرسل لم يمنع من الاحتجاج به إلا إرساله عضد كل منهما الآخر ١، تبين/ (ي ١٥٣) بهذا أن فائدة مجيء هذا المسند لا يستلزم أن يقع المرسل لغوا - والله الموفق -.
وقد كنت أتبجح بهذا الجواب وأظن أنني لم أسبق إلى تحريره حتى وجدت نحوه في المحصول للإمام فخر الدين. فإنه ذكر هذه المسألة ثم قال: "هذا في سند لم تقم به الحجة في إسناده"٢.
قلت: فازددت لله شكرا على هذا الوارد - والله الموفق -.
٧٠- قوله (ص) : "وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ أهل الحديث" ... إلى آخره ٣
اعترض عليه مغلطاي بأن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري ذكر أن التابعين أجمعوا بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين.
قال ابن عبد البر: "يشير أبو جعفر بذلك إلى الشافعي٤ ﵁ –" انتهى.
وكذا نقل ابن الحاجب في مختصره إجماع التابعين/ (? ٩٠/ب) على قبول المرسل
стр. 542
لكنه مردود على مدعيه، فقد قال سعيد بن المسيب - وهو من كبار التابعين-: إن المرسل ليس بحجة.
نقله عنه الحاكم، وكذا تقدم نقله عن محمد بن سيرين وعن الزهري وكذا كان يعيبه شعبة وأقرانه والآخذون عنه كيحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي وغير واحد١ وكل هؤلاء قبل الشافعي.
ونقله الترمذي٢ عن أكثر أهل الحديث.
وكذا ما وقع في رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف السنن قال: "وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي فتكلم فيه تابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره"٣.
قلت: فبان أن دعوى الإجماع مطلقا أو إجماع التابعين مردودة. وغايته أن الاختلاف كان من التابعين ومن بعدهم.
وما نقله أبو داود عن/ (ر٧٩/ب) مالك ومن معه معارض بما نقلناه عن / (ي١٥٤) شعبة ومن معه، ولم يزل الخلاف موجودا، لكن المشهور عن أهل الحديث خاصة عدم القول بالمرسل- والله أعلم -.
تنبيه:
تقدم النقل عن ابن عبد البر وغيره٤ أن من قال بالمرسل لا يقول به على الإطلاق، بل شرطه أن يكون المرسل ممن يحترز في الرواية، أما من كان يكثر
стр. 543
الرواية عن الضعفاء أو عرف من شأنه أنه يرسل عن الثقات والضعفاء، فلا يقبل مرسله مطلقا.
وممن حكاه - أيضا- أبو بكر الرازي من الحنفية.
وهذا وارد على إطلاق المصنف النقل عن المالكية والحنفية أنهم يقبلون المرسل مطلقا، وكذا نقل الحاكم عن مالك أن المرسل عنده ليس بحجة١، وهو نقلم (?٩١/أ) مستغرب، والمشهور خلافه ٢ - والله أعلم -.
ثم لا يخفى أن محل قبول المرسل عند من يقبله إنما هو حيث يصح باقي الإسناد، أما إذا أشتمل على علة أخرى فلا يقبل، فهذا واضح ولم يذكر المصنف مذهب أحمد بن حنبل في المرسل، والمشهور عنه الاحتجاج به٣ لأنه٤ في رسالة أبي داود كما ترى أن أحمد وافق الشافعي على عدم الاحتجاج به. واقتضى إطلاق المصنف النقل عن المالكية والحنفية أنهم (يقبلونه) ٥ مطلقا وليس كذلك، فإن عيسى بن أبان وابن الساعاتي وغيرهما من الحنفية وابن الحاجب ومن تبعه من المالكية لا يقبلون منه إلا ما أرسله إمام من أئمة النقل، بل رده القاضي الباقلاني٦ مطلقا ونازع في قبوله إذا اعتضد - أيضا -.
وقال: الصواب رده مطلقا وهو من أئمة المالكية- والله أعلم -.
٣٣-قوله (ع) : "بل الصواب أن يقال: لأن أكثر رواياتهم- يعني/ (ر٨٠/أ)
стр. 544
الصحابة - عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعد التابعين"١.
قلت: وهو تعقب صحيح، لكن ألزم بعض الحنفية من يرد المرسل بأنه يلزم على أصلهم عدم قبول مراسيل الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -.
وتقرير ذلك أنه إذا لم/ (ي١٥٥) يعلم أنه سمعه من النبي ﷺ احتمل أن يكون سمعه منه، أو من صحابي آخر، أو من تابعي ثقة، أو من تابعي ضعيف، فكيف يجعل حجة والاحتمال قائم؟
والانفصال عن ذلك أن يقال: قول الصحابي: قال٢ - رسول الله ﷺ ظاهر في أنه سمعه منه أو من صحابي آخر، فالاحتمال أن يكون سمعه من تابعي ضعيف نادرا جدا لا يؤثر في الظاهر، بل حيث رووا عن من هذا سبيله بينوه ٣ وأوضحوه.
وقد تتبعت روايات الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - عن التابعين/ (٩١/ب) وليس فيها من رواية صحابي عن تابعي ضعيف في الأحكام شيء يثبت. فهذا يدل على ندور أخذهم عن من يضعف من التابعين - والله أعلم -.
٣٤- قوله (ع) : "فإن المحدثين وإن ذكروا مراسيل الصحابة- ﵃ فإنهم/ (ب١٨٧) لم يختلفوا في الاحتجاج بها"٤.
стр. 545
قلت: في إطلاق هذا النفي عن المحدثين نظر، فإن أبا الحسن ابن القطان صاحب "بيان الوهم والإيهام" منهم وقد رد أحاديث من مراسيل عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ليست لها علة إلا ذلك.
منها: حديث جابر في صلاة جبريل ﵊ بالنبي ﷺ -١ وغير ذلك - والله أعلم -.
٣٥- قوله (ع) : "ودعوى الاتفاق مردود بقول الأستاذ أبي إسحاق ﵀ –"٢.
قلت: قد صرح غيره بأن الاتفاق ر٨٠/ب كان حاصلاً قبل الأستاذ فجعل الأستاذ محجوبا بذلك.
وفي ذلك نظر، فقد قدمنا قبل٣ في الكلام على المرسل عن جماعة من أئمة الأصول بما يقتضي موافقة الأستاذ وفيهم من هو قبله، فلم ينفرد بذلك في الجملة - والله أعلم -.
стр. 546
النوع العاشر: المنقطع
٧١-قوله/ (ي١٥٦) (ص) ١: "بعد أن ذكر في أمثلة المنقطع رواية عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق"٢ ... الحديث.
فهذا الإسناد إذا تأمله الحديثي ظنه متصلا إلى آخره، وفيه أمران:
أحدهما: أن هذا المثال إنما يصلح للحديث المدلس لأن كل راو من رواته قد لقي شيخه فيه وسمع منه وإنما طرأ الانقطاع فيه من قبل التدليس.
والأولى في مثال المنقطع أن يذكر ما انقطاعه فيه من عدم اللقاء - كمالك عن ابن عمر ﵁، والثوري عن إبراهيم النخعي/ (?٩٢/أ) وأمثال ذلك.
الثاني: قوله: أن الحديثي إذا تأمله ظنه متصلا، يريد بقوله الحديثي المبتدى في طلب الحديث.
وقد ظن بعضهم أنه أراد به المحدث، فقال: "كان ينبغي أن يقول: غير الحديثي، لأن المحدث إذا نظر في إسناد فيه مدلس قد عنعنه لم يحمله على الاتصال من أجل التدليس، فالأليق٣ حمل كلامه على أنه أراد بقوله الحديثي المبتدي - والله أعلم -.
стр. 547
٧٢- قوله: (ص) ١: "ومنها ٢: ما حكاه الخطيب عن بعض أهل العلم بالحديث أن المنقطع ما روي عن التابعي أو من دونه موقوفا عليه"٣.
قلت: والمبهم المذكور هو: الحافظ أبو بكر: أحمد بن إبراهيم البرديجي، ذكر ذلك في جزء له لطيف تكلم فيه على المرسل والمنقطع.
وفات المصنف/ (ر٨١/أ) من حكاية في المنقطع ما قاله أبو الحسن إلكيا الهراسي٤ في تعليقه، فإنه ذكر فيه: أن مصطلح المحدثين أن المنقطع ما يقول فيه الشخص: قال رسول الله ﷺ من غير إسناد أصلا.
والمرسل: ما يقول فيه حدثني فلان عن رجل.
قال ابن الصلاح في فوائد رحلته: "هذا لا يعرف عن أحد من المحدثين ولا عن غيرهم، وإنما هو من كسبه٥ - والله أعلم –".
ثم إن المصنف لم يتعرض لحكم المنقطع كما تعرض لحكم المرسل وحكاية الخلاف في قبوله ورده.
وقد قال ابن/ (ي١٥٧) السمعاني: "من منع من قبول المرسل، فهو أشد منعا لقبول المنقطعات، ومن قبل المراسيل اختلفوا".
قلت: وهذا على مذهب من يفرق بين المرسل والمنقطع، أما من يسمي الجميع مرسلا على ما سبق تحريره ٦، فلا - والله أعلم -.
стр. 548
وكذلك/ (٩٢/ب) لم يذكر المصنف مدارك الانقطاع، وقد ذكر منه١ شيئا في "النوع الثامن والثلاثين"٢ وهو: المراسيل الخفي إرسالها، وسأذكر بسط ذلك هناك إن شاء الله - والله أعلم -.
стр. 549
النوع الحادي عشر: المعضل
٧٣- قوله/ (ب ١٨٩) (ص) : "المعضل اصطلاحا: وهو عبارة عما سقط منه اثنان فصاعدا ١ ... إلى آخره".
قلت: وجدت التعبير بالمعضل في كلام الجماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه شيء البتة.
فمن ذلك: ما قال محمد بن يحيى الذهلي - في الزهريات -:
حدثنا أبو صالح الهراني٢ ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يعتكف فيمر بالمريض فيسلم عليه ولا يقف".
قال/ (ر٨٢/ب) الذهلي: "هذا حديث معضل لا وجه له إنما هو فعل عائشة ﵂ ليس للنبي ﷺ فيه ذكر والوهم فيما نرى من ابن لهيعة"٣.
стр. 550
ومن ذلك: قال النسائي - في اليوم الليلة -: ثنا يزيد بن سنان١ نا مكي بن إبراهيم٢، عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: "متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ .." الحديث.
قال النسائي:" هذا حديث معضل لا أعلم من رواه غير مكي، لا بأس به، لا أدري من أنبأني به".
ومن ذلك قال أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني٣ - في ترجمة ضبارة بن عبد الله٤ أحد الضعفاء -: "روى حديثا معضلا"٥ وهو متصل الإسناد.
стр. 551
وقال ابن عدي - في ترجمته زهير بن مرزوق - في "الكامل":
قال ابن معين: "لا أعرفه".
قال:/ (ي ١٥٨) "وإنما قال ابن معين ذلك لأنه ليس له إلا حديث معضل وساقه، وإسناده متصل١ / (? ٩٣/أ) ".
وقال الحاكم أبو أحمد - في ترجمة الوليد بن محمد الموقري -٢: "كتبنا له عن المسيب بن واضح٣ أحاديث مستقيمة، ولكن حاجب٤
стр. 552
ابن الوليد/ (ب١٩٠) وعلي بن حجر١ حدثا٢ عنه بأحاديث معضلة.
وقال ابن عبد البر: "في حديث رواه عبد الجبار بن أحمد السمرقندي عن محمد بن عبد الله المنقري عن ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
لا مدخل لسعيد ولا لأبي هريرة ﵁ في هذا الحديث، وإنما رواه الزهري عن علي بن الحسين ﵁ -٣ / (ر٨٢/أ) وهذا مما أخطأه فيه عبد الجبار وأعضله.
стр. 553
قال أبو الفتح الأزدي١- في ترجمته محمد بن عبد الله بن زياد الأنصاري - ٢: "روى عن ملك بن دينار معاضيل"٣.
ونسخة هذا الرجل هي عن مالك بن دينار عن أنس- ﵁ وغيره، ولا انقطاع فيها.
فإذا تقرر هذا فإما أن يكونوا يطلقون المعضل لمعنيين، أو يكون المعضل الذي عرف به المصنف وهو المتعلق بالإسناد بفتح الضاد، وهذا ٤ الذي نقلناه ٥ من كلام هؤلاء الأئمة بكسر الضاد ويعنون به المستغلق الشديد. وفي الجملة فالتنبيه على ذلك كان متعينا.
فإن قيل: فمن سلف المصنف - في نقله - أن هذا النوع يختص بما سقط من إسناده اثنان فصاعدا؟
قلنا: سلفه في ذلك علي بن المديني ومن تبعه.
وقد حكاه الحاكم في علوم الحديث عنهم.
فإنهم قالوا: المعضل: أن يسقط بين الرجل وبين النبي - صلى الله عليه
стр. 554
وسلم - أكثر من رجل والفرق بينه وبين المرسل أن/ (٩٣/ب) المرسل مختصر التابعين دون غيرهم١ - والله الموفق -.
٧٤- قوله (ص) : "ولا التفات في ذلك إلى معضا بكسر الضاد"٢.
اعترض عليه مغلطاي/ (ي ١٥٩) بناء على فهمه من كلامه أن مراده نفي جواز استعمال معضل - بكسر الضاد - فقال: "كأنه يريد أن كسر الضاد من معضل ليس عربيا٣. وليس كذلك فإن صاحب الموعب حكاها. وفي الأفعال: عضل الشيء عضلا: أعوج - يعني - فهو معضل".
قلت: ولم يرد ابن الصلاح نفي ذلك مطلقا، وإنما أراد أنه لا يؤخذ منه معضل بفتح الضاد، لأن معضل بكسر الضاد من رباعي قاصرة، والكلام إنما هو في رباعي متعد٤.
وعضيل: يدل عليه، لأن فعيلا بمعنى مفعل إنما يستعمل في المتعدي.
وقد فسر عضيل بمستغلق بفتح اللام فتبين أنه رباعي متعد وذلك يقتضي صحة قولنا معضل بفتح الضاد، وهو المقصود.
هكذا قرره شيخنا شيخ الإسلام.
ثم قال: "وفي الجملة فالأحسن أن يكون من أعضلته إذا صيرت أمره معضلا"٥.
стр. 555
قلت: فكأن المحدث الذي حدث به على ذلك الوجه أعضله فصار معضلا، وبهذا التقرير يندفع الإشكال١ - والله أعلم-.
٧٥- قوله (ص) : "وإذا روى تابع التابع عن التابع حديثا موقوفا وهو متصل مسند"....٢ إلى آخره.
مراده بذلك تخصيص هذا القسم الثاني من قسمي المعضل- بما اختلف الرواة فيه على التابعي، بأن يكون بعضهم وصله مرفوعا، وبعضهم وقفه على التابعي، بخلاف القسم الأول، فإنه أعم من أن يكون له إسناد آخر متصل أم لا.
تنبيه:
قال الجوزجاني٣- في/ (? ٩٤/أ) مقدمة كتابه في الموضوعات:
"المعضل أسوأ حالا من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالا من المرسل والمرسل لا تقوم به حجة"٤.
стр. 556
قلت: وإنما يكون المعضل أسوأ حالا من المنقطع إذا كان الانقطاع في موضع واحد من الإسناد، وأما إذا كان في موضعين أو أكثر، فإنه يساوي المعضل في سوء/ (ي ١٦٠) الحال/ (ب١٩٢) - والله تعالى أعلم -.
٣٦- قوله (ع) : "وقد استشكل كون هذا الحديث معضلا لجواز أن يكون الساقط بين مالك وبين أبي هريرة ﵁ واحدا.... ١" إلى آخره.
أقول: بل السياق يشعر عدم السقوط، لأن (معنى) ٢ قوله بلغني يقتضي ثبوت مبلغ، فعلى هذا فهو متصل في إسناده مبهم لا أنه منقطع.
وقول الشيخ في الجواب: "إنا عرفنا منه سقوط اثنين" ٣ فيه نظر على اختياره، أنه يرى أن الإسناد الذي فيه مبهم لا يسمى منقطعا كما صرح به، فعلى هذا لم يسقط من الإسناد بعد التبين سوى واحد.
وأما أبو نصر٤ الذي نقل أنه يسمى معضلا، فجرى على طريقة من يسمى الإسناد إذا كان فيه مبهم منقطعا - والله أعلم -.
стр. 557
٣٧- قوله /أ (ع) : "في الإسناد المعنعن والصحيح أنه من قيبل الإسناد المتصل وكاد أبو عمر ابن عبد البر أن يدعي إجماع أئمة النقل على ذلك"١.
إنما عبر هنا بقوله: كاد؛ لأن ابن عبد البر إنما جزم إجماعهم على قبوله، ولا يلزم منه إجماعهم على أنه من قبيل المتصل.
٧٦- قوله: ب (ص) : فيه "وادعى أبو عمرو الداني إجماع أهل النقل على قبوله" ٢.
قلت: إنما أخذه الداني من كلام الحاكم، ولا شك أن نقله عنه أولى لأنه من أئمة الحديث، وقد صنف في علومه وابن الصلاح كثير النقل من كتابه، فالعجب ٣ كيف نزل عنه إلى النقل/ (٩٤/ب) عن الداني.
قال الحاكم: "الأحاديث المعنعنة التي ليس فيها تدليس متصلة بإجماع أئمة النقل"٤.
وأعجب من ذلك أن الخطيب قاله في الكفاية٥ التي هي٦ معول المصنف في هذا المختصر، فقال:
"أهل العلم مجمعون٧ على أن قول المحدث: حدثنا فلان عن فلان صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره/ (ب ص ١٩٣) يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه/ (ر ٨٣/ب) ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث مدلسا.
стр. 558
(ولا يعلم أنه يستجيز) ١ إذا حدثه شيخه عن بعض من أدركه حديثا/ (ي١٦١) نازلا فسمى بينهما في الإسناد من حدثه به - أن يسقط شيخ شيخه ويروي الحديث عاليا بعد أن يسقط الواسطة.
قلت: ومراد الخطيب بهذا الاحتراز أن لا يكون المعنعن مدلسا ولا مسويا٢، ولكن في نقل الإجماع بعد هذا كله نظر، فقد ذكر الحارث المحاسبي ٣ - وهو من أئمة الحديث والكلام - في كتاب له سماه "فهم السنن" ما٤ ملخصه: "أن أهل العلم اختلفوا فيما يثبت به الحديث على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه لا بد أن يقول كل عدل في الإسناد: حدثني أو سمعت إلى أن ينتهي إلى النبي ﷺ ، فإذا لم يقولوا كلهم ذلك أو لم يقله بعضهم، فلا يثبت لأنهم عرف من عادتهم الرواية بالعنعنة فيما لم يسمعوه.
الثاني: التفرقة بين المدلس وغيره، فمن عرف لقيه وعدم تدليسه قبل وإلا فلا.
الثالث: من عرف لقيه وكان يدلس لكن لا يدلس إلا عن ثقة قبل وإلا فلا.
ففي حكاية القول الأول خدش في دعوى الإجماع السابق إلا أن يقال إن
стр. 559
الإجماع راجع إلى ما استقر عليه الأمر بعد انقراض/ (٩٥/أ) الخلاف السابق فيخرج على المسألة الأصولية في قبول١ الوفاق بعد الخلاف.
ومع ذلك فقد قال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني: "إذا قال الصحابي ﵁ قال رسول الله ﷺ كذا أو عن رسول الله ﷺ أنه قال كذا أو أن رسول الله ﷺ (ر٨٤/أ) قال كذا، لم يكن ذلك صريحا في أنه سمعه من النبي ﷺ هو محتمل لأن قد سمعه منه أو من غيره عنه.
فقد حدث جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ بأحاديث، ثم ظهر أنهم سمعوها من بعض الصحابة ﵃ –"٢.
قلت: وهذا بعينه هو البحث في مرسل الصحابي٣- ﵃ وقد قدمت ما فيه٤، وأن الجمهور على جعله حجة.
وإنما الكلام هنا في أن/ (ي١٦٢) العنعنة ولو كانت من غير المدلس هل تقتضي السماع أم لا فكلام القاضي يؤيد ما نقله الحارث المحاسبي عن أهل القول الأول - والله أعلم -.
تنبيه:
حاصل كلام المصنف أن الفظ (عن) ثلاثة أحوال:
أحدها: أنها بمنزلة حدثنا وأخبرنا بالشرط السابق.
стр. 560
الثاني: إنها ليست بتلك المنزلة إذا صدرت عن مدلس وهاتان (الحالتان) ١ مختصتان بالمتقدمين.
وأما المتأخرون وهم من بعد الخمسمائة وهلم جرا فاصطلحوا عليها للإجازة، فهي بمنزلة أخبرنا، لكنه إخبار جملي كما سيأتي تقريره في الكلام على الإجازة وهذه الحالة الثالثة.
ولأجل هذا قال المصنف٢: "لا يخرجها ذلك (من) ٣ قبيل الاتصال٤إلا أن الفرق بينهما وبين الحالة الأولى مبني على الفرق فيما بين السماع والإجازة، لكون السماع أرجح - والله أعلم –".
وإذا تقرر هذا فقد فات المصنف حالة أخرى/ (٩٥/ب) لهذه اللفظة وهي خفية جدا قل من نبه عليها، بل لم ينبه عليها أحد من المصنفين في علوم الحديث مع شدة الحاجة إليها وهي إنها ترد ولا يتعلق بها حكم باتصال ولا انقطاع بل يكون المراد بها سياق القصة سواء أدركها الناقل أو لم يدركها ويكون/ (ر٨٤/ب) هناك شيء محذوف مقدر/ (ب ١٩٥) ومثال ذلك:
ما أخرجه ابن أبي خيثمة٥ في "تأريخه" عن أبيه٦ قال: ثنا أبو بكر بن
стр. 561
عياش. ثنا أبو إسحاق عن أبي الأحوص ١ أنه خرج عليه خوارج فقتلوه.
فهذا لم يرد أبو إسحاق بقوله عن أبي الأحوص أنه أخبره به وإنما فيه شيء محذوف تقديره عن قصة أبي الأحوص أو عن شأن أبي الأحوص أو ما أشبه ذلك، لأنه لا يمكن أن يكون أبو الأحوص حدثه بعد قتله.
ونظير ذلك: ما رواه ابن مندة في المعرفة في ترجمة معاوية بن معاوية الليثي قال:
أنا محمد بن يعقوب٢: ثنا ابن أبي داود٣ ثنا يونس بن محمد ثنا صدقة بن أبي سهل٤، عن يونس بن عبيد٥ عن الحسن عن معاوية بن معاوية ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ كان/ (ي١٦٣) غازيا بتبوك، فأتاه
стр. 562
جبريل ﵊، فقال: يا محمد هل لك في جنازة معاوية بن معاوية؟
قال ﷺ : نعم. فقال جبريل ﵇: هكذا بيده، ففرج له عن الجبال والآكام" فذكر الحديث.
قال ابن مندة: "هكذا قال يونس بن محمد عن معاوية والصواب مرسل".
قلت: ووجه الإشكال فيه أن معاوية ﵁ مات في حياة النبي ﷺ (كما ترى) ١، فكيف يتهيأ للحسن أن يسمع منه قصة موته، ويحدث بها عنه.
وما المراد إلا ما ذكرت أنه لم يقصد/ (٩٦/أ) بقوله: "عن معاوية" الرواية وإنما يحمل على محذوف تقديره عن قصة معاوية بن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ إلى آخره. فيظهر حينئذ الإرسال.
ونظير ذلك: ما ذكره موسى بن هارون/ (ر٨٥/أ) الحمال ونقله عنه أبو عمر ابن عبد البر في كتاب التمهيد/ (ب ص ١٩٦) فقال: روى مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي٢ عن عيسى بن طلحة٣٤ عن عمير بن سلمة٥ عن البهزي٦ قال:
стр. 563
"إن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "دعوه، فإنه يوشك أن يأتي صاحبه فجاء البهزي وهو صاحبه، فقال: شأنكم به" ١.. الحديث.
هكذا رواه مالك٢ وتابعه غيره٣.
وظاهر هذا يعطي أن عمير٤ بن سلمة رواه عن البهزي وليس كذلك بل عمير بن سلمة حضر القصة وشاهدها كلها، فقد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد٥ عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة قال: "بينما نحن مع رسول الله ﷺ " فذكر هذا الحديث.
وكذا رواه عبد ربه بن سعيد٦ عن محمد بن إبراهيم.
وكذا رواه حماد بن زيد وغير واحد عن يحيى بن سعيد شيخ مالك.
стр. 564
قال موسى بن هارون: "والظاهر أن قوله: عن البهزي من زيادة يحيى بن سعيد كان أحيانا يقولها، وأحيانا لا يقولها، وكان هذا جائزا عند المشيخة/ (ي ١٦٤) الأولى أن يقولوا: عن فلان، ولا يريدون بذلك الرواية وإنما معناه١ عن قصة فلان". انتهى كلام موسى بن هارون ملخصا٢.
وهو صريح فيما قصدناه.
وقال ابن عبد البر - في حديث - بسر بن سعيد٣ عن أبي سعيد الخدري عن أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه - في قصة الاستئذان ثلاثا: "ليس المقصود من هذا/ (ر٨٥/ب) رواية أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - لهذا الحديث عن أبي موسى لأن أبا موسى سمعه/ (ب١٩٧) من النبي ﷺ وشهد بذلك لأبي سعيد عند عمر ﵁ وإنما وقع هذا على سبيل التحرز، والمراد عن أبي سعيد، عن قصة أبي موسى٤- ﵁ –".
قلت: وأمثلة هذا كثيرة ومن تتبعها وجد سبيلا إلى التعقب على أصحاب المسانيد، ومصنفي الأطراف، في عدة مواضع يتعين الحمل فيها على ما وصفنا من المراد بهذه العنعنة - والله أعلم -.
٧٧- قوله (ص) : "فروينا عن مالك أنه كان يرى "عن فلان" و"أن فلانا" سواء وعن أحمد بن حنبل أنهما ليسا سواء"٥.
قلت: ليس كلام كل منهما على إطلاقه، وذلك يتبين من نص سؤال كل منهما عن ذلك.
стр. 565
أما مالك، فإنه سئل عن قول الراوي: "عن فلان أنه قال: كذا" و"أن فلانا قال: كذا"١.
فقال: "هما سواء", وهذا واضح.
وأما أحمد، فإنه قيل له: إن رجلا قال: عن عروة عن عائشة، وعن عروة أن عائشة ﵂ سألت النبي ﷺ هل هما سواء؟ فقال: "كيف يكونان سواء؟ ليسا سواءا"٢.
فقد ظهر الفرق بين مراد مالك وأحمد.
وحاصله أن الراوي إذا قال: "عن فلان" فلا فرق أن يضيف إليه القول أو الفعل في اتصال ذلك عند الجمهور بشرطه السابق٣.
وإذا قال إن فلانا ففيه فرق
وذلك أن ينظر، فإن كان خبرها قولا لم يتعد لمن لم يدركه التحقت بحكم "عن" بلا خلاف.
كأن/ (٩٧/أ) يقول التابعي: أن أبا هريرة ﵁ قال/ (ي ١٦٥) : "سمعت كذا"، فهو نظير ما لو قال: "عن/ (ر٨٦/أ) أبي هريرة أنه قال: "سمعت كذا".
وإن كان خبرها فعلا نظر إن كان/ (ب ١٩٨) (الراوي) ٤ أدرك ذلك التحقت بحكم "عن" وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها.
فكون يعقوب بن شيبة قال في رواية عطاء عن ابن الحنفية: أن عمارا مر بالنبي ﷺ هذا مرسل.
إنما هو من جهة كونه أضاف إلى صيغة الفعل الذي لم يدركه ابن الحنفية، وهو مرور عمار.